مراجعات الكتب

أيمن الدبّوسي يتتبّع سيرة “وحش” يبشّر بنهاية العالم!/ عمّار المأمون

07.02.2026

مرّة أخرى، ينتهي العالم في رواية لأيمن الدبّوسي، فبعد “أخبار الرازي”، تقوم القيامة هذه المرّة في روايته الجديدة “حلم الحلزون”، التي يستكشف فيها الدبّوسي الخيال العلمي، ضمن عالم ديستوبي، تبلع سكّانه الشاشات حدّ الطاعة، مساحة ينتظر سكّانها الذين فقدوا ظلّهم “دابّة ناطقة” لتعلن أن كلّ شيء انتهى.

يكتشف الدبّوسي صاحب “انتصاب أسود”، جغرافيا “شرق المتوسّط”، في بلاد متخيّلة اسمها  “الجمهورية الأهلية الوسطى”، التي يحكمها ذكاء صناعي باسم “الراعي الأبدي”، الذي يتحكّم بـ”كلّ شيء”، صورته واسمه يتردّدان في كلّ لوحات الإعلانات والشاشات، تحيط به شعارات الجمهورية: “الوحدة، الأبدية، الأمّة… وعي واحد شعب واحد”.

نحن أمام نظام توتاليتاري يوظّف المراقبة الفائقة، ويتحكّم بالوعي وبـ”الحقيقة”، يصادر الذات نحو الطاعة بقناع الاستهلاك حدّ الإغماء،  فالعصيان يعني هلاك “الجميع”، فشرط الحياة نفسه معطوب، إذ تأسّست الجمهورية الجديدة بعد “حرب الاشتعال الأخير”، والضربات النووية والانهيار المناخي،  لتظهر الجمهورية كـمدينة مغلقة ذات حدود، تحمي من فيها من “التدفّق الإنساني غير المرغوب فيه”، حدود تفصل بين “الإنسان وظلّه، بين الرغبة في العبور وحقّ التعبير عنها”.

الشهوة عتبة انهيار العالم؟

في تلك الجغرافيا الديستوبية، يفتتح الدبّوسي الرواية بلقاء بين ملاك ونور في مصعد بناء، مُصادفة بحتة، دون أيّ تمهيد، وفجأة، تتحوّل  هذه المصادفة  وما تختزنه الأعين من سحر وشبق، إلى مغامرة جنسية بين غريبين، رهز نظنّه ينتهي باختلاط المياه بالمياه، لكن، وهنا ندخل عتبة التخييل، يعجز نور وملاك عن الانفصال، يتحوّل اللحم المؤغلم إلى بدن واحد، وحشي، ذي “قوّة خارقة”، لا تُكسبهما فقط القدرة الجسدية، بل أيضاً، أصبحا وجوداً مختلفاً عن الباقين.

هذه القدرة على الانتهاك، خيانة الزوجين، وتجاهل “العالم” والتسلّل خفية بينما الجميع يشاهد مباراة كرة قدم، تقودنا إلى الرغبة الصرفة، تلك الرغبة بالاكتمال، التي لطالما كانت وهماً هذيانياً، لكنّها تتحقّق في الرواية، لحظة شجاعة على اتّخاذ القرار والتخلّي عن القيود الذاتية، انتصاراً للشهوة، وعبور عتبة لا عودة من بعدها.

 هذه الشجاعة/ الانتهاك، تهدّد وجود الواقع نفسه وتكوينه وقوانينه، انتهاك انتهى بانمساخ، حوّل الاثنين إلى فرد، كيان هو بطل المغامرة الجديدة التي فتّت عوالم “الاثنين” ليصبحا واحداً، خنثى،  وشرخت “العالم” نفسه في “الجمهورية الأهلية الوسطى”.

“معالم في السرد”

نستكشف مع الدبّوسي معالم المدينة والسرد على حدّ سواء، مدينة يقفز “الوحش” على أسطحها، ويعوي تحت القمر كمسخ من العصور الوسطى، لكنّنا لسنا أمام مستذئب، بل كائن شبقي يحيي أساطير كائنات أخرى، كذاك الذي حلم به أفلاطون، أو نسخة مضاعفة من “النسناس”، وكأيّ غريب استوحش أهل المدينة هذا الكائن، كلّ هذا بينما نور وملاك يخوضان حواراً / تخاطراً حدّ الشجار، هل هما شخصيّتان في حكاية؟ هل يهلوسان؟ هل يستسلمان للسرد ويلعبان أدوارهما؟

معالم السرد وتقنياته والإحالات والتعليقات على الثقافة الشعبية، تظهر قدرة الدبّوسي على اللعب مع فنّ الحكاية نفسه، إذ يستحضر مجاز الكهف الشهير الخاصّ بأفلاطون، وعوضاً عن الظلال هناك الشاشات، حيث الوهم والحقيقة يمشيان يداً بيد، ليظهر الوحش ساخراً، أحياناً بصوت الدبّوسي، يتهكّم من أغنية “كيرلس ويسبر”، التي “استُهلكت حتى فقدت روحها”، ويستحضر تارنتينو وغيرهما، والأهمّ، يطرح تساؤلات حول بناء الحبكة على لسان الوحش، الذي يرفض مغادرة “الرواية” ولا “يبحث عن مؤلّف”، بل يحاول تقديم درس في الخيال، يلخّص ببساطة بأن علينا ألا ننسى “إلحاح اللحظة” في الحكاية، لأنه بمجرّد النسيان “نحكم على أنفسنا بالفناء”.

هذه التعليقات على السرد، تتّضح في تلخيص ساخر يقدّمه الدبّوسي، تحدّ يضع السارد أمام القارئ، إذ يقترح “الوحش الخنثى” على القارئ/ سكّان المدينة/ السلطة “حكاية لن يتمكّنوا من فهمها أبداً”، لكن “ويل لمن لا يملك قصّة”، فمن لا يملك قصّة “يتبدّد في الفراغ”، إذ يتعامل الدبّوسي مع الحكاية بوصفها ضرورة وجودية، علماً أنه يكتشف مع شخصيّاته احتمالات التلاشي، ورعباً متعدّداً يستعرض فيه الدبّوسي قدرته على الترجمة، مثلاً واصفاً إياّه بـ”الأليف اللاموصوف”، ربما في إحالة إلى لفظ Uncanny، ذاك القادم من التحليل النفسي، الذي تعجز العربية عن ضبط ترجمته إلى الآن.

مساحات الاكتشاف

تحضر في الرواية معالم من ألعاب الفيديو، حيث تظهر “العوائق” والجدران فجأة مثلاً، دون سابق إنذار، أو يتعرّض “الوحش” للضرب ثم ينجو ولا يموت، وكأن هناك “طاقة حياة” مُتجدّدة، أو أن الجميع أسرى “لعبة فيديو” من نوع ما، تمنعهم من مغادرة المكان حتى انتهاء “اللعبة”، التي يهجم فيها “الزومبيز” الذين خدّرتهم الشاشات وأشعلت نشاطهم النبوءات الدينية حدّ الهذيان، والسؤال أنحن أمام الأعور الدجّال؟ الناقة التي تنطق؟ دابّة نهاية العالم؟

يسعى الدبّوسي لاكتشاف معالم متعدّدة من “شرق المتوسّط”، إذ يعتقل الوحش الغامض، ويتراكض الناس لمعرفته، واستجوابه، ما هذا الغريب الذي يعوي ليلاً؟ هذه “الثورة” التي بشّر بها الكائن؟ لكن تتكشّف “بشرية” نور وملاك في المنفردة، حيث يغطس كلّ واحد منهما في ذاته ليكتشف ماهيّته، تلاشيه ووجوده المادّي، خصوصاً أنه في الزنزانة ذاتها، ينفصل نور وملاك، بصورة ما، وحشة الزنزانة قد تدفع الفرد بعيداً عن ذاته، تشطرها، وتفتّتها، مع ذلك، هناك ما هو عصيّ على الفهم، كيف يجري ما يجري؟ هل ينتهي العالم بسبب مغامرة جنسيّة؟ ربما نعم، إذ يعود الشبق محرّكاً للتغيّر، ويلتحم نور وملاك مرّة أخرى لمواجهة “العالم”.

يا جنّة الكيتامين…

يستحضر الدبّوسي أدوات متعدّدة لمحاولة فهم ما يحصل، أو محاولة الخلاص، وهنا تحضر أدبيات المخدّرات، إذ نقرأ عن حفرة الكيتامين، والتلاعب بالوعي للخلاص من “الآن وهنا”، فـ”الكيتامين موت صغير”، ودخول حفرته يغيّر الفرد أبداً، هناك حيث “كلّ شيء أبيض… اختفاء دون سقوط في هاوية مسطّحة”، الدبّوسي لا يبخل على القارئ بمقاربات متعدّدة وفرضيات التخييل، لكن وبعد كلّ هذا “السرد” و”التنويع في الأصوات”، أيعقل أن ينتهي العالم بسبب حالة طبّية (القضيب المحتجز)؟ أن ينهار كلّ شيء لأن فرج إحداهنّ قرّر التمسّك بقضيب رجل غريب دون فكاك؟

 هذه المقاربة، أي الوصال حدّ انحباس الأبدان في بعضها بعضاً، وخطورة كهذه تتّضح حين تبدأ نهاية العالم، بمعناها القرآني، ليلتبس على “الجمهور” ما يحدث، هل نحن أمام مجنونين فاحشين عاريين؟ أم الدابّة التي تبشّر بآخر الزمان؟، يستمرّ الالتباس، ويخطب الكائن/ الوحش/ الدابّة بالجماهير، فمحاولات فصلهما فشلت، لا بدّ من أن تعود الأبدان إلى فردانيتها ليعود توازن العالم، ليعود “النظام”، لكن يهرب العشيقان، ويعود السكون للمدينة، وينفضّ الجمع، وتبقى ذكراهما فقط، واسماهما يتردّدان، لأن ربما، هما ليسا علامة النهاية، بل فرضية لحكاية إن سُردت، كان فيها خلاص الجميع، وهنا المفارقة، يبدأ الخلاص الفردي والجماعي، بلحظة شجاعة، عريّ مادّي ورمزي ونفسي، يصبح إثرها “الكلّ” واحداً.

 درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى