تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

السياسة السورية.. بين الخيارات الوطنية والرهانات الخارجية/ فيصل علوش

18 فبراير 2026

بدا المشهد في ميونيخ لافتًا على نحو كبير؛ وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، وإلى جانبه قائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، مظلوم عبدي، ومسؤولة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، يجتمعون معًا مع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، وذلك بعد قرابة أسبوعين فقط من الاتفاق الموقع بشأن دمج “قوات سوريا الديمقراطية” وما تبقى من “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة السورية العسكرية والمدنية.

الوفد الكردي السوري كان وصل إلى ميونيخ بدعوة خاصة من القائمين على مؤتمر الأمن العالمي السنوي الذي يعقد في المدينة، وليس كجزء من الوفد السوري الرسمي الذي شارك في أعماله. ولا نعرف على وجه اليقين إن كان اشتراكه في اللقاء مع روبيو قد تم بمبادرة من الوزير الشيباني أم لا؟ لكن، وفي كل الأحوال، فقد انطوى الحدث على مؤشرات رمزية بالغة الدلالة، تعزز من الفرص المتاحة لتنفيذ الاتفاق المبرم بين دمشق و”قسد”. وقد زاد من تعزيزها تصريح الشيباني الذي قال فيه: “نحن لا ننظر إلى قوات سوريا الديمقراطية كعدو، بل كشريك”، على الضد من نزوع بعض جمهور السلطة لشيطنة “قسد” والتحريض عليها.

بعد اللقاء بيوم واحد، وصف روبيو لقاءه بالشيباني وعبدي بأنه “تاريخي”. وأقرّ بأن “تطبيق اتفاق الاندماج لن يكون سهلًا”، إلا أنه شدّد على وجوب تنفيذه بأي حال، علمًا أنّ خطوات مهمة قد شُرِع بتنفيذها على الأرض؛ مثل دخول قوات حكومية محدودة إلى مدن كانت تحت إدارة “قسد”، وتعيين محافظ للحسكة بمرسوم رئاسي بناء على ترشيح من “قسد”، بالتزامن مع صدور قرار من وزير الإدارة المحلية، “يمنح المحافظين صلاحيات واسعة كانت حصرية بيد الوزير”، في خطوة وصفت بأنها تأتي في إطار “تعزيز اللامركزية على مستوى الإدارات المحلية”. فهل تندرج هذه الخطوات جميعها في إطار مسار اندماج وطني مستدام بين الجانبين، أم أن الأمر مجرد تسوية مؤقتة فرضتها موازين القوى المحلية والإقليمية، ويمكن أن يصار إلى نقضها في حال تبدل هذه الموازين؟

الدوافع والمحددات السياسية

ما يدفعنا إلى هذا التساؤل، ليس المصير الذي آلت إليه اتفاقات سابقة بين الطرفين فحسب، بل الشكوك التي تحوم حول الدوافع والمحددات الرئيسة التي تلعب دورًا في اتخاذ ورسم مواقف وسياسات أغلب الفاعلين السياسيين في الساحة السورية؛ هذه الدوافع والمحددات التي لا تنطلق دائمًا من المصلحة الوطنية المنزهة عن أغراض أخرى، وخصوصًا تلك المتعلقة برهانات أو ارتباطات تتصل بدول أخرى، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية العليا.

لنحاول أن نفصّل أكثر؛ وكالة “رويترز” نقلت عن مسؤول غربي كبير أن الإدارة الأميركية نصحت الرئيس السوري أحمد الشرع “التحلي بأقصى قدر من المرونة” في التعامل مع مطالب “قسد”، مشيرة كذلك إلى وجود “رغبة أميركية في أن يتمتع الأكراد بدرجة من الاستقلالية” داخل سوريا، شريطة ألا يشكل ذلك تهديدًا لـ”وجود سلطة مركزية قوية وفاعلة في دمشق”.

ونقل كذلك عن وزير الخارجية الأميركي قوله إن بلاده اختارت العمل مع الحكم السوري الجديد، “بدلًا من ترك سوريا تنزلق نحو التفكك والفوضى”. وإن “هناك اتفاقات أخرى، (من النوع نفسه الذي عقد بين دمشق و”قسد”)، على الحكومة السورية إبرامها مع الدروز والبدو والعلويين، وسائر مكونات المجتمع السوري المتنوع جدًا”. هنا يجدر بنا أن نتساءل؛ إذا كان على الإدارة الجديدة في دمشق أن تفعل ذلك، فلماذا لم تبادر إليه منذ البداية؟ لماذا لم تُطرح هذه القضية، بحضور ممثلين عن تلك المكونات جميعها، في إطار “مؤتمر الحوار الوطني” الذي تم سلقه على عجل؟ ثم هل من الصحيح أن تفعل ذلك مع كل مكون على حدة؟ وعلى فرض أن الاتفاقات المعقودة مع هذه المكونات سترسو على شكل من أشكال “اللامركزية الإدارية”، ألم يكن الأجدى لدمشق أن تناقش ذلك وتتفق عليه في مؤتمر وطني جامع تتمثل فيه مختلف تلاوين وأطياف المجتمع السوري؛ السياسية والدينية والقومية والأثنية.. الخ؟

الإرباك والتخبط السياسي

في الغضون، انعقدت جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي قبل أيام قليلة، تضمنت انتقادات متفاوتة اللهجة للأوضاع الحالية في سوريا وسلطتها الجديدة، (وخاصة في ملف التعامل مع الأقليات)، فضلًا عن أن بعض الكلمات حملت تهديدات بإعادة فرض العقوبات مجددًا. بعدها، أعلن مظلوم عبدي تمسك الأكراد في شمال شرقي سوريا بـ”حكم محلي لا مركزي تحت أي مسمى”، وبدا موقفه هذا وكأنه يعود ليلقي بظلاله على إمكانية تطبيق الاتفاق الأخير بين “قسد” ودمشق، أو لنقل أنه عكس على الأقل شيئًا من الإرباك والتخبط في الرؤية الكردية؛ بين المضي قدمًا في استحقاق الاندماج ضمن الدولة السورية، أو التشبث بمطلب الإدارة الذاتية أو (المحلية).

هذا التخبط يتضح حتى بالمقارنة مع البيان الذي صدر أخيرًا عن “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، الذي شدد على أن “الحل السياسي السوري– السوري يمثل (الخيار الوحيد) لإنهاء الصراع في البلاد”، مُعلنًا عن استعداد “مسد” لـ”الانخراط الإيجابي في تشكيل مستقبل سوريا، ووضع كامل طاقاته في خدمة مشروع وطني جامع يهدف إلى بناء دولة سورية ديمقراطية حديثة مستقلة القرار”، ومؤكدًا أن “مستقبل البلاد يُبنى بالشراكة بين جميع أبنائها وبإرادة وطنية حرة”.

وكان من اللافت أن يعلن المجلس رفضه القاطع لأي تدخلات خارجية في الشأن السوري، و”نبذ سياسة الاستقواء بأي جهة إقليمية أو دولية على حساب السيادة الوطنية”، وهذا موقف جديد وطيب من “المجلس” الذي سبق لإحدى القياديات فيه وناشدت إسرائيل التدخل إبان اندلاع الأحداث الأخيرة في الأشرفية والشيخ مقصود في حلب!

الأولويات المنشودة

والحال، فإن المشروع السياسي الجامع والقابل للحياة في سوريا لا بد له أن يكون وطنيًا، أي أنه لا يمكن أن يُبنى على الانتماءات والعصبيات الطائفية والعشائرية والقبلية ما دون الوطنية، مثلما لا يمكن له أن يبنى كذلك على الانتماء أو الهوية العابرة للحدود، أو “ما فوق الوطنية”، مهما تجمّلت هذه الهوية بالرطانة اللغوية والخطابية؛ عربية كانت أو إسلامية، فمثل هذه الرطانة لا تقدم حلولًا عصرية للأطر القانونية والسياسية التي ينبغي لها أن تربط المواطن بدولته. فالمُواطَنَة علاقة قانونية صرفة بين الفرد والدولة، تتجسّد في تنظيم الحقوق والواجبات داخل هذه الدولة، بعيدًا عن أي تراتبية أو تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجندر، أو أية انتماءات أخرى.

وفي الحالة السورية الممزقة بين الانتماءات الهووية الفرعية، فإن الأولويات السياسية التي يمكن أن تساعد في بناء سوريا الجديدة؛ كدولة مواطنة وقانون ومؤسسات، ولا تقبل بأي إقصاء أو تهميش، يُفترض بها أن تتمحور على العمل الوطني العابر للطوائف والقبائل والأيديولوجيات، بالاستناد إلى عقد اجتماعي واضح وجامع، يقوم على الشراكة والعدالة، ويربط الدولة بمختلف فئات ومكونات الشعب، ويُعنى كذلك بمختلف أرجاء البلد الجغرافية كأجزاء لا تتجزأ من سوريا الموحدة، مع اعتماد مبدأ الحوار وتحييد العنف والسلاح في حل الخلافات الداخلية، وضمان الأمن والخدمات الأساسية وفرص العيش الكريم للجميع.

مثل هذه المبادئ والأولويات هي ما يمكن أن يقطع الطريق على التدخلات الخارجية، وعلى مشاريع الانفصال أو التقسيم، وهي التي تحمي المجتمع في نهاية المطاف، وتمنع انزلاقه نحو المزيد من التشظي والاقتتال والفوضى.

فالسوريون متعبون ومنهكون، وقد سئموا الحروب، ولا يريدون سوى الحد الأدنى من شروط الحياة الطبيعية والسياسية لا أكثر.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى