مقالات سينمائيةمنوعات

السينما الوثائقيَّة السوريَّة… الفيلم غريبٌ عن جمهوره/ طارق عدوان

17 فبراير 2026

بين الدرامي والروائي، بنية درامية وحدُّوتة بشكلٍ آخر. السينما الوثائقية، التي تنقل الواقع ضمن إطار فني وثقافي حمَّال للمقولات المتعلقة برشاقة القائل (مبدع الفيلم)..هي الامتحان والاختبار الحقيقي لإبداع المبدع وبصيرته، وكثافة شرف المهنة لديه.

لا توجد هنا تسلسلية درامية روائية تحمل المقولات الرئيسية والثانوية نحو الحل والرسالة الموجودة نصب عين السيناريست الروائي قبل أن يبدأ بالكلمة الاولى على الورقة البيضاء الأولى.. لا توجد هنا سوى عناصر الحامل الدرامي (بداية ــ ذروة ــ نهاية) التي تشد المقولة، تجمعها، تفككها، وتعود بها كرويةً لا يمكن اختراقها، وما بين العناصر الثلاث تنتشر الحياة…مع الاحتفاظ دوماً بالسؤال السينمائيِّ الذهبي: “ماذا أريد أن أقول من هذا الفيلم؟”… الحياة .. الناس.. بحالاتهم وأشكالهم وانفعالاتهم، وبكل ما يرسِّبونه في روح وعقل وقلب مبدع الفيلم.

هناك من يعيب على الفيلم الوثائقي اختفاء الحدوتة منه، حتى أن ثمّة من وصل إلى جعله مقتلاً لشباك التذاكر، متناسياً أن شباك التذاكر السينمائي السوري غير موجود أصلاً وتحديداً أخيراً، وذلك لشحِّ العمليَّة الإنتاجيَّة وقلَّة عدد الأفلام.

شرايين الوثيقة تمدّ الفيلم بالدم وتمنحه الحياة

“قشِّر المعلومة بسكين الفيلم تحصل على الوثيقة الهوية. خمِّرها واشربها فيما بعد، وإن لم تشأ بِعها”. الوثيقة، التي لم تجد بعد تعريفاً دقيقاً على الصعيد السينمائي، هي العصب الذي تقوم عليه السينما الوثائقية بكل حالاتها وأشكالها. وليست السينما الوثائقية السورية سوى جزء صغير من ذلك. قد يظنُّ من يسمع بمصطلح “وثيقة” أنها هي الوثيقة الورقية أو الفوتوغرافية أو حتى الفيلمية المسجلة عفوياً أو عمداً من مكان حدثٍ ما، والتي يقوم عليها فيما بعد الفيلم، وهذا صحيح وموجود، ولكنَّه جزءٌ من حقيقةٍ كبرى: الوثيقة هي أبهر الفيلم الوثائقي، فإذا افترضنا، على سبيل المثال، أننا نرصد قصة عاشقٍ أو عاملٍ أو جُنديٍّ في الحرب، بشرط أن تحمل عامل التميُّز والفرادة والمتعة لتحقيق عنصر الجذب، وكانت المقولة هي أن الحرب قتلت الجميع، أو أن الحرب لم تؤثِّر على الإنسان في متابعة حياته وإصراره عليها، وإلى ما هنالك من مقولات، فإن الطقس الدرامي للفيلم، بمعنى الحامل الدرامي، والذي هو عمود السينما الفقري، وما ينتج عن خميرته وسلوكه أثناء سير الفيلم من رصدٍ بصريٍّ ونفسيٍّ للمكان، يعتبر بحدِّ ذاته وثيقة، تحدِّد السِّمةَ النفسيَّة والعاطفيَّة، وحتَّى الجغرافيَّة، ضمن الزمان والمكان اللذين هما زمان ومكان الفيلم؛ وثيقة إنسان ومكان ضمن الحدث الذي سيصبح تاريخاً بعد نيفٍ وزمن، وبها تنتصر الشعوب لزمانها وقضيتها. هي نسغ الحياة في المكان، شرط الزمن والجغرافيا والعاطفة، وإيقاعنا ضمن ذلك كله، مما يجب على الصانع شربه وتشرُّبه وإعادة سكبه بلغته وذائقته ووجهة نظره، فاعلاً ومنفعلاً.

الوثيقة هنا ليست فقط معلومة، فالمعلومة هي العنصر (element) الجاف المصمَت، الذي يُقَشَّرُ بواسطة الفيلم ليتحوَّل إلى وثيقة، بغير ذلك، من الأفضل أن يتم تناول المعلومة بمقالةٍ صحافيَّةٍ أو دراسةٍ ورقيَّة، قد تكون أوفى وأجدى، أما الفيلم الوثائقي فحديثٌ آخر ذو شؤونٍ وشجون… الخير جيِّد والشر سيِّء، لكن كيف تقولها في فيلمٍ وثائقيٍّ تسجيليٍّ عن الصناعات الثقيلة التي تعتمد الفولاذَ أو النُّحاسَ مادَّةً رئيسيَّةً مثلاً؟

الجواب بسيط: بمقدورنا تصوير تصنيع سبطانة مدفع فولاذي أو نحاسي، وتصوير تصنيع وتر البزق، إذ إن النوع الممتاز من الأخير يصنع من هاتين المادتين أيضاً. بمونتاجٍ متوازٍ ومتقاطع، نحصل على التناقض الذي ينمو عليه التساؤل وبالتالي الفيلم، لننتهي إلى المنجَزَين، وما يقدمه كلٌّ منهما للبشرية. المقولة عامَّة وبسيطة لأنها حقيقية، بمقدورك أن تبني عليها مئات الأفلام الروائية، لكن من النشوة والحرفة بمكان، أن ترصد فعلين حياتيَّين مشترِكَين بالمادة ومختلفَين بالتأثير، وموجودَين على مرأىً من الناس، وتخلص إلى المقولة من موجودات البشر ومحسوساتهم، ونكون قد حصلنا على وثيقتين صناعيتين، كلٍّ على حِدة، ومقولة أثيريَّة هي الشاملة؛ هي الوثيقة الضمنيَّة الباقية: “البزق أجمل، وأبرأ، وأقوى” مثلاً، أو: “أيٍّ أحمقٍ هو الإنسان، حيث يصنع مدفعاً من مادة وتر البزق نفسها؟” أوَ ليست هذه وثيقة توصِّف بدقَّةٍ الرعونة والجمال والعمل في آن؟

إذاً: المشكلة في الأصل هي مشكلة السينما السورية، أو بالأحرى مشكلة المشروع الثقافي السوري بكل ميادينه ومجالاته، والتي لا تنفصل والسينما عن حالة من الضعف العام الموجودة في بلدنا على الصعيد الثقافي، من موت القارئ وغربة الكتاب إلى اختفاء القصيدة والأغنية واللحن والموسيقا، إلى تلاشي المنابر الثقافية الحقيقيَّة صاحبة الهمِّ والمشروع، ناهيك عن إشكاليات المسرح، وإشكاليَّات الدراما غير مفهومة التوجُّه والمقولة والسوق.

بالعودة إلى موضوعنا، وإلى فكرة غياب القَص عن الفيلم الوثائقي: عدم وجود القصة الروائيَّة والممثِّل وطريقة التصوير المختلفة، لا يعني أبداً نفي (وعزل) الفيلم الوثائقيِّ عن الدراما. فعندما نقول فيلم، فهناك دراما وهناك حامل درامي وهناك نقاط الولادة والتصاعد والختام (بداية، ذروة، نهاية)، وهناك حلٌّ درامي ومقولةٌ يفرضها مبدع الفيلم بحسب التيما المطروحة، وهناك أيضاً سلوك للكاميرا وطرق للتصوير متوافقة أيضاً مع التيما وطريقة التعامل مع الوثيقة.. هذا كله موجود في الفيلم الوثائقي، وتحديداً التسجيلي منه، بقوةٍ ووضوح.

لمحة تاريخية وسلوك مؤسّساتي غير مفهوم

بنظرة متمحِّصة على تاريخ السينما السوريَّة، نجد أنَّها لم تسجِّل وجود حالة وثائقيَّةٍ حاضرةٍ ومتكاملة، على صعيد النوع والشكل والموضوع، باستثناء ما بين عامي 1961 و1987 من تاريخ دائرة السينما، التي أضحت المؤسسة العامة للسينما، حيث تم إنتاج ما يقارب الـ230 فيلماً، ممن شقوا الطوق عن الفيلم الروائي الطويل، منها: “الماء والجفاف” لصلاح دهني، و”حلب” لنبيل المالح، و”سد الفرات العظيم” لمنير جباوي. و”المرأة في سورية” لخالد حمادة. و”بردى” لمحمد شاهين. و”نابالم” لنبيل المالح، و”الساحل السوري” لبشير صافية، و”الشاهد” لريمون بطرس، وغيرها، لتصل إلى ما يقارب الـ230 فيلماً، كما ذكرنا، خاضت تفاصيل الجغرافيا والحياة والبيئة السورية على تلونها وغناها.

حديثاً، لم تشهد السينما الوثائقية السورية ذيَّاك الحضور الفاعل، وذلك على كل المستويات، الإنتاجي منه وصولاً إلى الإبداعي، حيث لم يُسجِّل تاريخ السينما السورية أفلاماً وثائقيَّةً مفصليَّة لعبت دوراً في بناء الشخصيَّة الثقافيَّة والفنيَّة السوريَّة، ولم تكُن موجودةً في حياة المُشاهد السوري، الذي وصل إلى مرحلةِ أن تعني له صالة السينما فيلماً روائياً فقط، بغض النظر عن مستواه الفني وتعبيره الحق عن الحياة وصدقه في إعادة إنتاجها، إلا إذا استثنينا بضعة أفلام لبعض السينمائيين السوريين، نذكر منها: “مقامات المسرة” لمحمد ملص عن المغنِّي والمنشد والمطرب الحلبي “صبري مدلل” ..”الطوفان” لعمر أميرالاي، وفيلم “خطوة خطوة” لأسامة محمد، وفيلم “نوافذ الروح” الذي أخرجه أخيراً ــ أي قبل خمس سنوات ــ المخرج الليث حجو، ونفذه وقرأ نصه تعليقاً وأداءً الممثل السوري جمال سليمان، وكان عن سورية كلها حضارةً وثقافةً ومدناً وأريافاً، والذي نحتاج للعشرات من أمثاله نوعاً وشكلاً ومقولةً، وفيلم “نور وظلال” الذي أخرجه كل من محمد ملص وأسامة محمد وعمر أميرالاي، إلى ما هنالك من الأفلام والمحاولات هنا وهناك، وخصوصاً ما سمّيت، بعد اندلاع الثورة السورية “سينما الثورة”، حيث حُقِّقَت أفلاماً وثائقيَّة عديدة كلَّفت جهداً إنتاجياً ولوجستيَّاً، ناهيك عن الأخطار الأمنية، منها: “آخر الرجال في حلب” لفراس فياض، حث فاز هذا الفيلم الوثائقي بالجائزة العالمية للجنة التحكيم الكبرى في عام 2017 في مهرجان صاندانس السينمائي، كما رُشِّح لنيل جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي في الدورة التسعين من جوائز أوسكار، وفيلم “مياه فضية.. صورة ذاتية لسورية” لأسامة محمد ووئام بدرخان، وهو فيلم وثائقي سوري عن الحرب الأهلية السورية، عُرض الفيلم لأول مرة في قسم العروض الخاصة في مهرجان كان 2024، وفيلم “عن الآباء والأبناء” لطلال ديركي 2017 حول الجهادية المتطرفة.

بقي جمهور الداخل السوري (تسمية مؤلمة حقيقةً) طوال سنوات الحرب، ما قبل سقوط النظام السابق، بمنأى عن هذه الأفلام، لأسباب لا تخفى على الأعمى حتى، حيث التغريب المتعمَّد لم يكن فقط على السينما وشباك تذاكرها وإنتاجها الحقيقي، كموقف ثقافي وإنساني، بل على الشخصية السورية، التي لم تعد تتعرف إلى نفسها. وما زلنا بانتظار مؤسسة السينما كي تقول كلمتها وتفتح أبوابها للنصوص ولجميع وجهات النظر الثقافية والإبداعية، وتفتح نافذةً للسينما الوثائقية، لا إنتاجاً أو سوقاً، أو مهرجانات فقط، بل ليتموضَع السُّوري في وقفةٍ مع الذات، لإعادة تعريف كل شيء: التراب، الآن، المستقبل، الحب.

 كانت السينما الوثائقية السورية في سنوات وجودها مصاحبةً ومرافقةً لجميع الأحداث والمناسبات في سورية حتى إعلان إنشاء المؤسّسة العامة للسينما، وما بعده أيضاً نوعاً ما، ولكن ليس لأمدٍ طويل، ولجميع الحالات المدنيَّة والريفيَّة، أي أنَّها تجولت في المدن والقرى وفتحتِ البيئاتِ السُّوريَّة بعضها على بعض، وكانت لاعباً أساسياً حاضراً في تشكيل رونق ورائحة ما يسمى بالزمن الجميل في سورية، ولا سيما بعد إنشاء دائرة السينما في التلفزيون العربي السوري (1974) عقب ولادته، والتي كان لها الدور الكبير في رسم ملامح الشخصية العاطفية والثقافية وحتى السياسية في سورية، مستغلَّةً علاقة التلفزيون بالمشاهد.. فقد قدمت دائرة السينما العديد من الأعمال الوثائقية الهامة وحتى الدرامية القصيرة المنطلقة من حياة السوري وألمه وفرحه وعطائه، منها: “دروس في الحضارة” لأمين البني، “صفحات في قصة الجولان” لبشار عقاد، “مهمة خاصة” لهيثم حقي، “القنيطرة 74” لمحمد ملص، “القنيطرة حبيبتي” لأمين البني، “النار والماء” لهيثم حقي، “المرأة” لأمل حنا، “المسيرة” لغسان باخوس.

كما كانت هي المسؤولة عن أرشفة كل إنتاج التلفزيون وحتى الإذاعة. قد يستغرب القارئ أن أول تسجيل صوتي لوديع الصافي في إذاعة دمشق، صاحبة الفضل على أغلب الفنانين العرب، تم تصويره وحفظه وأرشفته في مكتبة أشرطة التلفزيون، قبل أن يتم استبدال بكرات السي فورمات بأشرطة وكاسيتات الديجيتال، ولا أحد يدري الآن ما هو مصيره ومصير غيره من مئات الوحدات والمواد البصرية النادرة، والتي تثبت الحضور والوجود ضمن الزمن والتاريخ.

كانت هذه الدائرة تعتمد الإنتاج على فرعين: الافلام الوثائقية التي تصور بأفلام نيغاتيف (16 ملم، و35 ملم)، الأفلام الريبورتاجية التي كانت تصوَّر بأفلام الريفرسال السريعة، وبعد مونتاجها يتم إنجازها على أشرطة الفيديو.

وبعد 1987، ومع إعادة هيكلة تنظيم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، دُمِجَت جميع فروعها: دائرة الإنتاج السينمائي ــ دائرة الخدمات السينمائية ــ معمل الطبع والتحميض استديو الصوت السينمائي (دوبلاج، مكساج) ــ شعبة الرسوم المتحركة في ما يسمى “مديرية الشؤون السينمائية”، وأُطلقت بعدها حزمة من الأعمال الوثائقية والوثائقية التسجيلية وحتى الروائية القصيرة، حاز أغلبها على نسب مشاهدة عالية كونها معروضة تلفزيونياً، وكان لها الدور الفاعل في الحياة والذاكرة البصرية السورية: “المرأة الريفية” لمأمون البني، “أصوات” لمحمد زاهر سليمان، “فلسطين الجذور” لأمين البني، “يوم في حياة طفل” لأمين البني، “الطفلة والشمس” للطفي لطفي، “الخط العربي” بجزئيه لعيسى حداد، “المايسترو” لمروان داغستاني، الذي كانَ مونتيراً (فني مونتاج) أساسياً في مراحل التأسيس، “القنيطرة قصة مدينة” لغنّام غنّام، وغيرها عديد من الأفلام وصولاً إلى سلسلة “مذكرات وطن” الشهيرة لأمين البني، الحائزة على الجائزة الذهبية الكبرى في مهرجان بغداد للسينما علم 1980، وهي سلسلة وثائقية تم إنجازها عبر ستة أفلام بين عامي 1984م و1987م، ويمكن تقسيمها أيضاً إلى 15 فيلماً، اعتمد من خلالها مبدعها على: الصورة، الوثيقة، بنود القوانين الدولية، أفلام أرشيفية، حقائق، أرقام، وأيضاً وبشكلٍ أهم على التعليق الموضوعي.

الهدف هنا من التعداد مع الأسماء ليس لمَلء السُّطور، وإنَّما للتذكير والإيحاء بالجو الإبداعي الذي كان قائماً: مجموعةٌ من الشباب ذوي التحصيل العلمي والخبرات، أخذوا على عاتقهم إرساء السينما الوثائقية في ذاكرة الناس ووجدانهم، حتى لو عن طريق التلفزيون، بل على العكس استغلوا التلفزيون وسرعته في الإبداع والكشف وفتح البيئات السورية بعضها على بعض، ضمن مؤسسة حكومية، كانت ربما تريد أن تنهض وتُنجز شيئاً.

… لمَ لَم يستمر استغلال العلاقة الاستهلاكية وسرعتها ما بين المتلقي والتلفزيون الذي اقتحم البيوت وجعل المشاهد على تواصل يومي مع المعلومة والصورة وما يُحقن في عقله وذهنيته من أفكارٍ وصور وآراء؟ لا بل على العكس، أُغلِقَت دائرة السينما وأُلغِيَت لأسبابٍ غيرِ مفهومةٍ، وأشك أن من أغلقها حينها قد كان يعلم الأسباب الواجبة لذلك حينها. ناهيك عن إغلاق قنواتٍ تلفزيونية، كانت قد أُنشئت (لتوطيد) الحالة المدنية و(التلاقي) بين جميع السوريين، والإبقاء على الرسمي الناطق بلسان السلطة، والديني، والتربوي الجاف غير المُشاهَد، في الوقت الذي كان يُعتبر فرصةً ذهبيَّةً للنهوض ونفض الغبار عن الشاشة وإغنائها وإثرائها بما هو ضروري وغني وصادق على كل المستويات، لا لشيء بل لردم الهوة الكبيرة ما بين الناس والشاشة على الأقل. وما كان ذلك إلا إمعاناً في تفريغ المجتمع من قيمه الثقافية والإنتاجية الاقتصاديَّة، وبالتالي الأخلاقية، إلا من رحم ربي.

ليس الحديث عن التلفزيون هنا ابتعاداً عن الموضوع بقدر ما هو استمرارية له، طالما أن الحديث عن الوثيقة والمادة الوثائقية، والتي لا يمكن فصلها عن الهم العام والمرض العام، وطالما أن السينما بحد ذاتها وفي أغلب أصقاع المعمورة تأثرت ما بعد التلفزيون، حيث خاضت شعوب وحكومات ما تسمّى الأمم الحية معارك ثقافية حينها، لإرساء وعدم تأثر السينما بوصفها قيمة ثقافيةٍ واجتماعية، ومنتجاً وجدانياً وثقافياً ووطنياً.

اغتراب الكاميرا تحت وطأة السوق والبسطار

تنتج سلطة البسطار، من أجل سلامتها وديمومتها، شكلاً من رأس المال، يكون موائماً لأهدافها قريبة الأمد منها والبعيدة، وهذا ما حدث مع سورية والسوريين في العقود الستة الماضية، حيث جرى تحييد البرجوازية السورية العريقة، التي كانت الحامي للتقاليد الإنتاجية الأصيلة، والولادة للقيم الإنتاجية، التي لا تلقي بظلالها على الإنتاج بالمعنى الاقتصادي المادي وحسب، بل على كل ميادين الحياة، حتى أنها في مكانٍ ما، وبشكل انسيابي، تحدّد نوع الذائقة الاجتماعية عموماً، وبالتالي الذائقة الفنية.

مع إنجاب البرجوازيات المستحدثة المتوائمة وشكل السلطة، أنجبت آليات لرسم حدود لمقولة السوري، وبالتالي خياله، وبالتالي آلية تفكيره، عبر الرقابة الناعمة لرأس المال المستحدث المضافة إلى الرقابة السياسية السلطوية على الفكر. الشيء الذي أنجب بدوره حالة من الاغتراب ما بين أدوات الفكر والفن من جهة، والمتلقي من جهةٍ أخرى. المتلقي الذي تحول في موضوعنا (السينما) إلى مُشاهِد فقط، لا إلى هدف تنويري، وهكذا أصبحنا معشر السوريين، مجموعة من المشاهدين، تفصلنا عن شاشتينا الصغيرة والكبيرة مسافات خرافية. تحولنا من شعب إلى جماهير لا تعرف بعضها بعضاً، ولا يجمعها وازع أو كمون ثقافي سوري جامع.

لمَ لمْ تنفتح الكاميرا السورية على جميع بيئات الشارع السوري ومكوّناته، إلا في ما ندر، عبر عقودٍ خلت؟ لِمَ لم تُعرِّف الكاميرا السوريَّ على أخيه السوري، عبر أعمال سينمائية وثائقية، ووثائقية تسجيليَّة على وجه الخصوص؟! وحتى بعد أن طرُحت الدراما السورية صناعة لها آليَّتها الإنتاجيَّة وسوقها على مستوى العالم العربي، وظهر معها مصطلح “أعمال البيئة”.

هل تعني “أعمال البيئة” فقط البيئة الشاميَّة، والتي طُرحت أيضاً بطريقة تختصر دمشقَ حاراتٍ بأبواب، وبيوت مؤونة، ومشكلات جنسية وفزعات، وشلة “قبضايات” و”عواينية”، لتُطرح من خلالها نماذج اجتماعية تعامل معها الكائن السوري ابن الألفية الثانية على أنها محيطة به، لأنه ونتيجة للتقصير المؤسساتي، المقصود غالباً، واقعٌ في الفراغ القيمي والإيديولوجي العائد بالأصل إلى الفراغ الاقتصادي. إذ ليست لديه بدائل سوى هذه الترهات وما شابهها. إذاً فليسمَّ أيَّ شيء إلا “أعمال البيئة”، فالبيئة شيءٌ آخر، ووثيقةٌ هي الأعلى في نضجها ودسامتها.

زفير قسري على شاهدة الفُرجة

في السينما عموماً، والوثائقية والتسجيلية خصوصاً، الحاضر غير موجود، مع أن السيناريو السليم أكاديمياً يُكتَبُ بصيغة المضارع. لكن، اللحظة هي مستقبل سابقتها وماضي لاحقتها، وهنا الخطورة، هنا المسؤولية.

إذا أمكننا فقط إحصاء عدد اللهجات السورية، كنا عرفنا على الأقل كم نحن مقصّرون، فالتنوّع الجغرافي، وبالتالي البيئي واللغوي، هو الغنى بعينه، أحمقٌ من يسمِّيهِ اختلافاً: إذا أخذنا مقاماً موسيقياً واحداً (سلّم من ثمان نوتات) ونقَّلناه عبر الجغرافيا السورية سنجده كيف سيتلون ويتغير ويتقلص ويتمدد ويذوب ويتصلَّب مع الانتقال بضعة كيلومترات على طول الأرض السورية شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، ومعه تتلون الناس في المدى السوري لهجةً ونبرة صوت وتعبيراً وطريقةَ فعل وردة فعل. تتلون فعاليةً نفسيَّة…

أين الكاميرا السورية، والوثائقية والوثائقية التسجيلية من هذا كله؟ لمَ لمْ نعرف بعضنا بعضاً نحن السوريين ولم (نُشاهِدْنا) في دور السينما؟ لمَ لم ندرك خصوصياتنا قبل عناويننا العامة المحضَّرة مسبقاً؟ لم لم نتعرف إلى آخَرنا الذي هو نحن، كيف يَعشق ويحزن ويغضب ويضحك ويأكل ويشرب ويرقص وينتشي وينتمي؟ أوليسَ عاراً بمكانٍ ما أن تأتي الحروب لتُعرِّفَنا إلى ضياعٍ ومدنٍ برمتها، لم نكُن نعلم شيئاً عنها حتى اسمها؟ أوليست هذه مسؤولية ثقافية ووطنية، أمام الله والتاريخ والوطن، تم تجاهلها عمداً أو جهلاً أو لامبالاةً؟

أعطني كاميرا عالية الجودة ونصاً غير مكلف ويفضل أن يكون “سيت كوم” وخذ مسلسلاً يتحدث عن ظرافة الانحدار وتلميع الغباء، ومعه جائزة: مخرج جديد.

لو صوَّرنا وشاهدنا بعضنا بعضاً لكانَ كلُّ شيء أخفَّ وطأة… لكُنَّا إخوةً أعداءَ ربما، لكن إخوة بالنهاية. وقليل من الخجل ينعشُ قلبَ البلاد.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى