التفاعل بين متغيرات تركيا وسوريا/ محمود سمير الرنتيسي

2026.02.16
نقلت أوساط في الصحافة التركية أن التطورات الأخيرة في سوريا لاقت ارتياحاً في أوساط صناعة القرار التركي، فقد أفادت التقارير أن الرئيس رجب طيب أردوغان أشار، خلال اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية لحزب العدالة والتنمية، إلى أن تلك التطورات قد أسهمت في تخفيف الأعباء عن تركيا فيما يتعلق بعملية “تركيا خالية من الإرهاب”، التي بدأت المباحثات حولها منذ فترة طويلة.
بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الحكومة في دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، عقب عمليات عسكرية نفذها الجيش السوري في حلب وريفها الشرقي، بسبب تعثر المضي في الاتفاق لفترة من الزمن، أصبحت مناطق الحسكة والقامشلي وعين العرب، والتي كانت تحت سيطرة “قسد”، تحت سيطرة الدولة السورية ومن دون الاضطرار لخوض عمليات عسكرية.
بالتأكيد، فإنّ إنهاء فكرة وجود كيان يشبه “الدولة” على حدود تركيا يقضي على خطر استراتيجي قديم من وجهة نظر أنقرة، فقد كانت تركيا تصنف هذا الخطر ضمن قائمة التهديدات الأمنية الأساسية، ما أدى إلى تكبّدها العديد من التكاليف التي أثرت على سياستها الداخلية واستقرارها.
لقد وجّهت تركيا على مدار أكثر من أربعة عقود، كثيرا من الموارد المادية والعسكرية والمالية لمواجهة “حزب العمال الكردستاني” عبر الحدود، بما في ذلك حماية الحدود والعمل الأمني، وانتشار الجيش التركي داخل سوريا، إلى جانب عمليات عسكرية كبرى.
وفي ذات السياق، فإنّ انتهاء هذا الخطر من وجهة نظر تركيا بهذه الطريقة قد وفّر عليها الحاجة لإرسال قواتها للمشاركة في عملية برية داعمة للجيش السوري، فقد هدّدت تركيا، على مدار نحو عقد من الزمان، مراراً وتكراراً بشن عملية عسكرية شرقي الفرات، ولو تحقّق ذلك لكان سيتسبّب في مشكلات وتعقيدات في العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي.
كذلك، فإنّ انتهاء الأمر بهذه الطريقة يخدم عملية الاستقرار التي يتم بناؤها تدريجياً في سوريا بشكل أكثر هدوءاً، ويخفّف من التوتر على حدود تركيا، ويساعدها على مواصلة سياسة الدعم والاستثمار في أبعاد العلاقات الثنائية.
على المستوى الذي تحدث عنه الرئيس أردوغان والذي يبدو الأهم بالنسبة لتركيا، فإنّ دمج “قسد” في الدولة، يعني أنّ الدولة السورية ستصبح المسؤولة عن الحدود السورية التركية، وبالتالي هذا يقلل ويصعب من انطلاق أعمال مسلّحة من المناطقة التي تتمركز فيها تنظيمات “PKK/ PYD” في الأراضي السورية إلى الأراضي التركية.
هذه البيئة تساعد في تخفيف الضغط على مسار عملية السلام المتنامي والذي شهد عدة خطوات ملموسة داخل تركيا مع “حزب العمال الكردستاني” وبالتالي يسهل هذا الأمر عليها إدارة ما تبقى من مفاوضات بشكل ينجح العملية بالكامل، إذ إنّ عامل تحرير سوريا من نظام الأسد كان دافعاً مهماً في إنجاح هذه العملية الداخلية في تركيا، كما أنّ التطورات الأخيرة في شمالي سوريا تجعل “الحزب” أكثر رغبة بالذهاب نحو الحلول السياسية خاصة بعد فشل كل الحلول العسكرية.
ومن الجدير بالذكر، أنّ تركيا عانت من فشل عملية السلام مع الأكراد عدة مرات، وقد أدّى ذلك إلى انعكاسات سلبية عليها وعلى الحزب الحاكم (العدالة والتنمية)، وفي مجالات الاستقطاب الداخلي والتوتر مع الأطراف الدولية، خاصة الغربية منها، وفي محاولة تشويه سمعة تركيا من خلال اللوبيات الموجودة في تلك البلدان، فبعد فترة من الانفتاح الأولي، عام 2009، عقب مباحثات سرية تعثرت العملية، عام 2011، مما أدى إلى تآكل الثقة.
وفي العام 2013، بدأ مسار حل وحصل وقف لإطلاق النار ولكن العملية لم تستمر لأسباب عدة وتداخل معها عوامل أخرى مثل احتجاجات “غيزي بارك” وبدء الصراع مع جماعة “فتح الله غولن”، وفي العام 2015 حصلت عملية حوار لم تلبث أن فشلت وحصلت عدة تفجيرات داخل تركيا، وهنا أيضاً كانت التطورات في سوريا مؤثرة، إذ كان هجوم تنظيم الدولة (داعش) على منطقة عين العرب (كوباني) الحدودية، ثم تقدّم “وحدات حماية الشعب-YPG” على التنظيم.
وبالتأكيد أن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” سيخفّف من الوجود العسكري التركي في محيط تلك المنطقة، ولكن كما نقرأ في بعض التصريحات مثل تصريح وزير الدفاع التركي يشار غولر، أنّه “ما لم تتم عملية السلام بشكل كامل في تركيا فإن الوقت لم يحن لسحب القوات التركية من سوريا”.
وقرار الانسحاب ستتخذه تركيا وعلى الأغلب أنها تنتظر أن يُلقي “حزب العمال الكردستاني” سلاحه بشكل كامل ويحل كل تنظيماته قبل أي خطوة من هذا القبيل، مع أنّ التقدير لديهم على الأغلب، أنه لا مؤشرات على عودة التنظيمات الانفصالية التي تخشى تركيا منها ولكنّها ستواصل اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
مما سبق يتضح أن تركيا ترى أن التهديد تراجع وستراقب موضوع الاستقلال العملياتي بعد الدمج في بنية الجيش السوري خاصة مع بقاء البنية التنظيمية لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي”، ومن زاوية أخرى فإنّ تركيا التي لديها تجربة في فشل مثل هذه العمليات تخشى من حصول أي تطور قد يفسد الاتفاق، وعلى كل حال فإنّ كل استقرار في سوريا سيقوي الموقف السوري داخلياً وخارجياً وسينعكس على الملفات كافة.



