أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 20 شباط 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
تحديث 20 شباط 2026
العمل الخيري في سوريا: تجارب ارتجالية ودعم حكومي خجول/ نورا حرب
االجمعة 2026/02/20
ثمة تحديات كبيرة لا تزال تواجه السوريين، في بلد أنهكته سنوات الاستنزاف الطويلة. خصوصاً شريحة محدودي الدخل، وهم أكثر المتضررين من وطأة مآلات المشهد الاقتصادي والاجتماعي المؤلم وتداعياته المستمرة حتى اليوم.
وتبدو الأسعار المرتفعة في الأسواق، والتي تزداد ارتفاعاً مع بدايات الشهر الفضيل، كما لو أنها “القشّة التي قصمت ظهر البعير”، على الرغم من وفرة المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما أنتج واقعاً صعباً وشكوى تتردد في كل أسواق سوريا.
فرصة تكافل
في أعراف السوريين شهر رمضان الكريم فرصة حقيقية للتكافل الاجتماعي والإنساني، بآلية تلامس جوهر وأساس الزكاة كأحد الأركان الأساسية للدين الإسلامي. كما أن الإحساس بالآخر وإغاثة الضعيف يمثلان جوهر فريضة الصيام. بالتالي يبدو السؤال مشروعاً عن حضور المبادرات الخيرية وتدخّل ميسوري المجتمع السوري إن كانوا أفراداّ أم جمعيات، ودورها في تلمّس احتياجات الفقراء، الذين قاربت نسبتهم 90% من قوام المجتمع السوري وفق إحصاءات رسمية محلية وأممية.
حالة تراثية لا طارئة
تؤكد تجارب السوريين مع شق العمل الخيري في حياتهم، أن هذا المصطلح يحظى بتطبيقات مكثفة وتجارب ناصعة عبر عقود مضت.
ويسجل التاريخ السوري الحديث مبادرات خيرية لافتة كبصمة راسخة حتى اليوم، ونتج عنها بناء صروح ضخمة من مشافٍ ومدارس و صروح دينية وطبية وخدمية وثقافية. فمشفى المواساة الدمشقي هو نتاج عمل خيري كامل ومتكامل، كذلك مشفى الكندي في حلب والذي كان يعتبر أول مشفى لعلاج السرطان في منطقة الشرق الأوسط في ستينيات القرن الماضي.
وربما لا يعلم كثيرون أن مؤسسة مياه دمشق وريفها والتي كانت تعرف سابقاً بالفيجة، هي أيضاً نتاج عمل خيري خالص منذ خمسينيات القرن الماضي، ساهم فيه شخصيات دمشقية راسخة في العمل الخيري والاجتماعي.
تجارب مناطقية
العمل الخيري مستمر حتى يومنا هذا ولكن ربما بوتيرة وحدود أقل فهو محصور بتجارب مناطقية رصدنا بعضها.
فمن منطقة المليحة شرقي دمشق “الغوطة الشرقية” يتحدث موفق عرفة رئيس مجلس إدارة جمعية الإحسان الخيرية مع “المدن”، لافتاً إلى أن الجمعية تتكفل بما يقارب 450 طفل يتيم عبر معاشات شهرية تقدر بحوالي 200 ألف ليرة سورية لكل طفل “حوالي 18” دولاراً، منوها أن المبلغ ربما ليس كافياً ولكن وكما يقال “بحصة بتسند جرة”، ناهيك عن توزيع مواد غذائية حسب المتبرعين.
عمل الجمعية ينحصر بالأطفال الأيتام في منطقة المليحة، ويؤكد أن الجمعية لم تتلق أي دعم من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أو من المنظمات الإنسانية والإغاثية.
القنوات في قلب دمشق
في منطقة القنوات بقلب العاصمة تنشط جمعية “شباب القنوات”. ينقسم عمل الجمعية، وفق رئيس مجلس إدارتها، إلى جانبين خيري وطبي حيث ثمة صندوق طبي يجري عمليات جراحية بعد موافقة اللجنة الطبية الخاصة بالجمعية، في حين أن العمل الإغاثي يشمل شرائح الأرامل والأيتام والفقراء، من خلال رواتب شهرية وسلل غذائية من المواد التي يتبرع بها “أهل الخير” كما تقوم الجمعية بنشاط خاص خلال شهر رمضان الكريم عبر نشاطات مختلفة كإفطار صائم وأضاحي العيد وتوزيع ألبسة وأغطية. لكن عمل الجمعية محصور في منطقة القنوات سواء للأهل أو للقاطنين فيها.
الخير في وقته
تنشط بعض الجمعيات أكثر بشكل موسمي… ويؤكد محمد دباغ المسؤول الإعلامي في مؤسسة مبادرة أهل الشام، استعداد المؤسسة للموسم الرابع من مطبخ “الخير بخير” خلال الشهر الكريم حيث يتم تقديم وجبات إفطار تكفي اربعة أشخاص. لافتاً إلى أن السنوات الماضية من المبادرة شملت تقديم وجبات الإفطار لما يقارب 27 ألف أسرة، ومن المتوقع أن يصل العدد خلال هذا الشهر إلى 40 ألف أسرة مستفيدة.
وأضاف أن المؤسسة تعنى أيضا بمشروع خدمة المعلم من خلال مبادرة المعلم والتعليم شرف لنا والتي تشمل ترميم مدارس وتوزيع سلل غذائية للمعلمين، إضافة إلى مبادرة وصفة العطاء التي تعنى بتقديم وصفات طبية للمعلمين والأسر المستحقة.
الأطفال أولوية
أيضاً تنشط جمعيات أخرى في اتجاهات أكثر عمقاً وتأثيراً.. إذ يؤكد هيثم سلطجي رئيس مجلس الأمناء لمؤسسة حقوق الطفل، أن عمل المؤسسة يتمثل في تجنيب الأطفال كافة أنواع الاستغلال والعنف من خلال مجموعة برامج تعنى بالصحة والتعليم والصحة والبيئة والأسرة. هذه المشاريع تقدم خدمات للأطفال سواء فاقدي الرعاية أو من هم في حالة نزاع مع القانون وايضا من ينتمون لأبوين منفصلين.
واضاف أن المؤسسة تعنى أيضا بالأطفال الأيتام وشهداء الثورة عبر تقديم خدمات تعليمية وتربوية وصحية.
سلطجي أشار إلى أن نشاطات المؤسسة لا تقف عند هذا الحد إنما تتجاوز ما ذكر لتشمل طلاب العلم عبر تقديم تكاليف التعليم ودعم مادي يستمر حتى تخرج هؤلاء، بشرط عدم الرسوب أو التراجع الدراسي إضافة إلى تقديم منظومات طاقات بديلة للأسر المستفيدة ناهيك عن ترميم المنازل.
لكن وبخلاف ماسبق، يؤكد سلطجي أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قدمت التسهيلات اللازمة عبر مركزين لإقامة الأطفال الذين تعنى فيهم الجمعية.
مشاركة مجتمعية
يرى الدكتور فادي عياش الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق في حديثه لـ”المدن” أن الخير وعمل الخير والسعي فيه قيمة متأصلة في المجتمع السوري عموماً، فهي تعبر عن تكافل المجتمع السوري وترابطه، وكذلك فهي تعبير عن الالتزام بعقائده الدينية.
وأضاف عياس: تنشط الأعمال الخيرة في مواسم الأعياد والمناسبات الدينية ولا سيما في شهر الخير والبركة شهر رمضان المبارك. كما نجدها في الأزمات والكوارث وتتجسد في أعمال ونشاطات إغاثية مؤثرة للتخفيف عن المنكوبين، كما ظهرت هذه الأعمال والنشاطات عبر فعاليات أهلية ولا سيما من الميسورين وقطاع الأعمال الخاص لإعادة ترميم وإعمار وتجهيز بعض المنشآت التعليمية والصحية والمرافق العامة الأساسية كتعبير عن المشاركة المجتمعية إلى جانب المؤسسات الرسمية. وفي جانب منها تأخذ الأعمال والنشاطات الخيرية سمة تنظيمية ذات استدامة من خلال الجمعيات الخيرية ذات المقاصد المختلفة.
لكن عياش يشير إلى أنه غالباً ما تكون الأعمال والنشاطات الخيرية عبارة عن مبادرات فردية وأحياناً تأتي كاستجابة مجتمعية كما في حالات الكوارث. ورغم أثرها الاجتماعي الكبير والهام، إلا أنها لا تزال فردية الطابع ومحصورة في نطاق التبرعات والأعمال الإغاثية بشكل عام.
ويأمل أستاذ الاقتصاد أن تتطور هذه القيمة النبيلة في المجتمع لتصبح أداة تنموية بالإضافة إلى كونها تكافلية وإغاثية.
تشاركية إيجابية
الأمر يتطلب، على حد تعبير عياش، التشاركية الإيجابية بين وزارة الأوقاف والشؤون الاجتماعية ومنظمات قطاع الأعمال، وذلك من خلال تطبيق مفهوم المسؤولية المجتمعية من جهة وتعزيز المشاركة المجتمعية من جهة، بغية تضافر وتكامل الجهود والمبادرات الخيرة لكل مكونات المجتمع السوري العريق لتحقيق أفضل للتكافل الاجتماعي وتعزيز مفهوم العدالة الاجتماعية. وكذلك العمل على تحقيق استقرار تنموي مستدام يعتمد على إيجاد فرص عمل محلية على مستوى الأفراد والأسر، تساهم في تحسين الدخل والتمكين المجتمعي للأسر الأكثر فقراً، وكذلك الارتقاء في مستوى تأمين بعض الخدمات الأساسية ولا سيما الصحية والتعليمية والنقل.
وأكد عياش أن هذا يحتاج بالإضافة إلى الجهود الرسمية والحكومية، إلى جهود أكبر على مستوى منظمات المجتمع الأهلي والمحلي وقطاع الأعمال لمأسسة هذه النشاطات والأعمال وتنظيمها من خلال الحوكمة والشفافية والتي من شأنها تعزيز ثقة المجتمع المحلي وتحفيز مبادراته ومساهماته الخيرية المادية بأشكالها والمعنوية.
غياب الإشراف الفعال
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المعنية بممارسة هذا الدور لم تتمكن حتى اللحظة من لعب دور القائد والمايسترو المنوط فيها، وحتى اللحظة لم تستطع أن تبني جسراً للتواصل بينها وبين الجمعيات التي تمتلك الإمكانات وقاعدة البيانات والكوادر.
المسألة ليست مستحيلة إنما هي بحاجة لأسلوب جديد في التعامل والخطاب، والفرصة سانحة ومتاحة في الشهر الكريم شهر الخير والبركة.
المدن
——————————
الرئيس الشرع يعقد اجتماعاً لبحث واقع المخيمات وخطط تأهيل البنية التحتية
2026.02.19
عقد الرئيس أحمد الشرع اجتماعاً في دمشق خُصص لبحث واقع المخيمات في سوريا، ومناقشة خطط تأهيل البنية التحتية في المدن والبلدات المتضررة.
وقالت الرئاسة السورية، في بيان، إن الاجتماع ضم وزراء الطوارئ وإدارة الكوارث، والأشغال العامة والإسكان، والمالية، إضافة إلى محافظي إدلب وحماة وحلب، لبحث واقع المخيمات وآليات معالجة التحديات القائمة وتأهيل البنية التحتية في المدن والبلدات المتضررة، بما يسهم في تشجيع العودة إليها.
أكثر من مليون نازح في مخيمات الشمال
تتجدد المعاناة الإنسانية كل عام في مخيمات شمال غربي سوريا مع دخول فصل الشتاء، حيث تتفاقم الأزمات في ظل انخفاض درجات الحرارة وهطول الأمطار، فوق خيام قماشية غير مهيأة لمواجهة البرد القارس، فيما تتضاعف الأعباء المالية على عائلات تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وتنتشر هذه المخيمات في نحو 1150 مخيماً شمالي البلاد، بينها 801 مخيم في ريف إدلب و349 في ريف حلب، وتؤوي أكثر من مليون نازح يعيشون ظروفاً إنسانية ومناخية بالغة القسوة، في ظل نقص حاد في البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي وتدابير الاستجابة للطوارئ المناخية، وفق ما توثقه “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، ما يزيد من هشاشة الواقع المعيشي ويجعل آلاف الأسر عرضة لمخاطر الفيضانات والأمراض مع كل عاصفة مطرية أو موجة برد جديدة.
—————————-
ملف دمج الموظفين التابعين لـ “الإدارة الذاتية” بالرقة.. حلول مؤقتة ورواتب متأخرة
2026.02.20
الرقة ـ حسن قصاب
ما تزال قضية دمج الموظفين ممن عملوا سابقاً في المؤسسات الخدميّة التابعة للإدارة الذاتية، تمثّل حالة إشكاليّة في محافظة الرقة، إذ لا يوجد تصور حكوميّ واضح عن طبيعة العلاقة المستقبلية بين هؤلاء الموظفين والمديريات والمؤسسات الخدميّة الجديدة، كما أنَّ الإجراءات التي اتُخِذَتْ للتعامل مع هذا الملف -حتى الآن- مؤقتة، ولا توحي بوجود استراتيجية طويلة الأمد لتجاوز هذه الإشكالية على مستوى المحافظة ككل.
بعد بسط الحكومة السورية سيطرتها على كامل محافظة الرقة يوم 18 كانون الثاني/ يناير الماضي، وجهت محافظة الرقة نداءً لمعظم المديريات والمؤسسات بضرورة مباشرة أعمالها منوهةً إلى ضرورة التحاق كافة الموظفين من كافة المؤسسات بأماكن عملهم.
إلا أن هذا النداء “لم يكن على قدر كافٍ من المسؤولية” كما يقول أحد عاملي النظافة في الرقة لموقع تلفزيون سوريا، “إذ لا يوجد حتى الآن أي تبَنٍ رسميّ حقيقي لقضيتنا، ولم تصرف لنا رواتب الشهر الأول رغم مضي عشرين يوماً على انتهائه”، مع العلم أن عاملي النظافة ممن هم على ملاك الحكومة قد تسلموا رواتبهم دون أي انقطاع أو تأخير وفقاً لما أفاد.
هذا العامل، الذي عمل لمدة سبع سنوات في دائرة النظافة ضمن بلدية شعب الرقة (التابعة للإدارة الذاتية) وجد نفسه هو وزملائه، المقدر عددهم بنحو 500 عامل، بحسب قوله، في حالة ضياع دون معرفة مصير مستقبلهم الوظيفي، إذ لم يوقعوا أي عقد عمل حتى الآن مع البلدية، ولم يتقاضوا أي رواتب أو تعويضات، مؤكداً أنهم ما زالوا مستمرين في عملهم حتى البت بوضعهم مستقبلاً. وأشار إلى أن “البلدية نظمت عقوداً مؤقتة مدتها ثلاثة أشهر لـ300 عامل نظافة جديد دون اتخاذ أي أجراء رسميّ بخصوصنا”.
من جهته، صرح المهندس عبد الرحمن الحسين، رئيس بلدية الرقة في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا، أن البلدية ملتزمة بجميع الموظفين السابقين ممن عملوا في بلدية شعب الرقة، مؤكداً عدم صدور أي قرار فصل أو صرف من الخدمة بحقهم، مشيراً إلى عزم محافظة الرقة حل أزمة الرواتب والبدء بدفعها قريباً. كما أضاف أن البلدية حالياً بصدد إجراء تقييم وظيفي لمعظم كوادرها ومواردها البشرية بغية إلحاقهم ببرنامج بناء قدرات شامل بالتعاون مع وزارة التنمية الإدارية، وذلك لتطوير مهاراتهم ورفع كفاءتهم المهنية وتحسين جودة العمل الوظيفي بما يحقق الارتقاء بمستوى الخدمات المُقدَمة للمواطنين.
في سياق متصل، يعاني موظفو مديرية المياه والصرف الصحيّ في الرقة من هذه المشكلة أيضاً إذ لم يتضح حتى الآن الوضع القانونيّ للموظفين السابقين العاملين في دائرة المياه التابعة للإدارة الذاتية، فلا عقود وقعت معهم، ولا رواتب صرفت لهم كما أفاد أحدهم لموقع تلفزيون سوريا، مشيراً إلى أن العديد منهم نفذوا إضراباً عن العمل يوم الثامن عشر من شباط/ فبراير الحالي احتجاجاً على هذا الواقع، فضلاً عن عدم التزام عدد منهم بساعات الدوام اليومي لاضطرارهم للقيام بأعمال أخرى بغية الحصول على ما يسد الرمق ويغطي الاحتياجات اليومية من الغذاء والماء، خاصة مع دخول شهر رمضان وما يترتب على ذلك من مصاريف إضافيّة على حد قوله.
هذا الحال لا ينطبق فقط على الموظفين السابقين في الإدارة الذاتية؛ فالمفصولون عن العمل في عهد النظام المخلوع يعانون أيضاً من عدم بيان الوضع القانوني لهم، إذا قدموا طلبات إعادتهم للعمل منذ قرابة العام، دون الحصول على أي مباشرات عمل لهم حتى الآن، كما أفاد لنا أحد عاملي مديرية المياه والصرف الصحي المفصولين عن العمل، ويضيف أنه يمارس عمله حالياً ضمن المديرية دون أي راتب يُصرف له حتى تاريخ كتابة التقرير.
وعن دور الاتحادات والنقابات المهنية في مناصرة قضايا منتسبيها والدفاع عن حقوقهم في بيئة العمل، يجمع معظم من تحدثنا معهم من عمال وموظفين على وجود غياب واضح وملحوظ لدور اتحاد عمال محافظة الرقة في متابعة هذه القضايا الحيوية، والعمل الجاد على مناقشتها مع الجهات الرسميّة والمعنيّة بالشأن العماليّ.
ويرى العاملون أن هذا الغياب أسهم في تفاقم المشكلات واستمرارها دون حلول ملموسة، الأمر الذي انعكس سلباً على أوضاعهم المعيشية والمهنية. وفي هذا السياق، يؤكد كثيرون على ضرورة تفعيل الدور الحقيقي لاتحاد العمال من خلال عقد لقاءات دوريّة ومنظمة مع العاملين، والاستماع إلى مطالبهم وشكواهم، ونقل وجهات نظرهم بوضوح وشفافيّة إلى صُنّاع القرار، ما يسهم في فتح قنوات حوار بنّاءة تهدف إلى الوصول لتفاهمات وحلول عملية تُنهي هذه الحالة وتُعزز الثقة بين العمال وممثليهم.
——————————-
===================
تحديث 18 شباط 2026
——————————
الارتجال كمنهج: قراءة في صناعة القرار في سوريا الجديدة/ ميشال شمّاس
الأربعاء 2026/02/18
السؤال في سوريا اليوم لا يتعلق بطبيعة القرارات التي تُتخذ، بقدر ما يتعلق بالطريقة التي تتخذ فيها: هل نحن أمام منطق دولة يقوم على المؤسسات والتخطيط، أم أمام منطق سلطة محكوم بالارتجال وردّ الفعل؟
فالقرارات والتعاميم التي تظهر فجأة، ثم تُسحب عند أول اعتراض، تكشف أن الارتجال أصبح أسلوباً مفضلاً في الحكم. قرارات بلا تشاور ولا دراسات أثر، تُلقى في الفضاء العام لاختبار غضب الناس، ثم يبدأ مسلسل التراجع: نفي، تبرير، توضيح، وأحياناً إلغاء كامل. وبعض القرارات باتت تتدخل حتى في المجال المدني والسياسي، فتمنع أو تقيد أنشطة يفترض أن تكون جزءاً طبيعياً من الحياة العامة. وهذا كله يدل على غياب المسار المؤسسي وتقدّم المزاج الشخصي أو الأمني على منطق الدولة.
تعميم محافظ حماه ، وعودة “الموافقات الأمنية”
أحدث مثال على هذا النمط، كان تعميم محافظ حماه في كانون الثاني 2026، الذي أعاد فيه منطق الموافقات الأمنية إلى الواجهة بقوة. فقد اشترط الحصول على موافقة مسبقة لإقامة أي نشاط عام أو خاص ثقافي، اجتماعي، خيري، أو حتى احتفالي. ما أثار موجة انتقادات واسعة لأنه بدا وكأنه يعيد إنتاج منطق “الموافقات الأمنية” الأسدية، ويضع الحياة المدنية والاجتماعية تحت وصاية مباشرة، وتحوّل أبسط المبادرات المدنية والسياسية إلى ملفات تحتاج إذناً مسبقاً مرة أخرى. وقد ظهر هذا المنحى الأسبوع الماضي حين مُنع اجتماع للحركة السياسية النسوية السورية في دمشق من قبل وزارة الخارجية، ما اضطرها إلى عقده في بيروت.
تعميم محافظ اللاذقية بمنع المكياج
وإذا كان التضييق على الأنشطة المدنية يعبّر عن ارتجال في إدارة المجال العام، فإن ما حدث في اللاذقية يكشف ارتجالاً أشد عبثية، لأنه يتدخل في تفاصيل الحياة الشخصية. وهذا ما تجسّد بوضوح في تعميم محافظ اللاذقية بمنع الموظفات من وضع المكياج. والمشكلة ليست في مضمون التعميم فحسب، بل في طريقة التفكير التي أنتجته: مسؤول يتحرك بدافع تصور شخصي لما هو “لائق”، من دون أي اعتبار لحقوق العاملات أو لسمعة المؤسسة، ثم يناور تارة بالنفي وتارة بالتوضيح حين يكتشف حجم الاعتراض. هذا المثال، رغم بساطته الظاهرية، يكشف بنية ذهنية كاملة: قرارات تُصنع بلا أي دراسة، ثم تُلقى في الفضاء العام لاختبار رد الفعل، وكأن المجتمع مختبراً للتجارب لا شريكاً في صنع السياسات.
رفع تعرفة الكهرباء: ارتجال اقتصادي يطال كل بيت
الارتجال لا يتوقف عند حدود القرارات الإدارية والمهنية؛ بل يتجلى بأشد صوره قسوة في الملفات المعيشية. قرار رفع تعرفة الكهرباء، كما ظهر في فواتير دورة كانون الثاني 2026، طبّق المنطق نفسه بأدوات اقتصادية: زيادة كبيرة على فواتير شريحة واسعة من المواطنين، خدمة متقطعة، عدم تكافؤ في توزيع التغذية والامتيازات، ثم تبرير رسمي غير مقنع وجد معه المواطن أمام أمرين أحلاهما مرّ: إما دفع فاتورة لا تتناسب مع دخله، أو الامتناع عن الدفع كخيار اضطراري. من هنا وُلد شعار “لن ندفع” كتعبير عن عجز وغضب في آن واحد.
هل سُئل المواطن عن رأيه قبل أن يُطلب منه تحمّل العبء؟ هل سبقت القرار حملة مصارحة حقيقية بالأرقام والإيرادات والبدائل؟ الواقع يقول إن القرار نزل على الناس كما نزلت التعاميم، فجأة، من دون مشاركة، ومع رهان مضمر على أن الاعتراض سيبقى في حدود العالم الافتراضي.
القضاء: ارتجال في مؤسسة يُفترض أن تكون الأكثر حصانة
والقضاء نفسه لم يسلم من الارتجال. فقد صدر قرار بتعيين شخص خريج معهد شرعي رئيساً للنيابة العسكرية وللمحكمة العسكرية بالوقت نفسه، أي أن القرار وضع في يد شخص واحد أخطر سلطتين في العملية القضائية: سلطة الادعاء وسلطة الحكم. هذا الجمع المحظور قانوناً في كل دول العالم ينسف مبدأ الحياد من أساسه، ويحوّل المحكمة إلى خصم وحكم في آن واحد. والأخطر من ذلك هو محاولة البعض تقديم هذا التعيين كإجراء طبيعي في سياق “المرحلة الانتقالية”، والإيحاء بأن ظروف الدمج المؤسسي تسمح بتجاوز الشروط القانونية في هذه المرحلة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ جرى الأسبوع الماضي تعيين وزير العدل السابق شادي الويسي نائباً لرئيس محكمة النقض، رغم أنه لا يحمل شهادة الحقوق بل يحمل شهادة في الشريعة فقط. وهو تعيين أثار جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب مخالفته الصريحة لقانون السلطة القضائية، الذي يشترط المؤهل القانوني والتدريب القضائي، بل أيضاً بسبب ما أثير حول الوزير السابق من شبهات تتعلق بسلوكه خلال عمله السابق في أدلب. هذا النوع من التعيينات يشكّل خرقاً مباشراً للقانون ولمبدأ الكفاءة المهنية، ويكشف أن الاعتبارات الشخصية والسياسية تتقدم على المعايير التي يفترض أن تحكم أعلى سلطة قضائية في البلاد.
وليس ما ذُكر سوى نماذج من سلسلة طويلة من القرارات التي جرى إصدارها ثم التراجع عن بعضها، من تغيير أسماء مدارس إلى قرارات قضائية ونقابية سبق أن تناولنا بعضها في “المدن”. وهذا ما يعني أن المشكلة لم تعد في حادثة بعينها، بل في نمط حكم يتكرر بلا مراجعة.
إن ما تكشفه هذه الأمثلة جميعاً لا يمكن اختزاله في تعاميم متسرّعة أو قرارات فردية تفتقر إلى الدقة، فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام نمط حكم يقوم على الارتجال لا على التخطيط، وعلى ردّ الفعل لا على بناء السياسات، نمط يجعل حياة الناس وحقوقهم ومؤسساتهم عرضة لتقلبات المزاج الشخصي أو الحسابات الضيقة، ويترك المجتمع في حالة ترقّب دائم لقرارات قد تُصدر فجأة وتُسحب فجأة.
والانتقال من هذا المنطق إلى منطق الدولة لا يتطلب معجزات، بل يبدأ بخطوة أساسية: إعادة بناء سلسلة القرار بحيث تصبح واضحة ومسؤولة وقابلة للمراجعة. من يضع القرار؟ من يراجعه؟ ومن يتحمّل تبعاته؟ من دون هذه السلسلة سيبقى المواطن يدفع ثمن قرارات لم يُستشر فيها، ولا تُصحَّح إلا بعد اعتراض واسع من الناس.
فالمسألة، في جوهرها، ليست تعميماً أو فاتورة أو تعييناً مثيراً للجدل، بل سؤال عن شكل الحكم الذي نريد أن نعيش في ظله: حكمٌ يرى في المجتمع شريكاً، أم مختبراً للتجارب. والجواب على هذا السؤال هو ما سيحدد ملامح سوريا الجديدة.
المدن
——————————
تقرير حقوقي يتناول ظاهرة “الفروغ” وتبعاتها على المُلكية في سوريا
الشبكة السورية لحقوق الإنسان: التمديد الحكمي جرّد المالك من حق الاستعمال
2026-02-17
أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الثلاثاء، تقريراً بعنوان: “الفروغ في المتاجر السورية: معالجة إرث التمديد الحكمي ضمن إطار العدالة الانتقالية لحقوق السكن والأرض والملكية”.
وتناول التقرير ظاهرة “الفروغ” في المحال والعقارات التجارية بوصفها نتيجة مباشرة لاختلال بنيوي في قوانين الإيجار الاستثنائية في سوريا منذ منتصف القرن العشرين، ولا سيما نظام التمديد الحكمي.
وقالت الشبكة إن نظام التمديد الحكمي جرّد المالك عملياً من حق الاستعمال والاستغلال والتصرّف، وحوّل عقد الإيجار إلى علاقة شبه دائمة ببدلات متدنية، ما أخلّ بالتوازن بين أطراف العلاقة الإيجارية.
وأوضحت، أن هذا الواقع أفرز “الفروغ” كحل عرفي لتعويض المستأجرين وإعادة قدر من التوازن، فأصبح للمستأجر حق اقتصادي فعلي في المتجر مع بقاء ملكية الرقبة للمالك، مشيرة إلى أن أهمية هذا الملف تتزايد اليوم في ظل التغيّر السياسي وتشكيل لجنة رسمية لمراجعة التشريعات، وما رافق ذلك من جدل واسع حول إلغاء “الفروغ”، محذّرة من أي معالجة متسرعة قد تؤدي إلى ظلم جديد بحق من دفعوا مبالغ مرتفعة اعتماداً على استقرار قانوني سابق.
وبيّنت الشبكة أن التقرير اعتمد منهجية مركبة جمعت بين تحليل قانوني شامل لتشريعات الإيجار السورية منذ عام 1943، وعمل ميداني تشاوري شمل مقابلات مع تجار وشاغلين في عدة محافظات، مدعوماً ببيانات حقوقية ورصد إعلامي ومقارنة قانونية، بهدف إنتاج توصيات قابلة للتطبيق تراعي الخصوصية السورية وتحقق التوازن بين مختلف الأطراف.
وقدم التقرير خلفية تاريخية وسياسية لقضايا السكن والأرض والملكية في سوريا، مبيّناً كيف استُخدمت الملكية منذ بدايات الدولة الحديثة أداةً سياسية، بدءاً من المصادرات التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية، مروراً بتكريس قوانين التمديد الحكمي والتأميم والإصلاح الزراعي، وصولاً إلى مرحلة النظام المخلوع التي شهدت تراكم تشريعات مقيّدة للملكية، ولا سيما بعد عام 2000.
وبلغ الاستخدام السياسي لحق الملكية ذروته بعد عام 2011 عبر قوانين عمرانية وأمنية مثل المرسوم 66 والقانون 10 وقوانين مكافحة الإرهاب، التي استُخدمت لمصادرة أملاك المعارضين والنازحين والمختفين قسرياً، إضافة إلى تفريغ السجل العقاري من مضمونه بفعل الأحكام العرفية والغموض القانوني، وفق ما ذكرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
واستعرضت الشبكة التناقض بين أحكام القانون المدني لعام 1949 التي أخضعت الإيجار لإرادة المتعاقدين، وبين القوانين الاستثنائية التي فرضت التمديد الحكمي، مميزةً بين مرحلة أولى كرّست هذا النظام بين عامي 1943 و2001 عبر سلسلة قوانين ومراسيم خفّضت بدلات الإيجار وقيّدت الإخلاء، ومرحلة ثانية بعد عام 2000 حاولت معالجة الآثار دون المساس بالعقود القديمة، عبر قوانين أعادت العقود الجديدة إلى حرية التعاقد وأبقت المتاجر خاضعة للتمديد الحكمي، مع تنظيم التعويضات ونسب البيع وحقوق الأفضلية للمالك.
وأكدت، خصوصية المتاجر في القانون السوري، إذ يشكّل المتجر كياناً مستقلاً يضم عناصر مادية ومعنوية مثل حق الاستئجار والسمعة التجارية والزبائن، وقد تتجاوز قيمته الاقتصادية قيمة العقار ذاته، موضحة أن القوانين اعترفت صراحة بحق مستأجر المتجر في بيعه ولو خلافاً لشروط منع التنازل حفاظاً على استمرارية المشروع التجاري، وهو ما كرّسه القانون رقم 20 لعام 2015 بمنح المالك حق الأفضلية أو تقاضي نسبة من ثمن البيع، مكرساً عملياً “الفروغ” كهامش ربح مشروع نشأ عن اختلال تشريعي.
ورأت الشبكة أن التمديد الحكمي و”الفروغ” يندرجان ضمن نمط أوسع من الانتهاكات العقارية التي استخدمت فيها الأدوات القانونية لنقل المنفعة أو الحرمان من الملكية، في ظل الغياب القسري أو العجز عن الدفاع عن الحق، معتبرة أن الفروغ آلية تعويضية نشأت داخل علاقة غير متوازنة فرضها القانون، لا حالة شاذة أو اتفاقاً خاصاً معزولاً.
وخلص التقرير إلى أن أصل الإشكالية يعود إلى منظومة الإيجارات الاستثنائية التي تحمّلت الدولة مسؤولية نشأتها، وأن “الفروغ” تطوّر إلى حق مالي مكتسب انتقل بالتنازل والإرث، وتكوّن في ظل ثقة مشروعة باستقرار العلاقة الإيجارية، ما يجعل أي إلغاء مفاجئ لآثاره دون تعويض عادل مساساً بالمراكز القانونية المكتسبة ومخالفةً لمبدأ عدم رجعية القوانين، مؤكداً ضرورة اعتماد حلول تدريجية مرنة تراعي اختلاف الحالات ووسائل الإثبات وتحقق التناسب بين حقوق المالك وحماية المستأجر.
وفي ضوء ذلك، أوصت الشبكة بإقرار قانون انتقالي خاص لمعالجة آثار التمديد الحكمي و”الفروغ” ضمن مبادئ العدالة الانتقالية، وتوسيع تمثيل لجنة وزارة العدل وتعزيز الشفافية في عملها، واعتماد تفسير قضائي موسّع لمبدأ حماية الثقة المشروعة والتناسب، ومواءمة السجلات الضريبية والتجارية والعقارية.
كما أوصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بتشكيل لجان مصالحات متخصصة ضمن غرف التجارة، إضافة إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة لردّ المساكن والممتلكات وفضّ المنازعات العقارية، ودعم دولي لبناء قاعدة بيانات وطنية وطرح بدائل تدريجية متوازنة، بما يضمن جبر الضرر وحماية حقوق جميع الأطراف.
——————————
رمضان جديد بذاكرة قاسية/ إبراهيم إسماعيل
فبراير 18, 2026
نستقبل رمضان هذا العام كما استقبلناه العام الماضي، بحالٍ مختلفةٍ عن السنوات التي سبقته. ففي سنوات الثورة لم يكن رمضان مجرّد موسمٍ لشهرٍ مباركٍ، بل كان زمناً تضاعف فيه الصبر والجوع والحصار والقصف، حتى صار يحمل ذاكرةً جديدةً تزاحم الذاكرة التقليدية المرتبطة بقدومه؛ بما فيها من الابتهالات والأذكار، وأنماط الحياة الأسرية والاجتماعية التي اعتادها الناس قبل الثورة، وما كان يتبعها من تقاليدَ يوميةٍ متنوّعةٍ في المدن والقرى.
يدخل رمضان هذا العام على السوريين وهم ينعمون بنعمة أن يعيشوه طبيعيّاً؛ بلا طائراتٍ تحوم في السماء، ولا قذائفَ مدفعيةٍ تتربّص بمآذن المساجد، ولا قنّاصةٍ فوق الأبنية يراقبون روّاد التراويح، وبلا حصارٍ جعل كوبَ الماء البارد أمنيةً لملايين السوريين حين كان يأتيهم رمضان في سنوات القيظ، فجعل أبسط الحاجات ضرباً من الترف.
نستقبل رمضان اليوم، وفي ذاكرتنا أيامٌ لا تحتاج إلى كثيرٍ من الأدلة لاستحضار قسوتها، حين كانت البيوت تُقصف في ساعات الإفطار، والأسواق تُستهدف قبيل المغرب، والناس يُحاصرون حتى يقتلهم الجوع. في تلك الأيام كم من صائمٍ أمسك فلم يبلغ الإفطار، وكم من مصلٍّ قصد التراويح فلم يصل المسجد، هذا قضى بقذيفةٍ، وذاك بنيران قنّاصٍ، وثالثٌ ببرميل طائرةٍ.
كان رمضان في بعض المدن السورية امتحاناً مضاعفاً، فهو صيامٌ عن الطعام، وصيامٌ عن الأمان، وصيامٌ عن الطمأنينة. ولذلك، لم يكن غريباً أن يكون جواب الصائم يومها إن سُئِل: ما ألذّ متع الحياة؟ أن يقول: كوبُ ماءٍ باردٍ عند الإفطار.
لقد خاضت مناطق سوريةٌ كثيرةٌ ملاحمَ من الصبر الأسطوري؛ ففي الوعر وداريا ومخيم اليرموك ومضايا، عرف السوريون -ومعهم إخوانهم الفلسطينيون- معنى أن يمتد الصيام ليلاً ونهاراً -لا من باب الرهبانية- بل اضطراراً تحت الحصار والتجويع، حتى صار أهلنا في تلك المناطق يقضون أياماً وأسابيع لا يبلغ مجموع ما تناولوه مائدةً واحدةً من موائد رمضان التي عرفها الناس في زمن الرخاء.
ففي تلك اللحظات صار الخبز في بعض المناطق أغلى من الذهب، وصار الناس يقيسون قدر الحياة بمقدار ما يمكن أن يجدوه من حشائش الأرض وأوراق الشجر.
تلك هي الذاكرة الرمضانية القاسية التي صنعتها آلة القمع الأسدية، وخلّفت في النفوس جراحاً لا تمحوها الأيام بسهولةٍ. واليوم، وقد أنعم الله على السوريين بنعمة التحرير، يطلّ رمضان بوجهٍ مختلفٍ؛ فالأسواق مفتوحةٌ، والمساجد عامرةٌ، وسيصلّي الناس التراويح دون أن يرفعوا أعينهم إلى السماء خوفاً من صاروخٍ، وسيفطرون دون أن يشعروا أن لقمتهم قد تكون الأخيرة.
ومع هذا التغيّر؛ ندرك تماماً أن نمط امتحاننا قد تغيّر، فالإنسان يُمتحن بالسعة كما يُمتحن بالضيق، ويُبتلى بالخير كما يُبتلى بالشر. ولذلك، فإن رمضان هذا العام فرصةٌ لإعادة ترتيب الروح، وإعادة بناء أخلاق رمضان الحقيقية.
إن الإسراف في رمضان سلوكٌ قبيحٌ في كل زمانٍ ومكانٍ، لكنه في الواقع السوري يبدو أكثر قبحاً؛ فنحن مجتمعٌ لم يخرج من أزمةٍ عاديةٍ، بل عبر نفقاً مظلماً عاش فيه كثيرٌ من أهلنا الجوع الممنهج.
لذا فإن الغفلة عن هذا الماضي، والوقوع في فخ التبذير الاستعراضي، يُعدّ خطراً أخلاقيّاً، وتنكّراً لتضحيات من قضوا جوعاً، أو من عاشوا -وربما لا يزالون- القهر بصمتٍ ينتظرون الفرج.
والحق أن السوريين ليسوا بحاجةٍ إلى مواعظ كثيرةٍ؛ فهم أكثر من فهم معنى الصبر، وأكثر من ذاق مرارة الابتلاء، لكنهم بحاجةٍ إلى تذكيرٍ بأن النعمة قد تكون ابتلاءً أيضاً.
ليس المطلوب أن يحرم الناس أنفسهم من الفرح، لكن المطلوب أن يكون الفرح شكراً لا استعراضاً، وأن تكون العزائم صلةَ رحمٍ لا منصّة تصويرٍ، وأن تتحوّل لحظات الاجتماع إلى بناءٍ اجتماعيٍّ لا إلى منافسةٍ على المظاهر.
وكما أن الإسراف في الطعام مذمومٌ، فإن الإسراف في الغفلة عن رمضان أشد خطراً. ومع الأسف فإن شياطين رمضان كثرٌ؛ ففي بعض الأعمال التلفزيونية الهابطة محاولاتٌ لتشويه الوعي وتثقيف الذاكرة بالزيف.
لقد عرف تراثنا الإنساني والإسلامي، وواقعنا العربي والسوري ثراءً هائلاً من القصص والعبر الملهمة، لكن كثيراً من الإنتاج الإعلامي والتلفزيوني الرمضاني العربي أعرض عنها، وانقلب إلى سوقٍ للتفاهة، وتحول إلى منصّاتٍ للسخرية من القيم وأهلها، حتى صار الفن في بعض صوره أداةً للعبث بالإنسان.
ومن العجب أنه بأدوات الفن الناعمة يُعاد اليوم إنتاج خطاب الكراهية ضد الإسلام في مجتمعاتٍ مسلمةٍ، فصارت تُزيّن الرذائل، وتُسفّه الفضائل، وتحوّل الدين وأهله إلى مادة للضحك والتندّر.
وكأن المطلوب أن يُمحى من رمضان جوهره، وأن يتحول إلى شهر القرآن نظريّاً، وشهر الشيطان عمليّاً، فتُفرغ أيامه المعدودات من معناها، ويكون شهراً دون شهور السنة، بعد أن كان خيرها على الإطلاق.
لقد علّم رمضان الثورة السوريين كيف ينتصرون على الجوع بالكرامة، وهو اليوم يدعوهم لردّ هذا الشهر العظيم إلى محرابه الأصيل؛ ليكون محطةً سنويةً للارتقاء الروحي، والسيادة الأخلاقية، وتزكية النفوس من الغفلة.
فليكن رمضاننا الجديد ميثاقاً نجدد فيه صلتنا بالقيم التي صمدنا لأجلها، مدركين أن أعظم شكرٍ للنعمة هو حفظها بالوعي، وتوظيفها في عمارة الأرض وبناء الإنسان، بعيداً عن صخب المظاهر التي لا تسمن ولا تغني من جوعٍ.
الثورة السورية
——————————
===================
تحديث 17 شباط 2026
——————————
عن المخيَّمات السُّورية وأزمتها المزمنة/ رانيا مصطفى
17 فبراير 2026
كان يُفترض أن تنتهي مع سقوط نظام الأسد الأسبابُ التي كنّا نعزو إليها استمرار مخيّمات النازحين في الشمال السوري، وأزمتها الإنسانية المتجدِّدة مع كل موسم أمطار، وما يتبعه من سيول وفيضانات؛ وكانت الأسباب تُعزى إلى التهجير القسري والملاحقة الأمنية لأبناء المناطق الثائرة وغياب الحلّ السياسي، إلا أنّ تلك المأساة تتجدَّد هذا العام مع ارتفاع معدّلات الهطولات المطريّة، التي أحدثت انجراف بعض تلك المخيّمات وتضرّر أجزاء كبيرة من بعضها الآخر، ما تسبَّب باحتجاجٍ واسع بين أبناء تلك المخيمات، وغالبيتهم ينتمون إلى مناطق كانت ثائرةً ضدّ نظام الأسد، والأكثر تقديماً للتضحيات البشرية، والأكثر خسارةً للممتلكات. وكثيرون منهم كانوا ميسوري الحال، في غياب أيّ خطّة حكومية تعطي الأولويةَ لإعادتهم إلى قراهم، في ظلّ مظاهر البذخ التي تبدو على أرتال سيارات مواكب السلطة الجديدة خلال زياراتها إلى الشمال.
وقبل أيام، ناقش الإعلام الرسمي (على شاشة الإخبارية السورية)، وبمشاركة وزير الطوارئ ومحافظ إدلب، أسبابَ استمرار تلك المعاناة ومعوّقات حلّها، التي تلخَّصت في غياب الموارد لدى الحكومة اللازمة لإعادة إعمار البنية التحتية وبناء المنازل وترميمها، ومشكلة الألغام التي خلّفت إصابات ووفيات، ومشكلة ثالثة لمَّح إليها الوزير، تمثّلت في رفض الأهالي الانتقال إلى مركز إيواء أفضل حالاً، طمعاً في استمرار الاستفادة من السلّة الإغاثية. وقد استضاف البرنامج عائلةً رفضت تلك العروض. وبالنظر إلى أن أعداد مَن بقوا في تلك المخيّمات يقارب مليوناً ونصف مليون نسمة، حسب تصريح المحافظ، وأن من عادوا بعد سقوط النظام هم فقط مليون شخص، ومعظمُهم عاد في الأشهر الستّة الأولى من العام الماضي (2025)، فإن أزمة المخيّمات المتجدِّدة كلّ عام تستحقّ أن تتحوّل قضية وطنية، وتطرح تساؤلاً حول تلك الأزمة وحيثياتها وكيف كانت تُدار في الأعوام السابقة، وخصوصاً بعد تثبيت خطوط التماس وتوقّف القتال في 2020، كما تطرح سؤال كيفية حلّها.
كانت المخيّمات الأولى في 2012، في ريف جسر الشغور، بعد اقتحام جيش النظام المنطقة. ولاحقاً بنيت مخيّمات عشوائية ومؤقّتة قرب الحدود التركية باعتبارها المناطق الأكثر أمناً، وتحصل على معونات غذائية من باب الاستجابة الطارئة، على أن يعود النازحون إلى منازلهم خلال وقت قريب، إذ انتشرت بينهم عبارة “أيام ومنرجع”. ما حصل هو اشتداد ضراوة القصف لحواضن الثورة والتهجير المرافق لها، ثم مسار خفض التصعيد وتسليم المناطق في أرياف دمشق ودرعا وحمص، والانسحابات المستمرّة لهيئة تحرير الشام من قرى ومدن شرق السِّكة وسراقب ومعرّة النعمان وشمال حماه، وصولاً إلى تجميد الصراع في اتفاق سوتشي في مارس/ آذار 2020، فضلاً عن النزوح من المناطق الشرقية خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثمّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لاحقاً.
تضاعف عدد النازحين في تلك المخيّمات، خصوصاً مع انتشار الزواج المبكّر والإنجاب (نسبة الأطفال تتجاوز النصف)، وصارت تتحوّل تدريجياً إلى أماكن إقامة دائمة مع تراجع فرص الحلول السياسية مع النظام. وكان العامل المناطقي هو الأساس الذي جمّعت بموجبه الكتل البشرية المهجَّرة، وتشكّلت طبقات اجتماعية ضمن المخيّم نفسه، وفُتحت دكاكين وأعمال، لكنَّ معدّلات الفقر والبطالة كانت مرتفعة. كان الفساد المالي وانتشار ثقافة الانتفاع قد تسلَّل إلى عملية إدارة تلك المخيّمات؛ ففي مناطق غصن الزيتون ونبع الفرات، وفي مخيّمات إعزاز وجرابلس، كانت تركيا تدير العملية الإغاثية، كما هي القطاعات الأخرى نحو فرض التعليم باللغة التركية. وفي مناطق إدلب، كانت هيئة تحرير الشام تسيطر على العمل الإغاثي وتفرض شروطها عليه، ومنها اقتطاع 20% – 30% من المساعدات، وتفرض على المنظمات العاملة شراء المواد الغذائية من متاجر لمقرّبين منها في سرمدا، وتتدخّل في إدارة المنظّمات العاملة. كما كان سائداً في مناطق النظام ومناطق الإدارة الذاتية، وفي عملية توزيع سلال الإغاثة، فهناك مخيّمات لا تتلقّى دعماً كافياً مقابل سخاءٍ يُقدّم لأخرى بناء على علاقات المحاسيب مع سلطات الأمر الواقع. وانعكس ذلك التحكّم في إدارة نقل عائلات إلى المنازل التي بُنيت خلال حملة “حتى آخر خيمة” التي دشّنتها بعض المنظمات بعد جمع التبرعات. ذلك كلّه خلق بيئةً من الفساد، وقد شاع بالفعل ما ذكره وزير الطوارئ في المقابلة المشار إليها أعلاه، أنْ تتملّك عائلاتٍ بيوتاً في مناطق مستقرّة وتبقى موجودة في المخيّمات طمعاً في السلال الإغاثية.
ومع انسداد أفق الحلّ، وانتشار الفقر في المخيّمات، والتسرّب الكبير من التعليم، كان التجنيد في الفصائل العسكرية حلّاً لشرائح من الشباب للحصول على مردود مالي، بل إن المخيّمات باتت الخزّان البشري للفصائل التي استغلّت الظروف المعيشية الصعبة. وكذلك هو الأمر في العهد الجديد بعد فتح باب التطوّع في الأمن العام ووزارة الدفاع. ومن الواضح أنه كانت هناك شبكة معقّدة تنتفع بأشكال مختلفة من المساعدات الإنسانية، التي ظلّت طارئةً ولم تنتقل إلى مستوى الاستدامة، وهي المنظمات غير الحكومية العاملة في هذا المجال التي يتلقّى عاملوها رواتب ضخمة، وتركيا التي كانت بنوكُها مركزاً لاستقبال الأموال بالدولار وصرفه بالليرة التركية، وكلّ قوى الأمر الواقع: النظام والإدارة الذاتية وهيئة تحرير الشام.
في كلّ الأحوال، لا يمكن القول إن قرابة مليون ونصف مليون نازح يعيشون حالياً في المخيّمات بدافع الانتفاع من المعونات الإنسانية؛ فهناك تراجع معتبَر في حجم المساعدات المقدّمة إلى سورية. ومعظم قرى ريف اللاذقية وجبل التركمان، ذات التضاريس الوعرة، مدمَّرةٌ كلّياً، ومليئة بالألغام، وهي كثيرة العدد، ومنها سلمى وكنسبا وبداما والناجية والوطى. وهذه القرى هي حواضن للثورة، ومعظم سكّانها ظلُّوا في المخيّمات، ومنها مخيّمات خربة الجوز التي طاولتها السيول أخيراً. ومعظم الألغام موجودة في مناطق التماس وفي الأراضي الزراعية وليس السكنية، ولم تتمكّن منظّمة الدفاع المدني من كشف كلّ الألغام في مناطق ريف إدلب الجنوبي وشمال حماه. ورغم ذلك، عاد قسم كبير من الأهالي إلى قراهم، وهناك ابتكارات فردية محلية الصنع للكشف عن الألغام. هناك أرامل بعدد كبير، وأمّهات ثكالى مع عدد كبير من الأحفاد، يفضلّن البقاء في المخيّمات وتلقّي المساعدات على العودة إلى قراهن من دون وجود مقومات للحياة.
يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولية البقاء متفرِّجاً على مأساة العصر الإنسانية التي ارتكبها نظام الأسد، والاكتفاء بحلول طارئة، قدَّمت في كلّ سلّة إغاثية جرعة فساد لأطراف متعدّدة، وفي رأسها النظام نفسه. والآن تنتظر الحكومة السورية أموالاً أو استثمارات لإعادة الإعمار، إلا أنَّ جُلَّ مشاريعها تتركّز في التطوير العقاري في مناطق غير متضرّرة؛ فالأرياف المتضرِّرة ليست ضمن أولوية الحكومة، التي تركِّز في أعمال إعادة تأهيل شوارع دمشق وشبكات المياه والصرف الصحّي وساحاتها. في حين أن ما يُؤهّل في معظم المناطق البعيدة هو نتيجة مبادرات محلّية بأموال المتبرّعين، من دون تخطيط يقود إلى الاستدامة، في ظلّ غياب دور الدولة.
أمّا المخيّمات، فقد ساهمت جملةُ ظروف نفسية واجتماعية لسكّانها بدفعهم إلى فقدان الحافز للقيام بعمل، والاعتماد كلِّياً على المساعدات، ثم الحصول على فرصة التطوّع في القوات الحكومية. وهذا ما حوّل “المخيّم” من حاضنة للثورة وقضية، إلى مكان لاستجلاب الدعم والتسوّل تنتفع منه أطراف عدّة؛ أي أنَّ استمرار أزمة المخيّمات قتل طموح الناس في البحث عن عمل وابتكار الحلول، وباتوا مجرّد أدوات عسكرية بيد السلطة؛ ما يذكِّرنا بسياسات الأسدَين (الأب والابن) في تفقير مناطق الساحل عبر منع مشاريع التَّنمية المحلّية، ليشكِّلوا الخزّان البشري لجهاز السلطة القمعي.
العربي الجديد
——————————-
من أجل دمشق/ معن البياري
17 فبراير 2026
تلحظ بعض التحسّن في مظاهر عامّة في دمشق، عندما تعود إليها بعد عامٍ على آخر زياراتك لها، فلم تعُد، مثلاً، رائحة المازوت (أو ما شابه) تتسرّب فيك رغماً عنك، ولم يعُد تنظيم حركة سير المركبات والعربات والحافلات موكولاً ليافعين وفتية متطوّعين، وإنما لرجال شرطة المرور المختصّة. ولكنك، في الوفت نفسه، سترى نفسَك في تعاطفٍ ثقيلٍ مع الجهات المسؤولة عن شؤونٍ بلا عدد في المدنية. ومع التسليم بأن مشكلاتٍ كبرى، تنظيمية وإدارية وبيئية وغيرها، تشترك فيها الفيحاء مع مدنٍ غير قليلة، عربية وغير عربية، من قبيل الاختناقات المرورية والازدحام، فإن هذا لا يحرّرك من رغبةٍ قويةٍ فيك بأن تؤشّر إلى ما تحتاجُه العاصمة السورية من ثورةٍ عملٍ عريضة، يشترك فيها أهل القرار الرسمي والمجتمع المحلي وشبكات العمل المدني، من أجل إصلاح أوضاعٍ غير مُرضيةٍ في المدنية التي تبدو مثقلةً بمشكلاتٍ ليست هيّنة، تحتاج جهوداً كبرى ومثابرةً طويلةً لتجاوزها، بما يأخذ دمشق إلى الصورة المرجوّة، إلى الحال الذي يأمله لها أهلوها وعموم السوريين، وهي عاصمتهم الجامعة.
استحقّت دمشق، وستبقى تستحقّ، كل هذا التغنّي بعراقتها وتاريخها وما كانت عليه في أزمنة عزّها وبهائها. ولكن الإقامة في هذه اللغة، مع التشديد على وجوبها، بل وعلى تعزيزها في أفهام الناشئة ومدركاتهم وأخيلتهم، ليس لها أن تعطّل المضيَّ إلى أوراش عملٍ نشطةٍ من أجل استرداد دمشق هيئتها الأجمل والأبهى، سيّما وفي البال أن نهراً عظيما اسمُه نهر بردى، أحرز في قصائد خالدة بديع الوصف، جفّ وصار يثير الأسى، بل والحنق أيضاً، ما يتحمّل المسؤولية عن هذه الكارثة (لا مبالغة) نظام الأسد الساقط الذي نشط في تخريب دمشق وتمويتها، عندما أهمل ما ظلّ شديد الإلحاح والضرورة لتظلّ واحدة من أجمل المدن في العالم وأرقاها وأكثرها أناقة ونظافة، وهي مدينة الياسمين والريحان.
تضجّ دمشق بالألفة مع زوّارها، مدينة مُحبّة، ودافئةً بما يفيض به ناسُها، وعموم السوريين، من السخاء في ترحابها بالقادمين إليها، والعابرين والمارّين، وبالذين يأتونها ليأنسوا فيها بالوفير من بديع المأكولات والمشروبات الشهيّة، وبالجميل والحميميّ من أجواء الارتياح والطمأنينة والأمن والأمان. لئن تبقى دمشق هي هذه، وستبقى، بإذن الله، فإن هذا كله يجيز القول الصريح عن نقصان النظافة في الشوارع والميادين، الأمر الذي يشيع إحساساً بالتبرّم. وفي الوسع أن يبرّر واحدنا تقصيراً في هذا الموضع أو ذاك، ولكن الأمر ظاهرٌ في أحياء وشوارع ونواح غير قليلة في العاصمة التي نحبّ. ثمّة حاجةٌ كبرى إلى شغلٍ كثير، مثلا، من أجل نظافة واجهات مبانٍ وعماراتٍ بلا عددٍ فيها. يبدو الغبار الذي تكلس هنا وهناك ضاغطاً على أعين الرائين. وهنا، تسمع ساخطين محقّين يؤشرون إلى إهمالٍ متعمّدٍ مارسه نظام الأسد، لا في عدم تزيين المدينة وتشجيرها وتنويع حدائقها وصيانة شوارعها الرئيسية والفرعية، وإنما أيضا في عدم الاعتناء بأهم شروط الحياة الطبيعية، النظافة.
أما كثرة بسطات البائعين الجائلين على الأرصفة، فليس من المجازفة الادّعاء هنا إن دمشق تكاد تكون المدينة العربية الأولى في حضور هذه الظاهرة التي تكاد تجعلها مدينةً بلا أرصفة. وقد يسهل ردّ هذا الأمر إلى أحوال معيشية صعبة لدى هؤلاء، تدفعهم إلى الإقامة في الأرصفة لبيع الناس ما يبيعون. ولكن المقام هنا ليس السوسيولوجيا ولا البحث العلمي في الاقتصاد، وإنما أن تولي الدولة، ممثلةً بدوائر الاختصاص وجهاته في المحافظات والبلديات، هذا المشهد أولويةً قُصوى، وهي أدرى، بلا شك، من صاحب هذه الكلمات، في هذا الشأن (وغيره). ومن بديهي البديهيات إن القضية هذه موصولة بمشكلات حادة في البلاد، الغلاء والبطالة والأكلاف العالية لكل شيء، ولكن عقلاً خلّاقاً، ابتكارياً، في وسعه أن يصوغ خطّة تدريجية عملية من أجل أن تتخفف عاصمة البلاد من هذا الحال المؤرق، وغير التقصيلي أبداً.
يعبرُ خبرٌ في الأثناء عن خطّة قديمةٍ متجدّدة من أجل إقامة عاصمة إدارية، تنتقل إليها وزارات الدولة ودوائرها، لتخفيف الضغط العالي على المدينة التي يبقى قطاع النقل العام فيها تحدّياً جبّاراً (أيُّ ميزانيات وأيُّ خطط ومشاريع كبرى يحتاجه؟). وفي الأول والأخير، ستتعافى سورية، إن شاء الله، وستمضي في مسارٍ ينهض بها، ويأخذ، لا بد، دمشق، إلى الذي نأمل ونشتهي ونتمنّى لها، حماها الله وأبقاها.
العربي الجديد،
——————————
“عرب الغمر”… بين تهجير الدولة ولعنة السرديات القومية/ حسن عبد الله الخلف
17 فبراير 2026
ندى: ما اسم البلاد التي قلت إن كتب بنات الجامعات لا تذكرها؟
عثمان: بلاد الواق الواق.
ندى: وهل يسكنها فلاحون كثر مثل جماعتك المغمورة؟
عثمان: لا بد ولا بد أن تكون لهم مشاكلهم التي تشبه مشاكل المغمورين هنا. الفلاحون هم هم في كل أرض الله تظلمهم الطبيعة، يظلمهم المجتمع، يلجأون إلى الدولة لتحميهم من الظلمَين فترميهم بظلم أشد.
ليس هذا حواراً مسرحياً، بل مقطع مقتبس من رواية عبد السلام العجيلي “المغمورون”، وهي تتناول قضية غمر سد الفرات مجموعة من القرى على ضفاف نهر الفرات، ولم تكن الرواية الوحيدة. … هذه ليست حكاية سد ولا مشروع تنمية، بل سيرة اقتلاع جماعي لبشر لم يكونوا هامشاً، بل قلب الريف السوري، قبل أن تقرّر الدولة أن تجعلهم ثمناً لمسيرة ثورة آذار وأهدافها غير المعلنة.
وُلد في الحسكة بعد غمر قريته بسنوات طويلة. لم ير الفرات إلا في الصور، ولم يعرف واديه إلا من حكايات متقطعة يرويها جده بلهجة لا تشبه هذه الأرض. لا ذاكرة شخصية تربطه بالمكان الغارق، ولا أثر ماديا يثبت انتماءه، ومع ذلك يعامل بوصفه غريباً. يقال له إنه “مستوطن” و”مستعمر”، رغم أنه لم يختر أرضه، ولم يزِح أحداً عن ملكه، ولم يرث سوى اسم ملتبس وتجربة تهجير لم يعشها. يقف اليوم في المنتصف: لا الفرات يعترف به، ولا الحسكة تمنحه انتماءً كاملاً.
“أنا داخل بلدي، ومع ذلك أطالب بالاعتذار عن وجودي”… يقول ذلك مختصراً مأساة جيل كامل من أبناء من يُعرفون بـ “عرب الغمر”.
لم يكن سد الفرات مجرّد مشروع هندسي لتوليد الكهرباء وتوسيع الرقعة الزراعية، كما روّجت الأدبيات الرسمية في أواخر ستينيات القرن الماضي. عملياً، شكّل السد واحداً من أعنف التدخلات السلطوية في الجغرافية والسكان والذاكرة في تاريخ سورية الحديث. فمع بدء العد التنازلي لإغلاق بوابات السد، تحول وادي الفرات من مجال مأهول بثقافة زراعية نهرية ضاربة في القدم، إلى حيز قابل للمحو وإعادة الصياغة الإدارية.
يقول الفني الزراعي محمود مصطفى الخلف: في 1969، قبل أن تغلق بوابات سد الفرات وتعلو المياه فوق الذاكرة، أنجز إحصاء رسمي دقيق للمنطقة التي تقرر غمرها عند منسوب 300 متر فوق سطح البحر، كاشفاً عن حجم الكارثة التي كانت تحضر بقرار إداري بارد، بلغت مساحة منطقة الغمر 62,500 هكتار، منها 46,000 هكتار من أخصب الأراضي المروية في سورية، إضافة إلى 2,500 هكتار تمثل الكتلة العمرانية لقرى تقرر شطبها بالكامل.
كان يعيش في هذه المنطقة نحو 57 ألف نسمة، موزعين على 9749 عائلة، قبل أن يتحولوا إلى ملف تهجير إداري بارد.
قبيلة الولدة الأكبر بين عرب الغمر، وهي من قبائل البوشعبان، شهدت غمر جميع قراها ضمن وادي الفرات الذي أصبح تحت مياه البحيرة، لكن السلطة نفذت سياسة تهجير خبيثة حين أجبر قسم من القبيلة على الرحيل وترك القسم الآخر على تلال البحيرة بلا تعويض. تم تفكيك بنية وادي الفرات بالكامل، إذ شطت الأرض بين مشاريع الدولة والمزارع الجديدة، ما مزق الروابط الأسرية والاجتماعية للقبيلة. الأسرة الواحدة تفرقت، والتجمع القبلي تفكك إلى وحدات صغيرة، فقدت معها السيطرة على أراضيها وهويتها الجماعية. الضغوط السياسية والإدارية أجبرت بعض العائلات على الرحيل، فيما بقيت الأخرى تحت تهديد دائم. هكذا أصبح وادي الفرات مسرحاً للتهجير القسري والتفكيك الاجتماعي، تاركاً آثاراً عميقة ما زالت على هوية القبيلة.
قرى تُمحى وسكان يعاد تصنيفهم
مع صعود المياه، ابتلعت بحيرة الأسد ما يقارب 84 قرية، ومعها التلال الأثرية والبيوت الطينية، والمقابر. لم يغرق هؤلاء بالماء فقط، بل غرقوا في الصمت والنسيان. كانت الدولة قد خططت لتسكين عرب الغمر في المزارع النموذجية ضمن المشروع الرائد (مشروع حكومي في الرقة وحلب)، الذي تبلغ مساحته حوالي 19,800 هكتار. شمل المشروع 19 مزرعة في الرقة وسبع مزارع في حلب، وكل مزرعة تحتوي على مرافق متكاملة تشمل مراكز اجتماعية، جمعيات فلاحية، مستوصفات طبية، مراكز ناحية أو بلدية، بريدا وهاتفا، أسواقا تجارية، أفرانا، مدارس ابتدائية، جوامع، حدائق ومراكز ثقافية. وقد رصدت هذه المزارع لتستوعب حوالي 6768 مسكناً في الرقة وما يقارب 1,200 مسكن في حلب، بإجمالي طاقة استيعابية تصل إلى 39200 نسمة.
مع ذلك، تراجعت الدولة عن تسكين جميع عرب الغمر في هذه المزارع، وقررت تهجير قسم منهم إلى محافظة الحسكة، تاركة الباقين على ضفاف الفرات. بعد استنفاد فرص التسكين، توجه بعض المغمورين للعمل في مزارع الدولة بالأجر اليومي، فيما اختار آخرون البقاء في أراضيهم البعلية والتلال التي لم تغمرها المياه، محافظين على ارتباطهم بأرضهم وواديهم الأصلي.
وفي عام 2000، وزّعت مزارع الدولة على العمّال والموظفين ومنهم العدد الأكبر من خارج محافظة الرقة وحلب، وحرم أبناء الغمر من الاستفادة منها، ليبقى كثيرون منهم بعيداً عن أراضيهم وحقوقهم الأساسية.
وفي الحسكة جرى توطين 4,453 أسرة في 41 قرية، على مساحة 68,708 هكتارات من أملاك الدولة وفائض أراضي الإصلاح الزراعي. ورغم السرديات السياسية اللاحقة، تظهر الأرقام هشاشة الادعاء بأن عرب الغمر شكلوا أداة تغيير ديمغرافي. إذ لا تتجاوز نسبتهم 2.4% من مجموع قرى المحافظة البالغ عددها 1,717 قرية. وتبلغ نسبتهم 3.5% من القرى العربية، و9% من القرى الكردية، مقابل 82% في القرى الآشورية والسريانية، ما يؤكّد أن إسكانهم لم يكن موجهاً ضد جماعة بعينها.
بين سرديّتين: الدولة والقومية
وضع المغمورون في موقع رمادي بالغ القسوة. الدولة اختزلتهم في أرقام ومساكن إسمنتية، فيما لحقت بهم سردية قومية صورتهم “مستوطنين” و”أداة للحزام العربي”. فإن تصوير عرب الغمر أداة استعمار داخلي يتجاهل حقيقة أنهم ضحايا تهجير قسري، نقلوا إلى الحسكة مكرهين، ووضعوا في بيئة لم يختاروها، ودفعوا ثمن سياسات الدولة نفسها التي همشت الأكراد والعرب. الأخطر في هذه السردية، الأحزاب الكردية والمجلس الوطني الكردي أنها تعيد إنتاج منطق النظام البعثي ذاته، القائم على تسليح الهويات ضد بعضها، وتحويل الضحايا إلى خصوم، بدل توجيه المساءلة نحو السلطة التي هندست الغمر والتهجير معاً. وتمسك بدراسة أنجزها محمد طلب هلال وثيقة إدانة في حين أنها بقيت حبراً على ورق، إذ لم تطبق على أرض الواقع ولم يقرها مؤتمر الحزب، رغم مرور أكثر من عقد على إعدادها قبل وصول المغمورين. اقتراحه بإنشاء “الحزام العربي” وتهجير الأكراد من الشريط الحدودي وإسكان عرب المنطقة مكانهم لم يتحقق، ولم يسجَّل تهجير أي قرية كردية أو إخلاؤها.
لا تستطيع القوى الكردية الادّعاء بوجود تهجير فعلي، ما يجعل استخدام مصطلحات الهلال مبالغاً فيه. ورغم ذلك، تتمسّك بعض الأحزاب الكردية بالدراسة شمّاعة سياسية ووثيقة مكتوبة، بينما يؤكّد الواقع أنها لم تكن سوى مشروع خيالي يفتقر إلى التنفيذ. هكذا، تبقى الدراسة مثالا على التخطيط النظري الذي لم يترجم إلى واقع ملموس.
يقول المجلس الوطني الكردي في بيانٍ أصدره في الذكرى الـ 51 لاتخاذ نظام الأسد الأب قرار تنفيذ “الحزام العربي” على حد وصف المجلس، وتنمّ هذه التسمية عن وصف عنصري “كان هذا المشروع من أخطر السياسات الشوفينية التي تبنّاها النظام البعثي، إذ أقيم شريط استيطاني يمتد بعمق 15 كيلومتراً جنوباً على طول الشريط الحدودي بين سورية وتركيا في محافظة الحسكة”.
بعد الثورة السورية، وتسليم نظام بشار الأسد محافظة الحسكة لقوات حزب العمّال الكردستاني، ضيق الخناق عليهم من عدم التوظيف أو الدعم من منظمات الإغاثة وفرض التجنيد الإجباري، وتمت مصادرة 168 وحدة مساحة من أراضي عرب الغمر بحجة أن أبناءهم جيش حر.
هل كانوا أداة تغيير ديمغرافي؟
يوضح الباحث محمد جمال باروت أن ربط تهجير عرب الغمر بمشروع “الحزام العربي” يفترض تهجيراً مقابلاً للأكراد من أراضيهم، وهو أمر لم يثبت حدوثه بوثيقة رسمية واحدة أو واقعة ميدانية مسجلة. لم تفرغ قرية كردية واحدة لإسكان المغمورين مكانها، ولم تصادر ملكيات خاصة لمصلحتهم. الأراضي التي وزّعوا عليها كانت في معظمها من أملاك الدولة أو من فائض الأراضي المستولى عليها بموجب قوانين الإصلاح الزراعي، التي استفاد منها فلاحون أكراد قبل وصول المغمورين بسنوات، حيث جرى منح 13 قرية كردية أراضي في مناطق عربية في ريف القامشلي بناحية اليعربية وتل حميس وتل براك. … والإصرار على توصيف قرى الغمر مستوطنات، رغم أنها لا تمثل سوى نحو 2% من سكان المحافظة ادّعاء فاقد للموضوعية السياسية والأخلاقية لدى الأحزاب الكردية.
ومن منظور قانوني، يؤكّد المحامي طارق حوكان أن توصيف عرب الغمر مستوطنين أو معتدين على ملكيات الغير يفتقر إلى أي سند قانوني داخلي أو دولي، ويشكل تشويهاً متعمّداً للوقائع الثابتة. فقد جرى تهجير هؤلاء السكان قسراً نتيجة مشروع عام سيادي، هو إنشاء سد الفرات، وهو ما يدرجهم صراحةً ضمن فئة المتضرّرين من نزع الملكية للمنفعة العامة، وفق المبادئ المستقرّة في القانونين، الإداري والحقوقي، بما يوجب التعويض وإعادة التوطين القانوني، لا التجريم أو نزع الصفة. كما أن الأراضي التي أسكنوا عليها في محافظة الحسكة كانت، بموجب السجلات العقارية الرسمية، من أملاك الدولة أو من الأراضي المستولى عليها سابقاً وفق قوانين الإصلاح الزراعي النافذة، ولم يثبت قانوناً أو قضائياً أنها كانت ملكيات خاصة لفلاحين أكراد جرى نزعها لإحلال عرب الغمر مكانهم. وعليه، ينهار الادّعاء بحدوث تغيير ديمغرافي إحلالي لغياب ركنه الجوهري، أي نزع ملكية محددة من مالكٍ معيّن وإعطائها لآخر على أساس قومي. ويعدّ تحميل عرب الغمر مسؤولية سياسات الدولة البعثية مخالفة صريحة لمبدأ شخصية المسؤولية، ومصادرة لحقوق مكتسبة بحسن نية، ويشكل في جوهره عقاباً جماعياً محظوراً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وبذلك، يسعى أي طرح سياسي أو قانوني إلى نزع ملكيات عرب الغمر أو التشكيك بشرعيتها، بذريعة تصحيح مظلومية تاريخية، ما لا يحقق العدالة، بل ينقل الظلم من ضحيةٍ إلى أخرى، ويفتح نزاعاً قانونياً واسع النطاق يمسّ استقرار الملكية في سورية بأسرها، ويتعارض مع أبسط مقتضيات السلم الأهلي وسيادة القانون.
أسرى التاريخ المفقود والذكريات الضائعة
ظلّ عرب الغمر سنواتٍ يعيشون في عزلتين، نفسية واجتماعية، محاطين بمحيط لم يقبلهم ولم تتكون بينهم أواصر مصاهرة أو زواج، حتى أن الجماعة انطوت على نفسها بالكامل، كما يوضح الباحث أحمد الشمام، من سكان محافظة الحسكة.
لم يشاركهم الوسط المحيط حياتهم الاجتماعية، وبقي خطاب الأحزاب الكردية والإعلام يصوّرهم مستوطنين، فيما تروي كتب الدولة قصتهم إنجازاً ضمن “سورية الحديثة”، متجاهلة معاناتهم وتهجيرهم القسري. وقد جعل هذا الانغلاق المغمورين أسرى تاريخ مفقود وذكريات ضائعة، وأثر على الأجيال الثلاثة التي ترعرعت بعد التهجير، فأصبحت تربطها بهوية مزدوجة بين فقدان الماضي والحياة الجديدة في بيئة غير متقبلة.
رغم عدم حصول صدامات مباشرة مع المحيط الكردي أو العربي، بقي شعورهم بالغربة والتخوف من الوسط محيطاً بهم، ليصبح عالمهم الداخلي الخاص بهم مهمّشاً ومنعزلاً. ولم تسجل حالات مصاهرة لغاية عام 1996م وهم منذ 1974 في المنطقة، ولم يسمح لهم الوسيط المحيط بالاندماج الكامل، الأمر الذي عزّز شعورهم بأنهم طائفة غريبة داخل مجتمعهم الجديد، وهذا جعلهم يتجهون إلى العلم والدراسة، وهم اليوم الأكثر شهادات جامعية ومتنوعة من كل الاختصاصات.
وما زال عرب الغمر يطلقون على القادم من ريف حلب أو الرقة لقب “أهل البلاد”، أي بلدهم الأصلي، عند حضورهم مجالس العزاء، ما يعكس استمرار ارتباطهم المكاني وهويتهم الجماعية.
المرسوم 13: عودة الخطر
تعود قضية المغمورين وغيرهم إلى الواجهة متزامنة مع المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، المتعلق بـ “استعادة حقوق الملكية المتراكمة”، الذي صدر عن الرئيس أحمد الشرع، في 16 كانون الثاني/ يناير الماضي. بالنسبة لعرب الغمر وغيرهم في محافظة الحسكة، لا يمثل هذا المرسوم فرصة إنصاف، بل تهديداً وجودياً، لأنه يعيد فتح ملف الملكية خارج سياقه التاريخي والقانوني، ويحوّلهم من ضحايا تهجيرٍ قسري إلى متّهمين باغتصاب أملاك الغير وحول تخوف عرب الغمر وجّه أبناء المنطقة رسالة لرئيس الجمهورية أحمد الشره حول هذا الخصوص يحتفظ العربي الجديد بنسخة منها.
يرى الباحث طلال الجاسم، وهو من عرب الغمر، أن يتحوّل ملف عرب الغمر إلى قضية وطنية تدرس بعمق، وتعالج وفق القانون والتاريخ والضمير، بعيداً عن أي مصالح حزبية أو قومية، ويحذر أن تندرج تعليمات تنفذيه المرسوم رقم 13، ولا سيما ما يتصل بفتح ملف استعادة حقوق الملكية المتراكمة، في أنه لا يعالج مظلومية محددة بآليات قانونية منضبطة، بل يفتح الباب على مصراعيه لنسف الإطار الذي قامت عليه منظومة الملكية الزراعية في سورية منذ ستة عقود، وفي مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي. بالنسبة لعرب الغمر، وألا يعاد طرح سؤال الملكية خارج سياقها التاريخي والقانوني.
العودة إلى الإنسان: ذاكرة بلا مكان
“لا أعرف من الفرات سوى اسمه” يقول الشاب نفسه. “لكنني أدفع ثمنه كل يوم”. نشأ جيل كامل بلا ماض ملموس، يتوارث حنيناً غامضاً لمكان لا يستطيع العودة إليه، ويعيش اغتراباً مزدوجاً: اغتراب المكان واغتراب المعنى.
بل لأنني لا أملك رواية معترفاً بها لا الفرات يعرفني، ولا الحسكة تعترف بي كاملاً، فأقف في المنتصف، بلا ذاكرة أستند إليها، وبلا مستقبل أسمح لنفسي بأن أطالب به، سوى حقي البسيط: أن أعامل كمواطن، لا كجريمة تاريخية تمشي على قدمين.
ما لم تعالج قضية عرب الغمر بوصفها مسألة وطنية شاملة، خارج منطق التوظيف السياسي، سيبقون مغمورين، لا بالماء هذه المرّة، بل بالإنكار.
العربي الجديد
——————————
السوريون يعودون إلى طوابير الغاز المنزلي: سوق سوداء وغلاء قياسي/ نور ملحم
17 فبراير 2026
بعد أن لامس سعر أسطوانة الغاز المنزلي في بعض الأسواق عتبة 200 ألف ليرة سورية (حوالي 18 دولاراً)، عادت أزمة التوريد إلى الواجهة مجدداً في عدد من المحافظات، وسط شبه انقطاع للمادة خلال الأيام الماضية ما أدى إلى قفزات كبيرة في الأسعار داخل السوق غير النظامية، خصوصاً في المدن الكبرى.
واليوم الثلاثاء، أعلن وزير الطاقة السوري، محمد البشير، أن حركة التوزيع ستعود إلى وضعها الطبيعي خلال الساعات المقبلة. وأضاف البشير، في تغريدة على حسابه بمنصة إكس: “جرى تجاوز النقص المؤقت في مادة الغاز بعد استكمال عمليات الربط والضخ التي تأخرت بسبب الأحوال الجوية خلال الأيام القليلة الماضية، وستعود حركة التوزيع إلى وضعها الطبيعي خلال الساعات القادمة”.
في الشارع، أعادت الأزمة الحالية إلى أذهان كثير من السوريين صور طوابير الانتظار الطويلة في السنوات السابقة. يقول شعبان البدوي، وهو موظف في وزارة التربية، إن “مشهد البحث عن أسطوانة الغاز اليوم يعيدنا مباشرة إلى أيام الأزمة في زمن النظام السابق، عندما كنا نقف لساعات طويلة على الدور، وفي النهاية نضطر لشرائها من السوق السوداء بأضعاف السعر الرسمي”، مضيفاً لـ”العربي الجديد” أن الفارق اليوم هو أن القدرة الشرائية باتت أضعف بكثير، ما يجعل أي ارتفاع جديد عبئاً لا يُحتمل على الأسر.
في المقابل، ترى مريم اللحام، وهي ربة منزل في دمشق، أن تكرار أزمة الغاز يضاعف الضغوط اليومية على العائلات، إذ تقول لـ”العربي الجديد” إن “الأسطوانة أصبحت مادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، ومع كل نقص في التوريد نضطر لتغيير نمط حياتنا بالكامل، من الطهي إلى التدفئة”، مشيرة إلى أن الحلول المؤقتة لا تكفي، وأن المطلوب هو استقرار دائم في الإمدادات يجنّب الناس العودة إلى مشاهد الطوابير والانتظار التي عاشوها لسنوات.
في حلب، قال متعاملون في السوق المحلية إن سعر الأسطوانة وصل إلى نحو 200 ألف ليرة، مع صعوبة الحصول عليها عبر القنوات الرسمية. في المقابل، نقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر حكومية تأكيدها أن التوريد سيعود إلى وضعه الطبيعي خلال وقت قريب، مشيرة إلى أن الإنتاج في دمشق وريفها عاد إلى حدود 60 ألف أسطوانة يومياً، وهو المعدل الذي كان سائداً قبل الأزمة الأخيرة.
بدوره كشف رئيس جمعية معتمدي الغاز في دمشق، صبري الشيخ، عن وصول ثمانية صهاريج ليل الأحد تكفي لتعبئة نحو 16 ألف أسطوانة غاز، مشيراً إلى وصول باخرة تحمل 2200 طن من المادة مساء الأحد، إضافة إلى بعض الصهاريج التي تصل عبر البر.
وقال الشيخ لـ”العربي الجديد” إن وصول الغاز سيكون ملموساً في الأسواق صباح اليوم، موضحاً أن معتمدي غاز دمشق لم تصلهم المادة منذ أكثر من أسبوع بسبب عدم توافرها في وحدات التعبئة، التي بدأت العمل ليل الأحد. وأضاف أن معتمدي الغاز في ريف دمشق لم يحصلوا على المادة منذ أكثر من 15 يوماً، مشيراً إلى أن عمليات التوزيع محصورة حالياً بشركة السورية للتجارة، وهو ما أدى إلى استمرار النقص لدى المستهلكين. وعزت مصادر في وزارة النفط سبب انخفاض إنتاج أسطوانات الغاز المنزلي، خلال الأسبوع الماضي، إلى تأخر وصول التوريدات، مشيرة إلى أن الإنتاج المحلي الحالي يلبّي أقل من نصف حجم الطلب الوطني، مع توقع وصول توريدات جديدة في بداية الأسبوع المقبل، وفقاً للوعود الرسمية.
وأوضح البشير أنه “نعمل حالياً على تجهيز مستودعات تخزين جديدة لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي للغاز المنزلي وتفادي أي اختناقات مستقبلية في ظل تضرر البنى التخزينية السابقة”. وأكد البشير أن الهدف “استقرار دائم لا حلول مؤقتة”.
وكانت وزارة الطاقة السورية قد كشفت، أمس الاثنين، عن الأسباب التي أدّت إلى تأخر توفر مادة الغاز المنزلي في بعض المناطق خلال الأيام الماضية، موضحةً أن سوء الأحوال الجوية تسبب في تأخر مؤقت لعمليات ربط باخرة الغاز في الميناء وتفريغها، ما انعكس على عمليات التوزيع وأدى إلى نقص المادة في عدد من المحافظات.
وبحسب تقديرات الشركة السورية للبترول، يتراوح الاستهلاك اليومي في سورية بين 110 آلاف و130 ألف أسطوانة في الظروف الطبيعية، مع ارتفاع الطلب خلال فصل الشتاء، نتيجة استخدام الغاز لأغراض التدفئة والطهي معاً. ويتركز الضغط الأكبر في المدن ذات الكثافة السكانية العالية مثل دمشق وحلب، إضافة إلى المناطق التي تفتقر إلى بدائل طاقة أخرى.
وأدى تراجع الضخ خلال الأيام الماضية إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي المدعوم وسعر السوق السوداء، وهو نمط يتكرر مع كل أزمة توريد. ويعكس ذلك حساسية السوق لأي خلل في الإمدادات، إذ يدفع نقص الكميات إلى موجة مضاربات واحتكار جزئي، تتضاعف آثارها على الأسر في ظل تدهور القدرة الشرائية.
ويرى الخبير الاقتصادي، عمار اليوسف، أن “الأزمة الحالية تكشف هشاشة منظومة توزيع الغاز في سورية، وغياب المرونة الكافية للتعامل مع الصدمات المناخية أو اللوجستية حتى لو كانت محدودة”، مضيفاً لـ”العربي الجديد” أن “أي انخفاض في حجم الضخ اليومي ينعكس فوراً على السوق غير النظامية، ويؤدي إلى موجة مضاربات واحتكار جزئي، ما يضاعف العبء على الأسر ويزيد من الضغوط على القدرة الشرائية في ظل التضخم المتواصل”.
ويشير اليوسف إلى أن “السبب الجذري للأزمة ليس نقص الإنتاج، بل ضعف سلاسل التوزيع، وعدم وجود مخزون احتياطي كافٍ لتغطية أي تذبذب مفاجئ”، مؤكداً أن “استقرار السوق يعتمد على تحديث آليات التوزيع، وضمان انتظام وصول المادة الخام، بالإضافة إلى تطوير البنية اللوجستية التي تشمل النقل والتخزين وإدارة الطوابير”.
ويضيف أن “التفاوت الكبير بين السعر الرسمي المدعوم وسعر السوق السوداء يعكس الفجوة بين العرض والطلب، ويؤكد أن أي أزمة حتى لو كانت مؤقتة تتحول فوراً إلى أزمة اجتماعية واقتصادية حقيقية”، مشيراً إلى أن “الحد من آثار هذه الأزمات يتطلب سياسات أكثر استدامة تشمل زيادة الإنتاج، وتنظيم التوزيع، وتفعيل الرقابة على المضاربات، إلى جانب توعية المواطنين بكيفية التعامل مع تقلبات السوق دون اللجوء إلى الاحتكار أو السوق السوداء”.
ويختم الخبير الاقتصادي بالقول: “الغاز المنزلي أصبح سلعة استراتيجية في حياة السوريين اليومية، وأي خلل في توريده ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي، لذلك يجب اعتبار هذه الأزمة فرصة لإعادة هيكلة المنظومة وتجنب تكرار الاختناقات في المستقبل”.
العربي الجديد
————————–
إيجارات المنازل فلكية تفرغ جيوب السوريين الباحثين عن سكن/ غسان شما
17 فبراير 2026
برزت الإيجارات المرتفعة للمنازل أزمة متجدّدة تضرب عمق الحياة الاجتماعية والمعيشية بالنسبة للمواطن السوري، لا سيما أصحاب الدخل المحدود الذين لا يمتلكون منازل تقيهم شر العواصف التي تهب عند كل منعطف أو أزمة، فتكنس ما تبقّى في جيوبهم من مدخرات إذا توفّرت. فمنذ سنوات وأزمة السكن والإيجار تتفاقم في مختلف المدن السورية بسبب الخراب الذي ضرب البنية العمرانية خلال الحرب.
مع تزايد أعداد السوريين العائدين من الخارج، ومع تدفق أبناء المناطق والأرياف الباحثين عن فرصة عمل، باتت غير متوفرة بشكلٍ وافٍ بسبب ضعف الإنتاج، وتوقف معامل وشركات وورشات كثيرة، أو تراجع طاقاتها الإنتاجية، الأمر الذي شكّل ضغطاً متزايداً على المدن، لا سيما دمشق، التي باتت تعاني من ازدياد الطلب على الإيجار، وهو ما فاقم هذه الأزمة أكثر فأكثر، ودفعها إلى ميادين غير محمودة لا تتعلق بأصحاب العقارات المعروضة للإيجار فقط، بل أيضاً بالدور الذي تلعبه بعض المكاتب العقارية بغية اغتنام الفرصة السانحة في الظروف الحالية.
شكل ذلك معادلة قاسية في أبعادها المتعدّدة: كثرة الطلب وقلة العرض، ما أدّى إلى زيادات كبيرة في الإيجار، دخل متواضع لموظفي القطاع العام، ودخل كبير لبعض الموظفين الجدد، وجيوب مليئة بالأخضر لبعض العائدين الذين ساهموا، من غير قصد، في تفاقم الأزمة.
البداية
عاد بعد ثلاثة أشهر أحد الأشخاص (نوار)، بعد فترة غياب طويلة، إلى دمشق، وبدأ رحلة البحث عن منزل لأسرته، حتى تمكن من العثور على منزل (غرفتان وصالون بمساحة مئة متر) في منطقة بريف دمشق، وقد اضطر لدفع “مئتين وخمسين دولاراً” إيجاراً شهرياً، في ظل شرط قاهر يُلزمه بدفع الإيجار عن عام كامل، وهو شرط يفرضه مالكون كثيرون، وهو ما يؤكده أيضاً أصحاب المكاتب العقارية، وفوق ذلك هناك عمولة المكتب بمعدل إيجار شهر، وتأمين بالمبلغ نفسه أحياناً، بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء، بحيث يضمن المالك حقه، إذ من الممكن أن ينتهي عقد المستأجر ويغادر قبل صدور فواتير الكهرباء التي تتأخر عادة.
استطاع نوار أن يخرج بعض المدخرات التي كانت في حوزته ليدفع كل المبالغ السابقة، من إيجار لمدة عام ورسوم للمكتب العقاري ورسوم التأمين، لكن كثيرين غيره ممن يحتاجون للسكن على اختلاف الجغرافيا السورية أفرغت الحرب جيوبهم، فلم تعد لديهم مدّخرات ولا حتى قدرة على دفع نصف مبلغ الإيجار الذي دفعه نوار إيجاراً لمأوى بحده الأدنى.
لأصحاب الدخول العالية فقط
كانت الحكاية السابقة النقطة التي دفعتني إلى القيام بجولات عديدة بين الأحياء والمكاتب العقارية لاصطدم بحقيقة راسخة، والسوريون يعرفونها جيداً، أن بعض أحياء العاصمة دمشق التي كانت غير متاحة لأصحاب الدخل المحدود، وبعض العاملين في القطاع الخاص من أصحاب الدخل الذي كان يعدّ جيداً، باتت اليوم أكثر امتناعاً على هؤلاء. وعلى سبيل المثال أحياء مثل: المالكي، أبو رمانة، المهاجرين، الميسات، مزة فيلات، مزة أوتستراد، الطلياني، مشروع دمر، يبدأ الأجر الشهري فيها عموماً من 600 أو 700 دولار، وقد يصل الإيجار إلى أرقام فلكية بالنسبة للمواطن، وفق الموقع وجودة الإكساء ومزايا أخرى كالطاقة الشمسية والفرش، حيث يؤثر هذا الأخير بشكل كبير في ارتفاع إيجار المنزل. وعلى سبيل المثال، في حي المزة القديمة، التي كانت شعبية يوماً ما، من الصعب أن تجد منزلاً يقل إيجاره عن خمسة ملايين ليرة سورية (قرابة 500 دولار).
أمام هذه الصورة، كان من الطبيعي التوجّه إلى مناطق الدرجتين الثانية والثالثة، بمفهوم المكان وجودة الخدمات، لمحاولة رسم شيء من ملامح هذه الأزمة على فئة كبيرة من أصحاب الدخل “الضعيف” بمقاييس القيمة الشرائية اليوم، مع الإشارة إلى وجود مناطق عشوائية، ومناطق مخالفات، تشكل حزاماً خاصاً ومكتظاً لم تسلم من هذه الفورة القاسية.
أرقام فلكية
شملت جولاتي مناطق في ريف دمشق مثل: قدسيا، ضاحية قدسيا، جرمانا، الدويلعة، الجديدة، وهي مناطق يعاني معظمها من شح في المياه الخاصة المياه الصالحة للاستخدام اليومي، إضافة إلى المعاناة مع المياه الصالحة للشرب، وهي أزمة قديمة تستفحل مع الوقت، ما يدفع سكان تلك المناطق إلى شراء الماء لكلا الاستخدامين مع فوارق بسيطة، كما في قدسيا مثلاً.
في هذه المناطق تبدأ معظم الأسعار من المليون أو أكثر للمنازل المتواضعة ودون فرش، وترتفع أضعاف ذلك إذا كانت جيدة أو مفروشة، وفي ضاحية قدسيا، مثلاً، هناك من يطلب بالدولار ويصل إيجار المنزل المفروش وبحالة “جيدة” إلى 400 أو 500 دولار خارج السكن الشبابي، وتراوح مساحة غالبية منازل هذا السكن بين الـ65 و85 متراً، وإيجار كثير منها يرواح بين مليونين وثلاثة ملايين ليرة.
كلمات معجونة بالوجع
لدى أم سعيد ثلاثة أولاد، بدأت رحلة البحث عن منزل جديد بسبب رفع بدل الإيجار، قالت: طلب مني صاحب بيتي الصغير زيادة 500 ألف ليرة (50 دولاراً)، وهذا الرقم فوق قدرتي، فتركت المنزل وبدأت البحث عن منزل مناسب في منطقة أخرى “بلكي بلاقي ابن حلال بيحن على حالتي..”. ثم سكتت قليلاً وقالت بألم وانكسار “الله يفرج” ومضت.
بادرني أبو علي، وهو رجل مسنّ، عند سؤاله: “لك عمي روح الله يخليك، ما بدي احكي شي”، وعند إلحاحي أضاف “شو بعمل يعني، راتبي التقاعدي ما بيكفي أجار، وين روح بحالي وبعيلتي”. وعندما قلت له: بس في مناطق تانية. رد: “إي عمّي بعرف، بس بعد خمس وعشرين سنة هون وين بدي روح… تركني بحالي، إنتو تبع الصحافة ما عندكن غير الحكي”.
سمعت زميلةٌ في موقع عملنا حواري مع بعض الزملاء عن مناطق سكنهم ومشكلة الإيجار وأصحاب المنازل والقسوة المتفشية في كل مكان، دخلت وقالت: “لا تروح لبعيد في قريبي طرد المستأجر لأنو ما بيقدر يدفع زيادة، وما رفلو جفن.. حاجتك أوهام”.
في إحدى الجولات، وأنا متّجه إلى مكتب عقاري، كان هناك شاب تشي ملامحه بأنه من إحدى المناطق الشرقية البعيدة، كان يصرخ على هاتفه المحمول، وهو غاضب: “لك بدو ميتين دولار والبيت غرفة وصالون والفرش”، ثم بدأ معزوفة من الكلمات الرنانة.
انتظرت حتى أنهى المكالمة، واقتربت منه وبدأت حديثي بالاعتذار عن سماعي مصادفة كلماته ثم عرّفته عن نفسي، مستفسراً عن المشكلة. نظر إلي وقال بانفعال: “أي شو يعني.. فيك تساعدني مثلاً”.. ابتسمت وقلت: لا والله بس هيك صحافة وحشرية لأني عم أكتب عن المشكلة. هدأ قليلاً وقال: “صرلي فترة عم دور على المكاتب، شي بيحط العقل بالكف، بتسمع الحكي بتفرح، بتشوف البيت بيطلع على مبدأ القرد بعين أمو غزال، لأ وبدن عمولة شهر وتأمين شهر أو نص شهر ..”. صمت قليلاً وقال: “إن شاء الله فدتك”.. وتابع سيره.
شاهدت في جولاتي منازل عديدة، وسمعت كلاماً كثيراً معسولاً لا يمتّ، في أغلبه، إلى حقيقة المنزل على أرض الواقع. لا بل إن بيوتاً لا يمكن أن تسكن قبل إجراء تصليحات قد تكون مكلفة وعلى حساب المستأجر، أو “هاد البيت بتحب تسكن هيك أهلا وسهلا، ما بتحب الله معك”. ومن باب الطرافة “المريرة” سؤالك عما إذا كنت تمتلك سيارة، وفي حالة النفي تكون النظرة حمالة أوجه ومعانٍ لا تبشر بالخير.
مشاهدات مؤلمة
كان من الطبيعي، خلال جولتي الطويلة، أن أنغمس في قلب التجربة بشكل أكثر حرارة، ما دفعني للسؤال بلغة الباحث عن منزل ليستأجره، وهذا ما سمح لي بمشاهدة منازل كثيرة.
عند دخولك مكتباً عقارياً غالباً ما يبادرك صاحبه بالسؤال عن المبلغ الذي ترصده لهذه الغاية، وكنت قد حدّدت مبلغ مليون ونصف مليون ليرة سورية جواباً على هذا السؤال المتوقّع، فإما أن يعتذر منك لعدم توفر منزل بهذا الإيجار، أو يقدّم لك ما “يناسب” المبلغ المتواضع. وعلى هذا الأساس، دخلت منازل كثيرة، بعضها معقول، وبعضها الآخر يحتاج الإصلاح قبل سكنه. وقد اخترت واقعتين لسردهما هنا، تجربة شخصية ومباشرة، تحملان إشارات ودلالات كثيرة على طبيعة العلاقة مع عديدين من المالكين أو أصحاب العقارات.
في ضاحية قدسيا، قد يكون من الصعب أن تجد منزلاً للإيجار بمليون ونصف مليون ليرة (150 دولاراً)، خارج السكن الشبابي، وبشروط قاسية، فقد فوجئت بصاحبة أحد تلك المنازل الصغيرة، بمساحة 65 متراً نربعاً، تطلب مليوني ليرة إيجاراً، مع أنه كسوته رديئة ومطبخه بلا خزائن أو رفوف، ولكن المالكة كانت تشير بزهو إلى حديقته، ورفضت التنازل عن المليوني ليرة، موضحةً أن كثيرين يتصلون بها، لكنها تبحث عن أسرة صغيرة (عريسين) أو أسرة من ثلاثة أفراد فقط.
في حي قرب جرمانا، عرض علي أحد المكاتب منزلاً عربياً مؤلفاً من أربع غرف بطابقين (غرفتان فوق غرفتين) مع فسحة سماوية، وطلب أجراً له مليوني ليرة. وعندما طلبت معاينة المنزل، أوضح لي أن أصحاب المنزل خارج البلد، وهو مغلق منذ عشر سنوات، ولم يكونوا ينوون تأجيره، ولكنه أقنعتهم بذلك.. قلت له “معناها المنزل يمكن بدو شغل كتير.. بس خلينا نشوفو ونحكي بالسعر”، فرد بنزق “البيت هيك، وهو مهرهر شوي، بس بالنسبة للسعر ما في نقاش إذا بدك تشوف وأنت بتصلح”.. نظرت إليه قليلاً وأنا أحبس ما يجيش في صدري ثم غادرت دون كلمة.
ضعف القدرة الشرائية وتراجعها
وأجاب الحقوقي والخبير في هذا المجال، عمّار يوسف، بشأن العوامل التي أدّت إلى تفاقم هذه الأزمة، والآثار الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين الذين يعيشون تحت ضغط الإيجارات، فقال: “بداية، العوامل التي أدّت إلى ذلك تتمثل في انهيار القدرة الشرائية لليرة السورية، وفي حال قيامنا بحسابها قياساً إلى السلة الغذائية التي كان المواطن يستطيع شراءها قبل سنة، مثلاً، اليوم وبالقيمة نفسها نلاحظ انخفاضاً بحدود 30%. ويتمثل العامل الثاني بقلة البيوت المعروضة للإيجار واستغلال أصحاب العقارات للمستأجرين. ويؤدّي ارتفاع الطلب هذا مقابل انخفاض العرض إلى شحّ في العقارات، وخصوصاً أننا أمام تزايد سكاني، بالإضافة إلى عودة الناس من الخارج، ومعهم عملة صعبة، ويدفعون قيمة عالية، خصوصاً لفترة إيجار قصيرة، وهذا يؤدّي إلى الارتفاع الحالي”.
وعن الأثر على أصحاب الدخل المحدود أو المتواضع، قال الحقوقي يوسف: “نتحدّث هنا عن الموظفين وأصحاب المهن البسيطة، وكلهم ممن لا يمتلكون منازل وبالتالي يبحثون عن مسكن في أرياف الأرياف ومناطق المخالفات التي تفتقد شروط الحياة. وفي أسوأ المناطق يتجاوز إيجار “غرفة ومنتفعات” 600 أو 700 ألف ليرة، وهذا المبلغ يوازي نصف دخل الموظف بعد الارتفاع الأخير. لذلك فالسؤال كيف يأكل أو يصرف خلال الأيام التالية من الشهر. وبالتالي فإن لذلك أثراً ضاغطاً اقتصادياً واجتماعياً، ولا يبدو أن له بوادر حل خلال الفترة المقبلة”.
وعن إمكانية وضع ضوابط ما على المستوى القانوني من الحكومة للتخفيف من آثار هذا الارتفاع غير المحدود، أوضح يوسف أن هذا غير ممكن ولا وجود له، لأن العقد شريعة المتعاقدين، وإذا ما تدخلت الدولة سيُحجم المؤجر عن تأجير عقاره. وبذلك نكون قد أوجدنا مشكلة أكبر من المشكلة الأساسية، ارتفاع الإيجارات. ولا أحد قادر على ضبط هذا السوق، وسوق العقارات خاضع للعرض والطلب وشريعة المتعاقدين. وإذا جرى تدخل من هذا النوع سيتم الاتفاق على مبلغ “برّاني” ثم يقيدون بالعقد المبلغ الذي يريدون، وهو ما يحدُث عملياً، وبالتالي لا يمكن السيطرة على هذا الموضوع بأي شكل.
باقي المحافظات.. ليست أفضل
هذا عن “جنون” حقيقي في أسعار إيجارات العقارات في دمشق وريفها. والوضع في باقي المحافظات ليس أفضل حالا، إذ يعاني كثيرون من سكان المناطق التي تعرّضت للدمار خلال سنوات الحرب من نقص الوحدات السكنية، سيما النازحين إلى قرى غير قراهم أو مدنهم أو العائدين من المخيمات أو حتى اللاجئين الذين قرّروا العودة من الخارج. وإذا كانت مشكلة توفر السكن وغلاء الإيجارات ليست واضحة في حلب وريفها، فإنها كذلك في إدلب، ولا سيما جنوبها الذي تعرّض لدمار واسع في البنية العمرانية وحتى التحتية، ما أفرز نقصا واضحا في الوحدات السكنية. ويندرج هذا على أرياف حماه الشمالية والغربية، وحمص أحيائها المدمّرة وريفها الشمالي، إضافة إلى أزمة مشابهة في مناطق دير الزور والرقّة المدمّرة.
أخيراً
في الظروف الحالية، وأمام ضعف دخل المواطن مقابل المقدرة المالية للقادمين من الخارج، وهذه ليست مشكلتهم، وأمام غلاء المعيشة المتفاقم، تبدو أزمة السكن والإيجار المنزلي مرشّحة لمزيد من الارتفاعات التي تضيق الخناق أكثر على الباحثين عن منزل للإيجار، وهم أشبه بالقابض على جمرة ملتهبة. وتبقى الحلول إما ببدء عملية إعادة الإعمار بشكل واضح، أو إيجاد فرص العمل في البلاد، كي يتمكّن المواطن السوري من تأمين سكنه شراءً أو إيجاراً من دخله المقبول.
العربي الجديد
——————————
المغناطيس في مواجهة الألغام بسوريا.. أمل في إنقاذ الأرواح/ حازم بدر
شخص يتحسس المناطق المشتبه في احتوائها على الألغام بأجهزة متخصصة لكشف الألغام، هذه الصورة النمطية لجهود مكافحة الألغام تتضمن الكثير من التحديات، أبسطها التكلفة المرتفعة لهذا العمل، وأصعبها، أنه عمل لا يخلو من بعض الخسائر البشرية، وهي المشكلة التي يمكن أن تعالجها طريقة مبتكرة تعتمد على كشف الألغام من السماء باستخدام المغناطيس، تسمى “ماجيكس”.
وأثبتت هذه الطريقة التي صممها فريق بحثي سعودي، نجاحا معمليا، ومنذ تم الإعلان عنها قبل عامين في دورية “كومبيوترمودلينغ إن إنجنيرينغ آند ساينسز” (Computer Modeling in Engineering and Sciences)، قطع الباحثون خطوات كبيرة لوضعها على طريق التنفيذ العملي، بما يجعلها في وقت قريب، أداة فعالة وسريعة في الحرب على الألغام بدول المنطقة التي تتعافى من عقود من الصراعات والتوترات، وفي مقدمتها سوريا.
وأضحت الألغام مشكلة تؤرق المواطن السوري، فلا تمر فترة قصيرة دون أن نسمع عن وقوع ضحايا لانفجارات، كان أقربها الجمعة 13 فبراير/شباط، حين أصيب طفلان شقيقان أحدهما إصابته خطيرة، بانفجار ألغام من مخلفات الحرب بالقرب من بلدة أم ولد في ريف محافظة درعا الشرقي.
وإجمالا، فقد تسبب انتشار الألغام في مقتل 249 شخصا على الأقل، بينهم 60 طفلا، وإصابة 379 آخرين منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وذلك بحسب “المنظمة الدولية لسلامة المنظمات غير الحكومية” المعنية بتتعزيز سلامة عمال الإغاثة.
ويقول الأستاذ بكلية الحوسبة وتقنية المعلومات بجامعة الملك عبد العزيز بالسعودية الدكتور أحمد برناوي، وقائد الفريق البحثي في تصريحات خاصة للجزيرة نت إنه “بالنظر إلى مناطق مثل سوريا، حيث لا تزال ملايين مخلفات الحرب غير المعلوم أماكنها تشكل تهديدا مميتا، يقدم نظام ماجيكس لاكتشاف الألغام أداة كشف عالية الدقة ومنظمة لإزالة الألغام بسرعة”.
كيف يعمل “ماجيكس”؟
ويشرح الدكتور أحمد آلية عمل هذا النظام القائم على التصوير المغناطيسي، قائلا إنه “يعمل من خلال نشر طائرات مسيرة مزودة بمجسات مغناطيسية محمولة جوا لمسح المناطق الملوثة، وتُحدد هذه المجسات “البصمات المغناطيسية” الفريدة للذخائر غير المنفجرة، والتي يُمكن اكتشافها سواء كانت مدفونة أو موضوعة على السطح”.
إعلان
ويضيف أن “هذه البصمات تمثل تشوهات محددة في المجال المغناطيسي للأرض ناتجة عن المواد المعدنية أو المتخصصة الموجودة داخل اللغم”.
ويسبق انطلاق الطائرات المسيرة إلى المناطق الملوثة تخطيط مسبق يقوم فيه الذكاء الاصطناعي بدور كبير.
ويقول الباحث: “يتم إدخال صور من الأقمار الصناعية إلى نموذج تعلم آلي، ليقوم تلقائيا بتقسيم التضاريس وفقا لمناطق الاهتمام، حيث يحدد أولويات المناطق الأكثر احتمالا للتلوث بمخلفات الحرب، مثل طرق عسكرية قديمة، مناطق نزاع سابقة، وتضاريس تستخدم عادة لزرع الألغام، ومن ثم يتم تخطيط المسار الأمثل للطائرة المسيرة لعبور التضاريس الملوثة، وهذا من شأنه تقليل وقت الطيران واستهلاك البطارية وكمية البيانات”.
التفرقة بين “اللغم” والقطع المعدنية
ويتغلب نظام “ماجيكس” على واحدة من أكبر التحديات التقنية في كشف الألغام، وهي التمييز بين اللغم الحقيقي وبين قطع معدنية عادية مدفونة في الأرض، مثل الخردة أو المسامير أو بقايا حديد.
ويقول دالدكتور أحمد إن “هناك حلين متكاملين يعتمدهما النظام للتغلب على المشكلة، أحدهما تحسين دقة التعرف على الألغام، والآخر فهم طريقة زرع الألغام”.
ويعتمد الحل الأول على جمع بيانات مغناطيسية عالية الدقة جدا، بحيث تصل الدقة إلى درجة أنه حتى الألغام الصغيرة يمكن رصدها بوضوح، ويتحقق ذلك، بتحليق الطائرات المسيرة ببطء وعلى ارتفاعات منخفضة، كما يتم تدريب الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من البيانات، تتضمن بيانات حقيقية وبيانات محسنة ومضاعفة، بهدف تعليم النظام الشكل المغناطيسي المميز لكل لغم.
أما الحل الثاني، وهو أنه يتم تدريب النظام على النظر لطريقة زرع الألغام، وليس اللغم فقط، فالألغام لا تزرع عشوائيا، لكن تزرع في صفوف أو شبكات أو أنماط متكررة معروفة عسكريا، والنظام لا ينظر إلى “جسم واحد” فقط، بل يحلل توزيع الأجسام المغناطيسية، وعلاقتها ببعضها في المكان، وإذا وجد نمطا يشبه خرائط زرع الألغام المعروفة، فهذا يزيد من احتمالية أن تكون الأجسام ألغاما فعلية، وليس خردة.
ويقول الباحث إن “التضافر بين الحلين، يجعل النظام قادرا على التفرقة بين لغم حقيقي، وقطعة معدن عشوائية، ويحقق ذلك دقة تصل إلى 97.8%، وهي نسبة عالية جدا في هذا النوع من التطبيقات الخطرة”.
أداة فعالة في سوريا بشروط
وانطلاقا من هذه المزايا، يرى أن هذه الأداة يمكن أن تنضم لجهود مكافحة الألغام في سوريا، من أجل تقديم حلولا تقنية متقدمة لتسريع عمليات نزع الألغام بطريقة تقلل التكاليف التشغيلية وتحد من المخاطر البشرية، مقارنة بطرق إزالة الألغام التقليدية.
ومع ذلك يعترفالباحث بأن الوضع في سوريا يمثل حالة خاصة جدا، تجعل هناك ضرورة لتكييف النظام كي يصلح للعمل هناك.
ويقول إن “العمل داخل مناطق مأهولة أو شهدت صراعا طويلا مثل سوريا يفرض تحديات خاصة لا تواجهها الأنظمة عادة في البيئات المفتوحة أو غير المأهولة، فحتى ينجح الكشف عن الألغام يجب أن تطير الطائرات المسيرة على ارتفاع منخفض وبسرعة بطيئة، وذلك للحصول على بيانات مغناطيسية دقيقة، لكن في سوريا، حيث توجد مبان مهدمة وأعمدة كهرباء وأشجار وأحيانا مدنيون في نفس منطقة المسح، فلابد من إضافة أنظمة متقدمة لتجنب العوائق تمنع اصطدام الطائرة بالأجسام أو بالبشر، وهذا شرط أساسي لجعل التكنولوجيا آمنة وقابلة للتطبيق فعليا”.
إعلان
ومن التحديات الأخرى في الحالة السورية هو أن خرائط الأقمار الصناعية الحالية غير كافية، فالدمار الواسع الذي شهدته سوريا قبل الاستقرار الحالي، غير كثيرا في شكل المدن والطرق، ويجعل هناك صعوبة في الاعتماد على خرائط قديمة، وبالتالي هناك حاجة لإنشاء خرائط أقمار صناعية محدثة ومشروحة، يتم فيها تحديد مناطق البحث وتصنيفها، وترتيبها حسب درجة الخطورة، وهذه المرحلة تستخدم في التخطيط المسبق، لتحديد مناطق الاهتمام والتركيز على الأماكن الأكثر تهديدا للسكان.
ويشير الباحث إلى تحد ثالث، وهو أهمية إعادة معايرة النماذج باستخدام عينات بيانات إضافية من الذخائر غير المنفجرة في التربة السورية نظرا لخصائصها المغناطيسية الفريدة.
ويقول: “التغلب على هذه التحديات ليس صعبا، وتجاوزها شرط أساسي لنجاح النظام في الحالة السورية”.
اختبارات قريبة في بيئات واقعية
وعن ما تحقق خلال عامين منذ نشر الدراسة التي تم الإعلان فيها عن هذا النظام، يقول الباحث إن عددا من مكونات الإطار التقني للنظام جرى تطويره واختباره عمليا بنجاح، حيث تم بناء ونشر طائرات مسيرة مزودة بمستشعرات قياس مغناطيسي لتنفيذ مراحل التخطيط المسبق وعمليات “البحث والعثور” عن الأجسام المشبوهة.
وأوضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي المصاحبة للنظام خضعت لاختبارات دقيقة لإثبات كفاءتها، إلا أن هذه الاختبارات أُجريت باستخدام بيانات اصطناعية داخل بيئة محاكاة بهدف إثبات الفكرة علميا.
ويختم قائلا: “نعمل حاليا على تطوير نموذج أولي متكامل لإجراء اختبارات شاملة في بيئات واقعية، تمهيدا لاعتماد النظام ميدانيا”.
المصدر: الجزيرة
——————————
سوريا تعلن عن تطور جديد في أزمة نقص الغاز
خطة لتجهيز مستودعات تخزين جديدة لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي للغاز المنزلي
الرياض – العربية
17 فبراير ,2026
أعلن وزير الطاقة السوري، محمد البشير، عن تجاوز النقص المؤقت في مادة الغاز بالأسواق السورية، مشيراً إلى أن حركة التوزيع ستعود إلى وضعها الطبيعي خلال الساعات القادمة.
وقال البشير، في تغريدة على حسابه بمنصة “إكس”: “تم تجاوز النقص المؤقت في مادة الغاز بعد استكمال عمليات الربط والضخ التي تأخرت بسبب الأحوال الجوية خلال الأيام القليلة الماضية، وستعود حركة التوزيع إلى وضعها الطبيعي خلال الساعات القادمة”.
وأضاف البشير: “نعمل حالياً على تجهيز مستودعات تخزين جديدة لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي للغاز المنزلي وتفادي أي اختناقات مستقبلية في ظل تضرر البنى التخزينية السابقة، مؤكداً أن الهدف “استقرار دائم لا حلول مؤقتة”، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية “د ب أ”.
وكانت وزارة الطاقة السورية كشفت، أمس الاثنين، عن الأسباب التي أدت إلى تأخر توفر مادة الغاز المنزلي في بعض المناطق خلال الأيام الماضية، موضحة أن سوء الأحوال الجوية تسبب في تأخر مؤقت لعمليات ربط وتفريغ باخرة الغاز في الميناء، مما انعكس على عمليات التوزيع وأدى إلى نقص المادة في عدد من المحافظات.
وأكدت الوزارة أن أعمال الربط قد أنجزت بنجاح وبدأت عمليات ضخ الغاز بشكل تدريجي، مشيرة إلى أن الكميات الواردة ستبدأ بالوصول تباعاً إلى مراكز التوزيع في مختلف المحافظات خلال الساعات القادمة.
وطمأنت الوزارة المواطنين أن مادة الغاز المنزلي ستكون متوافرة بشكل مستقر في جميع المناطق مع بداية شهر رمضان، موضحة أن ما حدث كان ظرفاً لوجستياً مؤقتاً تمت معالجته بالكامل.
وأعادت محافظة حلب أمس تشغيل معمل الغاز في المدينة، والبدء بتوزيع الأسطوانات على المندوبين بعد توقفه عن العمل لعدة أيام، ومن المتوقع أن يسهم استئناف تشغيل المعمل في عودة التوريدات إلى طبيعتها تدريجياً، والتخفيف من حالة النقص التي شهدتها أسواق مدينة حلب مؤخراً.
—————————
عقارات المزة وداريا المُستولى عليها.. من الإيرانيين للفصائل/ محمد كساح
الثلاثاء 2026/02/17
يتفاوت مصير العقارات التي تملكها أو استأجرها إيرانيون أو عراقيون في دمشق وريفها، في السنوات السابقة، بين عودة قسم منها إلى ملّاكها الأصليين، واستحواذ جهات نافذة في الدولة على القسم الآخر، وفقاً لما كشفته مصادر مطلعة على هذا الملف لـ”المدن”.
حي المزة: ملّاك استعادوا عقاراتهم
وفي التفاصيل، أكدت المصادر أن عشرات ملّاك ومستأجري العقارات في حي المزة الدمشقي، غادروا عقاراتهم قبيل سقوط النظام، لأنهم إما جهات إيرانية نافذة أو كوادر عسكرية وأمنية مقربة من إيران.
وكان الحي قد تحول إلى ملاذ لشخصيات شيعية رفيعة المستوى خلال السنوات الماضية، وقد شغلت هذه الشخصيات عشرات العقارات من خلال الشراء أو الاستئجار عبر وسطاء وسماسرة كانوا ينشطون في مجال العقارات.
ولفتت المصادر أن جزءاً من العقارات المستأجرة التي هجرها مستأجروها، قد عادت فعلاً إلى ملاكها الأصليين، لكن عشرات العقارات التي يصعب تقدير عددها الحقيقي، شغلتها شخصيات تابعة للفصائل العسكرية المتحالفة ضمن عملية “ردع العدوان” وذلك عقب سقوط النظام، في حين يسعى ملّاك هذه العقارات إلى استردادها دون جدوى.
ووفقاً للمصادر، يرفض الشاغلون الجدد للعقارات إخلاءها، وتراوحت ردودهم للملّاك المطالبين بحقوقهم بين: الرفض القاطع، أو الاستعداد للإخلاء شريطة الحصول على مبلغ مالي، أو دفع الملّاك إلى رفع دعاوي في المحاكم.
داريا: مصير مجهول للعقارات
في مناطق قريبة من حي المزة مثل مدينة داريا، كشفت مصادر مطلعة، عن نشاط حثيث لجهات إيرانية أو عربية شيعية لشراء عقارات في المدينة خلال الفترة التي تلت السماح بعودة سكان المدينة في العام 2018 وحتى قبيل سقوط النظام.
وكانت عمليات الشراء تتم عبر وسطاء وسماسرة من بينهم رئيس بلدية داريا الأسبق مروان عبيد الذي ألقي القبض عليه عقب سقوط النظام. وبحسب المصادر، كان الهدف هو شراء ألف عقار في داريا في استغلال لاضطرار الأهالي للمال، ولغياب قسم كبير من الملّاك الذين هجروا من المدينة في العام 2016، ثم اضطروا لبيع عقاراتهم عبر وسطاء بأسعار بخسة.
وبحسب المعلومات التي تمكنت “المدن” من الحصول عليها، استعاد عدد من الملّاك الذين باعوا عقارتهم لشخصيات إيرانية، عقاراتهم منذ سقوط النظام مستغلين ظروف بيعهم للعقارات التي تمّت بشكل غير معلن.
لمياء، اسم مستعار لسيدة من داريا رفضت الحديث باسمها الصريح، استعادت شقة سكنية مباعة سابقاً لشخصية إيرانية، تؤكد لـ”المدن”، أنها تسعى حالياً لرفع دعوى لاستعادة الملكية التي سجلت باسم شخصية سورية مقربة من المشتري.
ولا يعلم جيران لمياء بعملية البيع للعقار، لأنها تمت بشكل سري في العام 2022، وتخشى من استحواذ شخصيات مقربة من الدولة الجديدة على العقار، وهو توجّه واضح وملموس رصدته “المدن”، حيث تقوم البيروقراطية العسكرية والأمنية للعهد الجديد، بإشغال معظم العقارات التي كان يشغلها إيرانيون وعراقيون ولبنانيون من الطائفة الشيعية بعد فرار المئات منهم قبيل سقوط النظام.
————————————
عشوائيات دمشق… السكان يخشون مخططات التطوير العمراني/ محمود عبد اللطيف
17 فبراير 2026
يعيش سكان العشوائيات في دمشق مخاوف كبيرة من أن تتحول مناطق سكنهم إلى مقصد لمشاريع التطوير العقاري، أو عمليات التنظيم العمراني، ما يفضي إلى خسارة العقارات التي يمتلكونها.
تختلف ثقافة العمارة في مناطق سورية العشوائية تبعاً لطبيعة المنطقة الجغرافية وإمكانية التوسع في الكتلة العمرانية، كما تلعب الثقافة العمرانية السائدة لدى غالبية السكان دوراً في شكل البناء، إضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بمستوى التعليم وتوفر الخدمات الأساسية.
وتمتاز أحياء العاصمة دمشق العشوائية، مثل القدم ودويلعة ونهر عيشة، بأنها كتلة من المباني التي لا يتجاوز عدد طبقاتها في أحسن الأحوال الثلاثة، ويعود السبب لكون غالبية سكان هذه الأحياء يتحدرون من المناطق الجنوبية، ومعتادون على المباني المستقلة الخاصة بكل عائلة، وقد تجد في مناطق محدودة مبنى سكنياً متعدد الطبقات والشقق، في حين أن عشوائيات مناطق جبلية مثل المزة 86، وجبل الرز، وعش الورور، قائمة على مبان متعددة الطوابق حلت مكان المنازل القديمة كي تصبح قابلة لاستيعاب الكثافة السكانية الكبيرة، والتي تنتج أساساً عن عوامل متعددة تسبّب نشوءَ العشوائيات بالأساس، من أهمها هجرة سكان الأرياف والمدن الصغيرة إلى العاصمة، والتي تصاعدت في منتصف الثمانينيات، وبلغت ذروتها في العقد الأول من الألفية الثالثة كنتيجة مباشرة لنقص الخدمات، أو عدم جدوى الاستمرار في ممارسة الزراعة مع اشتداد موجات الجفاف.
وتراوح القيمة العقارية للمسكن الواحد في الأحياء العشوائية ما بين 10 إلى 40 ألف دولار أميركي، والسعر عادة مرتبط بمساحة العقار، ومكانه الجغرافي، ومدى جودة البناء.
تنحدر أم أنور من منطقة كفرسوسة، وتعيش في حي المزة 86، وتقول إنها تسكن في هذا الحي منذ نحو 35 سنة، وقد اشترت منزلاً من سكانه القدامى، وتعاونت مع زوجها لتحويله إلى بناء متعدد الطوابق تسكنه مع أبنائها بعد أن تزوجوا. وتوضح لـ “العربي الجديد”: “السكن في المناطق العشوائية ليس خياراً جيداً، لكن هذه المناطق تؤوي الكثير من الفقراء، وتحميهم من السكن في العراء بالمعنى الدقيق للكلمة”.
وتضيف: “خلال العامين الأخيرين من عمر النظام السابق، كانت تسري شائعات حول وجود مخطط لتنظيم المناطق العشوائية، وتحويلها إلى ضواح سكنية منظمة، لكن لم تكن تلك الشائعات تضع في حساباتها أي اعتبار للفقراء، ولا إمكانية تعويضهم، إذ كانت تفترض أن سكان الحي لا يحق لهم التعويض كون الحي يقع على أراض تعد من أملاك الدولة، لكن مع سقوط نظام الأسد ظهرت روايات جديدة تتعلق بأن بعض سكان المزة القديمة يطالبون بأراضي حي المزة، ويعتبرونها من أملاكهم الخاصة، رغم كون هذا الحي موجوداً منذ عقود، ولم يطالب أحد بملكية أرضه، ولا تقدم بدعوى أمام القضاء للتعويض”.
يتطابق الأمر في أحياء أخرى، فمنذ صدور المرسوم 66، والذي أفضى إلى البدء بإنشاء المنطقة العمرانية التي تعرف باسم “ماروتا سيتي”، بعد استملاك أراضي “بساتين المزة”، كان سكان الأحياء القريبة مثل كفرسوسة ونهر عيشة يسمعون بمشروع لتطوير المنطقة الجنوبية من دمشق، من خلال استملاك منازلهم، ورغم أن النظام السابق قام بتعويض ملاك “بساتين المزة”، ومنحهم بدلات إيجار لحين إتمام السكن البديل الذي كان مخصصاً لهم في منطقة “ماروتا”، لم يكن الأمر مطمئناً لسكان الأحياء القريبة.
ومنذ سقوط النظام، يتخوف سكان هذه الأحياء من رغبة الشركات والحكومة في مشاريع التطوير العقاري والعمراني التي قد تفضي إلى مسح أحيائهم بشكلها الحالي من الخريطة، وتحويلها إلى مناطق أبراج سكنية.
من حي نهر عيشة، يقول علي النايف لـ “العربي الجديد”: “من الجميل أن تعرف دمشق صورة مستقبلية تجعلها تشبه المدن المتطورة، على ألا يكون الأمر على حساب الفقراء. لن يكون ثمة من يعترض على قرار الحكومة إذا ما رغبت في استملاك الحي، وتعويضنا بسكن في مناطق في محيط العاصمة، على أن تعمل الحكومة أولاً على تأمين تلك المناطق من ناحية الخدمات، وأهمها المواصلات والخدمات الصحية والمدارس، لكن هل من المعقول أن تصبح دمشق مدينة خالية من الفقراء والطبقة المتوسطة؟ وهل سنكون مجرد وافدين إلى المدينة صباحاً لنقوم بأعمالنا ثم نغادرها إلى مناطق بعيدة؟ وبالتالي نقضي الكثير من الوقت في التنقل. ليس من المعقول أن يكون الفقراء دائماً الحلقة الأضعف، وعلى حسابهم تحل مشاكل التطوير العمراني”.
ويوضح النايف: “لا بد من عدالة في هذا الملف، وإذا كانت عملية التطوير ضرورية، فمن باب أولى أن يستفيد سكان المناطق التي تستهدفها مشاريع التطوير بالدرجة الأولى، فمثلاً يمكن منحهم الحق في شقة ضمن البناء الذي سينشأ مكان العقارات التي يمتلكونها، أو منحهم محال تجارية بدلاً من المحال التي ستهدم في خطة التطوير، وهكذا تسهم عملية التطوير في القضاء على الفقر بين شريحة واسعة من السكان”.
بدوره، يقول عبد الله السيد، المتحدر من دير الزور، لـ “العربي الجديد”: “اشتريت منزلاً صغيراً في حي جبل الرز، من مالكه الذي يتحدر من أصول كردية قبل عشرين عاماً، وأعيش في المنزل منذ أن قررت هجرة ريف دير الزور متخلياً عن العمل الزراعي هناك بسبب صعوباته وقلة الموارد، وأعيش في العاصمة من خلال العمل الحر، وحينما أتخيل أن الحكومة أو بعض الأطراف يمكن أن تطالب بملكية المنطقة التي بنيت فيها منزلي بحجة أنه مقام على ملكية خاصة، أو أنه امتداد لأراض عامة، أو كان متنزهاً لسكان المنطقة، أستغرب الأمر، فكيف يجرؤ إنسان يصف نفسه بأنه فقير على محاولة الاستيلاء على منزل فقير مثله؟ هل يعقل أن يتجرد السوريون من إنسانيتهم إلى هذه الدرجة؟ أثق أن الحكومة السورية الجديدة لن تفسح المجال لمثل هذه الأفعال، وستكون مع الفقراء ضد المستغلين، فالزمن تبدل، وهذا ما يجب أن يؤثر على كامل المنظومة الأخلاقية للسوريين، ويبدلها نحو الأفضل”.
يعيش محمد النادر في مخيم الوافدين في مدخل دمشق الشمالي قرب مدينة دوما، المسكون من عوائل تتحدر من مناطق الجولان، والتي نزحت خلال يونيو/حزيران 1967، هرباً من الاحتلال الإسرائيلي، ويقول لـ “العربي الجديد”: “كان الوافدون في أول الأمر يسكنون مجموعة كبيرة من الخيام، ثم تحولت إلى منازل مبنية بشكل عشوائي، حالها حال بقية المخيمات الفلسطينية ومخيمات النازحين من الجولان، ومن الغريب أن يكون ثمة أصوات تصدر من مدينة دوما، تزعم أن أرض المخيم من الملكيات الخاصة أو الملكيات الزراعية التي تعود لأبناء المدينة، ومن الغريب أن يكون الاعتماد في بناء مثل هذه الادعاءات قائم على أساس حكي الأجداد، إذ لا يوجد قانون يأخذ بهذا الكلام، والملكيات تثبت بالصكوك القانونية، لا بالمزاعم، ومحاولات طرد السكان من منازلهم محاولة لاقتناص الفرص في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، لكننا نثق بالحكومة الانتقالية والمؤسسات القضائية التي من شأنها أن تحمي الفقراء من مثل هذه الأصوات التي لا يمكن أن تلقى أذناً مصغية في دولة تقوم على المؤسسات”.
وتشير أرقام المكتب المركزي للإحصاء في سورية إلى أن نسبة السكن العشوائي كانت تزيد في عام 2007، عن 50%، مع إقامة ما يقارب 45% من سكان دمشق في منازل عشوائية ومناطق مخالفات، كما تشير إحصائيات برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى توسع هذه المناطق بنسبة 220% بين عامي 1994 و2010، لكن الحرب التي عاشتها سورية منذ عام 2011، نتج عنها دمار في الكتل العمرانية للمدن، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم الدمار في الكتلة العمرانية بمدينة الرقة تجاوز 90% بعد المعارك التي شهدتها بين قوات “قسد” وتنظيم داعش خلال عام 2017، كما أن الكتل العمرانية في مدينة دير الزور تضررت بنسبة تزيد عن 70% نتيجة المعارك بين تنظيم داعش وقوات النظام السابق، إضافة إلى الدمار الكبير في دمشق وريفها، والذي يصل إلى 100% في حي جوبر على سبيل المثال.
——————————-
===================
تحديث 16 شباط 2026
——————————
مناطق وأشياء: هل يفتح ما-بعد قسد المجالَ لفاعليات سياسية سورية مُغايرة؟/ ياسين السويحة
article
16-02-2026
بين ميونخ ودمشق والقامشلي، وعفرين وبلدياتها؛ يبدو أن العلاقة بين السلطة المركزية وقسد قد غادرت مساحات الصِدام المسلّح نحو حقول السياسة. هذا خبر ممتاز، بغضّ النظر عن الموقف من الأطراف، وبمعزل عن تقدير التعقيدات التي ما زالت ماثلة في هذا الملف، والتي يتجاوز أغلبُها بكثير حجم ما يمكن تصريفه كـ«تفاصيل». ومع هدوءٍ أكثر، وإن ظل نسبياً، في ما يخص المسألة العَلوية، ورغم راهنية استعصاء الحال في السويداء وضخامة ملف العلاقة مع دروزها بعد جرائم (وليس أخطاء) تمّوز، يبدو أن بحر المعضلات السورية في طور تَحوُّل تدريجي من عنف مشهدية الأمواج العاتية المتلاطمة إلى ما قد يبدو رتابةَ المدّ والجزر والتيارات البحرية، السطحية منها والعميقة؛ وهي رتابة يعرف البحّارة أكثر من غيرهم أنها ما يحرّك المياه والسفن وخيرات البحار الكامنة فيها.
خلال الأسبوعين الماضيين فحسب (وما يلي خارطة غير كاملة) شهدت دمشق سجالاً واحتجاجات على تسعيرات الكهرباء الجديدة، وعاشت حلب اعتراضات من أصحاب المصالح الاقتصادية على سوء إدارة السلطات المحلية وشركة الكهرباء ملف الطاقة، إضافةً لاستمرار السجال حول الاستيراد وحماية المنتج المحلي. هذا في الوقت الذي يتواصل فيه إضراب معلّمي الشمال، الذي التحق به احتجاج معلّمي الرقة، وبات يمكن اعتبار هذا الاحتجاج في القطاع التعليمي أكبر حِراك نقابي الطابع في تاريخ البلاد. وفي حين كان مسؤولو محافظة حلب يُحرِزون اتفاقاً يُنهي إضراباً احتجاجياً للقطاع الصحي في إعزاز، أعلنت كوادر صحة التل في ريف دمشق وقف العمل بما ليس طارئاً من الوافد إلى مستوصفها، في إضرابٍ يُطالب بتحسين شروطهم المهنية. وفي حين تشهد مناطق من محافظة دير الزور استياءً علنياً من آليات التسوية مع عناصر وشخصيات ذات ماضٍ إشكالي في علاقاتها مع النظام الساقط، تحصل احتجاجات في الدانا بريف إدلب اعتراضاً على تغييرات إدارية «تتجاوز إرادة المجتمع المحلي»، وعلى نقل مَرافق حيوية إلى سرمدا. وهذا في حين ينتظم موظفون سابقون من مناطق مختلفة من البلاد للمُطالَبة بالعودة إلى وظائفهم التي حُرِموا منها لأسباب سياسية؛ وآخرون يخشون فقدانها بسبب تَبدُّل الأوضاع السياسية في منطقتهم. واحتجَّ سائقو الشحن السوريين على السماح لشاحنات من دول الجوار بدخول البلاد، وبدروهم احتجَّ سائقو دول الجوار على قطع السائقين السوريين لأرزاقهم.
ثمة ثلاث ملاحظات، واستدراك، يمكن وضعها إزاء هذه الحِراكات. الأولى أنها لا تبدو، من حيث المبدأ، إيذاناً بلحظة ثورية قريبة. ليست «صِفرية»، حسب التعبير الأثير لدى إعلام هيئة تحرير الشام الرديف خلال مرحلة إدلب. الظاهر من شعاراتها ليس صِدامياً مع السلطة ولا مُسائلاً لشرعيتها، لكنه مُطالِبٌ لها بتلبية ما يُعتقَد أنه حقٌّ للمطالبين، ويُطالَبُ بهذا الحق بمثابة ترجمة بديهية للتحرير؛ حصّة ناس هذا القطاع أو تلك المنطقة منه. هي، بهذا المعنى، «تأسيسية»، و«انتقالية» أيضاً. تصوّرات الناس والقطاعات والمناطق عن حقّهم في الأوضاع الجديدة لبلدٍ ما هي صانع فاعل ومهم لمستقبل هذه الأوضاع، الأمر ليس فقط إرادات قادة ونخب وأقوياء.
ثاني ما يُلاحظ في هذه الحِراكات أنها تقع جميعها عند ملتقى طرق ما هو «قطّاعي» من مهنة أو مصلحة أو سبيل رزق، وما هو «محلّي» جغرافياً؛ غالباً على مستوى الناحية أو المنطقة، وفقط في حالات قليلة على مستوى محافظة. القطّاعي والمحلّي، كلاهما، خارج رادار السياسة السورية تاريخياً. لأسباب مركّبة ومديدة، تنظر سياستنا نحو «الاستراتيجي» والجيوسياسي، ويكاد اهتمامها بمحاور الإقليم والعالم يفوق التفاتها إلى طريق سرمدا–الدانا. وإن نظرت سياستُنا إلى داخل البلاد، فقلّما تنظرُ إلى ما هو أدنى من التفكير الدائري بالمواد الأولى من الدستور. تفكيرنا السياسي «عَلاّوي» ومجرّد. ليست لدينا سياسات أشياء، ولا سياسات مناطق.
الملاحظة الثالثة هي سلوك السلطة تجاه هذه الحِراكات. يبدو حتى الآن أنها تحاول الذهاب حالةً بحالة، فتتعاملُ مع كل حِراك ضمن دائرة السياسة الخاصة به، ويواجهه المسؤولون المحليون في تلك المنطقة أو هذه المحافظة. تعي السلطة جيداً أنه لا موارد ولا قدرات لديها لتلبية جميع المطالب، أو حتى بعضها. عدا أن مجموع بعضها «تراجيدي»: لا يمكن حلّ أحدها إلا على حساب الآخر، والممكنُ فقط هو إدارة الجميع ضمن حدود الممكن. أصحاب الحرّاقات يشتكون، ويصعب عدم التعاطف معهم، من إغلاق مورد رزقهم، وهو مورد رزقٍ لا يمكن للحكومة إلا أن تغلقه، بيئياً وصحيّاً واقتصادياً-اجتماعياً. ما هي البدائل الممكنة؟ هذا السؤال الذي لا يُجاب عبر توبيخ السائلين عن الدور الاجتماعي للدولة. خلال العام الماضي، عام الترندوقراطية -حكم الترند، ولكن أيضاً الحكم بالترند-، أسرفت السلطة في التبشير بحلول سهلة لمشكلات عويصة. حين تَعِدُ بحلّ مشكلة فأنت تجازف بأن يُصدِّقك من يعانونها؛ وحين تُقرِّ باستعصائها تجازف بغضبهم منك. الحياة، والسياسة، نُواسٌ بين هاتين المعضلتين. لعلَّ مزيداً من الحذر من إهمال مسائل العدالة الاجتماعية، وتَجاسُراً أقل في الاختزالية النيوليبرالية لما هو اجتماعي-اقتصادي، هي أفضل نتائج ممكنة من هذه الموجات المطلبية.
وعلى سبيل الاستدراك، يمكن قول أن ثمة حاجة لمُساءلة مركزية الاحتجاج في انتباهنا للحِراكات ولتلاقي المصالح والمطامح والمَظلمات. الخارطة أعلاه شملت احتجاجات علنية أو لقاءات حصلت أمام الإعلام بين مواطنين وممثلين عن السلطات طُرحت فيها القضايا، لكن ثمة تيارات انحيازٍ ومصلحةٍ وتماهٍ عميقة قد لا تظهر باستمرار على شكل احتجاجات، لكنها حاضرةٌ بقوة دوماً حتى في غيابها: العدالة الانتقالية؛ الاقتصاد الزراعي؛ و«المسألة الأرضية» كعنوانٍ يجمع قضايا العمران وإعادته، والمُلكيات، وانتقالات السُكّان (قسراً أو طوعاً)، والتخطيط الحضري.
لم تبدأ الحِراكات المطلبية–المحلّية الآن فحسب؛ لقد انطلق العديد منها منذ الأسابيع الأولى بُعيدَ سقوط النظام. لكنها لم تكن في صدارة المشهد، وخفتت مع تصاعد حِدّة التمترس الأهلي–الطائفي، سيما بعد مجازر الساحل والسويداء. لقد أثبت العام المنصرم أن «الجماعة»، طائفيةً كانت أم قومية، هي حقلُ فاعلية سياسية ثقيل الحضور في السياق السوري؛ لكن مجريات هذه الأسابيع، «قطّاعياً» و«محلياً»، وما يمكن تَوقُّعُه في الأسابيع والأشهر المقبلة، تدلُّ على أن ثمة حقولَ فاعلية سياسية أخرى. لكن كيف يمكن رصدها وفهمها ومعاينة سياستها؟
يقول فواز طرابلسي في أكثر من مناسبة إن الفكر السياسي العربي انشغلَ كثيراً في العقود الماضية بالانطلاق من سؤال الغياب: «لماذا ليس لدينا ديمقراطية؟»، «لماذا ليس لدينا أحزاب؟»… إلخ. وهذه الملاحظة الهامة تنطبقُ اليوم على السياسة والشأن العام السوريين: ثمة حاجة إلى التفكير فيما هو موجود أكثر، وحاجة أقلّ إلى الانفعال الدائري حول ما يُعتقَد أنه غائب. باسم محمود فكّرَ في الموضوع معرفياً في مقال مهم قبل نحو أسبوعين. سياسياً، قد يكون المدخل هو الاقتناع بأنه لا حياة للمادة الأولى من أي دستور إن لم تُكتَب بنفس خطِّ النظام الداخلي لبلدية الدانا، أو ميثاق نقابة المعلّمين.
موقع الجمهورية
————————–
الفقراء أولاً.. نحو إعلان سوري للعدالة الاجتماعية/ محمد برو
2026.02.15
“الفقراء أولاً.. ليس مجرد شعار، بل هو بوصلة الأخلاق في السياسة والاقتصاد”.
أطلق الطبيب والصحفي المصري محمد أبو الغيط صرخته “الفقراء أولاً” في وجه الإهمال والانشغال عن الأهم، وفي ظل المشهد السوري البائس والمعقد بعد عام ونيف من التحرير ومن سقوط نظام لم يدخر وسعاً في سحق السوريين وإذلالهم وجعل العوز والفاقة من أبرز سماتهم العامة، ومع تسلم الإدارة الجديدة لهذه التركة الثقيلة وعجزها عن توفير الحد الأدنى اللازم من الموارد الأساسية والتي يمكن اختصارها “بالغذاء والدواء والسكن واستتباب الأمن” إضافة للبيئة التعليمية المطلوبة لإعادة مئات الآلاف من الأطفال إلى مقاعد الدراسة وانتشالهم من أوحال الشوارع، صار من الضرورة بمكان قرع نواقيس الخطر وتدارك ما تم العجز عن تحقيقه حتى الآن، فاستمرار البطء والتأخر في سد هذه الثغرات سيخلق دوامة معيبة يصعب الخروج منها.
لا يمكن نكران ما نجحت به الإدارة الجديدة في فك العزلة السياسية والاقتصادية وإعادة سوريا لتتموضع في مكانها الطبيعي واللائق في محافل المجتمع الدولي، لكن بالرغم من إبرام العديد من مذكرات التفاهم وربما العقود الاستثمارية الكبيرة التي يؤمل أن تكون رافعة تسهم في نهضة سوريا من هذا الحضيض الذي عاشته لسنوات، مع ملاحظة أن هذه الاستثمارات التي جاء معظمها ليطرق أبواب المدن الكبرى حلب ودمشق دون أن يلتفت إلى مدن غارقة بدمارها كدير الزور ومخيمات عرسال ومخيمات الشمال، من المطلوب بحزم ورؤية مستقبلية تكفل النجاح بأن تستبدل عقلية “إدارة الاستثمار” بعقلية “إدارة الكرامة والبقاء” ولتكن بوابتنا لعالم الاستثمار والتنمية المستدامة الاستثمار بالإنسان أولاً.
الفقراء أولاً، حيث لا يمكن بناء وطن مستقر على أساس النمو المشوه، كمن يبني عمارات باذخة وشاهقة إلى جانب أحياء من العشوائيات السكنية، إنه صراع غير متوازن بين منطق السوق والربح ومنطق حقوق المواطنة، وهذا يستدعي التحول من محاذير الميزانيات وما يستتبعها إلى جسارة الإعمار. وقد أكدت العديد من دراسات اقتصاديات الحرب وإعادة الإعمار -للأسف الشديد- أن رأس المال دائماً يبحث عن الربحية السريعة والمخاطرة المنخفضة، ولا يوجد بقاموسه أو مسؤولياته العناية بالجانب الإنساني لأن هذا التوجه لا ينتج عائدات ربحية سريعة.
تؤكد التجربة الألمانية في إعادة الإعمار “مشروع مارشال” كذلك تجارب عاشتها دول شرق آسيا، أن الدولة هي المخولة بقيادة قطاع المنافع العامة وذلك بمنح قروض ميسرة لآجال طويلة، وعدم الركون للاستثمارات المنقذة، وجميع التجارب المماثلة تشير إلى أن الرهان على الاستثمارات الخارجية المباشرة لإعادة تأهيل القطاعات الخدمية المدمرة “مستشفيات، ومدارس، وطرقات، وبنى تحتية” ما هو إلا وهم لا يسمن ولا يغني من جوع، فالمؤسسات الاستثمارية الكبرى لن تبني مستشفى أو مدرسة للفقراء، لكنها تبني أبراجاً شاهقة ومنتجعات ومدن ملاهي.
لدى السوريين ثلاث قطاعات أساسية لا يمكن إهمالها أو التباطؤ في بنائها وتأهيلها، ومن المهم البدء بخطة إسعاف وطنية واجتماعية، فهذه القطاعات نالت حظها الأوفر من الإهمال والتأجيل:
الصحة: كهدف أولي، ويمكن البدء بمستشفيات ميدانية كحل فوري وعاجل ويفي بالشطر الأكبر من الاحتياجات، ويمكن في هذا الشطر الاعتماد على صناديق سيادية ومنح دولية تشترط العدالة والشفافية في التوزيع بين المدن السورية.
التعليم: وإعادة تأهيل المدارس والمعلمين، فالخسارة في رأس المال البشري لا يمكن تعويضها إلا بسنوات طويلة وكلف هائلة، وإعادة النظر إلى ملف التعليم بصفته استثماراً وطنياً لا بكونه عبئاً مالياً. ويمكن للدولة إعادة إعمار المدارس وترميمها عبر عقود محلية تستثمر في العمالة السورية فتصيب هدفين برمية واحدة: إعادة تأهيل قطاع التعليم ومنح المزيد من فرص العمل والتوظيف.
عدم الانجرار وراء وهم الحذر الاقتصادي الذي لا ينتج عنه إلا انهيارات اجتماعية لا يسعف الوقت والإمكانيات لمعالجتها، فالإصرار على رفض القروض بذريعة تعزيز السيادة المالية إنما يحفظ أرقام الميزانية لكنه بذات الوقت يترك الملايين من الفقراء نهباً للموت جوعاً ومرضاً وبرداً؛ ففي التجربة الألمانية الناجحة بعيد عام 1945 كان الاعتماد على قروض خارجية مهماً لإعادة البناء والتأسيس، وعلى الإنسان المنتج أن يسدد هذه القروض في زمن لاحق.
في حالتنا السورية لدينا مئات آلاف المنازل والأبنية المدمرة وهي بحالها الراهن قنابل اجتماعية موقتة لا تلبث أن تنفجر، الحل الأمثل -والذي عملت عليه دول شتى- إنشاء بنك وطني للإعمار يستقطب تمويلاً مناسباً من المانحين ويحظى بإدارة وطنية راشدة، تمنح المتضررين قروضاً بلا فوائد. إن دوران عجلة النهوض من هذا الحطام لن يتحقق بتجميل واجهات المحلات التجارية في دمشق وحلب، بل بمد يد العون والجاهزية الإسعافية الطارئة لانتشال الإنسان من المدن المدمرة والمخيمات، وتوفير مكان آمن للسكن يليق بالكرامة الإنسانية؛ فالسيادة الوطنية ليست بعدم وجود ديون ترهق الميزانية بل بانتهاء عصر الخيام والمخيمات وعودة ساكنيها إلى بيوت تليق بهم، وهذا سيخلق مناخاً ملائماً لعودة مئات آلاف المهاجرين ليساهموا بدورهم في إنجاح إعادة الإعمار.
تلفزيون سوريا
————————————–
السياسة ليست قضايا كبرى فقط/ أحمد عيشة
2026.02.15
ما ميز الفكر السياسي العربي عمومًا، والسوري خصوصًا، تشبّعه بالأيديولوجيا وانشغاله بالقضايا الكبرى، على حساب إهمال الشؤون اليومية التي تُشكّل النسيج الفعلي لحياة الناس. ساهمت في ترسيخ هذا النمط عوامل عدة، أبرزها استيلاء العسكر على السلطة وما رافقه من نماذج قمعية دامية مرعبة فرضت تصورًا محددًا للسياسة بوصفها مجالًا للصراع الوجودي لا للمشاركة العامة، إضافة إلى عامل الجوار الإسرائيلي الذي استُخدم ذريعة دائمة لتكريس حالة الاستنفار وعدم الاستقرار، ولتبرير استمرار الأنظمة تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، في مقابل ترتيبات غير معلنة ضمنت بقاء الحكّام.
غير أن اختزال السياسة في الشعارات المصيرية لم يكن حكرًا على النظام، الذي بنى “شرعيته” لعقود على خطاب “الصراع المفتوح” وحالة الطوارئ وشعارات الصمود والممانعة لتبرير القمع والتنكيل وتفكيك المجتمع، بل تسرّب بدرجات متفاوتة إلى بنية التفكير المعارض ذاته، حيث غلب تسجيل المواقف والانطلاق من تحليلات أيديولوجية -ولو من موقع نقيض- على التحليل السياسي الرصين، ما أسهم في إضعاف المعارضة وتشتتها، ولا سيما في مواجهة القمع المنهجي الذي مارسه النظام.
مع انطلاقة الثورة السورية، تصاعدت المطالب سريعًا من الدعوة إلى الإصلاح إلى المطالبة بإسقاط النظام، وتكثّف الحديث عن “اليوم التالي” بوصفه سؤالًا سياسيًا ملحًّا. وقد تمحورت الطروحات حول الشعار المركزي للثورة، أي الحرية والكرامة، لكنها تباينت بعمق في التفاصيل الحاسمة: من الدعوة إلى دولة المواطنة والمساواة التي تبنّاها عموم التيار اليساري، إلى مفهوم الدولة المدنية بملامح غير واضحة المعالم، وصولًا إلى الدولة الإسلامية أو الدولة ذات المرجعية المستمدة من الشريعة. ورغم الحوارات المتكررة، لم تُفضِ النقاشات إلى صيغة توافقية، إذ كانت الوقائع الميدانية، بما اتسمت به من عنف وتدمير واسع مارسه النظام، تدفع نحو تنامي خطاب التطرف، وتعزّز حضور السلاح بوصفه عاملًا رئيسياً -وإن لم يكن الوحيد- في مسار الصراع والخلاص من النظام.
بعد أربعة عشر عامًا على اندلاع الثورة، سقط النظام، وتسلّمت الفصائل العسكرية بقيادة هيئة تحرير الشام مقاليد الحكم في دمشق، لتبدأ مرحلة يُفترض أنها انتقال من الشعارات التعبوية إلى منطق البناء، أو كما صيغ رسميًا: من “عقلية الثورة” إلى “عقلية الدولة”، ومن شعار الكرامة إلى مرحلة “طبق الكرامة” بوصفه بديلًا عمليًا عن خطاب المعركة الكبرى. غير أنّ هذا التحوّل لم ينعكس في سياسات تضع حياة السوري اليومية وحقوقه الأساسية في صدارة الأولويات، بل طُلب منه مجددًا تأجيل مطالبه المعيشية والمدنية باسم معركة لا يشارك في رسم معالمها. فقد وجد نفسه أمام سلسلة من القرارات التي لم تُعطِ تحسين شروط حياته وضمان حقوقه الأساسية ما يكفي من الاعتبار، في مقابل تركيز واضح على تهيئة بيئة استثمارية تراعي شروط المستثمرين ومتطلباتهم أكثر مما تراعي حاجات الناس وظروفهم المعيشية، بما يعيد إنتاج فجوة بين الخطاب الرسمي وواقع المجتمع.
لا شكّ أن البلاد تعيش حالة خراب عميق؛ فمعدلات الدمار مرتفعة، ونِسَب الفقر أشدّ ارتفاعًا، وما تكبّده السوريون خلال الأعوام الماضية من تهجير وإفقار وانهيار لشروط الحياة الأساسية يفرض أن تُمنح أولويات المرحلة لإعادة الاعتبار للإنسان قبل أي شيء آخر، بدءًا بإشراكه الفعلي في صياغة مستقبل بلاده. صحيح أنّ إتاحة المجال للحديث بحرية عن مشكلات البلاد ودور الحكومة تُعدّ خطوة إيجابية ينبغي تثبيتها وتعزيزها، غير أنّ الاكتفاء بسماع صوت النقد لا يكفي؛ فالمطلوب هو إشراك الناس في القرار، لأن أصواتهم تعبّر عن آلامهم ومصالحهم، وهي الضمانة الحقيقية لسلامة البلاد ومسار تنميتها. فعندما تُفصل السياسة عن الحياة اليومية للمجتمع تتحول إلى خطاب تعبوي فارغ، وعندما تُستدعى “المعركة” -أيًّا كان عنوانها- ذريعةً لتأجيل معالجة هموم الناس، تتحول الدولة إلى عبءٍ على المجتمع بدل أن تكون إطارًا لحمايته وصون كرامته.
تتشكّل السياسة الحقيقية من التفاصيل الصغيرة التي تمسّ حياة الناس مباشرة: من الحق في السؤال والمساءلة، وفي العيش الكريم، وفي المشاركة الفاعلة في الشأن العام. وبدون ذلك، تغدو “القضايا الكبرى” مجرد قناع يخفي عجز السلطة ويؤجّل الانفجار من دون أن يمنعه. إنّ تفريغ السياسة من مضمونها الاجتماعي -من الحق في التعليم والرعاية الصحية والعمل، والحصول على الخدمات الأساسية، ومكافحة الفساد، وبناء مؤسسات تقوم على أسس واضحة تنحاز إلى الأغلبية التي عانت طويلًا من الظلم في عهد الأسد ودفعت أثمانًا باهظة للخلاص منه- يعني تحويلها إلى خطاب مجرد لا يلامس جوهر العدالة ولا يؤسس لاستقرار مستدام.
فعلى سبيل المثال، أثار قرار وزارة الطاقة رفع تعرفة الكهرباء بمستويات تقارب السعر العالمي -وتفوق أحيانًا أسعار الدول المجاورة- موجة احتجاجات واسعة، في بلد يعيش فيه نحو 90% من السكان تحت خط الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة، وبمستوى دخل أدنى بكثير من تلك الدول. وقد تمحور الاعتراض حول حقيقة بسيطة: أن الناس لا تملك القدرة على الدفع، وهو اعتراض يعكس رغبة في التفاعل مع الدولة لا في مناهضتها، لكنه يتطلب من الحكومة مراعاة الظروف المعيشية القاسية عند صياغة سياساتها. ورغم تبرير القرار بكلفة إعادة تأهيل الشبكة المدمّرة، والحاجة إلى تحسين الخدمة أو “ترشيد الاستهلاك”، يبدو أن الدافع الأبرز هو تهيئة بيئة جاذبة للمستثمرين، من دون تقدير كافٍ للآثار الاجتماعية المترتبة على ذلك.
تتقاطع هذه الإشكالية مع ملفات ملحّة أخرى، كأزمة التعليم في ريفي حلب الشمالي وإدلب – أو ما كان يُعرَف سابقًا بالمناطق المحررة- حيث يشهد القطاع شللًا منذ أشهر بسبب مطالب المعلمين بتثبيتهم وزيادة رواتبهم وتجهيز المدارس، في ظل تعاطٍ حكومي يراهن على إنهاك الإضراب، ما يهدد بضياع عام دراسي كامل وتبعاته بعيدة المدى. كذلك يبرز ملف العدالة الانتقالية؛ فغياب إطار قانوني ناظم لمحاسبة المتورطين في الجرائم، نتيجة التأخر في تشكيل مجلس تشريعي يسنّ القوانين، يفتح الباب أمام نزعات انتقام فردية، لا سيما في سياق انتشار السلاح، الأمر الذي يعمّق التوترات والانقسامات الاجتماعية بدل معالجتها ضمن مسار قانوني عادل.
تُظهر التجربة السورية، بكل ما حفلت به من مرارة، أن السياسة بوصفها مجالًا للفعل الحر والكلام العلني حسب حنا أرندت، لا تولد من الشعارات الكبرى وحدها، بل من التفاصيل التي تصون المجتمع وتكبح تغوّل السلطة أيًّا كان موقعها. فحين تُرفع القضايا الكبرى باسم الدولة أو الثورة من دون أن تُترجم إلى ضمانات ملموسة تحمي حقوق الناس، تتحول إلى عبء على السوريين بدل أن تكون أفقًا لتحررهم. إن إعادة الاعتبار للسياسة تبدأ بكسر هذا التصور؛ فهي ليست منظومة شعارات أيديولوجية ولا حالة طوارئ دائمة، بل ممارسة يومية متجددة تُقاس بقدرتها على التفاعل مع قضايا الناس والاستجابة لها، وعلى بناء آليات مساءلة تحدّ من التعسف. وعندما تنفصل الأهداف الكبرى عن الممارسات اليومية، تغدو شعارات معلّقة قابلة للاستخدام السلطوي من أي طرف يمتلك أدوات القوة، أو ستارًا يخفي الفشل ويُراكم أزمات مؤجلة، لا تلبث أن تنفجر، عاجلًا أم آجلًا، في وجه الجميع.
إنّ خطواتٍ بسيطةً لكنها أساسية، محورها الانحياز لحياة المظلومين وحقوقهم، قادرةٌ على أن تمنح القضايا الكبرى مضمونها الحقيقي وقوتها وفرص نجاحها. فالكليات لا تتشكّل إلا من جزئياتها، والسياسات العامة لا تكتسب مشروعيتها إلا بقدر ما تنعكس في تحسين الشروط الملموسة لحياة الناس. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على جهة بعينها، بل هي واجبٌ على الجميع: سلطةً ونخبًا ومجتمعًا، لأن أي مشروع كبير يفقد جذوره حين ينفصل عن تفاصيل الحياة اليومية وشروط تحسينها.
تلفزيون سوريا
——————————
طوابير تسجيل السيارات في سوريا: معاناة تنتظر إصلاح “السيستم”/ محمد كساح
الاثنين 2026/02/16
يعاني مراجعو دوائر النقل في سوريا من الازدحام الحاد الذي طاول المديريات عقب استئناف عملها منذ الأسابيع الماضية. وأكد عدد من المراجعين الذين تحدثوا لـ”المدن” أن معاملة تسجيل السيارة أو تجديد رخصة السير تتطلب 4 أيام على الأقل، بسبب الازدحام وتعقد “السيستم” وتوقفه في أحيان كثيرة، الأمر الذي حوَّلت هذه المعاملات إلى “عقوبة جماعية” على حد تعبيرهم.
وتوقفت مديريات النقل لأشهر عدة عقب سقوط النظام، ريثما جرى الانتهاء من عملية الربط الشبكي وتعديل الرسوم المتعلقة بتسجيل المركبات، ثم استأنفت عملها نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي بعد إنجاز عملية دمج البرامج والتحول إلى نظام مؤتمن يربط المديريات ببعضها.
أخطاء وتعقيدات وتحديات لوجستية
تتمثل شكاوى المراجعين في الازدحام وبطء الإنترنت وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر وتوقف “السيستم” في الوزارة لفترات قد تطول إلى يوم عمل كامل، فضلاً عن الأخطاء التي رافقت عملية دمج وأتمتة المديريات بعد سقوط النظام ووجود سيارات غير نظامية يطلق عليها اسم “لفة”، لأنها تحمل أكثر من قيد، على اعتبار أنها كانت مسجلة في مناطق النظام، ثم جرى تسجيلها في وقت لاحق، في مناطق حكومة الإنقاذ.
محمد، أحد المراجعين الذين حصلوا على رخصة سير جديدة بعد أسبوع كامل، أكد لـ”المدن” اضطراره إلى الوقوف ضمن طوابير طويلة لكل إجراء تتطلبه المعاملة. ولفت إلى أنه كان يدخل دائرة المواصلات في دمشق منذ الثامنة والنصف ولا يغادر حتى نهاية الدوام. ومع ذلك احتاجت المعاملة إلى 5 أيام من العمل والانتظار والوقوف في الطوابير.
عبد العزيز، مراجع آخر تحدث لـ”المدن” عن تعقيدات معاملة التسجيل في مديرية النقل بحماة قائلاً: “يبلغ المراجعون يومياً أكثر من 500 مراجع يكتظون في مبنى المديرية. أما السيارات التي تقف في طابور الكشف الفني فلا يمكن مشاهدة نهايتها، لأن المعاملة تتطلب قرابة 20 إجراء كل إجراء يتطلب قرابة 3 ساعات بسبب الازدحام غير المسبوق”.
وفي إدلب، يضطر عشرات المراجعين من أبناء المحافظات الأخرى إلى النوم في السيارة أو لدى معارفهم إن وجدوا. ويقول حسان أحد الآتين من كناكر بريف دمشق لـ”المدن” إنه اضطر إلى إجراء معاملة التسجيل في إدلب لأن مالك السيارة الأساسي رفض إنجازها في ريف دمشق.
يمثل حسان نموذجاً لمئات الحالات المماثلة، حيث شهدت إدلب بداية العام الماضي إقبالاً غير مسبوق من قبل سكان المحافظات الأخرى على شراء السيارات الأوروبية من متاجر سرمدا والدانا بريف إدلب الشمالي، واليوم يزور هؤلاء مديرة نقل إدلب لنقل ملكية سياراتهم.
تسهيلات الوزارة لم تخفف الازدحام
من جانبه، يعزو مدير دائرة الإعلام في وزارة النقل عبد الهادي الشحادة السبب الرئيسي للازدحام الحالي إلى تراكم أعداد كبيرة من المركبات التي دخلت إلى البلاد خلال الفترة الماضية، بالتزامن مع توقف عمل مديريات النقل لمدة تقارب عشرة أشهر نتيجة العمل على تعديل قانون ترسيم السيارات.
ويؤكد لـ”المدن” أن هذا التعديل جاء لصالح المواطنين، حيث تضمّن تخفيضاً كبيراً في الرسوم وصل إلى نحو 75%، ما شجّع عدداً كبيراً من المالكين على إنجاز معاملاتهم فور استئناف العمل، الأمر الذي ضغط بشكل غير مسبوق على المديريات خلال فترة زمنية قصيرة.
اتخذت الوزارة، وفقاً لشحادة، حزمة واسعة من الإجراءات لمعالجة الازدحام وتخفيف العبء عن المراجعين، مثل زيادة عدد الدوائر الفرعية ضمن المديريات لتوسيع القدرة الاستيعابية، وزيادة عدد صالات الحجز وخطوط العمل داخل كل مديرية، وتبسيط بعض الإجراءات الإدارية واختصار المراحل غير الضرورية، وتقديم تسهيلات إدارية وتقنية للمديريات بما يسرّع إنجاز المعاملات.
وحول التوقف المتكرر للنظام الإلكتروني وانقطاع الكهرباء، أكد الشحادة أن ذلك يمثل تحدياً حقيقاً تعترف به الوزارة وتسعى إلى تجاوزه عبر تزويد المديريات بـ”سيرفرات” جديدة وأكثر قدرة، وتطوير البنية التحتية التقنية في جميع مديريات النقل، وتأمين بدائل طاقة قدر الإمكان لضمان استمرارية العمل.
للتعامل مع ازدحام المراجعين، لفت الشحادة إلى أن الوزارة مددت ساعات الدوام اليومي، وأضافت يوم السبت كدوام رسمي لإنجاز أكبر عدد ممكن من المعاملات. وأكد أن الغاية الأساسية هي الانتهاء بأسرع وقت ممكن من إنجاز معاملات العدد الكبير من السيارات التي دخلت البلاد بعد توقف دام سنوات طويلة، وإعادة العمل إلى وتيرته الطبيعية بما يضمن تقديم خدمة أفضل للمواطنين
——————————
ما تأثير حملات التبرع في واقع النازحين في سوريا؟
دمشق- شهدت محافظات سورية خلال الأشهر الماضية حملات تبرع شعبية واسعة، شملت جمع مساعدات مالية وعينية لصالح دعم المتضررين من الحرب، ولا سيما النازحين في مخيمات الشمال والمدن المدمرة، تزامنا مع تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات الفقر وتراجع الخدمات الأساسية.
وبحسب بيانات متداولة، تجاوز إجمالي المبالغ التي جمعتها هذه الحملات مليارا و635 ألف دولار في مبادرة وطنية وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، وتهدف إلى دعم إعادة الإعمار وتحسين الخدمات بعد الحرب.
ورغم الزخم الذي رافق هذه المبادرات، يطرح نازحون سوريون تساؤلات حول جدواها الفعلية، ومدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية، في وقت لا تزال فيه مئات الآلاف من الأسر تعيش في خيام أو مساكن متهالكة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
كشف العجز
ويقول نازحون في مخيمات الشمال إن المساعدات، على أهميتها، غالبا ما تكون موسمية أو محدودة، ولا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بغياب فرص العمل وضعف البنية التحتية واستمرار الدمار في مناطق واسعة من البلاد.
وأكد النازح أمجد رحال المقيم في مخيمات خربة الجوز في ريف إدلب شمال غربي سوريا إن التساقطات المطرية الأخيرة وما رافقها من سيول وغرق الخيام، كشفت فشل حل مشكلة النزوح المستمر منذ أكثر من عقد لأسرته وآلاف السوريين رغم سقوط نظام الأسد وتوقف الحرب.
وقال رحال -في حديث للجزيرة نت- إن حملات التبرع تبدو أقرب “للدعاية والظهور الإعلامي للمتبرعين”، مشيرا إلى أن المخيم الذي يسكن فيه لم يصله منذ نهاية الحملات سوى مساعدات غذائية ضمن سلال إسعافية تكفي لبضعة أيام فقط.
ودعا الحكومة السورية إلى وضع خطة شاملة لحل ملف النازحين السوريين، بحيث يكون الملف أولوية لها، نظرا لاستمرار معاناة مئات الآلاف من العائلات في المخيمات، وغياب الحلول المستدامة التي تضمن عودتهم الآمنة والكريمة إلى مناطقهم الأصلية.
إعلان
ولا تزال مخيمات شمال غربي سوريا تضم أكثر من 1.5 مليون نازح سوري، وفق بيان لفريق “منسقو استجابة سوريا” صدر أواخر العام الماضي، غالبيتهم من أهالي إدلب وحماة واللاذقية.
فجوة
وأسفرت العاصفة المطرية الأخيرة والسيول عن سقوط ضحايا، بينهم طفلان في ريف اللاذقية، إلى جانب وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة عدد من المتطوعين أثناء توجههم لتنفيذ مهام الاستجابة.
وبحسب وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، فإن فرق الدفاع المدني واصلت عمليات الإنقاذ والإخلاء وفتح الطرق، إلى جانب إنشاء مراكز إيواء مؤقتة وتقديم مساعدات إغاثية وخدمات طبية للعائلات المتضررة.
ورغم ضخامة الأرقام المُعلنة، فإن جزءا كبيرا من هذه المبالغ جاء على شكل تعهدات لم تُستكمل إجراءات تحصيلها بعد، ما يعني أن السيولة الفعلية التي قد تصل إلى خزينة الدولة أو الجهات المعنية قد تكون أقل بكثير من إجمالي الرقم المتداول.
ويطرح ذلك تساؤلات حول الفجوة بين قيمة التعهدات وحجم الأموال المحصلة فعليا، وانعكاس هذا الفارق على قدرة الحكومة على تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار وتحسين الخدمات، في ظل احتياجات هائلة تتطلب موارد مستقرة ومضمونة لا وعودا مؤجلة.
من جانبه، أكد المحلل الاقتصادي عبد السلام العمر أن الأرقام المعلنة لحملات التبرع تعكس زخما مجتمعيا مهما، لكنها لا تعني بالضرورة توفر سيولة فورية بالحجم ذاته، مشيرا إلى أن جزءا مُعتبرا منها أُعلن على شكل تعهدات غير ملزمة قانونيا، وقد لا يُنفذ كاملا أو يتأخر تحصيله.
وقال العمر-في حديث للجزيرة نت- إن التعويل على أرقام إجمالية دون التمييز بين ما تم تحصيله فعليا وما هو مجرد وعود، قد يؤدي إلى فجوة في التخطيط المالي، ويضعف القدرة على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وفق جداول زمنية واضحة.
وتتطلب المرحلة المقبلة -وفقا له- شفافية في إعلان المبالغ المُحصلة فعليا، وآليات واضحة لتحويل التعهدات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، بما يضمن استقرار التمويل وتوجيهه إلى أولويات تنموية مستدامة.
استمرار المعاناة
وبين الأرقام المعلنة عن حملات التبرع وما يلمسه السكان على الأرض، تبرز تساؤلات حول حجم الاستفادة الفعلية للنازحين ومدى انعكاس تلك المبادرات على تحسين أوضاعهم المعيشية. وفي هذا الإطار، قدّم ناشطون في العمل الإغاثي شهادات من داخل المخيمات ترصد طبيعة المساعدات التي وصلت وحدود أثرها.
وقال الناشط في المجال الإغاثي في الشمال السوري هيثم الحمود إن حملات التبرع، رغم ما رافقها من تغطية إعلامية واسعة وأرقام كبيرة، لم تُحدث أثرا ملموسا في حياة معظم النازحين المقيمين في المخيمات.
وأوضح للجزيرة نت أن الواقع الميداني يُظهر أن غالبية المخيمات لم تشهد أي تحسن حقيقي في البنية التحتية أو الخدمات الأساسية، مشيرا إلى أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام مهترئة تفتقر إلى العزل والحماية من الأمطار والبرد.
وحسب الحمود، فإن ما وصل إلى بعض المخيمات اقتصر على مساعدات غذائية محدودة أو مواد إغاثية موسمية، لا ترقى إلى مستوى الاحتياجات المتراكمة منذ سنوات، ولا تلامس جوهر المشكلة المتمثل في غياب مشاريع إسكان دائمة وفرص عمل مستقرة.
إعلان
وأشار إلى أن النازحين كانوا يتطلعون إلى أن تُترجَم حملات التبرع إلى خطوات عملية واضحة، مثل إنشاء تجمعات سكنية بديلة، أو دعم مشاريع إنتاجية صغيرة تعزز الاعتماد على الذات، لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن بالشكل المأمول.
المصدر: الجزيرة
——————————
رمضان على الأبواب.. بين الوفرة وارتفاع الأسعار كيف يبدو المشهد في حلب؟/ خالد الخطيب
2026.02.16
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، بدأت متاجر المواد الغذائية في مدينة حلب برفع وتيرة استعداداتها، حيث تشهد مستودعات تجار الجملة، ولا سيما في حي جب القبة وسط المدينة حركة نشطة للشاحنات التي تفرغ حمولاتها بشكل متواصل، كما يظهر النشاط ذاته في الأسواق الشعبية المنتشرة في معظم أحياء المدينة، مع تركيز واضح على المواد التي يرتفع الطلب عليها خلال الشهر الفضيل.
وبحسب ما رصده موقع تلفزيون سوريا في مدينة حلب ومراكز المدن الرئيسية في ريفها، فإن أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية شهدت ارتفاعاً يتراوح بين 12 و15 بالمئة، وهو نمط بات مألوفاً في الأسواق السورية مع اقتراب رمضان، وشمل الارتفاع الخضراوات والفواكه والمواد الأساسية للطبخ مثل الأرز والبرغل والفريكة والعدس والسمن والزيوت وغيرها من المواد التي تعتمد عليها الأسر في تحضير وجبات الإفطار والسحور.
ورغم تسجيل حركة تجارية مقبولة نسبياً في الربع الأخير من شهر شعبان، إلا أن التحدي الأكبر ما يزال يتمثل في الوضع المعيشي للأسر، فعلى الرغم من تحسن القدرة الشرائية مقارنة برمضان الماضي، نتيجة تحسن سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية بعد سقوط النظام المخلوع، إلا أن رواتب الموظفين ما تزال عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية، ورغم تسجيل انخفاض في أسعار بعض السلع مقارنة برمضان الماضي، إلا أن الارتفاع المستمر في سلع أخرى أبقى الضغط المعيشي قائماً على معظم الأسر.
وفرة في السلع والأسعار تحلق
أظهرت جولة ميدانية في أسواق مدينة حلب وبعض مناطق ريفها وفرة واضحة في المعروض من مختلف المواد الغذائية، خاصة تلك التي تشكل أساس المائدة الرمضانية، ولوحظ هذا العام تنوع كبير في أصناف التمور، خصوصاً التمور ذات المنشأ السعودي التي دخل بعضها الأسواق المحلية لأول مرة، وتتميز بحجمها الكبير وطراوتها وجودتها العالية.
وتباع عبوات التمور بوزن 3 كيلوغرامات بأسعار تتراوح بين 65 و70 ألف ليرة لبعض الأنواع ضمن العروض، بينما تنخفض الأسعار لأنواع أخرى أصغر حجماً أو متعددة المنشأ، في حين تصل أسعار بعض الأنواع الفاخرة إلى 150 ألف ليرة وأكثر للعبوة ذاتها، أما على مستوى البيع بالمفرق، فيتراوح سعر كيلو التمر بين 20 ألفاً و70 ألف ليرة بحسب النوع والمنشأ، وبالمقارنة مع العام الماضي، ارتفعت أسعار بعض أنواع التمور بنسبة تصل إلى 30 بالمئة، بينما سجلت زيادة عامة بحدود 7 بالمئة مؤخراً، مع توقعات بارتفاع إضافي مع دخول رمضان وازدياد الطلب، خاصة لدى العائلات التي تحضر الحلويات الرمضانية.
ويقول أبو أحمد (رب أسرة مكونة من ثمانية أفراد ويسكن في حي الشعار بحلب): “لم أعد أستطيع شراء التمر الجيد لرمضان، الكيلو الواحد لا يكفي عائلتي ليومين، لذلك أضطر لشراء التمر الأرخص وبكميات أكبر حتى يكفينا طوال الشهر”، وينطبق المشهد ذاته على منتجات الألبان والأجبان التي تشهد وفرة كبيرة في الأسواق، ومعظمها من الإنتاج المحلي، لكنها بدأت تسجل ارتفاعاً تدريجياً في الأسعار مع زيادة الطلب.
وخلال جولة في سوق باب جنين الشعبي وسوق الجميلية، الذي يعد من أبرز أسواق المدينة وأكثرها تنوعاً، بدت رفوف المحال ممتلئة بالخضار والفواكه والحلويات والمعجنات والمكسرات، إلى جانب انتشار الباعة المتجولين الذين يضفون طابعاً خاصاً على أجواء الأسواق قبيل دخول شهر رمضان.
رصد موقع تلفزيون سوريا أسعار بعض السلع بحلب، سجلت اللحوم الحمراء أسعاراً مرتفعة نسبياً، حيث يصل كيلو لحم العجل إلى نحو 115 ألف ليرة، بينما يتجاوز لحم الضأن 170 ألف ليرة للكيلو، ويبلغ سعر الفروج الكامل نحو 33 ألف ليرة، بينما ارتفع سعر صدر الفروج إلى 40 ألف ليرة مؤخراً بعد قرار وقف الاستيراد، أما الخضراوات فتتراوح أسعارها بين 5 آلاف ليرة للملفوف و20 ألف ليرة للبصل والليمون، بينما تصل بعض الفواكه المستوردة مثل الأفوكادو والمانغا إلى 40 و45 ألف ليرة للكيلو، كما تتوافر الحبوب مثل الأرز والعدس والبرغل بأسعار مستقرة نسبياً مع تغيرات طفيفة لا تتجاوز 10 بالمئة وفقاً لسعر الصرف.
مصاريف الشهر كبيرة
رغم تراجع سعر الدولار من نحو 15 ألف ليرة قبل التحرير إلى قرابة 12 ألف ليرة حالياً (سعر الصرف كل دولار يساوي 11700 ليرة سورية) ورغم زوال كثير من الأعباء التي كانت تفرض سابقاً في زمن النظام المخلوع، مثل الإتاوات على الحواجز أو القيود الاحتكارية على الاستيراد، إلا أن أسعار المواد الغذائية ما تزال مرتفعة، وهو ما يثير تساؤلات لدى الأهالي حول أسباب استمرار هذا الارتفاع.
ويرى بعض المتابعين أن ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف الكهرباء وأجور العمالة أسهم في رفع تكاليف الإنتاج، ما انعكس على أسعار السلع النهائية في الأسواق، وفي المقابل، يشير عدد من الأهالي الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا إلى عدم وجود مبرر منطقي لاستمرار الأسعار عند هذه المستويات، مطالبين بضرورة التدقيق في التكاليف الحقيقية للسلع، وتدخل الحكومة لفرض رقابة تموينية صارمة على التجار خلال هذه الفترة التي تسبق الشهر الفضيل وخلاله أيضاَ، لأن بعض التجار يعتبرون هذه الفترة فرصة ذهبية بالنسبة لهم ليحققوا أرباحاً طائلة على حساب الفقراء.
في سوق الجميلية التقى موقع تلفزيون سوريا قصي صباغ، قال: “متطلبات رمضان أصبحت عبئاً كبيراً علينا، أسعار معظم المواد المطلوبة في هذا الشهر مرتفعة ولا تتناسب مع دخلنا، صرفيات رمضان تعادل صرفيات أربعة أشهر تقريباً، أي أن معظم الأسر الحلبية ستقع تحت وطأة المديونية” ويضيف ” نأمل أن تتحرك الجمعيات الخيرية لتقديم سلال غذائية، وأن تقدم الحكومة منحة للموظفين لمساعدتهم على تغطية نفقات الشهر”.
تفاوت في الأسعار
وتظهر المقارنة بين أسعار السلع في مدينة حلب وبعض مناطق ريفها تباينات واضحة، ترتبط بشكل رئيسي بطبيعة العملة المتداولة وهيكل السوق المحلي في كل منطقة، ففي حين تعتمد أسواق مدينة حلب بشكل شبه كامل على الليرة السورية، ما تزال بعض مناطق ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، مثل اعزاز والباب وجرابلس وعفرين، تعتمد الليرة التركية كعملة رئيسة في التعاملات اليومية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مستويات الأسعار وآلية تسعير السلع.
ويبرز هذا التفاوت بشكل أوضح في أسعار الخضراوات والفواكه، نظراً لارتباطها المباشر بتكاليف النقل وسلاسل التوريد اليومية، إضافة إلى تأثرها بسعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار، وكذلك مقابل الليرة السورية، ففي بعض الأحيان تكون أسعار الخضروات في تلك المناطق أقل من نظيرتها في مدينة حلب، خاصة عندما يكون توريدها مباشراً من الأراضي الزراعية القريبة، بينما ترتفع في أوقات أخرى نتيجة تقلبات سعر الصرف أو ارتفاع تكاليف الوقود والنقل.
وتلعب طبيعة العرض والطلب دوراً مهماً في هذا التفاوت، حيث تعتمد بعض مناطق الريف على الإنتاج الزراعي المحلي بشكل أكبر، ما يمنحها هامش استقرار نسبي في أسعار بعض الأصناف الموسمية، في المقابل، تعتمد مدينة حلب بدرجة أكبر على المواد الواردة من أسواق الجملة والضواحي القريبة أو من المحافظات الأخرى، ما يجعل أسعارها أكثر حساسية لتقلبات التكاليف التشغيلية وسعر الصرف.
أما بالنسبة للمواد الأساسية مثل الزيوت والسمن والسكر والأرز، فتبدو الفروقات السعرية أقل وضوحاً بين المدينة والريف، ويعود ذلك إلى أن معظم هذه المواد مستوردة أو قادمة عبر سلاسل توزيع مركزية، ما يجعل تسعيرها قريباً نسبياً بين مختلف المناطق، مع وجود فروقات بسيطة مرتبطة بتكاليف النقل وهوامش الربح المحلية.
ويرى تجار ومتابعون للشأن الاقتصادي أن استمرار تعدد العملات في مناطق شمالي سوريا يخلق حالة من عدم الاستقرار النسبي في التسعير، حيث يضطر التجار أحياناً إلى تعديل الأسعار بشكل متكرر لمواكبة تغيرات أسعار الصرف، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلك الذي يجد نفسه أمام سوق متقلب يصعب التنبؤ بأسعاره، خصوصاً في المواسم التي يرتفع فيها الطلب مثل شهر رمضان.
من المفترض أن يدخل أهالي حلب شهر رمضان هذا العام وسط واقع اقتصادي متشابك، وربما هذا حال معظم السوريين في باقي المحافظات، فتوفر السلع في الأسواق لم يعد المشكلة الأساسية، بل القدرة على شرائها وتأمين مستلزمات الشهر الكريم من دون إرهاق ميزانيات الأسر المحدودة، وبين تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية واستمرار الضغوط المعيشية اليومية، يبقى القلق حاضراً لدى شريحة واسعة من الأهالي الذين يأملون أن ترافق الوفرة في الأسواق إجراءات فعلية لضبط الأسعار وتعزيز القدرة الشرائية، بما يخفف الأعباء عن الأسر ويجعل استقبال رمضان مرتبطاً بالبعد الروحي والاجتماعي، لا بتحديات تأمين أساسيات المعيشة.
——————————
لماذا تتكرر انهيارات الأبنية في سوريا خلال الشتاء؟ مدير طوارئ دمشق يوضح الأسباب/ صبا حمود
2026.02.16
تتكرر حوادث انهيار المنازل والمنشآت في سورية بشكل ملحوظ، لا سيما خلال فصل الشتاء، حيث تزداد احتمالية تعرض الأبنية للتصدع أو الانهيار نتيجة لعدة عوامل.
وكان آخر هذه الحوادث إصابة رجل من جراء انهيار جدار منشأ حديثاً بجانب منزل مؤلف من ثلاث طوابق سبق أن تعرض لقصف من نظام الأسد المخلوع، في مدينة حريتان بريف حلب، وذلك يوم الأربعاء الفائت 11 شباط.
في ظلّ تزايد حوادث انهيار الأبنية في مختلف المناطق، ولا سيما خلال فصل الشتاء، يبرز تساؤل ملحّ حول الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، وهو ما أجاب عنه مدير مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في دمشق، حسن الحسان، موضحاً أبرز العوامل التي تقف خلف تكرار هذه الحوادث.
الأسباب الرئيسية للانهيارات
قال الحسان في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا إن الأسباب الرئيسية لانهيار الأبنية خلال فصل الشتاء ترتبط بعدة عوامل متراكمة. تشمل هذه العوامل الأضرار السابقة الناتجة عن قصف النظام المخلوع، وغياب الصيانة لفترات طويلة، بالإضافة إلى الظروف المناخية والهطول المطري الغزير.
وأضاف الحسان أن هذه العوامل تؤثر بشكل خاص على الأبنية المتعبة أو المتصدعة إنشائياً، ما يزيد من احتمالية انهيارها. كما أشار إلى أن بعض الأبنية شُيدت بسرعة ومن دون دراسة كافية، وأحياناً بالقرب من مجاري الأنهار والسدود، من دون مراعاة طبيعة المكان أو المخاطر المصاحبة له.
تأثير القصف والمخالفات الإنشائية
وفي هذا السياق، قال الحسان إنه يمكن التمييز بين نوعين من الانهيارات: الانهيار الناتج عن عوامل طبيعية مثل الزلازل أو الفيضانات، والذي يحدث فجأة بفعل قوة خارجية، والانهيار الناتج عن ضعف إنشائي سابق، والذي يبدأ تدريجياً حتى في غياب أي عامل خارجي قوي.
أما بالنسبة لتأثير قصف النظام المخلوع على الأبنية، فقد أشار الحسان إلى أن القصف يترك آثاراً إنشائية كبيرة تستمر سنوات طويلة بعد وقوعها، وتختلف شدتها حسب نوع الصاروخ المستخدم، قوة الانفجار، طبيعة التربة، عدد الطوابق، الهيكل الإنشائي، ومدى صيانة المبنى، إضافة إلى تأثير العوامل المناخية مثل المطر والزلازل.
وعن إمكانية اعتبار بعض الأبنية “خطرة” رغم بقائها قائمة بعد تعرضها للقصف، قال الحسان إن الأبنية التي تعرضت لقصف سابق أو انهيار أجزاء منها، أو التي تظهر فيها تشققات كبيرة، ميلان في البناء، تلف، أو انكشاف تسليح الخرسانة، تعتبر خطرة ويجب الابتعاد عنها فوراً. كما يمكن أن تحتوي هذه الأبنية على مخاطر إضافية مثل الألغام أو الذخائر غير المنفجرة.
وأشار الحسان إلى العلامات التي تدل على أن البناء المتضرر بالقصف مهدد بالانهيار، وتشمل: وجود تشققات واسعة، ميلان واضح في المبنى، تلف أو تكشف لتسليح الخرسانة، أو انهيار أجزاء من البناء.
وحول تأثير المخالفات الإنشائية على زيادة خطر الانهيار خلال فصل الشتاء، أوضح الحسان أن هذه المخالفات تجعل المبنى هشاً، بحيث يؤدي المطر والثلوج والرطوبة إلى زيادة الضغط على الهيكل، مما يرفع احتمال انهياره.
وأضاف أن أكثر أنواع المخالفات شيوعاً تشمل استخدام مواد ضعيفة، وأخطاء في التصميم أو توزيع الأحمال، بالإضافة إلى التعديلات غير المدروسة على المبنى، وقلة الصيانة، من دون أن يكون هناك بالضرورة رابط مباشر بين وجود المخالفات وحدوث الانهيار.
دور الدفاع المدني والتحديات الميدانية
تحدث الحسان عن دور فرق البحث والإنقاذ التابعة لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث التي تشمل تقييم حالة المبنى بالتنسيق مع لجنة السلامة العامة ونقابة المهندسين والمجالس المحلية.
وفي حال تبين أن خطر الانهيار مرتفع في المبنى، يتم توجيه تحذيرات فورية للسكان بضرورة الإخلاء، وتقييد الحركة، ووضع شريط وعلامات تحذيرية لمنع الأهالي من الاقتراب أو استخدام المبنى.
وأشار الحسان إلى التحديات التي تواجه فرق الإنقاذ والبحث في أثناء انهيارات الأبنية، حيث يشكل خطر الانهيارات الثانوية المستمرة تهديداً كبيراً، إذ قد تكون أجزاء المبنى أو الأنقاض غير مستقرة بعد الانهيار الأولي، ويحتمل سقوط أجزاء معلقة أو هشة في أي لحظة، مما يعرض فرق الإنقاذ للخطر ويتطلب تحركاً حذراً جداً.
وأوضح الحسان أن عدم وجود خطة لإزالة الأبنية المهددة بالانهيار في فصل الشتاء يعود إلى صعوبات تتعلق بحقوق الملكية، وكثرة هذه الأبنية نتيجة لحرب نظام الأسد المخلوع، إضافة إلى وجود ألغام وذخائر غير منفجرة واحتمال وجود جثث من ضحايا الحرب والقصف.
وكشف لموقع تلفزيون سوريا عن التخطيط لتشكيل لجان حكومية لمتابعة هذه القضية مستقبلاً.
انهيار بناء مؤلف من ثلاثة طوابق في مدينة داريا في ريف دمشق
إنقاذ سيدة من أنقاض انهيار مبنى مكون من ثلاثة طوابق في داريا – ريف دمشق، الأحد 28 كانون الأول 2025 (الدفاع المدني)
التوعية المجتمعية والإجراءات الوقائية
أكد الحسان أنه عند صدور تحذيرات من فرق البحث والإنقاذ بوجود خطر مرتفع، يجب على السكان إخلاء المبنى فوراً من دون الانتظار لأي تقييم إضافي.
وأضاف أن الرسالة الأهم التي يوجهها الدفاع المدني للأهالي تكمن في ضرورة الابتعاد عن مصادر الخطر، وتجنب السكن أو ممارسة الأنشطة في الأبنية المهددة بالانهيار، خاصة تلك المتضررة بالقصف أو التي تظهر عليها علامات ضعف إنشائية، مع التواصل الفوري مع الخطوط الساخنة للإبلاغ عن أي خطر.
وأوضح الحسان أهمية رفع وعي السكان بخطورة الأبنية المتضررة، وذلك من خلال توجيه رسائل تحذيرية للتعرف على علامات الخطر والإبلاغ الفوري للفرق المختصة، وتقييد الوصول إلى هذه المباني عبر وضع حواجز واضحة وملونة. كما يمكن تعزيز التوعية من خلال الجولات الميدانية في الأحياء المختلفة ونشر المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
انهيار منزل في دمشق القديمة، اليوم السبت 27 كانون الأول، نتيجة تصدّعٍ سابق في أعمدة الخشب وهطول الأمطار ، حيث اقتصرت الأضرار على الماديات دون وقوع إصابات.
انهيار منزل في دمشق القديمة، نتيجة تصدّعٍ سابق في أعمدة الخشب وهطول الأمطار، دون وقوع إصابات، 27 كانون الأول 2025 (الدفاع المدني)
وأشار إلى الإجراءات الوقائية التي يجب على السكان اتباعها خلال فصل الشتاء، وتشمل الابتعاد عن مصادر الخطر، تجنب السكن أو ممارسة الأنشطة في الأبنية المهددة بالانهيار، وتنبيه المارة والسكان في المحيط، مع الإبلاغ الفوري للفرق المختصة والإدارات المحلية لضمان اتخاذ التدابير اللازمة.
بالإضافة إلى دور المجتمع المحلي في تقليل مخاطر الانهيارات، من خلال مراقبة الأبنية المتهالكة والإبلاغ عن أي تشققات أو علامات ضعف، والتعاون المستمر مع الفرق المختصة والإدارات المحلية لضمان تطبيق الإجراءات الوقائية.
——————————-
تغيير أسماء المدارس السورية.. من يقرر ولماذا؟/ حمزة الرستناوي
فبراير 16, 2026
شهدت الأشهر الأخيرة موجة من قرارات ومشاريع تغيير أسماء المدارس في عدد من المحافظات السورية. هذه القرارات أثارت نقاشاً مجتمعياً ووطنيا عاماً، تحاول هذه المقالة مقاربته وتأطيره.
قد يكون من المفهوم إعادة النظر في أسماء مدارس ارتبطت مباشرة برموز أو تمجيد السلطة الأسدية – البعثية السابقة. في هذه الحالات، يمكن اعتبار التغيير خطوة باتجاه تحييد الفضاء العام عن التسييس. لكن في المقابل، لا يبدو مُبرّراً تغيير أسماء مدارس تحمل أسماء مدن وقرى ومناطق، أو أسماء شخصيات وطنية أو مجتمعية- ثقافية سورية غير مُسيسة، أو تغيير تسميات حيادية ذات دلالات عامة.
فأسماء الأماكن ليست ملكاً لسلطة زمنية أو مسؤول عابر، بل هي جزء من الجغرافيا والتاريخ والذاكرة السورية التي تبقى، بينما تتغيّر الحكومات. المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل فضاء يُسهم في تشكيل السردية الوطنية. عندما تحمل مدرسة اسم شخصية وطنية أو حدثاً تاريخياً، فهي تذكّر الطلاب بتاريخ بلدهم وتنوّعه. أما التغييرات المُتكررة المُرتبطة بتبدّل السلطات، فقد تجعل الفضاء التعليمي ساحة تجاذب وصراع رمزي بدلاً من أن يكون مساحة جامعة.
لماذا تم طرح أو إصدار قرارات بتغيير أسماء مدارس من قبيل : نزار قباني (شاعر) وسامي الكيالي (أديب) أو عائشة الدباغ (شاعرة، ونائبة برلمانية سورية رائدة ) في محافظة حلب؟ وكذلك لماذا يتم تغيير اسماء مدارس من قبيل (مُحدثة بنات كازو) ومدرسة ( مُحدثة البرناوي في محافظة حماة، وهي أسماء أماكن! فهذه أحياء موجودة قبل وصول الأسد الى الحكم!
ما هي المعايير المعتمدة؟
في هذا السياق، يتبادر إلى الذهن تساؤلات من قبيل: ما المعايير المُعتمدة في اختيار الأسماء الجديدة؟ هل توجد لوائح واضحة من وزارة التربية أو المحافظة والبلديات؟ هل يُستشار المجتمع المحلي بشكل موضوعي؟ أم أن القرارات تُتخذ بشكل ارتجالي أو بدوافع شخصية وأيديولوجية ضيقة الأفق؟
إنّ الشفافية في المعايير مع تجنب اطلاق شائعات بالونات الاختبار بالإضافة إلى إشراك المجتمع المحلي والاستفادة من تجارب الدول الأخرى كل ذلك يمكن أن يخفف من الجدل ويعزز الثقة في هكذا سياقات.
لا شك أن البعد العربي الإسلامي جزء مهم من ثقافة المجتمع السوري، وفي الحقيقة إنّ أسماء الصحابة وشخصيات تاريخية إسلامية كثيرة كانت حاضرة في المدارس السورية منذ عقود دون إشكال. لكن الإشكالية تظهر عندما يطغى اتجاه واحد مُؤدلج على حساب التنوع، فيبدو المجال العام وكأنه مُحتكر في سردية ورمزية واحدة يتم فرضها على المجتمع.
الإسلام هو فضاء ثقافي سوري بامتياز، والدين في مصالحه هو رحمة للعالمين يُسهِّل أسباب الوسطية والتنوع الخلاق. إن التفسيرات الحيوية للدين ينبغي أن تؤكد على كفاءة الإدارة، إتقان العمل الوظيفي، حسن السلوك. المدرسة الأقرب إلى روح الإسلام هي المدرسة التي تحقق معايير التعليم الجيد بغض النظر عن التسميات.
إنّ ثقافة المجتمعات السورية والهوية الوطنية السورية الحديثة ينبغي أن تقوم على المواطنة المتساوية، وعلى ذاكرة حيوية مُمتدة تشمل مراحل متعددة وطيفاً واسعاً من ثقافة وتاريخ البلاد السورية: من مقاومة الاستعمار الفرنسي، إلى الإنجازات العلمية والصروح المعمارية والمعالم الأثرية، إلى التجارب السياسية الوطنية، إلى الإبداع الأدبي والفكري السوري.
إنّ تجارب دول كثيرة تُظهر أن التسميات الحيادية تقلّل الجدل، فهكذا تسميات تحافظ على استقرار الرموز العامة بعيداً عن الاستقطاب، ومن أمثلتها: أسماء الأحياء والمناطق، والأرقام (مثل مدرسة حمص الأولى، مدرسة التجهيز الثانية، مدرسة البنات الرابعة في السفيرة…). ومنها القيم العامة مثل: مدرسة النهضة، مدرسة النجاح، مدرسة المتفوقين، مدرسة الوفاء.
وهنا يمكن استحضار التجربة الناجحة في العام الماضي في تغيير اسم جامعة البعث لتصبح جامعة حمص بموجب المرسوم رقم 99، وكذلك تغيير اسم جامعة تشرين لتصبح جامعة اللاذقية في المرسوم رقم 100.
من الأمثلة المتداولة على تغييرات أسماء مدارس: مدرسة سامر علي الزعيم أصبحت مدرسة أم البنين (حمص)، وعمار توفيق الناصيف أصبحت الوليدية (حمص)، ورجب فاضل أصبحت الزبير بن العوام (حمص)، وعبد الرزاق القاسم أصبحت معاذ بن جبل (مورك- حماة)، ويونس الخالد أصبحت الأرقم بن الأرقم (مورك- حماة)، و6 تشرين أصبحت حمزة بن عبد المطلب، وفاطمة السقا أصبحت فاطمة الزهراء، وغيث فرج أصبحت رفيدة الأسلمية. هذه الأمثلة توضح اتجاهات التغيير وتغذّي النقاش حول دوافعه ومعاييره.
وهنا فيما يخص أسماء الشهداء خلال الحقبة الأسدية، لا ينبغي وضعهم جميعاً في سوية واحدة، فشهداء حرب تشرين في 1973 هم شهداء سوريا جميعاً، وهم استشهدوا في قتالهم مع العدو الإسرائيلي ولم يستشهدوا فداء كرمى عيون حافظ الأسد وسلطته المُستبدة الزائلة! فلماذا يتم حذف أسمائهم في تسميات المدارس! بالمقابل، فان أسماء قتلى جيش الأسد في مجازر حماة وأثناء مسيرة الثورة السورية يجب حذفها وتغييرها إلى أسماء محايدة أو أسماء تعكس غنى الثقافة والتنوع السوري.
إعادة النظر في أسماء بعض المدارس قد تكون خطوة مفهومة في سياق التحولات السياسية، لكن التعميم دون معايير واضحة قد يربك الذاكرة العامة ويخلق انقسامات غير ضرورية.
المقاربة المُتوازنة التي يقترحها كاتب المقال تقوم على: الإبقاء على الأسماء غير الإشكالية، واعتماد تسميات حيادية مرتبطة بالجغرافيا أو القيم العامة، والحفاظ على رموز وطنية جامعة من مختلف مراحل التاريخ السوري.
في النهاية، الأسماء ليست مجرد كلمات عابرة، بل رسائل مكثفة تختزل نظرتنا لأنفسنا، وأي وطن نريد أن نروي سيرته لأبنائنا.
الثورة السورية
———————–
====================



