
13.02.2026
في أحد مشاهد ذاكرتي الحيّة، أجلس على الأرض في بيت جدّي في “شارع الخمّارة”، وأسمع جملة مندهشة في حديث نسائي كنت أنصت إليه بإمعان: “بتحب جوزها، اتخيّلي!” فتسأل أخرى باستغراب: “كيف يعني؟”، وتعلّق أكثرهن رومانسية: “قدّيش نيالها، تفيق كل يوم جنب حدا بتحبّه؟”.
كفتاة إدلبية، تعلّمتُ باكراً أن تجنّب النظر في عيون المارّة، والمشي بسرعة نحو وجهتك، أداة فعّالة لتخفيف “الشلي” (أي النميمة) التي ستتعرّضين لها. فطوّرتُ مهارات متقدّمة في المشي على الطريقة العسكرية، “نظام منضّم”، مع تخفيف كل ما يمكن أن يلفت الانتباه إليّ. فالاختفاء في مدينتي الصغيرة ليس خياراً، وأقصى ما يمكن للبنت أن تطمح إليه هو تخفيف عدد السِيَر التي تتناولها.
لم أكن أيّة فتاة أيضاً. كنت غير محجّبة، عكس غالبية بنات جيلي، وكنت ابنة امرأة مطلّقة من طبقة أقرب إلى الفقيرة، وليس خلفي “رجال أقوياء” أو بارزون أستند إليهم في الشدائد.
لهذا، توجّب عليّ تطوير أدوات دفاعية قويّة للصدّ منذ مراهقتي. لم أرخِ شعري على كتفيّ ولا مرّة في شوارع إدلب؛ كان دائماً مشدوداً على رأسي كحبال مرساة تواجه العاصفة، ما تسبّب بانحسار شعري وعرّض جبهتي.
تعزّزت قناعتي بأهمية هذه الدفاعات مع عيش مخاطر الوجود في المساحات العامّة. فأولى اللمسات التي عرفتها، وحتى أول حضن، كان تحرّشاً. أتذكّر ذلك الحضن جيداً: كنت في الصف العاشر، أقطع الشارع أمام المعهد لحضور درس اللغة العربية، عندما باغتني مراهق وانقضّ عليّ يحضنني بقوّة، وأنا أقاوم جسده كسمكة خارج الماء. حضرت صديقاتي المشهد، وعندما سألني الأستاذ في منتصف الدرس عن سبب اصفرار لوني والرجفة، أخبرنه بما حدث، فأصبح ينتظرنا بنفسه أمام الباب.
الأعضاء الذكورية التي رأيتها – العشرات منها – كانت لمتحرّشين يلتحفون العتم في زوايا الشوارع، أو يمارسون الاستمناء في المواصلات العامّة. يُشعرني التذكّر بذات الحرج والاشمئزاز والرغبة في الاختفاء.
كانوا واثقين بأنفسهم إلى درجة أن كثراً منهم كانوا ينادونني وصديقاتي، لنكتشف عند النظر إليه أنهم متعرّون. كنت أركض وقلبي ينبض كطبل. لم أسمع ولا مرّة أن مدينتي المحافظة شهدت حادثة ضرب، أو اعتداء، أو اعتقال لأيّ من هؤلاء.
قالت لي أمّي وأنا في المراهقة: “لا أحد يحاسبك على المشاعر، الأفعال هي ما ستُحاسبين عليه”. ففهمت أن المشاعر إجراءات نظرية ثانوية يمكن دفنها في القلب لتجنّب مخاطر قيادتنا نحو أفعال نُحاسب عليها. وفي مجتمعنا، يتراوح الحساب بين القتل بداعي “الشرف” أو الخروج عن شور العائلة، إلى تشويه سمعة العائلة والتسبّب بنبذها من المجتمع حتى الجيل العاشر.
في مدرسة “بليغ حمدي”، صادقت فتاة جميلة وشاطرة، لكن أهلي لم يتحمّسوا لفكرة زيارتي لمنزلها، مع أنني كنت أزور غالبية رفيقاتي من دون مشكلة. عرفت لاحقاً أن أمّ صديقتي، المدرّسة صاحبة الروح البهيّة، هي حفيدة امرأة أحبّت شخصاً متزوّجاً حبّاً جمّاً، ورفض زوجها تطليقها، فتركت المنزل وهربت معه لتمضي بقية حياتها بصحبته. حُرمت الجدّة طبعاً من رؤية أولادها، وتبرّأت منها عائلتها، وعاش “عار” حبّها حتى وصل إلى صديقتي.
ما أخطر الحب!
في أحد مشاهد ذاكرتي الحيّة، أجلس على الأرض في بيت جدّي في “شارع الخمّارة”، وأسمع جملة مندهشة في حديث نسائي كنت أنصت إليه بإمعان:
“بتحب جوزها، اتخيّلي!” فتسأل أخرى باستغراب: “كيف يعني؟”،
وتعلّق أكثرهن رومانسية: “قدّيش نيالها، تفيق كل يوم جنب حدا بتحبّه؟”.
وُلدتُ من زواج طفلة زُوّجت إقناعاً برجل لم تحبّه في حياتها، ولم تعرف غيره. كذلك غالبية النساء في عائلتي، إلى أن كسر جيلنا ذلك. لكن هل عرفنا فعلاً معنى أن نحب؟
قيل لي “بحبّك” لأول مرّة في حياتي وأنا في الخامسة عشرة، في اتصال على الهاتف الأرضي مع ابن الجيران. أغلقت الهاتف في وجهه، مع أنني كنت معجبة به. كيف لا، ولديه ملامح كاظم الساهر؟
لم أسمع هذه الكلمة من أي صديق أو فرد من العائلة قبل ذلك أبداً. وكانت أسرتي تسخر – وما زالت – من العواطف “المشلّخة” والرومانسية، وكل ما يتعلّق بالحب، ربّما كآلية دفاعية للصمود في بيئتنا المحافظة القاسية التي تراقب أنفاس النساء. فكان أفراد عائلتي يكتفون بإظهار الحب بالأفعال، كتقديم المكدوسة التي تحتوي على أكبر عدد من حبّات الجوز. أمّا عبارات الحب والعواطف، فتؤدّي بالضرورة إلى أن تُتّهمي بأنك “تمثّلين أفلام”، وتتسبّبين بـ”قلبان معدة”، في إشارة إلى القرف.
في مشهد آخر، في الجامعة، أخبرني صديقي أنه في علاقة مع امرأة لديها طفلة. بُهتُّ، فسألته بكل سذاجة: “كيف أحبّتك ولديها طفلة؟”، لم يفهم سؤالي، على رغم تكراري له. وهل يتّسع قلب الأم لغير حبّ أولادها وأهلها؟
كسر القلوب… كأثر جانبي لدفاعاتي
دفعني فضولي الى سماع وحضور مئات القصص عن أثمان خطيرة دفعتها النساء اللواتي سقطن في جرف الحب العميق، على رغم كل إشارات التحذير والأسوار العالية التي تبنيها عائلاتنا ومجتمعنا والدين والتقاليد حوله. وصمّمت – من دون إدراك – على الطيران فوقه بخفّة.
حاولت القبيسيات في فترة مراهقتي هدايتي للانضمام إلى صفوفهن. كانت في إدلب مجموعة صغيرة منهن. جلست بين عشرات الفتيات في الحلقة، بينما كانت الآنسة تتحدّث عن حبّ الله برومانسية هزّت قلبي. وعندما بدأت الفتيات بالعزف على الدفّ والغناء عن العشق والشوق والبكاء، عشت لحظة روحانية نادرة، سمحت فيها للحب بلمس قلبي لأنه “حلال” ومسموح وتحت وصاية الآنسة ورعايتها.
قرّرت بعد سنوات عدة أن أسافر إلى دمشق وأدرس الصحافة، وفي كل من هاتين الجملتين “فضيحة” لأهلي. فالإدلبيات يدرسن فروعاً “بنّاتية” في حلب، تحت رقابة الأهل وسلطتهم، إلى أن يأتي نصيبها. وبهذا أصبحت تحت ضغط أكبر لأكون “محترمة ومؤدّبة”، وأثبت أنني “بنت ناس”، على رغم سفري ودراستي هذا الفرع “المنفلت”، وألا أُسلّم أيّاً كان أيّ “مستمسك” عليّ. وهل تأتي المستمسكات ضدّ البنت بغير صورة الحب؟
عزّزت دفاعاتي أكثر، وارتديت قناع الصلابة الضيّق لوقت طويل جداً، حتى أصبح امتداداً لي، ونسيت كيف يبدو وجهي من دونه.
أصبحت بارعة في فرض المسافات، وإغلاق أيّة طرق قد تؤدّي إلى قلبي. “جلمودة”، “قاسية”، و”مخيفة” وصفني الأصدقاء. فاستعدادي لقطع أي علاقة في أي مرحلة كان عالياً. في يوم واحد، أحذفك من حياتي وتختفي كأنك لم تكن. بهذه البساطة، وبهذه القسوة.
صديقتي ديمة هي الوحيدة التي قالت لي، قبل سنوات عدة، إنني “عاطفية”، وإن ما أقوله عن نفسي هو أسوار بنيتها لأحمي نفسي من ذلك، فالعواطف ضعف، وأنا لا أستطيع تحمّل أعبائها. سخرت منها كما نفعل في العائلة وضحكت، ثم رجف قلبي، قاذفاً دموعاً لم تتوقّف تلك الليلة.
لم أدرك مدى تطوّر تقنياتي المذهلة هذه إلا أخيراً، عندما اكتشفت أقواها: العمى الاختياري عن رؤية المحبّين، حتى أولئك الذين يجاهرون بالتقرّب منّي.
أدركت الشهر الماضي، مثلاً، عندما عدت إلى صوري القديمة، أن أحد الأصدقاء المقرّبين لي في دمشق كان يعشقني لسنوات، بشكل بدا واضحاً من مجرّد رؤية صورنا معاً. كان يحيطني في كل الصور، نظراته والحب طافحان بما لا يدعو الى الشك. لكنني لم أكن أرى ذلك وهو أمامي. بل، بالأحرى، تصدّيت لهذا الحب الطافح بإسدال ستار معتم، يناقض ملاحظتي الدقيقة وذكائي العاطفي، وهما أداتي الأساسية في عملي الصحافي.
يوم التخرّج في جامعة دمشق، طلب صديق آخر أن نتحدّث وحدنا قبل أن نغادر. كان من المجموعة الصغيرة التي أمضيت معها كل أيام الدوام. كنّا نجلس على درج قسم الصحافة، نتحدّث يومياً ونخرج معاً.
أخبرني على عجل بأنه أحبّني منذ عامنا الأول. تجمّدت دهشتي وصمتُّ، إلى أن أنهى حديثه بأنه لا ينتظر إجابة، وأنه أرادني أن أعرف فقط. أجبته بأنني آسفة لأنني لم أعرف. وكان ذلك اليوم آخر مرّة نلتقي فيها.
عندما أخبرت بقية أفراد المجموعة لاحقاً، علمت أن الجميع كان يعرف، ما عداي. حدث هذا مجدّداً مع رفيق مقرّب كنا نلتقي يومياً ونعمل معاً. عندما اعتُقل قبل الثورة بسبب نشاطه السياسي، أخبرني بأنه لم يحلم إلا بي وهو في منفردته. لكنني حجبت المعلومة ومعانيها وإسقاطاتها، كما العادة. وضربتني الدهشة مجدّداً عندما أخبرني صديق مشترك، بعد أعوام، أنني كنت حبّ حياته، كما اعترف له.
مرّت قصص أخرى عدة، عرفت فيها بعد سنوات وبالمصادفة، أنني كنت لطخة عمياء في علاقات حب من طرف واحد، لأشخاص أقدّرهم، ولم يمتلكوا شجاعة زميل الجامعة لإخباري بالحقيقة. وكنت أبرّر عدم اعترافهم بأنني “مخيفة” وقويّة، وأن كثراً من الرجال في منطقتنا لا يجرؤون على التعامل مع القويّات المستقلّات اللواتي يتحدّثن بصوت عالٍ.
سقوط النظام… والسقوط الحرّ في دوّامة المشاعر
وصلت في السنوات العشر الأخيرة إلى مرحلة هجرتني فيها كل المشاعر – ما عدا الخوف. لا حزن، لا فرح، لا حب، ولا كراهية. مجرّد فراغ أسود يستشري في القلب.
عندما أُصيب شريكي السابق أثناء حصار حلب، كنت أتحدّث في فعالية بجامعة كولومبيا في نيويورك. فتحت الرسائل لأجد صورته مع رسالة من صديق يخبرني بأنه بخير. وضعت “إعجاب”، وأكملت الجلسة والتفاعل مع الطلاب، الذين وصفوني في نهايتها بأنني “أمتلك حسّاً فكاهياً عالياً”. وعندما اغتيل صديقي رائد الفارس، انهالت رسائل الأصدقاء على هاتفي للتأكّد أنني بخير. علمت منهم بالخبر. فتحت فيسبوك لأجد صورته جثّة هامدة، مع قطن أبيض في فمه. أغلقت هاتفي، وضعته جانباً، وأكملت شرب الشاي. نظر إليّ صديقي المقابل وخانته الكلمات، فجلسنا صامتين إلى أن حان موعد المغادرة.
فجر سقوط نظام بشار الأسد، انهارت فجأة صمّامات الأمان التي ربطتها على قلبي لسنوات، وتهاوت عروش دفاعاتي التي بنيتها ورعيتها منذ الطفولة، وأضفت إليها صروحاً من الدشم بعد سقوط حلب عام 2016. مفخّخة انفجرت بسدّ المشاعر لتطوف على يباسي في ذلك اليوم. فقدت السيطرة، واستسلمت للانجراف. كطفلة صغيرة في الأربعين، بدأت أتلّمس مجهول المشاعر وأتعرّف إليها لأوّل مرّة: الحب دافئ، الشوق يحرق، القهر بارد، والخذلان يوجع المعدة.
عدت إلى دمشق، وعلى عكس العائدين/ات الآخرين، لم يُدهشني الدمار ولا التعب، ولا مظهر المجاهدين في الشوارع. فقد عشت بينهم ومعهم لسنوات. أدهشتني النساء الواثقات يمشين في الشارع إلى جوارهم، والمطاعم والبارات والتجمّعات المدنية المختلطة، ورؤية أشخاص من طوائف مختلفة يجلسون معاً داخل البلد. هذا ما نسيته لسنوات خلال معيشتي في الشمال أثناء الحرب.
كانت الزيارة الأولى كافية لأن أسقط في جرف الحب من دون معدّات حماية، ومن دون خطّة “ب”. وإذا كان لعام 2025 عنوان في حياتي، فهو عام المشاعر الجيّاشة الخارجة عن السيطرة. وأنا لا أفقد السيطرة أبداً… فماذا أفعل؟
تقول الناشطة الأميركية نينا سيمون: “الحرية هي أن تعيش بلا خوف”، ويغنّي محمد منير: “وده حب إيه ده اللي من غير أي حرية؟”. وأنا أعيش مع الخوف، بلا حب ولا حرية، منذ أربعة عقود.
لكن فيض المشاعر جعلني أستعيد الماضي بعيون جديدة. اكتشفت مثلاً أنني محظوظة بمرور حب لم تعرفه غالبية صديقاتي. شخص كريم جعل من سعادتي أولى أولوياته، عاش لي ودافع عني بحياته – بكل ما تعنيه هذه الجملة من معنى. وعلى رغم أنه باع عشرتي لاحقاً مقابل قطعة خراء يابسة، إلا أن ذلك لا يغيّر من فرادة التجربة.
أدركت أيضاً أن ما قالته صديقتي ديمة صحيح. أنا عاطفية. وهل ينفع أن أعتذر من نفسي وأقول لها: “أنا فهمتك”، بعد كل هذه العقود من القمع؟ أنا فعلاً آسفة.
نشرب قهوة؟
في عام سقوط النظام، خسرت أربعة أشخاص حسبت أنهم سيبقون معي مدى الحياة. ولم أتمكّن من دفنهم في أوراقي كما أفعل عادة، بسبب غرقي في دوّامة المشاعر، فبقوا معلّقين حتى الآن. فما لا أكتبه لا يحدث بالنسبة إلي. وفي الساعات الأولى من هذا العام، كُسر قلبي بخسارة جديدة قبل أن يتوازن أمام السيل. لكن بعض الراحلين لا يستحقّون شواهد لقبورهم في مدوّنتي؛ يكفيهم حفرة نائية في زاوية الذاكرة، تنمو فوقها صبّارة مزهرة.
وبدلاً من أن تكون هذه المدوّنة قبراً آخر لخيبة جديدة، سأدفن فيها خوفي من المشاعر، وأزرع مقبرتي الجماعية التي ارتكبتها زينة القويّة زعترَ أخضر وزيتونًا، أجلس فيها مع كرسي إضافي، وفنجان قهوة ثانٍ، بانتظار من يشاركني “الصبحية”
درج



