من يُنتِجُ الكراهية في سوريا ما بعد الأسد؟/ عابد الريّس

عن المستفيدين من الكراهية والسبيل إلى محاربتها
11-02-2026
ثمة أفكار عديدة تُستخدَمُ لتبرير شرعية السلطة في سوريا اليوم، منها كونها هي التي دخلت دمشق مُحرِّرةً، والدعم الدولي الواسع لها، وضرورة وجود من يسدّ الفراغ الذي خلّفه نظام الأسد. لكن ثمة تبريراً آخرَ جديراً باهتمام خاص، فقد راجت على وسائل التواصل الاجتماعي صورةٌ تُظهِرُ حكومة الشرع على أنها سدٌّ يحمي الأقليات من طوفان الأكثرية، وعلى مقلب آخر نسمع على نحو متكرر خطاباً يُبرِّرُ حكماً غير دستوريٍّ لسلطة الشرع باعتبار أنها تحمي الأكثرية من تحالف محتمل للأقليات يُنفّذ انقلاباً أو ثورة مضادة. تضعُ هاتان الصورتان السلطةَ الحالية في الوسط بين تعبئتين، فهي حكومة وسطيّة إذن، لكن ليس بالمعنى الديني بل بمعنى التوسُّط بين كراهيتين، ما يعني أن ضرورتها وشرعيتها مطلوبتان ما دامت الكراهية موجودة. فإن كان تقسيم سوريا مُتعذِّراً، 1 ولا بدَّ من سوريا موحدةً حتى ولو بشعبٍ غير موحد، تغدو السلطة الحالية ضرورية كـ«قوات فصلٍ» بين مكونات لا تستطيبُ العيش بجوار بعضها، إذ لو لم تكن هذه السلطة لابتلعَ الشعبُ السوري بعضه بعضاً في سيلٍ من الكراهية.
ولكن من المسؤول عن إنتاج هذه الكراهية؟ أهي السلطة، أم تاريخ السوريين المشترك، أم إعلامٌ مُوجَّهٌ لخدمة نفوذ دوليّ؟
في البداية، من المفيد الاستعانة بعلم النفس المعرفي السلوكي في تعريف الكراهية. ليست الكراهية مجرد مشاعر مُتغيّرة، بل هي بالأحرى موقفٌ جذريٌّ من الآخر يتأسَّسُ على أفكار؛ أفكار تُنتِجُ مشاعرَ عن الآخر وسلوكاً حياله، ويمكن تلخيصها في أن الآخر خطرٌ على التكيُّف مع الحياة، فلا بد من تَجنُّبه أو القضاء عليه، وبديهيٌ أن يُلامَ على تَعذُّرِ الحياة الطيبة. وما دامت الكراهية تبدأ من الأفكار، فهي تتضاءلُ أو تتلاشى انطلاقاً من تعديل هذه الأفكار. مثلاً، قصفت قوات بوتين السوريين وقتلت منهم ودمّرت بيوتهم، ولذلك كان سوريون كثيرون يكرهون النظام الروسي كراهية لا نراها اليوم بالحِدّة نفسها، بل نرى تقبُّلاً لمصالح روسيا في البلد انطلاقاً من فكرة أن هناك فائدة سياسية من وراء ذلك. هكذا، يغدو السؤال عمّن يُنتِجُ الكراهية هو ذاته السؤال عن المستفيد من رواج فكرة أن المكونات السورية خطرةٌ على بعضها بعضاً.
قد يُسارِعُ الخاطر هنا في اتهام السلطة نفسها، فما دام السوريون مشغولين بكراهيتهم المتبادلة، ستكون خصومتهم هي المركزَ في تفكيرهم، فلن نسمع منهم إلا كلمات مثل قسد والفلول والأمويين والهجري، ولن تجد السلطة الحالية حلفاء من السوريين يضغطون عليها لتسريع ملفات كالعدالة الانتقالية والدستور والاقتصاد والديمقراطية، وهي مفردات تراجعَ حضورها فعلاً بسرعة في التداول السوري، بعد أن نشطت بخصوبة خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد سقوط النظام. فإذن، كراهية السوريين لبعضهم، واحتمال اندلاع العنف الأهلي بينهم في أيّ لحظة، يعني استقطاباً أهليّاً بينيّاً يُريح السلطة من الاستقطاب بينها وبين الشعب.
وقد يعترضُ مُعترِضٌ بأن الكراهية بين السوريين إرثٌ سابقٌ على السلطة الحالية، وما رأيناه من جرائم كراهية في الساحل أو في السويداء ناجمٌ عن هذا الإرث لا عن إرادة السلطة، أمّا هي فتسعى لتوحيد سوريا من دون قتال ما استطاعت، وها هي تمنح اليوم الكُرد حقوقهم الوطنية. لكن السوريين يحتاجون إلى رؤية السلطة تكافح الكراهية بالقوانين الفاعلة وتطبيقها الحازم، وأن يشهدوها تعاقبُ الذين ارتكبوا جرائم كراهية، وأن تساهم في إنتاج الثقة بين السوريين أنفسهم وليس إنتاج الثقة بها فحسب، ودون ذلك لن يحوز هذا الاعتراض وجاهته الوازنة.
على أن السلطة ليست المستفيد الوحيد المُحتمَلَ من الكراهية، فما دامت الدول المنخرطة في المسألة السورية ترى لها مصالح في سوريا، وترى في الانقسام بين السوريين أرضاً خصبةً للوكالة عن هذه المصالح، فلن تساعد بالتأكيد على إنتاج خطابٍ وطنيٍّ سوريٍّ جامع. فإسرائيل بالتأكيد مستفيدةٌ من كراهية السوريين لبعضهم بعضاً من منظورها الأمني التوسعي، وتركيا لحماية محيطها الإقليمي، والولايات المتحدة أيضاً لتثبيتها كحليفٍ حاسمٍ في هذه الخصومة مقابل خدمة أهدافها الإقليمية، وروسيا نالت مصالحها في سوريا وما زالت، وكادت إيران في الماضي أن تُحقِّقَ حلمها بـ«هلالٍ خصيبٍ» تحت نفوذها. وفي نظرة على الواقع السوري من مسافة مناسبة، نجد جميع هذه الدول عدا إيران تحقق أهدافها في سوريا بسبب تَعذُّر تكوّن هوية وطنية جامعة، ولا يبقى للسوريين تقريباً إلا الكراهية.
ولكن هل من مستفيدٍ آخر من الكراهية؟ أُجادِلُ هنا في أن المستفيد الثالث هو الشعب السوري نفسه، وهي ليست فائدة يمكن قياسها على مستوى المكتسبات المادية السياسية أو الاقتصادية، بل فائدةٌ نفسيةٌ تعويضيةٌ لا واعية، يمكن مقاربتها انطلاقاً من مدرسة التحليل النفسي. فبعد سقوط نظام الأسد، الذي طرح نفسه كمسؤولٍ وحيدٍ ووصيّ متفردٍ على الشعب السوري، لا يمكن إنتاج هويةٍ سوريةٍ مستقلّةٍ دون أن يتحمل الشعب السوري عبء مسؤوليته عن نفسه، من مسؤولية تحديد أهدافٍ وطنية إلى مسؤولية الاتفاق على قيمٍ أخلاقيةٍ رمزيةٍ تكون معياراً مُرشِداً للمرحلة الانتقالية، كالعدل والكرامة والحرية التي استهلّت الثورةُ السوريةُ نفسها تحت رايتها، وأن يُنظَرَ إلى السلطة كوسيلة لخدمة الشعب وليس كغايةٍ يُضحَّى من أجلها بكل قيمة. هذه المسؤولية الرمزية عن الذات تبدو شديدة الصعوبة في حال السوريين اليوم، ربما بسبب تردي أحوالهم الاقتصادية وإنهاكهم من الصراع مع الأسد، وربما لأن للسلطة نفسها غوايتها كموضوع للرغبة، أو لأنَّ تَحمُّلَ الإنسان مسؤوليته عن ذاته ليس بداهةً بل تحتاج إلى شجاعة وجودية.
بسبب كلّ ذلك، قد يبدو من الأسهل أن تُستبدَلَ مسؤولية الأسد عن خراب سوريا بمسؤولية المكونات السورية، فلا تحتلَّ مُساءَلةُ الذات وأخطائها إلا الحدَّ الأدنى من متن الخطاب. وبالفعل، وبسرعة قياسية، لم نعد نسمع كلاماً كثيراً عن نظام الأسد وتركته المأساوية، وكأنَّ كراهيتنا للأسد كانت فقط لكونه في السلطة وليس لإجرامه، واحتلت مكانه في الكراهية المكونات السورية نفسها، تُسقِطُ على بعضها بعضاً كل الشرور التي وُسِمَ بها نظام الأسد. هذا الاستبدال السريع دالٌّ يصعبُ إغفال التمعُّن فيه من زاوية التحليل النفسي.
من يُنتِجُ الكراهية قد لا يكون إلا التواطؤ المُحتمَل للجهات الثلاث أعلاه على الاستفادة منها، وبما أنه يتعذر على السوريين التحكُّم بسياسة الدول الخارجية تجاه بلدهم، ومن الصعب عليهم أن يُغيِّروا ما في أنفسهم من كراهية بسبب استمتاعهم اللاواعي المُحتمَل بها، تبقى مسؤولية محاربة الكراهية مسؤوليةَ السلطة الحاكمة في سوريا، وما يُرادِفها من سلطات أمر واقع في المناطق السورية. وتبدأ محاربة الكراهية قانونياً بالتشريعات اللازمة والصارمة، والعمل على تكوين إيديولوجي وطني ومحايد بين السوريين للمؤسسة العسكرية، وضبط المؤثرين الإعلاميين الذين ينشرون خطاباً تحريضياً، والانفتاح المستمر على حلول سياسية لمَواطِنِ الخلاف، والتفكير بسوريا انطلاقاً من صالح جميع السوريين، وكسب الشركاء من جميع المكونات انطلاقاً من قضية وطن مشترك ربما لا مناص منه.
من يسمع كلام الرئيس الشرع في حواراته ولقاءاته، يسمع شخصاً قادراً على فهم احتياجات الآخرين والحديث انطلاقاً منها، ولكن خطاب السلطة ليس فقط كلام الرئيس، بل خطاب منابرها الدينية ومنصّاتها الإعلامية، وهنا بالضبط نتساءل: كيف يُمكن استيعاب الفارق بين خطاب رئاسيّ يعلو على انقسام السوريين وينادي بتجاوزه، ومنصّات مرتبطة بالسلطة ما انفكَّت تصبُّ الزيت على نار الكراهية؟
1. – ناقشتُ مسألة التقسيم في مقال سابق نشرته الجمهورية.نت بعنوان «ولكن هل يرتاح رأسنا بالتقسيم».
موقع الجمهورية



