مقالات سينمائيةمنوعات

نبوءة كوبريك قبل فضيحة إبستين: العيون المفتوحة على السرّ/ نجيب مبارك

6 فبراير 2026

حين انفجرت فضيحة جيفري إبستين في وسائل الإعلام العالمية، لم تكن الصدمة نابعة فقط من فداحة الجرائم التي كُشف عنها، بل من البنية التي كشفتها تلك الجرائم: عالم مغلق يعمل في الظل، تحكمه شبكات نفوذ عابرة للمجالات، وتؤمّنه حماية صامتة من المال، والسياسة، والهيبة الاجتماعية. لم يكن الأمر يتعلق بانحرافات فردية أو حالات معزولة، بل بمنطق كامل يُدار خارج القانون، ويعيد تعريف العلاقة بين الجسد، والسلطة، والمساءلة. في هذا السياق، عاد فيلم “عيون مغمضة على اتساعها” Eyes Wide Shut (1999) لستانلي كوبريك ليُقرأ قراءة جديدة، لا بوصفه نبوءة أو اتهامًا، بل بوصفه عملًا فنيًا سبق إلى تشريح هذا المنطق نفسه، قبل أن يتخذ شكل فضيحة تاريخية.

كوبريك، في آخر أفلامه، لا يقدّم قصة عن الجنس أو الغيرة الزوجية، بل يبني تجربة سينمائية عن السرّ بوصفه بنية حكم. الفيلم لا يسعى إلى كشف المستور، بل إلى إظهار كيفية اشتغال عالمٍ لا يحتاج إلى الاختباء الكامل، لأنه يعمل في منطقة رمادية بين العلني والخفي. وهنا تكمن قوته: فهو لا يضع المشاهد في موقع المتفرج الأخلاقي، بل في موقع الشاهد العاجز، الذي يرى ولا يستطيع أن يفعل شيئًا.

المدينة التي يصورها كوبريك، والمفترض أنها نيويورك، لا تشبه مدينة حقيقية. كل شيء فيها يبدو مصقولًا أكثر من اللازم، الإضاءة ليلية على الدوام، والشوارع شبه خالية، والزمن معلق كأنه خارج التاريخ. هذا الخيار الجمالي يحوّل المدينة إلى واجهة، إلى قناع حضري. ما نراه هو النظام الاجتماعي كما يحب أن يرى نفسه: نظيفًا، منظمًا، عقلانيًا. لكن ما إن ينكسر هذا الإيقاع اليومي حتى تنفتح عوالم أخرى، لا تقع خارج المدينة بل في قلبها، تعمل بقوانين مختلفة تمامًا. الليل في الفيلم ليس زمن المتعة أو الانفلات، بل زمن الحقيقة البنيوية، حيث يظهر ما لا يُقال في النهار.

هذا التقسيم بين فضاء علني منضبط وفضاء سرّي استثنائي يذكّر بالكيفية التي عملت بها شبكة إبستين. فالأماكن التي ارتبطت بالفضيحة – جزيرة خاصة، قصور معزولة، طائرات خاصة – لم تكن أماكن هامشية، بل كانت امتدادًا للسلطة ذاتها. لم تكن خارج العالم، بل داخله، تعمل بوصفها فضاءات استثناء تُعلَّق فيها القواعد الأخلاقية والقانونية. المكان، في الحالتين، ليس خلفية محايدة، بل أداة من أدوات الحكم.

المشهد المركزي في الفيلم، مشهد الطقس الجنسي المقنّع، هو أكثر عناصر الفيلم إثارة للجدل، وأكثرها تعرضًا لسوء الفهم. كثيرون رأوا فيه استعراضًا إيروتيكيًا أو رغبة في الصدمة، بينما هو في الحقيقة نفي للإيروتيكية ذاتها. الأجساد في هذا المشهد بلا حرارة، والحركات بطيئة ومحسوبة، والموسيقى طقسية لا مثيرة، والوجوه مغطاة. لا يوجد شغف، ولا متعة واضحة، ولا رغبة متبادلة. الجنس هنا منزوع المعنى، مُعاد إدراجه داخل نظام صارم.

هذا التجريد ليس اعتباطيًا. كوبريك يقدّم الجنس بوصفه لغة تنظيم، لا بوصفه تعبيرًا عن الرغبة. الطقس لا يوحّد المشاركين، بل يرسّخ تراتبية دقيقة بينهم. هناك من يملك القواعد، ومن يراقب، ومن يُستخدم، ومن يمكن التضحية به. بهذا المعنى، لا يصوّر الفيلم انحرافًا أخلاقيًا، بل بنية مؤسسية مكتملة، حيث يتحول الجسد إلى عنصر داخل اقتصاد النفوذ. وهذا ما يجعل الربط مع فضيحة إبستين مشروعًا على المستوى التحليلي: فجوهر الفضيحة لم يكن في ممارسة الجنس في الخفاء، بل في تحويله إلى نظام محمي بالصمت، يُدار بمنطق السوق والسلطة.

الأقنعة التي تغطي وجوه المشاركين في الطقس لا تخفي هوياتهم فحسب، بل تلغيها. الفرد يذوب داخل الجماعة، والاسم يُستبدل بالدور. القناع هنا ليس وسيلة حماية شخصية، بل شرط انتماء. من يدخل هذا العالم عليه أن يتخلى عن تاريخه، وعن مسؤوليته، وعن ذاته. هذا الإلغاء هو ما يسمح للنظام بالاستمرار، لأنه يجعل المساءلة مستحيلة. المسؤولية لا تقع على شخص بعينه، بل تتوزع داخل شبكة، فتفقد معناها. فضيحة إبستين كشفت منطقًا مشابهًا، حيث تلاشت الحدود بين الفاعل والمتواطئ، وبين المركز والهامش. شبكة معقدة من الوسطاء، والحماة، والضحايا، والمستفيدين، جعلت تحديد مركز القرار مسألة شديدة الالتباس. القناع، في هذا السياق، ليس رمزًا جنسيًا، بل رمز سياسي: أداة لإنتاج اللا-مسؤولية.

تمثل شخصية الطبيب بيل هارفورد (توم كروز) محور التجربة الإدراكية للفيلم. هو ليس شريرًا، ولا بريئًا بالكامل، بل نموذج للإنسان الذي يظن أن موقعه الاجتماعي يمنحه حق العبور. بفضل مهنته، ولغته، وأناقة سلوكه، يعتقد أنه قريب من مراكز النفوذ. لكنه يكتشف أن هذا القرب وهمي. يُسمح له بالدخول، لكن ليس بالانتماء. بالرؤية، لا بالمشاركة. وجوده داخل الطقس ليس امتيازًا، بل اختبارًا، وقد يكون فخًا.

كوبريك يقدّم هنا فكرة سياسية دقيقة: السلطة الحقيقية لا تُرى من الداخل، ولا تكشف نفسها لمن يقترب منها، بل تعمل من موقع غير مرئي، وتستعمل القرب ذاته كآلية ضبط. هذا الوهم كان حاضرًا بقوة في محيط إبستين، حيث تداخلت أسماء من السياسة والمال والثقافة في الفضاء المحيط بالشبكة، من دون أن يعني ذلك امتلاكها بالضرورة لمفاتيحها. القرب لا يعني السيطرة، بل قد يعني التعريض للانكشاف أو الاستعمال.

الفيلم لا ينتهي بانتصار أخلاقي، ولا بسقوط النظام، ولا حتى بكشف الحقيقة. ينتهي بالصمت. التحذير الذي يتلقاه البطل ليس عقوبة قانونية، بل ترسيم للحدود: يمكنك أن تعرف، لكن عليك أن تنسى. هذا الصمت ليس فشلًا سرديًا، بل خلاصة منطقية لعالم يُدار بالسرّ. في مثل هذا العالم، الحقيقة لا تُمنع من الظهور، بل يُمنع عنها أن تُحدث أثرًا. المعرفة مسموحة، ما دامت بلا عواقب. انتهت فضيحة إبستين نفسها إلى صمت مشابه. رغم الكم الهائل من التحقيقات والتقارير، بقيت أسئلة مركزية بلا إجابة، وأسماء نافذة بلا محاسبة كاملة. العدالة لم تُلغَ، لكنها عُلِّقت. الواقع، كما الفيلم، اكتفى بإيصال الرسالة، ثم طلب الصمت.

أما تمثيل النساء في “عيون مغمضة على اتساعها”، فقد كان من أكثر جوانب الفيلم إثارة للجدل. غياب العمق النفسي عن شخصياتهن لا يعكس بالضرورة موقفًا تهميشيًا من المخرج، بل تشخيصًا لعالم يحوّل المرأة إلى وظيفة داخل نظام. الجسد هنا ليس ذاتًا، بل موردًا. هذا التشييء ليس تبريرًا، بل إدانة ضمنية لبنية تُفرغ الإنسان من إنسانيته. وهنا يكتسب الربط مع وقائع فضيحة إبستين بعده الأخلاقي الأعمق. فجوهر الفضيحة لم يكن في العلاقات الجنسية في حد ذاتها، بل في تحويل القاصرات إلى وحدات داخل منظومة استغلال محمية بالقوة والمال. النساء في الفيلم لا يُقصَيْن لأن المخرج يتجاهلهن، بل لأن النظام الذي يصوره لا يعترف بهن كذوات.

من الخطأ طبعًا قراءة هذا الفيلم بوصفه نبوءة. لم يكن كوبريك يتنبأ بحدث بعينه، ولم يكن يسعى إلى كشف أسماء أو مؤامرات محددة. ما فعله هو تشريح بنية حديثة للسلطة، بنية لا تحتاج إلى القمع الصريح، لأنها تعمل عبر الطقس، والصمت، والتواطؤ. لم يقدّم تفسيرًا أخلاقيًا، بل كشف آلية اشتغال. كما أن فضيحة إبستين لم تمنح الفيلم معنى جديدًا، لكنها أعادت تسليط الضوء على معناه الأصلي. كلاهما يضعنا أمام عالم نرى فيه الكثير ونعرف الكثير، لكننا نعيش كما لو أن شيئًا لم يحدث. وهنا يصبح عنوان الفيلم توصيفًا دقيقًا لعصر كامل: العيون مفتوحة، نعم، لكنها مفتوحة داخل نظام تعلّم كيف يعمل… من دون أن يُرى، ومن دون أن يُحاسَب.

ضفة ثالثة

لمشاهدة الفيلم اتبع احد الروابط التالي

Watch Eyes Wid

Watch Eyes Wid

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى