تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

حروب المدن/ سلوى زكزك

08 فبراير 2026

تحتدم حروبٌ طاحنة بين السوريين، يحاول البعض تأكيد حصرية مساحة هذه الحروب على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولةٍ للطمأنة، أو لردع استعارها كي لا تتحوّل إلى حربٍ ضروس بين جماعات مُتعدّدة، وليس بين الأفراد فقط. ويحاول البعض الآخر التخفيف من أثرها المؤذي بتوصيفها ردّةَ فعل طبيعية، بعد حروب صامتة طويلة الأمد، مُضمرة، ومتبادلة فقط في إطار ضيّق بداعي توفّر المساحة الآمنة للتصريح بها.

في كلّ حربٍ مستجدّة تتغيّر وجهة المقاصد المُراد إعلان الحرب الضروس عليها، تتغيّر اللغة، ويتغيّر شكل الاستقطاب ليتحوّل، مثلاً، من استقطاب مذهبي حاد إلى استقطاب مناطقي يخصّ مدينة معيّنة، بسكانها، ولهجتها الخاصة، وتفاصيلها البنيوية والثقافية والإجرائية، وحتى الرسمية، أي علاقتها بالمركز؛ بالحكومة والسلطة، بالثورة، بالاقتصاد، وبالتعدّد الديمغرافي، وصولاً إلى التاريخ والجغرافيا التفصيلية.

ثمّة حربٌ مستجدّة دارت رحاها أخيراً على صفحات منصّة فيسبوك، وما زالت مُستعرة بردّات الفعل على ما جرى تداوله من الاعتراض عليها، أقصد تلك الحملة العدوانية والشرسة، إن صح القول، على مدينة دمشق، وأهلها تحديداً. حربٌ وصلت إلى أبواب المحاكم ومراكز الهجرة والمنافذ البرية حين أُوقِف أحد المحامين الذي لجأ إلى القضاء وقدّم دعوىً على الأطراف التي شنّت تلك الحرب في أثناء عودته إلى بلد إقامته الحالية. استقطبت هذه الحرب الشام والشوام موضوعاً للسخرية وللاتهامات الرخيصة التي تجرّأت على الطعن بكرامة الدمشقيات وذويهن من الرجال الذين لم يدافعوا عن بناتهم ونسائهم، ووصلت إلى حدود السخرية من اللهجة الشامية بطريقة مُنفّرة ومؤذية، تنافت حتى مع الشكل الفني المقبول لتخرج عن إطار التقليد أو التشبّه، إلى إطار السخرية المباشرة، ولكن بطريقة مقزّزة وعدوانية جداً.

وأما حروب المدن، فهي حروبٌ مضمرةٌ، حافظت على اضطرام جذوتها بصمتٍ مُعتّق، لا احتراماً للاختلاف ولا درءاً للاشتباك، بل توكيداً على قاعدة استبدادية تُثبّت صورة محدّدة عن الآخر، تؤطّر الاختلاف بدائرة الخلافات المؤجّلة، لكنها قابلة للانفجار دوماً بطرق مباشرة وغير مباشرة. في حروب المدن تنهض فجأة صحوةٌ مؤجلةٌ أو مخبأةٌ في قاع النفوس والعقول، تنهض وكأنّها أحد أشكال مقاومة المعتدي. إنّ لحظات الغلبة وتغيّر موازين القوى، وإن بدت فعلياً ليست مؤثّرة في الأفراد واللغة وتفاصيل الحياة اليومية والعيش، تغيّر المواقف تجاه الآخر وتخرج قمقم التورية والتجاهل إلى ساحة الصراع العلني والمُهدّد فعلياً لتمزيق وحدة الصورة التي فُرضت على الجميع مهما حاولوا الادّعاء أنهم خارج تقييد الاستبداد وخارج استقطاب الصور النمطية الحادة والموجّهة.

كانت مدينة دمشق دوماً المركز، مركزية في كلّ تفاصيلها، حتى في قبضتها الأمنية المُعمّمة في كلّ زاوية وشارع من شوارعها. ثمّة تنافرٌ فعلي بين صورتين حادتين، صورة لمدن تمّ إخراجها، حتى من التبعية القانونية والمواطنية وكأنّها جزء خارج الهُويّة الوطنية، يتلقى أهلها كافة صنوف القتل الموجّه من حرّاس الموت وموزّعي الدمار القابعين في المركز، لكنهم يمتلكون فرصة ليكونوا معاً على قلبٍ واحد، ليلعنوا الهمجية العسكرية والنبذ والتجاهل الرسمي الذي يحرمهم أدنى حقوقهم ويذيقهم الموت اليومي والتهجير والنزوح والفقر والغربة العميقة. في مواجهة صورة أخرى لمدينة غارقة في محاولة جاهدة لضبط سلوك أفرادها، حتى المعارضين والثائرين منهم، كي تبقى دمشق محافظة على مركزها بكونها قلباً للنظام وليس قلباً لسورية.

هل يمكن القول هنا: سدّدت دمشق وأهلها أثماناً مُضاعفة لبقائهم فيها، وبخاصّة حملات الاعتقالات الجماعية والفردية اليومية؟ هل يمكن المقارنة بين الخسارات في واقع تشرذمت فيه سورية كلّها بقوّة القبضة الأمنية في سعي موجّه لفصل السوريين عن بعضهم بتوصيفات يبدو أنها تنفجر اليوم، لا لتصحيح الحالة الوطنية، بل لتبديل مواقع أهالي الصورتين الحادتين المُزمنتين، وكلّه هدّامٌ وقاتل، وإن تبدّى حالياً على شكل خطابٍ تحريضي بلا رصاص مباشر.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى