تشريح الدمار الثقافي السوري: من الاحتواء إلى الإبادة/ يوسف م. شرقاوي

الأربعاء 2026/02/18
لم تكن الثقافة في سورية، خلال العقود الستة الماضية، مجالاً مستقلاً للإبداع أو التفكير الحر، بل تحوّلت تدريجياً إلى ساحة صراع غير معلن بين السلطة والمجتمع. فالثقافة، بما تحمله من قدرة على إنتاج المعنى وصياغة الوعي الجمعي، شُكّلت بوصفها خطراً محتملاً، لا مورداً وطنياً. ومن هنا بدأ مسار طويل من التفريغ المنهجيّ، انتهى بما يمكن تسميته اليوم “الدمار الثقافي”، وهو دمار سابق للحرب وممهِّد لها، لا نتيجة لها فقط.
هذا المفهوم يتقاطع بوضوح مع ما يطرحه د. بدر الدين عرودكي في كتابه “الثقافة في سورية من الدمار إلى البناء – محاولة في تشخيص الدمار الثقافي في سورية 1963 – 2010” الصادر عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة، إذ يربط بين السياسة الثقافية غير المكتوبة وبين النتائج الكارثية التي أصابت المجال الثقافي السوري.
التسييس المبكّر
منذ استيلاء حزب البعث على السلطة العام 1963، لم تُصَغ في سورية سياسة ثقافية رسمية واضحة المعالم، بل جرى العمل وفق منظومة ضمنية من المحظورات والمسموحات. يوضح عرودكي أنّ هذه السياسة قامت على ركيزتين متكاملتين: الاحتواء الناعم عبر وزارة الثقافة والمؤسسات الرسمية، والاحتواء القمعي عبر الأجهزة الأمنية. لم يكن الهدف تنظيم الثقافة، بل السيطرة عليها ومنع تحوّلها إلى فضاء مستقل قادر على مساءلة السلطة أو المجتمع.
خلال المرحلة الممتدة بين 1963 و1970، خضعت الثقافة لعملية تسييس فجّة، إذ جرى ربط الإنتاج الثقافي بالخطاب القومي التعبوي السائد آنذاك ضمن إملاءات السلطة. بالإضافة إلى ذلك، فقد جرى تهميش الفنون والآداب التي لا تخدم السردية الرسمية، مقابل تشجيع نماذج خطابية مباشرة وفقيرة فنياً، ضمن ما تتيحه السلطة من مستويات النقد. أما الأعمال الجادّة فقد أُهمِلت أو مُنعت، سيّما في المرحلة الأسدية الأولى، كما حدث مع مسرحية “توراندوت” للمسرحيَين السوريَين لفواز الساجر وسعد الله ونوس، على حساب السماح لأسرة “تشرين” المسرحية بالاشتغال وفق ما تتيحه السلطة، وسبق أن أشرنا إلى ذلك في مقالة “المسرح السوري تحت رقابة حافظ الأسد.. أسرة تشرين في مواجهة سعد الله ونوس”.
أسّس هذا التمييز بين الثقافة الآمنة والثقافة الخطِرة، لانقسام عميق داخل الحقل الثقافي، وهو ما يُشار إليه في دراسة عرودكي بوصفه بداية تفريغ الثقافة من بُعدها النقدي، لا عبر المنع الكلّي، بل عبر إعادة توجيهها.
الاحتواء بدلاً من المنع
مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة العام 1970، انتقلت الدولة من القمع الثقافي الصريح إلى استراتيجية أكثر تعقيداً. لم يعد المنع هو الأداة الأساسية، بل الاحتواء. إذ سُمِح بقدر محسوب من الإنتاج الثقافي، شريطة ألّا يقترب من “المحرَّم السياسي”. أصبحت وزارة الثقافة واجهة “تسامحية”، بينما ظلت الأجهزة الأمنية الحَكَم النهائي.
يصف عرودكي هذا التوازن بأنه جوهر الدمار الثقافي، لأنه خلق وهم الحرية، وأنتج مثقفاً قادراً على الكلام ضمن حدود، لا على التفكير الحر. الأمر الذي أدّى، بشكلٍ ما، إلى إنتاج ما يُعرف بالمثقف الامتثالي، وصناعة الصمت. كان هذا الإنتاج هو أحد أخطر نتائج هذه المرحلة، إذ لا يواجه المثقف الامتثالي السلطة، ولا يصطدم بها، بل يعيد إنتاج خطابها بصيغ لغوية مراوغة. يشير برهان غليون في كتابه “اغتيال العقل” إلى هذه المسألة، عن طريق ربطه ما بين الاستبداد السياسي وانهيار الدور النقدي والعضوي للمثقفين.
مأساة الثقافة وعلّتها في الحالة السورية، أنّ اغتيال المثقف لم يكن على نحوٍ جسدي، بل جرى تحييده أخلاقياً ومعرفياً، لا على المستوى الفني والثقافي فقط، بل على المستوى الأكاديمي.
الجامعة مؤسسة تأهيل أيديولوجي
لم يكن الدمار الثقافي محصوراً في المؤسسات الفنية، بل طاول الجامعات، لا سيما أقسام الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ، الأمر الذي أحدث شرخاً وانهياراً في المستوى الأكاديمي.
يشير أحمد برقاوي، في دراسته عن علاقة السلطة بجامعة دمشق، ضمن كتاب عرودكي نفسه بين الشهادات، إلى أن الجامعة تحوّلت إلى مؤسسة تأهيل أيديولوجي أكثر منها فضاءً للبحث. يتلاقى هذا التشخيص أيضاً مع أطروحة عزيز العظمة في “العلمانية من منظور مختلف” الصادر عن دار الساقي، إذ يربط بين غياب التفكير النقدي وهيمنة السلطة الشمولية على الفضاء الأكاديمي والعلمي.
اللحظة المكثفة للانهيار كانت عقب “ربيع دمشق” مطلع الألفية الثالثة، إذ شكّل هذا الحراك فرصة، ولو بدت قصيرة وضئيلة، لاستعادة المجال الثقافي وتحريره من سطو السلطة الشمولية عليه. فانتشرت المنتديات، وارتفعت نبرة النقاش العام، وظهر أمل في إمكان الفصل بين الأمن والثقافة، واستعادة استقلال الأخيرة. لكن سرعان ما تبددت اللحظة، وقُوِّض الحلم: أُجهض الربيع، وأغلقت المنتديات، واعتُقل الناشطون الذين أسسوا للحراك. هذه المرحلة، كما يرى عرودكي، كشفت حدود “الإصلاح الثقافي” المرجو، في ظلّ البنية السلطوية المغلقة، وأكّدت أنّ الدمار الثقافي ليس عَرَضاً، بل بنية راسخة، وهو ما أدّى خلال السنوات اللاحقة إلى استخدام الثقافة كأداة تجميل لصورة النظام في الخارج: المهرجانات، العروض، والدعم الانتقائي للفنون.
كل ذلك لم يكن تعبيراً عن انفتاحٍ حقيقي، بل عن توظيف سياسي. وقد تناولت تقارير ودراسات صادرة عن “مركز عمران للدراسات الاستراتيجية”، هذه الظاهرة، وحاولت تفكيكها وتشريحها، إذ بيّنت كيف استُثمر الفن والإعلام الثقافي لتسويق السردية الرسمية، لا لتعزيز حرية التعبير.
سنوات الحرب: من التفريغ إلى التدمير
عندما اندلعت الثورة السورية العام 2011، لم تبدأ عملية الدمار الثقافي، بل دخلت مرحلتها العنيفة: تدمير المدن، تهجير المثقفين، تدمير المواقع الأثرية، كل ذلك كان امتداداً منطقياً لمسارٍ تاريخيّ سابق في التعامل مع الإرث وكذلك الحاضر الثقافي. وتؤكد تقارير منظمة اليونيسكو مثلاً حول تدمير التراث الثقافي في سوريا، أنّ الحرب لم تستهدف الحجر فقط، بل الذاكرة والهوية والتراث اللامادي، غير أنّ هذا الدمار المادي ما كان ليكون ممكناً لولا الدمار الرمزي الذي سبقه. كذلك، فقد دفعت الحرب ما تبقّى من الفاعلين الثقافيين إلى خيارين قاسيين: المنفى أو الصمت. يشير ياسين الحاج صالح في كتابه “بالخلاص يا شباب” إلى أنّ المنفى السوري ليس جغرافياً فحسب، بل هو منفى ثقافيّ أيضاً، إذ يجد المثقف نفسه خارج سياقه الطبيعي، بلا جمهور، وبلا تأثير مباشر. هكذا اكتمل تفكيك المجال الثقافي بوصفه مجالاً عاماً.
لذا، فإنّ الدمار الثقافي في سورية ليس نتيجة الحرب وحدها، بل نتج بسبب تراكمات طويلة من السياسات الرعناء التي حوّلت الثقافة إلى نشاط مراقَب، خطير، وغير آمن، منزوع الفعالية، ومسحوب الجدوى. يربط عرودكي بين غياب الحرية واستحالة البناء الثقافي، مشيراً إلى أنّ الثقافة لا تُبنى بقرارات إدارية، بل بفضاءٍ حر يسمح بالاختلاف والمساءلة. واليوم، لا يمكن الحديث عن إعادة بناء الثقافة في سوريا دون مواجهة جذور الدمار وفهمها وتفكيكها. إعادة الإعمار الثقافي لا يمكن اختزالها في ترميم المسارح أو إعادة طباعة الكتب، بل إعادة الاعتبار للثقافة بتعريفها كممارسة للحرية. من دون ذلك، سيبقى أي مشروع ثقافي محسوماً بمصيره ومآلاته: مجرّد واجهة جديدة للخراب القديم. وفهم الدمار الثقافي، كما تمّ تشخصيه، إن كان في دراسة عرودكي أو في الدراسات الأخرى، هو الخطوة الأولى نحو تجاوزه، لا عبر النسيان بل عبر الاعتراف والمساءلة وإعادة فتح المجال العام أمام الفكر والحر، وإعادة الاعتبار للثقافة، وفكرتها، ودور المثقف.
المدن



