عن اللامركزية في سورية -مقالات مختارة-

اللامركزية في القاموس السياسي لسوريا.. خارطة التوازن بين وحدة البلاد وتفويض الصلاحيات/ عزة شتيوي
فبراير 17, 2026
في القاموس السياسي لدمشق، تبرز اللامركزية الإدارية على خرائط المرحلة في سوريا الجديدة، وتعيد الحكومة السورية قراءة القانون 107 “بعيدا عن ألغام الفدرلة والتقسيم”. فاللامركزية الإدارية ليست مصطلحا جديدا على السوريين، بل هي جزء من تاريخهم الحديث وإنجاز ديمقراطي قدمه العقل السياسي السوري منذ خمسينيات القرن الماضي، إلى أن حاصره حزب البعث “بطوق اللامركزية الشديدة” واعتقل القرار داخل قصور النظام وفروعه الأمنية.
واليوم تؤكد سوريا أن اللامركزية الإدارية هي النموذج الأقرب للطبيعة الديمغرافية والجغرافية والسياسية لسوريا، التي تبقى فيها دمشق معقل القرار دون التفرد به، وهي المرجعية المبنية على أساس التمثيل والانتخاب الشعبي، والإدارة المحلية التي تعمل على تطبيق القانون 107 بحذافيره وضمن بيئة سياسية طبيعية لا تحتاج الحكومة السورية فيها إلى أن تتجمل بإطلاق القوانين دون تنفيذها كما فعل النظام المخلوع.
فاليوم تطرح اللامركزية الإدارية بوصفها انتقال بالنموذج السوري إلى العدالة والمشاركة والفعالية، من دون المساس بمبدأ وحدة الوطن وسيادته. فاللامركزية الإدارية ليست بديلا عن الدولة المركزية، بل هي وسيلة لتقويتها عبر تقريب وظائفها من المواطن، واستعادة شرعيتها عبر المشاركة والمساءلة، وهي فعلا ما بدأت الحكومة السورية الجديدة بتطبيقه.
تفويض المحافظين
بعد عدة اجتماعات تمهيدية عقدتها وزارة الإدارة المحلية والبيئة مع المحافظين لاعتماد ومناقشة الخطط الاستراتيجية على مستويات متعددة، ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز الأداء المؤسسي، وضمان تكامل الجهود بين الجهات الحكومية المختلفة، وتحقيق تنمية متوازنة في جميع المحافظات، أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة السوري محمد عنجراني قرارا بتفويض المحافظين ممارسة عدد من صلاحياته، وذلك بهدف تعزيز اللامركزية الخدمية وتسريع الإجراءات في المحافظات.
ووفق القرار، يفوض المحافظون بممارسة اختصاصات الوزير في تشكيل المكاتب التنفيذية وتوزيع الأعمال بين أعضائها، وتصديق عقود الإنفاق الاستثماري والجاري، وعقود البيع والإيجار والاستثمار التي تجريها الوحدات الإدارية، إضافة إلى الصلاحيات المالية في قانون العقود، والإجراءات والموافقات التي تسهم في حماية البيئة.
كما نص القرار على تفويض المحافظين بالموافقة في حالات البيع أو الإيجار أو الاستثمار، وفي كل شؤون العاملين المنصوص عليها في قانون العاملين الأساسي (تعيين، نقل، منح إجازة، وغيرها)، وإخلاء المساكن العائدة ملكيتها للوحدات الإدارية، وتفويض رؤساء مجالس مدن مراكز المحافظات بإصدار القرارات المتعلقة بشؤون العاملين في المدينة.
وتسعى وزارة الإدارة المحلية والبيئة من خلال هيكليتها الجديدة إلى دعم التوجه الحكومي نحو اللامركزية الإدارية والتنمية المتوازنة، استنادا إلى تحليل شامل للواقع المحلي مع الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا الإطار.
تاريخ “اللامركزية” في سوريا
شهدت اللامركزية الإدارية في سوريا تحولات كثيرة بسبب الحالة السياسية غير المستقرة والاستبدادية خلال حكم البعث، وبقيت تجربة اللامركزية الإدارية تتأرجح بين نصوص دستورية شكلية وممارسات مركزية لنظام “الأسدين”.
وكان النموذج اللامركزي الإداري قد بدأ بمحاولات مبكرة في خمسينيات القرن الماضي، حيث طرح دستور 1950 وقانون الإدارة المحلية لعام 1956 أسسا أولية للامركزية، ركزت على إعطاء الوحدات الإدارية شيئا من الاستقلالية.
وفي عام 1963 سيطر حزب “البعث” على الحكم وتحول النظام نحو مركزية شديدة، وأصبحت الحكومة المركزية تفرض رقابتها على كل السلطات المحلية، وتم تحجيم المشاركة الشعبية لصالح تعزيز سيطرة نظام “الأسدين”. وحتى عام 2011 طرحت اللامركزية الإدارية على شكل (القانون 107) لمعالجة التهميش وإدارة الأزمات، لكنها واجهت تحديات التطبيق الفعلي وبقيت حبرا على ورق، وتبين أنها مجرد واجهة قانونية لسد ذرائع أمام المجتمعات الدولية.
وبعد انطلاق الثورة السورية تحولت اللامركزية إلى مطلب شعبي في محاولة لإعادة بناء الدولة وإنهاء التهميش التاريخي للمناطق الحدودية والنائية، خاصة مع انهيار المؤسسات المركزية نتيجة بطش النظام وإدخال البلاد في دوامة الحرب والعنف.
ما هي اللامركزية الإدارية؟
اللامركزية هي نظام إداري وسياسي يقوم على توزيع سلطة اتخاذ القرار والصلاحيات الإدارية بين مستويات مختلفة داخل الدولة الواحدة، مع احتفاظ الحكومة المركزية بالاختصاصات السيادية الكبرى (مثل الدفاع والسياسة الخارجية وإدارة المالية العامة).
وعند تطبيق اللامركزية الإدارية تتم إعادة هيكلة أو إعادة تنظيم السلطة، بحيث يكون هناك نظام مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الحكم على المستويات المركزية والإقليمية والمحلية، بما يرفع جودة وفعالية نظام الحوكمة بشكل عام، ويعزز سلطات وقدرات المستويات المحلية.
والهدف الأساسي من اللامركزية الإدارية هو نقل الصلاحيات المرتبطة بحياة المواطنين اليومية، كالتعليم والصحة والتخطيط والتنمية والخدمات، إلى سلطات محلية منتخبة وقريبة من المجتمع، مما يعزز الكفاءة في تقديم الخدمات ويرسخ مبدأ المساءلة أمام المواطنين محليا. وهي على النقيض من المركزية الشديدة التي أدت إلى حرمان المواطنين من حقوقهم في المشاركة، وتركيز السلطة والموارد في يد دولة مركزية غير ديمقراطية، مما خلق تنمية غير متوازنة وكان أحد أسباب التوترات والصراعات.
القانون 107
في سوريا تبرز اللامركزية الإدارية على أنها نقل صلاحيات تنفيذية وخدمية إلى هيئات محلية (كمجالس المحافظات أو البلديات) تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري. وتخضع هذه الهيئات لرقابة القضاء من حيث المشروعية، بدلا من الرقابة الإدارية اليومية من قبل المركز. ويعد القانون رقم /107/ لعام 2011 في سوريا حجر الأساس للامركزية الإدارية، حيث منح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها التنموية والخدمية بهدف تعزيز مشاركة المجتمع المحلي وتخفيف المركزية. وقد توسعت الصلاحيات بموجب قرارات حديثة (2025-2026) لتشمل جوانب مالية وإدارية واستثمارية للمحافظين.
وتنص المادة السابعة من قانون الإدارة المحلية على أن الجمهورية العربية السورية تتكون من وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وهي: المحافظة، والمدينة، والبلدة، والبلدية.
ويجوز أن يكون نطاق المحافظة مدينة واحدة يمثلها مجلس واحد، وفي هذه الحالة يتمتع مجلس المحافظة ومكتبه التنفيذي، “فضلا عن اختصاصاتهما”، باختصاصات مجلس المدينة ومكتبه التنفيذي.
وتضم إلى المدن والبلدات والبلديات، مع مراعاة الحدود الإدارية للمحافظات والمناطق والنواحي، جميع القرى والمزارع التي لا تتبع أي مدينة أو بلدة أو بلدية، ولا يزيد بعدها على 15 كم عن حدود مخططها التنظيمي العام المصدق، على أن يتحقق فيما بينها الربط الطرقي أو الجغرافي. وتمثل هذه القرى والمزارع في مجلس المدينة أو البلدة أو البلدية وفقا لأحكام هذا القانون.
كما تنص المادة الثانية من القانون 107 على تطبيق لامركزية السلطات والمسؤوليات وتركيزها في أيدي فئات الشعب تطبيقا لمبدأ الديمقراطية الذي يجعل الشعب مصدر كل سلطة، وذلك من خلال توسيع وتحديد واضح وغير مزدوج لسلطات وصلاحيات مجالس الوحدات الإدارية لتمكينها من تأدية اختصاصاتها ومهامها في تطوير الوحدة الإدارية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعمرانيا.
وتعزيز الإيرادات المالية للوحدات الإدارية لتمكينها من ممارسة الدور التنموي في المجتمع المحلي إلى جانب الدور الخدمي، وجعل هذا المجتمع مسؤولا عن الحفاظ على موارده وتنمية هذه الموارد لتحسين المستوى المعيشي للمواطنين وتقديم خدمات أفضل، وتطوير فرص اقتصادية وتنموية ضمن الوحدات الإدارية تساعد على خلق فرص عمل وإيجاد حالة من التكامل بين الدور الخدمي والدور التنموي.
وخلاصة الأمر أن اللامركزية في الحالة السورية ينبغي أن تفهم بوصفها خيارا تنظيميا ضمن الدولة الموحدة، وليست خطوة باتجاه التقسيم أو إعادة ترسيم سيادة جديدة. فالفيدرالية غير مطروحة في سوريا ولا تتلاءم مع مساحة وطبيعة البلاد، بل المطروح هو توسيع صلاحيات الحكم المحلي ضمن سوريا واحدة.
وترى الدراسات أنه رغم تطبيق اللامركزية الإدارية، فإن هناك مجالات يجب أن تبقى بشكل صارم صلاحيات حصرية للمركز وللعاصمة دمشق، ولا تخضع للتفويض أو اللامركزية، وهي كل ما يتعلق بوحدة الدولة وسيادتها والتمسك بوحدة الدولة السورية أرضا وشعبا. ويقول باحثون في الشأن السوري إن اللامركزية المقترحة يجب أن تصمم وتنفذ بصورة لا تفتح أي ثغرة نحو الفيدرالية التقسيمية أو أي شكل من أشكال التقسيم المقنع. كما ينبغي رفض أي طرح يستغل شعار اللامركزية للدعوة إلى كيانات سياسية مستقلة بحكم الأمر الواقع، وهذا يحتاج إلى خطاب وطني واضح يبدد مخاوف الناس ويؤكد أن سوريا المقبلة ستكون موحدة السيادة مهما توزعت صلاحيات الإدارة المحلية.
وبحسب تقارير فإن الوضع الراهن في سوريا لا يسمح بتطبيق الإدارة المحلية واللامركزية السياسية بشكل سريع أو فوري في كل سوريا، لأنه قد يكون وصفة للفشل بسبب التفاوت الكبير بين المناطق في الجاهزية. لذا يجب انتهاج التدرج المرحلي، بحيث يتم تفويض الصلاحيات على مراحل ترتبط بتحقيق معايير محددة (كوجود مجالس منتخبة، وتوفر كوادر مؤهلة، وتحسن الأوضاع الأمنية). كما يجب إجراء تقييمات دورية خلال كل مرحلة لقياس الكفاءة والقدرات المحلية، وتصحيح المسار بناء على نتائج التقييم. هذا النهج المرن سيتيح الاستجابة للتحديات غير المتوقعة وضمان ألا تخرج العملية عن السيطرة.
نظام سياسي عادل
اتفق علماء السياسة على أنه لا يمكن الاعتراف بأن نظاما سياسيا عادلا إذا لم يتوفر فيه شكل من أشكال الحكم المحلي. وهكذا، بإعادة رسم الخريطة الإدارية السورية، نستطيع أن نخرج بالإدارة المحلية وقوانينها من دوامة فكرة التقسيم إلى تمثيل كل المكونات السورية في مناطقها، من خلال الممارسة الديمقراطية بانتخاب ممثلين لها وفقا لأسس المصلحة العامة والكفاءة والفاعلية والمردودية، وهذا هو مفهوم النظام الديمقراطي الذي تقوم عليه الدول.
وبالتالي فإن اللامركزية الإدارية الموسعة في سوريا تبدو واضحة الملامح، وتقوم على وحدة سوريا وطنا لكل السوريين، من خلال تنظيم الإدارة المحلية، وتنظيم تقاسم موارد البلد، وضمان توسيع المشاركة في الحكم وصياغة القرارات المصيرية. ولكن هذا لا يعني قيام كل محافظة بإقامة علاقات خارجية أو تشكيل جيش أو عملة أو علم خاصين بها، وإنما تعني إدارة شؤونها في قضايا التعليم والصحة والخدمات والأمن الداخلي، أما الشؤون السيادية، وضمنها الخارجية والدفاع وإدارة الاقتصاد، فتبقى في يد السلطة المركزية.
واللامركزية الإدارية في سوريا تقوم على أساس جغرافي، وليس على أساس قومي أو طائفي، لأن ذلك يتناقض مع دولة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، ولا يتم تعريف المواطن بقوميته أو دينه أو مذهبه، فالمكانة الحقوقية متساوية لكل المواطنين.
وبذلك يتوفر التنوع في الممارسة الإدارية بين الوحدات المحلية، وهو ما قد يقدم نماذج أكثر فاعلية لخدمة المواطنين، ويترك لهذه الوحدات الفرصة لتحديد الأنسب لبيئتها المحلية في مجال الخدمات والضرائب والإطار العام للحياة، مع مراعاة خصوصيات السكان في كل منطقة.
اللامركزية نتيجة ضغط دولي أم استراتيجية؟
يأتي تفويض المحافظين بصلاحيات وزارة الإدارة المحلية والبيئة بعد عام من التحرير ليطرح السؤال: هل تطبيق اللامركزية الإدارية جاء بضغط أم كان ضمن الاستراتيجية؟ وهنا يقول الكاتب والباحث السياسي أسعد الزعبي في حديث لصحيفة “الثورة السورية” إنه منذ الأيام الأولى للتحرير جرى الحديث عن نظام جديد وقوانين جديدة، ومن المعروف أن قانون 107 لعام 2011 هو قانون لتطبيق اللامركزية الإدارية. وكان النظام المخلوع قد أعطى صلاحيات قليلة جدا للمحافظين وشكل المجالس المحلية، وبقيت غير فعالة نتيجة القيود الأمنية لنظام الأسد، لكن اليوم، ومع تولي القيادة السورية الجديدة والحكومة الجديدة، تتحدد صلاحيات مثل إجراءات البيع والشراء والإيجار والإنفاق وتنفيذ العقود والوظائف وغيرها من الصلاحيات للمجالس المحلية، وهي خطوة واسعة جدا في نظام اللامركزية، الذي يبدو في سوريا أكثر انفتاحا حتى من بعض الدول الأخرى، وهي لها انعكاس واضح على تسريع تنفيذ المعاملات والخدمات في ظل التحديات والتهديدات التي أوصل نظام الأسد البلاد إليها. ويضيف الزعبي أن هذه القرارات، تطبيق اللامركزية، قرارات جيدة تساهم حقيقة في خدمة المواطنين، وننتظر نتائجها أو الحجم الذي سمحت به وزارة الإدارة المحلية لوجود لا مركزية، خاصة أنها نموذج إداري مرن وجيد ضمن إطار الدولة الواحدة.
ويقول الزعبي إن خطوة اللامركزية الإدارية من شأنها أن تخفف الضغط وتوزع المسؤولية والتشاركية ليكون المواطن السوري شريكا بالقرار والمسؤولية، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي الذي نسعى فيه جميعا إلى الاستقرار السياسي والأمني والإداري، لأن هذا الاستقرار أساس تحقيق الاستثمارات.
ويضيف الزعبي أن الظرف اليوم قد لا يسمح بتطبيق اللامركزية الإدارية بشكل كامل، خصوصا أنه لا يزال هناك تحديات وتهديدات للدولة السورية، خاصة في السويداء، وفي الجزيرة العربية السورية. وحتى ننتقل إلى لا مركزية إدارية حقيقية في سوريا، يجب أن يكون هناك استقلال مالي حقيقي للمجالس، وأن يكون هناك وضوح دستوري للصلاحيات، وتقليص لهيمنة المركز على المؤسسات أو الإدارات أو المجالس.
وحول البعد السياسي للامركزية الإدارية، يؤكد الزعبي أن اللامركزية تأخذ أبعادا سياسية تتجلى في توزيع السلطة، واقتصادية في توزيع الموارد، واجتماعية في تعزيز المشاركة والثقة بين الدولة والمجتمع.
الثورة السورية
——————————-
تصاعد الحديث عن اللامركزية في سوريا: من مشروع دستوري إلى صفقات مكوّنات؟/ عبدالله سليمان علي
فبراير 17, 2026
تصاعد في اليومين الماضيين الحديث عن اللامركزية في سوريا في أكثر من عاصمة، على ألسنة أطراف متباينة: وزير خارجية دولة كبرى، قيادات كردية شاركت في مؤتمر دولي، وشهادة أمام الكونغرس تربط الحكم المحلي بالاستقرار وإعادة الإعمار. ما كان يُطرح سابقاً بوصفه مطلباً داخلياً لبعض المكوّنات، عاد ليظهر في خطاب دولي مباشر، مع تسمية أطراف محددة، وفي سياق اتفاق قيد التنفيذ بين دمشق و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد). فهل نحن أمام إعادة تعريف للامركزية في داخل الدولة السورية، أم أمام مسار جديد لإعادة توزيع السلطة عبر اتفاقات مع المكوّنات؟
الشرارة جاءت من تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي قال إن الولايات المتحدة “راضية عن المسار القائم في سوريا”، بعد الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إبرام “اتفاقات من النوع نفسه مع الدروز والبدو والعلويين، ومع جميع مكونات المجتمع السوري المتنوع للغاية”. لم يحدد روبيو طبيعة هذه الاتفاقات، غير أن السياق يوحي بأنه يقصد تفاهمات شبيهة بالاتفاق الموقع بين دمشق و”قسد”. الأهم في كلامه لم يكن الحديث العام عن الاستقرار، بل تسمية مكوّنات بعينها كوحدات ينبغي إبرام اتفاقات معها، ما يضع فكرة التفاهم الثنائي مع المكوّنات في صلب النقاش حول مستقبل الدولة.
في موازاة ذلك، برزت مشاركة قائد “قسد” مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث حضرا اجتماعاً ضم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الخارجية الأميركي. كانت هذه المشاركة لافتة، إذ لا يشغل عبدي وأحمد مناصب رسمية ضمن مؤسسات الدولة السورية، ومع ذلك شاركا في لقاء دولي إلى جانب وزير خارجية بلادهم في إطار البحث في تنفيذ اتفاق الدمج العسكري والإداري بين دمشق و”قسد”. حضور غير رسمي في مؤتمر دولي، ومشاركة في اجتماع بهذا المستوى، يعكسان انتقال المكوّن من موقع إداري محلي إلى موقع تفاوضي في مشهد دولي.
قالت إلهام أحمد إن الاتفاق مع دمشق “لا يتضمن حلاً للإدارة الذاتية”، بل يجري بحث إعادة ترتيب مؤسساتها “ضمن إطار لا مركزي داخل الدولة السورية الموحدة”. أما عبدي فأكد أن الأكراد “يريدون حكماً كردياً محلياً تحت أي مسمى كان”، معتبراً أن الخلاف مع الحكومة السورية يتمحور حول “العناوين والمصطلحات”، لا حول مبدأ إدارة المناطق محلياً وحماية خصوصيتها. وكان عبدي قد قال في تصريحات سابقة إن المناطق الكردية ينبغي أن تُدار عسكرياً وأمنياً وإدارياً من قبل أبنائها.
قبل ذلك بأيام، وخلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، تحدث السفير الأميركي السابق جيمس جيفري عن ضرورة “تعزيز الحكم المحلي” في سوريا، معتبراً أنه عنصر أساسيّ لكسب ولاء الأكراد ومجموعات أقليات أخرى. وربط بين تحقيق تقدّم ملموس في هذا الاتجاه وبين الحصول على دعم واسع لإعادة الإعمار، مستشهداً بالمادتين 122 و123 من الدستور العراقي لعام 2005 بوصفهما مثالين على سلطات حكم محلي ضمن دولة واحدة. هنا، لم يكن الحديث عن اتفاقات جزئية، بل عن صيغة مؤسّسية للحكم المحليّ داخل دولة موحدة.
هذا التوازي بين تصريحات روبيو وشهادة جيفري يسلّط الضوء على تباين في المقاربة داخل السياسة الأميركية نفسها. فالمبعوث الأميركي توم براك أكد في مناسبات سابقة دعمه لحكومة مركزية قوية في سوريا، واعتبر أن نماذج الفيدرالية واللامركزية السياسية في المنطقة لم تحقق الاستقرار المنشود. في المقابل، يظهر في تصريحات روبيو وشهادة جيفري انفتاح على فكرة اتفاقات مع مكوّنات محددة، وعلى تعزيز الحكم المحلي بوصفه مدخلاً للاستقرار. التباين هنا لا يقتصر على اختلاف في المصطلحات، بل يطال طبيعة الرؤية: دولة مركزية قوية، أم دولة تقوم على تفاهمات مع مكوّناتها؟
ليست جديدة
داخلياً، لم تكن مطالب اللامركزية جديدة. فقيادات كردية تحدثت منذ أشهر عن الفيدرالية أو الحكم الذاتي بصيغ مختلفة. كما رفعت أصوات درزية، على وقع أحداث دامية في الساحل والسويداء وتصعيد عسكري في الشمال الشرقي، سقف مطالبها إلى حد الحديث عن الانفصال. وفي الساحل برزت دعوات علوية إلى صيغ حكم محليّ أوسع بعد موجة العنف التي شهدتها المنطقة. وكان الشيخ غزال غزال قد طالب أكثر من مرة باللامركزية والفيدرالية قبل أن يغيب المصطلحان عن خطابه الأخير ليحلّ محلهما حديث عن التشاركية والتمثيل.
في المقابل، أصرت السلطة الموقتة في دمشق على مركزية الدولة ووحدة الأراضي، ورفضت أي طرح يُفهم منه تقسيم أو انفصال، ووصفت بعض الدعوات إلى اللامركزية بأنها مساس بوحدة البلاد.
وسط هذا الجدل، أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة قراراً بتفويض المحافظين بعدد من صلاحياته، في خطوة قالت الوزارة إنها تهدف إلى تعزيز “اللامركزية الخدمية” وتسريع الإجراءات. لكن هذه الخطوة تندرج ضمن اللامركزية الإدارية المنصوص عليها في القانون ذي الرقم 107، الصادر في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، ولا ترقى إلى مستوى اللامركزية السياسية التي تطالب بها أطراف محلية. وقرأها بعض المراقبين بوصفها محاولة لاحتواء النقاش ضمن حدود إدارية لا سياسية. سبق ذلك حديث عن خطة لوزارة الداخلية تقضي بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية عبر تقسيم البلاد إلى خمسة قطاعات أمنية، تحت إشراف مشترك، في خطوة أثارت نقاشاً بشأن ما إذا كانت تعكس توجهاً نحو توزيع جغرافي للصلاحيات، غير أنها لم تُترجم عملياً على الأرض.
تكمن المفارقة في أن هذا التصاعد في الحديث عن اللامركزية جاء بعد بدء تنفيذ اتفاق دمشق و”قسد”، الذي اعتبره البعض إنهاءً عملياً لمطالب الحكم الذاتي بإعادة مناطق شمال شرقي البلاد إلى سلطة الدولة. لكن الآلية نفسها، التي قُدمت باعتبارها تعزيزاً للمركزية، باتت تُطرح نموذجاً لتفاهمات مماثلة مع مكوّنات أخرى. اتفاق يُفترض أنه أعاد تثبيت سلطة المركز، يتحول في الخطاب الدولي إلى صيغة يُقترح تعميمها.
هنا يبرز السؤال الأعمق: هل تتحول اللامركزية في سوريا من مشروع دستوري شامل إلى شبكة اتفاقات ثنائية مع مكوّنات محددة؟ وهل تعيد الدولة تعريف نفسها من الداخل عبر إصلاح مؤسسي واضح، أم يجري إعادة توزيع السلطة عبر تفاهمات جزئية تُبرم تحت عنوان الاستقرار؟ الإجابة لم تتبلور بعد، لكن المؤكد أن اللامركزية لم تعد مجرد مطلب محلي، بل أصبحت جزءاً من اللغة السياسية المتداولة في النقاش الدولي بشأن مستقبل سوريا.
النهار
————————————–
الدعوة إلى الفدرالية وخطط قديمة لتقسيم سوريا والمشرق العربي/ فراس سعد
2026.02.18
يشير غير باحث إلى أن نشر بدعة “المكوّنات” الطائفية والقومية، والمطالبة باللامركزية السياسية في سوريا، ليست سوى الخطوة الأساس للوصول إلى الفدرالية، وهو ما عبّر عنه غير مسؤول وناشط وإعلامي مستقلون أو ينتمون إلى تيارات سياسية قديمة أو جديدة ظهرت بعد سقوط النظام.
أبرز هؤلاء مسؤولة من تنظيم قسد قالت في أكثر من مناسبة إن سوريا يجب أن تكون لا مركزية، ويجب أن تُعطى حقوقُ كافة المكوّنات في المجتمع السوري.
يُجمع هؤلاء الناشطون والسياسيون والإعلاميون، تصريحاً وتلميحاً، على أن السوريين ليسوا شعباً واحداً، بل هم مجموعة من “المكوّنات” أو “الشعوب” الطائفية والقومية، وأن هذه المكوّنات تتعرض لأشكال مختلفة من الاضطهاد السياسي والقومي والطائفي. وبالتالي، فلا بدّ عند هؤلاء أن يكون الحل الطبيعي لمسألة “اضطهاد المكوّنات” أن تنال “حقوقها” في تأسيس كانتونات مستقلة عن سوريا، أو على الأقل أن تحظى بكانتونات متمايزة قائمة بذاتها في إطار علاقة فدرالية، أو حتى علاقة اتحادية كونفيدرالية. وهو ما سيبقى قائماً في سياسة وعقل قسد ومسد والمنتمين لهما، واللوبي الغربي الداعم لهما، وسنجد ذلك معبّراً عنه في مشروع “قانون إنقاذ الأكراد” الذي يعمل عليه سيناتور جمهوري في مجلس الشيوخ الأميركي؛ حيث شهدت واشنطن مؤخراً نشاطاً لجماعات تقدّم نفسها ممثّلةً عن أقليات سوريا، وترفع شعارات اللامركزية السياسية والفدرالية، في محاولة منها لإحداث أي تأثير، مهما كان بسيطاً، في الفاعل السياسي الأميركي الذي لا يترك مناسبة إلا ويؤكد على وحدة سوريا واستقلالها.
فعلى الرغم من التزامهم اللقاء والحوار مع الحكومة السورية، وتوقيعهم على اتفاق كانون الثاني 2026، فإن بعض المسؤولين من الصف الثاني في قسد وب ك ك يعلنون عن مساعيهم لاستصدار قانون أميركي لمعاقبة سوريا أشد من قانون قيصر، بدعوى حماية الأكراد من الإبادة، ولم يجف بعد حبر اتفاقية الاندماج مع الحكومة السورية، وفي وقت ما تزال، حتى اللحظة، انتهاكات تنظيم ب ك ك قائمة بحق أهلنا عرباً وأكراداً في الحسكة والمناطق التي ما زال التنظيم متواجداً فيها.
هنا يجب التذكير بأن دعوات الفدرالية واللامركزية السياسية التي رفعها بعض متظاهري الساحل قبل شهور، تلبيةً لدعوة شيخ يقيم في أربيل حالياً، تتطابق مع دعوات قسد ومسد، اللتان تريدان للنظام السياسي السوري أن يتجه نحو الفدرالية واللامركزية السياسية؛ فهي التي كانت تبرّر وجودها وهيمنتها، حتى وقت قريب، على الجزيرة السورية، وربما يسمح بقيام مشاريع انفصالية في الساحل السوري والسويداء -لا قدّر الله- على قياس “إقليمها الديمقراطي”، كما يقول مراقبون، مثلما تتطابق خطابات الشيخ المذكور والبيانات الصادرة عن مجلسه العلوي الأعلى، لناحية التأكيد على وحدة المكوّنات (الأقليات) في مواجهة الدولة السورية.
في الحقيقة، إن هذه الدعوات إلى اللامركزية السياسية والفدرالية، والنظر إلى السوريين كمكوّنات، تتوافق مع مسعى غربي إسرائيلي لاستكمال تقسيم المنطقة، ابتداءً من العراق وصولاً إلى سوريا، ومن ثم إلى تركيا وإيران. وهي دعوات تجد لها أساساً في توجهات قديمة عند برنارد لويس والمنظّر الأميركي الشهير بريجنسكي، اللذان تقدّما قبل عقود إلى الكونغرس الأميركي بمشروع لتقسيم عدد من الدول العربية إلى دويلات طائفية وعرقية صغيرة بلا حكومات فاعلة، من بينها سوريا والسودان وليبيا ومصر، وأرفقا مقترحهما بخريطة توضيحية. واقترح برنارد لويس وقتها تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، كما اقترح تأسيس دولة كردية تضم أجزاءً من أربع دول هي العراق وإيران وسوريا وتركيا. وبدوره، أقرّ الكونغرس الأميركي المشروع سنة 1983.
تزييف التاريخ كمقدمة لتقسيم المشرق العربي
والحقيقة أن مشروع تقسيم أو تفتيت المشرق العربي أُعدّ له بعناية منذ وقت ليس بالقليل، وفي حقول تبدو بعيدة عن السياسة لكنها تصب في خدمتها. فقد بدأ التمهيد لمشروع تقسيم المنطقة من حقل ثقافي هو علم الآثار والتاريخ، وكذلك من حقل التعليم الجامعي الأوروبي. لذلك لن يكون غريباً أن يرى سياسيو أوروبا ومثقفوها في السوريين والعراقيين مجموعة من القبائل والشعوب والأعراق والمذاهب والطوائف.
يكتب بيير روسي في كتابه الأشهر “مدينة إيزيس: التاريخ الحقيقي للعرب” عن التعليم الجامعي المضلِّل منذ النهضة الأوروبية؛ فمنذ القرن الخامس عشر توقفت البلدان الأوروبية عن الاهتمام بالعرب لكي ينهاروا في الرمل، ولكي ينسحبوا شيئاً فشيئاً إلى حيث يغدون، في نظر الغرب في القرن العشرين، مختصين بالجمل والقبيلة والثأر والبداوة، على حد تعبيره.
ويشير بيير روسي إلى أن هوساً أوروبياً دفع الآثاريين والمؤرخين الذين عملوا في المشرق العربي إلى تمزيق الشعب إلى شعوب أقرباء، كالمؤابيين والعمونيين والعموريين والكنعانيين والآراميين والسوريين، لأن أوروبا كانت معنية بتمييز خصوصيات عرقية أو طائفية بين تلك القبائل والأقوام، تجبر هؤلاء المؤرخين على وضع العبرانيين بينهم، وذلك لتقديم دليل تاريخي على صحة “العهد القديم”. وذلك قبل عقود من إعلان بروفسور وعالم آثار إسرائيلي هو إسحاق فنكلشتاين أنه لا دليل أثرياً على صحة مرويات العهد القديم.
إن ما تقدم ينسجم تماماً مع المشروع الإسرائيلي لإعلان دولة يهودية في إسرائيل؛ بحيث يكون من المفهوم تماماً محاولة إسرائيل تمزيق سوريا إلى مكوّنات وكانتونات دينية ومذهبية: كانتون سني، وكانتـون علوي، وكانتـون درزي… إلخ. فعندها لن يستنكر أحد وجود دولة يهودية بنفس القدر الذي تبدو فيه، إلى جوار دولة سورية واحدة مدنية تقوم على عقيدة المواطنة والتوجّه المدني الحديث.
وماذا لو نجحت هذه الدعوات في سوريا إلى الفدرالية واللامركزية السياسية وخلق كانتونات تبعاً للمكوّنات؟ ستكون كل من هذه الكانتونات حليفاً تابعاً بكليته لإسرائيل، من دون أن تسمح إسرائيل بتحالف أقليات؛ فأي نوع من التنسيق بين الأقليات ممنوع، إذ إن إسرائيل لا يمكن أن تسمح لهكذا كيانات كرتونية لا قيمة لها بأي نوع من السيادة أو القيادة أو التخطيط أو التوجيه.
ومن ناحية ثانية، لو نجح هذا المسعى -وقد نجح بالفعل في تقسيم السودان والعراق- فإن دولاً عربية إضافية ستجد نفسها في مواجهة سيناريو بعث المكوّنات ودعاوى الفدرالية، تقف على رأسها المملكة العربية السعودية ومصر، لا قدّر الله.
تلفزيون سوريا
———————————-
====================



