تاريخ

سورية بين كتابَين وشيخَين/ توفيق شومان

07 فبراير 2026

عرفت مصر وبلاد الشام، منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، مفكّرين عرباً كباراً ومثقّفين نوابغَ، وأفكار تلك النُّخبة العربية يكاد النسيان يطويها، والإغفال المدلهم يواريها؛ فلم يتبيّن لها أثر، ولم يظهر عنها خبر، منذ دهمها العصف المأكول بالعصبيات الحزبية والانقلابات العسكرية التي باغتت المشهد العربي العام وامتدّت في طوله وعرضه طوال النصف الثاني من القرن الماضي.

من بين كبار المفكّرين الإصلاحيين الذين أنجبتهم سورية في تلك المرحلة يبرز الشيخ عبد الحميد الزهراوي، المولود في مدينة حمص عام 1855، والمعلّق على مشنقة جمال باشا السفاح عام 1916 مع مجموعة من النهضويين العرب الذين ثاروا على الاستبداد والتعنصر. وفي مسعاه إلى تصويب الفعل السياسي أصدر مجلة الحضارة في إسطنبول، وكتب في “ثمرات الفنون” البيروتية، وفي “المؤيّد” و”المنار” المصريَّتَين. وبعد شيوع خبر شنقه، نشرت “المنار” (30/8/1916) مقالةً منقولةً عن صحيفة الأهرام القاهرية توجز منظومة تفكيره تجاه الطوائف والمذاهب المختلفة، وجاء فيها: “يمتاز الزهراوي وأمثاله من رجال الدين المصلحين أنهم خير صلة بين طوائف الشعب وفرقه؛ فهم يحترمون التقاليد المقدّسة لكل طائفةٍ، وفي الوقت نفسه يؤيّدون المصلحين في إصلاحهم”.

ومن شواهد ما فعله الزهراوي مصداقاً لتفكيره، مثلما كتبت “الأهرام” ونقلت عنها “المنار”، أن “الطائفة الإسماعيلية في سورية كانت تجمع العشور والنذور وترسلها إلى آغا خان في الهند، وحدث أن هذه الطائفة جمعت عشرة آلاف ليرة فصادرتها الحكومة (العثمانية)، لكن الزهراوي، الذي كان من أعضاء مجلس النواب، انتصر لتلك الطائفة وقاوم الحكومة وجاهد في هذا السبيل حتى قرّر مجلس النواب أن تُنفق تلك الأموال في تعليم تلك الطائفة”.

وللشيخ الزهراوي موروث فكري رفيع الشأن وعالي المقام يتوزّع بين الفقه والاجتماع والسياسة، ولا ينفصل أحدها عن الآخر. ولعلّ أهمّ ما كتبه في المجال السياسي منشورٌ في مطبوعته الحضارة ضمن سلسلة “تربيتنا السياسية”، وقد جمعها جودة الركابي وجميل سلطان في كتاب عنوانه “الإرث الفكري للمصلح الاجتماعي عبد الحميد الزهراوي”، وصدر في دمشق عام 1963 عن “المطبعة الهاشمية”. في هذا الكتاب، يشرح الزهراوي علّة التعدّد في الخلق والمخلوقات فيقول: “الدنيا ليست لشخص أو قوم، وليعلم المسكين المُفرِط (المتطرّف) أن الخالق العظيم قد خلق غيره مثلما خلقه، ولم يخلق ذلك الغير عبثاً، ولم يجعله مبايناً له سدى. وصيرورة البشر جنساً واحداً قد تكون من الأحلام اللذيذة، أما وقوعها في عالم الحقيقة ففوق تصوّرنا. هل يكون ذلك أقرب إلى الإبداع لو صار البشر هكذا؟ أنا مسرور أمام حكمة المبدع الذي جعل من آياته العظمى اختلاف ألسنتنا وألواننا. وصيرورة البشر على دين واحد حالها كحال صيرورتهم جنساً واحداً؛ ولذا ينبغي أن نتذكّر دائماً هذه الحقائق، عسى أن نعلم جيّداً أن البشر الذين كتب الله عليهم الخلاف الجنسي (القومي) والديني لم يكتبهما عليهم لتعذيبهم بهما، بل قد يسّر لهم أن يعيشوا مع وجود هذَين الخلافَين، بحيث يجاور بعضهم بيتاً بيتاً، ويعاون بعضهم بعضاً كتفاً بكتف”.

وعلى صلة بما تقدّم، يتطرّق الزهراوي في “التربية السياسية” إلى عوامل النزاع وعناصر الصراع بين البشر، وإذ يقرّ بأن بعض أسبابها دينية وأخرى قومية “فإننا، في الإمعان والتتبّع، نجدها في الحقيقة أثراً للخلاف السياسي”. ويوغل الزهراوي في الشرح والتفصيل والتنقيب إلى أن يقول: “على عراقة الخلاف الديني في القدم، لم نرَ أنه وقف الدهر كلّه حائلاً دون تعاون المختلفين بما لهم من فائدة مشتركة، كعمران المزارع وإقامة المتاجر والمصانع والتوسّع في الاختراع وتكثير أنواع البضائع، والاختلاف الجنسي لم يحل دون هذه الفوائد، ولم يمنع أن يتساكن المتخالفان في بلد واحد”.

وحيال ذلك، لا يبقى في ميدان الاختلاف والنزاع سوى المجال السياسي. وللزهراوي مقولة ساطعة وباهرة في تعريف السياسة، فهي: “تآلف بين المتنافرين”. وعلى حدّ مقولته فالتآلف أصل السياسة. وعلى هذه الحال، فإذا كانت الاختلافات طبيعية بين البشر، والاختلاف السياسي في مقدمها، “كان العلاج الوحيد الذي ترجع إليه كل أنواع العلاجات أن نفهم، قبل كل شيء، أن تجمُّع الجماعات وتأليف الأحزاب نعمة لا نقمة، فهو يقلّل الاختلاف قدر الإمكان بشرط أن يكون للجماعة زعماء حكماء”.

المفكّر السوري الثاني سابق على الأول، وهو الشيخ عبد الرحمن الكواكبي (1855 – 1902). وفي كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” يعطي تعريفاً للسياسة بأنها “إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة”. أما “الحكومة فيجب أن تكون تحت المراقبة والاحتساب الشديد، وعلى الرعية أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر، فتُلجئ حاكمها للخير رغم طبعه. وعلى الرعية أن تعرف مقامها: هل خُلقت خادمة لحاكمها تطيعه إن عدل أو جار، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها؟”.

في هذه النصوص ينادي الكواكبي الرعية (الشعب) لأن تكون رقيباً على الحكومة، وينبذ كل النبذ أفكاراً شائعة تتضمّن خلطاً مفاده بأن الاستبداد السياسي وليد الاستبداد الديني. فتلك الشائعات المغرضات من آفات غير العارفين، ومن العواقب المرذولة في سير السلاطين الأقدمين المروية في كتب التاريخ وأخبار الأسلاف. فالدين ليس على هذا النحو والمضمون، بل يناقضهما ويضادّهما، وما قول الأقدمين بذلك إلا لأنهم “يسترهبون الناس ويذلّونهم بالقهر والقوة، وهذه الحال هي التي سهّلت في الأمم الغابرة المنحطّة دعوى بعض المستبدّين الألوهية على مراتب مختلفة حسب استعداد أذهان الرعية”.

وفي استعراض أنواع النظم والحكومات لا يتحرّج الكواكبي من الإشارة إلى أن “الأمم الموافقة للخير خصّصت منها جماعات باسم مجالس النواب، وظيفتها السيطرة والاحتساب على الإدارة العمومية: السياسية والمالية والتشريعية”. والسياسة الإسلامية كما يراها الكواكبي “مؤسّسة على أصول الحرية، وقد جعلت أصول حكومتها: الشورى والأرستقراطية، وأصول الإدارة العامة: التشريع الديموقراطي”.

ومسك الكلام مع الكواكبي في هذا النصّ المستنير الذي يستحضر فيه أديان وطوائف الشرق بعمومها وعوام جمهورها، إذ يقول: “ما أحوج الشرقيين أجمعين، من بوذيين ومسلمين ومسيحيين، إلى حكماء لا يبالون بغوغاء المرائين، فيجدّدون النظر في الدين نظر من لا يحفل بغير الحقّ الصريح، وبذلك يعيدون النواقص المعطَّلة في الدين ويهذّبونه من الزوائد الباطلة”.

أخيراً لا بدّ من سؤال: من يقرأ عبد الحميد الزهراوي وعبد الرحمن الكواكبي في هذه الأيام؟

 النزعات الانفصالية في سوريا بين تأسيسين.. السياقات والمآلات/ عمار السمر

2026.02.06

ظهرت في سوريا عقب سقوط نظام الأسد العديد من الدعوات الانفصالية الصريحة أو المغلفة بالفدرالية أو اللامركزية، طالبت فيها جهات سياسية أو دينية تدعي تمثيل الطوائف الدرزية والعلوية وأخرى تمثيل الأكراد، وقد عللت مطالبها بعدة حجج منها طبيعة السلطة الجديدة في سوريا وخلفياتها، وبأنها سلطة إسلامية متشددة تضيق على الأقليات وتضطهدها.

ولكن بنظرة سريعة لتاريخ سوريا نجد أن هذه الدعوات قديمة وليست بجديدة، بل وصدرت عمن أدعوا تمثيل نفس الجماعات على الرغم من عدم وجود العلة التي يحتجون بها حالياً.

كنت قد كتبت مقالاً بعنوان “الدولة السورية بين تأسيسين: بدايات وسياقات متشابهة”حاججت فيه أن ما يجري بعد سقوط نظام الأسد هو التأسيس الثاني للدولة السورية الحديثة، وتجري فيه تغييرات عميقة مشابهة لتلك التي رافقت التأسيس الأول للدولة في عهد الحكم الفيصلي وتحت الانتداب الفرنسي. فقد رافقت التأسيس الأول العديد من التحديات وخاصةً في اللحظات المفصلية أو لحظات ضعف الدولة، ومن تلك التحديات النزعات الانفصالية التي رافقت ظهور الدولة السورية الحديثة واستطاعت التغلب عليها والاستمرار على الرغم من حداثة الدولة وقتها، وهو ما تسير نحوه حالياً بحسب المعطيات الموجودة.

عندما أعلن الأمير فيصل تشكيل الحكومة العربية بدمشق وبدء بناء الدولة السورية الحديثة ظهر دعاة الخصوصية وخاصة من أعيان ورجال دين الطوائف الدينية وليس كلهم، على الرغم من أن فيصل ومن معه من رواد الحركة العربية التي كانت عابرة للأديان والطوائف، كان يغلب عليهم الطابع الليبرالي أو شيء شبيه بالعلمانية مع احترام ثقافة البلاد الإسلامية وتاريخها، ويمكننا تفسير ذلك الرفض في سياقه التاريخي بحداثة الدولة والهوية السورية. وقد مضى فيصل ومن معه في تأسيس الدولة التي كانت في البداية تهدف كل سوريا الطبيعية، فالمؤتمر السوري العام الذي أعلن الاستقلال في آذار 1920 كان فيه ممثلون عن كل مناطق بلاد الشام التي ستصبح دولاً لاحقاً (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن). في حين كان دعاة الكيانات الدينية والطائفية يتواصلون مع فرنسا التي انقضت على التجربة الوليدة واحتلت دمشق وباقي سوريا الطبيعية التي كانت قد اتفقت مسبقاً على تقاسمها مع بريطانيا.

أسست فرنسا دولة لبنان مع غلبة للمسيحيين. ومن ثم قسمت سوريا التي نعرفها إلى أربع دويلات على أسس مناطقية وطائفية (حكومة دمشق، حكومة حلب، حكومة العلويين، حكومة الدروز) أما الجزيرة السورية التي كانت في طور التشكل والاستقرار فقد وضعت تحت الإدارة العسكرية الفرنسية المباشرة، وربطت كل الكيانات السابقة بإدارة مندوب سامي فرنسي واحد مقره بيروت. وقد تعاون مع الفرنسيين زعماء ونُخب في تلك المناطق، ولكن في الوقت نفسه هناك من عارض تلك التوجهات والسياسات الفرنسية، ولأسباب إضافية أخرى أعادت فرنسا توحيد سوريا، مع احتفاظ تلك المناطق بخصوصيات ضمن الوحدة السورية، حتى كانت “الثورة السورية الكبرى” العابرة للطوائف والأديان، فقد شاركت فيها دمشق وريفها وجبل الدروز ووسط سوريا وكان قائدها سلطان باشا الأطرش وهيئتها السياسية الوطنيون السوريون في دمشق. وقبلها كانت قد قامت الثورات في الساحل والشمال السوري، في دلالة واضحة على تشكل هوية سورية جامعة وحس وطني كان يزداد يوماً بعد يوم على حساب الولاءات الأخرى التي ظلت مستمرة.

استمر النقاش والصراع طوال فترة الاحتلال الفرنسي بين الوطنيين الوحدويين وأصحاب التوجهات الانفصالية مع توسع قاعدة المطالبين بالوحدة بشكل دائم. وكان الوحدويون قد انضووا تحت “الكتلة الوطنية” ذلك الحزب الذي كان له فروع وأنصار في كل المناطق السورية ومن كل مكونات المجتمع السوري، وزعمائه من كل المكونات والمناطق من دون استثناء، في حين كان الانفصاليون كل جماعة منهم تتقوقع حول إحدى الطوائف، ولكن على الرغم من قلتهم كانوا يحظون بدعم السلطات الفرنسية التي كانت تشجع فكرة الأقليات على الرغم من استمرار الخلافات داخل الإدارة الفرنسية حول الطريقة الأمثل لمصلحة فرنسا في حكم سوريا.

درات نقاشات بين الوطنيين الوحدويين والانفصاليين عبر التجمعات والصحف، وكان لكل فريق صحفه، كصحيفة القبس بإدارة الصحفي نجيب الريس، واعتبرت الناطقة باسم الوطنيين، وكان هناك صحف تسوق للسياسات الفرنسية وتتلقى دعمها، وقد دارت على صفحات الجرائد نقاشات قدم فيها كل طرف حججه. ومن مراجعة هادئة للتطورات في تلك الفترة يظهر تقدم الأفكار الوطنية مع تقدم عمر الدولة السورية وتطور التعليم والمعرفة والتواصل بين السوريين، فقد قدم الوطنيون الأفكار الوطنية والوحدوية بطريقة جذابة أظهرت أن الوحدة السورية مصلحة للجميع مما جعل كثيراً من الانفصاليين يلحقون بركبهم كالشاعر بدوي الجبل الذي كان من أعيان الانفصاليين في البداية.

ولكن على الرغم من ذلك التطور في الحس الوطني والهوية الجامعة بقي أصحاب التوجهات الانفصالية لهم حضور بسبب البنى المجتمعية التي كانت تتطور ببطء، والسبب الأهم كان السياسات الفرنسية التي كانت تتبع سياسة فرق تسد من خلال دعم الأقليات، مع أن فرنسا آنذاك وللمفارقة كانت تطبق على أراضيها نهجاً علمانياً شديد العداء للدين، ومنعت كثيراً من الإرساليات المسيحية من العمل داخل فرنسا كاليسوعيين في حين كانت في المستعمرات تستخدم الدين وتدعم الإرساليات المسيحية.

وللمفارقة -كما اليوم- كان دعاة الانفصال يظهرون عداءهم ومطالبهم في اللحظات المفصلية التي تتطلب الوحدة أمام الدولة المستعمرة، ومنها في ثلاثينيات القرن العشرين عندما بدأت مفاوضات بين الحكومة السورية والحكومة الفرنسية لعقد معاهدة تعطي سوريا استقلالها، فصعّد الانفصاليون نشاطهم في الساحل السوري وجبل الدروز والجزيرة السورية لعرقلة نيل سوريا استقلالها، فطالبوا بكيانات منفصلة تحت الإدارة الفرنسية، على الرغم من رغبة معظم سكان تلك المناطق بالوحدة.

في الجزيرة السورية تشكل تجمع للانفصاليين ضم رجال دين مسيحي كالكاردينال تبوني والمطران حبي، وبعض زعماء بعض العشائر الكردية كحاجو آغا، ومن الأرمن والآشوريين والسريان وبعض زعماء البدو، وفي هذا التجمع كان المسيحيون بحكم القرب من فرنسا الأكثر تأثيراً وأيضاً لم تكن اللوثات القومية قد انتشرت كما اليوم. طالب الانفصاليون بانفصال الجزيرة وتأسيس كيان خاص تحت الانتداب الفرنسي وجعلوا لهم راية خاصة ضمنها علم فرنسا، مع أن بعض تلك الجماعات كانت قد وفدت إلى الجزيرة حديثاً ولم يمضي على استقرار بعضها سوى سنوات أقل من أصابع اليد الواحدة أو أكثر بقليل ومستمرة بالقدوم. حظي الانفصاليون بدعم ضباط الاستخبارات الفرنسية، ووصل الأمر بهم إلى مهاجمة كل ما يمت للدولة السورية بصلة، فهاجموا  وخطفوا محافظ الجزيرة (توفيق جبران شامية، حيدر مردم بك)، كما هاجموا قوات الدرك وقتلوا منها، وطردوا موظفي الدولة وأعنلوا مقاطعة الدوائر الرسمية، وفرضوا أحياناً سيطرتهم على القامشلي وأنزلوا العلم السوري ورفعوا بدلاً منه العلم الفرنسي، على الرغم من أن للمنطقة نواباً منتخبين في المجلس النيابي السوري ومنها كبار الموظفين في المحافظة ومن مختلف المكونات التي كان الناس العاديون منها غير منخرطين في الفعل السياسي ويريدون حياة مستقرة ولم يستشعروا أية مخاطر من الدولة السورية ولم يكن لهم معها أية تجربة سيئة لأن وجودها ذاتاً كان ضعيفاً هناك، ولكن قسماً منهم وقع تحت دعاية فرنسا وزعمائهم.

عملت الحكومة السورية للدفاع عن وحدة البلاد على الرغم من ضعفها وعدم وجود جيش سوري، سيطرة فرنسا على كل شيء في البلاد. لكن الرد الأكبر كان شعبياً من الوطنيين السوريين في الجزيرة الذين لم يكونوا قلة ومن كل المكونات، قاموا بالرد بالتجمعات وإرسال العرائض لسلطات الانتداب مؤكدين رغبتهم بوحدة سوريا، وبعضهم تجهز للرد عسكرياً كالشيخ دهام الهادي مع عشيرته، فقام الفرنسيون بالتدخل لمنع حدوث فوضى في القامشلي، فاستكان الوطنيون واستمروا بالتأكيد على مطلب الوحدة، في حين استمر الانفصاليون بمطالبة فرنسا بعدم توقيع معاهدة الاستقلال مع الحكومة السورية. أدى الدعم الفرنسي للانفصاليين إلى أزمة بين سلطات الانتداب والحكومة السورية التي هددت برد في جميع أنحاء سوريا. وفي النهاية رأت فرنسا أن من مصلحتها بقاء سوريا كياناً موحداً فاكتفت بتعهد الحكومة السورية بحماية أقلياتها، وعُقدت معاهدة 1936 التي أعطت نوعاً من الاستقلال لسوريا ولكنها لم تطبق لرفض البرلمان الفرنسي تصديقها على الرغم تصديق المجلس النيابي السوري لها.

لا يمكن فهم ما جرى خارج سياقه التاريخي، فمنطقة الجزيرة السورية عندما أصبحت جزءاً من الدولة السورية الحديثة كانت في معظمها برارٍ وأرياف تجوبها عشائر رحل عربية وفي الأجزاء الشمالية منها عشائر كردية، وبدأ تكون المنطقة الحديث والاستقرار فيها تحت الاحتلال الفرنسي، في فترة مضطربة في كل المنطقة وانتقال مجموعات سكانية مع تشكل الدول الحديثة. وقد فصلت الجزيرة عن مراكزها المدينية (نصبين، الموصل، ماردين) التي أصبحت خارج الحدود بعد تشكل الدول الحديثة. ولتعويض تلك المراكز وبتوجهات فرنسية نشأت ونمت بسرعة مذهلة مدن جديدة كالقامشلي 1927، والحسكة التي كانت عبارة عن مخفر عثماني، كما ازداد عدد القرى أضعافاً مضاعفة. النمو السكاني في الجزيرة كان سريعاً بسبب الهجرة التي شجعتها فرنسا لأسباب اقتصادية وسياسية فقد كانت تريد إعمار أراضي الجزيرة الخصبة، ولكن فرنسا اتبعت سياسة سكانية لخدمة سيطرتها المستقبلية، فشجعت هجرة عناصر سكانية قادمة من تركيا (عشائر كردية ومسيحيين ويهود) للقدوم للجزيرة، كما سمحت في الثلاثينيات بدخول وتوطين آلاف الآشوريين واليزيدين من العراق بعد خلافاتهم مع حكومة العراق. العناصر السكانية التي استقرت حديثاً في الجزيرة لم تعرف سوى فرنسا التي قدمت لهم الدعم والأراضي والحماية من القبائل الموجودة في المنطقة التي ظلت تدار من الفرنسيين مباشرة بعيداً عن الحكومة السورية حتى حوالي عام 1930. وهذا ما جعل رئيس الوزراء السوري جميل مردم يقول إن سكان الجزيرة لم يعرفوا سوى فرنسا، ولكنهم سرعان ما سيعرفون طريقهم إلى دمشق.

استمر الانفصاليون طوال فترة الثلاثينيات بكتابة العرائض للسلطات الفرنسية ومحاولة عرقلة عمل الحكومة ومقاطعة أعمالها وتشكيل بنى إدارية موازية، والاعتداء على أنصار الوحدة ورجال الدول ومنهم المحافظ و إمام جامع القامشلي، ومن نافلة القول أنهم ما كانوا يستطيعون فعل كل ما سبق لولا موافقة سلطات الانتداب التي كانت تحاول إظهار حيادها.

استمرت الأحوال على شد وجذب مع توسع دائم للمؤمنيين بالوحدة السورية حتى اقتراب موعد جلاء الفرنسيين الذين ادعوا أنه وبمجرد خروجهم ستقع كارثة ومذابح ضد الأقليات، وأنه لا ضمانة للأقليات سوى بقاء فرنسا لحمايتهم، وعملت الدعاية الفرنسية على تعزيز المخاوف والتوجس، وبأن الأكثرية المسلمة سوف تنتقم من الأقليات. ولكن عندما رحلت فرنسا عام 1945 أياً من تلك المخاوف لم يحدث، كانت لحظة سلام و وحدة، لحظة بداية جديدة، وخيار وحيد هو الدولة السورية ودمشق. وتقاطر زعماء وممثلو كل المكونات السورية إلى دمشق للتهنئة بالاستقلال وشاركوا في احتفالات النصر وأصبحوا نواباً في البرلمان السوري وفي كبرى الوظائف الحكومية فأصبح بدوي الجبل عضواً في البرلمان، وأصبح الدكتور أكرم حاجو آغا عضواً حتى في برلمان دولة الوحدة السورية المصرية.

بعد الاستقلال سارت الدولة والهوية السورية قدماً نحو المزيد من القوة كلما تقدم الزمن والثقافة والعلم والترابط الاقتصادي والاجتماعي والمواصلات بين المناطق السورية، واستمر هذا الحال حتى ابتليت سوريا بنظام البعث أولاً قبل أن يحل البلاء الأكبر مع حكم نظام الأسدين الذي شكل قطعاً في مسار تطور الدولة والهوية الوطنية السورية وجعل السوريين يعودون إلى انتماءات وهويات ما قبل الدولة الحديثة بسبب ممارسته وسياساته المعروفة. واليوم سوريا أمام تأسيس جديد على الرغم من التحديات الجمة الداخلية والخارجية، بعد أن خلف نظام الأسد بلداً ما زال يئن من مجازره، خلف انقسامات، واقتصاداً منهاراً، ومؤسسات دولة تعج بالفساد وعدم الكفاءة، ومع ذلك وكما في الماضي تسير سوريا قدماً نحو توحيد أراضيها وشعبها.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى