أين اختفى مسيحيو الرقّة؟/ ريمون القس

17 فبراير 2026
شكّل مسيحيو الرقة قبيل العام 2011 حالة قد تكون استثنائية في الخريطة السورية؛ فبأعدادهم المحدودة التي توزعت على كبرى مدنها وبلداتها؛ مثل الطبقة وتل أبيض والمنصورة، استطاعوا صياغة نموذج فريد للاندماج الاجتماعي. إذ لم يعش مسيحيو المحافظة بمعزل عن محيطهم المسلم، بل انخرطوا فيه حتى التماهي.
تقاسم مسيحيو الرقة مع جيرانهم العرب الأسماء، والزيَّ الشعبي، ونطقوا بلسان فراتي قح، ليمحوا بذلك حواجز التمايز الديني لصالح الهوية المجتمعية الواحدة، برهاناً على أن وحدة العيش في حوض النهر الخالد أقوى من لغة الأرقام وأعمق من تصنيفات الأقليات.
ولكن مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في أواخر 2013، وإعلان مدينة الرشيد عاصمة لخلافته في مطلع 2014، فر معظم المسيحيين الذين كان قد بقي أكثرهم في ظل حكم فصائل المعارضة المسلحة المتناحرة التي تتابعت على حكم المحافظة بدءاً من ربيع 2013.
وأكد مصدر كنسي لـ “سورية الجديدة” عدم تسجيل أي حالات قتل لمدنيين مسيحيين في الأثناء؛ إلا أن العنف المفرط والترهيب الممنهج ضد المعارضين بأطيافهم كافة، فضلاً عن الأحكام القاسية والمغلظة وفرض الجزية (رغم رمزية قيمتها المادية) دفعا المسيحيين إلى الفرار.
وأضاف المصدر، أن موجة العنف شملت أيضاً المنظّمات الدولية والمجتمع المدني، والصحافيين الذين توقفوا عن العمل وغادروا المنطقة، سيما بعد اختفاء الأب باولو دالوليو، الراهب اليسوعي الإيطالي وناشط السلام، الذي نفاه النظام السوري في 2012 لانتقاده السلطات، بعد أن قضى ثلاثة عقود في خدمة دير مار موسى الحبشي الأثري الذي يعود إلى القرن السادس ويقع بالقرب من دمشق.
بثّ الرعب للسيطرة
قال مصدر صحافي لـ “سورية الجديدة”: “على الرغم من حالة الأمان التي فرضها داعش على مناطق سيطرته وتوفير معظم الخدمات الأساسية للسكان، فإن تطبيق تفسير متشدّد للإسلام، ومن ضمنه تنفيذ أحكام القصاص والحرابة بشكل شبه يومي بحق “المدانين” علناً، وتصويرها وتداولها إعلامياً، كان كفيلاً ببث الرعب في قلوب الناس، ما دفع عشرات آلاف من الأهالي – وفي مقدمتهم المسيحيين- إلى الفرار”. وخلصت أحاديث رجال دين مسيحيين إلى أن المواطن السوري المسيحي من “أكثر المواطنين ميلاً للهجرة حين يشعر بالقلاقل وعدم الاستقرار، لأنه يمتلك ذاكرة لأحداث سلبية كثيرة شهدتها المنطقة خلال القرن الأخير”، وأن “المسيحي مسالم بطبعه، وعندما يستشعر الخطر فإنه يفضل الهجرة إلى أماكن أكثر أماناً، ولا سيما إلى دول أوروبا وأستراليا وأميركا”.
قال المدير التنفيذي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان، جميل ديار بكرلي، لـ”سورية الجديدة”: “وفقاً لإحصائية المرصد (المعني بقضايا المسيحيين في المنطقة ويتخذ من استوكهولم مقراً له) كانت محافظة الرقة تضم قبل انطلاق الحراك الثوري في ربيع 2011 نحو 800 عائلة، أي ما يعادل خمسة آلاف مسيحي؛ معظمهم أرمن (كاثوليك وأرثوذكس) وروم، وأقل منهم سريان وآشوريون”. وأفاد بأن الرقّة تضم حالياً أقل من 26 شخصاً فقط، موضحاً أن أغلب المسيحيين الذين غادروا المحافظة باتوا خارج سورية، بينما لجأ الباقون إلى محافظتي حمص وحلب، والقامشلي كبرى مدن محافظة الحسكة؛ نظراً إلى أصولهم التي تعود إلى تلك المناطق، أو لوجود أقارب قدموا لهم الدعم.
وفي حزيران 2017، شنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بغطاء جوي من التحالف الدولي حملة عسكرية عُرِفت إعلامياً بـ”غضب الفرات” لطرد مسلحي “داعش” من الرقة. واستخدمت في المعركة الطويلة كميات مهولة من الأسلحة خلفت دماراً هائلاً؛ إذ وصف تقرير لمنظمة العفو الدولية الرقة بأنها “أكثر مدينة تعرّضت للدمار في العصر الحديث”، حيث نجم عن المعارك تدمير نحو 13 ألف مبنى، وجميع كنائس الرقة التي كان تنظيم داعش قد حولها إلى مقرّات له. وراح ضحية المعركة التي استمرت أربعة أشهر نحو 2371 مدنياً (نصفهم تقريباً من الأطفال والنساء).
وأكد مسيحيون من الرقة لـ “سورية الجديدة” أن أبرز أسباب تأخر عودتهم عدم ترميم كنائسهم ومنازلهم ومحالهم المتضرّرة جرّاء العمليات العسكرية العنيفة التي شهدتها مدينتهم خلال “التحرير” فضلاً عن التغيير الذي طرأ على “المجتمع الرقاوي الوسطي”، وبروز مظاهر تشدّد قد تُعزى إلى التأثر بفترة حكم “داعش” الطويلة نسبياً، إلى جانب خشيتهم من “الخلايا النائمة” في بعض مناطق الرقة أو محافظات قريبة والبادية.
وقال مواطن سوري مسيحي من الرقة مقيم في القامشلي إن “ركام المنازل والكنائس التي دكتها قوات التحالف خلال المعركة هو كل ما تبقى لمسيحيي الرقة بعد طرد داعش، لذا اضطر معظمهم إلى اختيار الهجرة إلى أوروبا، ومن لم يستطع اختار مدينة بعيدة. يقول موطنون أن غياباً كاملاً لأي دعم محلي أو دولي يهدف إلى عودة المسيحيين إلى منازلهم وأملاكهم ومحلاتهم التجارية لإعادة بنائها أو ترميمها. وأن معظم المسيحيين الفارّين من نيران الحرب إما هاجروا وإما يفكرون بالهجرة إلى خارج البلاد بعد أن ضاقت بهم الرقة وسورية بأكملها. ولا وجود من بين القلة من المسيحيين العائدين إلى الرقة أطفال أو شباب، وجميعهم تقريباً يتنقلون بين الرقة ومحافظات أخرى، أي لا يقيمون إقامة دائمة فيها، إذ أُغلِقت جميع المدارس الخاصة التابعة للكنائس الكبرى؛ حيث كان يدرس أبناؤهم في سنوات سابقة. وأولئك الباقون يسافرون إلى حلب أو حمص أو اللاذقية أو القامشلي لقضاء عيدي الفصح (القيامة) والميلاد ورأس السنة”. ومن بقي في الرقة حالياً يخفي أي شيء قد يشير إلى ديانته مثل الصلبان وزينة المنازل وأي صور وأيقونات مسيحية خشية تعرضهم لأي أذى محتمل.
المسيحيون يمتنعون وكنائسهم تصمت
امتنع عشرات المسيحيين المقيمين في الرقة وخارجها وحتى في القامشلي عن الحديث علناً. ولم تتجاوب الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية، وكنيسة الروم الكاثوليك، وكنيسة الروم الأرثوذكس مع طلب “سورية الجديدة” للحديث، ما قد يمثل إشارة واضحة إلى تحفظ تلك الكنائس التي لا يزال بعض أتباعها يعيشون في الرقة وعقاراتهم وأملاكهم موجودة هناك، وقد تكون هذه التحفظات ناتجة من خشيتهم من إثارة غضب “داعش” أو غيره من الفصائل الإسلامية المسلحة التي كانت في المنطقة، أو حتى “قسد” التي تصف نفسها بأنها تسعى إلى تمثيل مكونات المجتمع السوري المتنوع.
قالت الأرمنية الأرثوذكسية التي لجأت إلى القامشلي في 2012 بعد اندلاع أعمال العنف في مدينتها الرقة، سارة أبو رز “أكثر ما أفتقده كنيستي؛ كنيسة سيدة البشارة للروم الكاثوليك، لأني تربيت فيها وكنت معلمة ديانة هناك ومعلمة روضة أيضاً.. صارت الكنيسة على الأرض”. وأوضحت الخمسينية، التي كان زوجها موظفاً (مساعد مهندس) في مؤسّسة الإسكان العسكرية، أنها غادرت وزوجها وابنهما الوحيد “حين دخل الجيش الحر المدينة بسبب القصف وحدوث تشققات في جدران منزلنا.. فلجأنا إلى القامشلي حيث تنحدر أصولي، وأجمل ما شاهدته هناك كانت كرنفالات أعياد الميلاد وعيد السيدة العذراء التي كانت تجوب شوارع المدينة.. إلا أننا خسرنا حتى كرنفالات القامشلي بعد 2012”.
وأضافت: “في الرقة كنا نلقى كل احترام من جيراننا وأصدقائنا المسلمين، كنا مرتاحين.. اشتريت منزلاً صغيراً هناك على أمل العودة إذا تحسنت الأحوال وبنيت الكنائس وقرعت أجراسها وعادت الصلاة.. أتمنى أن تعود الرقة كما كانت ويعود مسيحيوها إليها، أكثرهم هاجروا”.
ودعت سارة أهالي الرقة للعودة إلى مدينتهم؛ وقالت “أول خطوة مطلوبة للعودة هي إعادة ترميم الكنائس والمنازل المهدمة.. المرحوم والدي أبراهام بغدصار (برازي) كان أحد وجهاء الرقة ضمن مجموعة صلح اجتماعية تضم شخصيات مسلمة ومسيحية، لا فرق بينهم، وكان يرتدي الزي الشعبي لسكان المنطقة”.
الرقّة طبّعت الناس بطبائعها
تمكّنت الرقة من تطبيع سكانها بطبائعها فلا فرق بين سرياني وأرمني وآشوري وروم أو بين أرثوذكسي وكاثوليكي، فمسيحيو الرقة موزّعون في معظم أحيائها خلافاً لبقية مدن الجزيرة الأخرى كالحسكة والقامشلي، إذ يقطنون هناك ضمن أحياء معينة. وكانت الزيجات أيضاً تتم بين أبناء الطوائف المختلفة على عكس غيرها من المدن ذات الكثافة المسيحية في فترة سابقة، حيث لا يتزوج السرياني إلا من سريانية والأرمني إلا من أرمنية والآشوري إلا من آشورية والأرثوذكسي إلا من أرثوذكسية والكاثوليكي إلا من كاثوليكية، مع وجود استثناءات نادرة.
وقال مطران أبرشية الجزيرة والفرات للسريان الأرثوذكس، مار موريس عمسيح، ومقره مدينة الحسكة: “كان لنا أتباع في الرقة منذ زمن بعيد، وكانت المحافظة تابعة لأبرشية الجزيرة والفرات وبعد رسامة المطران متّى روهم في العام 1990 طلب من البطريرك الراحل زكا الأول عيواص – بحضور مار يوحنا إبراهيم مطران حلب (المخطوف هو والمطران بولس اليازجي، متروبوليت حلب والإسكندرون للروم الأرثوذكس في إبريل/ نيسان 2013) أن تتبع الرقة لأبرشية حلب؛ نظراً لأنها جغرافياً أقرب إلى حلب منها إلى الحسكة، فصارت الرقة والطبقة تابعتين لأبرشية حلب”.
وأضاف مار موريس؛ وهو مطران أكبر طائفة مسيحية في عموم محافظات الجزيرة السورية الثلاث؛ الحسكة، والرقة، ودير الزور، في حديث لـ “سورية الجديدة”: “كانت لنا رعية تقدر بنحو مائتي عائلة سريانية بين الطبقة والرقة، وكنيستان؛ إحداهما في الطبقة بناها سيدنا مار يوحنا، وفي الرقة كان السريان الأرثوذكس يستعينون بكنيسة الأرمن الأرثوذكس لإقامة الصلوات والمناسبات الدينية، وبعدها بسنوات أصبح لدينا شقة وقاعة لإقامة القداديس والصلوات، وحتى الآن تملك كنيستنا أوقافاً في الرقّة”.
هويتان إسلامية وأرمنية
قالت سارة: “كان المرحوم جدي الأرمني يملك هويتين صادرتين عن الوالي التركي آنذاك؛ الأولى باسم مصطفى أبو رز والثانية باسمه الحقيقي بيدروس بغدصار لأنه كان يتنقل بين سورية وتركيا وكان يخشى أن يتعرض للقتل بسبب أرمنيته “.
قد تكون سارة أبو رز تحدثت عن قصة واحدة، ولكن يبدو أن خلفها حكاية خفية لم تروها؛ وهي أنها أرمنية أرثوذكسية وأخوتها أفندي، ويوسف، وأيمن، ولورنس، وإبراهيم، وخليل؛ جميع أسمائهم بمن فيهم سارة نفسها عربية وشائعة في المنطقة، في تأكيد صارخ على محاولات التماهي مع ثقافة المنطقة العربية الإسلامية أو وربما لخوفهم من “فرمان” جديد وقد تفضحهم أسماؤهم الأرمنية في أول اختبار تافه بحجم حاجز طيار لمسلحين غير متعلمين وبلِحًى غير مشذبة يفرزون الناس وتوجهاتهم من خلال أسمائهم، فجميع الأرمن الأرثوذكس في سورية وغيرها من دول الشتات الأرمني الكثيرة أسماؤهم أرمنية خالصة؛ وجميع كناهم تشير بوضوح تام إلى أرمنيتهم الصريحة أيضاً؛ مثل ديكرانيان، وبرصوميان، وهاروتيان، بوغوصيان، وكججيان، وحداديان، وأرمينيان، وجاكوجيان، وبيرجميان.
وتعرض الأرمن، و السريان بأعداد أقل، في 1915 لما عُرف تاريخياً بـ “الفرمان” وهي حملات تصفية وتهجير قسري ممنهجة نُفذت في أواخر عهد الدولة العثمانية، ما أدى إلى مصرع مئات الآلاف (تقدر إحصائيات أعداد الضحايا مجتمعين بنحو مليوني أرمني وسرياني) وتهجير من تبقى عبر مسارات صحراوية قاسية. واتجهت تلك القوافل نحو الأراضي السورية، لتتحول منطقة الجزيرة الفراتية بالإضافة إلى حلب من محطات نفيٍ قسرية إلى ملاذات أخيرة للناجين من قوافل الموت”.
ورغم قسوة الظروف التاريخية، حظي المهجرون الأرمن باستجابة إنسانية من السكان المحليين وخاصة العشائر العربية، ما مهد الطريق لاندماجهم الكامل في النسيج الوطني. ومع مرور الوقت، تحول الوجود الأرمني في سورية من شتات يبحث عن الأمان إلى مكون اجتماعي واقتصادي فاعل، حافظ على هويته الثقافية وكنائسه التاريخية، وأصبح جزءاً من الهوية السورية المعاصرة.
الوجود المسيحي في الرقّة قبل 2011
قال الكاتب والباحث خلف علي الخلف ابن محافظة الرقة إن “الوجود المسيحي في الرقة ينقسم إلى وجودٍ تاريخي ووجودٍ حديث. فأما التاريخي، فإن الرقة عند قدوم المسلمين كان جلُّ سكانها من اليعاقبة (الكنيسة الأرثوذكسية السريانية) مع جالية كبيرة تدين بالعقيدة الحرَّانية، وقد فُتحت الرقة صلحاً مثل معظم مدن الجزيرة. وأعطى عياض بن غنم، قائد جيش المسلمين، لمسيحيي الرقّة عهداً يطابق في جوهره العهدة العمرية التي مُنحت لأهل القدس”.
وأضاف الخلف لـ “سورية الجديدة” أنه “كان في الرقّة دير زكّا الشهير الذي تغنّى به الشعراء، ويعتبر أحد أهم المراكز التعليمية والرهبانية بحسب المصادر السريانية، وتخرّج فيه البطريرك يوحنا الثالث وما يقارب 20 أسقفاً ومطراناً، وعُقد فيه سينودس في عهد الأسقف الأشهر يعقوب البرادعي الذي حملت الكنيسة الأرثوذكسية اسمه قروناً عديدة. وفي العصر العباسي نُصب دينيسيوس التلمحري بطريركاً للكنيسة اليعقوبية في كنيسة الرقة الكبرى. وينتمي التلمحري إلى بلدة تل محرى التي ما تزال آثارها قائمة إلى الشمال من قرى خنيز على الطريق بين الرقة وتل أبيض، وهو؛ إلى جانب مكانته اللاهوتية، مؤرخ فذّ ترك تدويناً تاريخياً بالغ الأهمية عن العصر العباسي في عهدي المأمون والمعتصم، والتقى بهما مرّات عديدة”. وأضاف “أما الوجود الحديث، فيعود إلى مطلع القرن العشرين. فبعد أن دمَّر غزو هولاكو الرقة بشكل كامل، بقيت مهجورة حتى أواخر القرن التاسع عشر. وفي بدايات القرن العشرين جاء الأرمن إلى الرقة في السنة التي يطلق عليها أهل المدينة (سنة سوقيات الأرمن) وهم الذين تم تهجيرهم قسراً من ولايات الدولة العثمانية الشرقية، ولا سيما ديار بكر ووان وأرضروم وبيتليس، خلال فترة حكم حزب الاتحاد والترقي ذي النزعة الطورانية المتشددة القائمة على تتريك الولايات غير التركية. واستقبلتهم العشائر العربية في الرقة وريفها، فآووهم في البيوت، وقدّموا لهم اللباس والطعام، وكفلوا أيتامهم، وحموهم، ولم يسكنوا الخيام قط. وحدثت لاحقاً مصاهرات عديدة، فهناك كثير من عائلات الرقة في عروقها دماء أرمنية، ومنهم عائلتي”. و”في الفترة نفسها، لحق بهم السريان والكلدان والآشوريون عقب عمليات القتل والتهجير الواسعة التي طاولتهم فيما عرف بمذابح سيفو. وتُقدَّر أعداد المسيحيين في الرقة حتى عام 2011 ببضعة آلاف، إذ لا يوجد إحصاء دقيق معلن لأعدادهم، ولهم كنيستان رئيستان: كنيسة الشهداء التابعة لطائفة الأرمن الكاثوليك، وكنيسة سيدة البشارة التابعة للروم الكاثوليك، إضافة إلى دور عبادة صغيرة أخرى تخص بقية الطوائف المسيحية”.
براعة الصنعة وحسن التعامل
قال الخلف إن “عدد عائلات الرقة المسيحية، من مختلف الإثنيات والطوائف، يُقدَّر ببضع مئات، تتراوح بين 600 و800 عائلة، إذ لا تتوفر إحصاءات دقيقة. وبخلاف كثير من المدن السورية، لم يكن المسيحيون يقطنون في أحياء منفصلة، بل كان لهم حضور متفرق في المدينة، إضافة إلى وجودهم في منطقتي تل أبيض والطبقة. وكان نشاط الأرمن يتركز في إصلاح المركبات والمحركات الزراعية بمختلف أشكالها، واشتهروا ببراعة الصنعة وحسن التعامل، بينما انخرطت عائلات أخرى بالزراعة”.
وأوضح: “يمكن القول إن مسيحيي الرقة كانوا جزءأ من نسيج المجتمع الرقِّي، وباستثناء تميزهم في بعض الحرف والصناعات، كان من الصعب تمييزهم عن باقي السكان. فقد شاركوا في جميع أشكال النشاط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وكان كثير من كبار السن الذين عاصرتهم يرتدون اللباس العربي التقليدي ويعتادون عادات أهل المدينة وتقاليدهم. بل كانوا يحظون بتمييز إيجابي من السكان يقوم على الثقة بجودة منتجاتهم وموثوقيتهم في التعاقدات والمعاملات التجارية”.
وبيّن الخلف أن “مسيحيي الرقة غادروا المدينة تدريجياً قبل السيطرة الكاملة لما يُسمّى تنظيم داعش على المحافظة مطلع العام 2014، أما الهجرة الكبرى فقد حدثت بعد سيطرة التنظيم على كامل المحافظة ومناطق أخرى من سورية والعراق، وعندما رُفعت راية التنظيم وأنزلت الصلبان عن كنيستي الشهداء وسيدة البشارة، خرج عشرات من شباب الرقة صيف 2013 في مظاهرة رمزية يحملون الصلبان تعبيراً عن استنكارهم لهذا الفعل”. وأكد الخلف: “لم تشهد الرقة أي مجازر استهدفت المسيحيين مباشرة، بل طاولهم ما طاول جميع سكان المدينة من القصف والتهجير والاضطراب العام”.
مدينة خالية من مكوّناتها
قال الخلف “محزن وثقيل على النفس؛ فالرقة، منذ عصورها السحيقة قبل الميلاد، مثَّلت عقدة جغرافية حيوية عند ملتقى طرق التجارة بين ميزوبوتاميا والأناضول وبلاد الشام، ما جعلها موطئاً تتناوب عليه القوى الكبرى في المنطقة. وتوالى عليها الآشوريون والبابليون والأخمينيون، ثم السلوقيون والرومان والبيزنطيون، ومع هذا التراكم الحضاري تحوّلت -منذ العصر الهلنستي ثم الروماني- إلى مركز سكاني وثقافي متنوّع اجتمع فيه الآراميون والحرَّانيون والنبط والعرب والسريان واليونانيون والرومان. وهكذا غدت الرقة عبر قرون طويلة ملتقى للشعوب والثقافات، لا مجرد محطة على طرق القوافل، بل فضاءً حيَّاً يختبر امتزاج الحضارات وتحوُّلات الزمن”.
وقال الخلف: “خرج من الرقة في العهدين اليوناني والروماني خطباء وفلاسفة متصلون بالتراث الهيليني المتأخر؛ ومن أشهرهم أستاذ البلاغة والفيلسوف كالينيكوس، الذي تذكر مصادر يونانية إن المدينة حملت اسمه في العهد الروماني”. وتابع: “أما دور الرقّة في العهود العربية الإسلامية فلا يخفى على أحد، إذ غدت العاصمة الثانية للدولة العباسية، وثاني مركز بعد بغداد لنهضتها الثقافية والعلمية والفلسفية. وفيها أسس ثابت بن قُرَّة الحرَّاني مدرسة الفلسفة والفلك، وفيها أسس عالم الفلك الأشهر البتَّاني مرصده”. وأضاف: “منذ القِدم، امتزجت في الرقة الأقوام والديانات، قبل أن يُخترَع مفهوم (الأقليات)؛ فلم تعرف الرقة أقليات بالمعنى الحديث، بل سكاناً متعددي الانتماءات الإثنية والدينية من دون حواجز فاصلة”.
وبحسب صاحب رواية “الحرّاني” إن “العودة ممكنة نظرياً عندما تستعيد سورية وحدتها وأمانها. الأمر لا يقتصر على المسيحيين فقط، ولا يزال الآلاف وربما عشرات الآلاف من سكان الرقة خارج مدينتهم، حتى بعد انتهاء سيطرة تنظيم داعش. صحيح أن المجتمع الرقِّي شهد تغييرات قسرية متتابعة، إلا أن طبيعة أهل المدينة وعقائدهم تجعل من المستبعد أن تمنع هذه التغييرات عودة المسيحيين، فهم أصبحوا خلال ما يقارب قرن جزءاً من نسيجها الاجتماعي. لكن ما قد يمنع العودة الجماعية ظروف الاستقرار في البلدان الجديدة، وهذا لا ينطبق على المسيحيين وحدهم بل على كثيرين من سكان سورية الذين استوطنوا بلداناً أخرى”.
وأكد الخلف أن “الرقة وعموم مدن الجزيرة تعرضت للإهمال منذ تأسيس الكيان السوري باتفاقية سايكس- بيكو، وحتى اليوم، بغض النظر عن شكل السلطة الحاكم، ومن المرجح أن يستمر هذا. وما كتب عن الرقة في تاريخها الحديث جاء متناثراً، غالباً نتيجة جهود فردية لمؤلفيه، بل أزعم أن كثيراً منهم موَّلوا نشر كتبهم من أموالهم الخاصة. فلم يكن هناك مبادرات من الجامعات السورية أو مراكز التأليف والنشر لتشجيع البحث في كنوز الرقة التاريخية والاجتماعية، على الرغم من أن المدينة كانت في عصور سابقة ملء السمع والبصر”.
سنرجع يوماً
يبقى التساؤل عن مصير مسيحيي الرقة جرحاً مفتوحاً في ذاكرة حاضرة من حواضر الشام التي افتخرت على مدى تاريخها بتنوعها؛ فغياب هذا المكون ليس مجرد تناقصٍ في الأرقام الإحصائية، بل هو فقدانٌ لجزء حيوي من هوية الرقة وتاريخها “الرشيدي” الجامع. ومع استمرار بقاء الكنائس ركاماً، وتوزع أبنائها في شتات الأرض، يبدو أن العودة اليوم لا تقتصر رهاناتها على توقف العمليات العسكرية فحسب، بل على إعادة بناء الثقة وترميم النسيج الاجتماعي الذي نهشته سنوات الحرب والديكتاتورية والتطرف. ودون أجراس كنائسها، تبقى الرقة مدينة “ناقصة” تنتظر يوماً يستعيد فيه الفرات جميع أبنائه الذين صبغوا ضفافه بلون حضارتهم وتسامحهم يوماً ما.. ولا بد للأجراس أن تقرع.
العربي الجديد



