تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

إقصاء السوريين عن سورية/ شعبان عبود

17 فبراير 2026

بعد أكثر من عام على تولّي السلطة الجديدة في سورية، لا تزال الدولة تُدار بعقلية الجماعة لا بعقلية الدولة. ورغم الخطاب الرسمي عن بناء مؤسسات جامعة لكل السوريين، تكشف الممارسة استمرار سياسة الإقصاء وتغليب الانتماء الضيق على معايير الكفاءة والخبرة. ورغم أنه جرى تطعيم الواجهة بوجوه محسوبة على التكنوقراط أو المنتمية إلى أقليات، غير أن ذلك بدا أقرب إلى خطوة تجميلية لتحسين الصورة، لا تغييراً حقيقياً في بنية القرار وآلياته.

حتى الآن، لا تبدو هناك فرصة حقيقية لآلاف الخبرات السورية الوطنية في مختلف المجالات، بمن فيهم الذين عارضوا نظام الأسد أو انشقوا عنه مبكراً ودفعوا أثماناً شخصية ومهنية كبيرة. وجد هؤلاء أنفسهم خارج حسابات المرحلة الجديدة أيضاً، وكأن معيار القبول لم يعد مرتبطاً بالموقف الوطني أو النزاهة أو الكفاءة، بل بتاريخ الانتماء إلى دائرة بعينها.

وهكذا أُقصيت طاقات كبيرة في الدبلوماسية والإدارة والاقتصاد والإعلام والثقافة والتقنية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل عقل وخبرة لإعادة البناء.

يكشف أداء السلطة في ملف التعيينات تفضيلاً واضحاً لمن كانوا محسوبين على هيئة تحرير الشام، على حساب الخبرات الوطنية الأخرى. كثير من الدبلوماسيين والإعلاميين والتقنيين جرى تجاهلهم، فيما جرى الدفع بوجوه شابة غير معروفة إلى مواقع حساسة من دون سجل مهني يبرر هذا الصعود السريع. لا تفسير لذلك سوى طغيان عقلية الجماعة وعدم الثقة بالآخرين، وكأن الدولة تحولت إلى مساحة مغلقة أو مزرعة خاصة لإعادة توزيع المواقع بين “الإخوة المجاهدين” لا إلى مؤسسة عامة تخضع لمعايير شفافة.

لا يقتصر الأمر على المؤسسات المدنية. حتى على مستوى الجيش، ثمة تمييز بين العناصر الذين كانوا محسوبين على “الهيئة” وأولئك الذين كانوا ينتمون إلى فصائل أخرى، سواء من حيث الرواتب أو طبيعة المهام أو المواقع القيادية. هذا التمييز لا يضرب فقط مبدأ العدالة، بل يهدد وحدة المؤسسة العسكرية ويزرع شعوراً بالغبن داخلها. فالمؤسسة التي يُفترض أن تكون عنواناً للوحدة الوطنية لا يمكن أن تقوم على تدرج غير معلن بين “أبناء الجماعة” والآخرين.

تصل المفارقات أحياناً إلى حدود العائلة الواحدة، روى لي شاب جامعي أنه يتقاضى راتباً أقل من ابن عمه الذي لا يحمل سوى شهادة ثانوية، فقط لأن الأخير كان مقيماً في إدلب ومحسوباً على هيئة تحرير الشام، فيما هذا الشاب كان يعيش في دمشق خلال سنوات الحرب. هنا وحين يصبح معيار الراتب هو الجغرافيا والانتماء السابق لا المؤهل والخبرة، يفقد الحديث معناه عن دولة مؤسسات، ويتحول الشعور بالتمييز إلى قناعة عامة.

تترافق هذه السياسات مع ظواهر أخرى: تعيينات عائلية، تنصيب رفاق الدرب في مفاصل الإدارة، ترسيخ مرجعية “الشيخ” الإدارية، غياب العدالة الانتقالية، تسريح موظفين بلا معايير واضحة، ازدواجية في الرواتب والأجور، إقصاء لأهل الاختصاص، وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية وفي مقدمتها فواتير الكهرباء. ذلك كله، ومع غياب سياسات عامة مدروسة وبرامج تنفيذية واضحة، تتسع الفوضى الإدارية ويتعمق الشرخ بين السلطة والمجتمع. وقد بدأت هذه الإجراءات تستنزف الرصيد الشعبي الذي حظي به الرئيس أحمد الشرع، فالرجل الذي نظر إليه كثيرون بوصفه فرصة للانتقال من منطق الفصائل إلى منطق الدولة أصبح، بنظر قطاعات واسعة، الملاذ الأخير لوقف هذا العبث في دولة ما زالت تتعثر في النهوض.

يهدّد استمرار إقصاء السوريين عن سوريتهم بتبديد فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والمساواة. وعلى من يديرون شؤون البلاد أن يدركوا أن الشعب مصدر السلطات، وأن الشرعية لا تُستمد من الانتماء، بل من عدالة السياسات، وكفاءة الإدارة، واحترام كرامة جميع السوريين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى