سوري عادي جداً/ سيلفا كورية

فبراير 18, 2026
ما زال على قائمة أصدقائي الواقعيين والافتراضيين من يمكن وضعهم في الصف الأول لداعمي الإدارة الجديدة، وهناك أيضًا من أداروا ظهورهم لها منذ اليوم الأول.
ما زالت تربطني علاقة جيدة أيضًا بخمسة من أبناء السويداء؛ بعضهم يدعم حكمت الهجري في العلن، وآخر يهاجمه في العلن، وواحدة لا تعنيها السياسة ولا الاصطفاف، لكنها تقف مع أهلها على قاعدة “أهلك لو تهلك”، ومع ذلك، لا تقبل التنازل عن العلم والانتماء السوري.
وأعرف علويًا وكردياً وسريانياً يسكن كل منهم في بناية مختلطة السكان، وكل منهم أيضاً يلقي تحية الصباح على جيرانه، ويذهب إلى عمله، ويعود في المساء، ثم يستيقظ مجددًا ليستأنف يومًا روتينيًا آخر في بلدٍ باتت أيامه سلسلةً من الانتظار: انتظار الفواتير، انتظار غلاءٍ جديد، انتظار الفرج أيضاً.
هذه مقدمة باتت ضرورية -على ما يبدو- لنقول إن البلد ما زالت على حالها، أو هكذا أريدها أنا وكثر أمثالي، حيث يمكنك فيها أن لا تُصنَّف، وأن ترفض أن يُفرَض عليك تصنيف، وأن تحظى بمروحةٍ واسعة من الأصدقاء والآراء المتناقضة، وأن تدعم ما تراه صحيحًا الآن دون أن يعني ذلك أنك تبصم على بياض لأي جماعة. من الأساس لا نريدها أن تكون بلداً للجماعات.
المزاج الغاضب والمحبط والمنقسم على وسائل الإعلام والتواصل طاغ لدرجة أن كل من يزور سوريا يكتب على صفحته في فيسبوك بأن الأرض لاتشبه ما يدور على الشاشات، وأن الواقع رغم قساوته، لكنها قساوة مختلفة عما يراد لها أن تكون.
المزاج الغاضب والمحبط ذاته دفع بالكثيرين إلى الصمت والانسحاب من الشأن العام، معتبرين أن البيئة طاردة وسامة ومؤذية على الصعيد الشخصي، وفيها اغتيال لكل محاولة تقديم رأي مخالف.
هناك ما يشبه قانونًا غير مكتوب يحكم هذا الفضاء؛ كما في الاقتصاد، حين تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة من التداول، تطرد الأصوات الأكثر صخبًا وتطرفًا وقدرة على القبح والشتائم والبذاءة الأصوات العاقلة والمتزنة، لا لأن السوريين قد قرروا دفعة واحدة أن يفقدوا عقلهم ويصبحوا نسخاً رديئة، بل لأن المعتدلين يتعبون أولًا، ثم يخجلون من مواكبة كل ذلك الإسفاف، ثم يصمتون، ثم ينسحبون.
وهكذا يبدو المشهد، وكأن الرداءة هي القاعدة، بينما هي في الحقيقة مجرد الأكثر ظهورًا وقابلية للانتشار.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو البلاد ثابتةً في مكانها ظاهريًا، بينما تستمر تحت السطح في إعادة تشكيل نفسها بهدوء، عبر تسويات مع كل سنوات الظلم، وطبقات الفساد وانهيار البنية الأخلاقية.
هناك تفاصيل صغيرة لا تُرى في نشرات الأخبار، ولا على وسائل التواصل، لكن تاريخ البلد يقول إن السوري في نهاية المطاف ماهر وقادر على رتق الخرق مهما اتسع.
يقول قائل: “ضاعت سوريا، وبات المجتمع يأكل نفسه في طريقه للفناء”، أبتسم كلما سمعتها أو قرأتها، جاهل من يعتقد أن البلاد تموت، لم تمت حتى حين سيطر كابوس جماعي واحد على ليالي السوريين، وعاشوا على الحبوب المهدئة، فكيف اليوم وقد صار لديهم أمل.
الثورة السورية



