التضليل السياسي في المشهد السوري.. يأس إعلامي للبحث عن انتصارات وهمية/ أغيد أبو زايد

فبراير 17, 2026
رغم المزاج السياسي الواضح تجاه سوريا والتأكيد المستمر على وحدة البلاد واستقرارها، إلا أن بعض الجهات ما زالت تعمل على إحداث التوتر من خلال صناعة الفوضى عبر الفضاء الرقمي وعكس ذلك على الأرض، في محاولة لتثبيت الأمر الواقع وزعزعة الثقة بين المجتمع السوري من جهة والدولة السورية الجديدة من جهة أخرى، لكن هذا النمط لم ينجح، كون تأثيره لا يتجاوز بضع ساعات، ومبني على معلومات مضللة بهدف التوظيف السياسي الداخلي.
إذ تستغل هذه الحملات عادة اللعب على الوتر الطائفي والعنصري، وإيهام بعض المكونات بأن هناك تغيرا في المزاج الدولي تجاه الإدارة السورية الجديدة، في وقت باتت بعض الجهات مكشوفة الأجندات ولم تعد تحظى بحاضنة شعبية، في ظل ممارساتها وارتكاب انتهاكات في مناطق سيطرتها لفرض سلطة الأمر الواقع، حيث تعمل على بث أخبار مضللة لإحداث التباس لدى الجمهور وتفاعل واسع عبر مواقع التواصل، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تصاعد خطاب الكراهية بين مكونات المجتمع السوري.
هذا التوجه كان واضحا في عدة حملات عملت عليها جهات خارجة عن القانون، كان آخرها التضخيم الإعلامي لجلسة غير رسمية عقدت في الكونغرس الأميركي، إذ جرى إبرازها على أنها “جلسة رسمية” خصصت لمناقشة الأوضاع في محافظة السويداء جنوبي سوريا، في حين أن الجلسة لم تكن لها أي صفة تشريعية وكانت عبارة عن إحاطة غير رسمية.
ويتكرر الأمر ذاته في قضايا محلية أخرى تتعلق بالأوضاع الميدانية في الجزيرة السورية والاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد”، الذي يجري العمل على تنفيذه، حيث يتم تحريف التصريحات الرسمية وغير الرسمية، مما يدخل الجمهور في حالة عدم يقين بمسار تنفيذ الاتفاق ومستقبل المنطقة القريب.
روايات مضخمة لجلسة في الكونغرس الأميركي
الأربعاء الماضي، عقدت جلسة إحاطة غير رسمية في مبنى “الكابيتول” في العاصمة الأميركية واشنطن، تناولت قضايا دفاعية وتوعوية حول حماية الدروز والمسيحيين والأقليات الأخرى في سوريا، نظمتها منظمات ضغط ومجموعات بحثية صغيرة لا تملك صفة تمثيلية رسمية. لكن رغم محدودية الحدث، جرى تضخيمه إعلاميا عبر منصات التواصل الاجتماعي لخلق انطباع بوجود تحول كبير في المزاج الأميركي تجاه سوريا، وتصوير الإحاطة على أنها خطوة تاريخية.
وتم بث روايات مضخمة وغير دقيقة حول الجلسة غير الرسمية، والحديث عن أنها مخصصة للاعتراف بـ “مجزرة ضد الدروز” ومنح “حق تقرير المصير”، أو لضم الدروز إلى “مشروع حماية الكرد”، في حين أن المعلومات تؤكد أن ما جرى ليس جلسة تشريعية ولا اجتماعا رسميا له صفة قانونية أو سياسية مباشرة، ولم تتم بدعوة من لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي.
لكن هذا التضخيم وبث معلومات مضللة عبر الفضاء الرقمي عملا على خلق حالة التباس لدى الجمهور وأحدثا تفاعلا واسعا اتسم بارتفاع خطاب الكراهية والاستقطاب السياسي، نتيجة اللعب على الوتر الطائفي والعنصري، بما يؤدي إلى زيادة الشرخ بين مكونات المجتمع السوري والعودة إلى الاصطفاف الطائفي والقومي، رغم أن تلك الأخبار لا أساس لها من الصحة، حيث كانت الجلسة عبارة عن لقاء توعوي محدود نظمته منظمات مثل “دروز نكسس” و”مجلس الشؤون العامة للدروز العالمي” بالتعاون مع الناشط الأميركي تيم بالارد، بينما حظيت برعاية شكلية من عضو الكونغرس مارلين ستوتزمان، من دون أي صفة تشريعية.
إذ يهدف مثل هذا النوع من الجلسات إلى الاستماع إلى وجهات نظر معينة، في حين لا يترتب عليها أي التزام سياسي من الإدارة الأميركية ولا تعد مقدمة لاعتراف دولي أو تغيير في خارطة التحالفات، أي أنها لا تحمل أي أثر قانوني أو سياسي يذكر.
الأمر ذاته تكرر في جلسة الاستماع للجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي في العاشر من شباط الجاري، والتي حملت عنوان “سوريا عند مفترق طرق: تحديات السياسة الأميركية بعد الأسد”، حيث كانت جلسة استماع تحليلية فقط، وخرجت برسائل واضحة تدعم وحدة الأراضي السورية والإشادة بدمج الهياكل العسكرية ضمن وزارة الدفاع السورية، إلى جانب الاعتراف بدور الشراكات الإقليمية والتركيز على الاقتصاد وإعادة الإعمار.
ولم يقف التضخيم الإعلامي عند جلسات الكونغرس الأميركي، بل امتد إلى الأوضاع الداخلية في سوريا، خاصة ما يحصل في محافظة السويداء جنوبي البلاد، إلى جانب مجريات الأحداث في الجزيرة السورية وتنفيذ الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية من جهة وتنظيم “قسد” من جهة ثانية، بهدف تعميق الانقسام بين مكونات الشعب السوري، خاصة في المناطق التي ما زالت تشهد أحداثا وممارسات خارج إطار القانون من قبل ميليشيات ترفض الاتفاقات وتعمل على إفشالها.
ما الهدف من التضخيم؟
هذا التضخيم الإعلامي وبث الأخبار المضللة يسعيان إلى خلق أوهام سياسية وإيهام الجمهور المتلقي بوجود دعم دولي خاص لمكون معين، بما يسهم في إرباك المشهد السوري ودخوله في دوامة عدم الاستقرار وخلق تجاذبات سياسية تبقي السوريين في حالة عدم يقين، إلى جانب زعزعة الثقة بالدولة السورية الجديدة.
يجري بث هذه الأخبار عبر حسابات تنشط عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتعتمد على نشر الخبر ذاته بصيغ مختلفة من خلال آلاف الحسابات، ثم تعود وسائل إعلامية تابعة لنفس الجهة بنقلها من مصادر خاصة ونسبها إلى مسؤولين حكوميين ووكالات أنباء، ما يعطيها طابع الموثوقية، لتبدأ بعدها حملات مناصرة وتأييد لتحريض الطرف الآخر على الرد من خلال خطابات طائفية وقومية، في وقت تشهد البلاد توترا سياسيا داخليا بعد سنوات من الحرب وتداعياتها على المجتمع المنهك.
بحسب الصحفي والخبير في السلامة المهنية وأخلاقيات النشر خالد القضاة، فإن “التضليل الإعلامي وظيفته سياسية”، موضحا أن كل جهة أو منظومة سياسية إذا لم يكن لديها خطاب مقنع وحاضنة شعبية ولم تكن صادقة في مشاريعها في بناء دولة، أو أنها تسعى بخطوات ديمقراطية أو وفقا للقانون للوصول إلى مراكز قيادية لبناء ذلك المجتمع، فإنها لن تستسلم في حال عدم قدرتها على الوصول أو التأثير على الرأي العام من خلال طرح معلومات حقيقية وطرح منطقي يعالج قضايا الناس، فتلجأ إلى التضليل الإعلامي.
وأضاف في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أن “التضليل الإعلامي يحاول حرف الناس عن البوصلة، والتشكيك بكل منجز، والتقليل من كفاءة الأشخاص، وتخويف الناس من المستقبل، وزرع الشك في نفوسهم، وبث حقائق مجتزأة وقصص غير واقعية”، وفق حديث القضاة لصحيفة “الثورة السورية”.
يأتي ذلك في إطار واحد فقط “هو زعزعة الثقة وحرف البوصلة عن قضايا البناء باتجاه التشكيك وعدم خلق بيئة إيجابية في المجتمع تسعى لأن تكون حاضنة للقوى الشعبية أو للقوى الحقيقية التي تسعى إلى بناء الدولة”، وفق القضاة. وأوضح أن “التضليل في الجانب السياسي هو أحد الأدوات التي تستخدمها المنظمات في حرف البوصلة عن أهداف حقيقية باتجاه تشويش الرأي العام، وأحيانا باتجاه التشكيك سواء كان بالأشخاص أو المشاريع أو حتى بالسيناريوهات المستقبلية استنادا إلى حقائق أو إلى أنصاف حقائق، وأحيانا إلى تضليل مبني على أنصاف حقائق، أو أحيانا إلى ربط مجتزأ”.
يتفق في ذلك الصحفي الاستقصائي حزم المازوني، في الإشارة إلى أن التضليل الإعلامي هو أحد أدوات التأثير على الجمهور والمتفق عالميا على نجاعتها، إذ “يمكن عن طريق حملات التضليل السياسي تحريك الناس وإطلاق ثورات أو تغطية مجازر”.
يهدف التضليل الإعلامي السياسي إلى تحريف المعلومات في الوعي العام لدى الجمهور أو ترسيخ بدائل الحقيقة والواقع وتحويل المعلومات المضللة إلى حقائق ثابتة، بينما يكمن الهدف النهائي في “تحقيق تحول سياسي معين، كأن يتغير توجه الناخبين العام في منطقة أو دولة، أو يتغير توجههم السياسي نحو قضايا سياسية معينة”، بحسب حديث المازوني لصحيفة “الثورة السورية”.
هذا التضخيم الإعلامي والتضليل في الحقائق يحمل في طياته أهدافا تخدم قوى تعمل على تثبيت الأمر الواقع الحالي في السويداء والجزيرة السورية، من خلال إضفاء انطباع للحاضنة الشعبية بأن هناك دعما دوليا قريبا، ما يعزز موقف هذه القوى سياسيا، إضافة إلى أن ربط ملف السويداء بالجزيرة السورية يتماشى مع مصالح إقليمية تسعى إلى إبقاء البلاد في حالة تفكك مجتمعي وانقسام وإعادتها إلى الفوضى الأمنية.
نمط ممنهج
حملات التضليل الإعلامي والتضخيم ليست حديثة، بل رافقت التحول التاريخي السياسي السوري منذ أيامه الأولى بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، بهدف زعزعة ثقة السوريين، بما يعطي طابعا سلبيا للتغيير الذي وقع في البلاد بعد 14 عاما من الثورة السورية، ما يبقي سوريا في حالة عدم استقرار لسنوات ويعمل على تقسيمها مناطقيا وطائفيا، من خلال العمل على تأجيج الانقسامات الاجتماعية وزرع الشك المتبادل بين مكونات الشعب السوري، الأمر الذي يعرقل مسار تحقيق الاستقرار عبر تحويل الفوضى في الفضاء الرقمي إلى واقع فعلي على الأرض.
رغم ذلك، لم تنجح هذه الحملات في إحداث تغيير ملموس على الأرض بعد تكرار النمط ذاته من الحملات وكشفها، خاصة خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ لوحظ ذلك خلال العملية الأمنية في الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وما تبعها من حراك شعبي في الجزيرة السورية ومحاولة جر المنطقة إلى حرب أهلية بين العرب والكرد، إلى جانب محاولة استفزاز واضحة من قبل ميليشيا “الحرس الوطني” التابعة للزعيم الديني حكمت الهجري للعشائر في السويداء مجددا وخلق مظلومية لتوظيفها سياسيا.
رغم هذا الوعي، إلا أنه لا يعتبر كافيا، إذ يتوجب على الحكومة السورية لعب دور أكبر في هذا الجانب، إذ يرى الصحفي حزم المازوني أن “دور المجتمع في مكافحة هذه الظاهرة ضعيف جدا، لأن مكافحة التضليل تحتاج إلى وعي عال جدا بتكتيكات وأدوات ووسائل التضليل وخبرة عالية في الإعلام واللغة والمنطق”، ما يعطي الحكومة السورية دورا أكبر في تعزيز الوعي “بدعم قطاع الإعلام السوري الحر المهني، وأضع عشرين خطا تحت كلمة المهني، إلى جانب إطلاق حرية التعبير للإعلام وتأسيس مراكز البيانات والمعلومات الحكومية، فهناك عرف عام في الإعلام يقول: لا يمكنك مجادلة الأرقام”.
وأشار المازوني في حديث لصحيفة “الثورة السورية” إلى أهمية إنشاء مكاتب إعلامية في كل وزارة من الوزارات وفي المؤسسات الحكومية الكبرى، ويجب أن تدير هذه المكاتب فرق إعلامية مهنية وقادرة على مواكبة التطورات في الإعلام الجديد، بمعنى أنه “يجب أن يكون في كل وزارة فرق إعلامية ترصد الأخبار المضللة وتقوم بنفيها وتنشر المعلومات الصحيحة للجمهور”.
يؤكد ذلك الصحفي والخبير في السلامة المهنية وأخلاقيات النشر خالد القضاة، بأن الأهم العمل على ألا تكون للشائعات والتضليل الإعلامي بيئة حاضنة واللعب على التناقضات، من خلال تحصين المجتمع ليكون بيئة لا تستطيع حملات التضليل النمو فيها عبر الانسيابية في تدفق المعلومات وإقرار ذلك بقانون، بمعنى أن مؤسسات الدولة تسعى إلى انسيابية المعلومات وعرضها للجمهور دون طلبها، موضحا أن “كلما كان هناك تدفق سلس للمعلومات أصبحت البيئة صعبة على التضليل السياسي”.
في سياق ذلك، أطلقت وزارة الإعلام السورية أمس الأحد مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026 تحت شعار “إعلام مهني.. وكلمة مسؤولة”، إذ قال الوزير حمزة المصطفى إن مواجهة خطاب الكراهية تبدأ من داخل الحقل الإعلامي نفسه قبل التوجه إلى الجمهور، وذلك من خلال التزام المؤسسات الإعلامية والصحفيين بمحددات ناظمة واضحة ومفصلة يجري التوافق عليها، بما يضمن عدم تسلل هذا الخطاب إلى وسائل الإعلام، سواء كانت حكومية أم خاصة، مشيرا إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب إطارا واضحا يحمي حرية التعبير ويصونها ضمن معايير مهنية محددة.
أخيرا، فإن التضليل الإعلامي والتضخيم في المشهد السوري لا يخرج من إطار اليأس السياسي لبعض القوى، لذلك فهو يتطلب وعيا اجتماعيا كافيا مقرونا بعمل حكومي على مكافحة هذه الظاهرة التي تستغلها منظمات وقوى تسعى إلى التوظيف السياسي لإحداث أمر واقع في سوريا، بما يخدم مصالح إقليمية ودولية تعمل على زعزعة الثقة بين المجتمع السوري وإبقاء البلاد في حالة عدم استقرار سياسي داخلي وخارجي، بما ينعكس سلبا على الأوضاع الأمنية والاقتصادية.



