لماذا يشعر سوريون بالإحباط بعد عام من سقوط النظام.. ومن المسؤول؟/ باسل المحمد

2026.02.17
بعد أكثر من عام على سقوط النظام المخلوع، لم يعد المزاج العام في سوريا يشبه تلك اللحظات الأولى التي أعقبت التحوّل الكبير، يومها ارتفعت التوقعات إلى مستويات غير مسبوقة، وتقدّم الأمل المشهد بوصفه العنوان الأعرض للمرحلة الجديدة، أما اليوم فيتسلّل شعورٌ مغاير إلى قطاعات واسعة من السوريين؛ إحباطٌ يتجلى في إضرابات مطلبية، من إضراب المعلمين في الشمال السوري إلى تحركات في بعض مرافق القطاع الصحي، وفي احتجاجات على ارتفاع فواتير الكهرباء، كما في الشكوى المتزايدة من الغلاء الكبير الذي طال سلعاً ومواد غذائية أساسية.
على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك الذي غدا ساحة السوريين الأوسع للتعبير بلا قيود تُذكر، تبدو الصورة أكثر وضوحاً وحدّة. هناك تتكاثر الانتقادات وتتسع دوائر الجدل، وتعلو أصوات شخصيات كانت تُعدّ قريبة أو محسوبة على السلطة، لتوجّه نقداً مباشراً لأداء الحكومة وبعض مسؤوليها.
أمام هذا المشهد لا يبرز سؤال أسباب الإحباط فحسب، بل يتقدّمه سؤال أكثر حساسية وأهمية: من يتحمّل مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة؟ الإجابة عن هذا السؤال من خلال هذا التقرير لا تعني البحث عن طرف لإلقاء اللوم بقدر ما تعني تفكيك العوامل التي أوصلت شريحة واسعة من السوريين إلى هذا الشعور، ومحاولة فهم ما إذا كان يمكن احتواؤه قبل أن يتحوّل إلى أزمة ثقة أعمق.
السلطة ورفع سقف التوقعات
منذ الأيام الأولى لسقوط النظام، سار الخطاب الرسمي في اتجاه رفع سقف الآمال إلى مستويات غير مسبوقة، مقدِّماً المرحلة الجديدة بوصفها نقطة انطلاق نحو تحوّل اقتصادي وسياسي سريع. وعود بمضاعفة الرواتب، وتسويق لمشاريع كبرى، وحديث عن انتقال نوعي في بنية الدولة والاقتصاد؛ كلها أسهمت في تشكيل صورة ذهنية لدى السوريين بأن التحسّن سيكون قريباً وملموساً.
غير أن هذه الوعود مع مرور الوقت، تحوّلت في نظر كثيرين إلى عاملٍ رئيسي في تعميق الإحباط، بعدما اصطدمت بواقع اقتصادي معقّد وأزمات متراكمة لم تُصارَح بها الشريحة الأوسع من المواطنين.
في هذا السياق يرى المحامي غزوان قرنفل أن السلطة تتحمّل القسط الأكبر من المسؤولية عن حالة الإحباط، معتبراً أن “سَكرة النصر” دفعتها إلى إطلاق وعود واسعة من دون حسابات دقيقة، في محاولة لاستثمار مشاعر الناس لتعزيز شرعيتها وتمرير قرارات مفصلية، من بينها الإعلان الدستوري بصيغته الحالية، وتحديد فترة انتقالية تمتد لخمس سنوات.
ويضيف قرنفل في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن أي وعد بمضاعفة الرواتب مثلاً يفترض معرفة واضحة بحجم الموارد ومصادرها، متسائلاً عمّا إذا كانت القيادة الجديدة قد بنت تقديراتها على توقعات بتحويلات “خليجية” لتأمين الرواتب أساساً.
ويحمّل قرنفل السلطة جانباً آخر من المسؤولية، يتمثل في التركيز المكثف على مشاريع المطارات والفنادق بوصفها عناوين للمرحلة، رغم أن الأولوية – بحسب رأيه – يجب أن تُمنح لاستعادة الحد الأدنى من التعافي الاقتصادي وتحسين الواقع المعيشي المباشر.
من جانبه يرى الباحث الأول في مركز عمران للدراسات أيمن دسوقي أن نقطة الانطلاق لمعالجة هذه الحالة تبدأ بالاعتراف بوجودها، بعيداً عن التقليل من شأنها أو ردّها إلى تفسيرات “مؤامراتية” تُحمّلها لجهات تسعى إلى تقويض الحكومة.
ويرى دسوقي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الإحباط لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل ينبع إلى حدّ كبير من الفجوة المتنامية بين واقع معيشي متردٍّ وتحديات متشابكة، وبين وعود وتوقعات رُفعت سقوفها عبر تصريحات رسمية افتقرت في كثير من الأحيان إلى الواقعية أو إلى دعمها ببيانات قابلة للتحقق.
مسؤولية النخب ومؤسسات المجتمع المدني
في مقابل الأصوات الإعلامية المقربة من السلطة، التي ساهمت في رفع سقف التوقعات بعد سقوط النظام، واصفة توقيع أي اتفاقية أو مذكرة تفاهم على أنه إنجاز، يبرز تساؤل مهم حول الدور الذي ينبغي أن تلعبه النخب السورية ومؤسسات المجتمع المدني في توجيه الرأي العام.
وفي هذا السياق يشير أحمد قربي مدير وحدة الهوية المشتركة في مركز الحوار السوري، إلى أن دور منظمات المجتمع المدني والطبقة المثقفة، بما فيها مراكز الدراسات والجامعات، لا يقل أهمية عن دور الإعلام.
ويرى قربي أن السلطة أحياناً تبالغ في رفع سقف التوقعات ورسم أحلام وردية، ما يؤدي إلى زيادة الطموحات الجماعية، وهنا يقع على عاتق المثقفين ومنظمات المجتمع المدني توضيح أن إعادة الإعمار ليست مهمة سهلة أو سريعة، وأن التجارب العالمية لدول مشابهة أظهرت أن عجلة التنمية تحتاج سنوات قبل أن تبدأ النتائج الملموسة بالظهور.
ويضيف قربي أن المسؤولية ليست فقط على من رسم صوراً وردية، بل أيضاً على المثقفين الذين كانوا متشائمين أو لم يتبنّوا قراءة واقعية للتوقعات، إذ لم يكن أحدهما قادرًا على تقديم تصور دقيق لمستوى الإنجاز الممكن تحقيقه في هذه المرحلة الانتقالية.
ويتفق مع هذا الرأي خبراء في أدبيات الانتقال الديمقراطي، الذين يشيرون إلى أن ارتفاع توقعات المواطنين في بداية مراحل التحوّل السياسي ليس أمراً مفاجئاً، بل يُعد جزءاً طبيعياً من ديناميات هذه المرحلة، حيث يُنظر إلى اللحظة الأولى بعد سقوط النظام على أنها فرصة لإنجازات سريعة وكبيرة، وهو ما ينطبق تماماً على الحالة السورية، ويبرّر جزئياً التوقعات المرتفعة التي صاحبت المرحلة الأولى بعد سقوط النظام.
استثمارات بلا تنفيذ.. فجوة الوعود والبيئة القانونية
منذ فتح باب الاستثمار في سوريا بعد سقوط النظام، تابع السوريون سيلاً من الإعلانات عن مشاريع كبرى، بين مذكرات تفاهم واتفاقيات موقّعة مع شركات محلية وخارجية، غير أن كثيرين فهموا تلك المذكرات على أنها مشاريع جاهزة للتنفيذ، ستبدأ فوراً بتوفير فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد.
ومع مرور الوقت بدا واضحاً أن النسبة الأكبر من هذه المشاريع لم تنتقل بعد إلى حيّز التنفيذ الفعلي على الأرض، سواء في مشاريع بارزة مثل “بوابة دمشق” أو “بوليفار حمص” وغيرها من المشاريع التي عُلّقت عليها آمال واسعة.
في هذا السياق يرى الباحث السياسي أيمن عبد النور أن جزءاً من الإشكالية يعود إلى عدم إدراك القائمين على السلطة لتعقيدات المشاريع الاستثمارية الكبرى، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، نتيجة محدودية الخبرة في إدارة هذا النوع من الملفات.
ويوضح عبدالنور في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن السياق الذي يحكم هذه المشاريع بعد سقوط النظام يختلف جذرياً عن السياق السابق في إدلب، فاليوم ومع التحول إلى إطار الدولة، فإن أي مشروع استثماري كبير يحتاج إلى منظومة قانونية وقضائية وإدارية متكاملة، تشمل إصلاح القضاء، وتنظيم المحاكم، وضبط البيئة الإعلامية، وتحديث القوانين الاقتصادية والمالية، وهي عملية معقدة لا يمكن إنجازها بسرعة.
ويتفق المحامي غزوان قرنفل مع هذا الطرح، معتبراً أنه لا يميل إلى تحميل الشركات وحدها مسؤولية التأخير، لأن الأصل – بحسب رأيه – أن تهيّئ الدولة بيئة إدارية واضحة وشفافة لا تُثقل المستثمرين بتعقيدات ورقية وإجرائية.
ويضيف أن التعاقد مع الشركات يجب أن يتم عبر آليات علنية ومنافسات واضحة، بحيث تُقدَّم العروض والعطاءات بشفافية، وتُمنح المشاريع للشركة القادرة على تنفيذها بالكلفة المناسبة، وعندها فقط يصبح لدى الدولة أساس قانوني واضح لمحاسبة الشركة إذا أخلّت بالتزاماتها.
ضرورة المصارحة والشفافية
أمام اتساع رقعة الإحباط وتزايد الانتقادات للأداء الحكومي، يرى متابعون أن المدخل الأهم لمعالجة هذه الحالة يبدأ بالمصارحة الصادقة مع الناس، بعيداً عن الوعود غير الواقعية أو الخطابات العامة. فالمراحل الانتقالية، بطبيعتها، مثقلة بتحديات مركبة، ولا يمكن إدارتها بمنطق رفع سقف الآمال دون توضيح الكلفة والزمن والمسار المتوقع.
ويبدو أن السلطة بدأت تلتقط هذا التحول في المزاج العام، وهو ما عكسه خطاب الرئيس أحمد الشرع في مؤتمر وزارة الأوقاف المعنون بـ”وحدة الخطاب الإسلامي”، حين أقرّ بأن التحديات في سوريا كثيرة وكبيرة جداً، نتيجة تراكم ستة عقود من الفساد الإداري والتنظيمي، إضافة إلى حجم الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية ومختلف القطاعات. وأشار إلى أن نحو مليون ومئتي ألف منزل تعرّض للهدم الكلي أو الجزئي، بما يعني ملايين المتضررين، فضلاً عن استمرار وجود مخيمات للنازحين في الداخل ومهجرين في الخارج.
من جانبه، يؤكد الباحث أحمد قربي أن الشفافية تمثل إحدى الركائز الأساسية في أي مرحلة انتقالية، لأنها تخلق نوعاً من المكاشفة حول المآلات المحتملة وتساعد على ضبط التوقعات ضمن حدود واقعية.
أما الباحث أيمن دسوقي فيربط بين ضعف الشفافية وتآكل الثقة العامة، مشيراً إلى أن الغموض الذي أحاط ببعض المشاريع الاستثمارية وآليات منحها، سواء من حيث الجدوى الاقتصادية أو من حيث خضوعها لإجراءات رقابية واضحة، أسهم في زيادة الشكوك.
وينطبق الأمر ذاته، بحسب قوله، على بعض حملات التبرعات التي تفاوتت مستويات الإفصاح والحوكمة فيها، ويضيف أن مؤشرات الإحباط باتت ملموسة، من تنامي رغبة الشباب في الهجرة، إلى اتساع أنماط الاحتجاج وتكرارها.
ويرى أن أي تعديل حكومي لن يكون كافياً ما لم يترافق مع تحول أعمق في أسلوب الإدارة العامة؛ من الاكتفاء بالوعود العامة إلى سياسات قابلة للقياس والتقييم، ومن نهج وصائي مركزي إلى شراكة حقيقية تعترف بوعي المجتمع وقدرته على المشاركة في صياغة الحلول.
تلفزيون سوريا



