التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

الانسحاب الاميركي من سورية وعلاقته بالحرب على “داعش” تحديث 20 شباط 2026

لمراجعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:

المقاتلين الأجانب و “داعش” في سورية

والرابط التالي:

العلاقات السورية-الأميركية

تحديث 20 شباط 2026

هل أطلقت أمريكا نفير الخروج من سوريا؟/ عمر كوش

تسارعت وتيرة انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من سوريا في الآونة الأخيرة، وشملت كلا من قاعدة “التنف” الإستراتيجية الواقعة في جنوبي سوريا، ثم قاعدة “الشدادي”، التي تعد من كبرى القواعد العسكرية في شمال شرقها. وجرى الانسحاب بالتنسيق مع الجيش السوري، الذي تسلم القاعدتين الهامتين بعد سنوات طويلة على إنشائهما.

يدشن الانسحاب من هاتين القاعدتين مرحلة جديدة لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية والعسكرية في كل من البادية والجزيرة السوريتين، ويأتي بعد تغيرات في الموقف الأمريكي، وتطورات ميدانية تركت آثارها على ملف أمن الحدود السورية مع كل من الأردن، والعراق، وعلى ملاحقة خلايا “تنظيم الدولة”، وضبط الحدود والطرق الصحراوية، وتتبع شبكات تهريب المخدرات والأسلحة.

أهمية القاعدتين:

تعتبر قاعدتا التنف والشدادي من أهم المواقع العسكرية الأمريكية في سوريا، بالنظر لما تتمتعان به من مزايا إستراتيجية على الأرض، حيث تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي الواصل بين سوريا، والعراق، والأردن، الأمر الذي يجعلها نقطة تحكم حيوية للمراقبة والسيطرة على حركة القوات المسلحة وخطوط التهريب في الصحراء السورية.

أنشئت قاعدة التنف أول مرة عام 1991 قبل حرب الخليج الثانية، لكنها أغلقت بعد تحرير الكويت، ثم أعيد افتتاحها عام 2003 بالتزامن مع الغزو الأمريكي للعراق، وشكلت قاعدة دعم لوجيستي للقوات الأمريكية المهاجمة، ثم أغلقت من جديد بعد السيطرة الكاملة على العراق.

أعادت الولايات المتحدة إنشاء القاعدة مجددا في عام 2014، وذلك في سياق الحرب على  “تنظيم الدولة”، وشكلت نقطة انطلاق للعمليات العسكرية لقوات التحالف الدولي ضد هذا التنظيم، إضافة إلى استخدامها مركزا لجمع المعلومات الاستخباراتية حول تحركاته في البادية السورية.

شكلت قاعدة التنف نقطة هامة من أجل عرقلة خطوط الإمداد الإيرانية، التي كانت تنطلق من إيران، مرورا بالعراق، وسوريا، ووصولا إلى لبنان، فهي تقع بالقرب من الطريق الدولي الواصل بين بغداد، ودمشق، إضافة إلى توفيرها مكانا لرصد جميع التحركات الإيرانية على الطرق المحاذية لهذا الطريق.

إعلان

أما قاعدة الشدادي الواقعة في شمال شرق الحسكة، فقد أنشئت في عام 2016، وشكلت مركزا رئيسيا لعمليات قوات التحالف الدولي ضد “تنظيم الدولة” خلال السنوات الماضية، بالنظر إلى قربها من مناطق انتشار خلايا التنظيم في البادية السورية، وتمتعها بموقع إستراتيجي، يمكنها من الإشراف على خطوط إمداد التنظيم بين شمال شرقي سوريا والأراضي العراقية.

كما مثلت هذه القاعدة نقطة حيوية لتنسيق الدعم العسكري والاستخباراتي بين القواعد الأمريكية الأخرى في شمال وشرقي سوريا. وضمت سجنا، احتجزت فيه قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عناصر من “تنظيم الدولة”، قبل أن تنسحب منه مؤخرا، لتسيطر عليه قوات وزارة الدفاع السورية.

تمنح السيطرة على قاعدة الشدادي الجيش السوري قدرة أكبر على مواجهة التهديدات المتبقية في محافظة الحسكة، وبما يسهم في تسهيل تعامله مع القوى المحلية فيها، بغية تثبيت الأمن والاستقرار، وتمكينه من استكمال مراقبة التحركات على طول الحدود السورية العراقية.

تغير المهمة:

تزامن الانسحاب من هاتين القاعدتين العسكريتين مع مداولات ونقاشات، تجري داخل أروقة الإدارة الأمريكية، حول سيناريوهات متعددة، من أجل تسريع خفض الوجود العسكري الأمريكي، وصولا إلى الانسحاب الكامل من سوريا، التي تشير بعض التقارير إلى أنه سيكتمل مع منتصف العام الجاري، وذلك بالنظر إلى المتغيرات العديدة التي شهدتها سوريا في الآونة الأخيرة، سواء على المستوى السياسي أم على المستوى الميداني والعسكري.

وسبق أن بدأت القوات الأمريكية، في منتصف العام 2025، بإخلاء قواعد عسكرية عدة في ريفي محافظتي الحسكة ودير الزور، وكان أبرزها الانسحاب من حقلي النفط “العمر” و”كونيكو”، وقاعدة “تل البيادر”.

لا ينحصر معنى الانسحاب من القاعدتين في مجرد عملية نقل للقوات، أو عملية إعادة انتشار، بل لأنه يشكل خطوة إستراتيجية في السياسة الأمريكية، ويعكس تغير أولويات الولايات المتحدة في مواجهة التحديات الخارجية، عبر الاعتماد على الحلفاء الإقليميين والمحليين.

وتجسد ذلك في تغير مواقف إدارة الرئيس ترمب حيال الإدارة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد البائد، والتحولات الحاصلة مؤخرا في موازين القوى على الأرض، وإرهاصات كل ذلك على الاصطفافات والتحالفات في المنطقة.

كما لا يعني الانسحاب من القاعدتين السير نحو إنهاء التواجد العسكري الأمريكي في سوريا، لكن قد يسبقه مرحلة تتغير فيها مهمة القوات المتبقية في سوريا، من خلال حصرها في تدريب قوات وزارة الدفاع السورية، وتقديم الدعم اللوجيستي اللازم لها، خاصة في الحرب ضد “تنظيم الدولة”، الأمر الذي يعكس تغيرا في وجهة الدعم الأمريكي، وانتقاله من دعم “قسد” في محاربة التنظيم إلى دعم القوات الحكومية التي تولت هذه المهمة، خاصة بعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي في حربه على “تنظيم الدولة”.

يضاف إلى ما سبق أن الحاجة التي دعت إلى بقاء قاعدتي التنف والشدادي لم تعد موجودة، خاصة مع توجه الإدارة الأمريكية إلى العمل والتنسيق مع مؤسسات الحكومة السورية الجديدة، وانضمام الفصائل السورية التي كانت تنتشر مع القوات الأمريكية في قاعدة التنف إلى الجيش السوري، إضافة إلى سيطرته على مناطق واسعة في الجزيرة السورية، والشروع في تطبيق اتفاق 29 يناير/كانون الثاني الماضي الرامي إلى دمج “قسد”، بعد انتهاء مهمتها، وفشل مشروع قيادتها.

إعلان

يستلزم تغير المهمة إبقاء تواجد عسكري أمريكي محدود في سوريا، من خلال قاعدتي “الرميلان” و”قصرك”، اللتين تمثلان نقاطا محدودة للدعم اللوجيستي والاستخباراتي بعد الانسحاب من بقية القواعد. إلى جانب أنهما تسمحان للولايات المتحدة بالحفاظ على نفوذها الإستراتيجي في شمال شرقي سوريا، والقدرة على تقديم الدعم للحلفاء المحليين والإقليميين متى أرادت ذلك.

إذًا، المهمة الجديدة تبقي على نقاط ارتكاز عسكرية، لا تكمن أهميتها في الجانب العسكري المباشر فحسب، بل في توفير القدرة على التحكم الإستراتيجي في المعلومات، والتنسيق مع القوى الحليفة ممثلة بالدولة السورية، والاستغناء عن القوى المحلية ممثلة بـ”قسد”، الأمر الذي يجعل الانسحاب الأمريكي من القواعد العسكرية خطوة مدروسة ومنظمة، تتجنب حدوث أي فراغ أمني، أو انهيار محتمل للتوازنات في منطقتي البادية والجزيرة السوريتين.

تغير التكتيك:

واضح أن الانسحاب الأمريكي من القواعد العسكرية في سوريا لا يعني نهاية الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، بل إعادة ترتيب أوراقه بما يتناسب مع أولويات واشنطن الجديدة.

وليس هناك ما يشير إلى أن الإستراتيجية الأمريكية في سوريا قد تغيرت، إنما الذي تغير هو التكتيك والخطط، إذ لا تزال الأهداف الأمريكية تتمحور في بسط نفوذها بالمنطقة، والتركيز على منع عودة “تنظيم الدولة” في سوريا عبر التنسيق المباشر مع الحكومة السورية، وليس مع “قسد” كما في السابق، فضلا عن منع عودة النفوذ الإيراني.

ترافق التغير في التكتيك الأمريكي مع تعويل أمريكي كبير على الحكومة السورية الجديدة فيما يتعلق بمحاربة التنظيم، حيث باتت الإدارة الأمريكية تنظر إليها بوصفها فاعلا إقليميا هاما، خاصة بعد إعلان الشراكة معها عبر انضمامها إلى التحالف الدولي ضد “تنظيم الدولة”، الأمر الذي يشكل اختبارا لمدى قدرة الحكومة السورية على ضبط الأمن وتثبيته، ومكافحة الإرهاب، وحماية الحدود مع العراق والأردن.

تقف عوامل عديدة وراء تغيير الموقف الأمريكي بعد التحول السياسي الكبير الذي شهدته سوريا.

ولعل التطورات المتسارعة التي شهدتها، دفعت إدارة ترمب إلى إعادة النظر في جدوى بقاء القوات الأمريكية خاصة بعد الهزيمة التي تلقاها تنظيم “قسد” في المناطق التي كان يسيطر عليها، الأمر الذي جعل موضوع الانسحاب الكامل ضمن الخيارات المطروحة على طاولة صانع القرار الأمريكي، الذي يحسب حسابا كبيرا للعبء المالي والعسكري، الذي يترتب على الوجود الأمريكي في شمال شرقي سوريا وجنوبها.

فيما يقلل الانسحاب التكاليف مع الحفاظ على وجود إستراتيجي محدود، شريطة ضمان استمرار عمليات ملاحقة تنظيم الدولة، لذلك لم تتأخر القوات الأمريكية في نقل عناصر التنظيم المحتجزين إلى العراق وإخلاء أغلب السجون والمخيمات.

يتماشى هذا التوجه مع طبيعة تعامل الرئيس ترمب، باعتباره رجل صفقات وتفاهمات، ينظر إلى العلاقات الدولية بمنظار المصالح الأمريكية، لذلك لا يتوقف بحثه عن شركاء يمكنهم إدارة الملفات في منطقة الشرق الأوسط بتكلفة أقل وعوائد أعلى.

وعليه يمكن فهم المدح الذي يكيله ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع، فهو لا يتعامل معه كرئيس جمعية خيرية، بل كرئيس دولة عظمى تبحث عن مصالحها مع أفضل الشركاء في المنطقة. وبالمقابل يجد الشرع أن مصلحة سوريا تكمن في بنائها أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة، ويراهن على الرئيس ترمب شخصيا من أجل تعافي سوريا واستقرارها، وخلاصها من وضعها الكارثي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

الجزيرة

———————-

 نيويورك تايمز: تغير موازين القوى في سوريا يقلب المعادلة بالنسبة لأسرى داعش

ربى خدام الجامع

2026.02.19

نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً تناول التطورات المتسارعة في شمال شرقي سوريا، مسلّطاً الضوء على عملية الهروب من سجن الشدادي وما تبعها من تغييرات واسعة في إدارة السجون والمخيمات، بعد سيطرة الحكومة السورية على مناطق كانت خاضعة لـ”قسد”. واستعرض التقرير عمليات نقل آلاف المحتجزين، بينهم عناصر من تنظيم الدولة، إلى العراق، إضافة إلى إخلاء مخيم الهول، في تحولات تعيد فتح ملف السجناء وعائلات التنظيم على وقع متغيرات أمنية وسياسية معقدة.

يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذا التقرير الذي نشرته صحيفة النيويورك تايمز ضمن إطار رصد الواقع الأمني في سوريا بعد الاتفاق مع قسد والسيطرة على السجون في شمال شرقي سوريا، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لرأي مؤلفي المادة، أو تماهياً مع موقف الصحيفة تجاه مع يجري في سوريا:

تناثرت بزات السجن البرتقالية على الأرض في اتجاه يشير إلى المسار الذي سلكه السجناء عند هربهم، فكان ذلك آخر أثر خلفوه، في حين أضحت مقار الحرس خاوية على عروشها، وأخذت الريح تعبث ببوابات السجن.

تغير مفاجئ

حدثت عملية الهروب من السجن في شهر كانون الثاني، ويعد ذلك السجن المقام على تخوم مدينة الشدادي في شمال شرقي سوريا مثالاً صارخاً على التغير المفاجئ في السلطة والذي قلب رأساً على عقب تلك المنظومة المؤلفة من أكثر من عشرين سجناً يخضع لحراسة مشددة كونه يؤوي الآلاف من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، سيطرت قوات الحكومة السورية على مساحة شاسعة من شمال شرقي سوريا بعد أن انتزعتها من قوات سوريا الديمقراطية، أو قسد، التي تعاونت على مدار سنين مع التحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة ولحراسة المخيمات والسجون.

وهذا التغير الحاصل اليوم جعل مشكلة السجناء مشكلة للرئيس أحمد الشرع واختباراً لالتزامه بمحاربة التطرف، كما أجبر هذا التغير التحالف الدولي الذي تترأسه الولايات المتحدة، هو وغيره من الدول، على إجراء عملية إعادة حسابات جديدة وسريعة، وذلك بالنسبة لما ينبغي فعله بآلاف الأسرى وعائلاتهم المحتجزين في السجون والمخيمات منذ هزيمة تنظيم الدولة في عام 2019.

بعيد عملية الهروب من سجن الشدادي في 19 كانون الثاني، بدأ الجيش الأميركي بتنفيذ عملية معقدة تقوم على نقل الآلاف من المحتجزين الذكور البالغين إلى مقار احتجاز في العراق، وبدأت بأولئك الأشد خطراً بحسب تصنيفها.

سيطرت الحكومة السورية على عدة سجون ومخيمات احتجاز، كان من بينها سجن الشدادي، ومخيم الهول الذي توسع بشكل كبير فصار يؤوي أكثر من عشرين ألف امرأة وطفل، بعضهم نزحوا بسبب الحرب، إلا أن معظمهم تربطهم صلات قرابة بمقاتلي تنظيم الدولة.

فراغ أمني

زار فريق نيويورك تايمز كلا المقرين في مطلع هذا الشهر، فاكتشف خلو سجن الشدادي من البشر، أما في مخيم الهول، فبدت لهم أقسام كاملة من المخيم خالية من الناس، بعد أن تحولت الخيام إلى مزق من قماش، وأضحى بناء المدرسة في المخيم مهجوراً.

أعلنت الحكومة السورية وبكل وضوح بأنها لن تستمر في إدارة منظومة السجون بالطريقة التي كانت تدار بها، ولهذا وبعد أن سيطرت على مخيم الهول، سمحت للآلاف بالمغادرة وأعلنت يوم الثلاثاء الماضي عن إخلائها أو نقلها لآخر من تبقى من العائلات خارج ذلك المخيم.

في مقابلة أجريناها مع بدري المسلوخ، وهو نائب محافظ دير الزور، قال: “يشتمل مخيم الهول على كثير من العائلات التي لا تنتمي إلى تنظيم الدولة” وبينهم نساء وأطفال نزحوا بسبب الحرب، وتابع: “ولهذا فإن إبقاءهم هناك ليس حلاً”.

غير أن الحكومة أنحت باللائمة على قسد لانسحابها من مخيم الهول من دون تنسيق أمور تسليم المخيم، إذ وصلت قوات الحكومة بعد عشر ساعات من رحيل قسد، وهذا ما خلق فراغاً أمنياً سمح لمئات العائلات بالهروب.

وفي ظل هذه الفوضى، تجهز تنظيم الدولة لتهريب بعض عناصره بحسب ما ذكره بشار حسان وهو باحث مستقل مقفيم في سوريا يتابع أخبار تلك الجماعة، بما أن تنظيم الدولة لديه خلايا نائمة في سوريا، إلا أن قياديين يتبعون لهذا التنظيم وصلوا أيضاً من العراق في التاسع عشر من شهر كانون الثاني، وذلك ليستغلوا الفوضى الحاصلة على ما يبدو، بحسب رأي حسان، ويضيف: “كانت تلك الفوضى مفيدة بالنسبة لهم، ولهذا كان أول شيء ركزوا عليه هو وضع أيديهم على الأسلحة”.

تابع حسان كثيراً من الجعجعة على قنوات التواصل الخاصة بتنظيم الدولة ومن خلال بياناتها التي نشرها الإعلام، والتي تحقق منها عبر مصادره الخاصة المقربة من ذلك التنظيم.

هروب منظم

كان من بين الفارين امرأة تدعى بأم فهد التي تعتبر زعيمة عائلات تنظيم الدولة في المخيم.

عرض حسان منشورات لصحفي عن هروب أم فهد ظهرت على مجموعة محادثة خاصة بعناصر تنظيم الدولة، وقال: “تبادلوا كثيراً من المباركات والتهاني”.

وهنالك عائلات لبنانية موجودة في مخيم الهول احتفلت بعودتها منذ فترة قريبة على مجموعة للتواصل الاجتماعي حسبما ذكر حسان.

كان الهدف من عمليات الهروب المبكرة من مخيم الهول تحرير عائلات معينة، وهذا ما يدل على مستوى التخطيط الذي تمارسه جماعة تنظيم الدولة، كما يشير إلى سرعة تحرك العائلات وانتقالها عبر الحدود إلى لبنان برأي حسان، ويتابع بالقول: “كيف وصلوا إلى لبنان الذي يبعد مسافة تزيد عن 800 كيلومتر؟ إن ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على حدوث شيء منظم، أي أن الأمور لم تتم كيفما اتفق”.

حذرت المنظمات الإغاثية التي كانت تعمل في مخيم الهول من الرحيل الجماعي المفاجئ من المخيم، بما أن ذلك يخلق سلسلة من المشكلات الأمنية التي لا تتصل بهروب من هربوا فحسب، بل أيضاً بمساعدة بعض من قوات الأمن السورية لهم عبر فتح الأبواب أمامهم.

وجهت اتهامات للرئيس الشرع الذي تزعم في السابق جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة خلال فترة الحرب السورية، بضم متطرفين وإسلامويين متعاطفين مع تنظيم الدولة ضمن صفوفه، إلا أن مسؤولين في حكومته أنكروا ذلك قائلين بإن الحكومة نفسها تعرضت لهجوم من تنظيم الدولة وبإنها صادقة في معارضتها لهذا التنظيم.

“عمليات إخلاء موسعة”

بما أن مخيم الهول كبير، لذا قسم إلى مهاجع، وهنالك ملحق يؤوي ستة آلاف امرأة وطفل لا ينتمي أي منهم إلى سوريا أو العراق، بل إن أغلبهم يحمل الجنسية الصينية أو الروسية أو التركية. وذكر العاملون في مجال الإغاثة الذين زاروا المخيم في الأيام الماضية بأن الملحق أخلي من ساكنيه.

في حين أعلنت الحكومة عن مراقبتها لعائلات مقاتلي تنظيم الدولة الذين يحملون جنسيات أجنبية بعد خروجهم من المخيم، وذلك لتجنب أي تهديد أمني ممكن أن يصدر عنهم.

تدفقت العائلات السورية والعراقية عند رحيلها من المخيم بشكل منتظم، إذ تم توفير قافلة من شاحنات صغيرة وسيارات بيك آب وحافلات لتقلهم إلى وجهتهم، وبقيت تلك القوافل تصل إلى المخيم حتى نهاية الأسبوع الماضي. وقد تحدث منشور ظهر على مجموعة محادثة خاصة بمخيم الهول على تطبيق تيليغرام يوم الأحد الماضي، عن إقامة تلك العائلات على الطرقات وتوسلهم للسائقين حتى يوصلوهم إلى وجهتهم، وطلبهم من أصدقاء ومتطوعين مساعدتهم على الرجوع إلى أهاليهم.

ذكر أحد الحراس بأن الحكومة نظمت ما وصفه بعمليات إخلاء موسعة للسجناء خلال الأيام القليلة الماضية.

وبحسب ما ذكره، فإن نحو خمسة آلاف امرأة وطفل تم إخلاؤهم من المخيم حيث نقلوا بحافلات إلى مخيمات في محافظة إدلب بشمال غربي سوريا، وذلك خلال الفترة ما بين 7 إلى 9 شباط الجاري. في حين نقل آخرون يعتقد أن لديهم صلات بتنظيم الدولة إلى مخيم آخر بمحافظة حلب حسبما ذكره ذلك الرجل.

أما النزلاء السوريون، وبينهم من نزحوا بسبب الحرب، فقد أطلق سراحهم فور حضور أحد أقاربهم ليكفلهم. وقد سمح لأحد الأقرباء بدخول المخيم لمساعدة أسرة على حزم أمتعتها وفك خيمتها حسبما ذكر الحارس.

لكنه أنكر وقوع كثير من عمليات تهريب للنزلاء، وذكر بأن المهربين اللذين حاولا أخذ أشخاص من المخيم ألقي القبض عليهما، بيد أن الحارس تحدث إلينا شريطة عدم نشر اسمه لأنه ممنوع عليه التحدث إلى الإعلام.

محاكمات في العراق

في سجن الشدادي، تبدت بعض آثار الهروب الذي تم بمساعدة خارجية، إذ لم تظهر على المخيم الخارجي الذي كان مخصصاً للحرس أي آثار للقتال أو العنف، في حين تشير فتحات الرصاص التي ظهرت على البوابات المعدنية في الداخل إلى إطلاق الرصاص على الأقفال من الخارج.

قللت الحكومة السورية من خطورة عملية الهروب وادعت بأنها ألقت القبض من جديد على عشرين من الفارين وليس كلهم.

أما العملية الأميركية التي تكشفت تفاصيلها في الأيام التالية فقد تمت بحراسة أمنية مشددة، إذ حلقت طائرات حربية في السماء في الوقت الذي رافق جنود أميركيون بمركباتهم المصفحة قافلة مؤلفة من خمس حافلات، وذلك من أحد السجون المقامة في مدينة الحسكة بشمال شرقي سوريا، في مطلع هذا الشهر. وقد نقلت تلك الحافلات السجناء إلى قواعد عسكرية حتى يتم إجلاؤهم جواً إلى العراق، وذلك بحسب ما ذكره أحد المسؤولين في قسد.

في غضون أسابيع، أعلن الجيش الأميركي عن نقل 5700 محتجز، وقد تمت عملية الإخلاء بالابتداء بمن هم “أشد أهمية” بحسب تصنيف الجيش الأميركي.

ثم احتجز الرجال في بغداد حيث خضعوا لمحاكمات تحت إشراف مجلس القضاء الأعلى، وذلك بحسب تصريح لخالد شواني وزير العدل العراقي، في 12 شباط الجاري.

غير أن معظم المحتجزين ليسوا عراقيين، ومع ذلك سيخضعون لمحاكمات في العراق، ثم سينقلون إلى بلادهم حسبما قال الوزير.

سيطرت الحكومة السورية أيضاً على سجن الأقطان الواقع على أطراف مدينة الرقة، وذلك في أواخر شهر كانون الثاني، بعد مواجهة مسلحة مع حرس قسد امتدت لأيام. وفي نهاية الأمر، جرى تأمين مخرج آمن للحرس.

في ذلك الوقت احتشدت العائلات أمام ذلك السجن للمطالبة بالإفراج عن أقاربهم المحتجزين داخله، إلا أن ذلك حدث بعد أن أخلي السجن من السجناء فور سقوط الديكتاتور بشار الأسد في كانون الأول 2024.

يحدثنا عن ذلك القاضي عبود صالح حميدان، رئيس اللجنة المؤلفة من أحد عشر قاضياً والتي أرسلتها دمشق لمراجعة قضايا السجناء، فيقول: “يمثل السجناء قضية حساسة في سوريا، وأصعب ما فيها التعامل مع الرأي العام”.

تعطل عمل القضاء بسبب عدم تسليم قسد لكامل الملفات المعنية بالنزلاء، بحسب رأي القاضي حميدان، فمن بين السجناء هنالك مجموعة من الأشخاص المتهمين بالانتماء إلى تنظيم الدولة من دون أن توجه أي إدانة لهم، كما أخبرنا القاضي.

ولكن، وعلى الفور، أطلق القضاة سراح 126 قاصراً عثر عليهم في السجن، إلى جانب عدد من الناشطين الإعلاميين، وهم يعملون اليوم على معالجة بقية القضايا حسب قول القاضي حميدان.

المصدر: The New York Times

——————–

نقل “داعش” وإعادة ترتيب المخيمات.. مرحلة حاسمة في إدارة ملف معقد/ عمار زيدان

عملية نقل عناصر تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق تمثل تحولاً مهماً

2026-02-20

منذ هزيمة تنظيم “داعش” عسكرياً في سوريا والعراق، ما يزال ملف عناصره المعتقلين وعوائلهم أحد أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيداً على الإطلاق. حيث أن التنظيم الذي سيطر على مساحات واسعة في منتصف العقد الماضي، تراجع بشكل كبير بعد جهود عسكرية طويلة بقيادة التحالف الدولي ومشاركة قوى محلية في سوريا والعراق. ومع كل ذلك ماتزال خلاياه النائمة على محدوديتها إلى جانب آلاف المعتقلين وعوائلهم يشكلون تحدياً أمنياً وإنسانياً في المنطقة.

في هذا السياق، برزت عمليات نقل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق بمشاركة القوات الأميركية والتحالف الدولي، وسط تصريحات رسمية من واشنطن وبغداد وقلق حقوقي من الجهات الدولية.

وتشير بيانات رسمية عراقية إلى أن بغداد استقبلت آلاف المعتقلين الذين يحملون جنسيات متعددة من سوريا، ويجري احتجازهم في مرافق خاصة مستحدثة، فيما ستتم إحالتهم إلى القضاء العراقي المختص لمحاكمتهم على جرائم “الإرهاب”.

ويعكس هذا التحرك رغبة العراق في استثمار خبراته السابقة بمواجهة تنظيم “داعش” عام 2017، وتحمّل جزء من الأعباء الأمنية والقضائية، خصوصاً أن أغلب الدول لم تستجب لاستعادة رعاياها المرتبطين بالتنظيم من المخيمات ومراكز الاحتجاز بالإضافة إلى الأوضاع غير المستقرة التي تعيشها مناطق شمال شرق سوريا والتي كانت تعتبر الأكثر تواجداً لمعتقلي التنظيم وعوائلهم.

وتعد المخيمات مثل مخيم “الهول” نقطة جذب قد يستخدمها تنظيم “داعش” لإعادة بناء الشبكات الأيديولوجية وتجنيد أتباع جدد، في ظل ظروف معيشية وإنسانية سيئة. وقد شددت بعض الأطراف والجهات الدولية منها الأمم المتحدة في تصريحاتها الرسمية على أن تفكيك هذه المخيمات أو إعادة تنظيم إدارتها يُعد خطوة أساسية لمنع أي استغلال أمني لها في المستقبل.

وأفادت وكالة “رويترز”، أن عدد السكان في مخيم الهول تراجع بشكل كبير إلى أقل من ألف عائلة بعد سيطرة الجيش السوري على المنطقة، وهو تغير كبير مقارنة بالأعداد السابقة التي تجاوزت عشرات الآلاف، حيث بدأت الحكومة السورية منذ أيام بنقل بعض العائلات إلى مخيمات جديدة في ريف حلب.

تجربة مؤلمة وتحول مهم

يقول الصحفي السوري علي الأمين في تصريحات لـ “963+”، إن عملية نقل عناصر تنظيم “داعش” من السجون في شمال شرقي سوريا إلى العراق تمثل تحولاً مهماً في إدارة هذا الملف المعقد، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام أسئلة سياسية وأمنية وقانونية لا تقل حساسية عن المرحلة السابقة. ويوضح أن هذه الخطوة تعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن بقاء آلاف المعتقلين في بيئة أمنية هشة داخل سوريا يشكل خطراً مستمراً، سواء من حيث احتمالات الفرار أو إعادة تشكل خلايا التنظيم.

ويضيف الأمين، أن العراق يمتلك تجربة مؤلمة ومباشرة مع التنظيم، وهو ما يمنحه خبرة قضائية وأمنية في التعامل مع هذه القضايا، إلا أن نقل المعتقلين يجب أن يترافق مع ضمانات واضحة تتعلق بالمحاكمات العادلة والشفافية، حتى لا يتحول الملف إلى مصدر توتر حقوقي جديد. ويشير إلى أن الاقتصار على الحلول الأمنية دون مقاربة قانونية وإنسانية شاملة قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد.

وفي ما يخص مخيمات عوائل التنظيم، يرى الأمين أن تفكيك هذه المخيمات أو إعادة تنظيمها خطوة ضرورية، لأنها تحولت خلال السنوات الماضية إلى بيئة مغلقة قابلة لإعادة إنتاج التطرف، خاصة في ظل غياب برامج تأهيل حقيقية للأطفال والنساء. لكنه يشدد على أن التعامل مع هذه الفئة يجب أن يميز بوضوح بين من تورط في أعمال إجرامية ومن كان ضحية للظروف أو للارتباط العائلي.

 ويتابع: “نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بعدد المنقولين أو المتواجدين في المخيمات بل بقدرة الأطراف المعنية على تحويل هذا الملف من عبء أمني دائم إلى مسار قانوني منضبط، يضمن الاستقرار ويحاصر احتمالات عودة التنظيم بأشكال جديدة.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بدء عملية نقل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق في 21 كانون الثاني / يناير الماضي في إطار مهمة عسكرية مشتركة تهدف إلى نقل آلاف المقاتلين المحتجزين في سجون شمال شرق سوريا إلى مرافق احتجاز عراقية أكثر أماناً ومراقبة.

وكان هذا الإعلان جزءاً من بيان رسمي يشير إلى أن العملية نفذت تحت إشراف القيادة المركزية للقوات الأميركية، وتضمنت تنسيقاً استخباراتياً مع شركاء متعددين، بهدف ضمان عدم قدرة التنظيم على استغلال الفجوات الأمنية أو حدوث عمليات فرار جماعي للمعتقلين، واكتملت العملية بعد 23 يوماً بنقل 5700 من عناصر “داعش”.

أبعادٌ أمنية وقانونية معقدة

يوضح الصحفي العراقي علي الشمري، أن العراق، الذي خاض حرباً مكلفة ضد التنظيم بين عامي 2014 و2017، يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية جديدة تتمثل في استقبال أعداد من المقاتلين المحتجزين سابقاً في السجون السورية، وهو ما يعيد فتح نقاش داخلي حول القدرة الاستيعابية للمؤسسات الأمنية والقضائية.

ويرى الشمري في تصريحات لـ “963+”، أن الجانب الأمني كان الدافع الأبرز لهذه الخطوة، خاصة في ظل المخاوف من انهيار منظومة الحراسة في بعض المناطق السورية نتيجة التحولات الميدانية. فاحتمال فرار مئات أو آلاف المعتقلين كان سيعني عودة خطر الخلايا النائمة إلى العمل عبر الحدود، وهو سيناريو يثير قلق بغداد كما يثير قلق دول الجوار.

ويشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النقل بحد ذاته، بل في ما بعده: كيف ستتم إدارة المحاكمات؟ وهل ستحظى بالشفافية الكافية؟ وكيف سيتم التمييز بين من تورط فعلاً في أعمال قتالية أو إرهابية، ومن كانت أدواره ثانوية أو قسرية؟ ويضيف أن العراق مطالب بتحقيق توازن بين صرامة القانون وضرورات العدالة، خصوصاً أن هذا الملف يحظى بمتابعة دولية دقيقة.

أما في ما يتعلق بمخيمات عوائل التنظيم، مثل مخيم الهول وغيره، فيعتبر الصحفي العراقي أن تفكيك هذه المخيمات أو إعادة توزيع سكانها خطوة منطقية من الناحية الأمنية، لأن استمرارها بشكلها السابق كان يخلق بيئة مغلقة لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن نقل العائلات من مكان إلى آخر لا يكفي إذا لم يترافق مع برامج تأهيل نفسي وتعليمي واجتماعي، خصوصاً للأطفال الذين نشأوا في بيئة مشبعة بأفكار العنف.

ويختم الشمري بالقول إن نجاح هذه المرحلة سيعتمد على رؤية شاملة تتجاوز المقاربة العسكرية. فالمعركة ضد “داعش” لم تعد معركة جغرافيا، بل معركة أفكار وعدالة ومؤسسات. وإذا لم تُدار هذه الملفات بحكمة وتنسيق إقليمي ودولي، فإن خطر عودة التطرف سيبقى قائماً، حتى وإن تغيرت الأسماء والمناطق الجغرافية.

من هنا، تبرز عملية نقل عناصر تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق وإعادة تنظيم مخيمات عوائل التنظيم كخطوة محورية تمثل تحدياً متعدد الأبعاد، يجمع بين الأمن والقانون. فالنقل يسعى إلى احتواء عناصر التنظيم المقاتلين في بيئة أكثر أمانًا ومنع أي محاولات للفرار أو إعادة تشكيل خلايا نائمة، في الوقت نفسه، يمثل ملف المخيمات، تحدياً إنسانياً كبيراً، إذ يضم آلاف النساء والأطفال المرتبطين بعناصر التنظيم. بالتالي فإن إعادة تنظيم المخيمات أو تفكيكها يتطلب مقاربة متكاملة تشمل برامج تعليمية وتأهيلية ونفسية مع التمييز بين المتورطين مباشرة في الجرائم والضحايا الأبرياء.

+963

——————————

===================

تحديث 19 شباط 2026

——————————

 أعباء الانسحاب الأميركيّ من قاعدة التّنف/ منهل باريش*

2026-02-19

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…

news

من اتّفاق “قسد” إلى توتّر السّويداء: إعادة تعريف الخرائط السّوريّة

بالتزامن مع دخول قوّات وزارة الداخليّة السوريّة إلى مدينة الحسكة وبدء تطبيق اتّفاق 18 كانون الثاني بين دمشق و”قوّات سوريا الديمقراطيّة”، بدا أنّ البلاد تتّجه…

في الوقت الذي كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الروسية موسكو في زيارة هي الثانية له خلال عام واحد،…

منذ المكالمة الهاتفيّة القصيرة في السادس من تشرين الأوّل 2019، التي أجراها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع نظيره التركيّ رجب طيّب إردوغان، دخلت علاقة واشنطن بـ”قوّات سوريا الديمقراطيّة” مرحلة تحوّل عميق، وذلك بعد أشهر قليلة من إعلان هزيمة تنظيم داعش في منطقة الباغوز الحدوديّة مع العراق.

عقب الاتّصال مباشرة، أعلن البيت الأبيض سحب القوّات الأميركيّة من شمال شرق سوريا، في خطوة مهّدت لعمليّة عسكريّة تركيّة مدعومة بفصائل سوريّة موالية لأنقرة. لم يكن القرار إعادة انتشار عسكريّ، بل إعادة هندسة للتوازنات شرق الفرات وقلب لمعادلة السيطرة التي استقرّت لسنوات.

جاءت الخطوة مفاجئة حتّى داخل واشنطن، وأثارت انتقادات حادّة، إذ عُدّت تخلّياً عن الشريك الكرديّ الذي كان رأس الحربة في قتال داعش. خلال أيّام قليلة، سحبت وزارة الدفاع الأميركيّة نحو ألف جنديّ، في رسالة سياسيّة واضحة بأنّ ترامب يمضي في تقليص الانخراط العسكريّ في سوريا. مع ذلك، سعت مؤسّسات الدولة، وفي مقدَّمها البنتاغون، إلى ضبط إيقاع القرار خشية أن يفتح الباب أمام فراغ أمنيّ تتنافس القوى الإقليميّة على ملئه.

سرعان ما أعادت الوقائع الميدانيّة تشكيل المشهد. اتّجهت “قسد” إلى التنسيق مع دمشق وموسكو، فعادت قوّات الجيش السوريّ إلى بعض النقاط الحدوديّة، بينما أفضت التفاهمات الروسيّة–التركيّة إلى تسيير دوريّات مشتركة على طول الشريط الحدوديّ. هكذا لم ينسحب الأميركيّون من الجغرافيا فحسب، بل نقلوا مركز الثقل في شرق الفرات إلى معادلة إقليميّة جديدة، حتّى وجد الجنود الأميركيّون أنفسهم وجهاً لوجه مع الدوريّات الروسيّة في مشهد غير مألوف في تلك الساحة.

 التحوّل الأبرز لم يكن في الشمال وحده. في الجنوب الشرقيّ، اتّخذ الانسحاب من التنف بعداً جيوسياسيّاً أكثر حساسيّة

التّنف: عقدة الممرّات لا قاعدة عسكريّة

غير أنّ التحوّل الأبرز لم يكن في الشمال وحده. في الجنوب الشرقيّ، اتّخذ الانسحاب من التنف بعداً جيوسياسيّاً أكثر حساسيّة. لم تكن التنف قاعدة لملاحقة خلايا داعش وحسب، بل نقطة فصل بين الممرّ الإيرانيّ البرّيّ الممتدّ نحو المتوسّط وبين المجال الحيويّ الأميركيّ في شرق سوريا، وموقع يراقب تحرّكات الفصائل الموالية لطهران وطرق تهريب السلاح نحو سوريا ولبنان.

مع إخلائها، وجدت دمشق نفسها أمام استحقاق أمنيّ ثقيل، وهو سدّ الفراغ الأمنيّ الذي خلّفه انسحاب التحالف الدوليّ على مساحة صحراويّة مفتوحة ومعقّدة.

الجيش السّوريّ يملأ فراغ التّنف

لم يكن الفراغ ليبقى طويلاً. استجابت الإدارة السوريّة سريعاً، وأُعيد توزيع الوحدات العسكريّة لتغطية المنطقة، فانتشرت الفرقة 54 في التنف لتثبيت السيطرة، فيما تولّت الفرقة 70 تغطية الامتداد بين ريف دمشق وجنوب طريق بغداد–دمشق ومنطقة الـ55 كيلومتراً من الجهة الغربيّة. شرقاً، تتموضع الفرقة 86 بين الميادين والبوكمال وباديتها جنوباً، وهي منطقة تُعدّ تاريخيّاً أحد المسارات الرئيسة لتهريب السلاح إلى عمق الأراضي السوريّة.

الانسحاب الأميركي

في موازاة ذلك، انتشرت الفرقة 66 جنوب الرقّة في مناطق تنشط فيها خلايا داعش، بينما تُعدّ الفرقة 42 (مدرّعات) خطّ الدفاع الأبرز الممتدّ من شرقيّ حمص إلى السخنة في عمق البادية. إلى جانب هذه التشكيلات، لعبت إدارة أمن البادية دوراً محوريّاً في ملاحقة الخلايا وضبط المساحات المفتوحة.

تتجاوز المسألة هنا إعادة الانتشار إلى إدارة وتأمين مناطق شاسعة يزيد طولها على أكثر من مئتي كيلومتر بين البوكمال والتنف، ومسافة مماثلة تقريباً على الحدود مع الأردن. إنّها صحراء تتقاطع فيها طرق التهريب مع تحرّكات الخلايا النائمة، وتفرض حضوراً أمنيّاً دائماً لا يكتفي بنقاط ثابتة على الخريطة.

لا يعني الانسحاب الأميركيّ نهاية المشهد، بل انتقال إلى طور أكثر تعقيداً، مع حضور عسكريّ أقلّ وشراكة أمنيّة أكثر أهميّة

الحسكة: تقليص الوجود لا إنهاؤه

أمّا في الشمال الشرقيّ، فقد تقلّص الوجود الأميركيّ إلى حدّه الأدنى. أعادت القوّات الأميركيّة تموضعها ضمن نطاق ضيّق في محافظة الحسكة، واقتصر وجودها على ثلاثة مواقع رئيسة هي خراب الجير، قسرك، وهيمو. من المرجّح الاحتفاط بقاعدة خراب الجير كنقطة ارتكاز أساسيّة بحكم موقعها القريب من الحدود العراقيّة وأهميّتها اللوجستيّة، إلى جانب موقع محدود في محيط دمشق لأغراض أمنيّة أو تنسيقيّة.

يأتي ذلك بعد انسحاب واسع أعقب سقوط نظام بشّار الأسد، بحيث أُخليت أكثر من عشرين قاعدة ونقطة عسكريّة في دير الزور والرقّة والحسكة، وانتهت مرحلة الانتشار الكثيف.

لا يعني الانسحاب الأميركيّ نهاية المشهد، بل انتقال إلى طور أكثر تعقيداً، مع حضور عسكريّ أقلّ وشراكة أمنيّة أكثر أهميّة. يفتح تسليم منطقة الـ55 كيلومتراً والمعبر الحدوديّ البابَ أمام تنسيق مباشر بين دمشق وبغداد يمتدّ لأكثر من مئتَي كيلومتر حتّى معبر البوكمال–الوليد، وهو ما يفرض تعاوناً أمنيّاً دون وسيط، وقد يكسر الجمود الطويل بين الجارتين ويدفع العلاقة إلى مرحلة جديدة تطوي حساسيّات الماضي وشوائبه.

*كاتب سوري

أساس ميديا

——————————

القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا/ إعداد محمد سليمان , وائل علوان

يشهد الوجود العسكري الأمريكي في سوريا تحوُّلاً كبيراً نحو الانسحاب التدريجي، حيث أكملت القوات الأمريكية في 11 شباط/ فبراير 2026 انسحابها من قاعدة التنف ومنطقة العمليات 55، وهي من أهم القواعد الإستراتيجية الأمريكية حيث تقع ضمن مثلث حدودي في الأراضي السورية يطل على كل من العراق والأردن.    

سلّمت قوات التحالف مواقعها في قاعدة التنف إلى الجيش السوري ضمن تنسيق عملياتي أتاحه انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وقامت القوات الأمريكية بإخلاء قواعدها وتسليمها إلى وزارة الدفاع السورية في محافظة دير الزور بشكل كامل، وكذلك قاعدة الشدادي جنوب محافظة الحسكة، ونقلت المعدات اللوجستية والعسكرية إلى قواعد التحالف في العراق والأردن.    

إخلاء القواعد الأمريكية وانسحاب القوات منها هو جزء من انتقال مدروس ومخطط له، يهدف إلى تقليص وجودها العسكري الأمريكي في سوريا خصوصاً، وفي المنطقة بشكل عام، وإن كان هذا الانسحاب مشروطاً بالظروف الميدانية؛ فقد وجدت الإدارة الأمريكية أن الفرصة باتت مواتية لذلك مع سيطرة الحكومة السورية على جزء كبير من المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهذا التوجّه ليس جديداً؛ حيث بدأه الرئيس دونالد ترامب نهاية عام 2019 عندما أمر بإخلاء القواعد الأمريكية شمال شرقي سوريا، مما مهّد لتنفيذ عملية نبع السلام من قبل الجيش التركي والجيش الوطني السوري آنذاك.    

ومع هذه التطورات المتسارعة ترسم الخريطة السورية تموضعاً جديداً للقوات الأمريكية في سوريا نحو الانسحاب الواسع والاكتفاء بقواعد رئيسية أقصى شمال شرق البلاد.    

أولاً: توزُّع القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا    

كان عدد القواعد والنقاط العسكرية الأمريكية منتصف عام 2024 قد بلغ ما يقارب 31 قاعدة ونقطة عسكرية [ 1 ] ، وقد بدأت القوات الأمريكية بالانسحاب من قواعدها ونقاطها خلال عام 2025، غير أن التغيرات الميدانية التي شهدها كانون الثاني/ يناير 2026 أعادت رسم الخريطة منتصف شباط/ فبراير 2026 ليصبح الوجود العسكري الأمريكي في سوريا مقتصراً على 3 قواعد عسكرية رئيسية فقط على الشكل التالي:    

1.   القواعد الأمريكية النشطة:    

تُظهر الخريطة انسحاب القوات الأمريكية من مختلف قواعدها ونقاطها العسكرية، مقابل استمرار تموضعها عسكرياً في 3 قواعد عسكرية هي:    

–   قاعدة قسرك: في محافظة الحسكة بين تل تمر وتل بيدر جنوب الطريق الدولي M4.    

–   قاعدة رميلان: في محافظة الحسكة ضمن مطار أبو حجر الزراعي جنوب مدينة الرميلان.    

–   قاعدة هيمو: في محافظة الحسكة عند مدخل مدينة القامشلي، ويضم سجن عنبارة.    

2.   القواعد الأمريكية غير النشطة (تم سحبها وتفكيكها):    

سحبت القوات الأمريكية 28 قاعدة ونقطة عسكرية أمريكية خلال عام 2025 ومطلع عام 2026، منها 13 قاعدة ونقطة ضمن مناطق سيطرة قسد شمال الحسكة ومنطقة عين العرب (كوباني) شمال شرق حلب. بينما انسحبت من 15 قاعدة ونقطة عسكرية في مناطق سيطرة الحكومة السورية (ضمنها المناطق التي سيطرت عليها الحكومة السورية مطلع 2026)، وهي قاعدتان في منطقة التنف والزكف على الحدود الإدارية لمحافظتَيْ حمص وريف دمشق جنوب البلاد، و3 قواعد عسكرية في الحسكة، و9 قواعد إضافة لنقطة عسكرية في محافظة دير الزور.    

ثانياً: طبيعة المهام العسكرية الأمريكية في سوريا    

دخلت القوات الأمريكية إلى سوريا في النصف الثاني من عام 2015 تحت مظلة “التحالف الدولي” الذي تأسس في أيلول/ سبتمبر 2014، تحت شعار “إضعاف تنظيم داعش وفي النهاية إلحاق الهزيمة به” [ 2 ] . وقد حصرت الولايات المتحدة مهامها العسكرية في سوريا بمكافحة تنظيم داعش وتحت مظلة التحالف الدولي الذي تقوده، وأسست قواعدها العسكرية في البلاد بما يتناسب مع هذه المهام.    

بقيت القوات الأمريكية ملتزمة بمهام مكافحة الإرهاب ضمن قواعدها ونقاطها العسكرية وفي الدوريات الخاصة أو المشتركة، وفي المناورات العسكرية وعمليات القصف الجوي والمساندة البرية أو الجوية للشركاء المحليين خلال عملياتهم في مكافحة الإرهاب.    

لكن، في ذات الوقت فإن الوجود الأمريكي العسكري في سوريا كان جزءاً من حفظ قواعد الاشتباك بين الفاعلين المحليين وحتى بالنسبة للفاعلين الخارجيين، بما يتوافق مع المصالح الأمريكية على مستوى المنطقة وليس فقط سوريا، ولطالما حافظ هذا التدخل الأمريكي على حدود التدخل التركي والروسي في سوريا، خاصة في مناطق شرق الفرات، وعلى هذا الأساس تم توقيع اتفاق بين وزيرَي الخارجية سيرغي لافروف وجون كيري في أيلول/ سبتمبر 2016.    

لقد ساعد الوجود العسكري الأمريكي في سوريا برسم التوازُنات الداخلية وفقاً لمصالح الولايات المتحدة، مثلاً في مواجهة قسد لانتفاضة عشائرية بقيادة الشيخ إبراهيم الهفل عام 2023، والتي اعتبرت الولايات المتحدة أن إيران ونظام الأسد هما المحرك الرئيسي لها، ثم في الضغط على قسد مطلع عام 2026 للانسحاب من الرقة ودير الزور لصالح تقدُّم القوات الحكومية.    

ثالثاً: الانسحاب الأمريكي العسكري من سوريا    

كان الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا يتردّد بشكل متكرر بعد انهيار السيطرة الفعلية لتنظيم داعش وانحسار مساحات سيطرته ونفوذه جغرافياً، خاصة بعد سلسلة المعارك التي دعمتها قوات التحالف ضد التنظيم وانتهت بمعركة الباغوز في شباط/ فبراير 2019.    

عملياً، كان الانسحاب الأبرز للقوات الأمريكية من سوريا في الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتنسيق بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وعلى إثرها انسحبت القوات الأمريكية من رأس العين وتل أبيض تمهيداً للعملية العسكرية التركية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).    

في الولاية الثانية للرئيس الأمريكي ترامب بقي موضوع الانسحاب من سوريا حاضراً في الإستراتيجية الأمريكية الخارجية، وقد وجد سبيله للتحقق بسقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 وتسلُّم سلطة جديدة منفتحة بشكل عملي على الشراكة في مكافحة الإرهاب، الأمر الذي تجسد من خلال انضمام الحكومة السورية للتحالف الدولي، وبذلك باتت الإدارة الأمريكية تتعامل مع الدولة شريكاً في مكافحة الإرهاب وليس مع منظومات ما دون الدولة (قسد).    

يمكن القول: إنَّ الانسحاب الأمريكي من سوريا وجد فرصته الأكبر مع التغيرات الميدانية الواسعة التي شهدتها الخريطة السورية مطلع عام 2026، والتي مكَّنت الحكومة السورية من السيطرة التامة أمنياً وعسكرياً على مناطق سيطرة قسد في مدينة حلب ومنطقة دير حافر، وعلى كامل محافظتَي الرقة ودير الزور، وعلى مساحات واسعة في محافظة الحسكة.    

أخيراً، إنَّ الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا هو مشروع مرتبط على المستوى الدولي والإقليمي برغبة إدارة الرئيس الأمريكي ترامب في تقليل الالتزامات العسكرية الخارجية، وتجنُّب المخاطر بحياة الجنود الأمريكيين، خصوصاً مع ازدياد التوتر الداخلي وحالة الاستقطاب الخارجية في إيران.    

رابعاً: مستقبل الدور الأمريكي العسكري في سوريا    

يُتوقع أن يبقى الوجود الرئيسي لقوات التحالف الدولي بقيادة القوات الأمريكية في سوريا ضِمن قاعدة الرميلان وقاعدة قسرك أقصى شمال شرق البلاد، مع خفض ملحوظ في عدد الجنود الأمريكيين ضِمن القاعدتين لتتحول كل منهما إلى مركز إشراف وعمليات، مع استمرار مهام محدودة في مكافحة تنظيم داعش، في حين يتوقع أن تكون أولوية مهام القاعدتين لمراقبة تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقسد، إلى جانب مراقبة الجهود المحلية وتقييمها حيال مكافحة الإرهاب في سوريا.    

خُلاصة    

استطاعت الإدارة الأمريكية تنفيذ إستراتيجيتها بالانسحاب العسكري من سوريا بناءً على ترتيبات سياسية وميدانية أوكلت فيها مهام مكافحة الإرهاب إلى الحكومة السورية التي سيطرت عملياً على معظم جغرافيا البلاد بعد أن دخلت رسمياً في التحالف الدولي.    

كانت بداية الانسحاب العسكري الأمريكي فعلياً خلال عام 2025، لكن التغيرات السريعة ميدانياً التي أذنت بها معارك كانون الثاني/ يناير 2026 جعلت المواقع العسكرية الأمريكية في سوريا تنحسر إلى 3 قواعد فقط أقصى شمال شرق البلاد، لتظهر الخريطة الجديدة انسحاب القوات الأمريكية وتفكيكها 28 قاعدة ونقطة عسكرية كانت نشطة منتصف عام 2024.    

كان متوقَّعاً الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا بعد سقوط نظام الأسد نهابة 2024، كما أنه من المتوقع أن تحافظ الولايات المتحدة على قواعد عملياتية محدودة العدد ومختلفة المهام في سوريا، فهي لم تَعُدْ بحاجة إلى بقاء الكثير من الجنود والمجموعات القتالية، وبالتالي ستتحول القواعد المتبقية شمال شرق سوريا إلى قواعد تنسيق وإشراف ومراقبة وإدارة عمليات.    

[1]   خريطة المواقع العسكرية للقوى الخارجية في سورية منتصف 2024، مركز جسور للدراسات، 02/07/2024.       الرابط .    

[2]   الموقع الرسمي للتحالف الدولي على شبكة الإنترنت،       الرابط .    

————————–

 القواعد الأميركية المتبقية في سوريا.. أين تنتشر وما مهمتها؟/ باسل المحمد

2026.02.19

بعد سنوات من الانتشار العسكري في سوريا، أعلنت وزارة الدفاع السورية مؤخراً استلام الجيش العربي السوري قاعدة “التنف” عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، تزامناً مع انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من المنطقة.

كما تسلم الجيش السوري الأحد الماضي قاعدة “الشدادي” شمال شرقي البلاد، التي كانت تحت سيطرة القوات الأميركية منذ 2016، بعد إخراج تنظيم “داعش” منها واستخدامها كمركز لإدارة العمليات وتأمين حقول النفط.

وجاءت هذه التحركات بعد انسحاب واشنطن من عدد من القواعد الأخرى في شرقي سوريا، ما يفتح الباب لإعادة ترتيب الوجود الأميركي المتبقي في البلاد.

 في هذا التقرير نستعرض القواعد الأميركية المتبقية في سوريا، أهميتها الاستراتيجية، ووظائفها بعد التغييرات الأخيرة وسيطرة الحكومة السورية على معظم الأراضي.

القواعد التي تم سحبها وتفكيكها

شهدت سوريا خلال عام 2025 ومطلع 2026 تحولات مهمة على مستوى انتشار القوات الأميركية، مع انسحابها التدريجي من عدد من القواعد الاستراتيجية والنقاط العسكرية التي كانت تحت سيطرتها منذ سنوات، في خطوة تعكس إعادة ترتيب أولويات واشنطن في المنطقة وسط استعادة الدولة السورية سيطرتها على معظم الجغرافيا والتغيرات الميدانية المتسارعة في شمال وشرق البلاد وجنوبها.

 وشملت هذه التحركات الانسحاب من القواعد الأكثر حساسية (التنف والشدادي) بالإضافة إلى حقلي العمر وكونيكو النفطيين في ريف دير الزور الشرقي، إضافة إلى حقل تل البيادر بريف دير الزور الشرقي، ما أعاد رسم خارطة النفوذ العسكري الأميركي في سوريا بشكل كبير.

وفي هذا السياق أصدر مركز جسور للدراسات أمس الثلاثاء ورقة بعنوان “القواعد العسكرية الأميركية في سوريا” أفاد فيها أن القوات الأميركية سحبت إجمالاً 28 قاعدة ونقطة عسكرية خلال عام 2025 ومطلع 2026، منها 13 قاعدة ونقطة في مناطق سيطرة قسد شمالي محافظة الحسكة ومنطقة عين العرب (كوباني) شمال شرقي حلب،

وبحسب ورقة جسور فقد بلغ عدد النقاط والقواعد العسكرية التي انسحبت منها الولايات المتحدة في مناطق سيطرة الحكومة السورية و15 قاعدة ونقطة، بينها قاعدتان في منطقة التنف والزكف على الحدود الإدارية لمحافظتي حمص وريف دمشق، و3 قواعد في الحسكة، و9 قواعد إضافة إلى نقطة عسكرية في محافظة دير الزور.

وأوضحت الورقة أن هذه الانسحابات تمثل تحولاً استراتيجياً في نمط الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

ما القواعد المتبقية وأين تنتشر؟

بدأت القوات الأميركية بالانسحاب من قواعدها ونقاطها العسكرية في سوريا خلال عام 2025، إلا أن التغيرات الميدانية التي شهدها كانون الثاني/يناير 2026 أعادت رسم خريطة الانتشار بشكل واضح بحلول منتصف شباط/فبراير 2026، ليصبح الوجود العسكري الأميركي في البلاد مقتصراً على ثلاث قواعد رئيسية فقط، تتركز جميعها في شمال شرقي سوريا، وتحديداً في محافظة الحسكة، بعد إخلاء معظم المواقع في دير الزور والبادية السورية.

ووفق مراجعة تقارير صحفية وبيانات ميدانية وتحليلات مفتوحة المصدر، يتركز الوجود الأميركي المتبقي في عدد من المواقع ذات الطابع الجوي واللوجستي، أبرزها قاعدة “قسرك” في محيط مدينة الحسكة، والتي تُعد إحدى أهم نقاط الارتكاز الأميركية المتبقية في المنطقة، إذ أشارت تقارير صحفية وتحقيقية إلى تركيز تحركات عسكرية وتعزيزات نحوها خلال الفترة الماضية، من بينها تقرير سابق لوكالة رويترز تحدث عن إعادة تموضع للقوات الأميركية في شمال شرقي سوريا.

كما تُعد قاعدة “خراب الجير” وتعرف أيضاً بـ(مطار رميلان) من أبرز المواقع المتبقية، وهي منشأة جوية قرب بلدة رميلان استُخدمت خلال السنوات الماضية كنقطة رئيسية لإيصال الإمدادات والمعدات العسكرية، وأفادت مصادر ميدانية باستمرار عمليات نقل معدات وتعزيزات إليها حتى الأشهر الأخيرة، ما يعكس أهميتها اللوجستية في هيكل الانتشار الأميركي الجديد.

أما قاعدة “هيمو” الواقعة على بعد نحو أربعة كيلومترات غربي مطار القامشلي في محافظة الحسكة، قرب الحدود التركية، فكانت نقطة انتشار عسكرية ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، واستُخدمت كقاعدة تدريب ودعم لوجستي للقوات الأميركية وقوات التحالف، بما في ذلك تدريب مقاتلي قسد، وذلك بحسب تقرير سابق لوكالة الأناضول.

وبذلك، يتركز الوجود الأميركي المتبقي حالياً في مثلث لوجستي – جوي ضمن محافظة الحسكة، ما يشير إلى انتقاله من انتشار واسع متعدد النقاط إلى تمركز محدود يعتمد على قواعد ذات وظائف تشغيلية وإمدادية أساسية.

مهام القواعد الأميركية المتبقية

يرى الخبير العسكري فائز الأسمر أن الانسحاب الأميركي من معظم القواعد في سوريا كان متوقعاً بعد سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، ولا سيما مع توسّع سيطرة الحكومة السورية على غالبية مناطق انتشار القوات الأميركية في شمال شرقي البلاد.

ويضيف الأسمر في حديث لموقع تلفزيون سوريا يبدو أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى انتشار واسع أو إلى أعداد كبيرة من الجنود والمجموعات القتالية، ما يرجّح الإبقاء على قواعد عملياتية محدودة العدد ومختلفة المهام، تتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة.

وحول المهام التي سوف تقوم بها القواعد الأميركية المتبقية في سوريا يقول الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان إن القواعد المتبقية في شمال شرقي سوريا ستواصل الإشراف العملياتي في ملف مكافحة تنظيم “داعش”، إضافة إلى دورها في دعم الاستقرار ضمن الترتيبات التي تشرف عليها الحكومة الأميركية، ولا سيما من خلال متابعة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

وأوضح علوان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن وجود ضغط أميركي يبقى عاملاً مؤثراً في ضمان التزام “قسد” بتنفيذ التفاهمات القائمة، مشيراً إلى أن طبيعة القواعد المتبقية ستختلف عن سابقاتها؛ فبدلاً من كونها قواعد عسكرية تقليدية تضم أعداداً كبيرة من الجنود وتنفذ مهام قتالية مباشرة، ستتحول إلى قواعد عمليات وتنسيق ومراقبة، تُعنى بالإشراف على الدعم الأمني والدبلوماسي الذي قد تقدمه واشنطن للحكومة السورية.

وحول مستقبل الوجود الأميركي في سوريا، لا يستبعد علوان احتمال الانسحاب الكامل في مرحلة لاحقة، لكنه يرى أن تحقيق ذلك قد يحتاج إلى وقت إضافي، ريثما تتضح معالم الترتيبات الأمنية والسياسية النهائية في شمال شرقي البلاد.

تلفزيون سوريا

———————

 الانسحاب الأميركي من سوريا: ضبط المشهد بأقل التكاليف/ مصطفى محمد

الخميس 2026/02/19

حتى الآن، يبدو الانسحاب الأميركي من سوريا أقرب إلى إعادة انتشار مؤقت، فلا تزال الولايات المتحدة، من خلال القواعد التي أبقت فيها على وجودها العسكري، قادرة على الضغط لضمان تطبيق الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وكانت القوات الأميركية قد أخلت العديد من القواعد العسكرية في سوريا، وآخرها قاعدتي التنف والزكف في المنطقة 55 عند الحدود السورية الأردنية العراقية، والشدادي في ريف الحسكة، وسلمتها للحكومة السورية.

وبذلك، يكون الوجود الأميركي في سوريا محصوراً بالحسكة، وعبر 3 قواعد نشطة، وهي قاعدة رميلان عند آبار النفط، وقاعدة “هيمو” القريبة من مدينة القامشلي، وقاعدة قسرك، المطلة على طريق “m4” بريف الحسكة، وهي قواعد يبدو أن واشنطن تتجه لإخلائها في المرحلة المقبلة، في توقيت ليس محدداً بعد، ويرجح أنه مرتبط بتطورات داخلية سورية.

لماذا أبقت واشنطن على هذه القواعد؟

عند النظر إلى مواقع القواعد المتبقية، يتبين للباحث السياسي والأكاديمي ماهر التمران، أن واشنطن اختارت البقاء في بعض القواعد للامساك “مؤقتاً” بالملف السوري بأقل تكلفة.

ويوضح لـ”المدن”، أن قاعدة “قسرك” تمثل شرياناً استراتيجياً على اعتبار أنها تشرف على طريق “m4″ الذي يربط شمال شرق سوريا بغربها، ما يمنحها تحكماً نسبياً بالتوازن العسكري للمنطقة التي تشهد تطبيقاً للاتفاق بين دمشق و”قسد”.

وطبقاً للتمران، فإن استمرار بقاء الجيش الأميركي في قاعدة رميلان، يؤمن مظلة عسكرية للمنطقة النفطية التي تتطلع الشركات الأميركية للاستثمار فيها.

أما عن قاعدة هيمو، يشير الباحث إلى ارتباط هذه القاعدة بملف “داعش”، موضحاً أن منطقة القاعدة ترتبط بملف أمني يتعلق بسجون التنظيم، وضمان عدم عودته.

ومع تسارع الانسحاب الأميركي من سوريا، بدا لكثيرين أن الوجود الأميركي في سوريا قد شارف على الانتهاء، لكن يبدو أن واشنطن لن تتخذ هذا القرار حتى اكتمال دمج “قسد” بالدولة السورية، وتسليم الصلاحيات لدولة “موحدة” قادرة على وأد التهديدات.

ويتفق التمران مع ذلك، قائلاً إن “الانسحاب الكامل سيحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن واشنطن تمنح القيادة السورية الحالية، برئاسة أحمد الشرع، مجالاً أوسع للحركة وثقة أكبر بإدارة الملفات الأمنية والعسكرية شرق الفرات من دون وصاية مباشرة”.

ويرى أن هذا “السيناريو يعني انتقالاً من مرحلة الوجود العسكري الأميركي الضامن إلى مرحلة الاختبار السيادي الداخلي، حيث تُختبر قدرة دمشق على ضبط الأمن، وإدارة الموارد، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة”.

الانسحاب ..هدف أميركي

والملاحظ من خلال مراقبة عمليات إخلاء القواعد الأميركية، أن واشنطن انسحبت من كل المناطق التي باتت تحت سيطرة الدولة السورية، من التنف إلى دير الزور، وصولاً إلى ريف الحسكة الجنوبي (الشدادي).

ويرى الباحث السياسي في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، في الانسحاب الأميركي من القواعد السابقة، تأكيداً على الشراكة مع الدولة السورية التي باتت عضواً في “التحالف الدولي”.

ويقول لـ”المدن”: “أساساً الانسحاب الأميركي من سوريا والمنطقة برمتها هو من ضمن الأهداف الأميركية الاستراتيجية، وتخفيض التكلفة العسكرية، وجاءت التحولات التي شهدتها سوريا لتخدم هدف الانسحاب”.

واستناداً إلى ما سبق، يشير علوان إلى أن الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا بات رهن تطبيق الاتفاقات بين دمشق و”قسد”، معتبراً أن “مهام عمل القواعد العسكرية الأميركية في سوريا تغيرت من الوظيفة العسكرية، إلى المراقبة الأمنية والإشراف على الدعم الذي يمكن أن تقدمه واشنطن لسوريا”.

وأواخر كانون الثاني/يناير الماضي، جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين الدولة السورية و”قسد” بعد تقدم الجيش السوري ووصوله إلى عمق محافظة الحسكة، ينص على دمج “قسد” بمؤسسات الدولة، وتسليم حقول النفط والمعابر الحدودية للدولة السورية.

المدن

———————-

بين بغداد ودمشق: من يحاكم عناصر “داعش” المنقولين؟/ أحمد الجابر

جدل قانوني حول محاكمة عناصر “داعش” المنقولين إلى العراق.

2026-02-19

في سياق معالجة واحدة من أكثر القضايا تأزماً في العراق والمنطقة، يتابع العراقيون والمراقبون الدوليون باهتمام بالغ النقاشات المتعلقة بمحاكمة عناصر تنظيم “داعش” الذين تم نقلهم إلى الأراضي العراقية بعد الهزيمة العسكرية للتنظيم.

وتبرز هذه القضية في قلب التداخل بين القانون الوطني، والالتزامات الدولية، وحقوق الضحايا، في ظل تعقيدات كبيرة على المستوى القانوني والحقوقي والدبلوماسي. فمن جهة، تعتمد المحاكمات في العراق بشكل رئيسي على قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، الذي يُستخدم لتجريم الانتماء إلى التنظيم والاشتراك في أعماله، وهو ما يعكس محاولة الدولة العراقية وضع إطار قانوني لمساءلة آلاف المشتبه بانتمائهم لـ”داعش” وإحالتهم إلى القضاء.

ومع ذلك، ترى تقارير حقوقية دولية أن هذا النهج قد يفتقد إلى آليات مناسبة لمحاكمة الجرائم الدولية الأشد خطورة، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، نظراً لعدم تضمين هذه الجرائم بصورة صريحة في التشريعات المحلية، مما قد يقوض جهود تقديم العدالة للضحايا ويتطلب إصلاحات موسعة في الإطار القانوني العراقي.

وبينما يُعتبر العراق دولة ذات سيادة لديها الحق في محاكمة من يرتكب الجرائم على أراضيه أو ضد مواطنيه، إلا أن نقص الأدلة الصريحة في بعض الملفات، وغياب استراتيجية شاملة لتحديد أولويات المحاكمات، يمثلان من أكبر التحديات العملية أمام القضاء، ما يدفع البعض إلى المطالبة بتنسيق قضائي أوسع وتعاون دولي لضمان محاكمات عادلة وفعالة.

هذه الخلفية القانونية والحقوقية، التي تبرز أيضاً في السياق الحالي لملف المحاكمات القائمة للمنقولين من سوريا، توضح تعقيدات الموازنة بين الحفاظ على سيادة القانون الوطني، وتلبية متطلبات العدالة الدولية، وإقامة مساءلة حقيقية لأولئك الذين ارتكبوا أفعالًا أدت إلى معاناة واسعة في العراق وخارجه.

الجوانب القانونية والاختصاص القضائي

يقول علي فضل الله، الباحث الاستراتيجي لـ”963+”، إن مسألة محاكمة العناصر المنقولة إلى العراق تثير إشكالية قانونية واضحة، إذ يوضح أن أغلبهم من جنسيات أجنبية، ولم يتم حتى الآن الاتفاق بشكل نهائي على آلية محاكمتهم.

ويتساءل عمّا إذا كانوا سيُحاكمون وفق القانون العراقي أم ستُشكَّل محكمة خاصة بإشراف دولي، خصوصاً أن أعدادهم كبيرة وأن بعض الجرائم ارتُكبت في بلدان أخرى.

ويضيف أن الإجراء الحالي يتمثل في حجزهم داخل السجون العراقية إلى حين التوصل إلى اتفاق مع الإدارة الأميركية التي قامت بنقلهم من الأراضي السورية إلى الأراضي العراقية، ما يعني أن الملف لا يزال مرتبطًا بتفاهمات سياسية وقانونية لم تُحسم بعد.

من جانبه يؤكد مناف الموسوي، رئيس مركز بغداد للدراسات الاستراتيجية لـ”963+”، أن العراق يُعد اليوم من الدول المتقدمة في مجال امتلاك المعلومات عن البنية التحتية لتنظيم “داعش”، وكذلك عن الأشخاص والمجاميع “الإرهابية” التي ارتكبت مجازر بحق العراقيين في الفترة السابقة. وبناءً على ذلك يعتبر أن هذه الشخصيات ستُعرض على القضاء العراقي.

ويوضح أن هناك ملفات خاصة بكل متهم ستُحال إلى القضاء، الذي يقرر ما إذا كان الشخص سيُحاكم وفق القانون العراقي أم لا. كما يرى أن ملف الضحايا السوريين يتطلب جهداً ديبلوماسياً وتنسيقاً بين البلدين، لأن بعض الجرائم ارتُكبت بحق سوريين، وبالتالي فإن الموضوع “يجمع بين الجهد الاستخباري والقضائي والسياسي والديبلوماسي”.

حقوق الضحايا والعدالة الدولية

بدوره يوضح صلاح الزبيدي، الكاتب والصحفي المقيم في بغداد لـ”963+”، أن محاكمة عناصر تنظيم “داعش” المنقولين إلى العراق ستتم من الناحية القانونية استناداً إلى التشريعات الجزائية العراقية النافذة، وفي مقدمتها قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، إلى جانب قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، وذلك بحسب طبيعة الأفعال المنسوبة إلى كل متهم.

ويشير إلى أن القضاء العراقي سبق أن تعامل مع آلاف القضايا المرتبطة بالتنظيم، واعتمد في معظمها على توصيف الانتماء إلى تنظيم “إرهابي” أو الاشتراك في أعمال إرهابية، وهي جرائم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد تبعاً لجسامة الفعل ودور المتهم فيه.

ويبين أن الاختصاص القضائي العراقي ينعقد إذا كان المتهم عراقي الجنسية، أو إذا ارتُكبت الجريمة على الأراضي العراقية، أو إذا تم نقل المتهم بموجب اتفاقات ثنائية أو تفاهمات دولية تُقر بمبدأ التسليم القضائي.

أما إذا كانت الجرائم قد ارتُكبت في الأراضي السورية، فيوضح أن الأمر يدخل ضمن الاختصاص العابر للحدود، الذي يجيز في بعض الحالات المحاكمة استناداً إلى مبدأ الشخصية الفعالة إذا كان الجاني عراقي، أو الشخصية السلبية إذا كان الضحايا عراقيين، أو بموجب اتفاقات نقل المحكومين أو المحتجزين.

كما يشير إلى وجود نقاش حقوقي وقانوني مستمر بشأن ضرورة تطوير الإطار القانوني ليشمل توصيفات أدق مثل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، خصوصاً أن أفعال التنظيم، وفق تقارير أممية، قد ترقى إلى هذا المستوى.

ويرى الزبيدي أن إشكالية الضحايا السوريين تمثل التحدي الأبرز، إذ يثير الأمر تساؤلات حول حق الضحايا أو ذويهم في الادعاء الشخصي، وإمكانية حضورهم أو تمثيلهم أمام القضاء العراقي، وآليات التعويض وجبر الضرر.

ويوضح أن القانون العراقي لا يمنع من حيث المبدأ سماع دعاوى تتعلق بضحايا غير عراقيين، إلا أن ذلك يتطلب تنسيقاً قضائياً بين بغداد ودمشق عبر الإنابة القضائية أو لجان تحقيق مشتركة.

وفي المقابل يشير إلى أن هناك مطالبات حقوقية دولية بإنشاء آلية قضائية خاصة أو اعتماد نموذج المحاكم المختلطة لضمان تمثيل الضحايا بصورة عادلة وعابرة للحدود.

ويخلص إلى أن العراق يمتلك إطاراً قانونياً يسمح بالمحاكمة، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحديد نطاق الاختصاص بدقة وتوصيف الجرائم توصيفاً قانونياً سليماً، بما يحقق التوازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات العدالة الدولية.

+963

——————————

“لم يعد ضروريا”.. أميركا تقرر إنهاء وجودها في سوريا

خطوة تنهي عملية عسكرية استمرت قرابة 10 سنوات داخل البلاد

الرياض – العربية.نت

19 فبراير ,2026

أفاد 3 مسؤولين أميركيين الأربعاء، بأن الولايات المتحدة بدأت إجراءات سحب جميع قواتها من سوريا، والبالغ عددها نحو 1000 جندي، في خطوة تنهي عملية عسكرية استمرت قرابة 10 سنوات داخل البلاد.

“الوجود العسكري لم يعد ضروريا”

فقد أوضح اثنين من المسؤولين أن الجيش الجيش الأميركي أكمل بالفعل انسحابه من قاعدة التنف على الحدود السورية الأردنية العراقية، ومن قاعدة الشدادي شمال شرقي البلاد في وقت سابق من الشهر الجاري، وفقا لصحيفة “وول ستريت جورنال”.

كما تابعا أنه من المقرر إخلاء بقية المواقع خلال الشهرين المقبلين.

وذكرا أن إدارة ترامب خلصت إلى أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا لم يعد ضروريا، في ضوء التراجع الحاد لدور قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

في حين قال مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية إن واشنطن ترى أن الحكومة السورية باتت تتولى زمام المبادرة في عمليات مكافحة الإرهاب، مع احتفاظ القوات الأميركية بالقدرة على الرد على أي تهديدات مرتبطة بتنظيم داعش عند الضرورة.

عن هذا أفاد مسؤول أميركي لــ”العربية إنجليزي”، أن عددا من الأميركيين يغادرون سوريا في عملية مدروسة.

وأضاف أن القوات الأميركية ستبقى على أهبة الاستعداد لمكافحة داعش.

كما تابع رأى أن الوجود الأميركي المكثف لم يعد ضروريا في سوريا، لافتا إلى أن حكومة سوريا مستعدة لتحمل مسؤولية مكافحة الإرهاب.

كذلك أكد أنه لا يجب أن تشكل سوريا تهديدا لجيرانها أو للعالم، مشددا على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملتزم بدعم سوريا مستقرة وموحدة.

لا علاقة بضربة إيران

يذكر أن قرار الانسحاب لم يمر مرور الكرام، حيث حذر مسؤولون أميركيون وأجانب من أن تقليص الوجود العسكري قد يضعف ترتيبات وقف إطلاق النار ويفتح المجال أمام عودة نشاط تنظيم داعش، وفق الصحيفة ذاتها.

أحمد الشرع: نشكر موقف أميركا الذي وقف مع الدولة السورية

رغم ذلك، أكد المسؤولون أن القرار لا يرتبط بالانتشار البحري والجوي الأميركي الحالي في الشرق الأوسط، تحسبا لاحتمال توجيه ضربات لإيران في حال فشل المفاوضات المتعلقة ببرنامجها النووي.

وكانت الصحيفة ذاتها كشفت في يناير/كانون الثاني الفائت، عن مداولات تجري داخل إدارة ترامب تناقش سيناريوهات متعددة لخفض الوجود العسكري الأميركي، وصولاً إلى الانسحاب التام، مع تقييم تداعيات ذلك على جهود مكافحة تنظيم داعش، والتوازنات الأمنية في شمال وشرق سوريا، والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين.

——————————

واشنطن تحبط محاولة فرار نحو 6 آلاف من أخطر معتقلي “داعش” في سوريا

تنسيق أمريكي عراقي ينقل آلاف سجناء داعش بعد مخاوف من انهيار تأمين السجون

2026-02-19

أفشل تنسيق أمني ثلاثي بين الولايات المتحدة والعراق وجهات ميدانية في شمال سوريا محاولة وُصفت بأنها كانت ستشكل تهديداً واسع النطاق، بعدما جرى إحباط خطة لنقل نحو ستة آلاف من أخطر عناصر تنظيم داعش من سجون في المنطقة، وفق ما أفاد به مسؤول استخباراتي لشبكة “فوكس نيوز”.

وأوضح المسؤول أن المخاوف “تصاعدت خلال الأسابيع الماضية على خلفية اشتباكات في الشمال السوري وتراجع قدرة قوات سوريا الديموقراطية على تأمين مراكز الاحتجاز، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التحرك سريعاً عبر قنوات استخباراتية وديبلوماسية وعسكرية للتنسيق مع بغداد ونقل المعتقلين إلى منشأة خاضعة لسلطة الحكومة العراقية قرب مطار بغداد الدولي”.

وقال المسؤول في تصريحات لشبكة “فوكس نيوز” إن نجاح عملية فرار جماعي من هذا النوع كان من شأنه أن يقلب موازين الأمن في المنطقة وربما عالمياً خلال وقت قصير، مشيراً إلى أن هؤلاء السجناء يُعدّون من أخطر عناصر التنظيم.

وأضاف أن السلطات العراقية أبدت تفهماً لحجم المخاطر، إذ تخشى بغداد من احتمال تسلل الفارين عبر الحدود وإعادة إحياء تهديد أمني لا يزال حاضراً في الذاكرة العراقية. وأكد أن فرقاً من مكتب التحقيقات الفيدرالي باشرت بالفعل إجراءات التسجيل البيومتري للمعتقلين تمهيداً لملاحقات قضائية، بينما تواصل وزارة الخارجية الأمريكية ضغوطها على دولهم الأصلية لاستعادتهم.

وختم المسؤول بالقول إن أجهزة الاستخبارات تراقب التطورات عن كثب بعد العملية التي يعتقد أنها حالت دون عودة آلاف المقاتلين المخضرمين دفعة واحدة إلى ساحة الصراع، وهو ما كان قد يمنح التنظيم فرصة لاستعادة قدراته القتالية.

وكان قد كشف مستشار أمني عراقي، اليوم الأحد، عن الأسباب الكامنة وراء تضخم أعداد السوريين ضمن دفعات معتقلي تنظيم “داعش” الذين جرى نقلهم من شمال شرقي سوريا إلى السجون العراقية.

وأوضح المستشار أن هذا التوجه يرتبط بعوامل أمنية وسيادية معقّدة، تتعلق بمستوى الثقة في الجهات المشرفة على ملف الاحتجاز داخل سوريا، وبالمخاطر التي تحيط باستمرار إبقاء هؤلاء داخل بيئة وصفها بـ”الهشة وغير المستقرة”.

وقال المستشار، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه في تصريح لموقع ” إرم نيوز“، إن العامل الحاسم في هذا القرار هو “الثقة الأمنية”، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة منعت أي تدخل مباشر من قبل الحكومة السورية في ملف السجناء، ولا سيما بعد مقتل ثلاثة جنود أميركيين ين في بادية تدمر، وهي حادثة اعتبرها بمثابة ناقوس خطر كشف هشاشة البنية الفكرية داخل بعض التشكيلات المنضوية في الجيش السوري.

————————–

 كواليس نقل أخطر الدواعش إلى العراق.. وإحباط “هروبهم الجماعي”

تقرير: تنسيق استخباراتي وعسكري عاجل خلال أسابيع منع إعادة تشكّل التنظيم

واشنطن: بندر الدوشي

19 فبراير ,2026

قال مسؤولون أميركيون إن فرار سجناء داعش كان نوعاً من عمليات الهروب التي كان يمكن أن تغيّر المنطقة، وربما العالم، بين ليلة وضحاها.

وبحسب “فوكس نيوز” كان نحو 6 آلاف معتقل من تنظيم داعش، وصفهم مسؤول استخبارات أميركي رفيع بأنهم “الأسوأ على الإطلاق”، محتجزين في شمال سوريا، في وقت كانت الاشتباكات وعدم الاستقرار يهددان قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، وهي الجهة المسؤولة عن حراسة السجون ومنع عودة التنظيم.

وكان المسؤولون الأميركيون يعتقدون أن انهيار السجون وسط الفوضى سيؤدي إلى عواقب فورية. وقال المسؤول: “إذا خرج هؤلاء الستة آلاف وعادوا إلى ساحة القتال، فسيعني ذلك عملياً إعادة تشكيل داعش فوراً”.

وفي مقابلة حصرية، استعرض المسؤول خطوة بخطوة العملية التي جرت خلف الكواليس لنقل الآلاف من معتقلي داعش من سوريا إلى العراق، واصفاً سباقاً متعدد الوكالات استمر أسابيع، شمل تحذيرات استخباراتية ودبلوماسية سريعة وجسراً عسكرياً عاجلاً.

ولا تزال زوجات وأطفال داعش في مخيمات احتجاز “هشة” داخل سوريا تحت سيطرة دمشق، بينما يجري نقل المقاتلين الذكور إلى العراق، ما يترك أزمة الاحتجاز دون حل كامل.

وأوضح المسؤول أن المخاطر كانت تتراكم منذ أشهر. ففي أواخر أكتوبر، بدأت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد تقييم الوضع في سوريا، مشيرة إلى أن عملية انتقال البلاد قد تنزلق إلى الفوضى وتخلق ظروفاً لعملية هروب كارثية.

وأُرسل المسؤول إلى سوريا والعراق لبدء محادثات مبكرة مع قوات سوريا الديمقراطية والحكومة العراقية حول كيفية نقل أخطر المعتقلين قبل أن تتفاقم الأحداث.

وبحسب “فوكس نيوز”، تزايدت المخاوف في أوائل يناير مع اندلاع القتال في حلب وانتشاره شرقاً، فيما بدأ الوقت ينفد لمنع الكارثة. وقال المسؤول: “رأينا وضع أزمة حادا”.

وبحسب المصدر، تولى مكتب مدير الاستخبارات الوطنية تنسيقاً يومياً بين الوكالات مع تصاعد الوضع. وقال إن وزير الخارجية ماركو روبيو كان يدير الجوانب السياسية اليومية، بينما قاد المكتب مجموعة عمل ضمت القيادة المركزية والدبلوماسيين ومسؤولي الاستخبارات لمواجهة السؤال الملح: “كيف يمكن منع نحو 6 آلاف مقاتل داعش من الاختفاء وسط ضباب الحرب؟”.

وأوضح أن الحكومة العراقية أدركت خطورة الموقف، إذ تخشى أن يؤدي هروب آلاف المعتقلين إلى عبورهم الحدود وإحياء تهديد لا يزال العراق يتذكره بمرارة.

وقال إن قادة العراق أدركوا أن هروباً جماعياً قد يعيد البلاد إلى “وضع عام 2014 عندما كان داعش على الحدود مرة أخرى”. وأشار المسؤول إلى أن السفارة الأميركية في بغداد لعبت دوراً محورياً في تمهيد الطريق الدبلوماسي للعملية اللوجستية الكبيرة.

ثم جاءت مرحلة النقل الميداني، حيث نُفذت العملية باستخدام المروحيات وموارد إضافية، ما أتاح نقل المعتقلين خلال فترة زمنية قصيرة. وقال المسؤول: “بفضل هذه الجهود تمكّنا من إخراج نحو 6 آلاف معتقل خلال بضعة أسابيع فقط”.

وأوضح أن قوات سوريا الديمقراطية كانت تؤمّن السجون، لكن انشغالها بالقتال في مناطق أخرى أثار مخاوف أميركية من أن يؤدي خرق واحد إلى هروب جماعي. وفي النهاية، نُقل المعتقلون إلى العراق حيث يُحتجزون الآن في منشأة قرب مطار بغداد الدولي تحت سلطة الحكومة العراقية.

والمرحلة التالية تركز على التحقق والمساءلة، إذ تعمل فرق مكتب التحقيقات الفيدرالي على تسجيل بيانات المعتقلين بيومترياً، فيما يدرس المسؤولون الأميركيون والعراقيون ما يمكن رفع السرية عنه من معلومات لاستخدامه في المحاكمات. كما تضغط وزارة الخارجية على الدول الأصلية لتحمل مسؤولية مواطنيها من بين المعتقلين، وتشجعها على استلامهم.

ورغم أن العملية شملت مقاتلي داعش فقط، فإن عائلاتهم في مخيمات مثل الهول لم تكن ضمن النقل، ما يترك تحدياً أمنياً وإنسانياً كبيراً دون حل.

وبحسب المسؤول، توصلت قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية إلى تفاهم تتولى بموجبه دمشق إدارة مخيم الهول الذي يضم آلاف النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم. وأضاف أن المخيم “يبدو أنه يُفرغ تدريجياً” وهو سيناريو وصفه بأنه مقلق للغاية للأمن الإقليمي.

بعد نقل 5064 من سوريا.. العراق يحتجز جميع عناصر داعش في سجن واحد

العربية ميديا بعد نقل 5064 من سوريا.. العراق يحتجز جميع عناصر داعش في سجن واحد

ويُعد مصير العائلات من أكثر ملفات احتجاز داعش تعقيداً، إذ نشأ العديد من الأطفال في المخيمات بعد سقوط سيطرة التنظيم، وبعضهم يقترب الآن من سن القتال، ما يثير مخاوف من التطرف والتجنيد مستقبلاً.

وفي الوقت الراهن، تواصل أجهزة الاستخبارات متابعة التطورات بعد العملية السريعة التي، بحسب تقديرها، منعت آلاف المقاتلين المخضرمين من العودة فوراً إلى ساحة القتال وإعادة إحياء قوة التنظيم.

وختم المسؤول بالقول: “هذه قصة نادرة تحمل أخباراً جيدة من سوريا”.

———————–

إعلام أمريكي: واشنطن تنوي سحب جميع قواتها من سوريا خلال شهرين

كشفت وسائل إعلام أميركية عن نية واشنطن سحب كافة قواتها العسكرية من سوريا، والبالغ عددها نحو ألف جندي، في غضون الشهرين المقبلين.

ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين أن قرار إنهاء الوجود العسكري يأتي بعد بسط الحكومة السورية سيطرتها على البلاد وتعهد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بالاندماج في مؤسسات الدولة السورية، مما ينهي الحاجة لبقاء القوات الأمريكية كداعم ميداني لها.

وتأتي هذه الخطوة في ظل تحولات ميدانية وسياسية كبرى شهدتها البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وبروز ملامح ترتيبات أمنية جديدة بين واشنطن والقيادة السورية الجديدة.

انسحاب مدروس وتسليم للقواعد

من جانبها، أكدت شبكة “سي بي إس”، نقلا عن مسؤولين لم تسمهم، صحة التوجه الأمريكي، لا سيما بعد انسحاب القوات الأمريكية مؤخرا من قواعد إستراتيجية مهمة، أبرزها قاعدتا التنف والشدادي، اللتان كانتا مراكز حيوية استخدمها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لقتال تنظيم الدولة.

ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول أمريكي رفيع قوله إن الانتقال سيكون “مدروسا ومبنيا على ظروف الميدان”، موضحا أن الوجود العسكري “بشكل مكثف” لم يعد مطلوبا في سوريا نظرا لاستعداد الحكومة السورية لتحمل المسؤولية الأساسية في “مكافحة الإرهاب”.

وكان المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك قد صرح مؤخرا بأن مهمة جيش بلاده في مكافحة تنظيم الدولة ” أُنجزت بنسبة 99%”، وأن عدد القواعد الأمريكية في سوريا انخفض من 8 إلى 3، مع احتمال تقليصها إلى قاعدة واحدة في المرحلة النهائية.

ترقب وتوتر تجاه إيران

وبينما تخفف واشنطن من وجودها في سوريا، فإنها تعمل بالتوازي على تعزيز قواتها في مناطق قريبة من إيران، بينما تعهد المسؤولون الإيرانيون بالرد على أي هجوم يطال بلادهم باستهداف المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة.

إعلان

وذكرت وسائل إعلام أمريكية الأربعاء أن واشنطن ستكون مستعدة لشن ضربات ضد إيران اعتبارا من نهاية هذا الأسبوع، رغم أن الرئيس دونالد ترمب لم يتخذ قرارا نهائيا بعد بهذا الخصوص.

المصدر: الصحافة الأميركية + رويترز

———————

===================

تحديث 18 شباط 2026

——————————

 الجغرافيا لا تدوم إلا لأصحابها/ علي أسمر

2026.02.18

من يتابع الخريطة العسكرية في سوريا يلاحظ أن المشهد يتغير بهدوء، ولكن بعمق؛ فالقوة التي كانت تملأ الفراغات وتدير الإيقاع الميداني من خلف الستار بدأت تتراجع خطوةً خطوة، تاركةً وراءها أسئلة كبرى حول من يرث المساحة ومن يمتلك القدرة على تثبيت الاستقرار. وبين الانسحاب وإعادة التموضع تولد معادلة إقليمية جديدة لم تتضح كل ملامحها بعد.

قبل سنوات قليلة فقط كان الحضور الأميركي واسعاً ومتشعباً: قواعد رئيسية، ونقاط دعم، ومهابط، ومخازن؛ شبكة تمتد من الحسكة إلى دير الزور، ومن الرقة إلى المثلث الحدودي في التنف، عنوانها المعلن محاربة داعش، لكن وظيفتها الفعلية تجاوزت ذلك إلى ضبط التوازنات ومنع خصوم واشنطن من الإمساك بالجغرافيا، وخلق أوراق ضغط دائمة في أي تسوية سياسية مقبلة.

في تقديري، لم يكن ذلك الانتشار مجرد ترتيبات عسكرية، بل كان إعلاناً بأن الولايات المتحدة شريك إلزامي في مستقبل سوريا، وأن أي قوة إقليمية تريد الحركة عليها أن تمر عبر البوابة الأميركية. ولهذا بدا تقليص القواعد في السنوات الأخيرة إشارةً أولى إلى أن واشنطن بدأت تعيد حساباتها حيال الكلفة والعائد.

اليوم الصورة مختلفة تماماً؛ الحديث يدور عن قاعدتين رئيسيتين وأربع نقاط انتشار، بعد أن كان العدد يتجاوز العشرين. التنف، التي مثّلت لسنوات عقدة الوصل بين الحدود السورية العراقية الأردنية، خرجت من المعادلة. مواقع النفط والغاز أُعيد ترتيبها، وقوافل الجنود والمعدات اتجهت إلى خارج المسرح أو إلى أطرافه، وكأن صفحة تُطوى ببطء، ولكن بثقة.

أعتقد أن التحول الحاسم لا يتعلق بالميدان فقط، بل بالسياسة أيضاً؛ فالإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترمب لم تُخفِ رغبتها في تقليص الانخراط الخارجي، لكنها ربطت ذلك بشرطين واضحين: الأول منع عودة داعش، والثاني ضمان أمن إسرائيل. ومع التطورات الأخيرة بدا لواشنطن أن هذين الهدفين باتا أقرب إلى التحقق مما كان عليه الحال في أي وقت مضى.

الحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، قدمت نفسها باعتبارها شريكاً في محاربة التنظيمات المتطرفة، وأرسلت رسائل طمأنة بأنها لا تريد فتح جبهات عبثية مع أحد. وفي الوقت نفسه تراجع النفوذ الإيراني بشكل ملحوظ؛ خطوط الإمداد تعطلت، والمجموعات المرتبطة بطهران فقدت الكثير من حركتها. أما موسكو فانشغلت بحرب أوكرانيا، وبدت أقل قدرة على الاستثمار في الساحة السورية كما في السابق.

في مثل هذه البيئة يصبح الانسحاب الأميركي مفهوماً، بل متوقعاً؛ فواشنطن لا تغادر عادةً إلا عندما تعتقد أن كلفة البقاء أعلى من كلفة الرحيل، وعندما ترى أن هناك قوة يمكنها أن تملأ الفراغ من دون أن تهدد مصالحها الجوهرية. وهنا تبرز تركيا باعتبارها اللاعب الأكثر جاهزيةً وقدرةً على التحرك.

أنقرة موجودة فعلياً على الأرض، ولديها حدود طويلة مع سوريا، وخبرة عملياتية متراكمة، وشبكة علاقات مع قوى محلية. والأهم أنها بدأت تبني مع دمشق ترتيبات عسكرية وتدريبية جديدة تسمح بإعادة تعريف مهمة مكافحة الإرهاب ضمن إطار تعاون مباشر مع الدولة السورية، لا عبر وسطاء أو كيانات موازية.

في تقديري، هذا التطور سيقود خلال الأشهر المقبلة إلى مشهد مختلف تماماً: قواعد تدريب، وبعثات عسكرية، وربما تموضع دائم في نقاط حساسة، ليس بهدف الحلول محل أحد، بقدر ما هو منع عودة الفوضى؛ لأن أي فراغ أمني سيعيد إنتاج التهديدات القديمة نفسها التي دفعت الجميع إلى التدخل في المقام الأول.

تركيا تدرك أن استقرار سوريا يعني استقرار حدودها، ويعني أيضاً قطع الطريق على مشاريع التفكيك، وعلى محاولات استخدام التنظيمات المسلحة كورقة ضغط. لذلك فإن حضورها المقبل سيكون أقرب إلى شراكة مؤسساتية مع الجيش السوري: دعم لوجستي واستخباراتي، وإعادة بناء قدرات تضمن أن تبقى السيطرة بيد الدولة.

بعضهم قد يرى في ذلك توسعاً في النفوذ، لكنني أراه من زاوية أخرى: إنه انتقال من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة إدارة الاستقرار، ومن تعدد الجيوش إلى توحيد الجهد ضد عدو مشترك. وإذا نجحت هذه الصيغة فستكون قد أغلقت أحد أكثر فصول الحرب تعقيداً.

ما يحدث ليس مجرد انسحاب قوة عظمى، بل إعادة توزيع للأدوار. ومع كل قافلة تغادر تتقدم أخرى لتملأ المساحة، لكن هذه المرة ضمن تفاهمات مختلفة وسقوف سياسية جديدة. وربما، للمرة الأولى منذ سنوات، تلوح إمكانية أن تكون الجغرافيا السورية بيد مؤسساتها، مدعومة بحلفاء لا ينافسونها على السيادة، بل يساعدونها على تثبيتها.

في النهاية، يمكن القول إن لحظة ما بعد الانسحاب ستكون الاختبار الحقيقي؛ فإذا تمكنت دمشق وأنقرة من بناء نموذج فعال في مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، فإن صفحة الوجود الأجنبي الواسع قد تتحول إلى ذكرى. أما إذا تعثرت التجربة فستبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات لا يريدها أحد.

هذه هي المفارقة: الرحيل قد يكون بداية الاستقرار، وقد يكون أيضاً بداية فراغ جديد. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن اللاعبين هذه المرة أكثر إدراكاً لثمن الفوضى، وأكثر استعداداً لتجربة طريق مختلف، طريق عنوانه الشراكة لا الوصاية.

تلفزيون سوريا

——————————

سجناء تنظيم «الدولة» في العراق: دول مستعدة لاستعادة مواطنيها وأخرى لم ترد/ مشرق ريسان

عبّرت عائلات الضحايا والناجين من قبضة تنظيم «الدولة الإسلامية» من المكوّن الإيزيدي وبقية الأقليات، عن قلقها من تداعيات إجراءات ملف نقل ومحاكمة عناصر التنظيم القادمين من السجون السورية إلى العراق، مقابل تطمينات أطلقها القضاء العراقي بشأن عدم التهاون مع مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، في حين قال مسؤول عراقي إن «بعض الدول أبدت استعدادها لتسلّم مواطنيها المنتمين للتنظيم بينما امتنعت أخرى عن تقديم أي رد».

وخلال ندوة ترأسها رئيس محكمة الاستئناف في محافظة نينوى، القاضي رائد الحميد المصلح، بحضور عدد من الناجيات وعوائل الضحايا، أكد أن «الحكومة العراقية ماضية في إجراءاتها، ولا توجد مخاوف تتعلق بعملية نقل السجناء أو محاكمتهم».

وحسب ما طُرح فإن المتهمين «يخضعون للاختصاص القضائي الوطني، وتُطبق بحقهم أحكام قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23، إلى جانب التشريعات الخاصة ذات الصلة».

ارتكاب جرائم جسيمة

كما أن «القضاء يأخذ بنظر الاعتبار ما ورد في التحقيقات من مؤشرات تتعلق بارتكاب جرائم جسيمة بحق الشعب العراقي، من بينها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم وتشكل اعتداءً بالغ الخطورة على السلم المجتمعي».

كما جرى التأكيد على أن «تعامل مجلس القضاء الأعلى مع هذا الملف يستند إلى مبدأ سيادة الدولة واختصاص قضائها الوطني، وبما ينسجم مع القوانين النافذة والالتزامات الدولية بمكافحة الإرهاب»، مشيرة إلى «إنجاز القضاء أكثر من 400 قضية حتى الآن»، حسب بيان للسلطة القضائية.

فتج تحقيق عاجل

هذه المخاوف لم تكن الأولى، إذ سبق لرئيس الكتلة التركمانية النيابية، أرشد الصالحي، أن طالب القائدَ العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، بالإيعاز إلى الجهات المعنية بفتح تحقيق عاجل مع معتقلي عناصر التنظيم «الإرهابي» الذين تم نقلهم مؤخراً من الأراضي السورية إلى العراق، للكشف عن مصير المختطفات التركمانيات اللواتي لا يزال مصيرهن مجهولاً حتى الآن.

وقال في بيان صحافي إن «لجنة حقوق الإنسان النيابية سبق وأن خاطبت وزارة الخارجية وجهاز المخابرات الوطني بشأن ملف المختطفات، وتم تزويد اللجنة بمعلومات تشير إلى وجودهن داخل الأراضي السورية، وتحديداً في مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

وأضاف أن «نقل عدد من معتقلي تنظيم «داعش» إلى العراق يمثل فرصة مهمة لكشف ملابسات هذا الملف الإنساني، والاستماع إلى إفاداتهم بشأن أماكن وجود المختطفات أو أي معلومات قد تسهم في تحديد مصيرهن وإنهاء معاناة ذويهن التي امتدت لسنوات».

وأكد أن «هذا الملف يُعد من القضايا الإنسانية الحساسة التي تمس أحد مكونات الشعب العراقي»، داعياً القائد العام للقوات المسلحة إلى «التدخل المباشر لحسمه، وتشكيل فريق تحقيق مختص بالتنسيق مع الجهات الأمنية والاستخبارية، لضمان الوصول إلى نتائج واضحة وعاجلة».

وشدد على أن «إنصاف الضحايا وكشف مصير المختطفات واجب وطني وأخلاقي، يتطلب تحركاً جدياً وسريعاً يعيد الثقة ويؤكد حرص الدولة على حماية جميع مكوناتها دون استثناء».

ووفق معلومات واردة من مجلس القضاء الأعلى الاتحادي، فقد تم إكمال الاستجواب الابتدائي لأكثر من 500 متهم من التنظيم المنقولين من سوريا، فيما بين أن العدد الإجمالي للمتهمين وصل إلى 5704 متهمين ينتمون إلى 61 جنسية مختلفة.

وذكر إعلام القضاء، في بيان صحافي، أن «رئيس محكمة استئناف بغداد/ الكرخ، القاضي خالد المشهداني، رفقة قاضي أول محكمة تحقيق الكرخ، علي حسين جفات، أجرى زيارة ميدانية لموقع التحقيق المخصص لمتهمي كيان «داعش» الإرهابي المنقولين من السجون السورية إلى العراق؛ لمتابعة سير الإجراءات القانونية والتحقيقية».

وأضاف البيان أن «محكمة تحقيق الكرخ الأولى أكملت الاستجواب الابتدائي لأكثر من 500 متهم حتى الآن، فيما تم فرز 157 حدثاً ممن هم دون سن الـ 18 عاماً، حيث تقرر إحالة أوراقهم التحقيقية إلى محكمة تحقيق الأحداث في الكرخ، وإيداعهم في دور تأهيل الأحداث؛ لضمان التعامل معهم وفق المعايير القانونية والإنسانية الخاصة بهم».

وبالتزامن مع نقل هؤلاء المهمين بارتكاب قضايا «إرهابية»، تتحرك السلطات العراقية نحو الدول لسحب مواطنيها واستعادتهم، إذ أبدى عدد منهم استعداده وبدأ بالفعل اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة، فيما لم تقدّم دول أخرى أي رد رسمي رغم المخاطبات والمتابعات الدبلوماسية المتكررة.

وأكد وكيل وزارة الخارجية، هشام العلوي، للصحيفة الحكومية، أن «الوزارة تلعب دوراً محورياً في متابعة ملف السجناء الأجانب بالتنسيق الوثيق مع الجهات القضائية والأمنية المتخصصة».

وأوضح أن «الوزارة تجري اتصالات رسمية ومستمرّة مع حكومات الدول المعنية عبر سفاراتها وممثلياتها الدبلوماسية لإشعارها بوجود رعاياها المحتجزين، وتنظيم التواصل القنصلي وتبادل المعلومات القانونية وفق الاتفاقيات الدولية النافذة».

ووفق المسؤول الدبلوماسي العراقي فإن «بعض الدول أبدت استعدادها لتسلّم مواطنيها وبدأت اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لذلك، بينما امتنعت دول أخرى عن تقديم أي رد رسمي، بالرغم من المتابعات والمذكرات الدبلوماسية المتكررة».

ولفت إلى أن «الوزارة تواصل تحديث المعلومات بشكل مستمر، وتعمل على تكثيف الاتصالات وإثارة الملف في المحافل الدولية والمنظمات المتخصصة لدفع الدول المعنية إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية تجاه رعاياها».

وشدد العلوي على أن «العراق يحتفظ بحقه السيادي في التعامل بالمثل عند الاقتضاء، بما يضمن حماية مصالحه الوطنية من دون مخالفة القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان، ويتيح الحفاظ على أمن المواطنين وسيادة القرار العراقي».

وحسب وثيقة مُتداولة على نطاق واسع في وسائل الإعلام المحلية والمنصات الرقمية، تضمّنت جداول لأعداد وجنسيات هؤلاء المتهمين بـ«الإرهاب»، ويتبين منها أن المجموع الكلي للنزلاء (5704) من جنسيات مختلفة، تصدرتهم الجنسية السورية بـ(3544) نزيلاً، تلتها تركيا بـ(181) ثم المغرب بـ(187) ومصر بـ(116) فضلاً عن جنسيات عربية وأجنبية أخرى بينها السعودية وروسيا وإيران وأوكرانيا وباكستان وأفغانستان ودول أوروبية وآسيوية.

كما أظهرت الإحصائية وجود (460) نزيلاً عراقياً ضمن السجن، إلى جانب أعداد متفاوتة من جنسيات أخرى بينها الأردن والجزائر وإندونيسيا وبلجيكا وهولندا وتونس والولايات المتحدة وبريطانيا.

العدل تنفي

لكن على الفور، سارعت وزارة العدل العراقية إلى نفي الوثيقة المنسوبة لها، مشيرة في بيان صحافي إلى أنه «تداولت بعض مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات إعلامية قائمةً تتضمن أعداد وجنسيات السجناء الذين تم استلامهم من قوات التحالف الدولي ضد عصابات «داعش» الإرهابية».

وأضاف البيان: «إزاء ما تم نشره، تؤكد وزارة العدل أن القائمة المتداولة غير صحيحة، ولا تمثل أي بيان رسمي صادر عنها، كما أنها غير معتمدة من قبل الجهات المختصة».

وأوضحت الوزارة أن «الإجراءات القانونية المتعلقة بعملية الاستلام جرت وفق الأطر الرسمية المعتمدة، وبإشراف الجهات القضائية والأمنية المختصة»، مشيرة الى أن «تحقيقات الأجهزة الأمنية المعنية ما زالت جارية لتثبيت بيانات وجنسيات السجناء الذين تم استلامهم، وفقاً للقانون».

القدس العربي

——————————

سوريا: مخيم الهول… مؤقّت بلا نهاية/ حنان الأحمد

«هي الأمم المتحدة ليش عملت وكالة الغوث؟ مش عشان اللاجئين المقطعين اللي زينا؟! بس عاد حتى تغيث اللاجئين.. مش لازم يكون في لاجئين؟!». قد يبدو هذا الحوار، الذي مرّ في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، قريبا على نحوٍ موجع من واقعنا اليوم. فالاستجابة الإنسانية تحوّلت إلى منظومة قائمة بحد ذاتها: قطاعٌ عابر للجغرافيا، يتبع الأزمات، الطبيعية منها والسياسية، حيثما حلّت، ويعيد إنتاج نفسه مع كل انهيار جديد، مخيمات، برامج إنعاش، حقائب غذائية، دورات تمكين، إلخ.. بنية متكاملة وهيئات ومؤسسات لإدارة الكارثة..

من الطارئ إلى الدائم

في أصلها، تنشأ المخيمات استجابةً طارئة للحظات فشل السياسة، حلولا مؤقتة تعالج أعراض الأزمة بدل جذورها، استجابة مؤقتة حوّلها الزمن تدريجيا إلى نوع من «المؤقت الدائم» فقد شهد التاريخ الحديث إنشاء مخيمات أكثر بكثير مما شهد تفكيكها، وكأنها بمجرد ظهورها تستعصي على الاختفاء، لذا لم يعد من المنطقي التعامل مع المخيمات، على انها «استجابة استثنائية»، أو حالة طارئة، لذا اتجه عدد من الباحثين إلى دراستها كبنية حضرية ناشئة، بل كنواة لمدينة أو بلدة لاحقا، كما حدث في كثير من مخيمات الفلسطينيين في سوريا ولبنان، التي باتت اليوم جزءاً من النسيج العمراني المحيط بها. سعت هذه الدراسات إلى فهم فاعلية اللاجئين أنفسهم في إعادة تشكيل مساكنهم وبيئاتهم، وفق احتياجاتهم وخلفياتهم الاجتماعية والثقافية، كما حاولت تطوير الاستجابة الإنسانية لتكون «أكثر إنسانية واستدامة»، في ظل إدراكٍ متزايد بأن الحلول الجذرية تبدو، في المدى القريب على الأقل، بعيدة المنال. لكن ربما بدل أن نسأل: كيف نبني مخيمات أفضل؟ علينا أن نسأل أولا: لماذا تستمر المخيمات؟ ولماذا تمول بعض الدول الحروب، ثم تموّل هذا الاستجابة الإنسانية لأضرارها الجانبية!

وصفت تقارير دولية عديدة مخيم الهول بأنه أزمة عالمية معلّقة، مكبّ بشري لمشكلة لا تريد أي دولة تحمّل تبعاتها، أزمة مؤجَّلة، تُستخدم كورقة ضغط سياسية

الإنساني المُسيَّس

يُعدّ «مخيم الهول» أحد أبرز الأمثلة التي تستدعي التساؤل، فهو وليد تراكم ثلاث أزمات سياسية كبرى: حرب الخليج، ثم غزو العراق، ثم الحرب على تنظيم «داعش» في العراق وسوريا. يقع المخيم قرب الحدود العراقية، ويحاط بحدود أخرى من الأسلاك الشائكة والخنادق، كما يقسم داخليا بحدود إضافية تفصل بين السوريين والعراقيين وملحق خاص بالأجانب. على مستوى التنظيم الظاهري، يبدو الهول كمخيم ضخم تديره منظمات إنسانية. تتكوّن بنيته السكنية أساسا من خيم مفوضية اللاجئين، موزّعة ضمن ثلاثة أقسام حسب الجنسية، وثماني مناطق خدمية لتسهيل الإدارة والتنظيم الذي يتحوّل في الممارسة إلى بنية احتجاز. فالمخيم يحقق، فعليا، شروط الفضاء السجني حسب أدبيات الجغرافيا السجنية، وأولها النية: فبعد عام 2019 أُغلق المخيم بهدف عزل من اعتُبروا «غير مرغوب بهم»، وعلى رأسهم عائلات مقاتلي التنظيم، ومن ناحية أخرى يحقق شرط الضرر: ليس فقط المادي من تقييد الحرية بشكل كامل ومنع الخروج والدخول، إلا للطوارئ وبعد الموافقة من الإدارة، بالإضافة للفقر والاعتمادية الكلية على المساعدات الإنسانية، بل يمتد الضرر إلى اللامادي أيضا من خلال تعليق حياة الأفراد لسنوات طويلة خارج الزمن، ووضعهم تحت وصمة جماعية طالت الجميع، سواء كانوا لاجئين هاربين من الحرب، أو حتى من ضحايا التنظيم نفسه. أما الشرط الثالث فهو البنية المكانية للاحتجاز، وهو محقق بشكل واضح من خلال الأسوار المرئية في اليومي المعيش للقاطنين، بالإضافة لأبراج مراقبة، بوابات تفتيش، حراسة أمنية وأحيانا حملات دهم داخلية واعتقالات، وأما في ملحق الأجانب، فكان هناك تشديد أمني أكبر وعزل شبه كامل عن العالم الخارجي، حتى حظر وجود الهواتف، وفصل للأطفال عن أمهاتهم بإرسالهم إلى مراكز إعادة تأهيل.

بهذا المعنى، لا يبدو الهول مخيما بقدر ما يشبه سجنا مفتوحا يمتد على نحو أربعة كيلومترات، سجناً يحوي بداخله قرى محاطة بالأسوار، بكثافة سكانية وصلت في ذروتها إلى معدلات تفوق مدنا كبرى مثل مانهاتن ونيويورك بأضعاف. لكن ما فصل الهول عن أن يُسمّى رسميا «سجنا» هو أمر واحد فقط: أنه يُدار تحت مظلة العمل الإنساني! إذ أشرفت على إدارته منظمة «بلومونت» إلى جانب شبكة واسعة من الهيئات الدولية المختلفة، محولين مبدأ «العزل لحماية القاطنين» إلى العزل للحماية منهم! وقد عبّرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب، فيونوالاني أولين، بوضوح عن هذه المفارقة حين قالت في تقريرها: «إن تسمية مخيم، بل حتى مخيم لاجئين أو نازحين، غير ملائمة إطلاقا لوصف ما هو في الواقع سجن مفتوح يُحتجز فيه أشخاص تعسفيا وبصورة جماعية ومن دون أي إجراءات قضائية أو مراجعة قانونية». ومع ذلك، استمرت المنظومة ذاتها في العمل، واستمر التمويل، واستمر الصمت لسنوات.

العدالة المؤجّلة

في الفترة الأخيرة، عاد مخيم الهول إلى واجهة الأحداث مع انتقال السيطرة عليه إلى حكومة دمشق، حيث انقسم الرأي العام بين شيطنةٍ كاملة لكل من فيه، ودعوات عامة للإفراج عنهم. لكن وراء هذا الاستقطاب الحاد، وبعيدا عن البديهيات التي تؤكد أنه لا يمكن اختزال أي جماعة بشرية في حكمٍ مطلق بالخير أو الشر، يبقى سؤالٌ واحد أكثر إلحاحا: لماذا تُرك الهول كل هذه السنوات دون حل؟ لعشر سنوات داخل بيئة قاسية، شحيحة الموارد، مغلقة الأفق، كفيلة وحدها بتشويه أي مسار إنساني أو تأهيلي! اكتفت السلطات بإعلان المخيم منطقة أمنية يُمنع الاقتراب منها، فيما نقلت تقارير متفرقة، أخبارا عن خروج القاطنين الأجانب وتعليق أنشطة الأمم المتحدة في المخيم، واخباراً أخرى عن خطط لنقل ما تبقى إلى مخيم في ريف حلب!

إن كان الجميع مذنبين، فأين المحاكمات؟ وأين حق الضحايا؟ وإن لم يكونوا كذلك، فلماذا الاعتقال الجماعي؟ لماذا لم تُطالب الدول بمحاكمات عادلة لمواطنيها؟ ولماذا لا تضغط لاستعادتهم، علما أن الهول يضم أشخاصا من نحو ستين جنسية حول العالم؟ إلى أين نقلوا؟ ولماذا استمرت الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية بإنفاق ملايين الدولارات سنويا لإدارة المخيم، بدل الضغط الجدي لتفكيكه أو لإيجاد مسارات قانونية وسياسية واضحة؟

وصفت تقارير دولية عديدة الهول بأنه أزمة عالمية معلّقة، مكبّ بشري لمشكلة لا تريد أي دولة تحمّل تبعاتها، أزمة مؤجَّلة، تُستخدم كورقة ضغط سياسية، وكفزّاعة أمنية، ومبرر لاستمرار سياسات استثنائية لا نهاية لها، لأن فتح ملف الهول، سواء عبر التفكيك أو المحاكمات، يعني فتح باب المساءلة على مصراعيه: مساءلة الدول، والتحالفات، والسياسات، بل حتى مساءلة معايير «التدخل الإنساني» نفسها. إلى أي حدّ يبقى الحياد حيادا حين يتحوّل إلى إدارة صامتة للاحتجاز؟ ومتى تصبح المعايير الإنسانية فاعلية سلبية تُبقي الأزمة قائمة بدل أن تُنهيها؟ كيف يمكن لمكان أُنشئ باسم الحماية أن يتحوّل إلى فضاء سجني؟ وكيف تغطّي البُنى الإنسانية، ولو بحسن نية، على فشل سياسي دولي بهذا الحجم؟

لا أتهم أحدا بتواطؤ مباشر. لكن سواء بإدراكٍ أو من دونه، أسهمت هذه المنظومة في استمرار هذا السجن المفتوح عقدا كاملا. فيما يبدو أنه ليس استثناءً، بل مجرد حالة مكثّفة لعالمٍ اختار تنظيم المعاناة وإدارة الأزمات بدل حلّها.

كاتبة سورية

القدس العربي

——————————

وزير الشؤون الداخلية الأسترالي توني بيرك: الاستبعاد المؤقت لأسترالي في سوريا جاء بناءً على تهديد أمني

أستراليا تمنع مواطناً من العودة من مخيمات سوريا لأسباب أمنية

2026-02-18

صرّح وزير الشؤون الداخلية الأسترالي توني بيرك، أمس الثلاثاء، بأن بلاده منعت أحد مواطنيها من العودة بعد وجوده في مخيم احتجاز داخل سوريا، موضحاً أن القرار جاء لدواعٍ أمنية مرتبطة بصلته بتنظيم “داعش”، وأن إجراء الاستبعاد مؤقت واتُّخذ بناءً على توصيات الأجهزة الأمنية المختصة.

وأوضح بيرك أن السلطات لم تتلق حتى الآن أي تقييم أمني يفيد بأن بقية الأستراليين الموجودين في المخيمات السورية يستوفون الشروط القانونية التي تسمح بإصدار أوامر استبعاد مؤقتة بحقهم، في إشارة إلى آلية قانونية تخوّل الوزير المختص منع أشخاص يُعتقد أنهم يشكلون خطراً كبيراً من دخول البلاد لمدة قد تصل إلى عامين.

في السياق ذاته، قال مسؤول كردي لوكالة الصحافة الفرنسية “فرانس برس” إن أستراليين أُفرج عنهم من أحد المخيمات يوم الاثنين الماضي لم يتمكنوا من الوصول إلى دمشق في طريق عودتهم إلى أستراليا، مشيراً إلى أنهم أُعيدوا مجدداً إلى مخيم الاحتجاز بسبب مشكلات في التنسيق مع السلطات السورية.

وكانت وكالة “رويترز” قد أفادت بأن إدارة مخيم روج شمال شرقي سوريا أخرجت 34 أسترالياً من النساء والأطفال، ونُقلوا بحافلات صغيرة باتجاه دمشق تمهيدًا لسفرهم جواً، بعدما تسلمهم أقارب حضروا خصيصاً لهذا الغرض، وفق ما ذكرته الرئيسة المشاركة للمخيم حكمية محمد.

غير أن هذه المحاولة لم تكتمل، إذ أوضح مسؤولون أن المجموعة التي تنتمي إلى 11 عائلة أُعيدت إلى المخيم نتيجة عقبات إجرائية، في وقت تؤكد فيه الحكومة الأسترالية أنها لم تُعد سوى مجموعتين فقط من رعاياها من المخيمات السورية منذ هزيمة التنظيم عام 2019، بينما عاد آخرون بشكل فردي من دون دعم رسمي.

من جانبه، كان قد شدد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي على أن حكومته لن تتخذ أي خطوة لإعادة هذه المجموعة أو مساعدتها، رغم تقارير تحدثت عن حمل بعضهم جوازات سفر أسترالية.

ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” عنه قوله إن السلطات “لا تقدم أي دعم إطلاقاً ولن تعيد أي أشخاص”، مضيفاً أن من سافروا للمشاركة في مشروع “خلافة” متطرفة اختاروا مصيرهم بأنفسهم.

وأشار ألبانيزي إلى أن الأطفال هم الجانب الأكثر مأساوية في القضية، لكنه أكد أن أي شخص يتمكن من دخول أستراليا سيخضع للقانون إذا ثبت تورطه في انتهاكات.

وعند سؤاله عن احتمال استخدام أوامر الاستبعاد المؤقتة، اكتفى بالقول إن الحكومة تتعامل مع ملفات الأمن القومي وفق نصائح الأجهزة المختصة.

في المقابل، دعا زعيم المعارضة أنغوس تايلور رئيس الوزراء إلى توضيح ما إذا كانت الحكومة درست منع هؤلاء من العودة، معتبراً أن من اختاروا الارتباط بتنظيم متطرف لا ينسجمون مع القيم الأسترالية القائمة على الديموقراطية وسيادة القانون والحريات الأساسية، ومطالباً بإغلاق الباب أمام من لا يؤمنون بهذه المبادئ.

وبموجب التشريعات الأسترالية، قد يواجه أي شخص سافر إلى مناطق سيطرة تنظيم “داعش” بين عامي 2014 و2017 من دون مبرر مشروع عقوبة سجن تصل إلى عشر سنوات، وهو ما يعكس تشدداً قانونياً متزايداً في التعامل مع قضايا المقاتلين الأجانب وعائلاتهم.

——————————

===================

تحديث 17 شباط 2026

——————————

 هل تنسحب أميركا حقاً من سوريا؟/ محمود علوش

2026.02.17

انسحب الجيش الأميركي للتو من قاعدة عسكرية أخرى في سوريا هي الشدادي وسلمها للجيش السوري بعد أيام من خطوة مماثلة في قاعدة التنف على المثلث الحدودي مع العراق والأردن. وتُعدّ هذه الانسحابات أحدث وأقوى مؤشر على جدّية الرئيس دونالد ترامب بتحقيق وعده بإنهاء الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

وقد شرع ترمب بالفعل منذ أشهر في تقليص هذا الوجود والعمل على تعزيز البيئة الأمنية والسياسية المناسبة لإنجاز هذه العملية بما في ذلك رفع الغطاء الأميركي عن قوات سوريا الديمقراطية لإجبارها على الاندماج في الدولة ونقل الآلاف من سجناء تنظيم داعش من سوريا إلى العراق. مع ذلك، فإن التساؤل الآن ليس حول ما إذا كانت واشنطن مُصممة فعلاً على إنهاء هذا الوجود العسكري بل عن دوافع هذا التوجّه وما إذا كان يعني فعلاً أن أميركا تنسحب من سوريا؟

غالباً ما تحرص واشنطن على التأكيد بأن الحرب على الإرهاب كانت الدافع الرئيسي والوحيد لها للتدخل العسكري في سوريا قبل ما يزيد عن عقد من الزمن من خلال تحالف دولي، وبأن نهاية هذه الحرب والوضع الجديد في سوريا يفرضان عليها إحداث تحول جذري في سياستها هناك. ويبدو ذلك واقعياً، لكنّه لا يعكس كل الصورة. فالتدخّل الأميركي كان مُصمماً لغايات أخرى أكثر أهمية وتأثيراً على سوريا والمنطقة من الحرب على داعش. وعندما ننظر إلى نتيجة هذا التدخل والوضع الذي أفرزه على صعيد تشكيل وضع أقرب إلى حكم ذاتي للأكراد في شمال شرقي سوريا استمر حتّى فترة وجيزة، نُدرك بشكل أكثر وضوحاً أن الولايات المتحدة لم تُرسل القوات وتبني القواعد العسكرية وتُنفق مليارات الدولارات في سوريا من أجل مكافحة تنظيم داعش حصراً، بل أيضاً – وربما الأهم – من أجل رعاية مشروع سياسي كُردي في شمالي سوريا. لم ينجح التدخل الأميركي في تمكين هذا المشروع لأسباب كثيرة أهمّها أنه تحدّى الديمغرافيا والجغرافيا في شمالي سوريا.

صحيح أن رفع الغطاء الأميركي عن قسد وتفكيك القواعد العسكرية في سوريا وتسليمها للدولة الجديدة والعلاقة القوية التي تبنيها إدارة ترمب مع الرئيس أحمد الشرع، تعكس جميعها تحوّلا هائلاً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، لكنّها تعكس كذلك إعلاناً أميركياً بانتهاء الاستثمار في المشروع السياسي لقسد. لكنّ في المقابل، أصبح نفوذ الولايات المتحدة في سوريا اليوم أكبر وأكثر تأثيراً عليها مما كان عليه قبل الإطاحة بنظام بشار الأسد. وفي واشنطن، يُنظر إلى الحكومة الجديدة على أنها حليف جديد لواشنطن وتأخذ سوريا إلى تموضع جديد في السياسة الخارجية يختلف جذرياً عن تموضعها السابق. حتى أن إدارة الرئيس ترمب كان لديها إسهام قوي في تمكين هذه الحكومة من خلال الاعتراف بها ورفع العقوبات عن سوريا والانخراط المؤثر في مساعدتها في التعامل مع ملف قسد وفي التعامل مع ملف إسرائيل كذلك. وللمفارقة، فإن هذه المؤشرات تتناقض مع مشهد الانسحاب العسكري الأميركي. ففي حين تتخلى واشنطن عن بضع قواعد عسكرية، يبدو أنها في المقابل تكسب في سوريا ما هو أهم بكثير من هذه القواعد ومن شراكة مع قوات سوريا الديمقراطية. كما أن ما تبنيه مع دمشق أكثر قيمة لها بكثير من بقاء تلك القواعد.

وعليه، يبدو الانسحاب الأميركي من بعض القواعد أقرب إلى إعادة تشكيل الحضور الأميركي في سوريا وفقاً لمتطلبات وفُرص الوضع الجديد منه إلى انسحاب تقليدي على غرار الانسحاب الأميركي من أفغانستان قبل بضع سنوات. وما تراه واشنطن الآن في سوريا في الواقع أكبر وأبعد من مُجرد الحاجة إلى التخلص من وجود عسكري يستنزف موارد عسكرية ومالية. هناك كثير من النماذج لشراكات عسكرية عميقة تُقيمها الولايات المتحدة مع حلفائها في منطقة الشرق الأوسط مثل إسرائيل ودول الخليج العربي وتركيا ومصر والأردن. ومن المُرجح أن تُصبح سوريا جزءًا من هذه الشراكات في المستقبل إن من خلال علاقات عسكرية قوية أو ربما وجود عسكري مباشر من خلال قواعد عسكرية على غرار القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في جزء كبير من تلك الدول. وبمعزل عن الأشكال المُحتملة للعلاقات الأميركية السورية في المستقبل، فإن توجه إدارة ترمب لإنهاء الوجود العسكري الحالي في سوريا، يُمكن تفسيره من منظور عملية إعادة تشكيل العلاقة مع سوريا في حقبة ما بعد التحول.

كان الوجود العسكري الأميركي في سوريا جزءًا من وجود أجنبي مُتعدد الأطراف والأهداف والتأثير على ديناميكيات الصراع في سوريا. ولم يكن من المتصور سابقاً أن يُعالج بجدية أميركية. حتى ترمب نفسه وعد في ولايته الرئاسية الأولى بإنهاء هذا الوجود، لكنه سرعان ما استسلم لضغوط المؤسسة العسكرية الأميركية للإبقاء عليه.

إن تفكيك هذا الوجود في الوقت الحالي يكتسب أهمية كبيرة على عدّة مستويات. فهو من جانب، يُساعد سوريا في التعامل مع تركة الوجود العسكري الأجنبي على أراضيها. ومن جانب آخر، يُعطي مؤشرات إضافية على توجه دولي عام لتمكين الدولة السورية الجديدة من بسط السيطرة على جميع أراضيها والتعامل معها كدولة ذات سيادة. مع ذلك، لا يُشير هذا التفكيك إلى أن الولايات المتحدة لم تعد ترغب بوجود عسكري لها في سوريا أو بعلاقة استراتيجية مع سوريا. والواقع أن كل ما تقوم به إدارة الرئيس ترمب في سوريا مُصمم لبناء علاقة استراتيجية بعيدة المدى مع دمشق بقدر أكبر مما يعكس اتجاهاً لإنهاء الوجود العسكري بشكله الحالي.

تلفزيون سوريا

—————————–

انكماش خريطة الوجود العسكري الأميركي في العراق وسورية/ عثمان المختار

17 فبراير 2026

بعد انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد أقصى غرب العراق، منتصف شهر يناير/كانون الثاني 2026، بات الوجود العسكري الأميركي في البلاد هو الأقل منذ عام 2014، إذ تكشف معلومات خاصة حصلت عليها “العربي الجديد”، عبر مسؤولين في رئاسة أركان الجيش العراقي ومستشارية الأمن القومي، ومستشار حكومي، عن أن العدد الكلي للقوات الأميركية انخفض من نحو 2500 عسكري إلى أقل من 1100 عسكري موزعين في بغداد وأربيل، وبمعدات وترسانة دفاعية غير مخصصة لتنفيذ أي عمليات هجومية.

هذا التراجع في عدد القوات الأميركية يجعل واشنطن أمام أقل حضور عسكري لها في العراق منذ عام 2014، الذي عادت إليه تحت مظلة قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، بعد أقل من ثلاث سنوات على انسحابها الكلي من البلاد عام 2011، عقب احتلال استمر ثماني سنوات. الانسحاب الأميركي من قاعدة عين الأسد غربي الأنبار هو الإجراء الأخير المعلن على الأقل، إذ تؤكد المصادر العراقية التي تحدثت لـ”العربي الجديد” أن الانسحابات طاولت أيضاً الوجود العسكري الأميركي في مناطق أخرى، مشيرة إلى تنفيذ عمليات سحب وإجلاء لأفراد ومدربين ومعدات خلال الأيام الماضية من بغداد. ووصف كثير من المراقبين هذه العمليات بأنها “وقائية”، ضمن سعي واشنطن لحماية جنودها الموجودين في المناطق “الهشة”، وسهلة الاستهداف خلال أي رد مباشر محتمل من إيران أو من جماعات حليفة لها في العراق.

وبين 12 و16 فبراير/شباط، قال سبعة مسؤولين عسكريين وأمنيين عراقيين في وزارة الدفاع ومستشارية الأمن القومي العراقي، ومستشار أمني حكومي، في إفادات متطابقة لـ”العربي الجديد”، إن الجيش الأميركي نقل جواً خلال الأيام الماضية معدات عسكرية إلى خارج العراق، إلى جانب متعاقدين مدنيين ومدربين عسكريين بينهم ضباط سابقون بالجيش الأميركي كانوا قائمين على برامج تدريب متقدمة لقوات النخبة العراقية.  هذا الإجراء غير المعلن والانسحاب بشكل تدريجي وغير ملفت يأتيان بعد الإعلان الرسمي عن انسحاب القوات الأميركية، في 17 يناير الماضي، من قاعدة عين الأسد، أضخم القواعد الأميركية في العراق. وقد أكدت وزارة الدفاع العراقية انسحاب القوات الأميركية “بشكل كامل”، وسيطرة الجيش العراقي على جميع مفاصل القاعدة الواقعة على بعد 170 كيلومتراً غرب بغداد ضمن محافظة الأنبار.

إنهاء الوجود العسكري الأميركي في “عين الأسد”، الذي قالت عنه بغداد إنه ضمن مسار الاتفاق الذي توصلت إليه مع واشنطن في سبتمبر/ أيلول 2024، والقاضي بإنهاء مهام التحالف الدولي القتالية والتقليص التدريجي للقوات العسكرية في العراق مع حلول نهاية عام 2026، يظهر على الأرض فقط، إذ ما زالت السيادة على الأجواء العراقية غير مكتملة، حيث الحضور الجوي الأميركي الواسع في البلاد.

إخلاء وسحب تدريجي وغير معلن

أما بشأن الوجود العسكري الأميركي في مناطق أخرى بالعراق، فقد تحدث مسؤولون في رئاسة أركان الجيش العراقي لـ”العربي الجديد” عن سحب القوات الأميركية، خلال الأيام الماضية، متعاقدين مدنيين ومدربين عسكريين من مواقع في قاعدة حرير في مدينة أربيل شمالي العراق، ومعسكر فيكتوري الملاصق لمطار بغداد الدولي غرب العاصمة. هذه الإجراءات التي تضمنت نقل معدات عسكرية استخدمت في سنوات سابقة لتنفيذ عمليات هجومية ومهام إنزال جوي، وضرب أهداف ضمن الحرب على تنظيم داعش. وأشارت المصادر إلى أن عمليات النقل الجوي للمعدات العسكرية الأميركية شملت مروحيات قتالية ومنظومة صواريخ موجهة كانت موجودة في قاعدة حرير بأربيل.

وأرفق مسؤول في مستشارية الأمن القومي العراقي معلومات مماثلة خلال إفادة قدّمها لـ”العربي الجديد”، معتبراً أن التطورات الأخيرة بشأن الوجود العسكري الأميركي في البلاد “نجاح عراقي”. وأوضح أن العراق بات قادراً على مواجهة التهديدات الإرهابية، مشدداً على أن مرحلة التعافي يجب أن تبدأ بصياغة تعاون أمني واستخباري، بعيداً عن وجود قوات عسكرية أجنبية على الأراضي العراقية. وتحدث المسؤول نفسه عن أن العدد الكلي للقوات الأميركية لا يتجاوز حالياً 1100 عسكري، موزعين في أربيل ضمن قاعدة حرير، وفي موقع صغير ضمن السفارة الأميركية بالمنطقة الخضراء وسط بغداد، وفي المطار (في إشارة إلى معسكر فيكتوري).

وخلال السنوات التي أعقبت اغتيال الولايات المتحدة الأميركية قائد “فيلق القدس” الإيراني الجنرال قاسم سليماني، والقيادي بـ”الحشد الشعبي” جمال جعفر المعروف بـ”أبو مهدي المهندس”، مطلع يناير 2020، شهدت القواعد الأميركية في العراق سلسلة هجمات عنيفة عبر طائرات مسيّرة وصواريخ موجهة. ونفذت هذه الهجمات فصائل عراقية، ضمن الرد على العملية، وقد أسفرت حينها عن سقوط قتلى وجرحى من الجنود الأميركيين. انكماش الوجود العسكري الأميركي الذي يعتبر الأكبر من نوعه في العراق بعد عام 2014، لا يمكن عزله عن تراجع مماثل في الجوار السوري. فالقوات الأميركية في سورية تواصل عمليات سحب عناصرها من المواقع الموجودة فيها، وآخرها في قاعدتي الشدادي بريف الحسكة شمال شرقي البلاد (سلمتها للجيش السوري الأحد الماضي)، والتنف القريبة من المثلث العراقي السوري الأردني (أنهت الانسحاب في 12 فبراير الحالي). كما أخلت مواقعها العسكرية في حقلي كونيكو والعُمر، في محافظة دير الزور شرقي سورية، صيف العام الماضي.

تقليص الوجود العسكري الأميركي يؤشر، وفق مستشار حكومي عراقي طلب عدم الكشف عن هويته، إلى توجه أميركي بسحب قواتها من المناطق الهشة أو سهلة الاستهداف، والتي تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أو الأطراف المرتبطة بطهران، والتي هددت بالتحرك حال تعرض إيران لعدوان إسرائيلي أو أميركي جديد. وأضاف لـ”العربي الجديد” أن “كل المواقع التي أخلت واشنطن جنودها منها، تقع ضمن مدى الرد الإيراني”، حال بدء الحرب، لافتاً إلى أن الموقع العسكري الملاصق لمطار بغداد (معسكر فيكتوري) بات معنياً بتأمين سلامة وأمن السفارة الأميركية في بغداد وطاقمها الدبلوماسي، ولا مهام قتالية له.

قاعدة حرير نقطة الارتكاز الأميركية

توجد غالبية القوات الأميركية حالياً في قاعدة حرير الواقعة في ضواحي أربيل من جهة الشرق، وهي أقرب قاعدة جوية أميركية من الحدود الإيرانية، حيث تبعد عنها 115 كيلومتراً. وكانت تُسمى قبل الاحتلال الأميركي للعراق بقاعدة آشور، وتتولى عمليات الدعم الجوي للقوات العراقية خلال الحرب العراقية الإيرانية من 1980 ولغاية 1988. واستُخدمت القاعدة بشكل رسمي مطلع عام 2015 في إطار عمليات التحالف الدولي ضد “داعش”. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، بدأت القوات الأميركية الخاصة التابعة لقوة دلتا باتخاذها مقراً لها، حيث جرى تنفيذ عمليات مباشرة داخل الأراضي السورية. أبرز تلك العمليات قتل قائد “داعش” أبو بكر البغدادي، تلتها عمليات مماثلة لزعماء التنظيم، قبل أن تتحول مهامها إلى دعم الوجود العسكري الأميركي في سورية، بسبب احتوائها على مدرج لهبوط الطائرات القتالية أو الشحن.

فصائل عراقية تحيي يوم القدس العالمي، 28 مارس 2025 (أحمد لبيب/الأناضول)

وتعرضت القاعدة لهجوم إيراني واسع بواسطة صواريخ باليستية منتصف يناير 2020 ضمن الرد الإيراني على واشنطن إثر اغتيال قاسم سليماني، وهو الرد الذي شمل أيضاً قاعدة عين الأسد، غربي الأنبار. وخلال الأعوام الخمسة الماضية، نُفذت في قاعدة حرير أعمال توسيع، تضمنت زيادة السعة الاستيعابية، فضلاً عن إجراء تحصينات داخل القاعدة، كما شملت تشييد ملاجئ تحت الأرض ومستودعات وأماكن مبيت داخل الحرم الرئيسي، التي شهدت أعمال صيانة وتأهيل مماثلة عام 2016، في ذروة التدخل الدولي بالعراق ضد “داعش”.

عوامل تراجع الوجود العسكري الأميركي

بحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل فراس إلياس، لا يمكن فصل المعطيات المتعلقة بتقليص الوجود العسكري الأميركي في سورية والعراق “عن السياق الأمني الإقليمي الأوسع، بما في ذلك التطورات المرتبطة بإيران وشبكة الفصائل المسلحة المتحالفة معها في كل من العراق وسورية”.

وأضاف إلياس، المتخصص بملف العلاقات العراقية الإيرانية، لـ”العربي الجديد”، أنه “منذ مقتل قاسم سليماني عام 2020، شهدت القواعد الأميركية في المنطقة تصاعداً في وتيرة الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، في إطار ما يُنظر إليه جزءاً من سياسة الضغط غير المباشر التي تعتمدها أطراف مرتبطة بطهران لتقليص الوجود العسكري الأميركي دون الانجرار إلى مواجهة تقليدية واسعة”. وفي رأيه، فقد أدى ذلك “إلى ارتفاع كلفة الحماية وتعقيد قواعد الاشتباك، ما جعل بعض المواقع الثابتة أكثر عرضة للاستهداف والاستنزاف”.

كما تتزامن هذه التطورات، وفق إلياس، مع “عمليات إعادة التموضع وسط تحولات أوسع في المشهد الإقليمي، وتصاعد مؤشرات محتملة للمواجهة العسكرية بين طهران وواشنطن في قادم الأيام”. وأضاف أنه يبدو في هذا السياق أن “واشنطن تسعى إلى تقليل نقاط الاحتكاك المباشر القابلة للاستهداف، مع الإبقاء على أدوات ردع مرنة وقدرات تدخل سريعة عند الضرورة”. وأشار إلى أنه “في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال العامل العملياتي المتعلق بتراجع القدرات الميدانية لتنظيم داعش بعد تفكيك بنيته العسكرية التقليدية، وانضمام سورية إلى التحالف الدولي ضد داعش”. أتاح ذلك، وفق إلياس، إمكانية “تقليص الوجود القتالي المباشر وتحويله إلى أدوار استشارية واستخبارية أكثر محدودية، عبر غرف تنسيق مشتركة بين واشنطن وبغداد ودمشق”.

وخلُص إلى أن أنه يمكن فهم إعادة انتشار القوات الأميركية باعتبارها نتاج تداخل ثلاثة عوامل رئيسية، أولها “الاعتبارات الأمنية المرتبطة بتصاعد التهديدات من فصائل مدعومة من إيران في حال اندلاع حرب جديدة بين طهران وواشنطن”. أما العامل الثاني، فهو “التحول الاستراتيجي الأميركي نحو تقليل الانخراط العسكري المباشر طويل الأمد في المنطقة، والعامل الثالث والأخير هو تغير طبيعة تهديد تنظيم داعش من كيان مسيطر على الأرض إلى خلايا متناثرة تتطلب مقاربة مختلفة”. واعتبر أن “هذه التحركات تبقى جزءاً من عملية تقييم مستمرة، تتأثر بمستوى التوتر الإقليمي، وبمسار العلاقات الأميركية–الإيرانية، وبمدى استقرار الساحتين العراقية والسورية في المرحلة المقبلة”.

(شارك بالتقرير من بغداد: محمد علي)

العربي الجديد

————————————

ذا ناشيونال”.. تقليص الوجود الأميركي بسوريا وتحول المهام

واشنطن تنسحب وتحوّل دورها العسكري بسوريا

2026-02-17

أفادت صحيفة ذا ناشيونال بأن الدور المتوقع للقوات التابعة لـ الولايات المتحدة داخل سوريا يتجه نحو الاكتفاء بمهام التدريب والدعم اللوجستي للقوات الحكومية، في سياق تقليص إضافي لوجودها العسكري، وذلك بالتزامن مع تصاعد التوتر بينها وبين إيران.

وبحسب التقرير، غادرت القوات الأميركية قاعدتها الرئيسية في الشدادي بمحافظة الحسكة شمال شرقي البلاد، بينما أعلنت وزارة الدفاع السورية دخول قواتها إلى الموقع بعد تنسيق مع الجانب الأميركي، من دون صدور توضيح فوري من واشنطن حول تفاصيل الخطوة.

وقبل ذلك بأيام، كانت القيادة المركزية الأميركية قد أعلنت انسحاب قواتها من قاعدة التنف جنوب شرقي سوريا قرب المثلث الحدودي مع الأردن والعراق، وتسليم الموقع إلى وزارة الدفاع السورية.

اقرأ أيضاً: مسؤولون: القوات الأميركية قد تنسحب بشكل كامل من سوريا خلال أشهر – 963+

ونقلت الصحيفة عن مصادر أمنية أردنية أن هذه الانسحابات جعلت الوجود العسكري الأميركي يقتصر على موقع رئيسي واحد داخل الأراضي السورية، في منطقة رميلان القريبة من الحدود العراقية.

وأوضحت المصادر أن عدد الجنود الأميركيين تراجع بشكل ملحوظ مقارنة بعام 2024 عندما كان يقدَّر بنحو ألفي عنصر، من دون الكشف عن الرقم الحالي.

وأضافت المصادر أن المهمة الأميركية باتت متمحورة حول تأهيل القوات الحكومية الجديدة وتقديم الدعم اللوجستي لها، في تحول واضح عن الدور السابق الذي ركّز على مساندة قوات سوريا الديمقراطية في قتال تنظيم داعش.

ورأت المصادر الأمنية أن تقليص الوجود العسكري قد يساهم أيضاً في خفض احتمالات رد إيراني، خصوصاً مع التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران، مشيرة إلى أن تقليص عدد القواعد يجعل حمايتها أسهل، في وقت لا تزال فيه إيران، بحسب التقديرات، محافظة على نفوذها لدى حلفائها في العراق المجاور.

——————–

===================

تحديث 16 شباط 2026

——————————

الانسحاب الأميركي من سورية… خطوات متسارعة/ بشير البكر

15 فبراير 2026

لم يعد الانسحاب الأميركي من سورية يدور في مجال التكهنات والفرضيات، بل صار أمراً منتهياً، ينتظر أن تدق ساعة إتمام المهمة التي جاءت من أجلها. وقد تحدثت صحيفة وول ستريت جورنال الشهر الماضي عن قرب حصول ذلك. وبدأت القوات الأميركية في الشهر الماضي الانسحاب من قاعدة الشدادي بريف الحسكة باتجاه أربيل بإقليم كردستان العراق، ومن ثم استكملت تسليم قاعدة التنف لوزارة الدفاع السورية منذ أيام، الواقعة في البادية السورية على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، والتي تأسست بهدف محاربة تنظيم داعش، وتدريب قوات سورية معارضة كـ”جيش سوريا الحرة”.

الانسحاب الأميركي من سورية

حصل الانسحاب من التنف، التي تحتل موقعاً استراتيجياً، بعد تقدمت قوات الجيش السوري للسيطرة على محافظات الجزيرة التي تنتشر فيها قواعد عسكرية أميركية تحديداً في دير الزور والحسكة. واستضافت التنف أكثر من 2500 جندي أميركي، لكن العدد تراجع في الأعوام الأخيرة إلى حدود 1200، يتحلون بمرونة الحركة، ويمتلكون قدرات لوجستية مهمة، ويتلقون الإسناد من القواعد الأميركية في العراق، تحديداً الموجودة في إقليم كردستان. الاستراتيجية المتبعة حتى الآن هي الانسحاب الأميركي من سورية بشكل تدريجي وعلى مراحل وفق مسألتين. المسألة الأولى مدى قوة تنظيم داعش على الأرض والخطر الذي يشكله راهناً ومستقبلاً. والمسألة الثانية قدرة قوات الجيش والأمن السوريين على النهوض بمهمة متابعة نشاط التنظيم، والتصرف على نحو استباقي لإحباط عملياته والرد عليه. وبحسب مصادر سورية، فإن التقييم الأميركي حتى الآن إيجابي، بعد أن كانت هناك مخاوف من حصول فراغ في حال تراجع دور “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي بقيت تتولى المهمة إلى حين انضمام سورية إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وسبق الانسحاب الأميركي من سورية تسليم قاعدة عين الأسد الجوية في الأنبار للحكومة العراقية (يناير/كانون الثاني الماضي)، وهي نقطة عسكرية مهمة بالنسبة للجيش الأميركي، كانت تضم قوات للتحالف بقيادة الولايات المتحدة في غرب العراق. وتولى الجيش العراقي السيطرة الكاملة عليها، وهي آخر القواعد في هذه المنطقة، وسبقها تسليم قاعدة الحبانية عام 2020، ومن ثم حصل تجميع تدريجي للقوات الأميركية في قواعد أميركية بكردستان العراق. وترى مصادر عسكرية سورية أنه يمكن قراءة هذا التزامن في الانسحابات من سورية والعراق من زاويتين. الزاوية الأولى هي أن الوجود الأميركي في سورية والعراق، بات مكلفاً، ومن دون مردود أمني كبير لجهة محاربة “داعش”، خصوصاً أن القوى المحلية قادرة على النهوض بهذه المهمة. والزاوية الثانية لم تعد هناك مخاوف من إيران بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان قد حوّل سورية إلى قاعدة عسكرية لإيران تصنع على أرضها الصواريخ والطائرات المسيرة، كما فتحت معسكرات تدريب لحزب الله والحوثيين وفصائل عراقية.

حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يسحب القوات الأميركية من سورية خلال ولايته الأولى (2017 ـ 2021) بعد عملية “نبع السلام” في أكتوبر/تشرين الأول 2019 التي قامت بها قوات تركية ضد “قسد” بمشاركة فصائل من الجيش الوطني حينذاك، ولكنه عدل عن ذلك بعد اعتراضات من وزير الدفاع الأميركي بريت ماكغورك المعروف بتعاطفه مع “قسد”، والذي كانت تعده حليفاً استراتيجياً خلال عمله في إدارات الرؤساء باراك أوباما (2009 ـ 2017)، وجو بايدن (2021 ـ 2025)، وترامب. وقد استجاب ترامب في حينه بسبب الخوف من عودة “داعش” أو سيطرة إيران ونظام الأسد على المنطقة. وقد زال هذا العاملان، بعد التطورات التي شهدتها سورية خلال العام الماضي.

وتؤكد أوساط سورية مطلعة أن عملية الانسحاب الأميركي من سورية ستتم بعد فترة قريبة، وهي مرهونة باستكمال عملية ترحيل سبعة آلاف من مقاتلي “داعش” من السجون في محافظة الحسكة نحو العراق. ومن المعروف أن القوات الأميركية تولت هذه المهمة بعد تقدم القوات السورية نحو الجزيرة واستعادة أغلبها من “قسد”. وصدرت تصريحات أميركية وعراقية تؤكد أن المهلة المقررة لإنجاز هذه المهمة على أكمل وجه لا تتجاوز الشهر، ولذلك من المرجح أن تنتهي قبل ختام الشهر الحالي.

ويضاف إلى ذلك أن انتشار قوات الحكومة في مناطق الجزيرة، وقيام تنسيق أمني مع العراق والولايات المتحدة من شأنه أن يقلص إلى حد كبير مخاطر “داعش”، خصوصاً بعد أن بدأت عملية إفراغ مخيم الهول من عائلات معتقلي “داعش”، مع بوادر تعاون دولي لاستعادة الأجانب منهم. وفي الوقت ذاته من المرجح بدء محاكمة المعتقلين الباقين في سورية، وهم بحدود 2500، وهذا من شأنه أن يخفف أجواء الاحتقان، إذ يسود الاعتقاد بأن القسم الأكبر من هؤلاء لا علاقة لهم بتنظيم داعش، وقد اعتقلتهم “قسد” لأسباب مختلفة، منها استمرار الحصول على الموازنة الدولية المكرسة لحراسة السجون ومخيمات الاحتجاز.

هناك عدة عوامل راسخة تجعل من مسألة الانسحاب الأميركي من سورية مربحة للولايات المتحدة، عن طريق تخفيف الأعباء والحفاظ على المزايا الموجودة. ولا يعني الانسحاب الأميركي من سورية أو العراق إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، هناك نحو 30 ألف جندي أميركي يقيمون في قواعد ببلدان الخليج، خصوصاً في قطر والبحرين والكويت والإمارات، وهذا الوجود لا يقتصر على القواعد العسكرية الثابتة فقط، بل يشمل أيضاً السفن الحربية وحاملات الطائرات وغيرها، كما أن أعداد القوات ومهامها تتغير باستمرار. كذلك، إن الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط غير محكومة بالانتشار العسكري، وذلك لعدة أسباب منها أن إسرائيل تعد قاعدة أساسية أميركية قادرة على تلبية الاحتياجات التكتيكية والاستراتيجية الأميركية، في حال حصول تطورات تستدعي ذلك، هذا بالإضافة إلى القواعد الأميركية في الخليج.

وفي وسع الولايات المتحدة أن تركن إلى حلفاء من دول المنطقة كمصر والأردن والآن سورية، والتي توحي مؤشرات عدة بأنها ستصبح قاعدة أميركية مهمة في منطقة الشرق الأوسط والعالم. وقد كان ذلك واضحاً في الاجتماع الذي انعقد في الأردن في إبريل/نيسان الماضي، عندما تم الاتفاق على أن تكون سورية مركز التنسيق الدولي للحرب على “داعش”، بالنظر إلى أن الاجتماع انعقد بهدف وضع آلية لمحاربة التنظيم، وشارك فيه وزراء خارجية ورؤساء أجهزة استخبارات كل من الولايات المتحدة، تركيا، السعودية، العراق، الأردن، سورية. وقد نشرت وكالة رويترز في نوفمبر الماضي معلومات عن إنشاء قاعدة أميركية قرب دمشق، وقالت إن الولايات المتحدة تستعد لتأسيس وجود عسكري لها في قاعدة جوية بدمشق، وذلك للمساعدة في إتاحة تنفيذ اتفاق أمني تتوسط فيه أميركا بين سورية وإسرائيل. وتمثل الخطط الأميركية لتأسيس وجود في العاصمة السورية، والتي لم توردها أي تقارير سابقة، مؤشراً على إعادة سورية ترتيب العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بعد سقوط حليف إيران بشار الأسد.

لا تأثير للانسحاب

كما أن الانسحاب الأميركي من سورية لا يضعف علاقة أميركا مع الحلفاء المحليين، ولا يقلل من تأثيرها في الملفات التي تتشاركها مع حلفاء المنطقة، والدليل على ذلك الانسحاب العسكري الأميركي من السعودية التي كانت تستقبل أكبر القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، وقد حصل ذلك على دفعات آخرها في عام 2019، لكن ذلك لم ينه التعاون بما في ذلك اتفاقات الدفاع عن السعودية بوجه التهديدات الخارجية. كذلك، يمنح الانسحاب من سورية الولايات المتحدة حرية حركة أكبر، ذلك أنها بدأت منذ ولاية الرئيس السابق جو بايدن، تنقل مراكز اهتمامها نحو منطقة شرق آسيا، خصوصاً الصين، وعندما تسلم وزير الخارجية الأميركي الحالي ماركو روبيو منصبه، قال إن “الصين تعد أخطر وأقوى خصم واجهته الولايات المتحدة في تاريخها”. وسار على خطى سلفه في إدارة بايدن الوزير أنتوني بلينكن، الذي سبق أن صرح قبل عامين بأن “أخطر تحد طويل الأمد يواجه النظام الدولي هو ذاك الذي تمثله الصين، الدولة الوحيدة التي تمتلك الإرادة لإعادة تشكيل النظام العالمي، وكذلك القدرة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية التي تمكنها من القيام بذلك”.

هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها حول مدى انعكاسات الانسحاب الأميركي من سورية على الخليج، وهل يؤثر على صورة أميركا لديها، وهل ذلك مقدمة للانسحاب من الخليج، ومدى انعكاسات التحول من الخليج إلى آسيا وآثاره على مركز الخليج في الاستراتيجية الأميركية، وتوجيه الاهتمام نحو مناطق أخرى. ويرى خبراء خليجيون أن توجه السعودية لبناء اتفاقات دفاعية مع باكستان وتركيا يأتي ضمن قراءة التوجهات الأميركية الجديدة لنقل ثقل واشنطن من المنطقة، لكن قدرات دول الخليج الذاتية تطورت كثيراً، ولم تعد تلك التي كانت قائمة في وقت غزو العراق للكويت عام 1990. وترجح أوساط أوروبية أن الانسحاب الأميركي من شأنه تعزيز الحضورين الأوروبي والروسي في المنطقة، على مستوى التسلح والتدريب والتدخل لفض النزاعات، ولذلك تكثفت في الآونة الأخيرة زيارات المسؤولين العسكريين والأمنيين لدول المنطقة.

العربي الجديد

——————————

الانسحاب الأمريكي من التنف: فرصة اقتصادية وأمنية لسوريا/ منهل باريش

14 – فبراير – 2026

يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه نحو تقليص الوجود في النقاط المكشوفة مقابل تعزيز الحضور في مواقع محصّنة، مع الإبقاء على هامش تدخل سريع عند الضرورة.

اتخذت وزارة الحرب الأمريكية «البنتاغون» خلال أقل من 72 ساعة قرارين بارزين يتعلقان بطبيعة حضورها العسكري في سوريا، في مؤشر واضح إلى تحول استراتيجي يتجاوز فكرة إعادة الانتشار التكتيكي نحو إعادة صياغة أوسع لدور واشنطن في المشهد الأمني شرق البلاد.

تمثل القرار الأول في الانسحاب المنظم من قاعدة التنف، التي شكّلت لسنوات ركيزة النفوذ الأمريكي عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن، بينما جاء القرار الثاني عبر نقل آلاف من معتقلي تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى العراق، وهي خطوة شديدة الحساسية خصوصًا مع التوتر الحاصل بين أمريكا والعراق عقب إعلان نوري المالكي ترشحه لمنصب رئيس وزراء الحكومة مرة أخرى. وبين القرارين تتبدى ملامح مقاربة أمريكية مختلفة قوامها تقليص الانخراط المباشر، مقابل توسيع أدوار الفاعلين المحليين وإعادة توزيع الأعباء الأمنية على الأجهزة الأمنية السورية والعراقية، خصوصًا بعد انضمام إدارة الرئيس الشرع إلى التحالف الدولي للقضاء على التنظيم.

انسحاب أمريكي

من طريق طهران- بيروت

وفي هذا السياق، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أن قواتها «أنهت مغادرة منظّمة من قاعدة التنف في سوريا في إطار انتقال مدروس ومشروط تنفّذه قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب»، وهي صياغة تعكس حرص القيادة المركزية على تقديم الخطوة باعتبارها إعادة تموضع محسوبة، لا انسحابًا تحت الضغط. وتعزيزًا لهذا المعنى، أكد قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر أن «القوات الأمريكية تظل على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات لداعش قد تنشأ في المنطقة»، مضيفًا أن واشنطن ستواصل «دعم الجهود التي يقودها الشركاء لمنع عودة الشبكة الإرهابية»، ومشددًا في الوقت ذاته على أن «الحفاظ على الضغط على داعش أمر أساسي لحماية الأراضي الأمريكية وتعزيز الأمن الإقليمي».

وبالتوازي مع ذلك، ترجّح تقديرات عسكرية أن إعادة التموضع الأمريكية لن تكون بعيدة جغرافيًا، بل ستتجه على الأرجح نحو داخل الأراضي الأردنية، وتحديدًا إلى موقع «البرج 22»، القاعدة اللوجستية القريبة من الحدود السورية والتي تُستخدم مركزًا للمراقبة والإسناد.

غير أن هذا الموقع ليس بمنأى عن التهديدات؛ فقد سبق أن تعرض لهجوم مطلع عام 2024 عندما استهدفته طائرة مسيّرة ثابتة الجناح في هجوم تبنته «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهي مظلة لفصائل مسلحة مدعومة من إيران كانت تعلن تبني الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية ضد المواقع الأمريكية في سوريا ولاحقًا ضد إسرائيل، قبل سقوط نظام الأسد.

وأسفر ذلك الهجوم عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة أكثر من أربعين آخرين، في حادثة وُصفت حينها بأنها الأخطر على القوات الأمريكية منذ سنوات، ودَفعت واشنطن إلى تنفيذ ضربات انتقامية ضد أهداف مرتبطة بتلك الفصائل في سوريا والعراق. وكان الجنود القتلى يخدمون في قوات احتياط الجيش الأمريكي ضمن السرية الهندسية 718 التابعة للواء الهندسي 926 المتمركز أساسًا في فورت مور، جورجيا، حسبما قالت المتحدثة باسم البنتاغون حينها، ما يعكس الطابع اللوجستي للموقع رغم وقوعه في بيئة عملياتية عالية المخاطر، على اعتبار أن «البرج 22» يقع على مثلث الحدود الصحراوي بين العراق وسوريا والأردن.

وعليه، فإن احتمال الانتقال إلى «البرج 22» يوحي بأن واشنطن تميل إلى التموضع داخل حدود حليف إقليمي أكثر استقرارًا، في محاولة لخفض قابلية الاستهداف دون التفريط بقدرتها على مراقبة الحدود السورية ومسارات البادية. وبعبارة أخرى، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه نحو تقليص الوجود في النقاط المكشوفة مقابل تعزيز الحضور في مواقع محصّنة، مع الإبقاء على هامش تدخل سريع عند الضرورة، حيث ستكون القوات الحكومية الرسمية هي الأداة الضاربة ميدانيًا ضد خلايا تنظيم «الدولة الإسلامية»، فيما يتراجع دور التحالف الدولي إلى التوجيه والإشراف.

انتشار القوات الحكومية في منطقة 55

ميدانيًا، أفادت مصادر «القدس العربي» بأن الفرقة 54 التابعة لوزارة الدفاع السورية باشرت الانتشار داخل قاعدة التنف وعلى امتداد النقاط الحدودية مع العراق، عقب استقدام تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، في تحرك يعكس رغبة دمشق في ملء الفراغ الأمني دون إبطاء. ووفقًا للمصادر، جاء تسلّم القاعدة مباشرة بعد انسحاب قوات التحالف الدولي باتجاه الأردن، فيما لا تزال المنطقة تضم انتشارًا لعناصر مديرية أمن التنف، وهم مقاتلون سابقون في «جيش سورية الحرة» جرى دمجهم لاحقًا ضمن إدارة أمن البادية السورية.

وتوحي هذه الترتيبات بأن السلطات السورية تسعى إلى سد الفراغ والاعتماد على عناصر موثوقين من قبل التحالف الدولي جرى تجريبهم خلال السنوات السابقة ويختبرون منطقة الـ55 كم أكثر من باقي وحدات وفرق الجيش الجديد، الأمر الذي يعزز قدرة القوات الحكومية على ضبط واحدة من أكثر المناطق أهمية على المستوى الأمني. فهذه الوحدات ستتحمل مسؤولية حماية «البرج 22» المجاور للحدود السورية وتمنع أي تسلل من الأراضي السورية باتجاه البرج المذكور وعمق الأراضي الأردنية.

ومن زاوية أخرى، لا تنحصر تداعيات الانسحاب في البعد العسكري فحسب؛ إذ يرجح أن يمهّد الطريق لإعادة تشغيل معبر التنف، بما يحمله ذلك من أبعاد سيادية واقتصادية لدمشق. فالمعابر الحدودية، في السياق السوري، لم تكن مجرد بوابات عبور، بل أدوات نفوذ ومصادر دخل في آن واحد. وإذا ما دخل المعبر الخدمة، فسيمنح إدارة الرئيس المؤقت أحمد الشرع فرصة للاستفادة من حركة التجارة البرية مع العراق، وهو ما قد يشكل متنفسًا اقتصاديًا في مرحلة شديدة التعقيد، تعاني الحكومة السورية فيها من قلة الموارد وتعتمد بشكل كبير على إيرادات المعابر والمنافذ البرية والبحرية.

الخلاص من ورقة «سجون داعش»

أما القرار الثاني، فقد تمثل في إعلان سنتكوم إنجاز «مهمة نقل عقب رحلة ليلية من شمال شرق سوريا إلى العراق بهدف ضمان بقاء معتقلي داعش في مرافق احتجاز آمنة». واستمرت العملية 23 يومًا وانتهت بنقل أكثر من 5.700 مقاتل إلى عهدة السلطات العراقية. وفي معرض تعليقه، قال الأدميرال كوبر: «أحسنتم العمل لجميع أفراد فريق القوة المشتركة الذين نفذوا هذه المهمة الاستثنائية بالغة الصعوبة برًا وجوًا بتركيز عالٍ واحترافية وتعاون وثيق مع شركائنا الإقليميين»، مضيفًا أن الولايات المتحدة «تُقدّر قيادة العراق وإدراكه لأهمية نقل المعتقلين في تعزيز الأمن الإقليمي».

بدوره، أوضح اللواء كيفن لامبرت، قائد قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب، أن «التنفيذ الناجح لهذه العملية المنظمة والآمنة لنقل المعتقلين سيساعد على منع عودة تنظيم داعش في سوريا»، في إشارة إلى أن ضبط ملف السجون بات جزءًا من استراتيجية الوقاية المبكرة لا مجرد إجراء أمني.

في المقابل، يحمل هذا التحول رسالة لا تخطئها قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، التي لطالما استندت إلى ورقة السجون لتعزيز موقعها التفاوضي. فحين تبادر أمريكا إلى نقل المعتقلين خارج مناطق سيطرة «قسد»، فإنها عمليًا تقلّص إحدى أهم أدوات الضغط التي امتلكتها الإدارة الذاتية طوال سنوات. وبذلك، يعاد رسم ميزان النفوذ في شمال وشرق سوريا ضمن معادلة أقل اعتمادًا على عامل الخطر الأمني.

مع ذلك، لا يعني هذا التحول تخلي واشنطن الكامل عن شركائها، بقدر ما يعكس إعادة تعريف للعلاقة ضمن سقف أكثر براغماتية. فبعد الهزيمة الإقليمية لتنظيم «الدولة» في الباغوز عام 2019، بات السؤال حول جدوى الانتشار العسكري المكلف أكثر إلحاحًا، خصوصًا مع تراجع التهديد المباشر للتنظيم وتقليل الأكلاف المادية من خلال الاعتماد على السلطات المركزية.

في الاتجاه ذاته، تبدو الرسالة موجهة أيضًا إلى بغداد، التي يغدو دورها أكثر مركزية مع استلامها آلاف المعتقلين. صحيح أن الخطوة تفرض أعباء أمنية إضافية، لكنها في المقابل تعزز موقع العراق كشريك رئيسي في منظومة مكافحة الإرهاب وتعيد ربط الأمن الحدودي بين البلدين ضمن إطار تعاون أوثق.

ورغم كل ذلك، تحرص القيادة المركزية على التأكيد أن إعادة التموضع لا تعني الانكفاء؛ إذ أشارت إلى أن القوات الأمريكية «ضربت أكثر من 100 هدف باستخدام أكثر من 350 ذخيرة دقيقة، واعتقلت أو قتلت أكثر من 50 إرهابيًا»، في رسالة مفادها أن واشنطن لا تغادر بقدر ما تعيد ترتيب أدوات حضورها.

خلاصة القول، إن الانسحاب من التنف يتجاوز كونه خطوة عسكرية ليغدو علامة فارقة في مسار الصراع السوري. فهو يفتح الباب أمام إعادة تفعيل الحدود وتطبيع العلاقات بين بغداد ودمشق، ويمنح الأخيرة فرصة لترسيخ سلطتها عبر الاقتصاد والأمن، ويقلّص أوراق الضغط لدى «قسد»، فيما يعزز دور العراق ضمن معادلة إقليمية آخذة في التشكل.

———————————-

سوريا بعد الانسحاب الأمريكي: 5 أسئلة عن النفوذ والقوات المتبقية

بعد سنوات من الوجود الأمريكي في قلب الصحراء السورية، بدأت واشنطن بسحب قواتها من قواعد إستراتيجية كانت رموزا لوجودها المباشر في المنطقة.

هذا التحرك لم يكن مجرد نقل للقوات، بل خطوة إستراتيجية تعكس تغيير أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، وتحولات القوة على الأرض، وفرص إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.

فماذا يعني هذا الانسحاب؟ وما تداعياته على الأمن المحلي والدور الأمريكي في المنطقة؟ وما علاقة العراق؟ في هذه المادة، نجيب على 5 أسئلة رئيسية تكشف كل ما تريد معرفته عن نهاية الوجود الأمريكي المباشر في سوريا.

1- ما واقع الانسحاب الأمريكي في سوريا حاليا؟

أصبح الانسحاب الأمريكي من سوريا واقعا ملموسا بعد شهور من التكهنات والتوقعات، مع تنفيذ خطة مرحلية منظمة متسارعة، بدأت بإخلاء قاعدة التنف، الأسبوع الماضي، على أن يتولى حرس الحدود السوري الإشراف عليها.

وبعد ذلك، تسلمت وزارة الدفاع السورية، أمس الأحد، قاعدة الشدادي -أكبر قواعدها بشمال شرقي البلاد- بعد التنسيق مع القوات الأمريكية، ليقتصر الوجود العسكري الأمريكي بعد ذلك على قاعدتين فقط في شمال شرق سورية تخضعان لسيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد) هما:

    الرميلان: وتقع في الشمال الشرقي من محافظة الحسكة قرب الحدود العراقية السورية.

    قصرك: وتقع على الطريق الدولي “إم 4″، الذي يربط بين محافظات حلب وإدلب واللاذقية ويصل إلى الحسكة.

ويفسر محللون ذلك أن واشنطن بدأت بإعادة تموضعها العسكري بشكل واضح في المنطقة، مع اعتمادها على هذه النقاط كمراكز محدودة للوجود اللوجيستي والاستخباراتي.

وفي منتصف عام 2025، أخلت الولايات المتحدة قواعد عسكرية عدة في ريفي الحسكة ودير الزور، أبرزها حقلا العمر وكونيكو، وقاعدة تل البيادر، بعد تدمير التحصينات التي أسستها بعد الانسحاب.

 2- لماذا تعتبر قاعدتا التنف والشدادي مهمتين وحيويتين، وما أهمية بقية القواعد الأمريكية في سورية؟

تُعد قاعدتا التنف والشدادي من أبرز المواقع العسكرية الأمريكية في سورية لما لهما من أهمية إستراتيجية كبيرة على الأرض، إذ تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري/العراقي/الأردني، مما يجعلها نقطة تحكم حيوية للمراقبة والسيطرة على حركة القوات والتهريب في الصحراء السورية، واستخدمت لتدريب فصائل سورية معارضة مثل “الجيش السوري الحر”.

إعلان

كما كانت نقطة انطلاق للعمليات العسكرية الاستباقية ضد خلايا تنظيم الدولة الإسلامية، ومركزا لجمع المعلومات الاستخباراتية حول تحركاته في محافظتي دير الزور والحسكة، مع توفير دعم لوجيستي سريع للقوات الأمريكية والحلفاء المحليين.

أما قاعدة الشدادي التي تقع شمال شرق الحسكة، وتربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور، فقد استخدمت أيضا منذ عام 2016 كمركز رئيسي لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، كما كانت نقطة حيوية لتنسيق الدعم العسكري والاستخباراتي بين القواعد الأمريكية الأخرى في شمال وشرق سوريا.

وقبل إخلاء الشدادي، شهدت القاعدة نشاطا لافتا، إذ رُصد هبوط طائرات شحن أمريكية، إلى جانب تحليق مروحيات عسكرية واستخدام مناطيد للمراقبة، في إطار عمليات نقل عناصر تنظيم الدولة المحتجزين في الحسكة إلى مواقع آمنة في العراق.

أما بقية القواعد الأمريكية، مثل الرميلان وقصرك، فتمثلان حاليا نقاطا محدودة للوجود اللوجيستي والاستخباراتي بعد الانسحاب من بقية القواعد، كما أنها تسمح لواشنطن بالحفاظ على نفوذها الإستراتيجي في شمال شرق سوريا، مع القدرة على تقديم الدعم والمعلومات للحلفاء المحليين والإقليميين متى ما استدعت الحاجة.

مما يعني أن أهمية هذه القواعد لا تكمن فقط في الجانب العسكري المباشر، بل هي قادرة على التحكم الإستراتيجي في المعلومات والتنسيق مع الحلفاء، مما يجعل الانسحاب الأمريكي من القواعد خطوة مدروسة ومنظمة لتجنب أي فراغ أمني أو انهيار محتمل للتوازنات في المنطقة.

3- ما وراء الانسحاب التدريجي للقواعد الأمريكية في سورية؟

بدأت تتقاطع تصريحات مسؤولين أمريكيين حول الانسحاب الكامل من سوريا، بالتزامن مع التغيير السياسي الكبير الذي شهدته البلاد بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد.

وتضمنت التصريحات إشارات إلى المداولات الجارية داخل إدارة دونالد ترمب، والتي تتناول سيناريوهات متعددة لخفض الوجود العسكري الأمريكي، وصولا إلى الانسحاب التام، مع تقييم تداعيات ذلك على جهود مكافحة تنظيم الدولة، والتوازنات الأمنية في شمال وشرق سوريا، والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين.

وأشار 3 مسؤولين أمريكيين إلى أن التطورات المتسارعة في سوريا، دفعت وزارة الحرب الأمريكية إلى إعادة النظر في جدوى بقاء الجيش الأمريكي خاصة بعد تراجع مواقع قوات قسد في بعض المناطق، وهو ما يضع الانسحاب الكامل ضمن الخيارات المطروحة على الطاولة.

ووفق محللين عسكريين وسياسيين، هناك عدة أسباب وراء هذه الخطوة:

    تقليل العبء المالي والعسكري: كان الوجود الأمريكي في شمال وشرق سورية يتطلب آلاف الجنود وإمدادات لوجيستية كبيرة لدعم العمليات العسكرية في القواعد، الانسحاب سيقلل التكاليف مع الحفاظ على وجود إستراتيجي محدود.

    تغير الأولويات الإستراتيجية: تهتم الولايات المتحدة اليوم بمواجهة التحديات العالمية الكبرى، وبدأت تعتمد على الحلفاء الإقليميين والمحليين.

    ضمان الاستقرار الأمني المحلي: الانسحاب التدريجي يسمح للجيش السوري بإدارة التوازن الأمني ومنع أي فراغ محتمل، خاصة في مناطق شمال وشرق سوريا التي شهدت عمليات نقل عناصر تنظيم الدولة المحتجزين إلى العراق وإخلاء المخيمات.

    إعادة التموضع العسكري: بدلا من الانتشار على نطاق واسع، تختار واشنطن الآن التركيز على قواعد محدودة، لتبقى نقاطا لوجيستية واستخباراتية إستراتيجية، تسمح بالتدخل عند الحاجة دون تكاليف انتشار واسعة، مع القدرة على مراقبة المنطقة عن بعد.

إعلان

4- ما علاقة الانسحاب من سوريا بالعراق؟

لا يمكن فصل الانسحاب الأمريكي من سوريا عن سياق الانسحاب التدريجي نفسه في العراق، إذ تتداخل الأبعاد اللوجيستية والعسكرية والسياسية في كل من البلدين، وخاصة أن الوجود الأمريكي في سوريا ارتبط بقواعده في العراق.

قبل الانسحاب الأخير من العراق، سلمت واشنطن قاعدة عين الأسد الجوية في الأنبار للحكومة العراقية (يناير/كانون الثاني الماضي)، وهي نقطة عسكرية محورية بالنسبة للجيش الأمريكي، وكانت تضم قوات للتحالف بقيادة الولايات المتحدة في غرب العراق.

وسبقها تسليم قاعدة الحبانية عام 2020، ومن ثم حصل تجميع تدريجي للقوات الأمريكية في قواعد أمريكية بكردستان العراق.

وتصف واشنطن هذا الانسحاب بأنه إعادة تموضع محسوبة، وليس انسحابا مفاجئا أو كاملا، إذ ستظل على اتصال بالعراق، بهدف المساعدة وتقديم المشورة وتمكين بغداد في مكافحة الإرهاب بعد تلك الفترة، وفق تصريحات لمسؤول في وزارة الحرب الأمريكية.

وركزت خطة وزارة الحرب الأمريكية على تقليص الوجود الأمريكي في العراق ليقتصر على إقليم كردستان فقط، بحيث يبقى الوجود محدودا هناك بعد إنهاء الوجود في بقية المحافظات، مع التركيز على مهام مكافحة الإرهاب.

 5- هل الانسحاب الأمريكي من سوريا يعني نهاية الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة؟

الانسحاب من سوريا والعراق لا يعني نهاية الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، بل إعادة ترتيب أوراقها بما يتناسب مع أولويات واشنطن الجديدة، وخاصة بعد نتائج الاجتماع الذي انعقد في الأردن في أبريل/نيسان الماضي، اتفق خلاله وزراء خارجية ورؤساء أجهزة الاستخبارات كل من الأردن والولايات المتحدة الأمريكية والعراق وتركيا وسوريا، على أن تكون الأخيرة مركز التنسيق الدولي لمكافحة داعش والمخاطر الإرهابية الأخرى.

وأشارت تقارير وكالة رويترز في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى خطط أمريكية لإنشاء قاعدة عسكرية قرب دمشق، في إطار دعم تنفيذ اتفاق أمني تتوسط فيه الولايات المتحدة بين سوريا وإسرائيل.

وتعكس هذه الخطط أن واشنطن تعمل على إعادة ترتيب علاقاتها الإستراتيجية مع دمشق بعد سقوط بشار الأسد، وأن الانسحاب من قواعد شمال وشرق سوريا لا يعني التخلي عن القدرة على التأثير الأمني والسياسي في البلاد.

محللون عسكريون وسياسيون يشيرون إلى أن الانسحاب من سوريا يمثل تحويل التركيز من الوجود المباشر في الأرض إلى القدرة على التأثير عن بعد، مع الاستفادة من التحالفات الإقليمية والقدرات الجوية والاستخباراتية لمراقبة التهديدات، خصوصا فلول تنظيم “داعش” والمخاطر الإرهابية الأخرى.

المصدر: الجزيرة + وكالات

——————————

قاعدة الشدادي العسكرية: منصة التحالف الدولي ونقطة الارتكاز في جنوب الحسكة

15 فبراير 2026

مع تسارع التطورات الميدانية في شمال شرقي سوريا، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتكشف بتسلم الجيش السوري قاعدة الشدادي العسكرية من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

يأتي هذا التسليم في سياق انسحاب أميركي متسارع من مناطق شمال شرقي سوريا باتجاه الأراضي العراقية، بالتزامن مع التقدم الميداني للحكومة السورية وسيطرتها على مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في مشهد يعيد رسم الخرائط العسكرية في المنطقة.

وبرزت قاعدة الشدادي العسكرية خلال السنوات الأخيرة كلاعب رئيسي ومحوري في المشهد العسكري والأمني بشرق سوريا. لم تكن مجرد موقع عسكري عادي، بل تحولت إلى واحدة من أهم نقاط الارتكاز اللوجستي للتحالف الدولي و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في حربهما ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

ولا تقتصر أهمية هذه القاعدة على حجمها أو تعداد القوات المتمركزة فيها، بل تتعداها إلى موقعها الجيوستراتيجي الفريد الذي يربط المحافظات الشرقية، وارتباطها الوثيق بملف معتقلي التنظيم.

أهمية استراتيجية وأمنية قصوى

تقع قاعدة الشدادي العسكرية على أطراف بلدة الشدادي النفطية في الريف الجنوبي لمحافظة الحسكة، على بعد كيلومتر واحد من معمل الغاز في المنطقة.

هذا الموقع الجغرافي يمنحها أهمية بالغة، فهي تشكل نقطة وصل وحلقة اتصال رئيسية بين محافظتي الحسكة ودير الزور، مما يجعلها بوابة استراتيجية للتحكم في الطرق والمناطق التي شهدت نشاطًا مكثفًا لخلايا التنظيم خلال السنوات الماضية.

تتعاظم أهمية القاعدة لكونها كانت مجهزة بالكامل لاستقبال الطيران المروحي وإقلاع الطائرات المسيّرة بمختلف أنواعها، ما جعلها منصة انطلاق رئيسية لعمليات التحالف الدولي منذ عام 2016.

وقد اعتمدت عليها قوات “قسد” والتحالف بشكل كبير، ليس فقط في ملاحقة خلايا التنظيم ولكن أيضًا في تأمين محيط مراكز الاحتجاز والمخيمات القريبة التي كانت تضم آلاف المعتقلين وعائلاتهم من عناصر التنظيم، وعلى رأسهم مخيم الهول.

تحولات متسارعة وانعكاسات على الأرض

على غرار العديد من المناطق في شمال وشرق سوريا، شهدت قاعدة الشدادي تحولات دراماتيكية تعكس تقلبات المشهد العام. فقد كانت القاعدة نقطة تمركز حيوية لقوات التحالف الدولي، حيث بلغ عدد العناصر الأميركيين فيها حوالي 350 عنصرًا. وقد أشرفت هذه القوات خلال الفترة الماضية على ترتيبات معقدة تتعلق بنقل أكثر من 5700 معتقل من عناصر التنظيم إلى العراق، في خطوة تهدف إلى إفراغ المنطقة من أي أوراق ضغط قد تستخدمها القوات الكردية في مفاوضاتها مع الحكومة السورية.

وتأتي عملية تسليم القاعدة اليوم للجيش السوري، بعد تنسيق مباشر مع الجانب الأميركي، ضمن سياق أوسع تشهده البلاد. هذا التسليم، الذي تم بطريقة منظمة بعيدًا عن سيناريو الانسحاب الفوضوي، يمثل تتويجًا لتطورات ميدانية وسياسية متسارعة، أبرزها الاتفاق الشامل الذي أُعلن بين الحكومة السورية و”قسد” لدمج المؤسسات وإنهاء الانقسام. وقد سبق هذه الخطوة بأيام تسلّم الجيش السوري لقاعدة التنف الحدودية مع العراق والأردن، مما يؤكد نية واشنطن تنفيذ انسحاب متتابع ومنسق.

التحديات الراهنة والمستقبلية

مع انتشار الجيش السوري في القاعدة وتأمين محيطها، وبدء قوات حرس الحدود استلام مهامها لضبط الشريط الحدودي مع العراق، تبدأ مرحلة جديدة من التحديات. أبرز هذه التحديات يكمن في الحفاظ على الأمن ومنع عودة نشاط خلايا تنظيم “داعش” التي تستغل أي فراغ أمني. ورغم الانسحاب، تؤكد القيادة المركزية الأميركية استمرار عملياتها ضد التنظيم، ولو عبر الضربات الجوية، كما حدث خلال الأيام الماضية.

يمثل تسلّم قاعدة الشدادي خطوة عملية على طريق استعادة الدولة السورية سيطرتها الكاملة على كامل أراضيها، وإعادة انتشار مؤسساتها العسكرية والأمنية في المناطق التي كانت خارج سيطرتها. كما أنها تعكس تحولًا في قواعد اللعبة من السيطرة عبر القوة إلى إعادة الترتيب عبر التفاهمات، في مشهد يعيد رسم الخريطة العسكرية في شمال شرق سوريا بشكل جذري.

———————————-

بعد انسحاب أميركا.. كيف تدير دمشق ملف مكافحة الإرهاب؟

15 فبراير 2026

فرضت التحركات الميدانية للجيش السوري في منطقة الجزيرة تحديات أمنية وعسكرية متزايدة، عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وعودة محافظتي الرقة ودير الزور وأجزاء واسعة من محافظة الحسكة إلى سيطرة الحكومة المركزية، بالتزامن مع بدء انتشار وحدات الجيش وقوات الأمن العام في مناطق السيطرة الجديدة، حيث برزت حاجة ملحة إلى ملء الفراغ الأمني شرق البلاد، لا سيما في ظل مخاوف من إعادة تموضع تنظيم “داعش” مستفيدًا من امتداداته الجغرافية في تدمر بريف حمص الشرقي.

كما شكّلت الانسحابات الأميركية المتتالية من القواعد العسكرية شرق سوريا تحديًا إضافيًا لدمشق، خاصة بعد الإعلان الأخير لانسحاب الجيش الأميركي من قاعدة الشدادي، وقبلها قاعدة “التنف” ذات الموقع الاستراتيجي في المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، وكانت القاعدة قد أُنشئت عام 2014 كمركز رئيسي لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، ما يضع على عاتق دمشق مسؤولية أكبر في ضبط الإيقاع الأمني شرقًا وجنوبًا.

سيطرة أم إعادة انتشار؟

يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية غسان يوسف أن ما جرى في شرق البلاد هو عملية “إعادة انتشار” للجيش السوري والقوات الأمنية عقب انسحاب “قسد” المتسارع، وليس سيطرة كاملة بالمعنى العسكري، ويوضح أن تعزيزات عسكرية نُقلت من مناطق مختلفة إلى الشرق لملء الفراغ، إلا أن تحقيق سيطرة مستقرة يتطلب معالجة تحديات أمنية معقدة، في مقدمتها خطر تنظيم “داعش”، الذي يسعى إلى إعادة تنظيم صفوفه واستعادة شبكات اتصاله السابقة.

في المقابل، يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد فايز الأسمر أن فرقتين عسكريتين انتشرتا منذ اللحظات الأولى لتحرير الجزيرة السورية، من محيط عين العرب حتى معبر اليعربية في الحسكة، مشيرًا إلى أن هذه القوات مدربة وثبّتت مواقعها في المنطقة، كما انتشرت قوات الأمن العام في مواقعها، وتم تفعيل الوحدات الشرطية في المناطق المحررة، إضافة إلى نشر وحدة خاصة لمكافحة الإرهاب لمواجهة المخاطر الأمنية شرق البلاد.

ويشير الأسمر إلى كفاءة الأمن العام شرقًا وسرعة استجابته، خاصة عقب حادثة هروب سجناء داعش من سجن “الشدادي”، وتطويق المدينة وإعادة الفارين الذين أفلتتهم قسد، فضلًا عن التعامل مع ملف انتشار السلاح وضبط التوترات العشائرية.

تحديات أمنية مستمرة

رغم اتفاق وقف إطلاق النار الشامل بين الجيش السوري و”قسد”، يرى الباحث يوسف أن الوضع الأمني شرق البلاد لا يزال هشًا، في ظل استمرار العمل على ملفات الدمج العسكري والأمني، التي لم تُحسم بشكل نهائي، وينص الاتفاق على دمج “قسد” ضمن أربعة ألوية تتبع فرقة عسكرية في الجيش السوري، ما يجعل آليات التنفيذ أحد أبرز التحديات الراهنة.

من جانبه، يعتبر العميد الأسمر أن تنظيم “داعش” يمثل التحدي الأمني الأبرز، نظرًا لامتداده في جغرافيا صحراوية واسعة تصل بين تدمر وأرياف دير الزور والرقة، إضافة إلى التداخل الحدودي مع العراق شرقًا والأردن جنوبًا، وامتداده غربًا نحو محور أثريا–خناصر، حيث توفر هذه العوامل بيئة مناسبة لعمليات التمويه والتنقل في عمق البادية، وتنفيذ هجمات وفق استراتيجية “الذئاب المنفردة”، رغم ضعف التنظيم وتشتت قوته في الوقت الحالي.

انسحاب أميركي ومسؤوليات جديدة

تتوالى انسحابات القوات الأميركية من قواعدها في شرق سوريا، حيث انسحبت من قاعدتي خراب الجير في رميلان شمال شرقي الحسكة و”الشدادي”، إضافة إلى “التنف”، وبحسب مصادر عسكرية، أرسل الجيش السوري قوات إلى قاعدة “التنف” لسد الفراغ الناجم عن الانسحاب الأميركي.

يشير العميد الأسمر إلى أن القوات الأميركية اعتمدت في عملياتها سابقًا على “جيش سوريا الحرة”، وهو تشكيل عسكري سوري تلقى تدريبًا وتسليحًا أميركيًا، واكتسب خبرة في محاربة “داعش”، لافتًا إلى أنه بات حاليًا ضمن وحدات مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية السورية، ويرى أن تسلّم دمشق هذا الملف تحت مظلة التحالف الدولي يعزز قدرتها على مواجهة التنظيم المتطرف بدعم مباشر من التحالف.

في المقابل، يحذر يوسف من أن تسلم دمشق لهذا الملف يضعها أمام تحديات إضافية، من بينها تحييد التعامل مع جماعات متشددة أخرى لا تنتمي إلى “داعش” لكنها تتبنى فكرًا جهاديًا متطرفًا، فضلًا عن الحاجة إلى إعادة ترتيب المشهد الإداري والأمني بما يضمن استقرارًا طويل الأمد في المنطقة.

وبين إعادة الانتشار العسكري والسعي إلى تثبيت السيطرة الكاملة، تبقى منطقة الجزيرة أمام اختبار أمني معقد، يتداخل فيه المحلي بالإقليمي، وتفرض نتائجه ملامح المرحلة المقبلة في شرق سوريا.

————————-

أعداد سجناء “داعش” المنقولين من سورية إلى العراق وجنسياتهم/ محمد علي

16 فبراير 2026

حصل “العربي الجديد” على وثيقة صادرة عن وزارة العدل العراقية تكشف العدد الإجمالي لعناصر تنظيم “داعش” الإرهابي الذين تسلّمتهم السلطات العراقية خلال الأسابيع الأخيرة. وتظهر الوثيقة أنّ السجناء يحملون جنسيات 61 دولة عربية وأجنبية، فيما كشف مسؤول عراقي بارز أن التحقيق مع السجناء قد بدأ فعلياً مع تدوين أقوالهم وعزلهم في أقسام متعدّدة حسب خطورتهم أو طبيعة التهم المنسوبة إليهم.

وتؤكد الوثيقة تسلّم إدارة سجن الكرخ المركزي المعروف سابقاً باسم “كروبر”، 5704 سجناء وزعوا على أقسام عدّة. ويقع هذا السجن، المعروف بأنه شديد التحصين، قرب مطار بغداد الدولي، واستعملته القوات الأميركية في عملية احتجاز الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وكبار قيادات نظام صدام بعد العام 2003.

وثيقة بأعداد سجناء داعش في العراق

وتصدّرت سورية القائمة بـ3544 سجيناً، تلتها العراق بـ460 سجيناً، ثم تونس بـ334، وتركيا بواقع 181 سجيناً، والمغرب (187)، ومصر (116) وروسيا (130) وتركمانستان (65) والسعودية (68) وطاجيكستان (63) وأذربيجان (55)، ثم جاءت باقي الجنسيات، وفقاً للتفاصيل المبينة في الوثيقة المرفقة.

وتظهر الإحصائية أن عدد العراقيين يُشكل 8% فقط ممن جرى استلامهم فعلياً من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بوساطة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، ويمثل السوريون نحو 62% من إجمالي السجناء، ما يعادل 3455 سجيناً.

أطفال عناصر “داعش” في مخيم الهول، 21 يناير 2026 (عمر حج قدور/فرانس برس)

وقال مسؤول أمني عراقي، لـ”العربي الجديد”، إنّ عملية التحقيق بدأت فعلياً مع المعتقلين، من خلال ضباط وقضاة تحقيق، مع توثيق الإفادات بالصوت والصورة، وأضاف المسؤول أنّ المسألة قد تستغرق شهوراً، لكن جرى الاعتماد على البيانات والمعلومات التي تسلمها العراق من التحالف الدولي، في توزيع المعتقلين حسب خطورتهم أو الدور الذي كانوا يتولونه داخل “داعش”، لافتاً إلى أن “الإجراءات الأمنية كافية عند السجن، ومسألة تشكيلهم تهديد خارج أسوار السجن احتمالاته صفر”، على حد قوله.

والجمعة الماضي، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، إتمام عملية نقل معتقلي تنظيم “داعش”، المحتجزين في سورية إلى العراق، في عملية استغرقت 23 يوماً، بحسب البيان الأميركي، الذي أكد أن “القوات الأميركية نقلت أكثر من 5,700 مقاتل من الذكور البالغين المنتمين إلى تنظيم “داعش” من مراكز الاحتجاز في سورية إلى عهدة السلطات العراقية”.

ونقل البيان عن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، قوله: “نثمّن قيادة العراق وإدراكه أن نقل المحتجزين أمرٌ أساسي للأمن الإقليمي”، وتولت القوات الأميركية التخطيط والتنسيق وتنفيذ المهمة، كما نقل البيان عن اللواء في الجيش الأميركي كيفن لامبرت، قائد قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب أن “التنفيذ الناجح والمنظم والآمن لعملية النقل هذه سيساعد في منع عودة تنظيم داعش للظهور مجدداً في سورية.”

والسبت الماضي، قال المتحدث باسم وزارة العدل أحمد لعيبي لوكالة الانباء العرقية (واع)، إنه جرى إيداع السجناء في “سجن الكرخ المركزي وجرى تأهيل القاعات وتصنيف الإرهابيين من خلال قاعدة البيانات التي زُوِّدَ العراق بها من التحالف الدولي”، مشيراً إلى عزل للمعتقلين من الجنسيات، الكندية والأميركية والبريطانية والأوكرانية والهندية والأسترالية والبلجيكية والجورجية والدنماركية.

عناصر من قوات الأمن العراقية عند معبر القائم الحدودي مع سورية (فرانس برس)

لكن الخبير الأمني العراقي أحمد الموسوي، قال لـ”العربي الجديد”، إنّ غالبية الذين يحملون الجنسيات الأوروبية أو غير العربية، هم من أصول عربية بالأبوين أو أنهم مكتسبون لها بسنوات سابقة، خاصة دول ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وجزر المالديف. وأضاف الموسوي، أن “العراق قرر فعلياً التواصل مع دول عدّة لتسلّم النزلاء الذين يحملون جنسياتها، ممن ثبت أنهم لم يدخلوا إلى الأراضي العراقية، وأن ما اقترفوه كان داخل سورية فحسب، ولم يتورطوا بأي نشاط ضد مواطنين عراقيين”.

وتعليقاً على الوثيقة، أكد أن المعلومات المتوفرة لديه تؤكد أن العراق سيصدر لائحة رسمية بأسماء المعتقلين وجنسياتهم، إيذاناً بتحرك دبلوماسي يهدف لإبعاد الذين لم يتورطوا بعمليات إرهابية في العراق، إذ يمكن لدولهم محاكمتهم وفقاً لقوانينها النافذة المتعلقة بالانتماء والمشاركة بأعمال جماعة إرهابية.

وأمس الأحد، قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إنّ بلاده تتحمل “مسؤوليات أمنية كبيرة نيابة عن المجتمع الدولي، لضمان استمرار الأمن والاستقرار”. وأضاف، خلال لقاء مع السفير البلجيكي، سيرج ديكشن، أنّ “اللقاء شهد مناقشة ملف سجناء تنظيم داعش الإرهابي، إذ أكد رئيس الوزراء أن العراق يتحمل مسؤولية جسيمة في احتجاز عناصر التنظيم ومحاكمتهم وفق المعايير الدولية، داعياً الدول إلى استعادة رعاياها من المسجونين وتقديمهم إلى العدالة”.

العربي الجديد

——————————

 العراق يكشف جنسيات عناصر “داعش” المنقولين من سوريا

2026.02.15

أعلنت وزارة العدل العراقية أمس السبت، أن عدد عناصر تنظيم “داعش” الذين نُقلوا من السجون السورية إلى العراق بلغ 5703 سجناء ينتمون إلى 61 دولة.

وقال المتحدث باسم الوزارة محمد لعيبي، في تصريح لـوكالة الأنباء العراقية إن عدد السجناء الكلي بلغ 5703 من 61 دولة، بينهم 4253 عربياً و983 أجنبياً، موضحاً أن العراقيين يشكلون 467 سجيناً، في حين بلغ عدد السوريين 3543.

وأشار لعيبي إلى أن أعلى الأعداد المسجّلة كانت من المغرب (187)، وتركمانستان (165)، وتركيا (181)، وتونس (234)، وروسيا (130)، ومصر (116).

وأضاف أن السلطات العراقية قامت بتأهيل القاعات في سجن الكرخ المركزي، وتصنيف السجناء استناداً إلى قاعدة بيانات زوّد بها العراق من قبل التحالف الدولي.

“عناصر شديدو الخطورة” وتهم كيميائية

من جانبه، أعلن “المركز الوطني للتعاون القضائي” في العراق أن التحقيقات مع عناصر “داعش” القادمين من سوريا قد تستغرق ما بين 4 إلى 6 أشهر، وأكد المركز أن القائمة تضم عناصر “شديدي الخطورة” متهمين باستخدام أسلحة كيميائية، مشدداً على أنه لن يتم تسليم أي معتقل لدولته قبل إكمال الإجراءات القضائية والتحقيقية داخل العراق.

نهاية دور “قسد” في الملف

تأتي عمليات النقل هذه في أعقاب تصريحات لافتة للمبعوث الأميركي إلى دمشق، توم باراك، اعتبر فيها أن دور “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في التصدي للتنظيم قد انتهى، مما استدعى البدء بتفريغ مراكز الاحتجاز والمخيمات التي كانت تديرها في سوريا ونقل المعتقلين إلى مراكز أكثر استدامة وتخضع لإشراف قضائي دولي وعراقي.

يُذكر أن العراق يطالب المجتمع الدولي باستمرار بضرورة استعادة الدول لمواطنيها المحتجزين بتهم الإرهاب، في حين أصدرت المحاكم العراقية خلال السنوات الماضية مئات الأحكام بالإعدام والسجن المؤبد بحق عناصر محليين وأجانب أدينوا بالانتماء للتنظيم.

——————————

 عقب ضربات التحالف.. الأمن الداخلي ينفذ حملة أمنية واسعة ضد “داعش” في دير الزور

2026.02.15

كشفت صحيفة ذا ناشيونال أن قوات الأمن السورية نفذت حملة أمنية واسعة استهدفت مخابئ ومواقع كان يستخدمها تنظيم “داعش” في بادية دير الزور، وذلك عقب ضربات جوية أميركية طالت أكثر من 100 موقع مرتبط بالتنظيم.

وبحسب الصحيفة، جاءت العمليات البرية للقوات السورية في أعقاب حملة جوية أميركية مكثفة، ضمن تحرك منسق استهدف تقويض قدرات التنظيم وإعادة ضبط نشاطه في المناطق الصحراوية الممتدة شرقي البلاد.

وأوضحت أن هذه التحركات تمت في إطار تنسيق أمني مباشر بين دمشق وواشنطن، ضمن جهود التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، في مؤشر إلى تصاعد مستوى التعاون العملياتي بين الطرفين في مواجهة خلايا التنظيم النشطة في البادية السورية.

الجيش الأميركي يضرب مواقع لـ “داعش” في سوريا

وأعلنت قوات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس السبت تنفيذ 10 ضربات دقيقة ضد أكثر من 30 هدفاً لتنظيم “داعش” في سوريا، وذلك في الفترة من 3 إلى 12 شباط الجاري.

وأوضحت القيادة المركزية الأميركية في بيان أن الضربات استهدفت البنية التحتية ومواقع تخزين الأسلحة الخاصة بتنظيم “داعش”، باستخدام ذخائر دقيقة أُطلقت من طائرات ثابتة الجناحين، وطائرات دوارة الجناحين، وطائرات من دون طيار.

وأضافت أن هذه الضربات تأتي ضمن سلسلة من العمليات العسكرية التي بدأت في كانون الأول 2025 ردا على هجوم لتنظيم “داعش” أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم أميركي في تدمر.

——————————

منع عائلات أسترالية مرتبطة بمقاتلي “داعش” من الوصول إلى دمشق

16 فبراير 2026

أفادت هيئة الإذاعة الأسترالية “ABC News” بأن الحكومة السورية منعت مجموعة عائلات أسترالية المرتبطة بمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” من الوصول إلى دمشق، تمهيدًا لمغادرتها إلى أستراليا.

وبحسب الهيئة، فإن 11 عائلة تضم 34 شخصًا غادرت، صباح اليوم الإثنين، مخيم روج في محافظة الحسكة باتجاه العاصمة دمشق، استعدادًا لسفرها لاحقًا إلى أستراليا، غير أن قوى الأمن السورية أوقفت موكبها ومنعته من متابعة الطريق، ما اضطره إلى العودة مجددًا إلى المخيم.

وذكرت أن العائلات كانت قد حصلت بالفعل على جوازات سفر أسترالية، وأن موكبها كان برفقة عناصر من قوات الأمن الكردية، التي تسيطر على أجزاء من شمال شرقي سوريا، بما في ذلك المنطقة التي يقع فيها المخيم.

من جهتها، قالت وكالة “فرانس برس”، نقلًا عن مسؤول كردي، إن عودة عائلات عناصر التنظيم إلى المخيم جاء نتيجة سوء تنسيق مع دمشق، مشيرةً إلى أن إدارة المخيم سلّمتهم، نساء وأطفال، إلى وفد من عائلاتهم.

ونقلت “فرانس برس” عن مسؤول من إدارة المخيم لفرانس برس أنه “بعد خروج العائلات في حافلات كانت وجهتها دمشق، عادوا أدراجهم” جراء “سوء التنسيق بين ذويهم والحكومة في دمشق”، مضيفًا أن الوفد الأسترالي، ويضم ممثلين عن عائلاتهم، يعملون على حل الموضوع مع السلطات في دمشق.

في المقابل، قالت الحكومة الفيدرالية الأسترالية، في بيان، إنها لن تساعد العائلات على العودة، مؤكدة أن “الحكومة الأسترالية لا تقوم ولن تقوم بإعادة أشخاص من سوريا”، وفق هيئة الإذاعة الأسترالية.

وأضاف البيان أن الأجهزة الأمنية تواصل مراقبة الوضع في سوريا لضمان استعدادها لأي أستراليين يسعون للعودة، مشددًا على أن من يثبت ارتكابه جرائم سيواجه “كامل قوة القانون” عند عودته، وأن سلامة الأستراليين وحماية المصالح الوطنية تبقى “الأولوية القصوى”. ولم تؤكد الحكومة الأسترالية ما إذا كانت قد أصدرت جوازات سفر للمجموعة المذكورة.

—————

===================

تحديث 14 شباط 2026

——————————

تحذيرات دولية من تصاعد تهديد “داعش”: هل يستعيد التنظيم نشاطه عبر الجغرافيا الهشّة؟/ رامي شفيق

سيناريوهات عودة “داعش”: خلايا نائمة وذئاب منفردة تستثمر الفوضى والفراغ الأمني

2026-02-13

تكشف سيناريوهات تصاعد تهديدات تنظيم “داعش” عن عودة هذا الخطر إلى الواجهة، في ظل جملة من المتغيرات الأمنية والسياسية، وضمن سياقات دولية معقّدة وضاغطة، تُسهم في رفع منسوب الهجمات المحتملة، ما بين عمليات محدودة ذات طابع أمني ـ استخباراتي، ومحاولات أكثر خطورة تهدف إلى إعادة تنشيط الشبكات النائمة واستثمار البيئات الهشّة في الجغرافيا الساخنة لمنطقة الشرق الأوسط.

وتكمن خطورة هذا الملف في تداخله مع عوامل بنيوية متعددة، في مقدمتها هشاشة بعض المناطق الأمنية، وتحديات إدارة السجون ومراكز الاحتجاز، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية. فوجود أعداد جديدة من عناصر تنظيم “داعش” في نقاط محددة لا يمثل تهديدًا بذاته فحسب، بل قد يشكّل رافعة تنظيمية ومعنوية للتنظيم، تُستخدم في إعادة بناء الروابط الداخلية، واستعادة سرديات المظلومية، وتحفيز عمليات التجنيد والتعبئة.

وعليه، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لعودة نشاط التنظيم، تبدأ بـتصعيد هجمات الاستنزاف منخفضة الكلفة في المناطق المتنازع عليها والحدودية، مروراً بمحاولات اختراق السجون وتهريب العناصر، وصولًا إلى تفعيل هجمات الذئاب المنفردة أو الخلايا الصغيرة في بيئات غير متوقعة.

“تنظيم ينشط”

في هذا السياق، يقول عمر الرداد، الخبير الأمني والاستراتيجي، إن سيناريو تنشيط خلايا تنظيم “داعش” النائمة يُعدّ أحد السيناريوهات المطروحة بقوة. ويلفت إلى أن هذا التنظيم ينشط بطبيعته في البيئات التي تشهد فوضى أمنية واضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية، إضافة إلى الانقسامات والصراعات الداخلية، وهي ظروف تتيح له إعادة التحرك بسهولة.

ويحذر الرداد في حديثه لـ”963+” من أن تنظيم “داعش” يمتلك قدرة عالية على التكيّف مع الظروف المحيطة، موضحاً أنه في حال تعرضه لضربات أمنية أو نشاط أمني مضاد، يلجأ إلى الكُمون الاستراتيجي والتكتيكي لفترات طويلة، بانتظار توافر الظروف المناسبة للانقضاض والانتشار مجدداً.

ويضيف الخبير الأردني أن الخسائر الكبيرة التي مُني بها التنظيم في سوريا والعراق تضعه اليوم في وضع صعب للغاية، إلا أن ذلك “لا يعني انتهاء التنظيم أو زواله بالكامل”، مشدداً على أن إمكانياته لا تزال موجودة، وإن كانت أقل مما كانت عليه في السابق.

ويؤكد أن الأخطر من قدرات التنظيم العسكرية هو استمرار ما وصفه بـ”الظروف المُؤسِّسة” لنشاطه، والمتمثلة في الفوضى، والانقسامات الإقليمية والاجتماعية، وانتشار الفقر، وغياب العدالة، واستمرار النزاعات الطائفية، وهي كلها عوامل تُشكّل بيئة مناسبة لعودة نشاط “داعش”.

ويشير إلى وجود خلايا للتنظيم في مناطق عدة، معتبراً أنها قد تكون قادرة على التحرك في اللحظة المناسبة مستقبلاً.

وفيما يتعلق بالامتدادات الإقليمية، يلفت الرداد إلى ما وصفه بـ”الخيوط الخفية” المرتبطة بإيران، مشيراً إلى أن تنظيم القاعدة أصدر مؤخراً بياناً هدّد فيه الولايات المتحدة والغرب في حال شن أي هجوم على إيران، متعهداً بتنفيذ عمليات والدفاع عنها. ورغم التشكيك في مصداقية مثل هذه البيانات، إلا أنه لم يستبعد وجود علاقات أو مصالح متبادلة، قد تدفع بعض الأطراف إلى غضّ الطرف عن نشاط تيارات من “داعش” أو “القاعدة”، بهدف تبرير تدخلها تحت عنوان “مكافحة الإرهاب” وإقناع المجتمع الدولي بأنها تحاربه.

ويستشهد بما حدث عام 2014، حين سمح لتنظيم “داعش” بضرب الجيش العراقي، والسيطرة على بنوك ومقدرات عسكرية في الموصل وغيرها من المناطق.

“الذئاب المنفردة”

وفيما يخص سيناريو “الذئاب المنفردة”، يقول الرداد إن هذا الاحتمال وارد جداً، موضحاً أن “الذئاب المنفردة قد تكون عناصر كامنة أو خلايا نائمة، أو حتى أفراداً لا يظهرون ارتباطاً مباشراً بالتنظيم، لكن يتم تكليفهم في لحظات معينة بتنفيذ عمليات محددة ذات أثر إعلامي، كما حدث في أوروبا عبر الهجمات على الكنائس أو عمليات الدهس”.

ويضيف أنه في سوريا، “قد نشهد مثل هذه العمليات في ظل التضييق المتزايد على داعش، لا سيما بعد الاتفاقات الأخيرة وسيطرة الدولة السورية على غالبية المناطق”.

ورغم ذلك، يشير إلى أن “التنظيم لا يزال موجوداً في الأنفاق والمناطق الصحراوية، خصوصاً في المنطقة الحدودية السورية – العراقية الواسعة، التي ما زالت تشكّل ملاذاً آمناً له”.

ويختم الرداد بالقول إن خطر الذئاب المنفردة لا يقتصر على سوريا أو العراق فحسب، بل قد يمتد إلى ساحات عربية وأوروبية، داعياً إلى الانتباه للجماعات التي تتبنى فكر “داعش” دون ارتباط تنظيمي مباشر، والتي قد تنفذ عمليات يتبناها التنظيم لاحقاً على أنها من تنفيذ عناصره”.

إلى ذلك، حذرت الأمم المتحدة، من تهديد تنظيم “داعش”، مشيرة إلى أنه ازداد بشكل مطرد منذ أواسط عام 2025 وأصبح أكثر تعقيداً.

وأشار وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بالإنابة، ألكسندر زوييف، في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، إلى مواصلة تنظيم “داعش” وفروعه توسيع نطاق حضورهم في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، مع استمرار شن الهجمات في العراق وسوريا.

وقال زوييف: “في أفغانستان، لا يزال تنظيم داعش في ولاية خراسان يشكل أحد أخطر التهديدات للمنطقة وخارجها”.

ويلفت إلى أن الهجوم المسلح الذي شهد شاطئ بونداي في سيدني بأستراليا في شهر كانون الأول ديسمبر الماضي وأسفر عن 15 قتيلا، كان مستوحى من أيديولوجية تنظيم “داعش”.

وتابع أن التنظيم أعلن في الشهر الماضي مسؤوليته عن هجوم نادر استهدف المطار الرئيسي في النيجر، مؤكدا تصاعد قوة التنظيم في منطقة الساحل. كما تبنى قبل أيام هجوما على مطعم صيني في كابول أوقع سبعة قتلى.

من جهتها، تحدثت رئيسة المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة عن كيفية تحديث تنظيم “داعش” أساليبه، مؤكدة أن التنظيم والجماعات الأخرى “وسعوا نطاق استخدامهم للأصول الافتراضية، بما في ذلك العملات المشفرة، إلى جانب أدوات الإنترنت، وأنظمة الطائرات المسيرة، والتطبيقات المتقدمة للذكاء الاصطناعي”.

وأضافت: “يستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد لتعزيز التطرف والتجنيد الإرهابي، حيث يُستهدف الشباب والأطفال بشكل متعمد”.

بدوره يلفت جاسم محمد، رئيس المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب والدراسات الاستخباراتية، إلى أن ترحيل ونقل أعداد كبيرة من عناصر تنظيم “داعش” إلى العراق يُعدّ تهديداً قائماً للأمن القومي العراقي، ولا سيما في ظل غياب البنى التحتية وضعف الإدارة.

ويشدد على أن التحدي الأكبر يتمثل في توفير البنية التحتية والإدارة اللازمة للتعامل مع هذا النوع من المقاتلين، فبرغم امتلاك جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي خبرة ميدانية كبيرة، إلا أن هشاشة الوضع السياسي قد تزيد من تعقيد هذا الملف الحساس.

ومن جانبه، يحذر محمد في حديثه لـ”963+” من أن وجود هؤلاء العناصر قد يستغله التنظيم في تغذية خطاب المظلومية، وتصويرهم كرهائن أو أسرى لأغراض دعائية، ولا يستبعد في هذا السياق إمكانية تهريب بعضهم أو إعادة ارتباطهم بالتنظيم داخل العراق، خصوصاً في المناطق الأمنية الهشة، مثل غرب العراق، ومناطق حمرين، وكركوك، ومناطق أخرى. ويستنتج أن جميع هذه العوامل تجعل من هذا الملف تهديداً مباشراً ومستمراً للأمن القومي العراقي.

ويؤكد أن وجود هذا العدد من السجناء قد يُسهم في تنشيط تنظيم “داعش” داخل العراق، من خلال إيجاد قنوات تواصل بين عناصر التنظيم في الخارج وهؤلاء السجناء.

وفيما يتعلق بظاهرة الذئاب المنفردة، يرى محمد أن هذا النمط من العمليات يُعدّ أكثر حضوراً في أوروبا، لا سيما فيما يخص المقاتلين الأجانب، في حين أن تنظيم داعش في العراق ما زال تنظيماً ذا طابع مناطقي يعتمد على مجموعات محلية محدودة.

عمليات محدودة

ويشير إلى أن التنظيم في الوقت الراهن غير قادر على تنفيذ عمليات واسعة أو انتحارية كبيرة داخل العراق، وإن حدثت بعض العمليات، فإنها تبقى محدودة جداً.

أما في حال تمكن بعض المقاتلين الأجانب من التسلل إلى أوروبا، فلا يستبعد محمد إمكانية تنفيذ عمليات ذئاب منفردة هناك، لكنه يؤكد أن هذه العمليات ستظل محدودة، سواء في أوروبا أو في دول الشرق الأوسط، ولا سيما العراق وسوريا.

ويشدد على أنه، رغم استمرار التهديد، فإن التنظيم لا يزال عاجزاً عن السيطرة على الأرض أو تنفيذ عمليات واسعة النطاق.

ويخلص محمد إلى أن المناطق الأكثر نشاطاً لتنظيم “داعش” تتركز في المناطق الحدودية العراقية ـ السورية، وبادية الشام، والمنطقة الغربية من العراق، إضافة إلى كركوك وجبال حمرين، ولا يستبعد أيضًا وجود نشاط محدود للتنظيم في أطراف العاصمة بغداد.

هذا وقد حذّر رئيس جهاز المخابرات العراقي، حميد الشطري، من عودة خطر تنظيم “داعش”، مشيراً إلى تسجيل نموّ كبير في أعداد مقاتلي التنظيم داخل سوريا.

وقال الشطري، في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية نهاية الشهر الماضي، إن عدد عناصر “داعش” في سوريا ارتفع من نحو ألفي مقاتل إلى عشرة آلاف خلال عام واحد فقط، وهو رقم يتجاوز تقديرات أحدث تقرير لمجلس الأمن الدولي، الذي قدّر عدد عناصر التنظيم في سوريا والعراق معاً بنحو ثلاثة آلاف مقاتل حتى أغسطس الماضي.

وأكد الشطري أن هذا التطور يشكّل خطراً حقيقياً على العراق، موضحاً أن تنظيم “داعش”، أينما وُجد، يعمل كتنظيم واحد ويسعى إلى إيجاد موطئ قدم جديد لتنفيذ هجمات.

بدوره، يرى الكاتب السوري درويش خليفة أنه بعد انسحاب قوات التحالف الدولي من أكبر قواعده في سوريا، قاعدة التنف جنوب البلاد، المعروفة (بمنطقة 55)، يمكن القول إن تنظيم “داعش” بات مرشّحاً للاستفادة من الفراغ الأمني المحتمل في بادية الحماد، الواقعة على الطريق الواصل بين تدمر وسط البلاد ودير الزور شرقاً. وهو ما قد يفتح الباب أمام عودة تدريجية لعمليات التنظيم الخاطفة، ولا سيما تلك التي تستهدف القوات الحكومية أو القوى المحلية، على غرار هجمات سابقة نفذها ضد عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في منطقة الجزيرة السورية.

ويشير خليفة في حديثه لـ”963+” إلى أن إعادة ترتيب أوراق تنظيم “داعش” تُعدّ من أبرز التحديات الأمنية التي تواجه الحكومة الانتقالية، ولا سيما في المناطق المرتبطة مباشرةً بمستقبل التعافي الاقتصادي. فالمنطقة الوسطى من البادية تضم موارد استراتيجية، أبرزها الفوسفات، في حين تمثل المنطقة الشرقية سلة البلاد الغذائية، فضلاً عن احتوائها على ثروات النفط والغاز. غير أن هذه الأهمية الاقتصادية لا تُلغي عاملاً بالغ الخطورة، يتمثل في اتساع رقعة الفقر والبطالة في تلك الجغرافيا، وهي بيئة لطالما شكّلت مدخلاً رئيسياً للتنظيم لاستقطاب الشباب وإعادة بناء شبكاته.

وبناءً عليه، تبدو سوريا اليوم أمام خطر عودة تنظيم “داعش” بصيغة المجموعات الصغيرة المتحركة، القادرة على التمدد والتكيف لاحقاً، في حال استمرار ضعف السيطرة الأمنية واتساع الفجوات الاجتماعية. وهو ما يعني أن التهديد لا يقتصر على الداخل السوري فحسب، بل قد يتحول إلى عامل اضطراب إقليمي أوسع، يضع السلطة الحالية أمام اختبار وضغوط إقليمية ودولية بنتائج غير محسوبة.

في المقابل، لا تبدو الجغرافيا السورية في صدارة أولويات إدارة ترامب في الشرق الأوسط خلال المرحلة الراهنة، إذ تتجه الأنظار بشكل أكبر نحو إيران، وملفها النووي وبرنامجها الصاروخي الباليستي. وهو ما يرجّح استمرار حالة “خفض الاهتمام” الدولي بسوريا مرحلياً، كعامل قد يمنح تنظيم “داعش” هامشاً إضافياً لإعادة التموضع، ما لم تُعالج الثغرات الأمنية والاجتماعية بسرعة وفاعلية.

+963

————————

التحول الاستراتيجي لدمشق: ما دور سوريا كشريك مباشر في التحالف الدولي ضد “داعش”؟/ معاذ الحمد

من التنسيق إلى القرار: ما هي انعكاسات انخراط سوريا المباشر في التحالف الدولي

2026-02-13

يشكّل إعلان التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” انضمام سوريا رسمياً للعمل المباشر ضمن جهوده خطوة مفصلية في مسار العلاقات بين دمشق والتحالف بقيادة الولايات المتحدة، في تحول يعكس إعادة تموضع سياسي وأمني لسوريا داخل منظومة مكافحة الإرهاب الدولية بعد سنوات من القطيعة والعزلة.

وبموجب هذا التطور، أصبحت سوريا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 العضو رقم 90 في التحالف الذي تأسس في أيلول/سبتمبر 2014 لمواجهة تنظيم “داعش” في العراق وسوريا، ويضم عشرات الدول التي تنسق جهودها عسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً لمحاربة التنظيم وشبكاته.

انتقال من موقع الاستهداف إلى موقع الشراكة

جاء الانضمام بعد تغيرات سياسية داخلية وفتح قنوات تعاون مع واشنطن، ما نقل دمشق من موقع “هدف للعمليات العسكرية” إلى شريك مشارك في صياغة سياسات مكافحة “الإرهاب”.

ووفق ما أُعلن، يركز الاتفاق على التعاون السياسي والاستخباراتي، مع تأكيد سوري على أن الشراكة لا تتضمن التزامات عسكرية خارج الحدود.

وفي تفسير دلالات هذا التحول، يقول السياسي والديبلوماسي السوري بشار علي الحاج علي إن توصيف موقع الدول داخل التحالفات الدولية “لا يُعد توصيفاً لغوياً فحسب، بل يعكس تحولات عميقة في موازين القوة ووظائف الدولة داخل النظام الدولي”.

ويوضح أن “الفرق بين الدور التنسيقي السابق والدور الحالي كشريك مباشر يتمثل في مستوى المشاركة داخل منظومة التحالف؛ إذ يقتصر التنسيق على تبادل المعلومات والتعاون الفني، بينما تعني الشراكة المباشرة انخراطاً أوسع في تحديد الأولويات العملياتية ومناقشة الأبعاد السياسية للملف الأمني”.

ويضيف أن هذا الانتقال يترجم ميدانياً إلى حضور أكبر للدولة الشريكة في آليات التخطيط والتقييم، مع بقاء القرار النهائي خاضعاً لبنية القوة داخل التحالف الدولي.

آليات المشاركة داخل التحالف

يتيح التحالف للدول المنضمة حديثاً قنوات متعددة للتأثير، تشمل المشاركة في هياكل القيادة المشتركة، والمساهمة في صياغة التقديرات الأمنية، والانخراط في المشاورات السياسية المتعلقة بأهدافه الاستراتيجية.

ويرى الحاج علي أن هذه الصيغة تعني انتقال الدولة من موقع التعامل المحدود إلى موقع الشراكة المعترف بها ضمنياً، مشيراً إلى أن الشراكة في ملفات أمنية دولية لا تُمنح عادة إلا لأطراف يُنظر إليها باعتبارها فاعلًا يمكن الاعتماد عليه.

وبحسب تقديره، فإن انضمام الحكومة السورية الحالية إلى التحالف يمثل خطوة في مسار الاعتراف التدريجي بدورها الإقليمي والدولي، ويعكس تحولاً في مقاربة المجتمع الدولي تجاهها بوصفها جزءاً من الحل الأمني والسياسي لا مجرد موضوع للسياسات الدولية.

ومن زاوية أخرى، يقول الباحث الأردني المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية د. مروان شحادة في تصريحات لـ”963+” إن تقييم مصداقية الحكومة السورية الحالية “يجب أن يستند إلى أدائها الراهن وليس إلى تاريخ الفصائل التي اندمجت لتشكيلها”.

ويوضح أن “الهيئة الحاكمة الحالية نتاج اندماج عدة فصائل معارضة إسلامية سابقة كانت ضمن تشكيلات مثل جيش الفتح وجبهة تحرير الشام”، معتبراً أن الاستمرار في محاكمتها بناءً على مراحلها السابقة لن يسمح بفهم موقعها الحالي.

ويشير إلى أن هذه الحكومة انتقلت من إطار “التنظيم والثورة إلى إطار الدولة، ونجحت حتى الآن في انتزاع قدر من الشرعية الدولية، وإن لم يكتمل بعد، لأن المجتمع الدولي ولا سيما الولايات المتحدة لا يزال يختبر جدية سلوكها السياسي والأمني”.

ويضيف أن “سجلها في قتال تنظيم داعش يشكل عنصراً مهماً في تقييم مصداقيتها”، موضحاً أنها “تمكنت من طرد التنظيم من مناطق واسعة في شمال غرب سوريا ودفعه نحو البادية وشمال شرق البلاد، وأن هذا الأداء العسكري يعزز الثقة الدولية بقدرتها على لعب دور في جهود مكافحة الإرهاب”.

وشاركت سوريا للمرة الأولى في اجتماعات الدول الأعضاء في التحالف التي عُقدت في الرياض في شباط/فبراير 2026، حيث قدمت رؤيتها لمكافحة التنظيم، بالتوازي مع استمرار العمليات الأمنية والعسكرية ضد خلاياه في البادية ومناطق أخرى.

تداعيات على ملف قوات سوريا الديمقراطية

يثير انضمام دمشق إلى التحالف تساؤلات حول مستقبل دور قوات سوريا الديموقراطية، التي كانت الشريك المحلي الأبرز للتحالف خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، يعتبر شحادة أن الخطوة تعكس التزاماً حقيقياً من الحكومة السورية بمحاربة التنظيم، لكنها في الوقت ذاته تؤثر في موقع “قسد”، خاصة بعد الضغوط التي دفعتها إلى الاندماج في مؤسسات الدولة السورية وفق ترتيبات زمنية محددة.

ويوضح أن ملف دمج العناصر السوريين من قوات سوريا الديموقراطية في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية يمثل مساراً جدياً ومدعوماً بضمانات دولية، رغم التحديات، مشيراً إلى أن موافقة هذه القوات على الاندماج كأفراد لا ككتلة واحدة شكّلت أبرز اختبار للحكومة السورية.

كما يرى أن “الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مارسا ضغوطاً كبيرة لإنهاء هذا الملف، بعد أن كان أحد أهم أوراق النفوذ بيد “قسد” لسنوات، خصوصاً ما يتعلق بملف مقاتلي التنظيم المعتقلين وعائلاتهم في المخيمات والسجون”.

أبعاد ديبلوماسية واقتصادية

يعكس انخراط دمشق في التحالف تحولاً أوسع في المقاربة الإقليمية والدولية تجاهها، مع استعادة قنوات التواصل بينها وبين عواصم عربية وغربية في ملفات أمن الحدود ومكافحة “الإرهاب”. كما يفتح الباب أمام دعم اقتصادي وأمني مشروط من بعض الدول الأعضاء لتعزيز الاستقرار في المناطق التي شهدت نشاطاً سابقاً للتنظيم.

وتُعد زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 محطة مفصلية في هذا المسار، إذ ارتبطت مباشرة بإعلان انضمام سوريا إلى التحالف.

وفي سياق الحوافز المرتبطة بالخطوة، بدأت واشنطن بتجميد أجزاء من عقوبات “قيصر” وفتح المجال لاستثمارات محدودة في البنية التحتية والطاقة، إضافة إلى رفع بعض العقوبات عن قيادات جديدة.

كما رُفع العلم الأميركي على مقر السفارة الأميركية في دمشق في إشارة إلى استئناف الحضور الديبلوماسي تدريجياً، وهو ما منح سوريا غطاءً سياسياً لإعادة التواصل مع واشنطن ضمن استراتيجية مكافحة “الإرهاب” والاستقرار الإقليمي.

ورغم هذا التقدم، يبقى التعاون بين دمشق والتحالف مشروطاً بسلوك الحكومة السورية في ملفات حساسة مثل حقوق الإنسان وتوازن علاقاتها مع حلفائها الإقليميين.

ويربط التحالف بين زيادة الانخراط السوري في محاربة “داعش” وبين ضبط توازنات النفوذ الإقليمي مقابل توسيع التطبيع السياسي والاقتصادي.

ويرى شحادة أن نجاح الحكومة في تحقيق اعترافات إقليمية ودولية متزايدة، إلى جانب خروجها من تصنيفات الإرهاب على مستوى الفصيل والقيادات، يعزز فرص التعاون الدولي معها ويجعل هذا التعاون “خالياً حالياً من مخاطر سياسية أو اجتماعية كبيرة، في ظل انخراطها المتنامي في منظومة العلاقات الدولية والمؤسسات الأممية”.

وأكد التحالف الدولي في بيان رسمي تقديره لتضحيات قوات سوريا الديموقراطية، مع استمرار الحكومة العراقية في قيادة العمليات المشتركة ضد التنظيم، مرحباً بالاتفاق الشامل بين دمشق و”قسد”.

وشدد على أولوية نقل أسرى التنظيم إلى بلدانهم الأصلية، وتعزيز التنسيق مع سوريا والعراق، وتوسيع التعاون الميداني والأمني، بما يشمل تولي الحكومة السورية مسؤولية مرافق الاحتجاز ومخيمات عائلات مقاتلي التنظيم.

+963

——————————

 بعد عقد من الوجود الأميركي.. ماذا يعني تسلّم الحكومة السورية لقاعدة “التنف”؟/ باسل المحمد

2026.02.14

تسلّمت وزارة الدفاع السورية قاعدة التنف بعد انسحاب القوات الأميركية منها، في خطوة تنهي قرابة عقد من الوجود الأميركي في المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، وتفتح مرحلة جديدة لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية والعسكرية في البادية السورية، وسط حديث عن إعادة تموضع أميركي أوسع، وتحولات ميدانية تمتد آثارها إلى أمن الحدود، وملاحقة خلايا تنظيم “داعش”، ووضع مخيم الركبان.

ويوم الخميس، أعلنت وزارة الدفاع السورية، أن وحدات من الجيش تسلّمت قاعدة التنف عقب انسحاب القوات الأميركية منها، مؤكدةً أنها باشرت تأمين الموقع ومحيطه، وبدأت الانتشار على المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني، على أن تتولى قوات حرس الحدود توسيع مهامها خلال الأيام المقبلة.

ونشرت وكالة الأنباء “سانا” بياناً أوضحت فيه أن عملية التسلم جرت بعد تنسيق مع الجانب الأميركي، في إشارة إلى ترتيبات مسبقة سبقت الانسحاب.

الخطوة حظيت بمتابعة دولية لافتة؛ إذ وصفت رويترز الحدث بأنه تحول مهم في شكل الوجود الأميركي جنوب شرقي سوريا، مشيرة إلى أن عملية التسليم تمت بعد تنسيق بين دمشق وواشنطن.

من جهتها نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤول أميركي أن تسليم الموقع يأتي في سياق أوسع لإعادة التموضع، ويعكس تقاطع هذه المصادر أن الانسحاب لم يكن مفاجئاً أو نتيجة تصعيد مباشر، بل جزءاً من إعادة ترتيب أدوار في منطقة ظلّت طوال سنوات نقطة تماس حساسة في الصحراء السورية.

وأفادت صحيفة “واشنطن بوست” بأن انسحاباً متوقعاً للعديد من القوات الأميركية، وربما جميعها، من سوريا قد يتم خلال الأشهر المقبلة، في ظل استكمال عملية نقل آلاف المقاتلين المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم “داعش” إلى العراق.

وفي السياق، أعلنت القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم)، الجمعة، عن إكمال مهمة نقل عناصر تنظيم “الدولة” (داعش) من الأراضي السورية إلى جمهورية العراق، في عملية استمرت 23 يوماً.

موقع يتجاوز الجغرافيا.. عقدة حدودية بثلاثة أبعاد

تقع قاعدة التنف في بادية جنوب شرقي سوريا، قرب نقطة التقاء الحدود مع العراق والأردن، وعلى مسافة تقارب 24 كيلومتراً من منفذ الوليد العراقي، وبمحاذاة طريق بغداد–دمشق (M2)

هذا التموضع منحها منذ البداية أهمية استراتيجية مركّبة: فهي تشرف على محور بري حيوي يربط دمشق ببغداد، وتجاور ممرات صحراوية لطالما استُخدمت في التهريب والتنقل غير النظامي، كما تمثل نقطة تماس بين ثلاث بيئات أمنية مختلفة.

وتعززت أهمية الموقع مع وجود منشآت دعم أميركية داخل الأردن، أبرزها “Tower 22”، ما جعل “التنف” جزءاً من شبكة انتشار إقليمية مترابطة. ومن خلال هذه الجغرافيا، تحولت القاعدة إلى نقطة مراقبة متقدمة في عمق البادية، لا تقتصر وظيفتها على الدفاع المباشر عن محيطها، بل تمتد إلى مراقبة حركة الفاعلين المسلحين ومسارات الإمداد في مساحة صحراوية واسعة وصعبة التضاريس.

تطور الأدوار.. من مكافحة “داعش” إلى توازنات النفوذ

تبلور الوجود الأميركي في التنف ميدانياً عام 2016، مع تصاعد عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، وتحولت القاعدة إلى منصة تدريب وإسناد لفصيل “مغاوير الثورة” التابع للجيش الحر، ضمن نطاق أمني عُرف بـ”منطقة الـ55 كم”.

 وقد نشأت هذه المنطقة في إطار تفاهمات لخفض الاحتكاك، لكنها عملياً أسست لواقع أمني خاص حول القاعدة، جعلها أشبه بجيب منفصل داخل البادية.

لم يتراجع دور قاعدة “التنف” مع تراجع السيطرة الإقليمية لتنظيم “داعش”، إذ استمرت في تنسيق دوريات لملاحقة الخلايا النائمة لداعش، وضبط محاولات التسلل والتهريب، كما اكتسبت وظيفة استطلاعية أوسع لرصد تحركات جماعات موالية لإيران في محيطها. وتعرضت القاعدة خلال أعوام لاحقة لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، ما أدرجها ضمن مشهد التصعيد الإقليمي، وحوّلها إلى نقطة ردع ومراقبة في آن واحد.

تقارير رقابية أميركية مرتبطة بعملية “العزم الصلب”  أشارت إلى استمرار تدريب القوة الشريكة داخل نطاق الـ55 كم، وتنفيذ عشرات الأنشطة المشتركة، مع تركيز على مهام دفاعية وحفظ الاستقرار، وبذلك لم تكن التنف مجرد نقطة عسكرية ثابتة، بل مركزاً لإدارة توازن دقيق بين مكافحة الإرهاب وردع نفوذ منافسين إقليميين.

مخيم الركبان.. البعد الإنساني لتحولات “التنف”

لا يقتصر تأثير التحول العسكري في قاعدة التنف على البعد الميداني، بل يمتد مباشرة إلى مخيم الركبان الواقع ضمن نطاق الـ55 كيلومتراً المحيط بالقاعدة، والذي شكّل طوال سنوات النزاع إحدى أكثر النقاط الإنسانية تعقيداً في البادية السورية.

فقد نشأ المخيم في ظروف استثنائية، عند تقاطع الحدود والفراغ الأمني، وتحول تدريجياً إلى تجمع سكاني معزول تحكمه اعتبارات عسكرية وأمنية بقدر ما تحكمه الاحتياجات الإنسانية.

ووفق تقديرات بحثية نقلتها وكالة أسوشيتد برس، تجاوز عدد سكان المخيم خمسين ألف نسمة في ذروة الأزمة، قبل أن ينخفض خلال السنوات الأخيرة إلى ما بين سبعة وعشرة آلاف، تبعاً لاختلاف الفترات الزمنية والمصادر المعتمدة.

هذا التراجع عكس موجات مغادرة بسبب حصار النظام المخلوع والمليشيات التابعة له لهذا المخيم، ومنع قوافل المساعدات الإنسانية من الدخول إليه، لكنه لم يُنهِ حالة الهشاشة التي يعيشها من تبقى في المنطقة الصحراوية النائية.

ماذا يعني انتقال “التنف” إلى السيطرة السورية؟

مع انتقال القاعدة إلى سيطرة الحكومة السورية، تدخل المنطقة مرحلة جديدة عنوانها “ملء الفراغ” وإعادة دمج المثلث الحدودي ضمن منظومة السيطرة الرسمية، ويشير خبراء في المجال العسكري إلى أن المهام المرجّحة ستتركز على ضبط الحدود والممرات الصحراوية، وملاحقة شبكات التهريب، ومراقبة تحركات خلايا “داعش” في البادية.

وفي هذا السياق يوضح الخبير العسكري أحمد حمادة أن تسلّم قاعدة التنف يشكل نهاية مرحلة استمرت قرابة عقد من الوجود الأميركي في تلك البقعة الصحراوية، وبداية مرحلة جديدة في إدارة المثلث الحدودي، فالموقع الذي كان نقطة ارتكاز للتحالف الدولي، ومنصة مراقبة في عمق البادية، ينتقل اليوم إلى إدارة سورية رسمية، وسط حديث عن تنسيق وسياق سياسي–أمني أوسع.

ويوضح حمادي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الولايات المتحدة انسحبت من عدة قواعد مثل الشدادي والعمر شرقي سوريا، إلا أن انسحابها من قاعدة “التنف” الاستراتيجية يعني أن هناك ثقة كبيرة في الحكومة السورية للاضطلاع بالمهمات التي كانت تقوم بها هذه القاعدة مثل ملاحقة خلايا “داعش” وحفظ أمن الحدود، والتنسيق الأمني والاستخباراتي مع كل من الأردن والعراق في هذه الملفات.

وفي هذا السياق نقلت وكالة “فرانس برس” عن مصدر عسكري سوري أن التنسيق سيستمر مع القاعدة من الجانب الأردني.

————————–

سجناء “داعش” وعائلاتهم شرق سوريا… ملفات معقدة دون خطط توافقية/ صبحي فرنجية

مسؤولية ثقيلة

12 فبراير 2026

عقب انهيار صفوف “قوات سوريا الديمقراطية” شرق الفرات منتصف شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وتقدم القوات العشائرية في المنطقة، والتي تبعها تقدم قوات الحكومة السورية، برزت على السطح قضية سجون “داعش” والمخيمات التي تؤوي عائلات التنظيم ونازحين من مناطق سورية هربوا من العمليات العسكرية التي نفذها التحالف الدولي و”قوات سوريا الديمقراطية” ضد تنظيم “داعش” منذ عام 2015 حتى إعلان نهاية التنظيم في آخر معاقله بدير الزور (الباغوز) عام 2019.

وقد حازت قضية السجون على اهتمام دولي واسع كونها تشكل قنبلة موقوتة في حال انهيار دفاعات الحماية فيها وفرار قادة وعناصر التنظيم منها، والتي يقدر عددهم بالآلاف، كما أن المخيمات في شرق الفرات، وتحديدا مخيمي “الهول” و”روج” يحويان عائلات التنظيم من جنسيات عربية وأجنبية، وهو أمر لا يقل أهمية عن ملف السجناء بالنسبة لكثير من الدول، يضاف إليهما ملف مراكز الإيواء التي تحتوي أطفال ويافعي عناصر “داعش”.

ونتيجة انهيار صفوف “قوات سوريا الديمقراطية” الدراماتيكي في شرق الفرات، وقّع قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، اتفاقا جديدا مع الحكومة السورية يوم 18 يناير/كانون الثاني الماضي، أعقبته خطوات وتعديلات أخرى على الاتفاق، تم اعتمادها يوم 29 من الشهر نفسه. وقد سببت العمليات العسكرية في شهر يناير/كانون الثاني تغييرات كثيرة في شرق الفرات وسياسة واشنطن حيالها، أبرزها هروب سجناء من سجن الشدادي أو ما يعُرف بـ”سجن الكم الصيني” بعد أن غادرت “قوات سوريا الديمقراطية” محيط السجن، مُتيحة المجال للسجناء للخروج منه، إضافة إلى الفوضى التي حصلت في سجن الأقطان ومحيطه في الرقة، والفوضى المشابهة في مخيم “الهول” بعد أن غادرت “قسد” وحراس الحماية نقاطهم بالتزامن مع تقدم قوات العشائر في المنطقة.

هذه الحوادث دفعت واشنطن إلى دعم تمديد مدّة تنفيذ الاتفاق بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، حتى يتسنى لها نقل السجناء من سجون “قسد” تجاه العراق مخافة أن تؤدي التوترات في المنطقة إلى فرارهم وعودة قوّة تنظيم “داعش” إلى الساحة السورية، والتي بدأت بالفعل بعملية النقل يوم 21 يناير/كانون الثاني الماضي، وبحسب بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) فإن الهدف هو نقل نحو 7 آلاف سجين من سوريا إلى العراق.

السجون في شرق الفرات… الممكنات والتحديات

مع انطلاق عمليات التحالف الدولي ضد “داعش” نهاية عام 2014، وتشكيل “قوات سوريا الديمقراطية” لدعم عمليات التحالف برّا، بدأت تنشأ السجون التي يتم فيها إيقاف واعتقال عناصر التنظيم والذين تراهم “قسد” متعاونين معه، أو أولئك الذين يرتكبون الجرائم بحق المدنيين أو المخالفين لسياستها في المناطق التي بدأت تسيطر عليها بالتزامن مع هزيمة “داعش”، والتي وصلت مساحتها نحو ثلث الجغرافيا السورية وتتركز شرق الفرات السوري.

وبحسب إحصائيات غير رسمية فإن “قسد” كانت تُدير نحو 26 سجنا فيها 12 ألف سجين، الآلاف منهم تم اعتقالهم أثناء المعارك ضد تنظيم “داعش” وهم من جنسيات سورية، وعربية، وأجنبية. وأبرز هذه السجون هي التي كانت “قسد” تضع فيها مقاتلي وقادة “داعش” من الجنسيات غير السورية، والقادة المهمين في التنظيم من السوريين. ومن هذه السجون سجن الصناعة في الحسكة، أو ما يُعرف أيضا باسم سجن غويران، الذي يحتوي نحو 4 آلاف سجين، المئات منهم من جنسيات أجنبية. إضافة إلى سجن علايا في القامشلي والذي يحتوي نحو 1700 سجين بينهم نحو 500 سجين غير سوري، وسجن الشدادي (الكم الصيني) وكان يحتوي على نحو 900 سجين بينهم نحو 300 غير سوريين، وسجن الأقطان في الرقة والذي يحتوي على نحو 2400 سجين، بينهم نحو 1000 من عناصر التنظيم السوريين وغير السوريين. أما بقية السجون فكانت بالغالب تحوي السوريين فقط، وعناصر التنظيم غير المهمين، إضافة لأصحاب الجنح الإجرامية أو المعارضة لـ”قسد”.

خلال تقدم قوات الحكومة السورية في مناطق شمال دير الزور، بالقرب من منطقة الشدادي، حصل اجتماع بين ممثلين عن قوات التحالف السوري ووفد من الحكومة السورية في منطقة جبسة جنوب الحسكة، يوم 18 يناير/كانون الثاني، لبحث آليات التعامل مع السجون والمخيمات وسط تقدم قوات الحكومة، وقد أكد وفد دمشق أن الحكومة جاهزة لاستلام السجون والمخيمات بالتنسيق مع التحالف الدولي و”قسد”، وبناء عليه توقفت قوات الحكومة جنوب الشدادي بانتظار تسليم “قسد” لسجن الشدادي (الكم الصيني).

وبحسب معلومات “المجلة” فإن اليوم التالي شهد اشتباكات في منطقة السجن لم تكن الحكومة السورية جزءًا منها، وغالب الظن كانت نتيجة خلافات بين قادة “قسد” وعناصرها، وفي خلال أقل من ساعتين بدأ السجناء في الخروج من السجن بعد أن فُتحت الأبواب لهم. وقد اعتبرت الحكومة السورية ما حصل فرصة لإظهار قدرتها على ضبط الأمور، فقامت قوات وزارة الدفاع وقوات الأمن الداخلي بخلق طوق أمني حول منطقة الشدادي؛ لمنع أي عمليات هروب للسجناء من المنطقة، وطالبت الأهالي بعدم الخروج من منازلهم أثناء عمليات التمشيط. واستطاعت الحكومة استعادة أكثر من 80 سجينا في أقل من 24 ساعة، من أصل نحو 120، استطاعوا الفرار من السجن، وهم من السوريين، كون أن التحالف الدولي كان قد نقل العناصر الأجانب وقادة “داعش” المهمين من السجن نحو سجني الحسكة وعلايا مطلع شهر يناير/كانون الثاني. وبالتزامن مع هذه الفوضى في منطقة سجن الشدادي، كانت هناك اشتباكات وفوضى في محيط سجن الأقطان في الرقة، وسط عدم قبول عناصر “قسد” الخروج من السجن وتسليمه للحكومة السورية.

كانت قوات التحالف قد نقلت نحو 1000 سجين من الأقطان نحو سجني علايا والحسكة أيضا مطلع شهر يناير/كانون الثاني، في مؤشر على توقعات الجانب الأميركي بإمكانية تقدم الحكومة السورية إلى المنطقة وسط مخاوف من أن تسبب الاشتباكات حالة من الفوضى تسمح لعناصر التنظيم بالهروب من السجن. وقد أثارت الفوضى الأمنية في سجني الأقطان والشدادي مخاوف من أن تقوم “قسد” بإطلاق سجناء التنظيم من سجني الحسكة وعلايا لخلط الأوراق في المنطقة، أو أن يقوم التنظيم بشن هجمات على السجون، مستغلا الفوضى الحاصلة، في حال امتدت الاشتباكات إلى الحسكة والقامشلي. هذه المخاوف تُرجمت بزيارة مكثفة لمبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توماس باراك إلى دمشق، والاتصال الذي حصل بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره السوري أحمد الشرع يوم الاثنين 19 يناير/كانون الثاني، وقد أفضت التحركات الأميركية إلى هدوء حذر في منطقة الحسكة والقامشلي وفتحت الأبواب نحو اتفاقات لاحقة بضغط أميركي على “قسد”. وكان لافتا قيام قسد بإطلاق سراح معتقلين سوريين متهمين بالتعاون مع “داعش” من سجني علايا والحسكة، منتصف شهر يناير/كانون الثاني، ما يعكس الحاجة لمساحات في السجنين لاستقبال من تم نقلهم من الشدادي والأقطان.

الجانب الأميركي وبعد تقييمه لمخاطر انهيار الهدنة بين الحكومة السورية و”قسد”، قرر بدء عملية نقل السجناء من “الحسكة” و”القامشلي” إلى العراق، وعلى الرغم من أن عملية النقل قد بدأت بالفعل رغم وجود عقبات سواء من ناحية عمليات النقل ومدتها، أو من ناحية وجود سجون في العراق جاهزة لاستقبال هذا العدد المتوقع- 7 آلاف سجين- الذي أعلنت عنه (سنتكوم)، وبحسب معلومات “المجلة”، فإن الجانب العراقي طلب قبل أيام من واشنطن التمهل في عمليات النقل قليلا، خاصةً وأن السجون ليست كلها جاهزة لاستقبال سجناء بأهمية عالية وخطورة كبيرة (قادة “داعش” وعناصره الأجانب)، كما أن هناك أسئلة لدى الحكومة العراقية حول كيفية التعامل معهم لاحقا، هل سيبقون في العراق لفترة طويلة؟ وهل سيتم إعادتهم إلى بلدانهم؟ وهل سيتم محاكمتهم في العراق على جرائم ارتكبوها في سوريا؟ ورغم كل ذلك استمرت عمليات النقل. وبحسب معلومات “المجلة” بلغ عدد الذين نقلهم حتى يوم 11 فبراير/شباط الجاري نحو 4850 سجينا، الأكثر خطورة تم نقلهم عبر طائرات، والأقل خطورة تم نقلهم عبر باصات نحو العراق.

وفي الوقت نفسه أثارت إمكانية وصول نوري المالكي إلى منصب رئاسة الوزراء في العراق كثيرا من الأسئلة عند بعض المسؤولين الأميركيين في التحالف الدولي، خصوصا وأن الرئيس الأميركي حذر من وصوله إلى المنصب، وهدد بقطع الدعم عن العراق، وهذا له أهميته إذا ما أُسقط على مصير التعامل مع السجناء الأجانب وقادة “داعش” الذين يتم نقلهم من سوريا نحو العراق، خصوصا في حال أصبحت العلاقة بين واشنطن والعراق متوترة، ووجود احتمالية أن تتراجع قوّة  التنسيق بين البلدين في ملفات أمنية عدّة.

وبالفعل أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، صباح النعمان، أن عملية نقل معتقلي “داعش” إلى بلاده جاءت وفق حسابات استراتيجية دقيقة، مشيرا إلى أنه تم نقل 4500 حتى نشر هذا التقرير في 12 فبراير/شباط.

أما التحالف الدولي فقد عقد اجتماعا يوم الاثنين 9 فبراير/شباط في العاصمة السعودية الرياض، وأكد التحالف في بيانه أن من أولويات المرحلة النقل الآمن والسريع لمعتقلي “داعش”، كما رحّب باستلام سوريا السجونَ والمخيماتِ التي تؤوي عناصر التنظيم وعائلاتهم، كما أشاد بدور العراق في احتجاز عناصر “داعش” الذين يتم نقلهم، ودعا الدول إلى تحمّل مسؤوليتها في استعادة مواطنيها من سوريا والعراق، إلا أن عدم وجود جدول زمني لتحقيق هذه الملفات (عمليات نقل المساجين وعودة المواطنين غير السوريين والعراقيين) يعكس عدم وجود توافقات صلبة بين الحضور على آليات التعامل مع هذه الملفات.

المخيمات.. خطط سريعة وعقبات في الطريق 

تنتشر في منطقة شرق الفرات العشرات من المخيمات التي نشأت نتيجةً لعمليات التحالف الدولي و”قسد” ضد تنظيم “داعش”، وأبرز هذه المخيمات مخيم “الهول” (يحتوي أكثر من 23 ألف شخص، نحو 6 آلاف هم من غير السوريين والعراقيين) ومخيم “روج” (يحتوي بضعة آلاف، هم من غير السوريين). ويتقسم مخيم “الهول” إلى عدّة أقسام، حيث يوضع الأجانب في أقسام تُسمى “الملاحق”، وهي تحت حراسة مشدّدة مفصولة عن بقية أقسام المخيم التي تحتوي العراقيين والسوريين. وخلال العمليات العسكرية الأخيرة شرق الفرات، شهد مخيم “الهول” حالة فوضوية كبيرة، خصوصا مع تراجع “قسد” وتركها للمخيم دون حراسة يوم 20 يناير/كانون الثاني.

وبحسب معلومات “المجلة” فإن عددا من سكان المخيم استطاعوا خرق السور المحيط والهروب منه، في حين كان الأجانب يبذلون جهدهم لدخول القطاعات السورية والعراقية والاختباء فيها استعدادا للفرار من المخيم. كما قامت النساء بأعمال تخريبية متمثلة بحرق مركز التوقيف الموجود في المخيم، والذي يطلقون عليه اسم “السجن الأحمر”، والدخول إلى مكاتب المنظمات الدولية وتخريبها. وقد وصلت الحكومة السورية إلى المخيم، وبدأت إجراءات تأمينه، وأعلنت في اليوم التالي أن محيط المخيم ومنطقة “الهول” هي منطقة عسكرية، وبدأت عملية بحث مكثفة لإعادة الفارّين من المخيم. وبعد أيام، وبالتحديد في 24 يناير/كانون الثاني، حصلت محاولة تهريب لنساء أجانب مع أطفالهن من المخيم، إلا أن قوات الأمن الداخلي السورية استطاعت إفشال العملية وحصلت اشتباكات مع خلية كانت تحاول مساعدة النساء على الهرب، أوقعت قائدها قتيلا، وخلفت عددا من الجرحى.

ورغم أنه من غير المعروف عدد النساء والرجال الذين استطاعوا الهروب من المخيم، فإنه، وبحسب مصادر “المجلة”، تمت إعادة العشرات منهم خلال الأيام اللاحقة لسيطرة الحكومة السورية على المخيم. وقد تزامن ذلك مع بدء الحكومة السورية إجراءات إحصاء واستصدار بطاقات تعريف جديدة في القطاعات السورية والعراقية في المرحلة الأولى، وفتحت المجال أمام منظمات الأمم المتحدة للدخول إلى المخيم، وبدأت بإجراءات إدخال الطعام والاحتياجات ودعم القطاعات الصحية بالتنسيق مع الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن المخيم يحتوي على سوريين وعراقيين لا علاقة لهم بـ”داعش”، فهم نازحون من المناطق التي شهدت اشتباكات بين “قسد” و”داعش”، فإنه يحتوي أيضا على عائلات لعناصر التنظيم من الأجانب، السوريين والعراقيين، وهم ما زالوا يؤمنون بفكر التنظيم، وهو أمر أدركته القوات السورية في الأيام الأولى لدخولها المخيم، فقطاعات الأجانب شهدت حالات كثيفة لهجمات على رجال الأمن السوري بالحجارة، وكانت النساء تتهم العناصر بأنهم عملاء للغرب وأن حكومتهم كافرة، كما أن عبارات على سبيل “عملاء الغرب” سمعها كثير من عناصر الأمن السوري في قطاعات العراقيين والسوريين.

أما مخيم “روج” الذي ما زال تحت سيطرة “قسد” حتى اللحظة، فإنه يحتوي على النساء والأطفال الأجانب الذين كانت تراهم “قسد” والتحالف أقل تشددا، أو من الذين تم تهديدهم من قبل خلايا “داعش” في مخيم “الهول”. وكانت عمليات الترحيل إلى البلاد الأصلية تتم من مخيم “روج”، وليس من مخيم “الهول” في غالب الأحيان. وفي الوقت الحالي يشرف التحالف الدولي بشكل مكثف على حماية مخيم “روج” لمنع حصول حالة من الفوضى، كتلك التي حصلت في مخيم “الهول”، حال انهيار التوافقات بين الحكومة السورية و”قسد”. وفي إجراء احترازي قامت قوات التحالف مطلع شهر يناير/كانون الثاني بنقل المئات من النساء والأطفال الأجانب من مخيم “الهول” نحو مخيم “روج”.

وترى الحكومة السورية أن الطريق الأمثل للتعامل مع مخيمي “روج” و”الهول” هو عبر إخراج السوريين الذين يثبت عدم انتمائهم لـ”داعش”، وإعادة الأجانب والعراقيين إلى بلدانهم بأسرع وقت ممكن، وبذلك تنتهي إشكالية المخيمين. إلا أن هذا الطريق الذي يبدو ليس سهلا أو يمكن تحقيقه في وقت قصير، خصوصا وأن كثيرا من الدول سحبت جنسيات من النساء الذين غادرن بلدانهن وانضممن لـ”داعش”، إضافة إلى أن الدول ليست مستعدة لإعادتهم بشكل سريع إلى بلدانهم، خصوصا في ظل الإشكاليات والنقاشات الداخلية القانونية- المستمرة منذ سنوات- التي تخوضها الحكومات والبرلمانات الأوروبية حول عناصر ونساء تنظيم “داعش” الأوروبيين الموجودين في سوريا وإمكانية استعادتهم. وفي وقت سابق أخبرت الولايات المتحدة دمشقَ أنها ستبذل جهدها في الضغط على جميع الدول لاستعادة النساء والأطفال من المخيمات الموجودة في سوريا، إلا أن الجدول الزمني المتوقع لتنفيذ هذه المهمة ما يزال غير معروف للجانب الأميركي والسوري على حدّ سواء، وإلى حين إنهاء هذ الملف يبقى ملف تأمين المخيم وحمايته ومنع أي عمليات تهريب منه أولوية قصوى للحكومة السورية، بالتنسيق مع التحالف الدولي والجانب الأميركي.

مراكز الإيواء… اليافعون دون خطط

من الملفات الشائكة أيضا ملف مراكز الإيواء (إعادة التأهيل) التي تم إنشاؤها من قبل “قسد”، وهي متخصصة في عملية إعادة تأهيل أبناء عناصر “داعش” الذكور من الجنسيات العربية والأجنبية، إضافة لما كان يسمى “أشبال الخلافة”، وهم الأطفال الذين أظهرهم تنظيم “داعش” في إصداراته المصورة يقومون بعمليات قتل وإعدامات. وفي مناطق “قسد”، تحديدا الحسكة والقامشلي، هناك أكثر من أربعة مراكز إيواء، أهمها مركز “هوري” لإعادة التأهيل، في قرية تل معروف، شرق مدينة القامشلي، والذي يحتوي على أكثر من 120 طفلا ويافعا بين أعمار 9 و22 عاما. في حين يحتوي كل مركز من المراكز الثلاثة المتبقية على نحو 50 طفلا ويافعا تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عاما.

مراكز الإيواء هذه مخصصة للأطفال واليافعين الأجانب الذين يخضعون لبرامج إعادة التأهيل، حيث يحضر هؤلاء دروسا في الرياضيات واللغات، وبعض المهن اليدوية، كما يشهد عروضا لبرامج وثائقية وبرامج تسلية. إضافة إلى أن هذه المراكز تتم مراقبتها ومراقبة سلوك الأطفال واليافعين فيها للتأكد من طبيعة التغيير الذي يطرأ على سلوكهم بفعل برامج إعادة التأهيل الموجودة. ومن غير الواضح إن كانت عملية التأهيل هذه هدفها التحضير لمرحلة إعادتهم إلى بلدانهم أم لا، حيث إنه لم تكن هناك عمليات إعادة لافتة أو مكثفة من قبل الدول التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال خلال السنوات الماضية.

وتبقى هذه المراكز دون خطط واضحة حتى اللحظة، سواء من قبل الجانب الأميركي، أو من قبل الحكومة السورية التي لم تتسلم هذه المراكز بعد من “قسد”. هذه المراكز هي الأخرى بحاجة إلى حراسة وتنسيق مكثف من قبل الحكومة السورية والتحالف الدولي من جهة، والحكومة السورية والدول التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال واليافعون من جهة أخرى. خصوصا إذا ما كانت الحكومة السورية ترى الطريق الوحيد للتعامل مع هذه المراكز هو الطريق ذاته الذي تراه مناسبا لحلّ إشكالية الأجانب في مخيمي “الهول” و”روج”.

إن السجون، والمخيمات، ومراكز الإيواء، ثلاثة ملفات يتجاوز الاهتمام بها حدود الجغرافيا السورية، خصوصا وأنها تؤوي أطفالا ورجالا ونساءً من أكثر من 50 دولة، كلهم أتوا وولِدوا خلال فترة قوّة تنظيم “داعش”، بين عامي 2014-2017، للانتماء له والمشاركة في بناء حلم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. وسيكون على عاتق الحكومة السورية التي انضمت للتحالف الدولي رسميا، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حمايةَ هذه المراكز والتنسيق مع دول التحالف الدولي، وتقديم ضمانات بأن لا تتحول هذه الملفات إلى كابوس جديد يؤرق العالم مرّة أخرى. وفي الوقت نفسه لن تكون الحكومة السورية قادرة على حمل هذا العبء وحدها، فهي بحاجة إلى دعم مكثف من قبل شركائها في التحالف الدولي من جهة، وتعاون أكبر من قبل الدول التي لديها مواطنين في هذه السجون، المخيمات، والمراكز.

المجلة

——————————

تحرك غربي مزدوج لدعم أكراد سوريا/ إنجي مجدي

شهد الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي الأسبوع الجاري جلسات ساخنة حول وضع الأقليات السوريين

الخميس 12 فبراير 2026

ناقش النواب الأميركيون “قانون إنقاذ الأكراد” وضرورة حماية الأقليات وإنهاء حصار كوباني والسويداء، مع مراقبة تطبيق اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية مع الحكومة. ودعا البرلمان الأوروبي لوقف إطلاق نار دائم، وناقش ملف الإدارة الذاتية الكردية “روج آفا”. المخاوف تشمل النفوذ التركي والمقاتلين الأجانب وغياب المساءلة، فيما أكدت مسؤولة دفاع سابقة أن الوضع الإنساني مدمر، وأن للغرب خيارات لضمان الاستقرار ودعم الحل السياسي الشامل.

شهد الكونغرس الأميركي والاتحاد الأوروبي الأسبوع الجاري تحركات نشطة لدعم الأكراد داخل سوريا. فضمن جلسة عامة عقدت أول من أمس، أجرى أعضاء البرلمان الأوروبي نقاشاً تحت عنوان “الوضع في شمال شرقي سوريا، والعنف ضد المدنيين، وضرورة وقف إطلاق نار دائم”، إذ شهدت الجلسة كلمات لنائبتين سويديتين من أصول كردية ارتدتا الزي الكردي التقليدي.

وناقش مجلس النواب الأميركي “قانون إنقاذ الأكراد” ضمن جلسة سادتها لهجة حادة تجاه السلطات السورية الموقتة، إذ شارك مسؤولون أميركيون سابقون شهاداتهم في شأن الوضع الإنساني داخل سوريا ومعاملة الأقليات، إضافة إلى مناقشة السياسة الأميركية تجاه البلاد. وبدا بعضهم يجادل بوجود أسباب لإعادة النظر في فرض العقوبات الأميركية على سوريا، فيما أشار آخرون إلى ترددهم في دعم الإلغاء الكامل لعقوبات قانون قيصر، لكنهم فعلوا ذلك تحت ضغط من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

مرحلة انتقالية متعثرة

وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية براين ماست إن أحداً لم يتوقع أن تكون المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد سلسة، “لكننا شهدنا بالفعل كثيراً من الحوادث، في رأيي، كثير من حوادث العنف الطائفي ضد الأقليات الدينية والعرقية”. وقال إن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) خطوة إيجابية، لكنه شدد على أن عدة اتفاقات مماثلة وقعت سابقا ولم تنفذ.

وأضاف ماست الذي كان يعارض إلغاء قانون قيصر، أن البلاد “بعيدة جداً عما ينبغي أن تكون عليه اليوم”، وأنه “غير راض عن التقدم الذي أحرزه الشرع (الرئيس السوري) حتى الآن”. وأضاف أن الإجراءات ضد الدروز والأكراد والعلويين “خطوات في الاتجاه الخاطئ” ولا تبني الثقة في نيات الشرع. وأوضح أن الولايات المتحدة ألغت عقوبات “قيصر” لأن سبب وجودها، وهو وجود بشار الأسد، لم يعد قائماً، لكنها وضعت شروطاً مقابل ذلك، منها دمج القوات العسكرية وحماية الأقليات والتعاون مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب.

وأشار إلى تحديات واسعة أمام الحكم الديمقراطي السلمي، منها “وجود مقاتلين أجانب داخل قوات الأمن، كثير منهم مدعومون من تركيا”، واعتبر أن الإجراءات الأخيرة ضد قوات سوريا الديمقراطية “شريكنا الطويل في مكافحة الإرهاب وحليفنا الكردي” غير مقبولة، مضيفاً أن الكونغرس رحب باتفاق الدمج الأخير بين الشرع والجنرال مظلوم، واعتبره خطوة إيجابية، لكنه قال “هذا ثالث اتفاق من نوعه، والولايات المتحدة تتوقع أفعالاً لا كلمات”.

والشهر الماضي، أطلق الجيش السوري عملية لاستعادة السيطرة على شمال سوريا وشرقها حيث كانت القوات الكردية أقامت منطقة حكم ذاتي إبان الحرب، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار خلال الـ30 من يناير (كانون الثاني) الماضي بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.

قانون قيصر

وأشاد النائب الديمقراطي براد شنايدر بتحرك ماست نحو إدراج تدابير وشروط غير ملزمة في التشريع النهائي لإلغاء العقوبات، منتقداً الإدارة الأميركية لدفعها نحو تخفيف غير مشروط للعقوبات. وقال موجهاً حديثه لزميله الجمهوري “عندما دفع البيت الأبيض وقيادة مجلس الشيوخ نحو رفع غير مشروط للعقوبات عن دمشق، قاومت وأصررت على أن يأتي الإلغاء مع بعض المعايير والمتطلبات، وهيكل ولو أولياً للمساءلة، وهو أمر أراه حاسماً”. وأضاف “أريد أن يظهر السجل أن هذه اللجنة، على أساس اتفاق الحزبين، رفضت اندفاع الإدارة المتهور للتخلي عن أوراق ضغطنا دون مقابل”.

وسلط النائب الديمقراطي بيل كيتنغ الضوء على مقالة رأي حديثة لوزير الخارجية السابق مايك بومبيو انتقدت الولايات المتحدة لسماحها الضمني بالهجوم السوري ضد قوات سوريا الديمقراطية، ووصف ترمب بأنه مفرط في التفاؤل في شأن الشرع وانتقد دفع الإدارة لإزالة العقوبات. وقال “يبدو لي أن هناك استعجالاً كبيراً للتوصل إلى اتفاق سلام آخر هناك لدرجة أن (ترمب) يتجاهل ما قاله الوزير السابق بقوة، وهو أن الأمر مفرط في التفاؤل، وأن إزالة كل العقوبات وعدم استخدامها كورقة ضغط مستقبلية هو خطأ”.

نفوذ تركيا واستعادة الإمبراطورية

وشهدت الجلسة انتقادات واسعة للدور التركي في سوريا، حيث أعرب عدد من المشرعين عن قلق خاص في شأن نفوذ تركيا في البلاد. وربط بعضهم الهجوم السوري على قوات سوريا الديمقراطية بعداء تركيا الطويل للأكراد، فيما رأى آخرون أن سوريا قد تكون الخطوة الأولى في محاولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بناء إمبراطورية إقليمية. وقال النائب الجمهوري كيث سيلف “في تركيا الآن، هم يتحولون بصورة متزايدة إلى ديكتاتورية إسلامية… أردوغان يقوض الدولة العلمانية التي أسسها أتاتورك، وأعتقد أن ذلك قد يمهد لصراع مستقبلي بين تركيا وإسرائيل”. وأضاف أنه يعتقد أن تركيا تسعى لتكون بديلاً لإيران كقوة إقليمية في الشرق الأوسط.

وسلط النائب الجمهوري جوش بريتشين الضوء على أن أردوغان يطمح علنا إلى استعادة الإمبراطورية العثمانية، وهو ما يتطلب، بحسب قوله، “التقدم حتى القدس”، مشيراً إلى أن الشرع لم يظهر أنه عارض تركيا خلال أي وقت. وقال “أعتقد أن رغبة أردوغان في إعادة تأسيس الإمبراطورية العثمانية تعني أن الشرع ليس صادقاً بالكامل في شأن أهدافه الحقيقية… ومخاوفي الكبرى أننا نمكن ازدهار تركيا وروسيا، والشرع ليس صادقاً معنا… وحتى لو جاء الازدهار فلن يغير العقلية الجهادية”.

توم براك

وأضاف بريتشين أنه لا يعتقد أن السفير توم براك الذي يشغل منصب السفير الأميركي لدى تركيا، يجب أن يعمل خلال الوقت نفسه كمبعوث أميركي إلى سوريا. وأيدت الرئيسة السابقة للجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية نادين ماينزا، موقف بريتشين قائلة إنها لا تعتقد أن الدور المزدوج لبراك يخدم الولايات المتحدة جيداً، وأشارت إلى أن وزارة الخارجية تبدو وكأنها تسند قرارات سياسة سوريا إليه. وقالت إن الولايات المتحدة وبراك لا ينبغي أن “يكافئا” الحكومة السورية بصفقات اقتصادية بعد الفظائع التي ارتكبتها قوات متحالفة مع الحكومة.

ودعت ماينزا إلى تأكيد استمرار الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية خلال مرحلة الدمج، وعدم اعتبار قوات الأمن السورية شركاء قبل تدقيق صارم، والإسراع بإقرار “قانون إنقاذ الأكراد” لفرض عواقب على أي عنف جديد ضد المناطق الكردية ومراقبة خطاب الكراهية والتحريض كإنذار مبكر وربط التعاون بخطوات فعلية لمكافحته. ودعت الولايات المتحدة للضغط على الحكومة السورية لضمان سلامة جميع السوريين، خصوصاً الأقليات، وإنهاء حصار كوباني والسويداء فوراً، وتصحيح الوضع القانوني للإيزيديين والسماح لهم بتسجيل هويتهم الدينية دون إجبار على التحول، وإبعاد المقاتلين الأجانب والأشخاص الخاضعين لعقوبات أو المرتبطين بأفكار “داعش” من الأجهزة الأمنية، ومكافحة التحريض الطائفي عبر الإدانة العلنية والمحاسبة القانونية وإقالة المسؤولين المحرضين.

وخلال حديثها أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، قالت مساعدة وزير الدفاع السابقة للشؤون الاستراتيجية والخطط والقدرات مارا كارلين، إن “الوضع الإنساني مدمر للغاية. وذكرت، داخل دمشق لا يظهر ذلك كثيراً. لكن ما إن تبتعد مسافة قصيرة حتى ترى هياكل مبان مدمرة، وذخائر غير منفجرة، وأناساً يحاولون معرفة كيف سيكسبون رزقهم”.

وأضافت أن أدوات الاستقرار الأميركية السابقة لم تعد موجودة، مشيرة إلى “مكتب مبادرات الانتقال” في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بوصفه “دراسة حالة مثالية” لدعم الدول الهشة، مضيفة أنه “لم يعد موجوداً بسبب قرارات اتخذتها هذه الإدارة”. ومع ذلك أكدت أن الولايات المتحدة لا تزال تملك خيارات، قائلة “مكننا العمل مع وزارة الخارجية لمعرفة ما الموارد التي أبقتها لجهود الاستقرار ومدى إعطائها الأولوية لسوريا”. وقالت إن القيادة الأميركية يمكن أن تجمع الحلفاء والشركاء، “خصوصاً من أنحاء أوروبا”، الذين لديهم أيضاً مصلحة في سوريا مستقرة وآمنة.

تصويت أوروبي

ويصوت البرلمان الأوروبي اليوم الخميس على قرار غير تشريعي في شأن سوريا، يقضي بالدعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار شمال شرقي سوريا وإنهاء الحصار مدينة كوباني (عين العرب) والاعتراف بوضع سياسي واضح لإدارة “روج آفا” ضمن تسوية مستقبلية في سوريا.

وتشكو منظمات غير حكومية من منع أنقرة وصول قوافل المساعدات الإنسانية إلى مدينة كوباني (عين العرب)، المدينة ذات الغالبية الكردية الواقعة شمال سوريا والتي يحاصرها الجيش السوري، من الوصول إلى الحدود. وذكرت منظمة الهجرة الدولية فإنه منذ سيطرة قوات الحكومة السورية على بعض المناطق شمال شرقي سوريا، اضطر آلاف السكان الأكراد إلى الفرار حيث نزح نحو 150 ألف شخص.

وبينما رأى عدد من أعضاء البرلمان أن الترتيبات الشبيهة بالنظام الفيدرالي تعد “خياراً واقعياً ينبغي مناقشته”، شددوا على أنه لا يمكن لأي حل أن يكون مستداماً إذا لم يعترف بالأكراد كأطراف محاورة ضمن العملية الانتقالية داخل دمشق.

وخلال الجلسة، تحدثت دوبرافكا شويتسا ممثلة المفوضية الأوروبية عن هشاشة المرحلة التي تلت سقوط نظام الأسد، مشيرة إلى أن شمال شرقي سوريا يشكل اختباراً حقيقياً لمدى التزام أية حكومة مستقبلية بالديمقراطية. ولفتت إلى اتفاق سابق تضمن دمج القوات الكردية في الهياكل الأمنية والعسكرية والاعتراف بالتعليم باللغة الكردية، مع الإشارة أيضاً إلى بنود تقضي بنقل بعض البنى التحتية الحيوية مثل حقول النفط والمطارات والمعابر الحدودية إلى سيطرة الحكومة المركزية. وعدت أن نجاح هذه الترتيبات يعتمد على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية للمكونات المحلية المختلفة.

ازدواج المعايير الأوروبية

وعلى غرار أعضاء الكونغرس الأميركي، وجه عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي انتقادات لتركيا خلال الجلسة، معتبرين أن الضغوط العسكرية التركية جنباً إلى جنب مع الانسحاب الأميركي، أسهمت في توسيع مساحة تحرك الجماعات الجهادية وزيادة تعقيد الوضع الأمني شمال شرقي سوريا. وانتقد نواب آخرون ما وصفوه بازدواجية المعايير الأوروبية تجاه الانتهاكات، متسائلين عن غياب إجراءات مماثلة لتلك المفروضة على دول أخرى على رغم الاتهامات الموجهة لأنقرة. ورأى بعض المتحدثين أن السياسات القائمة على المصالح جعلت الاتحاد الأوروبي يتجاهل تجاوزات تركيا، مما انعكس سلباً على المدنيين والاستقرار الإقليمي.

وقال خاومي أسينس يودرا من مجموعة الخضر/التحالف الحر الأوروبي “إن الحديث عن سوريا اليوم هو أيضاً حديث عن النفاق البنيوي في أوروبا. فخلال وقت نفرض فيه عقوبات على إيران باسم حقوق الإنسان، لدينا غزة، ونغض الطرف عندما نواجه جرائم ترتكبها تركيا والسوريون داخل سوريا. حقوق الإنسان، لماذا العقوبات على إيران وليس على تركيا أو سوريا؟ لأن لدى تركيا حدوداً أوروبية، ولأن سوريا تُدار من قبل شخص كنا نراه إرهابياً، لكنه أصبح الآن حليفاً مفيداً. أوروبا لا تملك سياسة قائمة على حقوق الإنسان، بل سياسة قائمة على المصالح”.

——————————

احتجاجات عنيفة أوقفت كل نشاطات الأمم المتحدة في «مخيم الهول»

بعد توقف المساعدات ومنع كثيرين من المغادرة «أسوة بمن فرّوا منه»

دمشق: «الشرق الأوسط»

13 فبراير 2026 م

أفيد الجمعة بأن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت يوم الخميس أنشطة جميع منظماتها داخل «مخيم الهول»، شرق الحسكة، بعد حادث أمني خطير شهدته المنطقة، تخللته احتجاجات وأعمال تخريب طالت مرافق أممية.

ووجهت المفوضية رسالة داخلية إلى الشركاء العاملين في المخيم، أشارت فيها إلى أن «مجموعة من السكان نظمت مظاهرة خارج البوابة الرئيسية، ثم تحركت باتجاه منطقة تجمع فرق الأمم المتحدة، حيث تعرض أحد المباني للرشق بالحجارة من قبل بعض المحتجين».

وأوضحت أن جميع موظفي الأمم المتحدة «تم إجلاؤهم بأمان عبر مخارج الطوارئ، كما جرى إخلاء موظفي المنظمات غير الحكومية والمركبات القريبة، وأن لا إصابات سُجلت في صفوف الطواقم».

وأعلنت المفوضية أن «الأنشطة والرحلات داخل المخيم توقفت مؤقتاً، وغادرت جميع فرق الأمم المتحدة منتصف نهار (الخميس)»، مشيرة إلى أن بعثة أمنية من «إدارة الأمن والسلامة» التابعة للأمم المتحدة (UNDSS) ستزور المخيم لتقييم الوضع، وتحديد شروط استئناف العمل.

وشهد المخيم خلال الأيام الماضية توتراً متصاعداً، بعد خروج مئات الأشخاص «بطرق غير شرعية»، ومنع آخرين من المغادرة، ما دفع عائلات عديدة للتظاهر داخله، للمطالبة بالسماح لهم بالمغادرة وتوفير المساعدات التي توقفت منذ نحو أسبوع.

واتهم المحتجون المفوضية والمنظمات الأممية بـ«التقاعس عن أداء واجباتها، وسط ظروف إنسانية متردية ونقص شديد في الإمدادات الغذائية والطبية». ودعوا إلى «السماح لجميع السوريين والعراقيين المتبقين في المخيم بالمغادرة دون عراقيل».

ونقلت «شبكة شام» عن مصادر محلية، أن مكاتب ومراكز تابعة للمنظمات الدولية تعرضت لعمليات تخريب وسرقة، ترافقت مع انسحاب قوات «قسد» من الموقع لساعات قبل أن تدخل قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية إلى بلدة الهول وتفرض طوقاً أمنياً.

خلفية أمنية

وتأتي هذه التطورات تزامناً مع إعلان الحكومة العراقية، يوم الخميس، استكمال عملية نقل أكثر من 4500 عنصر من تنظيم «داعش» من مناطق احتجازهم في شمال شرقي سوريا إلى السجون العراقية، في عملية جرت بالتنسيق مع قوات «التحالف الدولي».

وكانت عدة تقارير دولية حذّرت في الآونة الأخيرة من هشاشة الوضع الأمني في «مخيم الهول»، الذي يضم آلاف النساء والأطفال من عائلات مقاتلي تنظيم «داعش»، إلى جانب نازحين سوريين وعراقيين.

في المقابل، أكدت المفوضية أن «خدمات المياه المدعومة من (اليونيسف) ستستمر»، في حين تم تعليق توزيع الخبز المدعوم من منظمة «بلومونت». ودعت إلى التنسيق مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) حول الوصول الإنساني من مدينة الحسكة والمناطق المجاورة، مؤكدة أن العودة إلى العمل «مرهونة بعودة الاستقرار وتأمين بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني».

مغادرة…

وكانت «وكالة الصحافة الفرنسية» أفادت بأن معظم عائلات العناصر الأجانب في تنظيم «داعش» الإرهابي، غادرت مخيم الهول بعدما انسحبت منه القوات الكردية التي كانت تديره. والمخيم كان يضمّ نحو 24 ألف شخص، بينهم ما يقارب 15 ألف سوري، ونحو 6300 امرأة وطفل أجنبي من 42 جنسية، ترفض معظم بلدانهم استعادتهم. وقال مصدر في منظمة إنسانية إن قسم الأجانب بات فارغاً تقريباً بعد انسحاب القوات الكردية من المخيم أواخر يناير (كانون الثاني). وأفاد مصدر آخر في منظمة إنسانية بأنه «منذ السبت الماضي… لم يعد هناك سوى 20 عائلة في قسم المهاجرات»؛ أي القسم الخاص بالأجانب الذي كان محصناً أمنياً، وضمّ عدداً كبيراً من النساء والأطفال من روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى.

وأضاف أن «قسماً كبيراً منهم تم تهريبه إلى إدلب والمحافظات الأخرى، وقلة قليلة دخلوا إلى القطاعات الخاصة بالسوريين في المخيم». وبحسب المصادر والشهود، أُفرغ كذلك جزء من قاطني المخيم من السوريين البالغ عددهم أكثر من 15 ألفاً، والعراقيين الذين يزيد عددهم على 2200 شخص.

وأكّد مصدر في إدارة المخيّم التابعة لوزارة الداخلية أن السلطات ما زالت بصدد إحصاء عدد قاطنيه، دون أن يؤكد فرار أحد. وقال إن «سبب كل هذا إن وجد (في إشارة إلى احتمال هروب قاطنين من المخيم) تتحمله قوات (قسد) التي انسحبت من المكان» قبل أن تتم عملية التسليم. وقال رجل سوري من سكان المخيم، عرّف عن نفسه باسم «أبو محمد»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر تطبيق «واتساب»، إنه بعد انسحاب القوات الكردية بدأت النساء والأطفال من قسم الأجانب «الخروج من المخيم بأعداد كبيرة… منهم من ذهب إلى الشدادي والهول، وإلى إدلب وحلب والرقة ودير الزور».

وفي لبنان، قال رجل كان أربعة أفراد من عائلته محتجزين في «مخيم الهول» منذ سنوات، متحفظاً على ذكر اسمه، إنهم وصلوا إلى لبنان مع أفراد آخرين من عائلات مقاتلين لبنانيين انضموا إلى صفوف المعارضة السورية بعد اندلاع النزاع في سوريا.

——————————

العراق: نقل 3 آلاف معتقل من تنظيم داعش من سوريا والعملية مستمرة

قال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين اليوم الجمعة إن نحو ثلاثة آلاف معتقل من تنظيم داعش نقلوا من السجون السورية إلى العراق حتى الآن ولا تزال العملية مستمرة، مضيفا أن بغداد تجري محادثات مع بعض الدول لترحيلهم قريبا.

وفي مقابلة مع رويترز على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، قال حسين إن بغداد ستحتاج إلى مساعدات مالية إضافية للتعامل مع هذا التدفق، وحذر من تصاعد نشاط التنظيم المتشدد على الجانب الآخر من الحدود في سوريا في الآونة الأخيرة.

وقال حسين “أعتقد أن حوالي ثلاثة آلاف نقلوا بالفعل لسجون عراقية.. لذا فإن العملية بدأت ونواصلها”.

وقال الجيش الأمريكي في 21 يناير كانون الثاني إنه بدأ نقل المحتجزين ويتوقع نقل نحو سبعة آلاف مقاتل. وتسببت الهزيمة السريعة لميليشيا ما يسمى سوريا الديمقراطية التي يقودها حزب العمال الكردستاني الإرهابي في شمال شرق سوريا في ضبابية بشأن تأمين السجون ومعسكرات الاحتجاز التي كانت تلك القوات تحرسها.

وأشار حسين أيضا إلى بدء محادثات مع بعض الدول العربية والإسلامية لتستعيد مواطنيها من بين هؤلاء المحتجزين، لكن دولا أوروبية لا تزال مترددة لأن أنظمتها القانونية قد تسمح للمقاتلين بالخروج من السجن مبكرا.

——————————

الجيش الأميركي: نفّذنا 10 غارات على 30 هدفاً لـ«داعش» في سوريا

واشنطن: «الشرق الأوسط»

14 فبراير 2026 م

أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، السبت، تنفيذ 10 ضربات جوية استهدفت أكثر من 30 موقعاً تابعاً لتنظيم «داعش» في سوريا خلال الفترة من 3 إلى 12 فبراير (شباط) الحالي، في إطار ما وصفتها بـ«مواصلة الضغط العسكري المتواصل» على بقايا الشبكة المتشددة.

وقالت القيادة إن القوات الأميركية استهدفت بنى تحتية ومخازن أسلحة للتنظيم باستخدام ذخائر دقيقة أُطلقت من طائرات ثابتة الجناح، ومروحيات، وطائرات مسيّرة.

وكانت «سنتكوم» قد نفّذت في وقت سابق 5 ضربات بين 27 يناير (كانون الثاني) و2 فبراير، طالت موقع اتصالات للتنظيم، وعقدة لوجيستية رئيسية، ومنشآت لتخزين الأسلحة.

وجاءت العملية رداً على هجوم وقع في 13 ديسمبر (كانون الأول) استهدف قوات أميركية وسورية في مدينة تدمر، وأسفر عن مقتل جنديَّين ومترجم أميركيِّين.

وبحسب البيان، أسفرت العمليات المركزة خلال شهرين عن مقتل أو اعتقال أكثر من 50 عنصراً من التنظيم، مع استهداف ما يزيد على 100 موقع من بنيته التحتية باستخدام مئات الذخائر الدقيقة.

——————————

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى