إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 20 شباط 2026

تابع مكونات الملف اتبع الرابط التالي:
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
——————————————–
تحديث 20 شباط 2026
——————————
الجولان والدبلوماسية الانتقالية: شتان بين الواقعية والبراغماتية/ صبحي حديدي
جرياً على عادته، التي باتت الآن ماثورة وأقرب إلى بصمة أسلوبية شخصية، كان أسعد الشيباني، وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية، قد تحلى بجرعة أخرى إضافية من الواقعية، لعلها الأعلى وزناً والأكثر إشكالية في مساره الدبلوماسي. ففي سلسلة تصريحاته، على هامش المشاركة في مؤتمر ميونخ حول الأمن، ألمح الشيباني إلى استبعاد هضبة الجولان من أجندة المفاوضات بين الحكومة الانتقالية ودولة الاحتلال الإسرائيلي؛ وأنها تقتصر الآن على التفاوض حول انسحاب من مناطق احتلها الجيش الإسرائيلي أو توغل فيها بعد 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، تاريخ انهيار نظام “الحركة التصحيحية” وفرار بشار الأسد إلى موسكو.
واياً كانت مواهب الشيباني الفردية، الدبلوماسية منها على وجه التحديد، وهي ليست ضئيلة كما يتوجب التشديد على سبيل إنصاف الرجل؛ فإنه كان، وهكذا يظلّ، صوت أخيه في الإرث الجهادي وسيّده اليوم، الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. وللمرء، استطراداً، أن يعود إلى إطار أوضح سبق أن حدّده الأخير، ولعله كان أعرض في جوانب عديدة بعضها عابر للدبلوماسية، واقعية كانت أم براغماتية. وإذا جاز القول بأنّ الواحد منهما يُكمل الثاني، في ملفات عديدة داخلية وإقليمية ودولية، وليس فقط لأنّ الشرع، منذ سقوط النظام البائد، يندر أن يظهر في لقاء ذي دلالة من دون أن يحضر الشيباني أيضاً؛ بل، أساساً على الأرجح، لأنّ ترسيخ ذلك التكامل يقتضي الإعلان البصري أيضاً، وليس الإيحاء وحده.
فإذا صحت هذه الحال، وعاد المرء إلى إطار الشرع حول المفاوضات مع دولة الاحتلال، كما حرص على تفصيله خلال زيارة البيت الأبيض والاجتماع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار رجاله ومساعديه، ثمّ تصريحاته على وسائل إعلام أمريكية كبرى مثل “فوكس نيوز” والـ”واشنطن بوست”؛ فإنّ الشرع في واشنطن اعتمد خلطة أكثر إفساحاً للمناورة بين الواقعية والبراغماتية، من تلك التي ركن إليها الشيباني في ميونخ. هذه كانت أقرب إلى واقعية التفلّت من النقطة الكبرى الشائكة (والمبدئية، الحاسمة، التي لا مهرب منها إلا عبر بوابة الاستسلام والرضوخ…): أنّ هضبة الجولان أرض سورية محتلة، طال الزمان أم قصر، بموجب القانون الدولي إذا عزّت القوانين الوطنية السورية أو خبت وانحسرت.
ألم يكن في وسع الشيباني أن يستعيد، أو يكرر أو على الأقل يعيد صياغة، أقوال سيده في واشنطن: أنّ احتلال الجولان دخل في سنته الـ58، وبرامج السلطة الانتقالية في الالتفات إلى تعافي سوريا وإعادة بنائها لا تسمح بما هو أكثر من اتفاقية أمنية محدّثة تشمل الانسحاب من احتلالات إسرائيلية، لا تقتصر على المنطقة العازلة ومحيط جبل الشيخ والقنيطرة في الجولان، بل تمتد أيضاً إلى تخوم محافظة درعا؟ لا اتفاقية سلام أو تطبيع أو انضمام إلى اتفاقيات أبراهام، إذن، بسبب حدود سوريا مع دولة الاحتلال وأراضيها المحتلة إسرائيلياً؛ ولأنّ دمشق، في سبب ثان، ليست أبوظبي أو المنامة أو الرباط أو الخرطوم.
كان في وسع الشيباني أن يقتبس أقوال الشرع، بالطبع؛ وإذا كان قد امتنع عن استعادة تلك الصيغة، الأعلى مناورة ولعلها الأفسح تفاوضياً، فليس لأنه خالف رئيسه من جهة أولى، بل قد يكون العكس هو الصحيح: لأنه أكمل ما قد يكون الشرع قد تعمد إغفاله، لأنّ هوامش التحرّك بين واقعية (فضفاضة مرنة) وبراغماتية (فسيحة متفلتة) ليست ذاتها بين رئيس ودبلوماسيه الأوّل؛ وشتان ما بين هذه وتلك، في حسابات السياسة عموماً، وفي ضوء سوريا الراهنة خصوصاً، ثمّ في معنى المقام بين واشنطن وميونخ تالياً.
وفي صفّ آخر من الواقعية، غير مُلزَم بضخّ جرعات عالية من البراغماتية، لا أحد يطالب السلطة الانتقالية الراهنة برفع رايات تحرير الجولان، أو تنصيبها أولوية تعلو على أجندات أخرى وطنية شائكة وملحّة؛ وقد يكون خيراً، بقدر ما هو خدمة الحدود الدنيا، الاكتفاء بالإطار الذي اختطه الشرع في واشنطن، حتى أجل مقبل وسياق آخر. ولكن أيّ مغنم، سياسي أو دبلوماسي أو تفاوضي، في الإعلان على الملأ بأنّ الجولان ليس مطروحاً للتفاوض، من دون التشديد على أنه كان أرضاً سورية وهكذا سوف يبقى، أسوة بالمناطق التي احتلتها أو توغلت إليها دولة الاحتلال بعد 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024؟
لا مغنم، بالطبع، لأنّ دولة الاحتلال إجمالاً، وحاضر ائتلافها اليميني العنصري الفاشي الحاكم على وجه أخصّ، ليست في وارد التفاوض حول أيّ انسحابات ملموسة في عمق الجولان، كما أنها غير معنية أصلاً بهذا أو ذاك من ضروب إغفال الحديث عن هوية الجولان الوطنية السورية. الخسران، في المقابل، قد يكون فادحاً في مستويات معنوية بالنسبة إلى السواد الأعظم من أبناء سوريا؛ ولعله سوف يكون أفدح في جانب منتظَر هو تأويل تصريح الشيباني، حول استبعاد الجولان من أجندات التفاوض مع الاحتلال، بوصفه يفترق حتى عن خطاب النظام البائد، الذي سلّم الجولان أرضاً وبشراً، ولكنّ أجهزته ظلّت تتاجر لفظياً بهويته الوطنية السورية.
شتان، أيضاً وعلى قدم المساواة، بين الواقعية والبراغماتية في تشخيص الشيباني لجوهر التدخل الإسرائيلي في أوضاع سوريا ما بعد انهيار نظام “الحركة التصحيحية”؛ سواء ابتدأ نهج دولة الاحتلال من التدمير المنهجي المنظّم لما تبقى من أسلحة سورية صاروخية أو مدفعية أو درعة، والغارات تجاوزت الـ1000 حتى الساعة؛ أو امتدّ إلى احتلال أراض جديدة، ونصب حواجز، وقصف قرى وبلدات والتوغل فيها، واعتقال مواطنين؛ أو اتخذ صفة المساندة المباشرة لمشاريع حكمت الهجري الانفصالية، والتذرّع بحماية الدروز والمكوّنات الطائفية والإثنية هنا وهناك في سوريا.
وحين يرى الشيباني أنّ دولة الاحتلال “تبالغ في اعتبار سوريا تهديدا لأمنها”، معتبراً أن “المقاربة العقلانية” هي التي تخدم استقرار المنطقة؛ فإنه ينزلق، على نحو يُرثى له حقاً، إلى سوية في التعيين الاستيهامي كفيلة بأن تدفع نتنياهو، وسائر مجرمي الحرب من جنرالاته، إلى قهقهة عالية. ذلك لأنّ الاحتلال لا يتدخل في شؤون سوريا خوفاً من تهديد، أياً كانت طبائعه، بل استباقاً لاحتمال تبدّل أحوال البلد بنيوياً في العموم، ثمّ في الخصوص على نحو يعاكس ما كانت عليه خلال 54 سنة من وئام فعلي مع نظام “الحركة التصحيحية”، الذي بقي حارساً على الأمن الإسرائيلي في الجولان المحتل.
ولأنّ ائتلاف نتنياهو يباشر هذه الأيام إجراءات ضمّ أجزاء من الضفة الغربية والقدس، ويُلقي بالمزيد من بنود اتفاقيات أوسلو إلى سلّة مهملات التاريخ؛ فهل من المستغرب، بصدد الجولان السوري المحتل، أن تنفض دولة الاحتلال الغبار عن خرائط ما قبل عام 1949، والزعم بأنّ القوّات السورية احتلت أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية (التي أصبحت فيما بعد “إسرائيلية”!)، واحتفظت بها “تحت الاحتلال” (كما ذكّرنا ذات يوم المعلّق الإسرائيلي الشهير زئيف شيف!) حتى العام 1967 حين “حرّرتها” القوّات الإسرائيلية؟ وإذا كانت سوريا تزعم شرعية سيادتها على هذه الأراضي لأنها احتفظت بها طيلة 18 عاماً، فلماذا لا تغتصب دولة الاحتلال شرعية السيادة على الأراضي ذاتها، التي تحتفظ بها منذ 1967؟
شتان هنا أيضاً، أخيراً ولكن ليس آخراً، بين واقعية ترتيب الأجندات والأولويات، وبين براغماتية استبعاد واحدة من باب خدمة أخرى؛ فالقسمة هنا ضيزى، كما في وسع الشيباني أن يدرك جيداً مدلولات الجائر، غير المستوي، والناقص غير التام…
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
——————————-
حواجز طيّارة، واعتقالات، وضرب للمدنيين: سياسات الاحتلال الإسرائيلي في القنيطرة
19-02-2026
من تفاصيل الجولة أجرتها الزميلة حنان دعدوش في القنيطرة وريفها.
*****
تعيش محافظة القنيطرة على إيقاع من الحذر الدائم، إذ يترقب الأهالي تحركات دوريات الاحتلال وحواجزه الطيارة التي قد تظهر فجأة في الطرقات والقرى. وتنتشر قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم في عدة نقاط عسكرية داخل محافظة القنيطرة وريفها، بعد أن استغلّت الفراغ السياسي والأمني الذي أعقب سقوط نظام الأسد، لتبسط نفوذها العسكري وتحتل أراضي سورية جديدة.
وتشهد محافظة القنيطرة جولات مكثّفة لدوريات الاحتلال، حيث تُنصَب حواجز «طيّارة» في أوقات وأماكن غير متوقعة، تُخضِع الأهالي للتفتيش عند مرورهم، وتعتقل شبّاناً من دون تهم واضحة وتقتادهم إلى نقاط التفتيش، وقد أفاد بعض السكان بتعرُّض عددٍ منهم للضرب.
تكمن خطورة هذه الحواجز في عنصر المفاجأة، الذي يرافق ظهورها عند مداخل القرى أو في الطرق الزراعية، ما يُبقي السكان في حالة ترقّبٍ دائم ويجعل حركتهم اليومية مثقلة بالقلق. ويرى بعض الأهالي أن هذا الأسلوب يهدف إلى فرض واقع أمني ضاغط وإيصال رسالة عن حضور إسرائيلي دائم في المنطقة.
سيطرت قوات الاحتلال على قرية الحميدية، الواقعة شمال القنيطرة على بُعد نحو كيلومتر واحد فقط من خط وقف إطلاق النار على الحدود مع الجولان السوري المحتل، ومنذ ذلك الحين، تُمارس سلسلة من الانتهاكات بحق أهاليها. يروي محمود من سكان منطقة الحميدية: «كنت طالع لأجمع حطب للبيت، فجأة وقّفت الدورية ونزلوا عليّ. ما سألوني شي، أخدوني مباشرة عالنقطة، وظلّيت موقوف بنقطة الحميدية 24 ساعة، تعرضت للضرب والشتائم، وما كان في أي تهمة». ويقول والده إنه قصد النقطة العسكرية للسؤال عن ابنه، فأبلغه جنود الاحتلال أن محمود سيُرحَّل إلى تل أبيب، وأنه «إرهابي». وبعد يوم كامل أُفرِجَ عنه وعاد إلى منزله، لكنّ الحادثة تركت أثراً عميقاً في نفسه، وزادت خوف العائلة وقلقها حيال تحركات أبنائها حتى في أبسط تفاصيل حياتهم اليومية.
كما هدمت قوات الاحتلال في قرية الحميدية عدداً من المنازل الواقعة على أطراف المنطقة «بهدف إنشاء مستوطنة جديدة» كما تناهى إلى سمع السكان. ولم يُسمَح للأهالي حتى بأخذ أيٍّ من مقتنياتهم قبل الهدم، ما خلّفَ حالة صدمة وغضب واسعة بين المُتضرّرين وعموم أهالي المنطقة.
تُضيف سيدة من قرية الحميدية: «هدموا بيتنا بالكامل، ما خلونا ناخد ولا قشة من البيت، وما حدا عوّضنا أبداً. الحكومة ما عطتنا شي، بس الهلال الأحمر عطانا بطانيات وشوية مونة، وهلأ قاعدين ببيت حماي، ما عنا مكان ثاني نروح عليه».
بالمقابل، تَتّبِعُ قوات الاحتلال سياسةً مختلفة مع الأطفال، إذ أنشأ الجانب الأميركي مساحةً مخصّصةً للعب في منطقة الحميدية، لكن الجنود الإسرائيليين يدخلون بشكل متكرر إلى الخيمة المخصّصة للأطفال، يوزّعون الحلويات ويلتقطون الصور معهم. وهو سلوك يُثير قلق بعض الأهالي ويعمّق مخاوفهم على أطفالهم.
تقول (نسرين. م) من سكان الحميدية: «أطفالنا مو بحاجة الاحتلال يعطف عليهم. بيكفي يحلّوا عنا وعن شبابنا، صرنا نخاف على ولادنا ونمنعهم يلعبوا برا البيت أو نجبرهم يظلّوا قريبين من البيت وعيوننا عليهم، ولازم الأهالي يمنعوا أطفالهم من الذهاب إلى أي مكان يخص الاحتلال».
وتسود محافظة القنيطرة حالة الحذر، إذ يراقب الأهالي تحركات دوريات الاحتلال الإسرائيلي ويتبادلون سرّاً معلوماتٍ عن تحركات تلك الدوريات والحواجز الطيّارة لتجنّب الاحتكاك، في حين تمنع قوات الاحتلال الأهالي من تصوير الدوريات الإسرائيلية عند مرورها، فيما يقوم العناصر بتصوير السكان. كما يلتقط الجنود صوراً بجانب العلم السوري، في مشهدٍ يعتبره السكان ذا أبعادٍ رمزية تتجاوز البعد الأمني.
في ظلّ هذا الواقع، وبين حاجز قد يظهر فجأة ودوريات تجوب القرى ومساحة لعب الأطفال، يعيش السكان في يقظة لا تنقطع، ويبقى السؤال الذي يشغلهم: هل يمكن أن يتحول الشعور الدائم بالحذر إلى حياة طبيعية، أم أن المفاجآت ستظل جزءاً ثابتاً من يومياتهم؟
موقع الجمهورية
——————————
الأمير الأطرش يغادر السويداء سرا… انشقاق أم إعادة تموضع؟/ طارق علي
خروجه بهذه الطريقة إلى دمشق يحمل أبعاداً وتأويلات ومراقبون تحدثوا عن تعرضه لتهميش ووقوع خلافات بينه و”دار عرى”
الجمعة 20 فبراير 2026
سرعان ما احتل خبر خروج الأمير من السويداء إلى دمشق حيزاً واسعاً من الاهتمام الإعلامي والسياسي والشعبي، بوصفه تطوراً بارزاً ولافتاً في جبهة قلقة، زاد من تعقيدها غموض الحدث بحد ذاته وسط بقاء آل الأطرش داخل المحافظة وأحاديث سابقة عن خلافات داخل البيت ذاته “دار عرى”، مما جعل الأمر ذاته يتسم بالحيرة، وهو ما عبر عنه أشخاص من السويداء تواصلت معهم “اندبندنت عربية”.
بعد هدوء أخير في الجبهة الجنوبية السورية وتحديداً داخل مدينة السويداء التي تختصم السلطة السورية وتطالب بالاستقلال منذ أحداث يوليو (تموز) 2025، والهجوم الواسع لقوات دمشق على المدينة وقتذاك، تصدر المشهد خلال اليومين الماضيين خبر مغادرة الأمير حسن الأطرش (أبو يحيى)، أمير “دار عرى” في السويداء للمدينة خلسة نحو مدينة درعا غرباً، قبل أن يكمل طريقه نحو دمشق ليل الإثنين الماضي.
بحسب ما أفادت مصادر مطلعة من السويداء “اندبندنت عربية” فإن خروج الأطرش كان آمناً من دون أن يعترضه أحد، ولم يكن طريقه معلوماً مسبقاً. وأكدت أنه خرج مع زوار كانوا لديه يوم الإثنين الماضي لمصاحبتهم إلى نقطة قريبة، لكنه لم يعد، ليتضح لاحقاً أنه اختار المضي خارج المدينة نحو العاصمة عبر وسيط في درعا لم تعرف هويته.
حدث استثنائي
المصادر الرسمية السورية وصفت الحدث بالاستثنائي لشخصية بارزة وكبيرة في جبل العرب جنوباً، من دون أن تكشف طريقة خروجه الفعلية ومع من قام بالتنسيق، وأكد مدير العلاقات الإعلامية لمديرية إعلام السويداء والموجود في دمشق قتيبة عزام خلال تصريحات إعلامية أن “الأمير أصبح في دمشق فعلاً، وخروجه سيكشف اللثام عن كثير من الحقائق المخفية، وقد يتمكن من قلب الموازين بوصفه شخصية عامة”.
تنطلق خصوصية خروج الأمير الدرزي من السويداء من أنها لا يمكن أن تُقرأ كتحرك فردي ينقضي بانتهاء وصوله إلى دمشق، بل يُقاس هنا حسب محللين بثقل الشخص نفسه رمزياً من الناحية التاريخية داخل الطائفة التي لم تشهد سابقاً حالات شق صف مماثلة من الناحية الرمزية – التاريخية، وبخاصة أنها جاءت هذه المرة محمولة في الغالب على خلافات داخل الجسد الواحد في الطائفة، ورجحت مصادر في السويداء أن يحمل هذا الخروج معه كثيراً من التبعات لأن الأمير اختار شق عصا الطاعة لزعيم الدروز وشيخ عقل طائفتهم حكمت الهجري، الذي يمسك عملياً بكامل مفاصل المحافظة ويحظى بشعبية جارفة داخلها، على حد تعبيرهم، خصوصاً بعد رعايته لتشكيل “الحرس الوطني” كجهة قتالية أمنية وعسكرية منظمة.
الشيخ الدرزي يحيى قطيش لم يستبعد خلال حديثه أن يكون هناك دور سياسي كبير ومحوري للأمير الأطرش من دمشق قريباً جداً، وأضاف “ربما يكون هذا الخروج جزءاً من ترتيبات مقبلة للسويداء تضعها على خريطة حل سياسي معين، لكن الأكيد أن الأمير الأطرش يمثل وزناً رمزياً لا شعبياً في الشارع داخل الطائفة، وبهذا قد تنقلب الآية من شخص يفترض أن يكون جزءاً من الحل لشخص يصير جزءاً من المشكلة، فالأحاديث في السويداء اليوم تدور حول غضب الأمير السابق من تهميشه، وبخاصة أنه تبنى حمل السلاح في مجازر يوليو الماضية وظهر ضمن فيديو يحمل السلاح، وإن كان خطابه عامة ينحو نحو التفاهم والتوافق والسلم الأهلي”.
سلالة الإرث
تعد عائلة الأطرش من أبرز عائلات جبل العرب جنوباً، ويعود تاريخ وجودها داخل المنطقة للقرن الـ19 وفق ما يذكر مؤرخون، ومنذ وجودها لعبت أدواراً بارزة داخل الطائفة على الصعد السياسية والاجتماعية، لكن بعيداً من الدين بوصفها لم تمثل يوماً مرجعية عقل للطائفة بحسب الإرث المتبع لدى الدروز والذي يحصر المشيخة بعائلات محددة “جربوع – الحناوي – الهجري”.
وكان أشهر شخصية في عائلة الأطرش هو الزعيم سلطان باشا الأطرش الذي قاد الثورة السورية ضد الفرنسيين ما بين أعوام 1925 و1927، وهو ما منح العائلة مزيداً من التحصين لناحية النفوذ الرمزي في الجبل، وحتى على مستوى البلاد بوصف سلطان أبرز الثائرين السوريين تاريخياً والذي تمكن من توحيد الصف في عموم البلاد لمواجهة الانتداب الفرنسي وخاض ضدهم معارك ضارية، وبذلك رسخت العائلة حضورها على مستوى الزعامة المحلية، إلا أن العقود القليلة الماضية أسهمت في تحويل هذا الإرث لمجرد رمز محمول من صفات إقطاعية أميرية أكثر منها تأثيراً في مجريات الأمر الواقع وأكثر حصراً بالدور الاجتماعي والعرفي.
مسار الخلاف
يؤكد الباحث السياسي ياسين خلف أن هناك خلافاً بينياً عميقاً بين “دار عرى” ومرجعيات العقل وقادة السلاح، قائلاً “الأجندة العامة واحدة في حماية المدينة، لكن أساليب معالجتها مختلفة، فالهجري تمكن من تحييد جميع خصومه في الرأي جانباً وتهميش آراء حلفائه واستفرد بقرار المحافظة، وذلك انطلاقاً من رؤيته بأن تعدد المراجع يعني تعدد الهفوات ويعني قدوم صراع داخلي لا تحتمله الطائفة، فكان القرار بأن يكون ربان السفينة شخصاً واحداً، وقد استفاد من ثقله في الشارع والتوافق حوله ليكون ذلك القائد، وفي حين رضخت قوى وشخصيات محلية بارزة، لكن آخرين أمثال الشيخ سليمان عبدالباقي سابقاً، والآن الأمير الأطرش لم يوافقوا، الجميع يبحث عن دور وامتياز وإحياء زعامة، ومن هنا تراكم الخلاف حتى انفجر مرة واحدة بخروج الأمير خلسة إلى دمشق، وهذا حق سياسي له بمعزل عن العواطف، السياسة هي فن الممكن، وقد يكون الأمير وجد في هذا الاتجاه سبيلاً لخلاص محافظته وسعياً منه ليكون جسراً للبناء لا استمرار العداء”.
وأضاف “الأمير تعرض إلى تهميش بصورة واسعة بحسب تواصلي مع أشخاص معنيين بالملف الجنوبي، فلم يولى شؤون رعاية شيء من الملفات المتعلقة بالإدارة المحلية أو العسكرية أو الخدمات وصار دوره محصوراً في إطار ’مضافة‘ لحل خلافات محلية صغيرة، وقد تذمر كثيراً من واقع هذا الأمر أخيراً أمام مقربين منه، ويلاحظ أنه خلال الأشهر الماضية لم يصدر أي بيان مشترك بين الهجري والأطرش يوضح طبيعة التحالف أو التوافق أو حتى الخلاف إن وجد، ليجيء خروج الأمير من السويداء مفسراً لنفسه رافضاً لما يحصل”.
انشقاق أم إعادة تموضع؟
عشية أمس الأربعاء الـ18 من فبراير (شباط) الجاري صدر أول بيان رسمي عن الأمير الأطرش، يوضح فيه أسباب وملابسات خروجه الغامض من السويداء ولو بصورة غير مكتملة، قال فيه “ما فعلته كان قراراً لتحصين الجبل، لا تبريراً لأحد، ولا خضوعاً لأحد، ولا تفاوضاً على كرامة أحد. خرجت لأحقن الدماء. خرجت لأمنع فتنة كانت تدبر في الخفاء، تستهدف تصفيتي وعائلتي، ومن لا يدرك خطورة اللحظة فليراجع نفسه قبل أن يراجعني”.
وتابع ضمن بيانه “نحن آل الأطرش، تاريخنا لا يزايد عليه أحد. ثابتين على وصية المغفور له سلطان باشا الأطرش الذي وحد سوريا والسوريين تحت شعار ’الدين لله والوطن للجميع‘ لم نكن يوماً أهل خيانة، ولم نعتد على بيع المواقف. ومن يلمح بغير ذلك، فإما جاهل بتاريخنا، وإما متعمد لإشعال نار لا تحمد عقباها. كنت مستعداً لتحمل أي أذى شخصي، لكنني لن أسمح أن يتحول الجبل إلى ساحة دم بسبب اندفاع أو حسابات ضيقة. أي رد فعل غير محسوب، كان سيدخلنا في دوامة ثأر، وحينها لن يكون الخاسر فرداً… بل الجبل كله”.
وبين الأمير خلال بيانه أنه لن يخوض في تفاصيل جوهرية، مستكملاً “لن أشرح التفاصيل الآن، ليس عجزاً عن الكلام ولا تهرباً من الحقيقة، بل لأن بعض الحقائق إذا قيلت في توقيت خاطئ تحولت إلى وقود للفوضى. أتحمل قراري بكامل المسؤولية، وأضع حداً واضحاً لكل من يحاول المتاجرة بالعواطف أو التشكيك بالمواقف. الحكمة ليست ضعفاً، وضبط النفس ليس تراجعاً، والرجل يقاس بقدرته على إطفاء النار، لا على إشعالها. الجبل خط أحمر، ودم أبنائه أمانة في أعناقنا، ومن يراهن على الفتنة سيكتشف أن الجبل أقوى من رهاناته”.
واختتم قائلاً “نحن اليوم موجودون بدمشق ولن نغادر سوريا، متمسكين بهويتنا العربية السورية وانتمائنا الوطني لهذه الأرض، وسنجد حلولاً ضمن الداخل السوري حرصاً على وحدة الشعب ومصير وكرامة أهلنا”.
فيما اكتفت المصادر الرسمية السورية بشرح ذلك على أنه نقطة تحول إيجابية لمصلحة البلد، متخذة كما يرى مراقبون من إكبار مساحة ودور الأمير عاملاً أساساً في البناء على تبعات الخروج نفسها.
الصحافي ماجد قبلان قال إن “خروج الأمير بهذه الطريقة يحمل عدة أبعاد ويتحمل عدة تأويلات وتفسيرات، إذ كان حتى لحظة خروجه يحظى باحترام تام من المجتمع المحلي نظراً إلى موضع العائلة تاريخياً، وخلال خروجه ووصوله إلى درعا وذلك ليس سهلاً لم يعترض أحد طريقه وكان خروجه آمناً تماماً، الأكيد في الموضوع أنه خرج معترضاً على السياسية الهيكلية القائمة في الجنوب”.
واستدرك قبلان “لكن أيضاً هناك احتمال أن يكون خروجه توافقياً لشيء يُحضَّر استناداً إلى اسمه كشخص وما اكتسبه وعُرف عنه من رجاحة عقل، وقد يكون بوابة حوار بين الجنوب والعاصمة، وهذا احتمال قائم، والاحتمال المقابل له وهو أبعد قليلاً أن يكون خرج ليواجه في السياسة أبناء محافظته، كما فعل شيوخ آخرون من الطائفة، وذلك لأنه يدرك أن وزنه الفعلي داخل الجبل لا خارجه، والأيام المقبلة ستوضح حقيقة وأهداف خروجه، فهل خرج لإنجاز مهمة حوارية تقرب وجهات النظر، أم خرج لإحداث تصادم أكبر نتيجة إقصاء سابق متعمد في حقه؟”.
ردود الفعل
سرعان ما احتل خبر خروج الأمير من السويداء إلى دمشق حيزاً واسعاً من الاهتمام الإعلامي والسياسي والشعبي، بوصفه تطوراً بارزاً ولافتاً في جبهة قلقة زاد من تعقيدها غموض الحدث بحد ذاته، وسط بقاء آل الأطرش في المحافظة وأحاديث سابقة عن خلافات داخل البيت ذاته “دار عرى”، مما جعل الأمر ذاته يتسم بالحيرة وهو ما عبر عنه أشخاص من السويداء تواصلت معهم “اندبندنت عربية”.
ومن بين مجمل ما نُشر وتُدووِل حول خروج الأمير كان عدم تعقيب الشيخ الهجري الأكثر لفتاً للانتباه، وفي المقام الثاني الخروج المدوي لشيخ عقل طائفة الدروز الآخر حمود الحناوي بعد طول غياب وتحييد، في رد غير مباشر على خروج الأمير بحسب متابعين على اعتبار تزامن الأمرين، إذ قال “هذا نحن، وهذا مصيرنا في الكرامة والبطولة والشرف، يجب أن نقف جميعاً موقفاً واحداً، ليس هناك مجال للتراخ أبداً، حياة أو موت، لن نسلم رقبتنا لقاتلنا، لمن يقتل أولادنا ويسبي نساءنا ويأخذ قرانا للذي يضيع تاريخنا، نحن كلنا مع الحرس الوطني، لن نتهاون أبداً، نريد النخوة، مصيرنا أن نكون أو لا نكون”.
وفي خطوة أخرى متقدمة أدلى على الفور “الحرس الوطني” ببيان مسجل يشرح فيه ملابسات الأمور والتطورات العامة جنوباً من دون أن يذكر الأمير الأطرش مباشرة، وقد ورد ضمن البيان المسجل نصاً ما يلي:
“نضع بين أيديكم الحقيقة كما هي، بعيداً من حملات التضليل ومحاولات التشويه التي تستهدف وحدتكم وثقتكم. لقد أدركت السلطة الإرهابية وأتباعها أن إرادة الجبل لا تكسر، وأن لا سبيل لهم إلى مقارعة رجاله في ميادين الشرف، فلجأوا إلى أساليب رخيصة، مستخدمين مرتزقة وماكينات إعلامية مأجورة، يختلقون روايات لا وجود لها، ويستغلون الظروف الإنسانية التي هم أنفسهم من صنعها”.
وأضاف البيان “إن ما يبث من إشاعات عن تنسيق أو تحضير أو اجتماعات أو خلافات ليس إلا محاولة يائسة لشق الصف، بعدما قطع الجبل خطوات ثابتة وإيجابية عبر القنوات الرسمية ومع الأطراف الفاعلة والحلفاء المخلصين، خطوات تمهد لمرحلة تليق بتضحياتكم وصبركم وثباتكم”.
وختم البيان بالقول “أهلنا الأحبة… نطمئنكم بكل وضوح ومسؤولية، صف الجبل متماسك وإرادته ثابتة، ومساره واضح. لا مساومة على الكرامة ولا تراجع عن الحق، ولا قبول بأي تهديد أو ابتزاز. كما نرجو منكم عدم الالتفات إلى الأكاذيب عبر التسجيلات الصوتية والمنشورات الخبيثة والأفعال المشبوهة التي تفتعل خصيصاً لضرب صفكم وزرع الشك بينكم ووهن عزائمكم الصلبة، ونؤكد لكم أن الأدوات الرخيصة مكشوفة لدينا ولن تفلت من الحساب عبر الهيئات القانونية المتخصصة وفي الوقت المناسب”. وقد ذُيل البيان بتاريخ الـ17 من فبراير 2026، الصادر عن “جبل باشان – السويداء – قيادة قوات الحرس الوطني”.
سيناريوهات محتملة
بحسب سياسيين سوريين فإن وجود الأطرش داخل دمشق اليوم يفتح أبواب الاحتمالات على المسارات القادمة للسويداء ضمن مرحلة إعادة تقييم دور النفوذ للقوى المحلية والتقليدية والمرجعية في المحافظة، والتي شهدت مداً وجذباً منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، ومن ثم تسيد الشيخ حكمت الهجري على القرار العام في المحافظة بعد مجازر يوليو 2025.
وطرح متخصصون سياسيون حادثتهم “اندبندنت عربية” احتمالات مقبلة على شاكلة إعادة تقييم وتوزيع النفوذ العشائري والاجتماعي والرمزي والتاريخي والديني والعسكري داخل المحافظة، معتقدين أن خروج الأمير قد يقود لمزيد من تعزيز دور الشيخ الهجري في القيادة وحتى الهيمنة على “دار عرى” نفسها برمزيتها، وقد يقود خلال الوقت ذاته إلى فسح مجال مقابل رافض يطالب بعودة دور العائلات التاريخية والدينية للمشهد.
يقول أستاذ علم السياسة زاهر الحجلي “دمشق ستتيح للأطرش هامش مرونة فائق الاتساع للتحرك والمناورة ضمن سياق تقديم مبادرات اجتماعية وسياسية، بعضها قد يكون له دور كبير في التأثير في مجريات الأمور داخل السويداء وعلى استقرارها نفسه، وإعادة فسح المجال لتشكيل تحالفات جديدة، وفي حال لعب الأمير دوراً في أن يكون جسر عبور وتواصل بين الخصوم فإنه قد يحظى بفرصة تاريخية لتقليل الانقسامات والتوترات وبناء جسور تواصل، ولو كان الأمر معقداً حتى الآن، بل وفي غاية التعقيد خصوصاً بعد البيانات التي صدرت ضده من داخل السويداء دون أن تسميه، وحملة شيطنته وتخوينه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن العبرة في المقبل طالما أنه لا أحد حتى الآن يتمكن أن يجزم في ما إذا كان خروجه قراراً فردياً أم توافقياً داخلياً”.
“اندبندنت عربية”
——————————
ترمب وإعادة تعريف السلام في الشرق الأوسط/ صهيب جوهر
2026.02.20
ليس من قبيل الصدفة أن ينعقد “مجلس السلام” في واشنطن في حين تتكاثر مؤشرات الانفجار في الشرق الأوسط. الاسم يبدو مطمئناً، لكن التوقيت يقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالمجلس الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، بعد تبنّي خطة لقطاع غزة أقرّها مجلس الأمن في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وأُطلقت رسمياً خلال منتدى دافوس، لا يأتي في لحظة تسوية ناضجة، بل في لحظة إعادة هندسة واسعة للإقليم، تتقاطع فيها الحرب في غزة، والتوتر المفتوح مع إيران، وإعادة ترتيب الأدوار في سوريا ولبنان، وتراجع الثقة الدولية ببعض القيادات الإسرائيلية، وتحديداً نتنياهو المتورط من رأسه وحتى أخمص قدميه بإبادة جماعية.
من حيث الشكل، يُقدَّم المجلس بوصفه إطاراً عملياً لإدارة النزاع، أقرب إلى غرفة عمليات سياسية دائمة منه إلى مؤتمر تقليدي. إدارة الرئيس ترمب لا تميل إلى المسارات الطويلة ولا إلى التفاوض متعدد الطبقات، بل إلى منصات سريعة تُنتج “نتائج” قابلة للإعلان. في هذا المعنى، يبدو المجلس محاولة لتكريس مرجعية أميركية وحيدة في إدارة الأزمات، بعيداً عن بطء الأمم المتحدة وحساسيات الاتحاد الأوروبي. لذلك لم يكن مستغرباً أن تبدي دول أوروبية تحفظات مرتبطة بـ”الحوكمة” ومدى المواءمة مع ميثاق الأمم المتحدة، حتى لو قررت بعض العواصم الحضور من باب عدم ترك المقعد شاغراً.
والحضور العربي – الإسلامي البارز يشي، بدوره، برهان واضح على الاستثمار في اللحظة الأميركية. تمثيل مصري وازن، ومشاركة تركية فاعلة، وحضور باكستاني بغطاء إسلامي أوسع، يقابل تمثيلاً إسرائيلياً يقوده وزير الخارجية جدعون ساعر، وهذا التلاقي لا يخلو من اشتباك سياسي غير مباشر مع إسرائيل، خصوصاً في ظل الخلافات حول مستقبل غزة وترتيباتها الأمنية، ورفض حكومة الاحتلال مشاركة قوات من دول مثل تركيا وقطر في أي صيغة أمنية. في الوقت نفسه، هو تعبير عن إدراك إقليمي بأن القرار الفعلي بات يتمحور في البيت الأبيض، وأن أي مسار جدي وعميق بات يمر عبر بوابة ترامب شخصياً.
غير أن قراءة المجلس بمعزل عن السياق السوري تظل ناقصة. فدمشق، التي استعادت موقعاً تدريجياً في المعادلات العربية والإقليمية، تجد نفسها أمام إطار أميركي جديد يعيد تنظيم الإقليم سياسياً وأمنياً. سوريا اليوم ليست ملفاً معلقاً فحسب، بل عقدة توازن بين حالة الاندثار للوجود الإيراني، وتراجع الدور الروسي، وتقدم الحضور التركي، وبقايا الانتشار الأميركي في الشرق.
لذا فإن أي إعادة صياغة لمفهوم “السلام” في المنطقة ستنعكس حكماً على الساحة السورية، إما عبر محاولة تقليص الهامش الإيراني، أو عبر إعادة توزيع أدوار القوى الإقليمية داخل الجغرافيا السورية، أو حتى عبر إدخال المسار السوري في مقايضات أوسع مرتبطة بإيران والملف النووي.
التقارير عن حشد عسكري متعاظم في الخليج، وعن احتمالات حرب واسعة قد تطول إيران وبرنامجها النووي، تجعل من سوريا ساحة ارتدادات شبه تلقائية لأي تصعيد. في حال اندلاع مواجهة، ستكون الأراضي السورية أحد مسارح الرسائل المتبادلة. وفي حال التوصل إلى تفاهم أميركي – إيراني، ستكون سوريا جزءاً من ترتيبات تقاسم النفوذ أو تخفيف الاحتكاك. هكذا يصبح “مجلس السلام” إطاراً يتجاوز غزة ليطول بنية النظام الإقليمي كله، بما فيه سوريا التي تعيش مرحلة إعادة تموضع دقيق بين انفتاح عربي ودولي، واستحقاقات داخلية.
في العمق، يعكس المجلس تحوّلاً في الفلسفة الأميركية نفسها. منذ نهاية الحرب الباردة، مروراً بحربي أفغانستان والعراق، ثم الربيع العربي والحرب الروسية على أوكرانيا، وصلت واشنطن – في نسختها الترمبية – إلى خلاصة مفادها أن المؤسسات الدولية أضعف من أن تدير الصراعات الكبرى، وأن أوروبا مترددة، وأن الاقتصاد والطاقة والهجرة باتت أولويات تفوق الشعارات التقليدية. والسلام، وفق هذه الرؤية، لا يُصنع عبر مسارات أممية مطوّلة، بل عبر توازن قوة تفرضه واشنطن وتسوّقه سياسياً.
لكن المفارقة أن كل منصة تُنشأ باسم التهدئة في الشرق الأوسط تولد في لحظة احتقان قصوى. الحرب في غزة لم تتوقف فعلياً رغم الهدنة المعلنة، والاشتباك في جنوبي لبنان قائم على حافة الانفجار، والتوتر مع إيران يتراوح بين مفاوضات في جنيف ورسائل نارية في الإعلام، في حين تعيش إسرائيل نفسها أزمة ثقة متزايدة بقيادتها السياسية. في هذا المناخ، قد يكون المجلس أداة لخفض التصعيد المنضبط، وقد يكون إطاراً لشرعنة تصعيد محسوب.
الرهان الحقيقي لا يتعلق بنوايا الإعلان، بل بميزان التطبيق. فإذا تحوّل المجلس إلى قناة إلزامية، يصبح أي طرف يخرج عنها في موقع “المعطّل”، وإذا استُخدم لتقييد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، فقد يولّد توتراً داخل التحالف نفسه. أما إذا اقتصر دوره على تثبيت مرجعية أميركية عليا، فسيكون أقرب إلى مجلس إدارة إقليمي، تشارك فيه دول عديدة لكن بلا صلاحيات تقريرية حقيقية.
هكذا يقف الإقليم أمام مفارقة مألوفة، كلما ارتفع الحديث عن السلام، ارتفعت احتمالات إعادة توزيع القوة. وسوريا، الغائبة اسماً الحاضرة فعلاً، ستكون إحدى ساحات الاختبار الأساسية لما إذا كان “مجلس السلام” بداية مسار تهدئة حقيقية، أم محطة جديدة في مسار طويل من إدارة الصراع بأدوات مختلفة لكن بالمنطق نفسه: منطق القوة أولاً، ثم ما يُسمّى سلاماً
تلفزيون سوريا
——————————
دخول الدولة إلى السويداء من خلال تصريحات سليمان عبد الباقي!/ أيمن الشوفي
الخميس 2026/02/19
استندَ مدير الأمن الداخلي في السويداء سليمان عبد الباقي على كثيرٍ من الثقة، حين تحدث أخيراً عن حتمية دخول الدولة السورية إلى محافظة السويداء جنوب البلاد.
وقد خاطبَ عبد الباقي أهالي السويداء عبر حسابه “على فيسبوك” مُوضّحاً أن الهدف الرئيسي لتلك العملية هو إعادة هيبة القانون، وحماية المدينة لا كسرها، وقال: “سنعود إلى السويداء، مع أحرارها، مع الناس الذين لم يخونوا، ولم يعتدوا، ولم يبيعوا أهلهم”.
حرب إعلامية
لكن الأكاديمي، والباحث السياسي مهيب صالحة يحذّر من اللجوء إلى أي عملٍ عسكري ضد السويداء لفرض حلّ أحادي الجانب، ويصف ذلك بالعمل المدان، والخطأ الفادح، ويضيف في تصريح لـ”المدن”: “إن أي اتفاق حول السويداء يحقن الدماء ويعترف بالدروز كمكون وطني أصيل، ويعتذر منهم عمّا ارتُكب بحقهم من جرائم خلال تمور/يوليو الفائت، ويتعهد بمحاكمة عادلة لكل من تُدينهم لجنة التحقيق الدولية، ويعيد الحقوق إلى أصحابها من ذوي الشهداء، والمختطفين، والمغيبين قسراً والمهجرين، والطلاب، والمحرومين من رواتبهم، سيكون بمثابة اتفاق الفرصة الأخيرة”.
بالمقابل، ثمّة من يرفض أيضاً تصريحات عبد الباقي، حيث يعتبرها القيادي في حزب شباب الاستقلال، محمود السكر بمثابة حربٍ إعلامية تُشنّ على السويداء، ويقول في سياق متصل لـ”المدن”: “هناك تشابه أو تطابق بين طرح عبد الباقي الحالي، وطرح الدالاتي في بداية يوليو/ تموز المجزرة حول بسط الأمن، وبسط سلطة الدولة” ويعتقد السكر بأن الوضع الأمني في السويداء هو الأفضل بالنسبة لباقي مناطق سوريا، ويعتبر بأن أي هجوم على السويداء، هو مغامرة، سيدفع ثمنها الأكبر من يهاجم هذه المرة.
وبالتزامن مع تصريحات عبد الباقي، جرى تأمين خروج الأمير حسن الأطرش، أحد الشخصيات الاجتماعية البارزة في السويداء، إلى محافظة درعا أولاً، ثم إلى العاصمة السورية دمشق، ويرى الناشط السياسي فايد عزام بأن خروج الأمير حسن الأطرش هو مُعطى يدعو إلى التفكير في السيناريو المحتمل لدخول السلطة إلى السويداء، ويقول لـ”المدن”: “أعتقد بأن ذلك جاء في سياق ترتيباتٍ معينة تُجريها السلطة، لكن حالة السويداء المُستعصية، والاحتقان النفسي الذي يسودها، لم يعد يحتمل أي فشل، أو أحداث دامية”.
ويرى عزام بأن الحل يجيء من خلال قوة منضبطة تابعة لأجهزة الدولة من جيش وقوات أمن، بالإضافة إلى الوطنيين الشرفاء من أبناء محافظة السويداء.
دولة مدنية
مساء يوم الأربعاء، 18 فبراير/ شباط أطلّ الأمير حسن الأطرش من ساحة المرجة بدمشق من خلال فيديو قال فيه بأن هدف خروجه من السويداء، كان تجنيب جبل العرب المزيد من إراقة الدماء.
ويرى الأكاديمي، والناشط السياسي أدهم القاق بأن وحدة سوريا أرضاً وشعباً هو ضرورة وحقيقة واقعية، لا تحميها سوى دولة مدنية توحّد مكونات المجتمع السوري، ولا تفرّقها، ويضيف في حديث لـ”المدن” بأن هذا يتطلب إدارة سياسية تتجاوز الصراعات الأفقية التي ظهرت برعونة لدى شبيحة، ومرتزقة، وشيوخ زمر مارقة من بقايا نظام البعث الساقط بعد حرب خاضها السوريون وانتصروا فيها.
القاق ليس مع أي حربٍ أهلية تؤدي إلى الدمار والموت، وإنما هو مع حكمة سياسية تقوم على وأد شبح الحرب الأهلية لبقاء الوطن السوري حيّاً موحداً، ويضيف لـ”المدن”: “لا أظن بأن زمرة الحرس الوطني المكروه من أبناء جبل العرب ستبقى، وقريباً ستنهار أمام إرادة وطنية ورثها الجبل عن قادته التاريخيين من أمثال سلطان الأطرش، وشكيب أرسلان، وكمال جنبلاط”.
——————————
السويداء.. حادثة اختطاف القيادي السابق في رجال الكرامة تكشف تصدعات الفصائل المسلحة
شباط 20, 2026
في تصعيد أمني خطير يعكس حالة الانفلات والانقسامات داخل الفصائل المسلحة في محافظة السويداء، تعرض الشيخ يحيى الحجار أبو حسن، القائد السابق لحركة رجال الكرامة، لعملية اختطاف نفذتها مجموعة مسلحة مجهولة من مزرعته في قرية شنيرة بريف السويداء الجنوبي الشرقي، مساء أمس الخميس 19 شباط، في حادثة أعادت إلى الواجهة التوترات الخفية بين المكونات المسلحة في المحافظة.
التفاصيل الكاملة
أفادت مصادر محلية، من بينها شبكة “السويداء 24”، بأن الشيخ الحجار اختطف من مزرعته على يد مجموعة مسلحة، دون الإعلان عن أي مطالب أو الكشف عن هوية الخاطفين، ما استدعى استنفاراً واسعاً لحركة رجال الكرامة في مدينة السويداء، مع رفع الجاهزية القتالية لكوادرها داخل مقراتها في المدينة، تحسباً لأي تطورات.
وبحسب المصادر نفسها، لم تمضِ ساعات قليلة على الحادثة حتى تمكنت عناصر الحركة من تحرير الشيخ الحجار إثر عملية سريعة وناجحة قرب موقع الفرقة 15، الذي يشكّل حالياً مقر قيادة ما يُسمى “الحرس الوطني” في المنطقة. ونقل الحجار بعد تحريره إلى مكان آمن، حيث يتلقى الرعاية والحماية، وسط تضارب في المعلومات حول ملابسات عملية التحرير والأطراف التي تقف خلف الاختطاف.
رسائل تهديد مسبقة
كشفت مصادر متابعة أن الحادثة سبقتها منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي منسوبة إلى مهند مزهر، أحد قياديي “المكتب الأمني” المرتبط بمجموعات مسلحة أخرى في المنطقة، تضمنت هجوماً عنيفاً على الشيخ الحجار وتهديداً صريحاً له بالقتل، وأثارت هذه التهديدات تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت عملية الاختطاف تمت بتخطيط أو غطاء من جهات نافذة تسعى إلى تصفية حسابات مع قيادات سابقة في الحراك المحلي.
وتشير أوساط متابعة إلى أن هذه الخلافات تعكس محاولات لفرض السيطرة على القرار العسكري والسياسي في المحافظة، وسط مخاوف من توجيه المسار المحلي باتجاه منفصل عن مؤسسات الدولة السورية.
وتُثير حادثة اختطاف الشيخ يحيى الحجار تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار في محافظة السويداء، في ظل تنامي دور الكيانات المسلحة الموازية، وسط مطالبات شعبية متزايدة بضرورة بسط الأمن وحماية المواطنين والقيادات المحلية من أعمال العنف والتصفية التي باتت تهدد النسيج الاجتماعي في المحافظة.
المصدر: الإخبارية
———————————-
توترات أمنية في السويداء بعد اختطاف قائد حركة “رجال الكرامة” السابق
2026.02.19
شهدت محافظة السويداء، مساء اليوم الخميس، توتراً أمنياً على خلفية اختطاف القائد السابق لحركة “رجال الكرامة” الشيخ يحيى الحجار، قبل أن تتمكن عناصر الحركة من تحريره بعد وقت قصير من وقوع الحادثة.
وقالت شبكة “السويداء 24” المحلية، إن مجموعة مسلحة مجهولة أقدمت على اختطاف الحجار، المعروف بـ”أبو حسن”، من مزرعته في قرية شنيرة بريف السويداء الجنوبي الشرقي.
وأضافت أن الحركة أعلنت حالة استنفار واسعة فور وقوع الحادثة، ما أسفر عن تحرير الحجار بالقرب من موقع “الفرقة 15″، الذي يُستخدم حالياً مقراً لقيادة ميليشيا “الحرس الوطني” في المنطقة.
وأوضحت أن الحجار نقل إلى مضافة قائد الحركة الشيخ مزيد خداج (أبو ذياب)، حيث يخضع للرعاية والحماية، وسط أجواء مشحونة تشهدها المحافظة عقب الحادثة.
ويُعتبر الحجار أحد الوجوه البارزة في السويداء، إذ تسلم قيادة حركة “رجال الكرامة” عام 2017 خلفاً للشيخ رأفت البلعوس، وبقي في موقعه حتى نهاية آب 2025، عندما أُسندت قيادة الحركة إلى خداج. وجاء هذا التغيير بعد تداول تسجيل مصور وثّق تعرض الحجار لاعتداء من عناصر مقربة من حكمت الهجري، إثر مواقفه المعارضة لنهجه في إدارة شؤون المحافظة.
أمير “دار عرى” يكشف عن مخطط لاغتياله في السويداء
وأمس الأربعاء، ظهر أمير “دار عرى” في السويداء، حسن الأطرش، في مقطع فيديو من ساحة المرجة بدمشق، موضحاً أسباب خروجه من السويداء خلال الأيام الماضية.
وقال الأطرش إن قراره بمغادرة السويداء، كان بهدف “حقن الدماء ومنع فتنة كانت تدبر في الخفاء، تستهدف تصفيته وعائلته”.
وأكد أن خروجه جاء “لتحصين الجبل دون أي تبرير أو خضوع لأحد”، مشدداً على أنه لا يفاوض على كرامة أحد، ودعا من لا يدرك خطورة اللحظة إلى مراجعة نفسه قبل أن يراجعه.
تأتي هذه الأحداث في وقت تشهد فيه محافظة السويداء انفلاتاً أمنياً وتضييقاً على الأصوات المخالفة، في ظل سيطرة ما يُعرف بـ”الحرس الوطني”، المرتبط بالهجري، على مساحات واسعة من المحافظة، ضمن تحركات تطالب بالانفصال بدعم إسرائيلي.
———————–
===================
تحديث 19 شباط 2026
——————————
الأطرش من دمشق: خرجت من السويداء بسبب مخطط يستهدف اغتيالي
الأربعاء 2026/02/18
قال أمير دارة عرى في السويداء حسن الأطرش إن خروجه من المحافظة كان بسبب مخطط كان يستهدف اغتياله مع عائلته لزرع الفتنة هناك، مؤكداً التمسك بالهوية الوطنية السورية.
الأطرش: منعت فتنة كانت تدبّر بالخفاء
وقال الأطرش في تسجيل مصوّر، الأول له منذ تأمين خروجه من قبل الأمن السوري قبل أيام من منزله في ريف السويداء، إن ما فعله كان من أجل “تحصين الجبل” و”حقن الدماء”، وليس لأجل الخضوع لأحد أو التفاوض على كرامة أحد.
وأضاف “خرجت لأمنع فتنة كانت تُدبَّر في الخفاء، تستهدف تصفيتي وعائلتي. ومن لا يدرك خطورة اللحظة، فليراجع نفسه قبل أن يُراجعني”.
وشدد على أن آل الأطرش ثابتين على وصية سلطان باشا الأطرش “الذي وحّد سوريا والسوريين” تحت شعار “الدين لله والوطن للجميع”، ولم يكونوا “يوماً أهل خيانة”، معتبراً أن من يلمّح إلى غير ذلك يقصد “إشعال نار لا تحمد عقباها”.
ساحة دم
وأكد الأطرش أنه كان “مستعداً لتحمّل الأذى الشخصي”، لكنه شدد أنه لن يسمح “أن يتحوّل الجبل إلى ساحة دم بسبب اندفاعٍ أو حسابات ضيقة كان سيدخلنا في دوامة ثأر” يكون فيها الخاسر هو “الجبل كله”.
ولم يوضح الأطرش أي تفاصيل حول الجهات أو الأشخاص الذين كانوا يخططون لاغتياله لإشعال الفتنة التي ذكرها، مرجعاً السبب إلى أن التوقيت غير مناسب قائلاً: “بعض الحقائق إذا قيلت في توقيت خاطئ تحوّلت إلى وقود للفوضى. من يراهن على الفتنة، سيكتشف أن الجبل أقوى من رهاناته”.
وختم تسجيله المصور بالقول: “نحن اليوم موجودون بدمشق ولن نغادر سوريا متمسكين بهويتنا العربية السورية وإنتمائنا الوطني لهذه الأرض وسنجد حلول ضمن الداخل السوري حرصاً على وحدة الشعب ومصير وكرامة أهلنا”.
والاثنين الماضي، أمّن الأمن السوري خروج الأطرش مع عائلته من منزله في ريف السويداء، باتجاه محافظة درعا ومنها للعاصمة دمشق.
ويتمتع الأطرش بمكانة اجتماعية وازنة في محافظة السويداء لكونه أحد الزعماء التقليديين لآل الأطرش، كما له دور بارز في المشهد السياسي المحلي.
——————————
تقدم في المفاوضات لإنجاز صفقة تبادل أسرى أحداث السويداء/ السويداء – فراس الحلبي
الخميس 2026/02/19
كشف مصدر خاص عن استئناف المفاوضات غير المباشرة بين الحكومة السورية من جهة، والحرس الوطني في السويداء من جهة أخرى، بهدف التوصل إلى صفقة تبادل أسرى بوساطة أميركية، وسط توقعات بإنجاز صفقة جزئية خلال الأيام المقبلة.
وبالرغم من التعقيدات الكبيرة في هذا الملف وتعطله في عدة مناسبات سابقة، وفق المصدر المطلع على سير المفاوضات، استلم مكتب المبعوث الأميركي توم باراك موافقة من الطرفين لإنجاز الصفقة، التي ستشمل إطلاق سراح 61 مدنياً من أبناء السويداء المعتقلين في سجن عدرا منذ أحداث تموز/ يوليو الماضي، مقابل نحو 30 أسيراً من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية المحتجزين لدى الحرس الوطني في السويداء.
قوائم المعتقلين
وأكد والد أحد المعتقلين في سجن عدرا، من آل نصر، في اتصال مع “المدن”، أن أهالي المعتقلين التقوا مع ، المسؤول عن ملف التفاوض من جانب الحرس الوطني طارق المغوش يوم الاثنين الماضي، وأبلغهم عن عملية تبادل مرتقبة يجري التحضير لها خلال الأيام المقبلة، ستُفضي للإفراج عن أبنائهم. وشهدت الأسابيع الماضية عدة وقفات ومظاهرات لعائلات المعتقلين والمفقودين في السويداء، طالبوا خلالها اللجنة القانونية والحرس الوطني بإبرام صفقة تبادل تضمن إطلاق سراح أبنائهم.
وتعترف السلطات السورية بوجود 61 مدنياً معتقلاً لديها في سجن عدرا، وكان محافظ السويداء مصطفى بكور قد تحدث الشهر الماضي خلال لقاء تلفزيوني أن الحكومة السورية استلمت هؤلاء المدنيين من قوات العشائر، وأودعتهم في سجن عدرا منذ تموز/يوليو الماضي لترتيب عملية تبادل والإفراج عن مختطفين من أبناء العشائر. في حين يقول الحرس الوطني إن جميع المحتجزين في سجونه هم من عناصر القوات الحكومية الذين أُسروا خلال أحداث تموز/يوليو، وعددهم 34 أسيراً.
قائمة المعتقلين في سجن عدرا، التي اطلعت عليها المدن، تشمل قاصراً دون سن 18 عاماً، وتتراوح أعمار البقية بين 18 و65 عاماً، بينهم طلاب ثانوية عامة وجامعات، اختُطفوا من مناطق متفرقة خلال أحداث تموز/يوليو الدامية في السويداء. لم تسمح الحكومة السورية لهؤلاء المعتقلين بتوكيل محامين، أو بتنظيم زيارات لأقاربهم، ولم تعرضهم على القضاء وفق مصادر مقربة منهم. وكان العدد الكلي للمعتقلين في سجن عدرا 111 شخصاً، حيث أفرجت السلطات السورية عن 50 معتقلاً منهم على دفعتين خلال العام الماضي.
ملف المفقودين
ومنذ توقيع اتفاق خارطة الطريق لحل أزمة السويداء بين سوريا والأردن والولايات المتحدة، والتي تشمل في أحد بنودها الإفراج عن جميع المحتجزين في أحداث تموز/يوليو، فشلت عدة وساطات في إنجاز عملية تبادل، بسبب التعقيدات في ملف المفقودين ومجهولي المصير. يصل عدد مجهولي المصير من أبناء السويداء إلى نحو 130 مفقوداً، تقول السلطات السورية إنهم غير موجودين في سجونها، بينما يبلغ عدد المفقودين المدنيين من أبناء عشائر السويداء نحو 20 مدنياً، ينفي الحرس الوطني مسؤوليته عن تغييبهم. كذلك تقول الحكومة السورية إن عدد عناصرها المفقودين من قوات عسكرية وأمنية يزيد عن 50 مفقوداً.
هذه الأعداد الكبيرة من المفقودين ساهمت في تعطيل ملف التبادل طيلة الأشهر الماضية، وفق المصدر المُطلع على المفاوضات. ويُركّز المقترح الأخير لإنجاز الصفقة، على الإفراج عن الأسرى والمعتقلين الذين يُقرّ الطرفان بوجودهم على قيد الحياة، على أن تُستكمل المفاوضات في ملف مجهولي المصير في وقت لاحق.
في حال إنجاز صفقة التبادل بين الحكومة السورية والحرس الوطني، فإن النقاشات حول خارطة الطريق لحل أزمة السويداء قد تعود إلى الواجهة من جديد، بعد تعطل هذا المسار منذ إعلان اللجنة القانونية العليا في السويداء التي شكلها الشيخ حكمت الهجري رفضه لهذا المسار، في وقت يصرّ مكتب المبعوث الأميركي إلى سوريا خلال النقاشات مع القوى المحلية في السويداء، على تبني خارطة الطريق في عمّان للخروج من حالة الاستعصاء السياسي الذي تعيشه المحافظة.
المدن
——————————
الضفة الغربية مستقبل جنوبي لبنان وسورية/ دلال البزري
19 فبراير 2026
القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية المصغّرة (الكابينت) قبل أيام جعلت من الضفة الغربية أرضاً إسرائيلية بـ”القانون”: ألغت القيود القانونية التي كانت تحمي الملكيات الفلسطينية من استيلاء المستوطنين عليها، وألغت حكم السلطة الفلسطينية في قطع صغيرة أصلاً، اسمها “ألف” و”باء”، في كل ما يخصّ الضمّ والتنظيم والهدم وإعادة البناء، وحوّلتها إلى الإدارة الإسرائيلية. منها السيطرة على سياسة المياه، وعلى الإجراءات كلّها الخاصّة بالمواقع الأثرية، وتلك الخاصّة بالبيئة، ونسفت بذلك بنود اتفاقات السلام (أوسلو) الهزيلة أصلاً، ووضعت السلطة الفلسطينية جانباً في الزاوية، وهي التي كانت تبيّض وجهها مع إسرائيل، وينعت رئيسها أعضاء حركة حماس بـ”أولاد الكلب”، لكي يسلموا سلاحهم، فوضعت اليد الإسرائيلية على كل التفاصيل، كبيرة وصغيرة، التي تخص حياة الفلسطينيين. ستُسهَّل وتُبسَّط أعمال الفلسطينيين بعد ذلك، وتكون “شرعية” كلّها. ستكون غزواتهم ضدّ الضفة مجرّد “صداع” تقرّر الدولة الإسرائيلية على أثره رسمياً ضمّ الضفة إليها، بعدما تكون قد نظّفتها من أهلها، قتلاً أو تهجيراً.
حسناً الآن. فكرة ضمّ الضفة إلى إسرائيل لا تعود إلى “طوفان الأقصى”، كما يدّعي كارهو “حماس”. هي قديمة، قِدَم الائتلاف اليميني المتطرّف الذي يقوده نتنياهو منذ أربع سنوات. وزراء من حكومته نادوا به، وفي مقدّمتهم الأكثر شهرة، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش، وشعارهما الأشهر: “الضفة جزء من أرض إسرائيل”. ذلك أن “الديمقراطية” واليسار الإسرائيليَّين بدآ بالتآكل. الاحتلال المباشر للأراضي الفلسطينية لم يكن ممكناً أن يتعايش مع أشكال الديمقراطية، ولو بحدودها الدنيا، ما سمح بظهور “الإصلاح القضائي” الخاص بنتنياهو والقاضي بإلغاء آخر قلاع الاستقلالية، أي القضاء؛ يتنازل هذا الأخير عن سلطته، وتتحوّل إسرائيل إلى استبداد صريح.
عشية “طوفان الأقصى”، كانت عسكرة السياسة، وسيادة المنطق الأمني، وإلغاء المعايير القانونية، والدعوة إلى العيش في القوانين الاستثنائية، و”الأولويات” الأمنية، وطبعاً نزع الإنسانية الكاملة من الفلسطينيين (“الفلسطينيون حيوانات”، قالها يوآف غالانت). هذا ما يفسّر أن لا معارضة إسرائيلية، لا حزبية ولا شعبية، تقف ضدّ قرار “الكابينت” أخيراً بضمّ الضفة عملياً لإسرائيل. وما يفسر أيضاً ذاك السكوت كلّه عن انفلات العنف الأشدّ ضدّ الضفة بعد “طوفان الأقصى”.
فبعد “7 أكتوبر” (2023)، صارت اقتحامات المستوطنين بيوت أهل الضفة وحقولهم وأحياءهم نشاطاً يومياً، وكذلك الاعتقالات والقتل البارد. فرضوا القيود على حركتهم، سرقوا مزروعاتهم أو أتلفوها، سرقوا ماشيتهم، دمّروا بيوتهم، هجّروا أهالي المخيّمات والبيوت، أقاموا الحواجز، محمَّلين بسلاحهم. فاعتقلوا، وأخفوا، وخطفوا، وطردوا… وكانت من نتائج هذه الهجمات، وبحسب إحصاءات أممية، 1054 قتيلاً من أهل الضفة، غالبيتهم شباب، و3200 جريح، و18,500 معتقل (العدد يضمّ أيضاً معتقلين من القدس الشرقية)، وتدمير نحو 2710 منازلَ، وإخلاء مخيّم جنين من سكّانه، ومخيّمَي نور شمس وبلاطة. وما يستتبع ذلك من تهجير طبعاً، ولا نعرف الآن أين يسكن أهالي تلك البيوت والمخيّمات الذين لم يُقتلوا. هل هم في الشارع؟ أم في طريقهم إلى مهجر ما؟ أم مختبئون عند أقارب؟
الخراب الذي حلّ بالضفة وأهلها لم ينل قسطه من الاهتمام. بالمقارنة مع غزّة، كان الخراب فيها “تدريجياً”، موزّعاً جغرافياً، وإن كان حجمه مرتفعاً، فطغت غزّة على الضفة.
وماذا عن “أكثر الجيوش أخلاقية في العالم”؟ الجيش الإسرائيلي الذي كان يدوِّن ويبرّئ ويحاسب الإخلال بقوانينه “الإنسانية” تجاه الفلسطينيين؟ حتى هذه الكذبة لم يعد لها أي دليل حياة. المستوطنون يعربدون، والجيش الإسرائيلي لا ينذر، لا ينبّه، لا يتدخّل. وإذا تدخّل، فيكون لقتل الفلسطينيين، أو لاعتقالهم، أو لتنفيذ إخطارات هدم ببيوتهم. الجيش كان يعتزّ بتميّزه عن المستوطنين، والآن صار جزءاً منهم. الموضوع يستحقّ التوقّف، وربّما يعود أصل هذا “التطوّر” إلى تحوّل “الديمقراطية” الإسرائيلية نفسها.
ردّات الفعل العربية والإسلامية على قرار “الكابينت” الإسرائيلي الضمني ضمّ الضفة إلى إسرائيل لا تستحقّ الإشارة، ورخاوتها وسطحيتها واقتصارها على اللسانيات، هي من أسباب قوة القرار الإسرائيلي. إلا “رئيس مجلس السلام لغزّة”، دونالد ترامب، والنقاط العشرين من مشروعه للسلام، الذي لم يلحظ لا القدس الشرقية ولا الضفة في مشروعه. ترامب اختار الفصل بين غزّة والضفة. لغزّة مشاريع “ريفييرا”، وللضفة تصريحات استنكارية خجولة على الطريقة العربية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ولكنّ النتيجة أن مشروعه لـ”السلام الخالد” في غزّة هو فصلها عن الضفة، وترك الضفة في الفراغ (بخصوص القدس الشرقية، الموضوع محلول بالنسبة له منذ عام 2017 عندما أعلن القدس كلّها عاصمة موحّدة لإسرائيل).
منذ احتلت إسرائيل الجزء اللبناني من جبل الشيخ، والنقاط الخمسة على تلال قراه الحدودية، وامتدّت نيرانها إلى العمق الجنوبي، صرنا نشهد تكراراً لعمليات ذات نيات استيطانية، ألفتها الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967. وهذه الأعمال كثرت إلى حدّ أنها باتت تحتاج من يرصدها يومياً. جديدها أخيراً حصل قبل أيام، عندما بادرت جماعة من حركة أروى تسافون، مؤلّفة من 20 شخصاً، إلى عبور السياج الحدودي في منطقة يارون، بحجّة القيام بأعمال تشجير. ولسان هذه الجماعة يقول إن من الضروري استئناف الاستيطان اليهودي في لبنان. طبعاً الجيش الإسرائيلي أدان هذه العملية “بشدّة”، كما كان يفعل في بداية احتلال الضفة عام 1967، وأعاد أولئك المستوطنون إلى الداخل، لأن هذه العملية “تُعرّض قوات الجيش الإسرائيلي للخطر”. وهذه عملية تأتي في سياق نشاط استيطاني شبه منظَّم، يسمح به الجيش الإسرائيلي، أو يؤطّره. معظم رواده من المتدينين القوميين، يجتازون الخطّ الأزرق، ويقدّمون أنفسهم “زوّاراً متدينين”، يقومون بـ”جولات تاريخية سيراً على الأقدام”، يصلّون، ينفخون الشوفار (بوق مصنوع من قرن كبش)، يرفعون الأعلام الإسرائيلية. ويدعو الأبرز بينهم إلى “إعادة التملّك التوراتي للشمال”، وإلى “توسّع أرض إسرائيل حتى نهر الليطاني”.
الجنوب السوري أفدح. النشاط الاستيطاني هناك صار منسياً. الجولان كلّه محتلّ منذ 1967، وصار منسياً. بعد سقوط الأسد، احتلّ الجيش الإسرائيلي مناطق لا نعرف تماماً مساحاتها في هذا الجنوب. يدخل يومياً هذه الأراضي في عتمة الليل غالباً، يحرث بعض أراضي القرى القريبة من القرى الدرزية، يوسّع كروم العنب، يستخدم مياه القرى الجنوبية، يقتل من يعترضه “سلمياً”… زحفه في عمق الأراضي السورية غير استعراضي؛ ربّما لأنه لا يملك ذريعة “سلاح حزب الله”، كما في جنوب لبنان. ومع ذلك، تجد دمشق فرصاً لاستقبال وفود يهودية، يزورون أرض أجدادهم ومواقع تاريخية، يدعون إلى مطاعم تطبخ لهم الكاشير، تعلن الحكومة ترخيص أول منظمة سورية معنية بالتراث اليهودي، واصفة خطوة الترخيص بأنّها رسالة قوية بأن سورية “لا تميّز بين الأديان”، وأنها ترحّب بالسوريين كلّهم من مختلف الطوائف. وهند قبوات وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية تصرّح بأن الدولة ترحّب بالسوريين اليهود للعودة “إلى وطنهم”، وتؤكّد أن هناك “مكاناً للجميع” في سورية الجديدة. فيما تضيق بغيرهم من أبناء الطوائف الأخرى.
السؤال الباقي: هل كانت إسرائيل ومستوطنوها يتصرّفون بغير ذلك بُعيد احتلال أراضي 1967؟ الجواب: لا، فبعيد حرب 1967، كان ثمّة احتلال عسكري للضفة الغربية والقدس الشرقية وغزّة، وثمّة تسلل استيطاني إلى هذه الأراضي، ذو طابع ديني، أيديولوجي، وأنشطة رمزية مثل الصلوات والأعلام والسرديات التوراتية، وتسامح الجيش مع هذه الأنشطة؛ وثمّة من يقدّمهم على أنهم “طليعة”، وأن الجيش “قيد أمني”، وخطوط حمر كأنّها تجريبية، ومستوطنات من دون إذن قانوني. في الجنوب السوري الآن هناك توسّعات زراعية غير معلَنة، ومشاريع طاقة مفروضة. وفي الجنوب اللبناني: محاولات استيطانية رمزية من دون ارتكاز مادي، ليست استيطاناً إنما تمرين عليه، وكأنّ الجنوبَين اللبناني والسوري يختبران مستقبلهما. فيما يلوح هذا المستقبل من قريب: إنها الضفة الغربية.
العربي الجديد
——————————
===================
تحديث 18 شباط 2026
——————————
رش مبيدات غامضة واعتداءات على الأهالي.. الجنوب السوري في دائرة الحصار الإسرائيلية/ أحمد الكناني
17 فبراير 2026
شهد الجنوب السوري، خلال شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير هذا العام، تصعيدًا لافتًا في وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية مقارنة بالفترات السابقة، الشيء الذي رافقه تغير ملحوظ في الاستراتيجية الإسرائيلية، والتي تمثلت في التركيز على تدمير الأراضي الزراعية، وتنفيذ حملات اعتقال واسعة بدلًا من التوغلات العسكرية التقليدية، ما يعكس محدودية مسار المفاوضات السورية الإسرائيلية على الأرض.
وعلى الرغم من إعادة تفعيل دور قوات فض الاشتباك التابعة لـقوة الأمم المتحدة (الأوندوف) في الجنوب، فإن حضورها ما يزال شكليًا وعاجزًا عن كبح التصعيد الإسرائيلي، كذلك غاب الحديث عن آلية الاتصال السورية الإسرائيلية المزمع إنشاؤها بإشراف أميركي لتنسيق تبادل المعلومات وخفض التصعيد، ما يطرح عدة تساؤلات حول جدية التفاهمات المطروحة.
نشاط غير مسبوق
اعتاد أهالي محافظة القنيطرة على توغلات الجيش الإسرائيلي المتكررة، إلا أن التطورات الأخيرة حملت طابعًا مختلفًا تمثل في استخدام قصف تمهيدي غير معتاد قبل تنفيذ التوغلات، حيث توغلت قوة إسرائيلية قوامها أكثر من 60 عنصرًا في قرية أوفانيا بريف القنيطرة الشمالي، وأطلقت قنابل مضيئة قبل أن تستهدف بالمدفعية أطراف قريتي جباتا الخشب، وأوفانيا، ومحيط تل أحمر، وتزامن ذلك مع عمليات تمشيط واسعة داخل القرى.
تشير مصادر أهلية خاصة بريف القنيطرة إلى إقامة الجيش الإسرائيلي لحواجز عسكرية ونقاط تفتيش مؤقتة في قرى صيدا الحانوت، الصمدانية الشرقية، عين زيوان، العجرف، وأوفانيا، تخللتها عمليات استجواب وتفتيش للمنازل وعرقلة لحركة المدنيين، بما في ذلك إيقاف حافلات تقل طلابًا، الأمر الذي انعكس سلبًا على العملية التعليمية والحياة اليومية للسكان، وبحسب المصادر شهد شهر فبراير وحده أكثر من ثمانية توغلات تضمنت اعتقالات لمزارعين ورعاة، وإقامة حواجز في عمق الأراضي السورية، إضافة إلى تفتيش المدنيين في وسائل النقل والطرقات بوتيرة متصاعدة.
أطفال الجنوب مستهدفون
يؤكد الناشط في شؤون المنطقة الجنوبية، أمجد الحجي، توثيق انتهاكات عسكرية منذ بداية الشهر الجاري أبرزها بحق الأطفال القاصرين، إذ تكررت حالات الضرب الممنهجة للأطفال العابرين للطرقات بجانب القوات الإسرائيلية وإيذائهم جسديًا، كما احتجزت القوات الإسرائيلية فتى يبلغ نحو 16 سنة في قرية رويحينة، وطالب آخر أثناء عودته من مدرسته، وجميعهم تم الاعتداء عليهم بالضرب، فيما جرى اعتقال عدد من السكان المحليين بداية هذا الشهر، أفرج عنهم لاحقًا، ولا يزال مصير عشرات المعتقلين غير معلوم.
يشير الكاتب السياسي عبد الله الحمد إلى أن ضرب الأطفال يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية لفرض واقع أمني وسياسي واقتصادي جديد في الجنوب السوري، قائم على زرع الخوف والضغط على المجتمعات الحدودية وتهديد حركة السكان العاملين في الزراعة والرعي بالقرب من الخط الفاصل، إضافة إلى أن اعتقال القاصرين شكل من أشكال الضغط النفسي على العائلات والقرى لدفعهم إلى الابتعاد عن الأراضي القريبة من الحدود، وهو ما يُفسّر تركيزًا ظاهرًا على الشباب والأطفال الذين يمثلون جزءًا من النسيج المجتمعي المحلّي دون مبرر قانوني واضح تحت ذريعة “اقترابهم من خطوط أمنية”.
تدمير كيماوي
أثار رش طائرات إسرائيلية مواد مجهولة على الأراضي الزراعية في القنيطرة قلقًا واسعًا بين السكان، خاصة بعد ملاحظة تغيرات واضحة في طبيعة المحاصيل وتضررها بشكل كبير، ووفقًا لمصدر خاص في مدير الزراعة في القنيطرة، لم تُحدد التحليلات الأولية طبيعة المواد المرشوشة، ما استدعى إرسال عينات إلى جهات مركزية أكثر تخصصًا لإجراء فحوص دقيقة، ويرجح أنها مبيدات أعشاب كيميائية من نوع “غليفوسات” الخطير.
يرحج الناشط الحجي أن الطائرات الإسرائيلية ألقت مبيدات أعشاب كيميائية على الأراضي الزراعية في محيط الجنوب السوري ولبنان بالقرب من الحدود بهدف تدمير النباتات والمحاصيل وإيجاد “منطقة عازلة” خالية من الغطاء النباتي، ما يعتبر انتهاكًا لقواعد القانون الإنساني الدولي نظرًا لتأثيره على الحياة الاقتصادية والصحية للمواطنين.
فيما يرى الكاتب السياسي الحمد أن استخدام إسرائيل لمثل هذه المبيدات نوع من أنواع الحصار الاقتصادي على الأهالي كونهم يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة، والرعي، وعبر هذه السياسة تحاول قوات الاحتلال فرض أمر واقع يؤدي الى استجابة الأهالي للمساعدات التي تحاول من خلال عرضها أن تكون كلاعب أساسي في المنطقة، عدا عن مصادرة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها مؤخرًا.
يأتي ذلك في وقت تكشف فيه التطورات جنوب البلاد عن فجوة واضحة بين المسار السياسي المعلن والواقع الميداني المتصاعد، فبينما تُطرح تفاهمات وآليات تنسيق، تتواصل الانتهاكات بوتيرة أعلى وأدوات أكثر تنوعًا، ما يضع مستقبل الاستقرار في المنطقة أمام اختبار حقيقي، ويطرح تساؤلات حول جدوى أي مسار تفاوضي لا ينعكس عمليًا في حماية المدنيين وصون سبل عيشهم.
——————————
===================
تحديث 17 شباط 2026
——————————
جنبلاط والدروز وحكمة التوحيد/ منير الربيع
الثلاثاء 2026/02/17
في العام 2014، خرج وليد جنبلاط بتصريح فاجأ الكثيرين في لبنان وعلى مستوى العالم العربي والغربي. رفض يومها وصف “جبهة النصرة” بالإرهابية، وقال إن عناصرها مواطنون سوريون يقاتلون ضد نظام بشار الأسد. قبلها بسنوات كان له تصريح عن ترحّمه على أيام السلطنة العثمانية والعيش في زمن الامبراطورية، بما تعنيه طبعاً من اتساع للأفق والجغرافيا، ومن حماية مميزات وخصوصيات المكونات، وطبعاً تبقى هذه مسألة إشكالية بالنسبة إلى الكثير من الشعوب والمجتمعات. لكن عندما يقولها وليد جنبلاط فيكون لها معنى وأثر، تتصل بعلاقته مع “المديات الأبعد” من الحدود الصغرى.
عند صراع الدول…
في التصريحين، يمكن الاعتبار أن جنبلاط قد سبق عصره. فمن كان في جبهة النصرة وصل إلى الحكم في سوريا وأصبح رئيساً لها باعتراف المجتمعين العربي والدولي. أما المدى الأوسع والأرحب فهو يستشرفه بناء على مشروع إقليمي يتبلور في التعاون بين الدول، خصوصاً أن سوريا هي نقطة الارتكاز في تحولها إلى مساحة التقاء ما بين تركيا من جهة والخليج العربي من جهة أخرى، وهو ما يمكن من خلاله النظر إلى بداية تبلور مشروع إقليمي وعربي في مواجهة مشروع إسرائيلي يسعى إلى تصغير الكيانات أو تفتيتها. إحدى العبارات المشهورة عنه أيضاً، هي تلك التي يقول فيها “عند صراع الدول” احفظ رأسك. مبدأ الحماية هنا لا يكون بالتحول إلى رأس حربة في المواجهة، خصوصاً إذا كانت هذه المواجهة مع المحيط العربي والإسلامي أو مع الدولة التي تنتمي إليها الجماعة وتقطن داخل جغرافيتها.
خصوصية الدروز
ذلك ما يركز عليه جنبلاط بشدة، وكرره عندما توجه قبل أيام لرئيس طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف، داعياً إياه إلى الاهتمام بشؤون الطائفة الدرزية في الداخل الفلسطيني، والتركيز على الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليس من الضرورة أن يدعو طريف الدروز الى الالتحاق بإسرائيل ومشروعها، موجهاً إليه رسالة بأنه ليس من مقامه أن يكون ملحقاً بالحريديم. ولطالما دعا جنبلاط إلى الحفاظ على خصوصية الدروز حيث هم موجودون، سواء في فلسطين، أو سوريا أو لبنان، وهو لا يريد للشيخ طريف أن يتدخل بشؤون الدروز في لبنان أو سوريا.
الدروز والمنظور الأوسع
ينظر جنبلاط إلى الدروز ودورهم بمنظور أوسع وأبعد من الطائفة، بخلاف ما يسعى البعض إلى تصويرهم أو وضعهم في إطار أقلوي. لم يكن الدروز يوماً أقلية، مسألة دورهم وتأثيرهم في دول المنطقة غالباً ما تتجاوز مسألة العدد أو الانتماء الطائفي حتى. ودرجت التجربة أنه حين يتصرفون كأقلية يصبحون محاصرين ومهددي الوجود، أما حين يفخرون بتمايزهم وحفاظهم على هويتهم الخاصة، ولكن ضمن انتمائهم الحضاري العربي والإسلامي، يبرز ازدهارهم السياسي وإنتاجهم الذي يغني محيطهم، وهو ما اضطلع به الأمير شكيب أرسلان، الذي عمل على تثبيت تحقق الهوية الثقافية والدينية والسياسية للدروز ضمن مجتمعاتهم الإسلامية والعربية. فأصل مبدأ التوحيد هو هذا الجمع بين المذاهب والأفكار والفلسفات وكيفية سوسها اجتماعياً.
البعد العروبي والإسلامي
كان شكيب أرسلان من أعلام النهضة العربية والإسلامية. فهو، وبوعي توحيدي كامل، أدرك أهمية الرابطة الإسلامية والعربية للنهوض بشعوب المنطقة، وملاقاة تطلعات التطور والعصر الحديث، والاندماج فيه ككتلة اجتماعية متجانسة ومتراصة، لا كأقليات وطوائف ومذاهب. فاختار الرحابة الإسلامية والعربية على الضيق الأقلوي الذي يقيم في خوف دائم. علم آخر من أعلام التجديد والتماهي الدرزي مع القضايا العرب، هو كمال جنبلاط الذي يمثل إرثاً فكرياً وثقافياً فعلياً لما تركه شكيب أرسلان، فأخذ هذا الإرث إلى بعده الانساني والأممي، وهو الذي حمل القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، من دون إنكار البعد العروبي والإسلامي، أو البعد الدرزي.
في صلب التراث
تاريخياً، الدروز هم من العرب الأقحاح منذ أيام التنوخيين، وهم أساس القيسية واليمنية، ولطالما كانوا نقاط الارتكاز الأساسية بالنسبة إلى الدول العربية الكبرى أو الامبراطوريات. فكانوا حماة الثغور في وجه الحروب الإفرنجية. ولذلك فهم جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية وجزء أساسي من نواتها إثنياً وعقائدياً، كما أنهم جزء لا يتجزأ من حركة العقل الإسلامي، وفي صلب تراث السجالات الكبرى في الحكمة والفلسفة والإيمان، وهم الجماعات الشجاعة في القتال والذين كان يتم الارتكاز عليهم لصد كل الغزوات التي تعرضت لها المنطقة العربية، وخصوصاً المشرق العربي.
في العصر الحديث، كان الدروز في طليعة ثورات الاستقلال في سوريا ولبنان وفلسطين، من وادي التيم إلى جبل العرب نحو الجولان وفي الداخل الفلسطيني. فلم يتأخروا في دعم ثورة الـ 1936 الفلسطينية، وفي الانخراط في جيش الانقاذ والتصدي للنكبة، إذ كانوا من أوائل المتطوعين في الجيش العربي السوري.
الشراكة مع الآخرين
وعندما خرجت ما تسمى بنظرية “حلف الأقليات” لتفتيت الدول الوطنية وزرع الفتن لتغذية الحروب المذهبية والطائفية، وصل الأمر إلى الحروب الأهلية. وتاريخياً، من شكيب أرسلان إلى كمال جنبلاط مروراً بسلطان باشا الأطرش، أخلص الدروز لعروبتهم وإسلامهم وأوطانهم، وللأفق الوطني والعروبي. وعلى الرغم من كل ما حدث في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، بقي الدروز على إيمانهم بالعيش المشترك، وبالتسامح وتجاوز آلام الماضي مهما كانت. ولطالما كانوا حلفاء للفوز أو الربح لأنهم يراهنون على ذلك، أي على تجاوز الماضي وعلى المدى الأوسع والأبعد لمنطق الدولة، والتماهي مع الدولة الوطنية ومع المشروع العربي الأكبر. ومن أبرز الدلائل على ذلك، تجارب الإمارات المعنية والشهابية ما قبل نشوء لبنان الكبير. وهذه كلها قامت على فكرة الشراكة مع الآخرين، وكذلك تجربة آل جنبلاط ما بعد نشوء هذا اللبنان، إذ يتمسكون به، وهو ما يسعى إليه وليد جنبلاط دوماً من خلال تكريس المصالحات والانفتاح على مختلف القوى ورفض التقوقع.
في التاريخ الحديث أيضاً، فإن كل جماعة حاولت أن ترهن نفسها ومشروعها للإسرائيلي، لم يتأخر الإسرائيليون عن خيانتها بعد استخدامها أو نهاية دورها الوظيفي. وهذا جزء من السجال المفتوح اليوم حول عدم إمكانية أن يكون الدروز جزءاً من مشروع عنصري معاد لشعوب المنطقة يهدف إلى تدمير الهوية الوطنية، ويصارع في سبيل سلب الأرض، ونهب خيرات الشعوب.
جنبلاط يرفض الرهان الانتحاري
اليوم، تقف منطقة المشرق العربي أمام مرحلة إعادة التشكل، وتبدو أنها تتجه إلى توازنات جديدة، تبرز فيها سوريا كدولة موعودة بالنهوض والازدهار. لذا، فإن الارتماء في هذه اللحظة في حضن إسرائيل أو على تماس مع المشروع الإسرائيلي، يبدو أنه رهان انتحاري يجعل الدروز خارج سياق تجربتهم وتاريخهم، ويدفعهم إلى التراجع عن دورهم الوطني في بناء دولهم مقابل تحولهم إلى ملحقين بمشاريع دول. ذلك ما يرفضه جنبلاط، ويركز على ضرورة مواجهته من خلال انخراط الدروز أكثر في مشاريع بناء دولهم الوطنية، مع الحفاظ على خصوصيتهم وخصوصية الدولة التي يكونون فيها. ولذلك فهو على الصعيد اللبناني، يتمسك بلبنان الكبير، ويرفض أي دعوة للبنان الأكبر، أي عدم الالتحاق بسوريا، ولا لبنان الأصغر أي عدم تأييد دعوات التقسيم، وهو طبعاً لم تراوده يوماً نظريات “الدولة الدرزية” التي كان أول من كشف عنها وأجهضها هو كمال جنبلاط، ولطالما حرص وليد جنبلاط على تجاوز نتائج الحرب مع المسيحيين، وعدم الدخول في أي حالة حرب أو صراع مع السنة أو الشيعة.
العودة إلى الطائف
يعلم وليد جنبلاط أن التحولات تعصف بلبنان، ونتائجها ستشمله. ما يهمه هو الكيان بمؤسساته والحفاظ عليه قدر الإمكان. من هنا يعود إلى طرح تطبيق الطائف، كما العودة إلى اتفاق الهدنة، بما يشكل ضمانة لكل القوى فيه. لكن نظرته تبلغ مدى أبعد مما هو قائم حالياً، فقبل سنوات وصل إلى قناعة أن ثمة تغييراً سياسياً سيشمل القوى أو الطبقة السياسية. فكان أول المبادرين إلى التراجع خطوات إلى الوراء وتسليم نجله تيمور وضخ دماء جديدة في الحزب الاشتراكي والطائفة الدرزية. يعلم جنبلاط أن التغيير سيطال الجميع، فمحاولات التأثير الإسرائيلية على الطائفة الدرزية لا تتوقف، وفي وقت يعتبر فيه أن هناك اتجاهاً نحو إرساء دولة الطائف الفعلية التي تؤسس لدولة مدنية، يجد نزعات درزية تقوم على الشعبوية وشد العصب الطائفي، وهو ما يصر على مواجهته بمنطق الدولة الوطنية، لا العصبية الطائفية.
المدن
———————————-
سليمان عبد الباقي يلمّح لحل بالسويداء.. معركة أم اتفاق؟/ أحمد العقلة
الثلاثاء 2026/02/17
أثار منشور لمدير الأمن الداخلي في محافظة السويداء، سليمان عبد الباقي، تفاعلاً كبيراً، بعد إعلانه عن اقتراب عودة قوات الأمن الحكومية إلى المدينة.
وأكد عبد الباقي في منشوره، أن الدخول إلى السويداء بات وشيكاً، مشدداً على أن الهدف الأساسي هو استعادة هيبة الدولة والقانون، وحماية السكان، وليس الانتقام أو التصفيات. وأوضح أن الحقوق ستُحفظ لأصحابها، بينما سيخضع المخالفون للمحاسبة وفق القانون، بعيداً عن أي فوضى أو انتقام شخصي.
وأبرز عبد الباقي أن الخطة المستقبلية تركز على إعادة الإعمار، دعم الزراعة، تطوير التعليم ومكافحة تجارة المخدرات وعمليات الخطف من خلال المؤسسات الرسمية، لضمان أمن مستدام خالٍ من السلاح المنفلت والعصابات. وطمأن الأهالي بأن السويداء ستبقى رمزاً للعلم والكرامة، مع التأكيد على محاسبة كل من ارتكب جرائم أو استغل القضية لمصالح شخصية، بغض النظر عن انتمائه، في حين سيُحمى من دافع عن أرضه وكرامته.
وكان عبد الباقي قد أعلن سابقاً نيته نشر تفاصيل آلية الدخول خلال ساعات، دون الكشف عن بنودها أو توقيتها الدقيق.
عملية وشيكة
وكشف مصدر مطلع لـ”المدن”، أن العملية الأمنية باتت قريبة جداً، وستتم تحت إشراف سليمان عبد الباقي وليث البلعوس، على غرار نموذج التعامل مع مناطق سيطرة “قسد” سابقاً، حيث ستتولى قوات الأمن الانتشار في مختلف أنحاء المحافظة.
وأضاف المصدر أن تقدم القوات الحكومية من المتوقع أن يدفع الشيخ حكمت الهجري إلى توقيع اتفاق يشمل حل “الحرس الوطني”، ودخول قوات الأمن مقابل ضمانات في التعيينات والمناصب. كما أشار إلى أن عبد الباقي التقى بنواب أميركيين موالين لإسرائيل خلال زيارته إلى واشنطن، بهدف ضمان حياد الجيش الإسرائيلي عن أي تصعيد محتمل في المنطقة.
ومن أبرز الخطوات الأولية، تأمين خروج آمن للأمير أبو يحيى حسن الأطرش (أمير دار عرى)، الشخصية الاجتماعية والتقليدية البارزة، من ريف السويداء إلى دمشق.
موقف إسرائيلي متغير
وذكرت المصادر أن الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف، أبلغ الشيخ حكمت الهجري، بأن الجيش الإسرائيلي غير قادر على دعم إقامة كيان مستقل في السويداء، وأن الوجهة النهائية ستكون دمشق.
في وقت سابق، رفض الشيخ حكمت الهجري مبادرة تقدم بها محافظ السويداء مصطفى بكور، بعد جولات تفاوض. وأفاد مصدر لـ”المدن”، أن زيارة عبد الباقي إلى واشنطن جرت بتنسيق من اللوبي السوري-الأميركي، بهدف حسم ملف السويداء وإعادة دمجها الكامل مع الدولة السورية خلال فترة قصيرة.
دعوة محافظ السويداء إلى حوار وطني
وفي سياق متصل، وجّه محافظ السويداء مصطفى بكور، رسالة إلى الأهالي تحت عنوان “يداً بيد نحو حوار وطني”، مؤكداً أن الدولة ملك للجميع، وأن الحوار الهادئ هو السبيل الأمثل لحل الخلافات. ودعا إلى تشكيل لجنة حوار وطني تجمع ممثلي الأطراف لمناقشة القضايا المجتمعية بموضوعية وشفافية، بعيداً عن التوتر والانقسام.
واستشهد بتجارب دولية ناجحة مثل لبنان بعد الحرب الأهلية، وجنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري، وكولومبيا بعد الصراع المسلح، مشدداً على أن قوة المجتمعات تكمن في قدرتها على الحوار، وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.
——————————
حسن الأطرش يخرج من السويداء ويصل إلى درعا
وصل الأمير حسن الأطرش “أبو يحيى”، أحد أبرز الشخصيات الاجتماعية في السويداء، إلى محافظة درعا، جنوبي سوريا، بعد تأمين خروجه من مكان إقامته في دار عرى، جنوب غربي المدينة.
وأكد مسؤول العلاقات العامة في محافظة السويداء، قتيبة عزام، لعنب بلدي، خروج “أبو يحيى” من السويداء ووصوله إلى درعا، دون أن يدلي بتفاصيل أخرى.
وكانت شبكة “السويداء 24” المحلية، نقلت اليوم الاثنين، 16 من شباط، عن مصادر خاصة، لم تسمها، أنه تم تأمين خروج أمير دار عرى، الأطرش، الشخصية الاجتماعية والتقليدية البارزة في ريف السويداء الجنوبي الغربي.
ووصل “أبو يحيى” إلى محافظة درعا بعد ظهر اليوم، بحسب الشبكة، وهي سابقة نوعية تتعلق بشخصية اجتماعية وازنة بهذا الحجم من المحافظة.
وحتى لحظة تحرير الخبر، لم تصدر أي تصريحات أو توضيحات علنية من “أبو يحيى” عقب خروجه من السويداء.
من هو الأمير “أبو يحيى”
يُعد الأمير “أبو يحيى” من الزعماء التقليديين لآل الأطرش، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي.
وتأتي مكانة الأمير “أبو يحيى” بدرجة أولى من نسبه، فهو من أحفاد القيادي الوطني السوري، سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى، التي انتفضت ضد الاستعمار الفرنسي، في عشرينيات القرن الماضي.
وتقلبت مواقف الأطرش خلال الفترة الماضية، مع تقلبات المشهد السياسي والميداني، ففي حين أبدى تأييدًا واضحًا للحكومة السورية، التي تسلمت الحكم عقب إطاحتها بحكم الأسد، ظهرت له مواقف مغايرة، لاسيما عقب أحداث السويداء، في تموز 2025.
وفي ذروة الأحداث، دعا الأطرش، في تسجيل مصور له، نشر في 14 من تموز 2025 إلى إنهاء الاقتتال وعدم الانجرار وراء “الفتن”، مؤكدًا ضرورة التواصل مع الدولة ومشايخ العقل ووجهاء المنطقة للتوصل إلى حل يرضي الجميع.
أزمة السويداء
خروج الأطرش جاء في وقت تعيش فيه محافظة السويداء أزمة مركبة، بدأت ملامحها منذ بدايات سقوط النظام، حيث حاولت الإدارة الجديدة دمج الفصائل ضمن الدولة، إلا أن العملية تعرقلت بسبب عدم التوافق بين الأطراف.
وبلغت الأزمة ذروتها في تموز 2025، حين حاول الجيش السوري الدخول إلى المدينة، بدعوى فض اشتباكات اندلعت بين المكون الدرزي، الذي يشكل أغلبية المحافظة، وبين سكان من البدو.
التدخل الحكومي رافقته انتهاكات بحق سكان المدينة، من الطائفة الدرزية، ما أدى إلى اندلاع الاشتباكات بشكل واسع، وأسفر عن دخول إسرائيل على الخط، وهي التي تلوح بشكل مستمر بحماية الدروز في سوريا، بدعوى وجود صلات قرابة، وتطور الأمر فيما بعد إلى ضرب العاصمة دمشق، فضلًا عن استهداف عناصر الجيش الذين دخلوا مركز المدينة.
الضربات الإسرائيلية أدت إلى خروج قوات الحكومة السورية إلى خارج مدينة السويداء، والتمركز في الأرياف الغربية، حيث سيطرت على أكثر من 30 قرية.
بالمقابل، فإن الخروج لم ينهِ الأزمة، بل ازدادت تعقيدًا بعد ارتكاب الفصائل المحلية انتهاكات بحق السكان البدو، بدافع الانتقام، ما أدى إلى خروج “فزعات عشائرية” لنصرة عشائر السويداء البدوية، وبالتالي، استمرت الاشتباكات والانتهاكات من الجانبين.
عنب بلدي
——————————
===================
تحديث 16 شباط 2026
——————————
دخول عسكري مرتقب إلى السويداء على غرار “عملية قسد“
16 فبراير 2026
أفاد مصدر خاص لموقع “الترا سوريا” بأن الجيش السوري وقوات الأمن سينفذون “عملية أمنية وعسكرية دقيقة” للسيطرة على مواقع قوات الحرس الوطني المدعوم من الشيخ حكمت الهجري في السويداء، خلال الأيام المقبلة.
وبحسب المصدر فإن المعركة هي بمثابة “عملية جراحية تفاديًا للوقوع في انتهاكات كما جرى في المرة الماضية”، وستكون على غرار المعركة ضد قوات قسد “حيث أبدت القوات التزاما كبيرًا”.
ولفت إلى أن هناك تجهيزات عسكرية خاصة لدخول السويداء حيث سيتولى الشيخ سليمان عبد الباقي والشيخ ليث البلعوس العملية بالتزامن مع انشقاقات مرتقبة داخل السويداء.
وأوضح بأن زيارة عبد الباقي إلى واشنطن كانت بهدف ترتيب الدخول إلى السويداء وخاصة ضمان عدم تدخل الجيش الإسرائيلي إلى جانب مقاتلي الحرس الوطني.
ونوه إلى أن “الأطراف الإسرائيلية الداعمة للهجري أخبرته بعدم إمكانية تحقيق طلباته بإقامة دولة مستقلة، وأخبره موفق طريف بأن وجهتكم دمشق في النهاية”، مضيفًا: “ولكن الهجري يحاول المراوغة وكسب الوقت وعدم العودة للوراء”.
وقبل أسبوعين، رفض شيخ عقل الموحدين الدروز، حكمت الهجري، مبادرة محافظ السويداء مصطفى بكور، وذلك بعد جولة من المفاوضات.
ووفق المصدر فإن زيارة مدير أمن السويداء، سليمان عبد الباقي، إلى واشنطن جاءت بترتيبات من اللوبي السوري– الأميركي، وتهدف إلى حسم ملف السويداء وإعادتها إلى الدولة السورية خلال شهر فبراير.
مبادرة محافظ السويداء
وكان محافظ السويداء مصطفى بكور قد أطلق مبادرة تحت عنوان “نحو مستقبل آمن للسويداء”، قال فيها إن المحافظة “على مفترق طرق مصيري، إمّا استمرار يزيد الجراح عمقًا، أو مخرج يحفظ ما تبقّى ويحمي المستقبل”.
وأضاف البكور: “لقد تجاوزت الأزمة مرحلة الخلاف إلى حالة نفسية شعورية، فالبعض يشعر أنه أمام خيار وحيد، وهذا الشعور هو أصل العداء، حيث يحوّل النقاش إلى صدام والحلّ إلى استحالة”، مؤكدًا أن جوهر المبادرة هو تسوية شاملة تكسر هذه الدائرة، وهي “ليست صفحًا بل تحويل المواجهة من الشارع إلى قاعات القانون، وليست إلغاءً للمساءلة بل بداية مسار جديد لها، كما تهدف إلى نزع أخطر سلاح، وهو فكرة انعدام المخرج”.
وأكد البكور أن “استمرار المواجهة يضعف النسيج الاجتماعي ويخلق غضبًا موروثًا، بينما تحوّله التسوية إلى ملفات إدارية وقانونية قابلة للإدارة”، محذرًا من أن “استمرار رفض الحلول يعيق دور الدولة الحقيقي في احتواء الأزمات وفتح باب الحلّ للجميع، تحت سقف القانون وفي إطار المؤسسات”.
زيارة عبد الباقي إلى واشنطن
وكان سليمان عبد الباقي، مدير الأمن الداخلي في محافظة السويداء، قد كشف عن تفاصيل زيارته إلى العاصمة الأميركية واشنطن، أواخر اشهر الماضي، حيث التقى بكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية.
وقال عبد الباقي في منشور على حسابه الشخصي على فيسبوك، إنه “للمرة الأولى، وبدعم من اللوبي السوري، والجالية السورية الأميركية طُرحت قضية السويداء أمام كبار صناع القرار الأميركيين كما هي، بلا تزييف ولا أوهام”. مؤكدًا أنه تم الطلب “بوضوح من المسؤولين الأميركيين أن يعلنوا لأهلنا في سوريا أنهم لا يدعمون أي مشروع انفصالي، وأن السياسة الأميركية تقوم على سوريا موحدة، حتى يدرك أهل السويداء أنهم يُساقون خلف سراب، وأن حكمت الهجري زجّ بهم في هذا المأزق بعد أن خدعهم”.
وأضاف عبد الباقي: “عندما تستمع إلى خطابات حكمت الهجري في سوريا، يخيل لك أنه على اتصال مباشر بالرئيس الأميركي والكونغرس على مدار الساعة. لكن ما إن تأتي إلى واشنطن وتلتقي وجهًا لوجه بمسوؤلي البنتاغون وأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب.. ومسوؤلي البيت الأبيض، حتى يتضح حجم الوهم الذي يبيعه الهجري لأتباعه”. مشددًا على أنه “لا أحد هنا سمع بخرافاته، ولا أحد يعيرها أي اهتمام”.
وتابع: “الأكثر سخرية أن من أوهموا الهجري من بعض دروز إسرائيل بإمكانية منحه “دولة” هم أسماء لا وزن لها إطلاقًا في واشنطن، ولم يسمع بها أحد هنا. قريبًا سيتضح الموقف الأميركي الحقيقي من مهزلة “دولة الباشان”، وحينها ستسقط الغشاوة عن عيون من تم التغرير بهم”.
وختم عبد الباقي بالقول إن “الإدارة الأميركية تدعم الرئيس أحمد الشرع والدولة، ومع سوريا واحدة موحدة وضد أي مشروع انفصالي”.
التيار الثالث في السويداء
وفي مطلع الشهر الحالي، أطلق أكاديميون ومثقفون من محافظة السويداء مبادرة مجتمعية مدنية تحت اسم “التيار الثالث”، قدموا من خلالها وثيقة سياسية ومجتمعية وصفوها بأنها “خارطة طريق عملية” تهدف إلى حماية المجتمع ومنع انزلاقه إلى الفوضى. تتمحور المبادرة حول فكرة إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي هيئة مدنية تنبثق من المجتمع وتعمل لأجله، وفق تعبير القائمين عليها.
وجاء في بيان موجّه إلى أهالي السويداء، أن المبادرة انطلقت استجابة لما وصفه الموقعون بـ “واقع الاستعصاء” في المحافظة، في ظل مرحلة حرجة تتسم بالمجازر والتهجير والتهميش، وانسداد سياسي وخطاب مركزي يتجاهل معاناة السكان.
تتضمن أهداف المبادرة إدانة الانتهاكات بحق المدنيين والمطالبة بمحاسبة علنية وجبر الضرر، مع تحميل السلطة المسؤولية عن “أحداث تموز” الدامية باعتبار حماية المدنيين واجب الدولة الأساسي. كما تؤكد على أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة، وتدعو إلى اعتماد اللامركزية الإدارية التوافقية، ورفض أي مشاريع تقسيم أو عزل.
ومن بين الأولويات العاجلة التي ركزت عليها المبادرة، عودة الأهالي المهجرين إلى قراهم عودة آمنة وكريمة، والإفراج الفوري عن المختطفين المدنيين، وتعويض المتضررين ماديًا ومعنويًا. كما طالبت بحماية الطلاب وضمان حقهم في التعليم وتأمين وصولهم الآمن إلى الجامعات، مع الاعتراف الكامل بشهادة الثانوية لعام 2025.
ودعت المبادرة أيضًا إلى تحييد محافظة السويداء عن المحاور والاصطفافات الإقليمية، ورفض توظيف معاناة أهلها في الصراعات، معتبرة أن ضمان الأمن والخدمات الأساسية وفرص العيش الكريم أولوية قصوى، وأن تحييد السلاح عن الخلافات الداخلية هو “خط أحمر”.
الترا سوريا
————————
الحلّ في السويداء قادم رغم العثار/ أحمد مظهر سعدو
15 فبراير 2026
ما زالت أوضاع محافظة السويداء في الجنوب السوري تشي بمتغيراتٍ كثيرة، رغم أن محاولات شيخ العقل حكمت الهجري تدفع باتجاه علاقة أكبر مع الإسرائيليين، إذ إن الأجواء العامة بعد توقيع اتفاق الحكومة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والبدء بتنفيذه ميدانيّاً، وبالتالي، حل كل إشكاليات الاحتراب البيني هناك، تدلّ على أن الحلول الوطنية كانت وما زالت المدخل المنطقي وكذلك العملي، نحو إعادة قيامة سورية الواحدة الموحّدة التي تعبّر عن الجميع، وتدمج الكل ضمن الإطار الوطني الموحّد.
تدفع كل تفاعلات المشهد ومتغيّراته في الجنوب السوري نحو الاندماج في الواقع السوري بكليته، وبالتالي، إعادة البناء ولملمة الجراح وتضميدها داخل البيت الوطني، ومن أجل الاشتغال الجدي على قيام دولة المواطنة المتساوية والعادلة، وليس على أساس المحاصصة التي نرى ماهيتها الصعبة والمقلقة في الجوار السوري، في كل من العراق ولبنان، والتي أفضت هناك إلى حالة من العبث في السلم الأهلي، وحالة من النزاع الدائم.
ولعل ما جرى أخيراً في شمال شرق سورية من متغيرات بعد الاتفاق بين الحكومة و”قسد” قد أودت بالمشاريع الانفصالية القسدية إلى النهايات المطلوبة، بالإضافة إلى أن الموقف الأميركي الذي ما زال يرى أن في وحدة سورية مخرجاً مهمّاً للجميع، وحالة جديدة تنهي وجود أي أخطار كبرى على المنطقة، فيما لو حصلت حالات تفتيتية جديدة، أو نزاعات مستحدثة. ومن ثم، فإن وحدة السوريين وحل كل تشظياتهم، هما الحل الأمثل من أجل كل المصالح الأميركية، وكذلك الوطنية والإقليمية أيضاً.
حالة الوصول إلى حل وطني سوري، التي أصبحت واقعاً ناجزاً يطبق رويداً رويداً، من دون عقبات تذكر، أوجدت أجواءً من التفاؤل ضمن سياقات الحراك الوطني السوري، ونحو إنجاز مسارات الحل الوطني السوري المبتغى وطنيّاً في الجنوب السوري. وهناك من يرى اليوم أن إعادة دمج محافظة السويداء بالدولة الوطنية السورية مسألة وقت ليس إلا، وأن ذلك كله ينتظر تفاهماً أمنيّاً، أو اتفاقاً يحلّ محل اتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974 من أجل الانتهاء من التعديات الأمنية الإسرائيلية على الجغرافيا السورية والمواطنين السوريين، أي تفاهماً جديداً بين دمشق وإسرائيل، وهو الذي يرى مراقبون كثيرون أنه أصبح على الأبواب، بعد الضغوط الأميركية الجدّية هذه المرّة على نتنياهو. ومن ثم، كل التمنع الهجري ومجموعاته العسكرية عن الدخول في أتون سياقات الحل الوطني ستصبح من الماضي، بمجرّد التفاهم الأمني المتوقّع مع إسرائيل. ويبدو أن ذلك واقع حقيقي بكل أسف، رغم وجود آلام كبيرة وجراح غائرة خلفتها منذ فترة أحداث السويداء في يوليو/ تموز الماضي، وتلك الأخطاء الكبرى التي وقعت في الجنوب السوري، وأدت إلى ما أدت إليه من عذابات ما زالت آثارها موجودة.
هناك من يرى أيضاً أن العقلاء في محافظة السويداء، وهم كثر، لكنهم مقيّدون من خلال الضغوط الهجرية عليهم، وهم ما زالوا ينشدون حلاً ثالثاً ويطرحون مبادراتٍ وطنية متعقلة تعيد إنتاج الواقع السوري في الجنوب على أسس عقلانية سياسية، تفتح الباب أمام الحل الوطني السوري الأفضل والأنسب، الذي لا يزال متعثراً بعض الشيء في الجنوب، وعندما تُزال تلك الهيمنة، ومن ثم الضغوط الأمنية على العقلاء وعلى أنساق المجتمع المدني، وأهل الخبرة، والقوى الوطنية في المحافظة الجنوبية، ستكون الحلول، بكل تأكيد، ممكنة، وحيث لا حل حقيقياً إلا بالعودة إلى القرار الوطني الواحد الموحّد، ومشاركة كل الإثنيات والطوائف وكل الأيديولوجيات السورية، ضمن شراكة وطنية حقيقية تتطلع نحو المستقبل بعقل سياسي ناضج، وفكر تنويري غير متعصّب، يعيد إنتاج الواقع السوري الجديد على أسس حديثة، وبالضرورة ضمن حالة القطيعة الكاملة مع كل ما يعيق وحدة السوريين، والمضي في سياقات مسار العدالة الانتقالية في سورية نحو الأمام وبوتيرة متسارعة، تواكب حالة التغيير التي حصلت في سورية والضرورات الملحة منعاً لأية حالات انتقامية. لأن الجميع يدرك في سورية اليوم أن الاشتغال على مسار العدالة الانتقالية وبطريقة أكثر تسارعاً، من الممكن أن ينتج سلماً أهلياً بات ضرورياً يحقق بالضرورة ما يصبو إليه الجميع، ويمنع أية محاولات ثأرية، هنا أو هناك، ويعمل كل ما يستطيعه على إعادة رتق كل تلك الشروخ، التي أنتجتها أحوال البلد خلال الأشهر المنصرمة.
لعل الضوء في آخر النفق بما هو مرتبط في محافظة السويداء بدأ يقترب أكثر وأكثر، وبدأت تتمظهر على السطح مبادرات وأفكار عملية كثيرة يمكنها أن تخرج الحالة في السويداء من عنق الزجاجة. ويبدو أن حكومة دمشق، بالتالي، قد بدأت تدرك وتعمّق إدراكها لأهمية الدخول في حل عملي وطني جدّي وحقيقي يبلسم الجراح، وينهي حالة الانقسام الصعبة على كل السوريين في السويداء، ينهي حالة الانقسام برمتها، ويعمل على مشاركة فعلية لا نظرية، في كل مؤسسات الدولة السورية، وكل مساراتها، لأن محافظة السويداء جزءٌ أصيل ومهم، كما الأكراد في الواقع السوري، ولا حل وطنياً حقيقياً من دون مشاركة السويداء وجبل العرب في الحالة الوطنية. ولعل هذه المشاركة الحقيقية والجدّية المطلوبة وحدهما، ما يمكن أن يقطع الطريق كليّاً على كل تدخلات إسرائيل وتعدّياتها عبر ادّعائها المستمر والزائف أنها تحمي الأقليات في سورية. ويبقى الحل الوطني المندمج والمتعاطي مع كل المشكلات بشفافية ووضوح المدخل الحقيقي نحو سورية الموحدة القوية، والتي تمنع التدخلات الخارجية، وخصوصاً العدوانية الإسرائيلية الأكثر خطراً على وحدة سورية.
العربي الجديد
——————————-
السويداء: مقتل شخصين بانفجار سيارة تحمل ألغاماً وذخائر
الاثنين 2026/02/16
قُتل شخصان في بلدة القريا في ريف السويداء الجنوبي، وذلك جراء انفجار سيارة كانت تحمل ذخائر ومتفجرات، فيما قُتل عنصران من “الحرس الوطني” خلال محاولة تسلل نحو مواقع الجيش السوري في ريف المحافظة الغربي.
كيف انفجرت السيارة؟
وأفادت مصادر متابعة لـ”المدن”، بأن سيارة كانت تحمل ألغاماً وذخائر انفجرت وسط بلد القريا قرب ضريح سلطان باشا الأطرش، ما أدى إلى مقتل صاحبها، وإصابة طفل كان برفقته، إلا أن الأخير توفي داخل المستشفى متأثراً بالجروح الخطيرة التي أصيب بها.
وتضاربت المعلومات حول أسباب انفجار السيارة، حيث تحدث المصادر عن انفجارها أثناء محاولة إنزال الألغام من داخلها، بينما قال ناشطون إن الانفجار ناجم عن خلل فني بطريقة تكديس الذخائر داخل السيارة.
وتتقاسم قوات الحكومة السورية السيطرة الميدانية على محافظة السويداء جنوب سوريا، مع الفصائل المسلحة المنضوية ضمن “الحرس الوطني” التابع للشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الطائفة الدرزية في المحافظة.
وتخضع بلدة القريا إلى سيطرة “الحرس الوطني” الذي يسيطر أيضاً على مدينة السويداء، بينما تسيطر قوات الحكومة السورية على نحو 45 قرية وبلدة معظمها في الريف الشرقي والشمالي والشمالي الشرقي، وذلك بعد أحداث تموز/يوليو الماضي.
اشتباكات وقتلى وجرحى
وتندلع اشتباكات بشكل شبه يومي بين قوات الحكومة السورية و”الحرس الوطني” على نقاط التماس الفاصلة بينهما، كما يتبادل الجانبان القصف بشكل مستمر.
وليل أمس الأحد، قُتل عنصران من “الحرس الوطني” وأصيب 5 آخرين جراء استهدافهم بطائرة مسيّرة أطلقها عناصر من الجيش السوري، وذلك بعد اشتباكات بين الجانبين في ريف السويداء الغربي.
وقالت مصادر محلية إن الجيش السوري تصدى لمحاولة تسلل نحو أحد مواقعه من قبل مجموعة من “الحرس الوطني”، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بين الجانبين، تلاها إطلاق الجيش السوري مسيّرة استهدفت عناصر المجموعة اثناء انسحابهم.
——————————
===================
تحديث 14 شباط 2026
——————————
دروز سوريا والخيار الإسرائيلي/ محمد علي الأتاسي
13 شباط 2026
على مدى تاريخ سوريا المعاصر، كان جبل العرب ولا يزال فاعلاً رئيسياً وعلى تماس دائم مع مراحل تشكل الوطنية السورية، وذلك بحكم موقعه الجغرافي وقربه من العاصمة دمشق، وتكوينه الطائفي والمذهبي، وتوازناته الممتدّة محلياً وإقليمياً، وتاريخه المرتبط ارتباطاً وثيقاً بمراحل نشوء الكيان السوري. يمتدّ هذا التاريخ من تفكّك الإمبراطورية العثمانية ودخول قوات الأمير فيصل دمشق بدعم من فرسان الجبل وولادة الحكومة العربية، إلى فرض الانتداب الفرنسي بالقوّة ومواجهته خلال الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش وعبد الرحمن الشهبندر، وصولاً إلى عهد الاستقلال وولادة الجمهورية السورية ومرحلة الانقلابات العسكرية بين العامين 1949 و1954، ثمّ المدّ القومي في الخمسينات والوحدة مع مصر في العام 1958 وانقلاب البعث في العام 1963، وانتهاءً بنظام الحركة التصحيحية ودكتاتورية الأسديْن.
خلال كل هذه المراحل، لم يكن هذا الجبل لا خارج الثقافة السورية ولا خارج التاريخ السوري ولا خارج الجغرافيا السورية، بل في القلب منها، وكان لأهله نصيبهم من مصائر السوريين بمرّها وحلوها. ورغم محاولات إسرائيلية عديدة، بدأت قبل الاستقلال وتجدّدت بعد هزيمة العام 1967، لإنشاء كيان درزي تابع لها يحمي حدودها الشمالية ويمتدّ من جبل العرب إلى الجولان إلى أجزاء من الشوف اللبناني، إلا أن هذه المحاولات باءت جميعها بالفشل أمام رفض معظم أبناء الطائفة الدرزية في سوريا ولبنان لمشاريع انتحارية كهذه بدءاً من سلطان باشا الأطرش ومروراً بكمال جنبلاط ووصولاً إلى يومنا هذا.
الثورة وما بعدها
مع اندلاع الثورة السورية، لعب أبناء محافظة السويداء منذ اليوم الأول دوراً رئيسياً في أنشطتها السلمية، وإنتاجها الثقافي وتغطيتها الإعلامية. وقد رفض الكثير من أبناء الجبل الخدمة العسكرية ورفع السلاح في وجه بقية أبناء الشعب السوري، رغم محاولة بشار الأسد الحثيثة جعلهم وقوداً في آلة حربه الجهنّمية.
انكسرت هيبة الدكتاتور السوري في محافظة السويداء في السنين الأخيرة، وتعالت الأصوات الوطنية الرافضة لحكمه أكثر فأكثر من داخل المحافظة ومن قلب ساحة الكرامة، لكنه على الرغم من ذلك لم يتجرأ على البطش بها واستخدام القوة العسكرية السافرة كما فعل مع بقية المحافظات، لإدراكه بحساسية وخصوصية السويداء الواقعة على البوابة الجنوبية لسوريا في مقابل الأردن وإسرائيل.
ومنذ اليوم الأول لسقوط النظام في 8 كانون الأول 2024 وما تبعه مباشرة من تدمير إسرائيل لمعظم قدرات الجيش السوري المتبقية، أعلن نتنياهو بوضوح عن مطامع الدولة العبرية في إبقاء الجنوب السوري منطقةً منزوعة السلاح تخضع لمتطلبات الأمن القومي الإسرائيلي، وراح ينسج العلاقات ويرسل التطمينات لبعض ضعاف النفوس في جبل العرب.
كان وليد جنبلاط أول الزائرين الى القصر الجمهوري صبيحة سقوط النظام على رأس وفد درزي كبير، مهنّئاً القيادة السورية الجديدة ومحذِّراً من حساسية الوضع في السويداء وضرورة معالجته بالحكمة والتروّي.
لكن يبدو أنّ كلماته لم تلقَ آذاناً صاغية لدى أصحاب القرار الجدد، وشيئاً فشيئاً مشى قادة النظام الجديد بعيون مغمضة إلى الفخّ الإسرائيلي الذي نُصب لهم على مدى شهور طويلة. وبعد تجربتين عسكريتين محفوفتين بالمخاطر في جرمانا وأشرفية صحنايا بالقرب من دمشق وضحت فيها النوايا الإسرائيلية باستخدام حجة الدفاع عن الدروز لتحقيق مكاسب جيوسياسية في الجنوب السوري، لم يتنبه قادة سوريا الجدد إلى المدى الذي يمكن لإسرائيل أن تصله لتحقيق هدفها في جعل جنوب دمشق وصولاً إلى الجولان وجبل العرب منطقة منزوعة السلاح. وبدلاً من معالجة الاستعصاء السياسي في السويداء بالحكمة والتروّي، أرسلوا قواتهم في منتصف تموز 2025 إلى جبل العرب بحجّة فكّ الاشتباكات بين البدو والدروز، وفعلوا ما تفاداه بشار الأسد نفسه، فارتكبت قواتهم مجازر يندى لها الجبين بحق الأبرياء المدنيين من أبناء المحافظة قبل أن يتدخل سلاح الجو الإسرائيلي ويقصف الأرتال العسكرية الداخلة إلى السويداء ويتبعها في اليوم الثاني بقصف مبنى الأركان وبوابة القصر الجمهوري، مُجبراً القوات الحكومية على القبول بوقف إطلاق النار والانسحاب من مدينة السويداء وما حولها. وما هي إلا ساعات حتى خرج علينا الشيخ الهجري شاكراً دولة إسرائيل ورئيس وزرائها على تدخلهم لحماية دروز سوريا، ومدشِّناً خطاباً جديداً في مغازلة الدولة العبرية لم نعهده قطّ في الخطاب السياسي السوري منذ فجر الاستقلال، منقلباً بين ليلة وضحاها على تراث كامل من الانغراس في قيم الوطنية السورية التي أسس لها سلطان باشا الأطرش ومشى عليها أبناء وأحفاد جبل العرب.
أما النظام القائم في دمشق، فاكتفى بسياسة إدارة الظهر ونسب المجازر التي ارتكبت إلى فزعات العشائر وإلى عناصر غير منضبطة في قواته، ووعد بمحاسبة المسؤولين عنها وشكل لجان تحقيق صورية لتلتحق بتلك التي سبقتها والتي شُكِّلت في أعقاب مجازر الساحل.
الأغلبيّة الصامتة
بشاعة المجازر التي ارتكبت في تلك الأيام السوداء والتي طالت عائلات بأكملها، ولم تراعِ حرمة شيخ أو امرأة أو طفل واستباحة المضافات ودور العبادة والبيوت، ودمرت قرى بأكملها وهجرت أبناءها، شكلت صدمة عميقة لأهالي جبل العرب ولدروز المنطقة، خصوصاً بعد ما تكشّف من تفاصيلها وصورها من خلال شهادات الأحياء والفيديوهات التي انتشرت على السوشال ميديا.
طغت على هذا المشهد الدامي، حالة النكران والضجيج والتجييش الطائفي المذهبي التي سادت الأوساط الإعلامية والسياسية المقربة من السلطة. وفي ظل غياب أي ردود شعبية واسعة في مناطق سيطرة النظام لرفض المجازر وللتضامن مع أهل السويداء، ظهر مع الأسف في بعض الدوائر المثقفة وبعض ناشطي المجتمع المدني في السويداء، خطاب سياسي يلوم بقية السوريين على ما اعتبروه لامبالاتهم، وينزع إلى اتهام ما سُمّي بالأغلبية السنية بالتواطؤ مع جرائم النظام القائم أو بالسكوت والتغاضي عنها على أحسن تقدير.
لكن ما فات أصحاب هذا الخطاب السياسي الغارق في المظلومية، هو أنهم بمماهاتهم بين السلطة القائمة وبين ما يسمى «الأغلبية السنّية»، فإنهم يلعبون، من حيث يدرون ولا يدرون، لعبة السلطة الحالية بادعائها احتكار تمثيل «الأغلبية السنّية» من خلال سياسة فرِّق تسُدْ وتحشيد السوريين بعضهم ضدّ بعضهم الآخر. وينسى هؤلاء أنه في سوريا اليوم هناك أغلبية صامتة عابرة للطوائف والمذاهب، لكنها في حالة كمون لأنها محرومة بقرار سياسي سلطوي من التمثيل السياسي ومن صناديق الاقتراع، وهي تريد أن تعيش على أرضها وبين أهلها، بحرية وكرامة، بعيداً عن خطاب الكراهية والعنف، وأنه لا بدّ لها في نهاية المطاف من أن تعبّر عن نفسها سياسياً ووطنياً عندما تتوفّر الظروف وتحين الفرصة. وهذه الظروف والفرص لا تأتي من السماء ولكن يصنعها على الأرض من يؤمن أن الأوطان لا تبنى على شريعة الغاب ولكن تبنى لنعيش فوق أرضها، لا تحت ترابها، بكرامة ومساواة.
أعلام إسرائيل وصور نتنياهو
منذ ذلك اليوم المشؤوم في 16 تموز 2025 الذي دعا فيه الشيخ الهجري علناً نتنياهو وحكومته للتدخل لحماية دروز السويداء، بدأ مسلسل الارتهان للدولة العبرية والعمل وفقاً لأجندتها يعبّر عن نفسه علناً في الأوساط المحيطة بالشيخ الهجري من دون أي خجل أو مواربة. وانتقلنا من شكر إسرائيل إلى رفع أعلامها في أرجاء محافظة السويداء إلى محاولة عزل الدروز عن جذورهم العربية والإسلامية وتصويرهم كإثنية عرقية لا كطائفة دينية، والمطالبة بحقهم في تقرير المصير وبالدولة الدرزية وبالمعبر الآمن بين جبل العرب وإسرائيل، وصولاً إلى اعتبار الشيخ الهجري في تصريحه لجريدة يديعوت أحرنوت أنهم جزء من المنظومة الإسرائيلية، قائلاً فيه بالحرف: نحن نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزّأ من منظومة وجود دولة إسرائيل، ونرى أنفسنا ذراعاً أبرمَ تحالفاً مع إسرائيل.
وبين ليلة وضحاها، استيقظ أهل جبل العرب في 11 تشرين الأول 2025 ليقرأوا بياناً للشيخ الهجري يطالب فيه الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجموعة الاوروبية بكسر الحصار عن محافظة السويداء وفتح ممرّات إنسانية ويقرر فيه من دون استشارة أحد، تغيير اسم جبلهم من جبل العرب إلى جبل باشان مستوحياً تسمية توراتية قديمة غير متداولة بين أهالي المحافظة، في سبيل مغازلة إسرائيل.
تلا ذلك تشكيل وقضاء وحرس وطني تتبع مباشرة للشيخ الهجري وتضمّ العديد من ضباط وعناصر الجيش السوري السابق والفرقة الرابعة ورجال مخابرات الأسد من مثل المخبر عودات فواز أبو سرحان، أحد ضباط الحرس الوطني، ومن مثل العميد السابق بالفرقة الرابعة والرئيس الحالي للحرس الوطني جهاد نجم الغوطاني. وقد أمنعت هذه القوات في ترهيب وتخريس المعارضين للشيخ الهجري في أرجاء المحافظة، وصولاً إلى ارتكاب جرائم القتل تحت التعذيب، كما حدث مع الشيخين رائد المتني وصابر فلحوط اللذين اتهما بالخيانة وقُتلا بطريقة وحشية يندى لها الجبين.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم في سياق المطالبة بالحكم الذاتي رفع بعض الأعلام الإسرائيلية في ساحة الكرامة في شهر آب 2025 في المظاهرات التي أعقبت مجازر شهر تموز من العام نفسه، لتعود هذه الأعلام لتُرفع من جديد في المظاهرات المطالبة بحق تقرير المصير في 1 شباط 2026 في ساحة الكرامة، الى جانب صور نتنياهو والشيخ الهجري والشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل .
الطريف، والمضحك المبكي، في رفع صور نتنياهو، أن رفع صور القادة السياسيين في الحشود الشعبية والتزلف لهم هو ممارسة أسدية بامتياز لم ينل مثلها نتنياهو حتى بين أبناء قومه وفي أوساط مؤيديه داخل إسرائيل. الأمر الذي دفع نتنياهو إلى مشاركة الصورة على صفحته على موقع «إكس»، موجِّهاً التحية إلى هؤلاء المطبِّلين، ومدّعياً أنّ إسرائيل ستظلّ دائماً إلى جانب الدروز في سوريا.
معارضة بلهاء وسلطة عمياء
يستمرّ اليوم الاستعصاء السياسي ومحاصرة المحافظة من قبل السلطة القائمة وعزلها عن باقي الأراضي السورية، وإبقاء الطلاب بعيداً عن امتحاناتهم وجامعاتهم، ويستمرّ معه استثمار إسرائيل وزبائنها في جراح وآلام أهالي السويداء، لتحقيق أجندتها في إبقاء جنوب دمشق منطقة منزوعة السلاح وإنشاء منطقة عازلة على حدودها وفتح ممرّ بين الجولان ومحافظة السويداء. وهذا ما بات جلياً من خلال تصريحات نتنياهو المتعاقبة وتقدمة إسرائيل بصفتها حامياً للأقليات في المنطقة ومن خلال اللقاءات والزيارات التي تجريها بعض الوفود الدرزية الإسرائيلية لأروقة الكونغرس الأميركي، ومن بينها الزيارة الأخيرة لوفد ترأسه الوزير الدرزي الإسرائيلي السابق والمقرّب من نتنياهو أيوب قرا، وكذلك الكلمة التي ألقاها الشيخ موفق طريف في جلسة استماع في الكونغرس في 11 تشرين الثاني وتحدث فيها باسم مظلومية دروز سوريا، مطالباً لهم بحق تقرير المصير وبفتح ممرّ آمن يربطهم بإخوتهم في إسرائيل.
أما السلطة القائمة، فتستمرّ في المماطلة في تحمّل مسؤوليتها عن المجازر التي ارتُكبت بحق أهالي السويداء، والتلطّي وراء عمل لجنة تحقيق مشكوك في استقلاليتها ولا يُعرَف متى ستخرج علينا بتقاريرها النهائية وما إذا كانت ستحاسب فعلاً المتورّطين في هذه المجازر. وخير دليل على سياسة التهرّب والتسويف ودفن الرؤوس في الرمال التي تنتجها السلطة القائمة بخصوص السويداء هو ما حدث مؤخراً مع جريمة مقتل أربعة شبان في قرية المتونة على يد عنصر من الأمن العام بعد أن أخذوا إذناً من قوات النظام لقطاف الزيتون في قريتهم التي تم تهجير أهاليها. وبدلاً من أن يتحمل السيد أحمد الدالاتي، رئيس الأمن العام في ريف دمشق والمسؤول الأمني عن ملف السويداء، مسؤوليته ويقدم استقالته من مناصبه بسبب هذا الاعتداء الذي أقدم عليه أحد العناصر التابعة له، تمّ إصدار البيانات التي تعتبر ما أقدم عليه عنصر الأمن تصرّفاً منعزلاً وتتوعّد بمحاسبته الفردية، بدلاً من مُساءلة المنظومة الهرمية الكاملة التي سمحت بارتكاب مجازر شهر تموز 2025 وبرّرتها تحت ذريعة «عناصر غير منضبطة»، وها هي اليوم، تعود من جديد وبعد تشكيل لجان التحقيق وإطلاق الوعود بالمحاسبة، لتستخدم ذات الحجج من ذات القيادات لتبرير جريمة قتل الشبان الأربعة في قرية المتونة المنكوبة.
في الجهة المقابلة، وإن قبلنا بفرضية أن هناك أكثرية صامتة عابرة للطوائف وأنه يمكن أن نستشف من صمتها الراهن موقفاً سياسياً رافضاً للممارسات وانتهاكات السلطة، إلا أننا لا يمكن إلا أن نشعر بالخجل والعار من المواقف المهادنة لبعض قوى المعارضة السياسية التاريخية تجاه ما حدث ويحدث في السويداء. فبدلاً من أن تكون هذه القوى لسان حال الأكثرية الصامتة وأن تعمل لنقلها لحالة القول والفعل والعمل، اكتفت بإصدار البيانات التعميمية التي تضع الجميع على قدم المساواة وتتهرب من إدانة السلطات القائمة ومن دعوتها الى تحمل مسؤولياتها أمام فداحة المجازر التي ارتكبت بحق أهالي السويداء.
سبق للشاعر السوري الجولاني ياسر خنجر القابع تحت الاحتلال الإسرائيلي أن كتب مذكِّراً باليقين الذي يجب أن لا يغيب عنا في هذه اللحظات التي يختلط فيها الحابل بالنابل وتتحول إسرائيل ورئيس حكومتها الملاحق بجرائم ضد الإنسانية إلى المدافع عن الأقليات وحامي الدروز في سوريا، يكتب ياسر خنجر:
اليقين الذي يحتاج إلى تكرار مستمر رغم بداهته كي لا يحرّفه المحرّفون والمنحرفون: سوريا ليست أحمد الشرع أو بشار الأسد، والسوريون ليسوا الدواعش ولا الشبيحة. أما إسرائيل فهي عدو الجميع.
ما زال أصحاب العقول المربعة ينظرون إلى الحياة من منظار الثنائيات القطبية المقيتة، إن لم تكن معي فأنت عدوّي. ليست الحياة لعبة كرة قدم وعليك أن تنتمي لأحد الفريقين، يمكن مثلًا أن تنحاز للقيم التي تؤمن بها دون أن تحشرها قالب ضيّق على مقاس السلاطين. يمكنك أن تكون ضد أحمد الشرع وحكومته المؤقتة وعصاباته وضد فلول نظام بشار الأسد وفي الوقت نفسه ضد إسرائيل والشيوخ والتنظيمات التي تتذلل لها وتلعق حذاءها.
وأنا بشكل شخصي سوريّ ضدهم جميعًا ولا أجد أي معنى للحياة غير السعي إلى العدالة والمحبة والخير والجَمال.
قد يبدو هذا الكلام اليوم شاعرياً أو مجرّد رؤيا، لكن من قال أن الأوطان تبنى بعيداً عن الرؤى والمشاعر؟
ميغافون
——————————
أفق الحلّ في السويداء/ بشير البكر
14 فبراير 2026
بات الحلّ في محافظة السويداء جنوب سورية أقرب منه في أيّ وقت مضى، وأصبح مؤشّر الأمل في الوصول إلى تسوية فوق الصفر، بعد أن ظلّ سالباً منذ يوليو/تموز الماضي، على إثر الأحداث الدامية التي انتهت إلى قطيعة بين الدولة والمحافظة التي اختطفها الشيخ حكمت الهجري بالاعتماد على فصيل الحرس الوطني المسلّح المدعوم من إسرائيل، وسار بها في طريق مسدود، وحاول جرّها إلى مصير لا يقبله أهل جبل العرب الذين كانوا، على الدوام، روّاداً في الدفاع عن وحدة سورية، وليس تمزيقها. وعلى هذا، وُلدت المشاريع الانفصالية ميتةً، ولم ينفخ فيها الحياة رهانُه على دعم إسرائيل، وبعض دعاة التطبيع من العرب.
نهاية نموذج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الانفصالي تعني أن هناك قراراً دولياً بمنع تقسيم سورية ودعم بناء دولة مركزية قوية. وقد أكّدت الولايات المتحدة هاتَين النقطتَين المهمَّتَين في أكثر من مناسبة، وأبلغها الرئيس دونالد ترامب للرئيس السوري أحمد الشرع في واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ولرئيس الوزراء الإسرائيلي أثناء اجتماعه به في البيت الأبيض نهاية العام الماضي (2025)، وهو ما غيّر مجرى المفاوضات بين إسرائيل وسورية. وتسرّب من أوساط مواكبة لها أن المفاوض الإسرائيلي استخدم (في اجتماع باريس أخيراً) لهجةً مختلفةً حيال وضع السويداء عن التي سادت في الجولات السابقة، ولم يتطرّق لمسألة الممرّ (من الجولان المحتلّ مروراً بدرعا والسويداء وحتى شمال شرقي سورية)، الذي كان أحد شروط تل أبيب للتقدّم في مباحثات الاتفاق الأمني.
من بين المؤشّرات المهمّة على سحب البساط من تحت أقدام الهجري تراجع صوت الداعين إلى انفصال المحافظة وأصحاب مشروع التحالف مع إسرائيل، بعد أن أدركوا أن موقف الشيخ موفق طريف معارض لانفصال السويداء، ومع تفاهم المحافظة مع الدولة السورية. وهذا أمر غير تفصيلي في مسار الأزمة، لأنه يُعدُّ المرجع ذا التأثير الأكبر في مجرياتها، وله كلمة مسموعة لدى دروز العالم كافة. ومن المتوقّع أن يترجم موقفه في الفترة المقبلة بالضغط على الهجري، ومن ساند مشروعه الانفصالي، كي ينسحبوا من المشهد، وتقديم الأصوات الداعية للحوار والحلّ تحت خيمة الدولة، وذلك بعملية إخراج من المرجَّح أن تقوم بها مراجع درزية من لبنان، وأن تتولّى دولةٌ عربيةٌ مهمّة تفكيك “الحرس الوطني” ونزع سلاحه، وتهيئة الأرضية الأمنية لعودة المحافظة للدولة، وذلك تمهيداً لنزع السلاح الثقيل من منطقة الجنوب ككل، وفقاً لمنطق الاتفاق الأمني بين سورية وإسرائيل.
سورية موحّدة ومركزية ليست مصلحةً سوريةً فقط، بل هي في أساس استقرار منطقة الشرق الأوسط، حسب التصوّر الذي تعمل عليه إدارة ترامب بالتوافق مع أطراف إقليمية مثل تركيا والسعودية وقطر، وهي الدول الثلاث الداعمة للرئيس الشرع منذ وصوله إلى دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. ومن أجل نجاح مشروعه في إعادة توحيد سورية وبناء الدولة، وضعت ثقلها لرفع العقوبات الأميركية، وأقنعت واشنطن بضرورة إعطاء الرئيس السوري فرصةً كي ينجح في مهمته الأساسية، وأن يكون عضواً في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وتحقيق الأمن في الشرق الأوسط.
بات الدعم الأميركي والرعاية السعودية القطرية التركية بمثابة سياج لحماية وحدة سورية وضمانة لاستقرارها، ومحفّزاً لإعادة بناء الدولة المركزية القوية. ولكن ذلك لا يكفي وحده، ما يحتّم على السلطة (باتت بمنأى عن التهديدات) أن تعمل على نحو جادّ لترسيخ السلم الأهلي، ليس بعودة السويداء فقط، بل بمداواة جراح الساحل السوري، وحلّ المسألة الكردية على أسس دستورية. ولن يحصل ذلك من دون بناء دولة المؤسّسات والقانون، على أساس الشراكة الكاملة للسوريين كافّة بغض النظر عن الهُويّات الفرعية. ومن لم يدرك من السوريين هذه المعادلات كلّها، فسوف يقصي نفسه من عملية التحوّل.
العربي الجديد
——————————
وزير الخارجية السوري: هذا هدفنا من المفاوضات مع إسرائيل وتجنبنا حربا أهلية
قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن المسار الذي اختارته الحكومة بعد إزاحة النظام السابق لم يكن سهلا، مشيرا إلى أن البلاد واجهت تحديات مرتبطة بمخلفات المرحلة الماضية وتدخلات خارجية سعت، وفق تعبيره، إلى دفع سوريا نحو حرب أهلية.
وفي حديثه خلال الدورة الـ62 لمؤتمر ميونخ للأمن، قال الشيباني إن العمليات العسكرية والقصف الإسرائيليين “يهددان الاستقرار ويثيران القلق”، مشيرا إلى أن أكثر من ألف غارة استهدفت مواقع عسكرية سورية، إضافة إلى احتلال مناطق واعتقال مواطنين سوريين.
وأضاف أن بلاده “تتعامل بواقعية” مع هذا الملف، وتركز على التعافي وإعادة الإعمار، مشيرا إلى وجود مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بوساطة الولايات المتحدة.
وأوضح أن الهدف من هذه المفاوضات يتمثل في انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ووقف الانتهاكات للمجالين الجوي والبري السوريين.
ورأى أن إسرائيل “تبالغ في اعتبار سوريا تهديدا لأمنها”، معتبرا أن المقاربة العقلانية تخدم استقرار المنطقة ومستقبل الأجيال السورية.
ترسيخ الاستقرار
وفي ملف آخر، قال وزير الخارجية السوري إن سوريا تعمل على ترسيخ الاستقرار الداخلي وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية، في إطار مسار يهدف إلى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
وعن التطورات في محافظة السويداء، أكد الشيباني أن الحكومة لم تتنصل من مسؤولياتها، وأنها تعاملت مع الأحداث بحضور مباشر وبالشراكة مع منظمات أممية، ما أفضى إلى تشكيل لجنة تحقيق.
وقال إن الدولة عملت على وقف “تسليح المليشيات”، موضحا أن بعض المصالح الشخصية الضيقة تعارضت أحيانا مع المصلحة الوطنية، لكن الحكومة تمكنت من تفادي الحرب الأهلية.
وأشار الوزير السوري إلى أن بلاده “فسيفساء من الأعراق والطوائف”، وأكد أن الهوية الوطنية يجب أن تمثل الجميع دون تمييز، لافتا إلى أن مسألة التمثيل السياسي، بما في ذلك تمثيل النساء، تخضع لمراجعات مستمرة في إطار بناء تجربة سورية خاصة.
العقوبات والاستثمار
في السياق، قال الشيباني إن رفع العقوبات، بما في ذلك التي فرضت بموجب “قانون قيصر”، يمثل “فتحا للأبواب وليس نهاية المسار”، مؤكدا أن سوريا لا تزال بحاجة إلى استثمارات خارجية لإعادة بناء المدن والبنية التحتية، بما فيها المستشفيات والمدارس.
إعلان
وأضاف أن الحكومة لم تتلقَّ حتى الآن دعما استثماريا ملموسا، مشيرا إلى أن المرحلة الأولى بعد التغيير السياسي اتسمت بحذر دولي تجاه المسار السوري.
وفي ملف اللاجئين، أشار الشيباني إلى أن تقديرات الأمم المتحدة تتحدث عن نحو 1.7 مليون لاجئ سوري، معتبرا أن العدد قد يكون أكبر.
وأكد الشيباني أن الحكومة السورية تدعم حق كل مواطن في العودة، لكنها تسعى إلى “عودة مستدامة” تضمن قدرة العائدين على المساهمة في التنمية وإعادة الإعمار، بدلا من عودة عاطفية غير مدروسة.
المصدر: الجزيرة
——————————–
آلاف الدونمات العامة في السويداء تتحول إلى مصدر تمويل للميليشيات
شباط 14, 2026
في تصعيد جديد لسياسات فرض الأمر الواقع والاستيلاء على الثروات العامة في محافظة السويداء، تواصل ميليشيا الحرس الوطني توسعها في السيطرة على الأراضي الزراعية، محولة إياها إلى مصدر تمويل ذاتي تحت غطاء إزالة التعديات ومحاربة الفوضى.
نهب آلاف الدونمات بحجة إزالة التعديات
كشفت شبكات إخبارية محلية أن ميليشيا الحرس الوطني استولت على آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية العامة في منطقة ظهر الجبل شرقي مدينة السويداء، وهي أراضٍ خصبة تشتهر بزراعة التفاح بفضل تربتها البركانية الحمراء.
وأفادت الشبكات بأن ما يسمى مسؤول قطاع مدينة السويداء في ميليشيا الحرس الوطني فراس الورهاني، وبمؤازرة المدعو شادي مرشد، قادا عملية مصادرة واسعة طالت نحو 7000 دونم من الأراضي الزراعية، بحجة “إزالة التعديات” التي حدثت بعد سقوط النظام البائد.
مشاريع عامة تتحول إلى استثمار خاص
لم تقتصر عمليات السيطرة على الأراضي الفردية، بل شملت مشاريع زراعية عامة كبرى، أبرزها: مشروع اتحاد العمال، ومشروع اتحاد الفلاحين، ومركز البحوث الزراعية.
ووفقاً للشبكات، يتم حالياً طرح هذه المشاريع للاستثمار، على أن تذهب عائداتها المالية بالكامل لخزينة ميليشيا “الحرس الوطني” لتغطية نفقاته ورواتب عناصره.
تشريع النهب
في سياق متصل، كشفت الشبكات عن دور يلعبه مكتب الشيخ حكمت الهجري في بلدة قنوات، بالتعاون مع “اللجنة القانونية العليا في السويداء” ممثلة بالمدعو مهند أبو فاعور، في إضفاء الشرعية على هذه الانتهاكات.
وأوضحت أن الجهتين تعملان على إصدار عقود استثمار لأراضٍ زراعية تابعة للأملاك العامة تمتد من قرى “مفعلة” و”البجعة” وصولاً إلى أراضي منطقة شهبا.
ويتم تحويل عائدات هذه الأراضي إلى صندوق “التنمية” التابع للجنة القانونية العليا، في عملية تهدف إلى خلق غطاء ديني وقانوني لعملية نهب واسعة للأملاك العامة، وتحويل الثروة الزراعية في المحافظة إلى مصدر دخل للفصائل المسلحة والكيانات الموازية.
وتأتي هذه العمليات في إطار حملة سطو منهجي لم تسلم منها حتى مرافق الدولة الخدمية ولا مرافق القطاع الخاص، حيث تمت سرقة كل الأجهزة التقنية من مبنى الهجرة والجوازات، وتعرضت المدينة الرياضية لعملية تفكيك كاملة.
وتشكل هذه العمليات جريمة مزدوجة بحق المجتمع والدولة معاً؛ فهي تبدأ بفراغ السلطة وتنتهي بتفكيك كل ما يمكن أن تقوم عليه سلطة أو حياة كريمة، وهذا يؤكد أن السكان يعانون ليس فقط من انعدام الأمن، بل من فقدان مقومات حياتهم الاقتصادية والخدمية الأساسية، وضياع أي أمل في عودة الحياة الطبيعية أو إعادة الإعمار.
ولا تأتي هذه السرقات من فراغ، بل هي جزء من مشهد انهيار شامل تتصاعد وتيرته بشكل خطير، كما تُظهره الجرائم اليومية المنظمة التي تحولت فيها السويداء إلى سوق مفتوح لبيع ممتلكات الشعب العامة والخاصة.
المصدر: الإخبارية
——————————
===================



