مختارات ليانيس ريتسوس

مسيرة المحيط لـ: يانيس ريتسوس.. ترجمة: رفعت سلام
لم يعد بحاجة إلى تعريف، بل إلى اكتشاف دائم، وإعادة اكتشاف. فما ترجم منه إلى العربية، حتى الآن، لا يزيد على شذرات، قياسا إلى ما أبدع. قارة شعرية كاملة لها جغرافيات وتواريخ وشعوب ومناخات، تتجلى فيما يزيد على الثمانين ديوانا، لا يشبه أحدها الآخر. كل ديوان بلد شعري بكامله، له دروبه المرئية وسراديبه السرية.
يانيس ريتسوس (1909 – 1990) ولد في “مونيمفاسيا” في الجنوب الشرقي من “البلوبونيز” جنوبي اليونان. ومنذلحظته الأولى، كان منذورا للموت بالسل، ذلك المرض الذي قضى على أمه – في طفولته وشقيقه. وكان عليه أن يجابه – مع السل – الخراب الناجم عن أب مولع بالقمار حتى الجنون.
لا طفولة – إذن – ولا فراديس، بل عنابر المصحات المجانية، والتأرجح – طويلا – على حافة الحياة والموت، حافة النقاهة والانتكاس. أما بيت الأسرة فهو بيت الأشباح والذهول والكوابيس. لا عودة اليه، الا بعد عشرات الأعوام في قصيدته الأسطورية “البيت الميت” فإلى العاصمة، الى أثينا التي تموج بالمهاجرين القادمين من أسيا الصغري.
صبي يرمي بنفسه – وحيدا – الى العالم الشاسع، ليبدأ من الصفر تماما.. كاتبا ينسخ أوراقا في نقابة المحامين، فراقصا هامشيا بإحدى الفرق الفنية أو ممثلا صامتا، ثم مصححا وقارئا لبروفات الطباعة لدى أحد الناشرين.
وفي عام 1934، يظهر ديوانه الأول “تراكتورات”، ثم “أهرامات” في العام التالي، اللذين كتب معظم قصائدهما في المصحة. هما – معا – شارة على اكتشاف الشعر، أكثر من كونهما تحققا له. ولن يبدأ التحقق والحضور إلا مع “أبيتافيوس”، تلك القصيدة الجنائزية التي تتكون من عشرين نشيدا أو ترنيمة. لا خطابية ولا تعليمية. غنائية مشدودة الى الذاكرة الجمعية بوشائجها الشعورية بالغناء العامي والأسطورة الوثنية والطقس الأرثوذكسي.
والى أن تنشب الحرب العالمية الثانية، سينشر ثلاثة دواوين أخرى: “أغنية أختي” (1937) و”سيمفونية الربيع” (1938) و” مسيرة المحيط” (1940)، الذي نقدم ترجمته العربية الأول الكاملة في الصفحات التالية. وسيكون لسيد ذلك الزمن الشعري «بالاماس » أن يرسل له رباعية احتفالية: «ننحني لك، أيها الشاعر كي تمر».
وعلى الفور، يجيء الرد من جانب النظام العسكري الحاكم فينهب البوليس نسخ «ابيتافيوس » الى محرقة الكتب، أمام أعمدة معبد «زيوس» في أثينا. وتبدأ سنوات الرعب والإرهاب. سنوات عاشها ريتسوس محطما تحت وطأة المرض، في غرفة تقع على نفس مستوى الشارع، في حي شعبي باثينا. ومع المجاعة الكبرى، يصبح خطر الموت أقرب اليه.وحينما يكتشف ذلك أحد الصحفيين، يطلق صرخة تحذير في جريدته اليومية، ويتم فتح اكتتاب عام لإنقاذ حياة الشاعر. لكن ريتسوس يرفض النقود، ويطلب تحويلها الى جمعية الأدباء الشبان لتوزيعها عليهم.
هي حقبة «القرن الأخير قبل الميلاد» و«أثينا تحت السلاح» الذي سيتحول – من بعد – الى «أبعد من ظلال السرو» ثم «يونانية» و”سيدة الكروم”. سطوع مباغت للصور وحساسية في الاستلهام تنبثق منها يونان طبيعية شهوانية، نبيلة ولاذعة. أبدية للهيللينية، تذوب فيها الطقوس القديمة والاساطير البيزنطية والأعمال الفدائية لقطاع الطرق والأنصار. ابدية للتمرد، ونداء للجزر والرياح والبحر، كي يمتزج الجميع.
وفي 1948، يتم اعتقال ريتسوس ضمن أكثر من مائة ألف معتقل الى الجزر. كابوس بلا تسمية، لكنه سيتخلل شقوق أشعاره في تلك المرحلة. ويقود «لوى اراجون» -الشاعر الفرنسي الكبير- ومجلة ” الآداب الفرنسية “حملة للدفاع والافراج عنه. وعندما يتم نقله الى جزيرة أخرى” يكتب «اركان العالم» و«النهر ونحن». ويفرج عنه، فيصدر “سهر” ( 1954).
واربع سنوات من المضايقات الإدارية، ويبدا السفر الى “الاتحاد السوفييتي” فرومانيا فتشيكوسلوفاكيا. وفي فجوات الوقت، يترجم مايافسكي وناظم حكمت وهنري ميشو ونيقولا جيين. ويتزوج عام 1954، ليكتب لطفلته – في العام التالي – «نجمة الصباح». وكل عام يجيء بديوانين أو ثلاثة: «سوناتة ضوء القمر» (1956)، «تأريخ » و «البعيد» (1957)، «عندما يأتي الغريب » (1958)، «النافذة» و” الجسر” (1959). وتنفتح الدائرة التراثية عام 1962 بـ” البيت الميت ” و«تحت ظلال الجبل»، وبعدهما “فيلوكتيت ” (1965) و«أوريست» (1966).
واذا ما كان التكنيك يظل ” تكنيك الاعتراف “، فإن المقدرة على المواربة تتزايد، ويتخفى الشاعر وراء الشخوص التي يقدمها بإيجاز في المفتتح ليتركها -من بعد -الى الحديث في مونولوج طويل. وانطلاقا من «سوناتا..» يعمل كل ديوان استعادة وبلورة لذلك الشكل المستحدث الذي يسمح بتنوع الرصد بلا نهاية، ضمن حركة الذهاب والإياب داخل القصيدة، والتذبذب الذي يلتقط كافة ظلال الحلم والفكر والوجود.
وخارج هذه القصائد الطويلة والتي تصدر مجتمعة عام 1973 في سفر ضخم بعنوان «البعد الرابع» يكتب ريتسوس مجموعات من قصائد قصيرة مستلهمة من الحياة اليومية. نصوص مكثفة تأخذ شكل الشذرات، تسعي الى ابتعاث جزئيات الحياة، والى التركيز على اللحظات المتعاقبة للنهار. وتصدر هذه القصائد القصيرة تحت عنوان «شهادات» في جزءين، عامي 1963و1966.
ويعود الحكم العسكري من جديد عام 1967. ويعود ريتسوس الى الاعتقال بالجزر اليونانية. من «يا روس: جزيرة الشيطان» الى «ليروس» حيث تبدأ القصائد حتى الهذيان: إيماءات غريبة، اوضاع متضاربة، عفونة، كلمات معلقة أجساد وتماثيل مبتورة، معتوهون وعميان وعجرة، أفعال بلا وعي، انزلاقات وانقطاعات في الفكر وسرد موجز للاشياء المتباينة كأنه لابد -بأسرع ما يمكن- من ملء الصدع الذي يهرب منه العالم.
وبدأت حملة واسعة – بتحريض من “أراجون ” للمطالبة بالإفراج عن الشاعر، ضمت أشهر الأدباء في فرنسا وايطاليا وألمانيا والبلاد الأنجلوسكسونية واسكندنافيا. ويفرج عنه في ديسمبر 1968، محدد الإقامة في منزله في “ساموس”، ممنوعا من الاتصالات والخطابات والسفر. ولن يتمكن من الحصول على تصريح بالسفر الى أثينا إلا بعد عام من الإقامة الجبرية حقبة كئيبة تنغرس اصداؤها في قصائد ديوان «الممر والسلالم » توقفت الحياة الثقافية تماما. وقائمة الممنوعات تغطي كافة مجالات الفكر والفن. وباب الهجرة مفتوح على الناحيتين: الهجرة الى المنفى والهجرة الى الصمت الداخلي.
ويخرج ريتسوس – من سنوات الصمت الأخيرة – بلا رصيد منشور، لينشر-من بعد – العديد من الدواوين التي تضم القصائد القصيرة «أحجار، تكرا رات، قضبان» ويماءات» و«الممر والسلالم»، وبعدها القصائد الطويلة ذات الطابع التراثي: «هيلين» و«اسمين» و«عودة ايفيجيني» و«كريسوثيميس».
وفي يوليو 1974، يسقط النظام العسكري. وتنتهي سنوات العذاب وأربعون عاما من المحن والصراعات الداعية. أربعون عاما من الغناء والمراثي والملاحم، التي تعكس آمال وبصيرة اليونان المعاصرة. ذلك ما منحه الجائزة الدولية الكبرى للشعر عام 1972، والتي سبق منحها لأونجاريتي وسان – جون بيرس وأوكتافيوباث. وهو ما أفضى الى ترشيحه للحصول على جائزة نوبل.
” لم أكن أعرف – من قبل -أنه أعظم الشعراء الأحياء في عصرنا. أقسم أنني لم أكن أعرف. ولكنني عرفت ذلك رويدا رويدا، من قصيدة الى أخرى، بل من سر الى آخر، حيث في كل مرة رجفة الاكتشاف الجديد: اكتشاف إنسان واكتشاف بلد، أعماق إنسان وأعماق بلد”. ذلك ما كتبه عنه «أرا جون».
أما هو، فيقول – في اعوامه الأخيرة – “أحس بأنني طفل يافع وأن عمري يمتد الى ملايين السنين. أنا شيخ شاب، وطفل عجوز وأنا أغتني بما أفقد. وكل عام يمر، أزداد فتوة بما أكسب، أي بما أفقد. حينما كنت في الثالثة والعشرين، كتبت: ” عندما أستيقظ كل صباح، أرى من خلال النافذة المفتوحة السماء المزهرة في البحر، أشعر أني أبدية اصغر من البارحة “. والآن، وبعد كل هذه الأعوام، كم من الأبديات احمل فوق أكتافي وفي جسدي وروحي لقد عبرت ميتات كثيرة، وسأموت في النهاية وأنا أحمل بعض الأبدية، أجل، أنا متفائل. لقد خرجت من أحلك الظلمات خرجت حيا من الأمراض، ومن جلسات التعذيب. ويمكنني القول إنني خرجت من أغرار الموت. التفاؤل ليس سهلا، وليس وسيلة سهلة لتجاوز الصعوبات أو تجاهلها. تفاؤلي لا يتزعزع، وهو راسخ لأنه ينجم – تحديدا. عن اليأس “.
بداية النص:
—————————-
ميناء ليلي
الأضواء غريقة في الماء
وجوه بلا ذاكرة أو ترابط
تضيئها الأنوار العابرة لسفن بعيدة
ثم تغرق في ظلال الرحلة
أشرعة ماثلة مزية بمصابيح الحلم
كأجنحة مكسورة لملائكة آثمين
جنود بخوذات بين الليل ونيران الفحم
أيد جريحة كالاعتذار الذي جاء بعد الأوان.
سجناء مربوطون إلى المرسى
سلسلة حول عنق الأفق
وسلاسل أخرى في أقدام الأطفال
وفي أيدي الفجر التي تحمل باقة زهور.
والصواري عابرة على عد النجوم
بمساعدة ذاكرة معلمة مطمئنة
– باقة من نوارس في الفجر الساكن .
اللون يرحل عن وجه النهار
والضوء لا يستطيع العثور على تمثال
ليدخل ، فينال المجد والسكينة .
فهل سنظل – إذن –
نحمي بمرح الشمس المفتوح
الذي يفيض ببذور الزهور
على نفس المسيرة
على نفس الهدف
في شرايين الربيع الخصبة
عندما يستأنف السنونو دورانه
بحثا عن عدم عاشق
على القبة الزرقاء المنيعة ؟
أي جرح
لم يضمن لنا – حتى الآن –
أن نصل بجنة الرب إلى الكمال ؟
كانت لدينا حديقة على حافة البحر.
وكانت السماء تنزلق إليها من خلال النوافذ
فيما الأم جالسة على المقعد الخفيض
تطرز حقول الربيع مع أبواب مفتوحة في منازل
بيضاء
مع أحلام بجذوع الأشجار على السطح القش
مرسومة على زرقة فاتحة ناصعة.
لم تأت بعد
سأتطلع الى الغرب وأراك
– في شعرك بريق وردي
– في عمق البحر طيف ابتسامة .
أمي تمسك بيدي
لكنني وراء كتفها الحاني
وراء شعرها الشاحب
الذي يلتمع بأريج الصبر والنبل
أتطلع – في وقار- الى البحر.
هناك في منحنى الجبال الأزرق
يناديني أحد النوارس في أعماق المساء.
تهشمت المرآة التي رسمت حدود الفجر والحديقة.
وبالنايات الحرية للزهور
دفنا السونو الأول، أول أمس.
ثم جلس الأطفال وحيدين عند نافذة المساء
ليشهدوا الشمس المحتضرة.
وراء جدار الباحة الأبيض كان الطريق يصحو
وحالما تلاشى الضوء الذهبي في البعيد
صعد الظل الهائل للجبال
مع خطوة الموت الصامتة إلى أيدينا البيضاء
إلى قلوبنا
إلى جبهاتنا المحنية.
أمي، من الذي يدق
الجرس اللازوردي على الأفق ?
غيمة فضية بجوار القمر.
صيادون عجائز
لم يعد لديهم قوارب ، لم يعد لديهم شباك
يجلسون على الصخرة ويدخنون غلايينهم
يتأملون أحزان الترحال والظل.
لكننا لا نعرف شيئا
عن الرماد في مذاق الرحلة.
نعرف الرحلة ونصف دائرة الأفق
الأزرق الفاتح مثل الحاجب المخيف لإله البحر.
نقفز في القوارب
نرخي الحبال
ونغني للبحر
محدقن في الغيمة الفضية
بجوار قمر ربيعي.
أية مدينة مرصعة بالجواهر
تنام وراء الجبال ?
أية أضواء ترتجف في أغوار الليل
تنادي علينا؟
هناك قبور صغيرة بيضاء
لنوارس بريئة
بعيدا في جزر مهجورة مجهولة
لم تعرف سوى الضوء القادم من المحيط الليلي
هناك وضعنا أزهارنا الأولى .
شهقتنا الأولى والفكرة الأولى.
سمعنا أغنية البحر
فلم نعد بقادرين على النوم .
أمي
لا تمسكي بيدي .
البحر . . البحر
في عقولنا وأرواحنا وشراييننا البحر.
رأينا سفنا تحمل بلدانا أسطورية
هنا على الرمال الذهبية
حيث يتمشى عابرو المساء.
ألبسنا محبات طفولتنا طحالب مبلولة .
قدمنا الى آلهة الشاطئ حصى وأصدافا لامعة .
ألوان الصباح تذوب في الماء
ونيران الغروب على أكتاف النوارس
الصواري التي تشير الى اللانهاية
تفتح أبوابا عند حلول الليل
مرفرفة فوق نومنا الحجري
متألقة، أبدية.
وأغنية البحر
تأتي عبر النوافذ الصغيرة
فترسم حدائق وأحلاما مضيئة
على الجوانب الرطبة والجباه النائمة.
إيقاع مؤرق أليم
على الصخور القاحلة في الخارج نبصر الجمال
نحن الأطفال المشردين الحفاة
وفيما نمشي بأقدام عارية في البحر
نسمع صوته الذي يرتجف بأصداء هادئة
مع الوميض الفوسفوري للنجوم
التي تزرع حكايات ذهبية في الأعماق الخضراء.
قلب مهيب
قلب طفل بلا شبهة
لا تتبرأ منه أبدا.
مددنا أيدينا لنقطف زهورا من النجوم
لنقطف نجوعا من دقات قلوبنا
التي ردت على نداء البحر لنا
بأن نعتصم بحبل الجمال
ونحن نسافر الى اللانهاية
على طريق قمر الصيف الهائل
المرسوم على البحر المباح.
عرايا، تصارعنا على الرمال في الظهيرة
بأجساد مبلولة لأطفال الثانية عشرة من العمر
من أجل العناق لا الصراع
من أجل الصراع لا الانتصار
الانتصار وحده .
شعر ملحي
أفخاذ أحرقتها الشمس
الموجة الملهوفة في القبلة
البحر فيما ما وراء الفوران.
الظهيرة تنحدر صاخبة في زوبعات من نار
تطوي بيوت الصيادين بلهيب أبيض
فتحرق القلوب التي لا تقاوم .
خارج النوافذ نسيم البحر الرهيف
الوجه المضيء للسكون
في ذاكرة الصيف البيضاء
مع بصيص طيفي، داكن الزرقة
منحرف على وجنته الملساء.
نفس ذهبي لماء لا نهائي
شباك تتشمس على الصخور
قوارب مملوءة بفاكهة وزهور
وهناك بيوتنا
بيوتنا مكتوبة على البحر.
إيماء من الشاطئ
من الصخور الحمراء
من زهور الزنبق الصغيرة
والبنات.
من ينادي علينا
من شرفة بيتنا ؟
بنينا بيتنا في البحر
هناك لآلئ في الأصداف
وغابات مرجان هائلة في الأعماق المعزولة .
صنعنا ناينا من العظام التي أخرجها مساء أمس
في باحتنا غناء العاصفة .
أنصتي الى أغنيتنا ، يا أمي،
أغنية الرحلة الجديدة.
أنت يا من تنوحين على الموت
لا تعرفيننا.
البحر لا ينوح.
بل يغني .
متحررة من طقوس الأحد.
باحة مطلية بالأبيض
في مواجهة البحر برج الكنيسة الصامت
الذي دق يوم كل الأرواح للبحارة .
والآن يقهقه في ضوء الشمس .
في أفواهنا غليون أبينا
تحت قبعة المدرسة.
وعلى صدورنا مطرز الصليب الجنوبي
والعذراء العجوز.
بدلة بحار قاتمة مزررة حتى العنق
وعندما ترانا الفتيات
نتخذ المشية المائلة لقباطنة جابوا العالم.
ويرتعش في نظرات الفتيات
صوت غابة صباحية شاسعة
موسيقى حقيقية واضحة.
لكن فيما المنازل الساكنة تحيينا في حنان
بنبات المسك المتدلي على الجدار الأبيض
فسوف يدخلنا من جديد ، ليقهرنا من جديد
الضوء الباهر من المحيط العظيم .
ها أنت هناك أيها القبطان
تأكل خبزك الجاف على عجل
والزيتون الأسود المنقوع في الملح والشمس
على قمة صخرة منحدرة.
إنه وقت الإبحار
ونحن نلتقط أنفاسنا
يرتفع شراع الزفير الأزرق الفاتح
وطياته المضيئة تتماوج
وهي تتلاشى خلف الصدور الساكنة للجبال
النائية.
قلوبنا التي عرفت البحر
لا تعرف الحدود.
علم الصحة الراسخ مغروس في الصخر
يحيّي السماء ، يرفرف فوق الرجال .
وظلال باردة كبرى من بحر الصباح
مع جزر وأشرعة بيضاء
في الازدهار الكامل لمنتصف مايو.
القمر الفضي يعكس
جموعا زاحفة في عزلتها خلف الصخور.
على وسائد الطفولة أصداف صقيلة
وفي المحيط الأزرق للنوم
أصوات السرينات مع قياثرهن من عظام الأسماك .
آه يا ربة الجزيرة النائية
الرواسب الكلسية تتسلى في كهفك البحري
كأنها ترتل نوم السكون الشاحب
كأن صدرك الناصع يتنافس مع دائرة البحر الزرقاء
المضاءة بالنجوم
وهناك باقة ذهبية من نحل
حول النبع حيث يمرق الضوء في وهن
وهو يعطر ظل الأشجار الضخمة –
فأنت تعرف أن الماكر سوف يرحل .
– “لايرتيس” مع كلبه
سوف ينتظر فوق الصخرة سدى.
حين خرج عاريا من البحر
ذهبيا من ماء الفجر
فارتسمت عظام عانته في إطار الشمس
هربت ناوسيكا مع العذارى الفاتنات المرعوبات
خلف الأشجار
وأقدامهن الحافية ترفرف في الهواء كسرب حمام
وضوء أبيض ينعكس على العشب الأخضر.
. . . في الخارج على الشرفة بجوار البحر
مائدتنا المسائية المتقشفة
غمس الربيع الخبز القمحي في النبيذ
ورسم القمر في السر
على أباريق خزفية يونانية
مشاهد من طروادة .
كنت تعرفن أننا سنمضي، يا أمي،
وملحت عشاءنا بدمعة
وأنت محنية وحزينة تحت النجوم
والفتيات – اللائي كن خطيبات أوديسيوس –
تنهدن على عتبات نافذة الجزيرة .
سفحنا الدم والغلال مع الأشرعة العالية والغيوم
فوق المياه الناصعة
مع زوارق خشبية صغيرة في خلجان زرقاء
تفوح – في رقة – بالوداعات
مع القبلات بجوار القوارب عند حاجز الأمواج القديم
وراء طاحونة الهواء الصيفية المهدومة
متأهبين للرحلة الكبرى الى المجهول .
وعندما عدنا في المساء
بأيد دامية وركبنا مكسورة
حاملين غنائم التعب:
أيقونات مائية تتنكر للشكل
أجراس مساء وردية اللون
ندم الفوران
خواء الصراع –
هناك تحت ظل المقبرة عند البحر
أدركت عيون طفولتنا الصمت
سمعنا مجيء الليل
سمعنا ناي الجمال
الذي يمنح العزاء للجبين الحزين ،
ويبرر المصير .
من الذي يهشم روح الرب وفرحتنا
من الذي يقسم الصمت الى آلاف الأسماء والنجوم
التي تضيء في حركتها أيدينا
وترسم دوائر من العزلة على نفس البحر،
التي تستبقي نار الخلق
دون أن تبقى ؟
طيور البحر ترفرف عند كهوف الصخر الصامتة
رسوم لملائكة مطرزة بنجوم عند الحافة المتآكلة للماء
بالقرب من الحصى المقاوم
في الظل الأخضر لحاجز الأمواج
تحت العيون المدهوشة لأولاد حالمين .
جرح يوم الفراق
الذي يخط في الدم آفاقا وذكرى
يرسم نقيصة الرب
الإيماءة الحلم الخلق.
معرفة صامتة
في عيون الأطفال الواسعة
على الشفاه الحازمة للمراهقين
الذين لم يحصوا حطام السفن
معرفة تمجد النجوم المنفرطة من جرح الرب المفتوح
لتداوي جرح الإنسان.
أغمضنا عيوننا
في سريرنا الموروث الأبيض .
المصباح انطفأ
وفي إطار النافشة يومض البحر في السر.
خلف الأسيجة والأشجار
سمعنا صوته العالي ينادي علينا
فيملأ نومنا بمشاهد لازوردية
مزهرة بأشرعة في بياض الثلج
بحدائق من نوارس مستغرقة في التفكير بلا صوت
جاثمة على الحافة الصخرية للمجهول
فوق الهوة المظلمة الآسرة .
من هناك أسمتنا صيحة الرب .
غدا سنسبح من جديد
غدا سنرتحل من جديد .
غدا سيطالبنا الفجر بالصبر.
وسوف نرد على البحر.
كتبنا السطر الأول على الرمال
والصواري الصابرة ترقبنا في عبوس
والموج يهمس حنينا لا ينتهي .
أقمنا على الصخر كأننا منحوتون في سرب طائر
وحدقنا في أقمار تخط دوائر
تسألنا سر سفن تحمل أشباحا بيضاء
سر الرحلة التي لا تنتهي
والمرسى الذي لا يحتمل الماء
لمسنا جرحنا ووقتنا
وهربنا .
الرحلة دائما لنا
والهدير الدائم للبحر.
وصلت السفن عند الفجر
محملة بالقمح والفحم والنبيذ
من أجل القباطنة الحالمين
من أجل وقود النيران .
طوحت بالخبز والنبيذ والفحم
وبقيت عاريا في البحر
بلا رداء يغطي ضلوعك
أو حب يخبِّئ عينيك .
كانت الساعة ملونة كلؤلؤة سرية
للتأمل العميق للفجر
وصوتها البعيد مترع بالخطر والإغراء.
نظرت الى جسدك في الماء
فأحببت الماء ونسيت جسدك .
أيتها الرحلة بلا متاع
نار بلا فحم
جوع بلا خبز
عطش ونشوة بلا نبيذ.
فات الآن أوان الرجوع .
لو كانت الموجة أكثر دفئا من الحب
والسفينة أكثر دفئا من الميناء
أنت – نفسك – تعرف
أن الطيران يغنى في شعرك
وأنت تواجه الأفق بنفير البحر
صاخبا بارتحال أبدي .
رحلت السفن وتركتنا
بلا خبز أو نبيذ أو فحم
في منتصف البحر.
بكينا طوال الليل
انحنينا على نعش أبيض لنورس .
مصباح أمي يشرق من بيتنا
غصن نحيل من ضوء
في الكف الرهيفة للعذراء.
نوم ثقيل عند الفجر
في حكاية الأصداف
والشموع ذابت
في الكنيسة المجاورة للبحر.
وكانت السفينة تنتظر
بمقدمة منحوتة في ضوء الفجر
كسيف للريح.
النوم في هذا المساء بقلب ممرور
يشبه خبز صيادين في العاصفة
غدا سنقتلع الصلبان من المقبرة المجاورة للبحر
ونصنع قوارب الأطفال
وننحت في شواهد القبور
تماثيل صغيرة للجمال والبحر
لنملأ البيت المهجور
لنغوي الحياة وأنفسنا
رغم رب النكران
دون رب الرحمة .
ضاعت الصواري
غاص الدخان
وراء المنحنى الصامت للماء
مثل ركبة أم تنام
والرحلة الساهرة في صدورنا
ساهرة كالريح والبحر في المساء الشتائي .
تلال ناعمة تسافر في الضباب
والشمس المريضة ناعسة
على صخور المساء البليلة.
الكراكي في الأعالي
مثلث للندم .
قداس صغيرة للعزلة في مطر المساء
حامل أيقونات سان -نيقولا على الشاطئ
حيث يتوقف الخريف
ليلقي بعملة من الأسى المرير ورقة شجر صفراء
فيما هدير العاصفة يتلاشى على الرمال المظلمة
تحت ضوء النجوم الباكي في سبتمبر صامت .
فلتلملم مرمرا أزرق من أيام اللعب والبكاء الطفولية
فقد تنحت تمثال المحيط
ملطخا يديك بالدم في أصيل غائم
حينما يرسم الانعكاس الشاحب للبحر
دائرة من ندم مضيء
عاليا في الهواء الخاوي .
في البيت الأخضر الصغر على الشاطيء
فاجأنا الشتاء وحيدا.
الشرفات هجرت
وعلى الشاطيء الشاحب
يخطو الضباب بلا صوت .
أوراق صفراء فانية
موت صامت لليرقات
طحالب تسد الأبواب والطرقات
ذاكرة مشجرة بأشجار السرو.
عند منحنى الطريق ظل الصمت .
من النافذة رأينا آخر زوار الصيف يرحلون
والزورق الصغير سلاله فارغة .
السفن تنام في الميناء
وأعلام الريح الرمادية
ترفرف على الصواري العارية.
عما قليل سيأتي المطر المحزن
ليزيل الأسماء الغنائية
ورسوم الطفولة
ووميض البحر
من قوارب الصيف .
في ومضة ضوء
سنقرأ المصير في كفوفنا المفتوحة
ولن نملك كلمة واحدة نطعم بها العزلة
أو كسرتين من خبز لنطعم العصافير القليلة
التي تموت على الطريق المعزول.
الأشجار على جانب الرصيف محنية ومهجورة
– قشرة خشبية للصيف
في الغسق المنهوب .
أين ذهب أوركسترا الفتيات الصغيرات في الحديقة البحرية
هناك حيث سكر البحارة في المساء وسط الأشجار
وتقافزوا – راقصين في الهواء
لأن عملة القمر الذهبية انعكست
في شعر الفتاة خلف نباتات الريحان .
في الليالي
يتمشى الانعكاس الأخضر الهائل للبحر
وحيدا ، مهجورا على الصخور المنحدرة.
صامتين نمر خلال غرف مظلمة
أمام مرايا معتمة لم تعد تعرفنا
ونسمع خطى الصمت
والريح والبحر
على حواسنا الناعسة .
شيء ما من أمان الفراغ
باب موصد في المساء
أو موكب من أشجار السرو
مرسوم في الضباب الفضي لضوء النجوم الخريفي .
وعندما يهطل البدر المعزول بالصبر والسلوى
نفتح النافذة ونبتهل .
نحمدك يا رب
على أن تركتنا وحيدين هكذا محزونين هكذا
كي نستطيع التحديق بلا رهبة في السماء
ونكون أنقياء وبلا حدود مثل اللانهاية
منسيين ومجهولين مثل المجهول.
ليل. أقف في الباب المظلم
الجبل المخفي يمتد بعيدا
يتلو اسم الرب في العاصفة الثلجية للنجوم
في الظل الشفيف حيث ينام الرجال ويموتون
في العزلة التي تعيد صوتي ألف صوت .
أين ذهبوا جميعا
ليتركوني أحدق في كفي الخاويتين،
لأصادق الصمت والمطر؟
حزين حتى الموت
أرى السماء الخاوية
وأحتمي بغيمة كبيرة
وأنا مثل حمل حزين، مهجور ووحيد
في منتصف واد مظلم .
آه، يا رب، لماذا رحلوا عني جميعا؟
تحت ثيابي الممزقة
أمتلك قلب الطيور والأزهار الحاني،
(كم من ليلة بكيت فيها سرا
على جرح فراشة).
فليذهب كله. فلينهب كل شيء .
فسوف أبقى مرة أخرى قي مواجهة السماء الفسيحة
في مواجهة البحر الشاسع
لأغني بلا مرارة أو شكوى.
فليذهب كل شيء
فحينما أبقى وحيدا أقترب أكثر من الناس
فأقرب أكثر من الرب .
أسمع صوتي
مهجورا في الريح
وأدفئ أيامي .
جوقة طفولة تتبع المساء
وهي تعري الصمت
وهي تحيي الربيع .
لكنني ، يا أمي ، ما أزال بردان .
حل المساء.
جدا جد الخريف الأخيرة تتمازح في الظلال عند الأسيجة
بأصوات صغيرة واثقة.
فلتفتش قلبك
عن الشمس التي رحلت.
وإذ يمتد الشفق الى أرواحنا
سيقطر أريج وردة قطرة ندى على الرموش ،
والضوء الأخير للمساء
على يدين عاريتين معقودتين
على وجه تحول الى رخام
بفعل القوس الفضي للبحر.
أخذوا منا أغنية البحر
قيدوا أقدام بحرنا.
أطفال مدهوشون وصامتون بأهداب ملحية
بعيون زرقاء واسعة
نمر-خائفين – عبر مدن كبيرة
تحت مستشفيات تفوح بالنوم والعرق
تحت بيوت بمصابيح حمراء
تحت أبنية كبيرة
نبتعث ليل الدم والغنيمة .
أمي يا أمي
تنكرنا لحكمة دموعك الحانية
فأين يدك الغفورة باحتمالها الصبور
أين يدك
فلعلنا نسمع الفجر والبحر
وندفئ عزلتنا؟
أمي
السماء ماتت في دموع البريء.
—————————–
مختارات من كتابي الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس(1)
يوميات معتقل
يانيس ريتسوس
(اليونان)
ترجمة بول شاوول
الشاعر اليوناني الكبير يانيس ريتسوس عرف تجارب عديدة في المعتقلات حتى تحت دكتاتورية العسكر. لكن اقسى ما عانى ريتسوس هو ما عانى، بعد الحرب مباشرة. عندما اعتقل على جزيرة ليمنوس (شمالي غربي بحر ايجه)، في تموز 1948، حيث كتب الاجزاء الاولى لـ«يوميات معتقل»، اضافة الى قصيدة طويلة «القِدْر المدخنة». ونقل الى معتقل ماكرونسيوس عام 1949، على الرغم من الاوضاع الرهيبة للاعتقال. كان يستيقظ كل صباح، قبل جميع السجناء، ليكتب قصائده، على دفاتر صغيرة او على علب السجائر. ثم يخبئها في نصوصه وقصائده الرائعة، المتمثلة بيومياته الصادرة بالفرنسية في كتاب، نختار بعض من هذه الكتابات التي تعبر عما عانى، وكابد، وتذكر، وكيف نام، وأكل، وعن وضع السجن، وزملائه السجناء.
وننشر، لاحقاً، وضمن النصوص التي صاغها في سجنه «18 اغنية للوطن الحزين»، في حلقة ثانية.
————————–
[ 1 تشرين الثاني 1948
للضباب اجنحة سوداء مثل الغربان.
وليس له اي عيون.
بعَمَاه يبحث عن عيون في جيوبنا.
كما البصارة بالورق تبحث في اكفنا.
لم يعد في وسعنا ان نخبئ اي شيء
هنا، الاشياء تعود وهي خارجة
كحذاء قذر ننزعه في النوم
وكل الاقدام حافية وكذلك الوجوه.
من يوم الى يوم، بتنا نتكلم بصيغة المفرد.
لكل ظل يشكل «تذكر»
لكن ظل يد أُمّ غائبة
يأخذ شكل كل صوت لا يعارضك
تصبح فنجان قهوة، قطعة خبز،
تيرمومتر، وحتى الموس قرب الطاسة في المرأة الصغيرة
مصابيح الغرفة اثنان.
تشعل زجاجها بالجرائد
انت واحدة وانا اخرى، نحن في الخدمة اليوم.
حركاتنا تكاد تكون واحدة.
لا نتبادل النظرات
نحن نستمتع بهذه المشابهة.
ننظر من النافذة السماء الضائعة في الضباب.
لكل الاشياء اذن تعبيره الدائم.
————————–
[ 9 تشرين الثاني 1948
حلَّ الخريف فجأة. رائحة مطر
الرياح الجنوبية العاصفة تقتلع العلّيق
وتلصقه بالاسلاك الشائكة، نرتدي ستراتنا.
ندس أيدينا في جيوبنا.
سقطت غيمة في وسط الطريق
اخذت جانباً الاعمدة التلغرافية، وقالت
لها شيئا ما.
لكن، ومهما قالت، نعرف
ان الخبز هو دائما الخبز والعدالة هي دائماً العدالة.
ولا تتم كثيرا اسرار نقاشها.
مرَّ اتوبيس بعد الظهر مُحمّلاً بالطحين.
خلّفَ وراءه رزمةً ممزقة وقشور برتقال
خرج المعتقلون واحداً واحداً وبوّلوا على الخشب
وهم يدفعون الريح بجباههم
ثم وقفوا ونظروا الى الغيوم.
ودائما في مكان ما، روائح الصمغ والزيزان
————————–
[11 تشرين الثاني
هبط الليل وليس عندي ما اقول.
عندما لا نعثر على كلماتنا، نعثر على الصمت.
افكر في سلحفاة تلم قوائمها ورأسها.
هناك، بلا شك، كثير من الصمت، لا افكر.
كان عندنا، هذا المساء مغيب شمس كالتي نشهدها
بين زمنين، عندما يكبر الأطفال
وليس لها اجنحة في نومهم، والارانب لا تتناقش،
ولا تعرف من يحبها ومن لا يحبها
وليس لصمت السلحفاة الداخلي اي معنى.
علينا عندها ان ننام. اطفئوا المصابيح.
————————–
[ 15 تشرين الثاني
وصلت الجرائد. الصينيون يتقدمون.
خرجنا الى الباحة. قمر ضخم،
قمر أصفر ضخم. ونحن، كيف نصمد
في هذه الحجرة، في هذه الاسلاك الشائكة،
في هذا الوقت!
————————–
[ 17 تشرين الثاني
اشعلنا ناراً ببعض الاغصان،
سخنّا ماء، واغتسلنا جميعاً عراة
في الخارج، في الريح التي كانت تهب
شعرنا بالبرد. ضحكنا
ربما لم يكن ذلك بسبب البرد، بعدها،
مرارة بقيت. هرّتي، بلا شك،
خارج المنزل المغلق، تتسلق النوافذ
تخرمش النوافذ. ولا استطيع ان اكتب
اليها كلمة او كلمتين، اشرح فيهما
انها لا تظننا انني نسيتها لا استطيع
————————–
21 تشرين الثاني
يوم أحد آخر.. صُداع
كثير من السجائر. النوافذ لا تنفتح
لم يعد عندي سوى اسبوع
من المطر ولحاء أشجار اللوز المحطمة
ضوء شحيح في النافذة. ست قطع صقيع
فتيل المصباح لا اعرف هو الصمت بالمقلوب.
أحصي مربعات الغطاء
استغرقت ساعة لأفهم كيف ان سلة خبز
هي فقط سلة خبز. فكرت في ذلك
ولا اصدق. وعندها، كيف يحدث ان
تسقط ازرار قمصاننا،
وكيف يحدث، ما دامت الليالي تعبر على الدروب،
وفي الفجر كنا نجد على جدار الغرف
ثقوباً تخلفها مسامير النجوم؟
يوميات معتقل(2)
————————–
[ 24 تشرين الثاني 1948
يوم حجري، كلمات حجرية
يساريع تتسلق على طول الجدار
بزّاقة تحمل بيتها
تخرج على العتبة
ويمكن ان تبقى هناك، او ترحل،
الاشياء هي كما هي.
هذا لا شيء.
وااللاشيء ليس حنوناً.
انه حجري.
كل شيء ينسى قبل ان يُقال.
والصمت ليس ملجأ.
————————–
[ 25 تشرين الثاني
احباؤنا بعيدون
الرسائل، نادرة
الذبابُ يموت من البرد
نراها تسقط أرضاً
ثم نكنسها.
————————–
[26 تشرين الثاني
هذا البرد يعقد لنا الأمور
الماء مجمد، الطعام مجمد
السماء البيضاء ملتصقة بزجاج النوافذ
شمس ثلجية طوابع بريدية قديمة
وحدها الاباريق تحفظ
شيئاً من الذكرى ومن المنزل
————————–
[29 تشرين الثاني
بطاقات ـ رسائل مراقبة. ثلج.
اتذكر حذاء عسكرياً
مملوءاً بالثلج
أريد أن أعطي الاشياء معنى
ليس فيها
رجل بلحيته
طاولة
لا طاولة
مقبض الباب كان دافئاً
فيما مضى
كَيدٍ
مع هذا، فهذه الليلة كالليلة الأخرى
كان القمر ذاته يُتائس
————————–
[30 تشرين الثاني
عندما يذوب الثلج
من الممكن ان نسمع صوتنا
أهذا ممكن؟
————————–
[1 كانون الأول
لم يعد عندنا وقت للنظر
مع اننا منذ ايام عدة ، نفكر
في النظر
الى ظل مواشٍ على غيمة
صبية تجرف الزبل
بضع وجهات نظر على الهضاب
لها علاقة بالأسلاك الشائكة
وُجوه الريح في الريح
دعوا الكلمات
احضروا الموتى، على ابواب
بسرعة بسرعة، أسرع.
كلب يمزق الهواء
بخطمه
قذارات الاسبوع
عظام، ثلج، قصائد
على السرير.
أرق. السيجارة. الريح
لا اريد أن اتكلم.
من يُصغي هكذا؟
————————–
[3 كانون الأول
الأرغفة والسنوات تعفنت
قل شيئا على شيء من الخفة
تستطيع اليدان أن ترفعه
لا تأتي الاشياء
كما ننتظرها
الغيمة ليست دائما
قلباً طيباً
والمفتاح الأكثر سرية
ضاع ذات يوم.
————————–
[4 كانون الأول
إسحبْ حذاءك ايها القمر
مُمدداً على ظهري، لا يأتيني النوم
اتقلب على جنبي، فأتألم.
الباب مفتوح
لا استطيع الرحيل منه.
————————–
[ 6 كانون الأول
بُكلاّب كلمة
أمعلقة الشمس؛
انت غير عادل
————————–
[7 كانون الأول
على علبة السجائر
كنا ندون ارقاماً بسرعة
لا تطابق شيئاً
جمع ـ طرح ـ جمع ـ طرح
مع هذا، من فرط العد والعد
نتوصل حيناً الى عدم البكاء
————————–
[ 8 كانون الأول
يوم هادئ.
ارى الاشياء كما هي.
يداي في جيبي.
من ترى اشكر؟
————————–
[ 9 كانون الأول
احفظ غُبارَ شعرك
ياقتك المرفوعة ذات بعد ظهر في الشتاء
قرب الحافلات القديمة.
هناك التقينا بدلا من هنا
قبلّتُ ظلَ القِطار
على الطريق المجهولة التي كنت تسلكينها
دائسة بقدمك قشة يابسة.
————————–
[ 13 كانون الأول
الكرة، دائماً بين
ركلتين.
وأنا، أنظر الى نفسي العب
متفرج وحيد
عوقب لأنه لم يحزن.
يعمل الناس على قدر ما يعانون
ويعانون اكثر مما يطيقون
سنحمل حجارة
سنقطع أخشاباً
سننظف الغرف
وأنا على قدر ذلك.
————————–
[14 كانون الأول
يوم اثنين مثلج
يوم ثلاثاء في استمرار يوم الاثنين
الذي لا يبدأ ولا يكمل شيئاً.
المجذاف منكسر
جرس العاصفة
مظلّة
ريبة الخبث الابدية.
الوحل من هنا
حتى هناك
لم يعد وحلاً.
نمشي فيه بحرية
————————–
[ 19 كانون الأول
الجو بارد قشّرنا بطاطا
غسلنا ايدينا صففنا شعرنا
بقينا واقفين والمشط في اليد
المشط يؤكد دائماً الشكوك
في ان الأمور ليست بهذه السهولة.
————————–
[23 كانون الأول
التجاعيد نفسها موجودة دائماً
تحت كل «كلا».
إلا أنها تتكاثر
وتحفّر.
————————–
[24 كانون الأول
كل صباح أسراب من البجع البري
تتوجه نحو الجنوب.
نراها، جامدين.
يتعبنا التحديق في الهواء.
ونخفض رؤوسنا بسرعة.
————————–
[27 كانون الأول
الجدران أربعة
أعدّها.
أصابعي خمس
أعدّها.
غطاء أبيض ثلثاء أبيض
حصان أبيض
ثلج موحل
لا أعرف الرقم
المستحيل لأقرر.
————————–
[29 كانون الأول
عبر الغابة
وفي عمقها أسَدُ نائم
أمشي ببطء وعصفور على كتفي.
————————–
[4 كانون الثاني 1949
وفجأة
ذكرى العصافير
غارقة في المجهول.
————————–
[5 كانون الثاني
النوافذ الثلاث المضيئة
للمنزل المغلق.
أكان منزلنا فيما مضى؟
————————–
[6 كانون الثاني
للقمر
كثير من الغرف بلا مستأجر.
أبسبب ذلك، إذن؟
بسبب ذلك!
————————–
[8 كانون الثاني
قال: تركت كل شيء غير مكتمل؛
دعني.
تذكر.
يداي تُصغيان إليّ.
تركت كل شيء غير مكتمل؛
أشفق عليّ.
للحيوانات والكراسي
أربع أرجل
وأنا لي واحدة.
————————–
[10 كانون الثاني
عليك أن تُقَيد وحدك يديك.
تقيّدهما.
الليل يقطع الحبال.
————————–
[ 13 كانون الثاني
خلفي، النافذة
كأنما ظهري محمل
بسلال من الزهر
من جديد؟
مرة أخرى من جديد؟
لا تفكر.
————————–
[ 22 كانون الثاني
أخيراً
تظهر لك المرآة:
اليدان مقطوعتان
بينما لم يعد لديك من يدين لتصفق بهما
انتصارك.
————————–
[25 كانون الثاني
استندنا إلى جدارِ
الغرفةِ لحظةً
اتقاء للريح.
كان رجل عجوز ينظر إلى غيمة.
رأيته يبتسم في ضوء
الغيمة هادئاً
وهكذا بعيداً من الرغبة والألم
حسدته
الشيوخ على توافق مع الغيوم.
وها نحن نتأخر عن الشيخوخة.
(معسكر المعتقلين السياسيين في ليمنوس، 1948 1949)
يوميات سجين (..) (3)
————————–
[27 كانون الثاني
قلت
مركب رُسِمَ
بالطبشورة
على باب السجن الداخلي.
هل تخدع الموت؟
أنت لا تخدعه.
————————–
[3 شباط
طوال الليل
يقضم الموتى قطعاً مجلدة من القمر.
لم نعد نعرف ماذا نفعل
لكي لا نسمع.
والفئران تأكل خبزنا.
الخوف أكبر من الغضب.
————————–
[7 شباط
ظلالٌ محملة بالحجارة
الأسلاك الشائكة
نسيت لفظَ اسمك
الصحيح.
هرّ أسوَد يركض
القمر معلق بذيله.
غريب.
مثل هذا الصمت الكبير
ولا أحد يستيقظ.
————————–
15 شباط
أين تنتهي هذه الأسلاك الشائكة؟
البزاق يزحف على ملابس المقتولين.
مع هذا نحن لم نأت إلى هذا العالم
لنموت فقط.
بما أن في طلوع النهار
تفوح قشرة الحامض.
————————–
19 شباط
شمس حقيقية
لا يشعر المرضى بشهية.
وكلهم مرضى.
نرمي كثيراً من الخبز في البحر.
على الأقل تأكله طيور النورس.
فجأة تنقطع النقاشات.
نبقى خارج أصواتنا.
نصغي، لا نصغي إلى الأمواج.
تحت كل كلمة
ميت.
————————–
[21 شباط
هؤلاء الرجال فهموا أموراً كثيرة
يتكلمون قليلاً، لا يتكلمون أبداً.
يحفظون مفاتيح عديدة في جيوبهم.
ليس عندهم أي باب ليفتحوه.
مساء الأحد يجلسون
على درجات الحجارة
ولا ينظرون إلى النجوم
لا يصغون إلى البحر
لا ينامون بصعوبة.
إذا كان سيحدث شيء جيد
فسيأتي منهم.
————————–
[23 شباط
أبيض، القمر
يكركر
كبطن جائع.
كان «مانوليس» يقول:
كل شيء سيجري على ما يرام.
هذا ما كان يقول قلب «مانوليس»
مانوليس
في المياه العميقة
مع الطحالب العمياء.
————————–
[ 24 شباط
المصباح يرصد يدين مكسورتين
والرِّجل المقطوعة التي لا تعرف إذا كانت رجلك.
عندها اجتمعنا أسفل جدار كبير
متجاوزاً كلّ من ناحيته
تلك الرِّجل المقطوعة التي كانت رِجلنا.
————————–
[ 3 آذار
متاع المعتقلين على الأرض.
عود الثقاب الذي تشعل يُحدث ضجة كبيرة
وتخرج من السيجارة شعلة ضخمة
حذارِ
————————–
[ 24 نيسان
ظل الورقة عكس الشمس.
إنزع حذاءك. استرح. أو تذكّر.
تفوح من أيدي الحطابين رائحة الصمغ.
فتيات صغيرات خلف السلال
تفصل أزهار الموت عن الأزهار الحمراء.
خطؤك أنك لا تريد أن تموت
لكن ربما الموتى جائعون أيضاً.
————————–
[25 نيسان
الغربان هذا العام قِطَع قرميد
على سطح الصيف.
يتلمس الخوف طريقه كيد الأعمى
على مزلاج الباب.
أنت تجلس لأنك مُتعب.
أنت جيد لأنك خفت كثيراً
تنسى بسهولة لأنك لا تريد أن تتذكر.
أنت لا تنسى.
————————–
[4 أيار
أحدهم يُدخّن قرب المحرس.
نجمة المساء تنظر عبر الجبل
كأنما أخطأت في الباب.
أعمدة الكهرباء تُظلم
تتصلب بقوة
خوفاً من أن تلتوي.
————————–
[5 أيار
أحدهم تكلم. الآخر لم يُجبْ.
اهترأت الكلمات تحت عيونهم
كأحذية مثقوبة تحت السرير.
يضيء المصباح في المستشفى
كما تنغلق نافذة،
أقلت: ربحنا؟
نصر أعزل، مرتاب، صار منسياً أصلاً.
مركب يذهب وآخر يأتي
إنسان يذهب وآخر يأتي.
أين ترى سيتوقف الموت؟
الرماد يغطي النار
والعَلَم المقتول.
من انهزم من انهزم
تحت العلم أو بلا علم
ميتاً.
لن نعرف أبداً إذا كان قد ندم.
————————–
[10 أيار
أحياناً ندمدم أمام الخبز
أحياناً نختبئ خلف دخان سيجارة.
أحياناً ننتظر كلنا معاً
أحياناً نشعر بالخوف فرادى.
مضينا بعيداً.
في الساعة الفلانية، من سيمر؟
————————–
[17 أيار
زورق العيادة الذي ينعكس في الماء
أبيض مع خط مشمشي على طوله
جميل
هكذا في إناء الصمت الصباحي
مثل حزن قديم في قصيدة جديدة.
————————–
31 أيار
أزهار حديقتك كبرت بسرعة
بنفسجات كبيرة صفراء أو بيضاء
على قامتك
نظفنا النوافذ الزجاجية
والثريا
يفوح الصابون في غرفتك
دغدغت ملابسك وكتبك.
آه يا كاني
نحن هنا
في زاوية منديل
عقدنا قَسَمَ العالم.
(معتقل ماكرو نسيوس 1950)
******
أغنية صغيرة من أجل الوطن الحزين
ترجمة: بول شاوول
وثماني عشرة أغنية للوطن الحزين كتبها أيضاً أثناء اعتقاله. فهو بعدما اعتقل عامي 1948 و1952، ها هو يعود الى السجن عامي 1967 و1972 في جزيرتي ليروس وساموس.
هذه النصوص من نتاج السجن والمنفى. وقد كتبت في معظمها في معسكر بارتيني، ولاروس. وأثناء وجود ريتسوس في المستشفى بعد تعرضه لوعكة صحية، نقل إليه سجين آخر طلباً من الموسيقي اليوناني الكبير تيودور اكيس، يتمنى فيه على ريتسوس أن يكتب له نصوصاً ليلحنها. ولبّى ريتسوس طلب صديقه. واللافت أن شاعرنا كتب هذه الأغاني (مقطوعات قصيرة) في يوم وحد، وبنفس واحد.
وقد ترجمنا كل هذه الأغاني الثماني عشرة.
————————–
[ المعمودية الجديدة
في الألم والنشيج نُعمّد كلمات فقيرة
تأتيها أجنحة، فتطير عصافير وتغني.
وهذه، كلمة السر كلمة الحرية
وبدلاً من الأجنحة، تخرج نصالاً وتخرق الهواء
————————–
[ حديث مع زهرة
بخور مريم، بخور مريم، في الصخرة المشققة،
أين استطعت ايجاد ألوان وازهرت، عنقاً وتحركت؟
في الصخرة، قطرة قطرة، قطفت الدم
وحكت به وشاحاً وأنا أحصد حالياً الشمس.
————————–
[ انتظار
وهكذا كبرت الليالي في الانتظار
حيث تجذر الغناء ونبت كشجرة
وهؤلاء، مقيدون، وآخرون بعيدون في المنفى
يصدرون نفساً مُرًّا آه! وتطير ورقة حَوْر.
————————–
[ شعب
ما من سيف ولا رصاص في معركة الشعب الصغير
من أجل الخبز لكل الناس، الضوء والغناء
تحت لسانه يمسك الشكوى والهتاف،
وإذا تظاهر بأنه يغنيها، تذوب الحجارة.
————————–
[ قداس الموتى
في زاوية، الجَّد واقف، وفي أخرى عشرة أبناء،
على الطاولة، تسع شموع غارقة في الرغيف.
تنتف النساء شعورهن، والأطفال يصمتون،
في الكوة، تسهر الحرية وتتنهد.
————————–
[ فجر
فجر ربيع صغير مليء بالشمس والنعمة،
أين هي العيون لتراك، وترحب بك؟
جمرتان في المبخرة، حبتان من البخور
وصليب من الرماد على عتبة الوطن.
————————–
[ هذا ما عاد يكفي
بتواضع وبقليل من الكلمات ينظر في الأرض
ظل عصفور صغير ويقيس ارتفاعه.
وما القول؟ وماذا ينفع؟ اللعنة ما عادت تكفي.
بكل أسف، بندقيته القديمة، معلقة في شجرة الإجاص البرية.
————————–
[ نهار أخضر
نهار أخصر مشع، منحدر جميل،
على قرع الأجراس والنعاج، بين شقائق النعمان والآس.
تحوك الفتاة مهرها، والصبي سلته
والتيوس على الشاطئ ترعى الملح الأبيض.
————————–
[ ليتورجيا
تحت أشجار الحور، عصافير وبلابل معاً
بدأت ليتورجيتها مع شهر أيار الجديد.
تلتهب الأوراق كالشموع على مساحة الوطن
ومن أعلى السماء، نسرٌ يقرأ الانجيل.
————————–
[ الماء
تحت الصخرة، قليل من الماء مبارك من الصمت،
وعبر رصد العصفور.. ظل الغار الورود.
قُطّاع الطرق يشربون منها سراً، يغسلون أعناقهم
كعصافير الدوري ويحمدون أمهم المسكينة، اليونان.
————————–
[ بخور مريم
عصفور وردي صغير مربوط بخيط
بجناحيه المتموجين يطير نحو الشمس.
إذا راقبته مرة واحدة، يمنحك بسمته.
وإذا راقبته مرتين، تبدأ بالغناء.
————————–
[ الفتيات النحيلات
فتيات نحيلات يجمعن الملح على الشاطئ
من شدة انحنائهن، وحزنهن، لا تريان البحر
وشاح، وشاح أبيض، يشير اليهما في الأزرق
وغير منظور منهن، يسود كآبة.
————————–
[ الكنيسة البيضاء
الكنيسة البيضاء ملء الشمس على المنحدر
تلتهب في نافذتها القديمة والصغيرة،
جرسها يقرع عالياً، معلقاً بشجرة الدلب
طوال الليل من أجل عيد الشعب القديس.
————————–
[ كتابة على شاهدة ضريح
سقط الـ«باليكار» ورأسه مرفوع
التراب الرطب لا يغطيه، الدود لا يلمسه.
الصليب كجناح على ظهره، ينطلق دائماً الى أعلى
ويمتزج بالنسور الكبيرة وبالملائكة المذهبة.
————————–
[ هنا الضوء
هنا، على هذا المرمر، الصدأ السيئ لا يُفلح
ولا القيود في قدم اليوناني، في قدم الريح.
هنا الضوء، هنا الشاطئ، حروف ضوء وأثير
تحفر أحرفاً على الصخور وتخرق القيود.
————————–
[ بناء
هذا البيت، كيف يُبنى، مَن سيركب الأبواب!
الأذرع الآن نادرة، وثقيلة جداً الحجارة.
أصمت: الأذرع، في العمل تقوى وتنمو
ولا تنسَ: الموتى طوال الليل يساعدوننا.
————————–
[ وعد
تصمت/ العصافير، تصمت الأجراس
ويصمت أيضاً اليوناني المجروح، وموتاه.
وحده، بلا عون، يشحذ أظافره
على حجر الصمت، ويعد بالحرية.
————————–
[ لا تبكِ ما هو يوناني
ما هو يوناني لا تبكيه عندما يكون له أن ينحني
ويصطاد الوحش بحد الشمس.
——————–
يانيس ريتسوس – إيماءات – ترجمة: سعدي يوسف
*بعدَ المطرْ
ظلّت تمطر أياماً. وكل ما أراد أحدهم أن يخبرَ به الآخر،
بعد أن جرى تمحيصهُ بعناية-
تأجلَ.
وانطوى.
وحُمل بعيداً في حقائبهم.
لقد غادروا.
الآن، تتمشى حلازينُ كبيرةٌ على رخام الباحة،
حاملةً على ظهورها أبراجاً صغيرةً ونواقيسَ،
إنها تتسلّق الأقحوانَ،
إنها تدخل برودةً متأنيةً.
توقفت هيلين لتنظر، وغمغمتْ،
((ترى، هل الحلازينُ سعيدةٌ؟.))
كان الآخرون صامتين.
جرجرَ السؤالُ نفسَهُ بوثوقِ هاديء.
تاركاً خلفهُ خيطَ فضةِ رطباً.
* * **
*شَيء لمْ يُنجز
غيوم على الجبل.
من الملوم؟ما الملوم؟
صامتاً، متعباً، ينظر أمامه
يستدير، ينحني
الصخور في الأسفل،
والطيور في الأعلى
جرّة في النافذة
ونباتاتٌ شوكيةٌ في الوادي.
يداه في الجيب.
ذرائع، ذرائع.القصيدة تتأخر.فارغ.
الكلمة يدل عليها ما تخفي
* * * *
*يَأس بِينلوب
لم يكن السبب أنها لم تعرفه
في ضوء النهار الكابي،
وهو متنكرٌ بأسمالِ الشحاذِ.
لا…
كانت ثمة علائمٌ جليّهٌ:
الندبةُ على صابونة الركبة
الجسدُ المفتولُ
النظرةُ الماكرةُ
كانت خائفةً
تميل، لائذةً بالجدار.
لقد حاولتْ أن تجد لها عذراً ما
أن تجدَ تأخيراً تتفادى به الإجابةَ
كي لا تفضحَ أفكارها.
أمن أجله أضاعت عشرين عاماً
منتظرةً
حالمةً؟
أمن أجل هذا الغريبِ الرثِّ
الملطخِ دماً
المبيضّ اللحية؟
سقطتْ. فاقدةً الكلامَ على كرسي.
حدقتْ في العشاق المذبوحين على أرضية القاعة
كما لو كانت تحدّق في رغباتها الميتةِ.
وقالت:أهلاً…
كانت تحسّ بصوتها قادماً من البعيد
وكأنه صوتُ سواها.
النَّولُ في الزاوية
يُسقط ظلالاً على السقف، كالقفص.
والطيورُ التي نسجها بخيوطٍ حمرٍ برّاقةٍ
بين أوراقٍ خضرٍ،
استحالت، بغتةً، رماديةًو سوداءَ
تطيُر منخفضةً على السماءِ المسطحةِ لمحنتها النهائية.
* * * *
*إِهمَال
يقول:هكذا تألفُ كلَّ شيء.
حتى الشيُء الذي أدهشنا، يوماً
هو الآنَ مبتذلٌ بائخٌ.
ليست الأشياء، وحدها، التي تبهتُ
وإنما عيوننا تبهت أيضا-
إنها الآن تُشيحُ عن الزجاج الملون
عن الأضواءِ الاصطناعية الحادة-
إنها الآن تفضّلُ الممرّاتِ المعتّمَة
أو الأنفاقَ التي لا تتمايز-
إن تماثُلَها هو كالزمن.
وأنت لن تفاجأ إذا هطلَ المطرُ فجراً،
أو دقّت ساعة المدينةِ الثانيةَ عشرةَ ظهراً،
أو أن الساعاتِ التي تنتصبُ خارجةً، لا مباليةً،
وحيدةً، كشيفة في العراءِ- لا تبتلّ.
امرأةٌ مجهولةٌ تتجوّلُ حول المنزل،
شعثاءَ الشعرِ
ترتدي جواربَ نايلون مهملةً
تنحدر على سَاقيها.
* * * *
*منَ الذَّاكِرة
أشعةُ إكس قديمة لرجال مسلولين.
في مظاريف صفرٍ كبيرةٍ بأعلى خزانةِ الملابسِ،
مليئة بالغبار_
ليلة بعد ليلة حين يصفر القطارُ في الضواحي،
ليال بحوامل شموع طوال،
على الأرض تنتثر مربعاتُ ورقٍ صغيرة
كانت تضمُّ مسحوقَ مداواة ِالسعالِ-
حين انسكبَ القدحُ على الملاءاتِ، مدَّ ساقيه خارجاً-
كانت ركبتاه هزيلتين ،وكان الشعرُ جافاً-
كان لديه انتصابٌ-
طرقٌ على الباب
طرقٌ شديدٌ.
غطيناه بسرعة، وركضنا نحو الممر،
وقفنا خلف الباب ،وأنصتنا:
لم يطرقوا ثانيةً.
* * * *
قصائد لـ: يَانيس ريتْسوس
من مجموعاته الشعرية : (أحجار،إعادات، إيماءات)
ترجمة: سعدي يوسف
والصادرة عن: دار المدى للثقافة والنشر
————————–
َلامٌ شَهوانِيٌّ/ يانيس ريتسوس
ترجمة تحسين الخطيب من الانجليزية
————————–
I
نومٌ شهوانيٌّ، بعدَ الوصالِ. ملاءاتٌ مبلَّلةٌ بالعرقِ
تتدلّى منَ السّريرِ حتّى الأرضِ. أَسمعُ في نوميَ
النّهرَ الجَبَّار. في ايقاعٍ يتلكّأُ. جذوعُ الأشجارِ الهائلةِ
تتدحرجُ معهُ. في أغصانها ألفُ عصفورٍ
يجثمُ ساكناً، يرتحلُ مع أغنيةٍ طويلةٍ
من ماءٍ وأوراقِ أشجارٍ، تقطعها النّجومُ. أُمرِّرُ
يدي، بخفّةٍ، أسفلَ عنقكِ، خائفاً
أن أقطعَ أغنيةَ العصافيرِ في نومكِ. غداً، في العاشرةِ-
حينَ تفتحينَ مصراعَيِّ النّافذةِ، وتندفعُ الشّمسُ في الغرفِ-
سوفُ تُرى العضّةُ فوقَ شفتكِ السّفلى أكثرَ وضوحاً في المرآةِ
ويستحيلُ البيتُ أحمرَ زاهياً، كلُّ شيءٍ مُرقّطٌ
بزغبٍ ذهبيٍّ وأبياتِ شعرٍ قصيّةٍ لم تكتمل بعدُ.
————————–
II
عُدتِّ منَ السّوقِ، ضاحكة ً، محمّلة ً
خبزاً، فاكهة ً، وباقةَ أزهارٍ كبيرةً. مرَّرَتِ الرّيحُ-
أُبصِرُ- أصابعها في شعركِ. أقولُ لكِ، مرّةً أخرى:
أنا لا أُحبُّ الرّيحَ. ما حاجتكِ بكلّ هذهِ الأزهارِ؟ أيّهنَّ
رماها الزَّهَّارُ اليكِ؟ لعلَّ صورتكِ
ظلّتْ في مرآتهِ، جُنُبٌ مضاءَةٌ
ببقعةٍ زرقاءَ فوقَ ذقنكِ. لا أُحبُّ الزهورَ. فوقَ صدركِ،
يستلقي بُرعمٌ كِبَرَ النّهارِ كلّهِ. حسناً إذن! إجسلي قُبالتي؛
أريدُ أن أنظرَ إلى منحدرِ ركبتيكِ قُربي، وحيداً، حينَ أدخلُ
حتّى يهبط الليلُ، خفيةً، وينتصبُ راسخاً قمرُ أرضٍ سُفليّةٍ، مفتوناً، فوقَ سريرَيْنَا،
قمرُ ليلةِ سبتٍ بكَمَانٍ، مزمارٍ، وسانتوري.
————————–
III
ما زلتُ نائماً. أسمعكِ تنظّفينَ بالفرشاةِ أسنانكِ في الحمَّامِ. ثمّةَ أنهارٌ، في ذلكَ
الصّوتِ، أشجارٌ، جبلٌ بكنيسةٍ بيضاءَ صغيرةٍ،
وقطيعُ خرافٍ في العشبِ (أَسمعُ الأجراسَ)، حصانانِ أحمرانِ،
ورايةٌ على دَكَّةِ البُرجِ، عصفورٌ فوقَ المدخنةِ؛
نحلةُ عسلٍ تئزُّ في وردةٍ ndash;الوردةُ ترتعشُ-
آهٍ، كم يطولُ الوقتُ بكِ! لا تُسرّحي شعركِ الآنَ،
ذاكَ أنِّيَ نائمٌ ndash;أقولُ لكِ- في انتظارِ فمكِ. لا أريدُ
رائحةَ النّعناعِ في رُضابكِ. سألقي،
حينَ أستيقظُ، أسفلَ المنور، كلَّ أمشاطكِ، دبابيسَ شعركِ، وفراشي أسنانكِ.
————————–
IV
ذاتَ يومٍ، ستسألني القصائدُ التي عشتها
في الصّمتِ فوقَ جسدكِ عن أسمائها، حينَ تكونينَ قد رحلتِ.
لكنّني سأكونُ بلا صوتٍ أكلّمها بهِ. ذاكَ أنّكِ اعتدتِّ
المشيَ حافيةَ القدمينِ في الغُرفِ أبداً، ثمّ تحتشدينَ في السّريرِ،
لهباً ضارياً من زغبٍ وحريرٍ. تشبكينَ يديكِ
حولَ ركبتيكِ، سامحةً لأخمصَي قدميكِ الورديينِ المُغْبَرّينِ
أنْ يتمطّيا باستفزازٍ. تَذَكَّرَنِي، هكذا، تقولينَ؛
هكذا تذكَّرني، بقدميَّ الوسختينِ، بشعريَ
يتدلّى فوقَ العينينِ ndash;ذاكَ أنّي بعمقٍ هكذا أراكِ. حسناً إذن،
أَنَّى لِيَ الصوتُ؟ لمْ يَمْشِ الشِّعرُ أبداً على هذهِ الشّاكلةِ
أسفلَ شجرِ التّفاحِ المُزهرِ أبيضَ من غيرِ سُوءٍ في أيِّ جنةِ عَدْنٍ.
————————–
V
حينَ لا تكونينَ هنا، لا أعرفُ أينَ أنا. يُفرغُ البيتُ نَفْسهُ. تُرفرفُ السّتائرُ
خارجَ الشُّبّاكِ. مفاتيحُ على الطّاولةِ. على الأرضِ،
مفتوحةٌ حقائبُ سفرٍ من رحلاتٍ عتيقةٍ، بأزياءَ غريبةٍ
لفرقةِ مسرحيينَ كانتْ مرّةً ذاتَ أمجادٍ، ثمّ تفرّقَ شملها،
ذاتَ ليلةٍ انتحرتِ الممثلةُ الرئيسةُ الجميلةُ على خشبةِ المسرحِ. حينَ لا تكونينَ هنا،
يركضُ الجنودُ في الشّوارعِ خارجاً، تصرخُ نساءٌ؛
تدمدمُ الحافلاتُ الثقيلةُ؛ تصفرُ صفّاراتُ الإنذارِ؛
تأتي سيّاراتُ الاسعافِ وتتوقّفُ؛ ممرضاتٌ بثيابٍ بيضاءَ
يُلملمنَ الجرحى من الاسفلتِ، يُلملمنني أيضاً،
ثمّ يحملنني إلى مستشفىً أبيضَ طاهر بلا أسرّةٍ؛
أُغلقُ عينيَّ كطفلٍ مُطوَّقٍ بالبياضِ الخَطِرِ. ظلّتْ
ممرضةٌ في الحديقةِ قُربَ النّافورةِ؛ تنحني وتجمعُ
بعضَ أزهارٍ بيضاءَ نَفَضَتْها الرّيحُ عن أشجارِ السَّنْطِ. ثمّ هناكَ- ينفتحُ البابُ،
فتدخلينَ بسلّةٍ- تفوحُ من الكُمثّراتِ النّاضجةِ رائحةٌ عذبةٌ،
أنائمٌ أنتَ؟ أسمعُ صوتكِ يقولُ. أتنامُ وحدكَ؟ ألستَ في انتظاري؟
أفتحُ عينيَّ. وهَا هُوَ البيتُ. وهَا أنا ذَا. والكرسيّانِ ذوا الذّراعينِ.
كرسيانِ أحمرانِ. وأعوادُ ثقابٍ على الطّاولةِ.
أيّها الضوءُ الأبيضُ، أيّها الدمُ الأحمرُ، أيّها الحُبُّ، أيّها الحُبّ.
————————–
VI
دائماً، في الصّباحِ، أنا أكثرُ تعباً منكِ،
ربّما أكثرُ سعادة أيضاً. تنهضينَ بلا ضجيجٍ؛
ملاءاتُ السّريرِ تُخشخشُ قليلاً؛ تمضينَ حافيةَ القدمينِ. ما زلتُ
نائماً في دفءِ جسدكِ العاري
المتروكِ فوقَ السريرِ، غارقاً في عتمةٍ ضاربةٍ إلى البياضِ. أسمعكِ
تغتسلينَ، تُعدّينَ القهوةَ، تنتظرين.
أسمعكِ تَقِفينَ فوقي، حائرةً. ابتسامتكِ
تقطعُ جسدي كلّهُ، تُلِينُ أظافري. أنامُ.
أشرعةٌ بيضاءُ تلمعُ ساكنةً. بطّانيّةٌ
حمراءُ تتدلّى فوقَ حبلِ الغسيلِ. الأحمرُ يُثقلُ أهدابي.
نساءٌ عارياتٌ في النّهرِ. رجالٌ عراةٌ في الأشجارِ.
أحصنةٌ مهيبةٌ (ليستْ حزينةً) تمشي الهُوينى في مياهِ البحرِ الضّحلةِ. أَنْعَظَ أحدها،
فكادَ أنْ يطأَ الماءَ قضيبُهُ الأسودُ. فتاةٌ تنتحبُ.
بمديةِ جيبهِ ينقشُ الصّبيُّ الأرقام 99 على شجرةِ تُوتٍ،
ثمّ يُضيفُ 9 أخرى. أنامُ عميقاً أكثرَ، أكثرَ في الدّاخلِ،
عصفورٌ يجثمُ على لُبدةِ أسدٍ أبيضَ. Tir, tir، صاحَ. العالمُ
طازجٌ ومُنيرٌ ومَنِيٌّ وافرٌ. عمتَ صباحاً أيّها الحُبُّ، عمتَ صباحاً.
————————–
VII
لقد أخذتِ كلّ شيءٍ منّي. لَنْ يبقَ للموتِ أيَّ شيءٍ يأخذهُ.
داخلَ جسدكِ أتنفّسُ. بذرتُ ألفَ صبيّ في حقلكِ المبلولِ بالعرقِ؛
ألفَ حصانٍ تَخبُّ على الجبلِ، تجرُّ وراءها أشجارَ تنّوبٍ مُجتثّةً؛
هبطتْ صوبَ ضواحي القريةِ، رفعتْ رؤوسها،
تفرّستْ بعيونها اللوزيّةِ السّوداءِ في الأكروبولِس، الأضواءِ الطويلةِ للمصابيحِ،
فتحتْ أهدابها القصيرةَ ثمّ أغمضتها. أوصلتها أضواءُ إشاراتِ المرورِ الخضراءُ والحمراءُ
إلى حيرةٍ نزقةٍ. شرطيُّ المرور هذا يُحرّكُ يديهِ كما لو يحصدُ ثمرةً محجوبةً منَ الليلِ
أو يقبضُ على نجمٍ من ذيلهِ. تُديرُ ظهورها
كما لو هُزمتْ في معركةٍ لم تُخَض أبداً. ثمُ، فجأةً،
تهزُّ أعرافها مرّةً أخرى وتخبُّ صوبَ البحرِ. كنتِ على صهوةِ أكثرها
بياضاً، عاريةً. صحتُ عليكِ. يُطوّقُ
نهديكِ ndash;بالعرض- غُصينا لبلابٍ. حلزونٌ
يستلقي ساكناً فوق شعركِ. أصيحُ بكِ: يا حُبّي. ثلاثةُ مقامرينَ، مستيقظينَ طوالَ الليلِ،
يدلفونَ إلى حانوتِ حليبِ الحيّ. إِنَّ النهارَ ينبلجُ.
تنطفئُ أنوارُ المدينةِ. ظلُّ الأزرقِ الشّاحبِ الهائلِ ينهمرُ ناعماً
فوقَ جلدكِ. إِنِّيَ فيكِ. أصرخُ من داخلكِ. أصرخُ عليكِ
هُنَا حيثُ صاخبةً تحتشدُ أنهارٌ وتتدحرجُ السّماءُ
في الجسدِ الآدميِّ، رافعةً معها
مخلوقاتٍ وأشياءَ فانيةً ndash;بطّاً بريّاً، نوافذَ، جواميسَ،
صنادلكِ الصّيفيّةَ، إحدى أساوركِ، قنفذَ بحرٍ، يمامتينِ-
صوبَ الأراضي المفتوحةِ من خلودٍ لا يُفسَّرُ أو يُنشَد.
————————–
VIII
لا أريدُكِ أن تصعدي السّلالمَ الرّخاميّةَ للمستشفياتِ. لا أريدُكُِ أن تَقِفي
أمامَ البابِ نصفِ الموصدِ لغرفةِ العميلّةِ الجراحيّةِ ndash;لحمٌ مُمزَّقٌ، دمٌ-
إنّها ليستْ طمثَكِ الذي يدوم 27 يوماً، مع أنّ ذلك يجعلني أتراجعُ، يَعوقُني، يَفتِنُني. خُلقَ الدّمُ
كي يَسري خفيّاً في العروقِ، كي يُسمَعَ في الليلِ،
قلباً إلى قلبٍ، كموسيقى على الأرضيّةِ في الأسفلِ حيثُ كانَ زوجانِ أُخريانِ
يتهيّآنِ لتعميقِ حبّهما بالموسيقى. لا أريدكِ
أن تتسكّعي في هذهِ الأروقةِ التي برائحةِ
اليُودوفورم، الكافورِ والموتِ. لا أُريدكِ أنْ تكوني
ممرضةَ أحدٍ، ولا حتّى ممرّضتي أنا. لا أريدكِ أن تعتني
بالمُقعدينَ، التّماثيلِ المبتورةِ والقُمْرِيَّةِ
التي هشّمَ الخُرْدُقُ جناحها الأيمنَ. لا أريدُ لابتسامتكِ
أنْ تهبطَ على الأجسادِ العاريةِ المذبوحةِ، حتّى لو كانتْ لرفاقي. تَصِيرُكِ
إِذْ تظلُّ ساكنةً في فمكِ، أو ببضعةِ حركاتٍ
كي تُهيمنَ على الأمواجِ أمامَ السّريرِ، أو على الأكثرِ تُمشّطينَ
شعريَ المبلولِ بأشكالٍ جميلةٍ، بهيجةٍ من صنعكِ، أو حتّى حينَ
تُحضرينَ الصّينيّةَ الكبيرةَ بالشّاي كلّ صباحٍ كما لو كنتِ تُحضرينَ
قيثارةً، بلا أيِّ نِيَّةٍ للعزفِ، طالما أنّ القيثارةَ
تعزفُ من تلقاءِ نفسها كلّما رفعتُ عينيَّ نحوكِ. لأنّ ndash;مثلما تعرفينَ-
على الجوهرةِ ناريّةِ اللّونِ للخاتم الذي أعطيتنيهِ تلمعُ
مدينةٌ مضاءةٌ بفوانيسَ خضراءَ. في جادّاتها
يُدوّمُ راقصونَ صغارٌ بفوانيسَ ورقيّةٍ قُرمزيّةٍ وأزهارِ أقحوانٍ،
ومنَ الشّرفةِ يَرشُّ شابٌّ شعورهم بقصائدي الممزَّقةِ.
لهذا أُقلِّبُ الجوهرةَ، كي أضغطها
بكفيَّ حتّى لا تستطيعَ عينُ غريبٍ حسودةٌ أو بريئةٌ
أنْ تسحرَ هذهِ السّعادةَ التي لا تنفدُ فِيَّ، خارجَ الزّمنِ،
ذاكَ أنّا في الصّباحِ التّالي لنْ نعثرَ على الأيائلِ الثلاثةِ مقتولةً في المصعدِ.
————————–
IX
كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني. أَجوعكِ. أَظمؤُكِ.
أُناشدكِ، احتجبي؛ احتجبِي على الكُلِّ، ولا تترائِي إِلاّ لِي أنا وحدي. مُغطّاةً،
من رأسكِ حتّى أخمصَي قدميكِ، بحجابٍ مُعتمٍ، شفّافٍ
مُرقّطٍ بتنهيداتٍ فضيّةٍ من أقمارِ الرّبيعِ. مسامُكِ تبعثُ
حروفَ علّةٍ، حروفاً ساكنةً مُشتاقةً؛ كلماتٍ غامضةً لُفِظَتْ،
انفجاراتٍ ورديّةً منَ الوِصَالِ. حجابُكِ يعلو، يلمعُ
فوقَ المدينةِ التي أدركها الليلُ بحاناتها خافتةِ الإنارةِ، أماكنِ البحّارةِ المألوفةِ؛
كشّافاتٍ خضراءَ تُنيرُ ليلَ الصيدليّاتِ، كرةِ زجاجٍ
تُدوّمُ مُسرعةً تَبِينُ عن صورةٍ لكوكبِ الأرضِ. السكّيرُ يترنّحُ
في عاصفةٍ هبّتْ من تنفّسِ جسدكِ. لا تذهبي. لا تذهبي. واضحةً جدّاً، ومراوغةً. ثورٌ
حجريٌّ يثبُ من القَوْصَرَةِ فوقَ العشبِ النّاشفِ. امرأةٌ عاريةٌ تصعدُ السلّمَ الخشبيَّ
حاملةً طَسْتَ ماءٍ ساخنٍ. يُخفي البخارُ وجهها. عالياً، في الهواءِ،
مروحيّةُ استطلاعٍ تَسُفُّ مواضعَ عشوائيّةً. احترسِي.
إنّهم يطلبونكِ. اختبئِي عميقاً أكثرَ في يديّ. يكبرُ فَرْوُ
البطّانيّةِ الحمراءِ التي تُغطّينا ويكبرُ حتّى
يصيرَ دُبَّةً حُبلى. تحتَ الدُّبَّةِ الحمراءِ
نمارسُ الحُبَّ بلا انقطاعٍ، أبعدَ من الزّمنِ أبعدَ منَ الموتِ،
في وئامٍ كُلّيٍّ، مُتوحّدٍ. كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني.
وأجوعكِ. وأظمؤُكِ. وأمجّدكِ: احتجبِي.
————————–
X
كلُّ الأجسادِ التي لمستُها، رأيتُها، نِلتُها، حلمتُ بها ndash;كلّها-
تكاثفتْ في جسدكِ. آهِ، يا دِيُوْتِيْمَا الشّهوانيّة
في سِمْبُوزْيَمِ الإغريقِ العظيمِ. لقد رحلَ عازفو المزاميرِ،
رحلَ الشّعراءُ والفلاسفةُ. والشّبابُ الوسيمونَ للتوّ قد ناموا
بعيداً في غرفِ نومِ القمرِ.وحيدةٌ أنتِِ
في ابتهاليَ الصّاعدِ. صندلٌ أبيضُ
بسيورٍ بيضاءَ طويلةٍ رُبِطَ إلى رجلِ الكرسيِّ. أنتِ نسيانٌ مُطلقٌ،
ذاكرةٌ مُطلقةٌ أنتِ. أنتِ رِقّةٌ لا تنكسرُ. إِنَّ النّهارَ ينبلجُ.
إِجَّاصاتٌ شوكيّةٌ مُكتنزةٌ تَشْطَأُ من الصّخورِ. شمسٌ ورديّةٌ
تستلقي ساكنةً فوقَ بحر مُوْنُوْفِاسْيَا. ظلّنا الثّنائيُّ
بَدَّدَهُ الضوءُ على أرضيّةِ الرّخامِ بسجائرها الكثيرةِ المُداسَةِ،
بأزهارِ ياسمينها الصّغيرةِ المُعلّقةِ على إِبَرِ الصّنوبرِ. آهِ، يا ديوتيما الشّهوانيّة،
يا مَنْ وَلَدتِني ويا مَنْ وَلدتُكِ، آنَ أنْ نَلِدَ الأدوارَ والقصائدَ، أنْ نمضي في العالمِ. ولا تَنسَيْ،
حينَ تذهبينَ إلى السّوقِ، أنْ تشتري كومةَ تفّاحٍ،
ليسَ ذهبيَّ هِسْبِردِيْزَ، بل الأحمرَ الكبيرَ، ذاكَ أنّكِ حينَ تقضمينَ
لُبّها القاسيَ بأسنانكِ اللامعةِ، تظلُّ ابتسامتُكِ الحيويّةُ
عالقةً كأبديّةٍ فوقَ الكُتُبِ.
————————–
XI
أُريدُ أن أَصِفَ جسدكِ. لا حَدَّ لجسدكِ. جسدُكِ
بتلةُ وردٍ ناعمةٌ في زجاجِ ماءٍ صافٍ. جسدكِ
غابةٌ وحشيّةٌ بأربعينَ حطّابٍ أسودَ. جسدكِ
أوديةٌ رطبةٌ عميقةٌ قبل شروقِ الشّمسِ. جسدكِ
لَيْلَتَانِ بِجَرَسِ بُرجينِ، بِشُهُبٍ وقطاراتٍ خارجةٍ عنِ السِّكَّةِ. جسدكِ
حانةٌ خافتةُ الإنارةِ ببحّارةٍ سُكارى وبائعي تبغٍ؛ يُفرقعونَ أصابعهم في الرّقصِ،
يكسرونَ زجاجاً، يبصقونَ ويلعنون. جسدكِ
أسطولٌ بحريٌّ بكاملهِ ndash;غواصاتٌ، بوارجُ، سفنٌ مدفعيّةٌ؛ هَا قَدْ
رُفِعَتِ المراسِيُّ التي تَرِنُّ وغمرَ الماءُ ظهورها؛ بحّارٌ
يقفزُ من الصّاري في البحرِ. جسدكِ
صمتٌ مُتعدِّدُ الأصواتِ مَزَّقتهُ خمسُ سكاكينَ، ثلاثُ حرباتٍ، وسيفٌ واحدُ. جسدكِ
بحيرةٌ شفّافةٌ تُرَى في أعماقها المدينةٌ البيضاءُ. جسدكِ
أخطبوطٌ هائلٌ رهيبٌ بمجسّاتٍ نازفةٍ في حوضِ زجاجِ القمرِ
فوقَ الجادّاتِ المُنَارةِ حيثُ، في الظّهيرةِ،
مَرَّتْ بجلالٍ ثقيلٍ جنازةُ الإمبراطورِ الأخيرِ. أزهارٌ كثيرةٌ مُداسَةٌ
مُبلَّلةٌ بالبنزينِ ظَلَّتْ على الإسفلتِ. جسدكِ
مبغىً عتيقٌ في سُوْبِيْرْبْيَا سْتْرِيْتْ بغانياتٍ عجائزَ تبرّجنَ
بأحمرِ شفاهٍ برّاقٍ رخيصٍ، يضعنَ أهدابَ جفونٍ زائفةً؛
وثمّةَ، هنالكَ، أيضاً، غانيةٌ شابَّةٌ غِرَّةٌ ndash; تُمتِّعُ نفسها مع كلِّ الزبائنِ،
تتركُ نقودها على طاولةِ الليلِ، تنسى أن تَعُدَّها. جسدكِ
صبيّةٌ مُشرقةٌ؛ إنّها تجلسُ أسفلَ شجرةِ التّفاحِ تأكلُ
قطعةَ خبزٍ طازجٍ وبندورةٍ مُمَلَّحَةٍ؛ الآنَ، ثانيةً،
تغرزُ بُرعمَ تفّاحٍ بينَ نهديها. جسدكِ
صَرَّارُ ليلٍ في أُذُنِ جَاني العنبِ ndash;إنّهُ يطرحُ ظلاًّ بنفسجيّاً على عنقهِ الذي لوّحتهُ الشّمسُ
وَلِوحدهِ يُغنّي كلَّ ما لا تستطيعُ الكُرومُ أنْ تقولَهُ جميعها. جسدكِ
مَرقبٌ، أرضُ دِرَاسٍ كبيرةٌ على رأسِ التّلَّةِ-
سبعةُ أحصنةٍ بيضاءُ كالثلجِ تَدْرُسُ عبرَ حُزَمِ الكتابِ المُقدّسِ؛ قشٌّ ذهبيٌّ
يشبكُ مرايا صغيرةً فوقَ شعركِ، والأنهرُ الثلاثةُ تلمعُ
حيثُ تنحني بقراتٌ كبيرةٌ سوداءُ برؤوسٍ قاسيةٍ،
تشربُ الماءَ، وتبكي. جسدكِ لا حدَّ لَهُ.
جسدكِ لا يُوصَفُ. أريدُ أنْ أَصِفَهُ،
أنْ أقبضَ عليهِ بِشِدَّةٍ قُبالةَ جسدي، أنْ أحتويهِ وأنْ أُحتَوَى.
————————–
XII
النّهارُ مجنونٌ. البيتُ مجنونٌ. ملاءاتُ السّريرِ مجنونةٌ.
وأنتِ، كذلكَ، مجنونةٌ؛ ترقصينَ بالسّتارةِ البيضاء بينَ ذراعيكِ؛
تطرقينَ على الكِفْتِ فوقَ أوراقي كَرِقٍّ؛
تركضُ القصائدُ في الغرفِ؛ تفوحُ رائحةُ الحليبِ المُحترقِ؛
ينظرُ الحصانُ البلّوريُّ خارجَ النّافذةِ. انتظري ndash;أقولُ ndash;
لقد نسينا الحاملَ ثلاثيَّ القوائمِ لِفِيْمُوْنُوْيْسَ في مبنى نقابةِ الحطّابينَ؛
كانَ مقلوباً رأساً على عقبٍ. لقد نسينا قمرَ البارحةِ النّازفَ،
الأرضَ المحروثةَ للتَّوِّ. عربةٌ تعبرُ محمّلةً دُفلَى.
أظافركِ بتلاتُ وردٍ. لا تلتمسي الأعذارَ. لقد وضعتِ في خزانتكِ
حقائبَ تُوْلٍ مملوءَةً خُزامى. مظلاّتُ الشّمسِ جُنَّتْ،
صارتْ متشابكةً بأجنحةِ الملائكةِ. تُلوّحينَ بمنديلكِ؛
مَنْ تُحَيِّينَ؟ أيَّ ناسٍ تُحَيِّينَ؟ -العالَمَ كُلَّهُ.
سلحفاةُ ماءٍ سمراءُ استقرّتْ مُرتاحةً فوقَ ركبتيكِ؛
طحالبُ بحريّةٌ نديّةٌ تتحرّكُ فوقَ صدفتها المنحوتةِ. وترقصينَ.
طَارَةُ برميلٍ من عصورٍ غابرةٍ تتدحرجُ أسفلَ التَّلِّ
ثُمَّ تسقطُ في الجدولِ، راشقةً قطراتٍ تُبلّلُ قدميكِ،
لكنّكِ، في رقصكِ، لا تسمعينني. حسناً إِذن، الأمدُ
زوبعةٌ، الحياةُ دوريّةٌ، لا نهايةَ لها. ليلةَ أمسِ
مَرَّ الفارسُ. فتياتٌ عارياتٌ على أردافِ الخيولِ؛
رُبّما لهذا كانتِ الإوزّاتُ البريّةُ تصرخُ في جرسِ البُرجِ، لم نسمعها
حينَ غرقتْ حوافرُ الخيلِ في نومنا. اليومَ، أمامَ بابكِ،
وجدتِ حدوةَ حصانٍ فضيّةً. علّقتها فوقَ عتبةِ البيتِ. يَا لِحُسنِ طالعي ndash;صِحْتِ-
يَا لِحُسنِ طالعي ndash;صِحْتِ- ثمّ رقصتِ. قُربكِ، ترقصُ المرآةُ الطّويلةُ أيضاً،
تلمعُ بألفِ جسدٍ وتمثالِ هِيْبالِيْتَس مُكلَّلاً بالخشخاشِ.
لقد رحلَ ببغائي ndash;تقولينَ كلّما رقصتِ ndash;ولا أحدَ يُقلِّدُ ثانيةً صوتي؛ إلى الأبدِ، إلى الأبدِ ndash;
هذا الصوتُ الذي ينبعثُ منّي يخرجُ من غابةِ دُوْدُوْنَا
بحيراتٌ صافيةٌ تصعدُ في الهواءِ بكلِّ زنابقها البيضاءِ،
بكلِّ نباتاتِ قيعانها. نقطعُ قَصَبَاً،
ونقيمُ كوخاً ذهبيّاً. بِمَشَقَّةٍ تصعدينَ الى السّقفِ.
بِكِلتا يديَّ أقبضُ على كاحليكِ. لا تهبطينَ.
تطيرينَ. تطيرينَ في الزّرقةِ. تسحبيني معكِ
ذاكَ أنّيَ أقبضُ على كاحليكِ. من كتفيكِ
تسقطُ المنشفةُ الزرقاءُ الكبيرةُ على الماءِ؛ تطفو لبُرهةٍ ثُمَّ
بِطَيَّاتٍ واسعةٍ تغرقُ، تاركةً على وجهِ الماءِ
نجمةً خماسيّةً ترتعشُ. لا تذهبي أبعدَ ndash;صرختُ. أعلى. وفجأةً،
نهبطُ، بارتطامٍ أخرسَ، على السّريرِ الخُرافيِّ. هَا أَنصِتي ndash;
في الشّارعِ، أسفلَ، يعبرُ المُضربونَ بلافتاتهم وأعلامهم.
أَلا تسمعينهم؟ لقد تأخّرنا. خُذي أيضاً منديلكِ الذي ترقصينَ بهِ. لِنذهبَ. أشكركِ، يا حُبّي.
أثينا، 1981
——————————
شهقات يانيس ريتسوس
من ديوان “شهقات” الصادر في العام 1980
ترجمة عن الإنكيزية تحسين الخطيب
الشِّعرُ
حاضرُ المستقبلِ
قمحتانِ
تفّاحةٌ
الحيّةُ حمراءُ
ذهبيّةٌ
أثينا، 27-2-80
————————–
فطورٌ
تحتَ الأشجارِ
كأسانِ
وعصافيرُ كثيرةٌ
أنظرُ إلى الثّمثالِ
ثَمَّ ثقبٌ
في
ضلعهِ الأيمنِ—
آهِ يا أمّيَ المسكينة
أثينا، 28-2-80
————————–
إليهِ حدّقَ الطّائرُ
مِنَ النّافذة
تركَ الكمّاشةَ
على الطّاولة
فتحتْ كلمةُ
“كمّاشة” فكّيها
إنّها تسحبُ المسمارَ
فتسقطُ المرآةُ
أثينا،29-2-80
————————–
حدّثتكِ
عن هذي المعجزةِ
حينَ يرحلُ شخصٌ
ويظلُّ قيمصُهُ
على ظهرِ الكرسيِّ
فتلوّحُ السّتارةُ
لثاني مّرةٍ، بلَى،
مِن أجلنا
أثينا، 29-2-80
————————–
رميتُ حجرًا
في بئرِ الماءِ
الصّوتُ الذي سمعتُهُ
مِن قَبْلُ
يتناغمُ كلُّهُ
معَ الصوتِ الجديدِ
لذلكَ
تَعُدّينَ بالحَقِّ أصابعي
أمامَ الشبابيكِ المُنوَّرة
أثينا، 29-2-80
————————–
أكواخٌ بسقوفٍ واطئةٍ
دخانٌ
يخرجُ
كوزُ ماءٍ
لا بُدَّ أن أريكِ
حشرةً
على ورقةِ أشجارٍ
ظِلَّ الطائرِ
منحوتًا في المرمرِ
الشّجرةَ
ولا عكّازاتٍ لديها
أثينا، 29-2-80
————————–
لأمدٍ طويلٍ طويلٍ
بخبزٍ كَفافٍ
وسجائرَ رخيصةٍ
يا رفيقي
كيفَ كبرَ العالمُ
مِن طَرْفٍ إلى طَرْفٍ
ومِن يدٍ إلى يدٍ
في كلمةٍ واحدةٍ يا رفيقي
أثينا، 29-2-80
————————–
الغابةُ البليلةُ
تَصِرُّ
في الأصيلِ الذي رأيناهُ
لم نسألِ
المرأةَ ذاتَ الأسماكِ
فالرّحلةُ كذلكَ
مِن أجلنا—
عن أيّ قسَمٍ تكلّمتِ؟
أثينا، 29-2-80
————————–
وجدتُ عظمةً
مغروزةً في الأرضِ
مسحتُها على ركبتي
إنّها بيضاءُ
سأصنعُ نايًا—
فالأناشيدُ البيضاءُ
والحمراءُ تارةً
تنثالُ على هذا المنوالِ
أنصتي
أثينا، 29-2-80
جزيرةٌ
قبّةٌ
كرسيٌّ واحدٌ
اِجلسي—
آهٍ، ولأنّني أشهقكَ أيّها الجَمالُ
فإنّ النجومَ سوفَ تقتُلني
أثينا، 29-2-80
————————–
ألم تسمعينني؟
لقد قلتُ مرحبًا
ولا شيءَ سواها—
أكانتْ مرحبًا؟
وداعًا؟
بلى بلى
سوفَ تمطرُ في أيِّ وقتٍ الآنَ
مرحبًا بكِ
أثينا، 29-2-80
————————–
رأيتُ الطاولةَ
في المرآةِ
ليستْ في الغرفةِ
كنتِ
في الغرفةِ
أجلسُ هناكَ
على الطاولةِ الداخليّةِ
أتظاهرُ بأنّني أقرأُ
وتحتَ الجريدةِ
المملحةُ
والسكّينُ
أثينا، 29-2-80
————————–
وأنتِ تشمّينَ
وردةً
صرتِ، نصفَ مترٍ أطولَ
والآنَ لا تستطيعينَ أن تعبري
مِن تحتَ البابِ
لَيَّلَ اللّيلُ
فبرَّدَتْ
تراءتِ النجومُ
والذئابُ
هبطتْ
أثينا، 29-2-80
————————–
صدأٌ وصدأٌ أكثرُ
على درابزينِ الشرفةِ
منفذِ تهويةِ المطبخِ
السّريرِ
دعيهِ
ما الذي تستطيعينَ اِصلاحَهُ أوّلًا؟
اِحترسي مِنَ النّملِ
تحتَ الكلماتِ
أثينا، 29-2-80
رأى الملحَ
مسفوحًا على الدّرجاتِ
ثيابَ المرأةِ
مرميّةً على الأرضِ
أخذَ المَسْطَرِينَ
كي يُجبِّسَ الثّقوبَ
شيّدَ بيتًا
مليئًا بالنّوافذِ
أثينا، 29-2-80
————————–
صفحةُ أرضٍ هادئةٌ
مخازنُ كبيرةٌ
دكاكينُ نجارةٍ
مقبرةٌ
والبحرُ في كلِّ مكانٍ
يمشي الهوينا في أروقةٍ
يملأُ الكؤوسَ
ويملأُ المرايا
يستحيلُ النّاسُ أزرقَ فاتحًا
قصائدَ زرقاءَ فاتحةً تطفو
على الغَرَقِ
أثينا، 29-2-80
————————–
الشِّعرَ— قالَ—
الشّعرَ ثانيةً
لم يكُنِ الشّعرُ يتكلّمُ—
وعلى السلّمِ
قلّمتُ الشجرةَ
ودفعتُ اليرقاتِ بعيدًا—
وفي أحضانِ الأغصانِ
تبسّمتُ
البستانُ لكِ
وأنا البستانيُّ
أثينا، 29-2-80
————————–
ماذا يستطيعُ الحزنُ أن يصنعَ لك؟
للرأسِ المطأطئِ؟
ما لم تخبط قبضةَ يدك
فلن ينفتحَ البابُ
ولن تهبَّ الريحُ
ولن ينهضَ التمثالُ
أثينا، 29-2-80
————————–
جصُّ المنزلِ الفقيرِ
النِّيْلَةُ التي للغسيلِ
روائحُ الفرنِ الطيّبةُ
عشبُ البركِ المحروقُ
الخبزُ الساخنُ
منخرا الحصانِ
حصانٌ أبيضُ
ممدودٌ
على جبلٍ أزرقَ فاتحٍ
آهٍ أيّها الرّفاقُ
أيُّ فرسانٍ كُنّا
في الريحِ العاتية
أثينا، 29-2-80
————————–
ضوءُ قمرٍ
دخلَ مِن النّافذةِ
وجدها عاريةً في السّريرِ
فلحسَ جسدَها كلَّهُ—
أَوْهِ أَوْهِ منكَ يا قمرُ آهِ يا قمرُ
سأكونُ خادمَ لسانكَ
كي أستطيعَ الذهابَ إلى النومِ
أثينا، 29-2-80
————————–
تمارينُ رياضيّةٌ هوائيّةٌ
والنافذةُ مفتوحةٌ
تعكسُ ألواحُ الزجاجِ
الصدرَ العاريَ
الشّعرَ
والعضلاتِ
والأسنانَ التي كبياضِ الثّلجِ
فتبتسمينَ
توقّفي على هاتهِ الشّاكلةِ
إنْ لم تزفري في التوِّ
فسوفَ تُطلِعينَ أوراقًا وعصافيرَ
وتنهالُ المطرقةُ
الصغيرةُ عنيدةً
على قطعةِ النقودِ القديمةِ
بوجهكِ المنقوشِ عليها
أثينا، 1-3-80
————————–
الحُبَّ— قالَ—
لقد ذبحتِ العزلةُ
العزلةَ الأعظمَ—
يلتقطُ حجرًا
لا يطوّحهُ إلى البحرِ
ولا يصوّبُ على طائرٍ
لا على الرّجلِ ولا على الغيمةِ
يكسرُ الجوزَ الأسودَ
ينظّفهُ ثمّ يأكلهُ
أثينا، 1-3-80
————————–
أشكركِ— قالَ—
على كلِّ ما أعطيتُكِيهِ
على كلِّ الأشياءِ التي لم نتبادلها
على الذي يتهيّأُ
الثّراءِ السريِّ
الكبرياءِ الأشدِّ حزنًا
الصّمتِ الموسيقيِّ
بكلماتٍ لا تُقهَرُ
أثينا، 2-3-80
————————–
وقتٌ طائشٌ
صفاءٌ
يا للرّوعةِ
حينَ تصعدينَ
فتسحقينَ بكلِّ خطوةٍ
خيبةً صغيرة
أثينا، 2-3-80
————————–
الذي لم يكُن محتجبًا
أسبغَ معنىً
على العدمِ الممزّقِ أشتاتًا
وجوربيكِ المرميّينِ
على الأرضِ
جزافًا
صرختُ على الشرطيِّ
عبرَ النافذةِ
ولكنّهُ لم يسمعني
أثينا، 2-3-80
————————–
تنحتينَ لحاءَ السّروةِ
يقطرُ الزّبيبُ
طافحًا بالطّيبِ
إيّاكِ أن تنسي
تعليقَ الخارطةِ
فوقَ سريرنا—
كلّا كلّا
لم أقصد أيَّ شيءٍ آخرَ
أثينا، 2-3-80
————————–
جزُرُ اللّيلِ
درَجٌ على الجدارِ
نجمةٌ في الماءِ
والعتمةُ تنتشرُ
تجعلُ يديكَ ذهبيّتينِ
ولكنّكَ
مُجدِّفًا
تصيرُ
أثينا، 3-3-80
————————–
قطاراتٌ مملوءةٌ بالجنودِ
سفنٌ بأناسٍ غرقى
إنّهُ يتبؤّأُ
مقعدي
أمشي حولَهُ
لا شيءَ
أذهبُ لشراءِ
أقداحٍ من الصّلصالِ
الحانوتُ مقفلٌ
أظلُّ في الشّارعِ
معَ الشّارعِ
معَ القمرِ الجديدِ
مع حصانِ ظلّي
أثينا، 3-3-80
————————–
خساراتٌ خساراتٌ
يا للمُدّخراتِ السريّةِ
الفرحِ الصّامتِ
قبلَ النّومِ
حينَ يُنهي مراقبُ
السّيرِ ورديّتَهُ
فتسمعُ خطوَهُ في الشّارعِ
يتوقّفُ
أمامَ حانوتِ الزّهورِ المقفل
أثينا، 3-3-80
————————–
لا شيءَ لديهِ
كي يعدَّهُ
فيعدُّ أصابعَهُ ثانيةً
صمتٌ بهيٌّ
كاملٌ
ليستِ الكلمةَ الأولى
كانتِ الثّانيةُ
هي الكلمةُ السّديدةُ
والصّوتُ الصّحيحُ
الذي يصعدُ مِن خبطِ الخشبِ
وطرقِ المسامير فيهِ
أثينا، 3-3-80
————————–
وقفَ قُبالةَ
الشخصِ الأدنى إليهِ
ولكي يَمِيزَ نفسَهُ
لبسَ قبّعتهُ مرّةً أخرى
وغادرَ
كانَ يرتدي قفّازينِ
ولكنَّ
بصماتِ أصابعهِ
كانت متروكةً
على أكرةِ الباب
أثينا، 3-3-80
شجاعٌ تعوّدنا أن نقولَ
كاملُ الأوصافِ
اختبأنا
خلفَ الأشجارِ
أحدنا يبولُ
والآخرُ مع جريدتهِ
ما زال الآخرُ يمضغُ الأوراقَ
والرّابعُ وحيدًا
خلفَ رقيبِ الشّمسِالوحيدِ
والخامسُ
خَرَّ نائمًا على العشبِ
حتّى المساءِ
أثينا، 3-3-80
————————–
هذا العدمُ— قالَ—
رديفُ
كلِّ شيءٍ—
كان قد لفَّ منشفةً
حولَ خصرهِ
— هل كانَ خارجًا من الحمّامِ؟
هل كانَ داخلًا إليهِ؟—
كانَ لديهِ شَعرٌ جميلٌ
وساقانِ مخطوطتانِ باليدِ
لم نصدّقهُ
أثينا، 3-3-80
————————–
آهِ يا روميوسيني— قالوا—
رطّبوا
خبزَهُمُ النّاشفَ
تركضُ العصافيرُ وأوراقُ الشجرِ المبطوحِ
كانَ جورج يرشقُ الرّمحَ
فاشتدّتْ عضلاتُهُ
آهِ يا روميوسيني— قالوا—
رعتِ الخيولُ في السّهلِ
حصانٌ
لم يحرّك ساكنًا
نظرَ إلى التّمثالِ
فرفعَ التّمثالُ ذراعَهُ
كي يشيرَ إلى الجبلِ
لكزَ طائرٌ أُذني
والسّماءُ كانتْ مطمئنّة
أثينا، 3-3-80
————————–
هذهِ الثّمارُ
تحفظُ شكلَ
الأيدي التي قطفَتها
وشكلَ تلكَ التي وضعَتها
في سلالٍ كبيرةٍ
وشكلَ تلكَ التي نقلَتها
إلى المدينةِ
وشكلَ تلكَ الأيدي التي عرضَتها
في طاسِ الفواكهِ الكريستاليِّ هذا
آهِ كم مِن الأيدي تلمسُ
كم مِن الأيدي تلمسُكِ
تفتحينَ النافذةَ
تلتمسينَ في الشّارعِ
برهانًا أقوى
على أيدي عابري السّبيلِ
وشفاهِهم
أثينا، 4-3-80
————————–
مساءاتٌ فوّاحةٌ
سينماتٌ في الهواءِ الطّلقِ
صبيةٌ بقمصانٍ مفتوحةٍ
صخبُ فتحِ
زجاجةِ ليموناضة ثالثةٍ للمرّةِ الثانية
سماءٌ بلا حدودٍ
حياةٌ بلا حدودٍ
وآنَ يكسرونَ البندقَ
بأسنانهم
ها نحنُ هنا الآنَ
لا شيءَ يحدّنا
أثينا، 10-3-80
————————–
هناكَ
دائمًا هناكَ
حولَ هناكَ
أصواتٌ حركاتٌ أحداثٌ
وصمتٌ
هناكَ
نوافذُ أبوابٌ
تفتحُ تنغلقُ
صوبَ هناكَ
جنودٌ بحّارةٌ
شاحذُ السكّاكينِ بائعُ الجرائدِ
سترةٌ قصيرةٌ مقدودةٌ
أدواتُ طقوسِ شربِ الشّاي
صبيّةٌ
وردةٌ
سقطت من يدها
عبرتِ الدرّاجة الهوائيّةُ
فمرّت فوقَها
هناك
أثينا، 14-3-80
————————–
علّقَ نافذتَهُ
قُربَ الغابةِ
عادتِ النافذةُ
إلى البيتِ
تركَ كأسَهُ
في الغيمةِ
فعادتِ الكأسُ
على الطاولةِ
وهبَ جسدَهُ
إلى العصافيرِ
فعادَ جسدُهُ
في جسدهِ—
آهِ أيّها الرّفضُ الذي لا يُدرَكُ
آهِ أيّها الجسدُ الهائلُ
أيّها العصيانُ الجبّارُ
في الأبدِ
أثينا، 14-3-80
————————–
وجوهٌ صافيةٌ
أجسادٌ منقادةٌ
جاءت في نومي
أولئكَ الرّجالُ الأشدّاءُ
بالجزماتِ الغليظةِ
والثّيابِ الخشنةِ
الرّجالُ الذينَ لا يحكونَ كثيرًا
وعندَ انبلاجِ الصُّبحِ أمطرتْ
كانَ الثّلاثةُ الصيّادينَ المقتولونَ
منقوعينَ بالماءِ في غيضةِ الزّيتون
أثينا، 16-3-80
————————–
في رأسِ الجبلِ
بيتانِ مغلقانِ
لأحدهما نوافذُ أرجوانيّةٌ
وللآخرِ رماديّةٌ
لا أثرَ لساكنٍ
عربةُ محراثٍ تجرّها الخيولُ
ولا شيءَ
إلّا دجاجةٌ
تصعدُ الدّرجَ
وتهبطُ
ثمّ تعودُ إلى الطّريقِ
تُنَقْنِقُ
هي وليّةُ أمرِ كلِّ شيءٍ
تضعُ في كلِّ يومٍ
بيضتينِ بيضاوينِ مقرونتينِ بِنِيْرٍ
وواحدةً أصغرَ زرقاءَ فاتحة
سبارطه، 22-3-80
————————–
ضوءُ شمسٍ جامدٌ
أشجارُ برتقالٍ بينَ البيوتِ
الجبلُ العالي
قاعةُ المدينةِ البيضاءُ
الساحةُ الكبيرةُ
هُنَا حيثُ قابلنا
الآلهةَ الصغيرةَ
في ثيابِ الجنودِ
والمهرّجَ الفتيًّ
في ثيابِ بيرسيفوني
سأريكَ— قالَ—
كيفَ تطيرُ العصافيرُ
مدَّ عنقَهُ
مدَّ ذراعيهِ
ثُمّ راحَ يبكي
ولم يطر قطُّ
سبارطه، 23-3-80
——————–
عشرون قصيدة ليانيس ريتسوس
ترجمة وتقديم: أدونيس
يواجهنا شعر الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، للوهلة الأولى، كما يواجهنا النثر. فهو يعرض ويقص ويروي، راسماً لنا أشياء يلتقطها من الحياة اليومية الأليفة، أو وقائع متناثرة لا معنى لها، ظاهرياً. وهو، في هذا، يحاول أن يعيد النظر في موقف الإنسان من الأشياء الأكثر عادية وابتذالاً، فيضفي عليها قيمة جديدة، ويعترف بأهمية ما يبدو أنه بلا أهمية. هكذا يتحول هذا العالم المتواضع، عالم الأشياء الصامتة إلى الشعر، ونكاد أن نسمع هذه الأشياء تتكلم، ونكاد أن نراها تمشي. يرفعها الشعر إلى سوية الإنسان، فتصبح صديقاً أو حلماً.
هذا الشعر احتفاء بالأليف وتمجيد للعادي. والأشياء العادية الأليفة هي برهان الاستمرار والديمومة في هذا العالم. من هذه المياومة، من هذه المشاركة بين الإنسان ومألوفاته، تنبجس الغرابة في شعر ريتسوس. فالغريب أو المدهش، بالنسبة إليه لا يكمن في الاستثنائي الخارق، وإنما يكمن في تكرير الأشياء ورتابتها، وتكرير الأفعال والكلمات. فالعادي هو نفس الخارق، والسحر هو فيما يكون الحياة اليومية.
كثيراً ما استخدم ريتسوس في أوائل حباته الشعرية صوراً تذكر، بالموروث الشعبي اليوناني القديم، لكنه يستخدمها بصناعة حديثة. وكان أحياناً يجدد الموضوع، لكنه يستخدم للتعبير عنه شكلاً تقليدياً وهو الشكل الغالب المفضل في الشعر الشعبي.
لكنه تخلى فيما بعد عن الأشكال التقليدية، وأخذ خياله الإبداعي يبني عالماً مليئاً بصور مفاجئة كأنها مغموسة في عروس ألوان وأصوات. وأزداد شغفه بالحرية التي أحس أنها تتيح له كتابة شعر المستقبل دون أن يكون مشروطاً بأشكال الماضي.
وبدءا من 1956 حيث نشر قصيدته “سوناتا في ضوء القمر” التي نالت الجائزة الوطنية للشعر الهليني، أخذ يكتب الشعر مختبئاً وراء ضمير الغائب ووراء نوع من السرد القصصي ليبتعد عن غنائية الأنا. وضمير الغائب يحيد، وهو إذا يحيد يعمم. وفوق ذلك يحرر التعبير، إذ يمكن الشاعر من أن يتحدث عن نفسه عن حديث عن الآخرين. والزمن في استخدام ضمير الغائب يتيح له أن يحيط بالماضي، وأن يمارس بفضل البعد تأثير أقل مباشرية، وبالتالي أكثر فعالية، ومن هنا يبدو للقارئ أن قصيدة ريتسوس لا تخرج من بين شفتيه هو، وإنما تخرج من بين شفتي شخص آخر.
ولد ريتسوس سنة 1909 في مونيما فاسيا، قرب البيلوبونيز، وعاش في السجن فترى طويلة، بسبب انتمائه إلى الحزب الشيوعي. ترجم معظم شعره إلى الفرنسية، بشكل أخص. بين أهم المجموعات المترجمة: “البعد الرابع”(1958)، “شهادات”(1966)، “أحجار، أعادات، قضبان “(1971)،”الكترا”(1971)، “البيت الميت وقصائد أخرى”(1972)، “الجدار في المرآة”(1973)، “قبل الإنسان”(1974) .
1- تجارب
تهجرني الألوان، مع مرور السنين، وأهجرها
ويبدو لي الحجر الأبيض أكثر ملاءمة
أنحت بطرف أصابعي، بملء راحتي، بشفتي
جسماً أبيض، نقيضاً لليل، مجانساً لليل –
يبرز جلياً في العتمة، يشع، أترك
بشهوة لساني في فم الرخام. من الآن فصاعداً
يحق لي أن أصمت، وأن أطبق أهدابي.
* * *
2- في الفراغ
سقوط الماء فوق الحجر.
صوت الماء في شمس الشتاء-
صوت
عصفور منفرد.
في السماء الفارغة
يبحث من جديد عنا
من جديد يضمر
( يضمر أي “نعم”؟)
يسقط من الأعلى
وفق الحافلات الواقفة
المليئة بالسائحين الموتى منذ عصور.
* * *
3- الجوهري
بلا مهارة، يخيط أزرار سترته
بإبرة كبيرة، وخيط ضخم.
هل أكلت خبزك؟ هل نمت بهدوء؟
أقدرت أن تتكلم؟ أن تمد يدك؟
هل تذكرت أن تنظر من النافذة؟
هل ابتسمت حين قرع بابك؟
إن كان الموت هنا فهو دائماً يجيء ثانياً
الحرية هي الأولى دائماً
* * *
4- مشهد
أنظر، الآن. هنا ستعيش، قال، هنا.
ما يهم: هنا أو هناك؟
بعضهم يهبطون، يصعد آخرون السلم ذاته
ولا يتبادلون التحية. نافذة مغلقة. نافذة
أخرى تنفتح. المنظر هو نفسه: واد، رابية،
شيخ يتقدم في الغسق وحيداً مع عكازه،
زيتون، دوال، المشنوق، أشجار السرو
والحور، جرس، النهر، الكلب، الباص،
جرة، تماثيل، أجنحة كبيرة من الرخام –
أتظن، حتماً لو أنها على كتفيك، انك قادر
على الطيران؟
* * *
5- بياض
وضع يده على الصفحة، لكي لا يرى الورقة
البيضاء، وعاش تحت يده العارية. حينذاك
أطبق أيضاً عينيه، وأصغى إلى بياض مكفن،
معتم، لا يوصف، يتصاعد في نفسه.
* * *
6- دقة
لم نكن نطيق الفراغ غير المسكون. كنا غالباً
نصطحب المرأة الكبيرة إلى الضفة النهر، أو
نضع كرسياً فوق شجرة. أحياناً، كنا على
العكس، ندخل شجرة كبيرة إلى غرفة الطعام
حينذاك نسمع الرصاص، وراء السياج،
متأخراً، مع هبوط المساء. ومع أننا كنا
نعرفه وننتظره، فقد كنا دائماً نفاجأ – كان
ذلك يؤكد لنا المكان الصحيح للكلمات.
* * *
7- امتياز
قال- لا أفهم هذه الهزات المفاجئة.
لكي أنسى نفسي، أنظر في المرآة الصغيرة،
ألمح النافذة الثابتة، أرى الجدار- لا شيء
يتغير، سواء داخل المرآة أو خارجها.
أضع زهرة على الكرسي (فترة تذبل في أثنائها)
هنا أسكن، في هذا الرقم، في هذه الشارع
فجأة يرفعونني (الكرسي والزهرة).
وهذا يتجدد بصدمات، نحو الأسفل، نحو
الأعلى، لا أعرف.
لدي، لحسن الحظ، وقت لأضع المرآة
الصغيرة في جيبي.
* * *
8- مكان مجهول
مضى بيتروس إلى الشرق، مضى الكسيس إلى
الغرب، –
لم نعد نعرف شيئاً من أخبارهما، ولا نعرف
ماذا حدث لهما.
نجلس على هذا المفترق، نظمنا هذا المكان
وضعنا لافتات، كتبنا عليها أسماء.
يمر أصحاب العجلات، معهم أحيانا عنب،
أو برتقال، وأحياناً تفاح، يسألون:
” هل هذه طريق إسبارطة؟ ارغوس ؟ ” نحرك
رؤوسنا أن ” نعم ” – لكي لا نخيل لهم أننا
نسينا منذ سنين–
نصعّد الدخان من أنوفنا، كما لو أن نار
تشتعل فينا – ( أية نار وأية معرفة ؟) مع
ذلك، نعيش، ونتخلص منه،
أحياناً نبتسم، – حينذاك ننظف أسناننا الأمامية
بأظافرنا، لكي لا يبدو أننا لا نعرف أننا لم
نعرف أبداً. أم لعل ما لم نعترف به. ما يزال
يستبقينا في انتظار ساعة الاعتراف؟
* * *
9- تلفيق
قال: كيف يستمر الناس في سيرهم؟ كيف
يتكلمون؟
الأسنان تسقط، والشعر يسقط، الأظافر
تعود إلى داخل اللحم.
الجيوب
مثقوبة بعملة زائفة.
أية أدلة يمكن أن تتخيلها القصيدة؟ أحجار
وأحجار، عشب القبور، المدخنة، أوراق،
كلمات. يدق أحدهم بظفره على زجاج النافذة،
الصوت مسموع، – الآخر، خارجاً ، لا يسمع
شيئاً. جرائد، قتلى.
عند الخياط ، دمية بلا رأس ، تلبس سترة
سوداء جديدة.
سأل الخياط : ” إلى اليسار أو إلى اليمين ؟ “
ألح ، قال:
” نفصل بنطالاً مضبوطاً ، أنيقاً ، بحسب
موضوع العضو الجنسي ” . هوت دمية القش
البشوشة دون أن تدري ، رأسها الغائب،
موافقة.
* * *
10- بعد المطر
كان ثمة، بعد المطر، عصافير وغيوم صغيرة.
وجاء الغسق هادئاً ، بألوان كثيرة . الوردي
يرتعش في الماء إلى جوار البرتقالي . قال
غريب أن تكون ألوان، وأن نكون رأيناها.
تباع في مطعم الجند لفافات التبغ، وبطاقات
لعيد الميلاد، وقطع صغيرة من الشوكولاته.
المهم أن تنسى. الأضواء تتوقد. والمرضى
أصدقاء الغسق. تحت الأشجار مقعدان
وطاولة كبيرة للحراس. وقال: هناك جنس
غريب من السمك لا يتكلم.
* * *
11- الحاجة إلى التعبير
قال: الكلمات هي أيضاً تموت مع الزمن
والتعب. لم يبق شيء ليعبر عن أي شيء.
نحلت أصابعه. سقط خاتمه. يربطه بطرف
خيط ، يدليه في البئر، يسحبه، لا شيء.
لم يعد للخيط أي معنى. لكن ارتطام الخاتم
بالحجر بدا كأنه يقيس شيئاً ما، شيئاً كان لا
بد من قياسه لكي يصل مساء إلى الرقم المفرد
المنقوش وراء الباب.
* * *
12 – استغراب
كانت قطعة خبز متروكة على الحجر. حط
العصفور، نقرها.
عادت العجوز وقالت : “لم أتركها لك”.
تناولت قطعة الخبز وأخذت تفتتها وتنثرها
أمامه. كان العصفور يحدق في عينيها. ولم
يأكل.
* * *
13 – استقلال خفي
هذه الغيوم الخمس، المتشابهة تقريباً، كم
كانت مقربة إلينا، أو مستحبة بغموض –
لعددها، دون شك، أو لأننا أدركنا أننا ما
نزال قادرين أن نعد أو على الأقل أن نلاحظ.
بعد ذلك انتبهنا إلى الفروقات – ورود تميل
إلى البنفسجي. حينذاك سمعنا صوت
الصافرة. نهضنا. أمرونا أن نمر واحداً
واحداً أمام الباب وأحصوا عددنا. ابتسمنا.
كنا نعرف أننا باقون خارج إحصائهم، مع
الهلال. ومع هذه الغيوم الخمس.
* * *
14 – فطنة
الكلمات ورق والقصائد ورق. المدينة كلها
ورق. يكفي عود ثقاب لإشعالها.
– “عود ثقاب . عود ثقاب”
عيدان الثقاب رطبة. لا تشتعل، إنه المطر،
دون شك.
أم لعلك تركتها أمس، مساء في الحمام؟
* * *
15 – اجتياح
هنا كذلك مروا. مضوا. صمت. حجارة
سوداء، أشجار مكسورة. مصابيح محطمة.
على الطريق ألواح مهشمة، علب، خيوط،
مسامير. الغرفة فارغة، وهناك على الطاولة
الكبيرة المحدودة، رأس مقطوع في كل صحن.
وعند الباب، ضرب عنق الراقصة. قالت:
” سيدي ، يجب علي أن أسرع وألحق بهم.
أن أسرع، سيدي.”
وهناك، على النهر، كانوا يغسلون سلال
العنب. وكانت زيزان الحصاد تغني.
* * *
16 – النساء
النساء بعيدات جداً. لأغطية أسرتهن رائحة
“الليلة الطيبة”
يضعن الخبز على المائدة، لكي لا نشعر أنهن
غائبات.
حينذاك نحس أننا مذنبون. ننهض عن مقاعدنا
ونقول:
“لقد تعبت اليوم كثيراً” ، أو أيضاً ” دعيني ،
أنا من سيشعل المصباح ” .
حين نشعل عود الثقاب ، تقوم ببطء
متجهة نحو المطبخ باهتمام لا يفسر.
ظهرها
تلة صغيرة من المرارة مثقلة بموتى لا حصر لهم،
موتى العائلة، موتاها هي وموتانا.
لخطواتها صوت يصر فوق الألواح الخشبية
العتيقة،
والصحون تبكي في الخزانة، ثم يعلو صوت
القطار الذي يحمل الجنود إلى الجبهة.
* * *
17 – حفل
الريح تثرثر أمام النوافذ
كهؤلاء الذين يتأهبون للافتراق.
المفروشات أصبحت كفتيات فقيرات
يلتقطن الزيتون الساقط. المساء يسير تحت
أشجار الزيتون،
وحيداً، والسهل بسنابله المحصودة رفض.
جلد الزيز، الهرم
يشبه جرساً صغيراً متكسراً بين الأعشاب
اليابسة.
بعد وقت متأخر جاء مطر ناعم، طرد عصافير
الدوري،
ببطء ينام العمر تحت أشجار السرو،
كالمحراث المهجور. الفلاح ينام تحت الأرض-
زوجته وحيدة مع الكلب، والثور الهزيل.
يدا السكون باردتان كالثلج
وهو يلف غطاء كتفيه الأسود تحت ذقنه.
مع ذلك، ترك الفلاح على يد المحراث علامة
أقوى من يده
ويحافظ مسند الكرسي على عرض كتفيه،
بدفئه كله.
من أجل جميع هذه الأشياء التي لا معنى لها –
لا أعرف
أريد أن أكتب أغنية قصيرة جداً تبرهن على
أنني لا أعرف شيئاً
عن هذه الأشياء كلها، إلا أنها هي كما هي،
وحيدة ، وحيدة جداً ، وأنها لا تطلب أي توسط
بينها وبين أي شيء آخر.
* * *
18 – تأخر
ذهب الصيف سريعاً: لم نلحق به .
غيوم كبيرة معلقة فوق الجبال
كأقنعة المأساة القديمة. ما العمل؟
أحذيتنا، الأكثر من مهترئة، تضايقنا دائماً قليلاً
الضوء يضايقنا، الغيوم تضايقنا.
ها نحن نصل أمام شجرة مزهرة
أمام الخبز، أمام الماء،
أمام النافذة الأكثر استقبالاً
حائرين قليلاً ، لاهثين ،
نشعر أننا تأخرنا قروناً .
أيكون الأمر أننا تقدمنا بعيداً جداً ؟
* * *
19 – وسيلة التعبير
لم يعد يحب الأشياء والكلمات والعصافير
التي تحولت إلى شعارات أو رموز (ولا شيء
تقريباً أفلت من هذا المصير). هكذا ، فضل
بعد ذلك ألا يفتح فمه، وأن يقوم كالأبكم بأنواع
من الحركات الغريبة، الهادئة، الغامضة،
المحزنة، أو بالأحرى المضحكة.
لكنهم ، هم أيضاً ، بعد بضع سنوات ،
تحولوا إلى شعارات .
* * *
20 – صورة مكبرة
لم يكن لنا سند آخر.
هو، الجميل غير المهموم ، كان يتوسد حجراً
ويرقد على الأرض.
كنا نعرف: سكينه في جيبه، مطبقة،
تدفئها حرارة جسده، وبين أسنانه قشور
العنب.
الباقي، في الليل، كان أحمر اللون.
(مختار من مجموعتي الشاعر: الجدار في المرآة، وقبل الإنسان .)
——————–
سماءُ آخِرِ ترقُّب/ يانيس ريتسوس
لم يكن ريتسوس، الشاعر اليوناني الأبرز في النصف الثاني من القرن العشرين، ليختار لو استطاع يوماً أجمل لميلاده من الأول من أيار، عيد العمّال. هنا حُزمة من قصائده تحية لشهر مولده.
تكرارات
أحجار وأجسام، عارية، مقدَّسة، بهيّة
إلى مدى الأفق، إلى عمق الذاكرة؛
وفي البحر الحصى، ورديّة أو زرقاء،
كحلوى المُلَبَّس، لم تؤكل، لأعراس تماثيل.
■ ■ ■
إضافة تاريخيّة
ذكريات عميقة -اسم، مكان، حجر مكسور-
لم يعد عندك ما تضيفه. أمّا ذلك، فهو،
في وسط الشارع، في ساعة بارزة، في ظهيرة مشمسة،
ينزع قبّعته الزرقاء، قبّعة العامل، وبحركة
بسيطة وطقسيّة معاً، يعلّقها
هناك، على الحائط الأبيض، على المسمار، إلى جانب الدهور.
■ ■ ■
قنوط بينالوبي
ليس أنها لم تتعرّفه في وهج الموقد؛ لم تكن
أرتال المتسوّل، زيّ التخفّي، – كلّا؛ علامات واضحة:
الندبة في ركبته، الصلابة، المكر في نظرته. مذعورة،
أسندت ظهرها إلى الحائط، كانت تبتغي حجّة،
مهلةَ وقتٍ يسير أُخرى، كيلا تجيب،
كيلا تنفضح. فهي من أجله، قد أنفقت عشرين سنة،
عشرين سنة انتظار وأحلام، من أجل هذا الرثّ،
المضرّجة لحيته البيضاء بالدم؟ ارتمت صامتة على كرسيّ،
أجالت نظرها بتؤدة على الخطباء القتلى أرضاً، كأنّها تنظر إلى
رغباتها ذاتها ميتة. و”طاب حلولُك وأَمْرُك” قالت له،
فسمع صوتها غريباً بعيداً. في الزاوية، مغزلها
ملأ السقف ظلالاً كالدرابزين؛ وكلّ الطيور التي حاكتها
بخيطان حمراء بهيّة على أوراق خضراء، فجأة،
في ليلة الرجوع هذه، عادت رماديّة وسوداء
محلّقة على الواطئ في استواء سماءِ آخِرِ ترقُّب.
■ ■ ■
وديعة
قال: أومن بالشعر، بالحبّ، بالموت،
لهذا بالضبط أومن بالخلود. أكتب بيتاً،
أكتب العالم؛ أُوجَد؛ يوجَد العالم.
من طرف إصبعي الصغير يجري نهر.
السماء سبع مرّات زرقاء. هذا الصفاء
هو الحقيقة الأولى من جديد، رغبتي الأخيرة.
■ ■ ■
سوناتا ضوءِ القمر
دعني آتي معك. ما أجمل القمرَ الليلةَ. القمرُ جيّد – لن يظهرَ أنّ شعري شاب. سيُعيدُ القمر لشعريْ لونَه الذهبيّ. لن ترى بياضَه. دعني آتي معك.
حين يطلّ القمر تكبر الظلال في البيت، أيادٍ خفيّةٌ تسحب الستائر عن النوافذ، إصبع واهنة تكتب على غبار البيانو كلماتٍ منسيّةً – لا أريد سماعها. أصمت.
دعني آتي معك أسفل قليلاً، إلى حيث تنعطف الطريق وتظهر المدينة إسمنتيّة ورقيقة، وهي إذ يبيّضها ضوء القمر على هذا القدر من اللامبالاة واللاهيولى، على هذا القدر من الإيجابيّة وكأنّها ميتافيزيقيا فيمكنك أخيراً أن تؤمن بأنّك موجود وغير موجود، بأنّك لم تكن قطّ، لم يكنِ الزمن ولا فسادُه. دعني أجيء معك.
أعرف جيّداً أنّ كلَّ امرئٍ يسير وحدَه إلى الحبّ، وحدَه إلى المجد وإلى الموت. أعرف ذلك. جرّبته. لا ينفع. دعني آتي معك.
* شاعر يوناني ولد في بلدة/ قلعة مونيمفاسيا في 1 أيار/ مايو 1909 ورحل في مدينة أثينا في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1990، وترك أكثر من 100 مجموعة شعرية.
** ترجمة عن اليونانية: روني بو سابا
العربي الجديد
—————————–
يانيس ريتسوس.. عشرون قصيدة
ترجمة: خالد النجار
مساء
كانت اذ تسقي الزهور تسمع الماء يتقاطر من
الشرفة
تبللت الألواح تعفّنت وبعد غد
إذا ما انهارت الشرفة، فسوف تظلّ هي معلقة في الهواء
هادئة، جميلة، ماسكة بين يديها
أصصي الجيرانيوم الكبيرين، وابتسامتها.
***
بياض
حصى أبيض يمتد إلى بعيد، صفاء النهار
والذّاكرة، ولا أحد
هنا، إنّه البحر، وأنا أدري أنّي سوف أجلس
هنا
فوق هذه الصّخرة ـ قال وجلس فوق الصخرة
أثبت نظره في العمود الذي قبالته، إنّه إعلان حداد
كم هم متوحدون الأموات في عزّ الشمس.
***
حكاية عابرة
قبّعة بحّار مبتلة
كانت تتأرجح فوق الأمواج
مثل خبز أسود ملقى
في زمن كان الناس فيه جوعى
إنّه زمن الحرب.
***
المساء نفسه
عندما أضاء نور غرفته، أحسّ
في نفس اللحظة
أنّه هو نفسه حقيقة، في مجاله الخاص، ومنتزعا
من المطلق، ومن أغصان الليل الطويلة.
توقف امام المرآة ليبحث فيها عن شئ يؤكد ذلك
ولكن تلك المفاتيح
التي تتدلّى من عنقه، أكانت حقا مشدودة بخيط متسخ.
***
الصيّاد العجوز
الآن قال ـ سوف لا أذهب إلى الصّيد
سأظلّ جالسا في المقهى أتطلع عبر النافذة إلى
الصيّادين الشبان وهم يدخلون بسلالهم
ويجلسون، يشربون ويثرثرون، ومن وراء الزجاج
يبدو للأسماك وميض آخر، بي رغبة أن اقول لهم
ذلك
وأن أحدّثهم عن ذاك الحوت، وعن خطاف
الصيد
المرشوق في ظهره، عن ظله ذي الصواري الثلاث
المنعكس في قاع البحر، عند الغروب. لم أحدّثهم
عن هذا
فهم لا يحبّون الدّلافين. وزجاج النافذة هذا
المتسخ بالملح، يجب تنظيفه.
***
فنان ذاهل
رسّام.. في المساء رسم قطارا
انفصلت العربة الخلفية عن الورقة
وعادت لوحدها إلى المستودع.
داخل هذه العربة تحديدا
كان يوجد الرسّام.
***
تبادل
وضعوا العربة في الحقل
وحملوا الحقل إلى المنزل
كان هناك تبادل لا نهائي يصيغ
دلالة الأشياء
المرأة تبادلت المكان مع السنونوة
استقرّت في العش وشرعت تزقزق
وجلست السّنونوة مكان شغل المرأة ونسجت
نجوما وعصافير واسماك وزهورا
وقوارب شراعيّة
لو تعرفين كم هو جميل فمك
لقبلتني في عينيّ حتّى لا اراه.
***
المرأة الزّرقاء
غمست يدها في البحر
فصارت يدها زرقاء
وأعجبها ذلك
ألقت بجسدها كله في البحر
فصارت زرقاء
أزرق صوتها وصمتها.
المرأة الزّرقاء
كثيرون الذين أعجبوا بها
ولا أحد احبّها.
***
ملمح إغريقي
بحر معتم، لا يحسّ تنفّسه في
الليل
القوارب الخاوية، مشدودة بالحبال ـ سرّها العميق
في صمت الألواح المبلولة، رجل ما
حكّ عود ثقاب
أشعل سيجارته، فتجلت ملامح
شاب في العشرين واقفا على المركب منذ ثلاثة آلاف سنة
نحن نعرفه (نفس تسريحة شعره
المردود إلى الخلف)
انزلقت نجمة وراء الصّواري المعتمة، اشتعلت
فأضاءت زهرة البحر المنحوتة وأضاءت الشعثة.
***
صوت من الغرفة الأخرى
بطرس، نادته: أحضر مصباح النفط
لقد مرق عصفور إلى الغرفة، اسمعني
لم تكن الستارة، وقد رفعتها الريح
ولم يكن يشبه الماء في المغسلة
كان شيئا أكثر بياضا، أكثر بياضا، أكثر بياضا
بلحظة، لا مس خدّي فارتعبت
والآن ما العمل؟ أطفئ مصباح النفط.
***
الحساب الأخير
يجيئون ليلا في صفّ طويل أولئك
الذين قتلناهم
يتطلعون حواليهم يجربون المفاتيح ويفتحون
الباب
يدخلون البيت، يتلمسون في الظلام
ولا يجدون شيئا
وأنت تحت السرير، ذاك السرير
الذي عليك أن تنام فوقه، ها أنت
تحمله فوق ظهرك، وخلف الستارة
يقف ظلّ النافذة مصلوبا
والأموات لم يعودوا يدركون لماذا ماتوا.
***
معجزة
قبل أن ينام، وضع ساعته تحت
المخدّة
ثم ّنام، في الخارج كانت الرّيح تعصف، وأنت الذي
يدرك
الترابط العجيب للحركات البسيطة
تعرف
أنّه رجل، وساعته، والريح، ولا شيء آخر.
***
رقّة
الشمس تتوارى، وزورق يدخل الميناء
لون ورديّ وذهبيّ وهدوء متبخّر مجداف
يلتمع، سلم حبال، مرجان
كلّ الأشياء بلا ثقل ـ حتّى الحجر والخشب
ومائل الحاجب الفضي للقمر، ونحيلة
اذ التمعت ثلاث أزرار في قميصك
والموت لا يكاد يوجد من شدّة اثيريّة الأشياء.
***
ضوء القمر
شئ غريب ـ عندما نفخت الرّيح
ضوء القمر هذا
الجامد والسرّيّ
ورقــة مثقوبة
مشدودة في سلك الأفق، السلك الحديدي للأفق
عبرت مصفّرة الليل بأكمله.
***
في التقريب يكمن الشعر هل تراه
يمسك في يديه اشياء مختلفة
حصى،
آجره مكسورة، علبتي كبريت محترقتين،
المسمار الصّدئ للجدار المواجه
ورقة الشجرة التي مرقت من النافذة، والقطرات
التي تتساقط من أصص الزّهور المرويّة، والقشّ
الذي حطّته رياح البارحة في شعرك ـ هي
التي ترفعه
وهناك، في الباحة، هناك تنبت ـ تقريبا ـ شجرة
وفي هذا ” التقريب ” يكمن الشّعر، هل تراه؟
***
الشعر
وراء أشياء بسيطة اتخفّى
لكي تجدونني
وإن لم تجدوني هناك، فستجدون الأشياء
وتتلمسونها تلك التي لمستها يداي
وعبرها تتحد بصمات أيدينا
قمر آب يسطع في المطبخ
مثل قدر مقصدر (حتّى من خلال هذا احاوركم)
ويضئ المنول الخاوي، والصمت المقيم في المنزل
يظلّ الصّمت قائما
وكلّ كلمة هي منفذ
نحو لقاء كثيرا ما يفشل
وتكون كلمة حقيقيّة
عندما تنجح في تأكيد التّواصل.
***
ليل قديم
في الأعلى خيّم الليل باكرا، ليل
شفّاف
أكثر اتساعا من النهار ـ غابة الزيتون غائمة الحدود
والاعشاب حرقتها الشمس بين الرخام.
والمسرح عار معلق في السفح وفوق الأرض
درع كبيرة ملقاة على ظهرها، لو تنزل الأمطار،
فستمتلئ بالماء، وعندها سيأتي السنونو، والزرافة،
والأسد، والثور، وكريزوتيموس، وكلاب حارس الغابة الثلاثة
والقمر كلهم ليشربوا منها.
***
وداع
غرف شاسعة لقصور الاقطاع في الأرياف
مليئة بصفير البواخر البعيدة مليئة
بصليل النواقيس الهامدة وبالدقات العميقة
للساعات الجدارية القديمة. لا أحد يسكن هنا
سوى الخيالات وكمان معلق في الجدار
والأوراق النقدية التي لم تعد صالحة للاستعمال منثورة على الأرائك
في الليل
يهبط القمر يحاذي المرايا المتعبة
وبحركات شديدة البطء يوظب وراء البلور
صفارات وداع البواخر التي غرقت.
***
نعود إلى ما تركنا
نعود إلى ما تركنا
إلى الذي تركنا وفي أيدينا
حزمة من المفاتيح لا تفتح
لا بابا ولا درجا ولا حقيبة
كنا نرج المفاتيح فترن في أيدينا وكنا نبتسم
لم يكن لنا أحد نخدعه
ولا حتى أنفسنا
***
في أيام البرد القارس
في أيام البرد القارس
لا موقد ولا سجائر
بعود ثقاب أشعلوا النار في مخطوطاتهم
وأشرق الموت
————————-
يانيس ريتسوس || خمس قصائد
ترجمة : خالد الشبيهي
———————–
١– خُمُول
فِي غُرْفَةِ النَّوْمِ، المَرْأَةُ صاحِبَةُ الكَلْبِ الأَسْوَدِ.
مَرَّ الخادِمُ العَجوزُ فِي الرِّواقِ وَهُوَ يَحْمِلُ فانُوسًا.
تَحَرَّكَتِ السَّتائِرُ مِنْ دُونِ أَنْ تُلامِسَها رِيحٌ.
أَمّا نَحْنُ فَلَمْ نَعُدْ نَنْتَظِرُ رُجوعَهُمْ.
ثِيابُهُمُ المُعَلَّقَةُ فِي الدُّولابِ بَلِيَتْ. وفِي اللَّيْلِ
سَمِعْنا الرَّسولَ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ أَمامَ البابِ.
لَمْ يَقْرَعِ البابَ بِالمِطْرَقَةِ. لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فِي الغَدِ
وَجَدْنا أَعْقابَ سَجائِرِهِ ذاتِ الفِلْتَرِ الذَّهَبِيِّ
فِي الحَدِيقَةِ.
————————–
٢– اِنْبِعاث
مُنْذُ سَنَوَاتٍ لَمْ يَعْتَنِ أَحَدٌ بِالحَدِيقَةِ. وَلَكِنْ هَا هِيَ بَدَأَتْ تُزْهِرُ هذَا العَامَ ـ فِي مَايُو، يُونْيُو؟ ـ دُونَ صِيَانَةِ أَحَدٍ، حَتَّى بَلَغَ تَوَهُّجُهَا السِّيَاجَ ـ آلَافُ الوُرُودِ، وَالقَرَنْفُلِ، وَآلَافُ أَزْهَارِ الجِيرَانْيُوم، وَالبَازِلَّاءِ الحُلْوَةِ ـ الأُرْجُوَانِيُّ، وَالبُرْتُقَالِيُّ، وَالأَخْضَرُ، وَالأَحْمَرُ، وَالأَصْفَرُ؛ أَلْوَانٌ، وَأَلْوَانٌ، وَأَجْنِحَةٌ.
حَتَّى إِنَّ المَرْأَةَ عَادَتْ مَرَّةً أُخْرَى، وَبِيَدِهَا المِرَشَّةُ القَدِيمَةُ ـ جَمِيلَةً مِنْ جَدِيدٍ، هَادِئَةً، وَاثِقَةً ثِقَةً لَا تُوصَفُ.
أَحَاطَتْ بِهَا الحَدِيقَةُ حَتَّى مُسْتَوَى كَتِفَيْهَا، عَانَقَتْهَا وَغَمَرَتْهَا بِالكَامِلِ، وَحَمَلَتْهَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا.
ثُمَّ رَأَيْنَا، فِي وَضَحِ النَّهَارِ، الحَدِيقَةَ وَالمَرْأَةَ حَامِلَةَ المِرَشَّةِ تَصْعَدَانِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَمَّا كُنَّا نَرْفَعُ رُؤُوسَنَا، سَقَطَتْ بَضْعُ قَطَرَاتٍ مِنْ مِرَشَّتِهَا بِلُطْفٍ عَلَى خُدُودِنَا، ذُقُونِنَا وَشِفَاهِنَا.
————————
٣– مُبَادَلَات
وَضَعُوا المِحْرَاثَ فِي الحَقْلِ؛
أَتَوْا بِالحَقْلِ إِلَى البَيْتِ،
مُبَادَلَةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا تُجَسِّدُ
أَهَمِّيَّةَ الأَشْيَاءِ.
تَبَادَلَتِ المَرْأَةُ مَكَانَهَا مَعَ
السُّنُونُو،
جَلَسَتْ فِي العُشِّ عَلَى السَّطْحِ وَغَرَّدَتْ.
جَثَمَ السُّنُونُو خَلْفَ نَوْلِهَا وَنَسَجَ
نُجُومًا، طُيُورًا، أَسْمَاكًا، أَزْهَارًا
وَزَوَارِقَ شِرَاعِيَّةً.
لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ كَمْ هُوَ جَمِيلٌ ثَغْرُكِ
لَقَبَّلْتِنِي عَلَى عَيْنِي حَتَّى لَا أَرَاهُ.
——————————
٤– تَلَصُّص
أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، أَجْمَلُهَا،
رَأَيْتَهَا مِنْ ثُقْبِ البَابِ ـ
الأَزْهَارُ الَّتِي سَقَطَتْ عَلَى الأَرْضِيَّةِ
وَدَاخِلَ حِذَائِكَ.
مِنَ الأَفْضَلِ إِذَنْ
أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَ القَدَمَيْنِ
حَتَّى لَا يَسْمَعَكَ أَحَدٌ.
——————————-
٥– آثــارٌ
عَلَى طُولِ سِياجِ الحَديقَةِ مَرَّ الجُنودُ.
فِي الحَديقَةِ، الظِلالُ المُمْتَدَةُ لِلْأَشْجَارِ
وقَطَراتُ النَّدَى المُتَلَأْلِئَة عَلَى المَقاعِدِ الرُّخامِيَّةِ.
تَقِفُ هيلينُ دُونَ حَرَكَةٍ خَلْفَ الزَّنابِقِ الكَبيرةِ. فَجْأَةً،
سَمِعْنا طَلَقاتٍ نارِيَّةً فِي الشُّرْفَةِ المُجاوِرَةِ. انْطَلَقَتْ هيلينُ
عَلَى عَجَلٍ، وَهِيَ تَدوسُ الزَّنابِقَ. وفِي البَيْتِ المُقابِلِ،
أُطْفِئَتِ الأَنْوارُ دُفْعَةً واحِدَةً. أَسْقَطَ أَحَدُهُمْ
الكَراسِيِّ فِي الحَديقَةِ. غِطاءٌ واحِدٌ أَبْطَأَ فِي سُقوطِهِ،
بَقِيَ عَالِقًا بِغُصْنِ شَجَرَةٍ،
مِثْلَ امْرَأةٍ فِي لَيْلَةِ زِفافِها الأُولَى.
————————-
تحميل بعض دواوين يانيس ريتسوس
كتاب سوناتا ضوء القمر – يانيس ريتسوس
يوميات المنفى وقصائد أخرى – يانيس ريتسوس
82 ثانية ظلال الطيور وتريات أحادية وقصائد أخرى – يانيس ريتسوس
سوناتا ضوء القمر – يانيس ريتسوس
===================



