تطور الاقتصاد السوري تحديث 20 شباط 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
تحديث 20 شباط 2026
سعر الصرف الموازي: فجوة نقدية تضغط على الاستقرار/ يحيى السيد عمر
فبراير 19, 2026
يُشكِّل سعر الصرف نقطة حسّاسة في أيّ اقتصاد؛ لكونه ينعكس مباشرة على الأسعار، والدَّخل، والادخار، والاستثمار. في سوريا، لم يَعُد الحديث عن سعر واحد للدولار، بل عن سعرين؛ ما يَتْرك تأثيرات عميقة في الاقتصاد المحلي ومستوى معيشة السوريين. هناك سعر رسمي، وسعر في السوق الموازية. هذا التباين لم يَعُد تفصيلًا تقنيًّا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطن والتاجر على حدٍّ سواء.
وجود سعرين لا يعني فقط اختلاف رقم هنا أو هناك، بل يعني اختلافًا في طريقة احتساب التكلفة والربح والرواتب. التاجر الذي يستورد مادة أوَّلية بسعر صرف مُعيَّن يَبِيعها في السوق وفق كُلفة مختلفة. الموظف الذي يتقاضى راتبه بالليرة يشتري حاجاته وفق سعر غير الذي تحتسب عليه بعض المعاملات الرسمية. هذا التباين يخلق فجوة واضحة بين الدخل والنفقات، ويُضْعِف القدرة على التخطيط سواء للأفراد أو للمؤسسات.
السوق المُوازي نشأ نتيجة عوامل معروفة تركتها سنوات النظام البائد، مع تراجُع الإنتاج، والعقوبات الدولية، وتقلُّص الموارد التقليدية من السياحة والصادرات. في ظل هذه الظروف، بحث الأفراد والشركات عن قنوات بديلة للحصول على الدولار، فكبرت السوق غير الرسمية تدريجيًّا. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه السوق مرجعًا فعليًّا لتحديد الأسعار في قطاعات واسعة من الاقتصاد.
هذا الواقع خلق حالة ازدواجية. السعر الرسمي يُستخدَم في المعاملات الحكومية وبعض العمليات التجارية، بينما السعر المُوازي يحكم حركة السلع في الأسواق. النتيجة أن الاقتصاد يتحرَّك وفق منطقين مختلفين في آنٍ واحد. هذا الانقسام يزيد من صعوبة ضَبْط الأسعار، ويَحُدّ من قدرة السياسات النقدية على تحقيق أثر واضح ومستقر، ويُشكّل تحديًا أمام الحكومة.
وجود أكثر من سعر يُؤثِّر أيضًا في العدالة بين الفاعلين الاقتصاديين. مَن يحصل على الدولار بسعر أقل يملك ميزة واضحة مقارنةً بمن يشتريه بسعر أعلى. هذه الفجوة قد تَفتح الباب أمام فروق كبيرة في الأرباح، حتى في حال بيع السلع نفسها. ومع الوقت، تتسع المسافة بين مَن يملك قُدرة الوصول إلى السعر الأدنى ومَن لا يملكها.
إلى جانب ذلك، يُضْعِف تعدُّد الأسعار ثقة الناس بالعُمْلة المحلية. عندما يصبح السعر في السوق الموازي هو المؤشر اليومي الذي يتابعه الجميع، تتراجَع مكانة السعر الرسمي في الذهن العام. هذه الحالة تدفع الأفراد إلى تحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية أو إلى أصول ثابتة مثل العقارات والذهب. النتيجة هي زيادة الضغط على الليرة، واستمرار الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية.
الأثر لا يقف عند حدود الأفراد. المستثمر المحلي أو الخارجي يحتاج إلى وضوح في سِعْر الصرف كي يحسب تكاليفه وأرباحه بدقة. عندما تختلف الأسعار وتتغيَّر بسرعة، تصبح المخاطرة أعلى. هذا لا يعني توقُّف النشاط الاقتصادي، لكنه يعني ارتفاع كلفة الإنتاج، وازدياد الحذر في اتخاذ القرارات. في بيئة كهذه، تميل الشركات إلى تقليص التوسع وتأجيل الخطط طويلة الأمد.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن وجود سعر رسمي أقل من سعر السوق يهدف إلى تخفيف الأعباء عن بعض القطاعات الأساسية، مثل استيراد المواد الضرورية أو تمويل بعض الأنشطة الحيوية. هذه السياسة تسعى إلى حماية شرائح واسعة من المجتمع من ارتفاعات حادة في الأسعار. إلا أن الفجوة الكبيرة بين السعرين تُقلِّل من فعالية هذا الهدف؛ لأن السوق النهائي يعكس في كثير من الأحيان السعر الأعلى.
كما أن وجود سعرين للصرف يُعقِّد إعداد الموازنة العامة. احتساب الإيرادات والنفقات يصبح أكثر صعوبة عندما تختلف قيمة العملة بين معاملة وأخرى. هذا التباين قد يؤدي إلى فروق في التقديرات، ويجعل التخطيط المالي عُرضة للتقلُّبات المفاجئة. الاستقرار النقدي يحتاج إلى مرجعية واضحة.
في الأسواق اليومية، يظهر أثر تعدُّد الأسعار بشكل واضح في تسعير السلع. بعض التجار يُسعِّرون وفق سعر مرتفع تحسبًا لأيّ تغيُّر مفاجئ، بينما يعتمد آخرون سعرًا وسطيًّا لتفادي خسائر محتملة. هذه الحالة تخلق تباينًا في الأسعار بين محلّ وآخر، حتى في المنطقة نفسها. المستهلِك يجد نفسه أمام فروق في الأسعار يصعب تفسيرها، ما يزيد من شعور عدم اليقين.
في الوقت ذاته، تتوسّع مساحة الاقتصاد غير المنظَّم. عندما يشعر البعض أن القنوات الرسمية لا تُلبِّي احتياجاتهم من النقد الأجنبي، يلجؤون إلى حلول خارج الإطار النظامي. هذا المسار يُضْعِف قدرة الدولة على المتابعة والرقابة، ويُقلِّل من حجم العمليات التي تمر عبر النظام المصرفي. النتيجة هي تراجُع الشفافية وصعوبة جمع بيانات دقيقة عن حركة السوق.
مع ذلك، لا يمكن فَصْل ملف السوق الموازي عن السياق العام للاقتصاد السوري. ضعف الإنتاج المحلي، وتراجُع الصادرات، وانخفاض تدفُّق الاستثمارات عوامل تضغط على ميزان العرض والطلب للعملة الأجنبية. في ظل موارد محدودة، يتشكل سعر أعلى يعكس هذا النقص. معالجة الظاهرة تحتاج إلى مقاربة شاملة، تشمل دعم الإنتاج، وتوسيع قاعدة التصدير، وتحفيز القطاعات القادرة على جلب القطع الأجنبي.
تقليص الفجوة بين الأسعار يُسهم في تخفيف التشوهات داخل السوق. كلما اقتربت الأسعار من بعضها، انخفضت فرص الاستفادة من الفروق، وازداد وضوح الرؤية أمام المستثمر والمستهلك. هذا المسار يتطلب تدرُّجًا وحسابًا دقيقًا للأثر الاجتماعي؛ لأن أيّ تعديل سريع قد ينعكس مباشرة على الأسعار.
في المحصلة، السوق الموازي ليس مجرد ظاهرة جانبية، بل مُؤشّر على خلل أعمق في توازن الاقتصاد. تعدُّد أسعار الصرف يعكس هذا الخلل ويُغذِّيه في الوقت نفسه. الاستقرار يحتاج إلى بيئة نقدية أكثر وضوحًا، وإلى تقليص المسافة بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق. الطريق ليس قصيرًا، لكنه يبدأ بتوحيد الرؤية حول أولوية الاستقرار النقدي، باعتباره أساسًا لأيّ تحسُّن اقتصادي واجتماعي مستدام.
——————————
سوريا بدل إسرائيل.. استثمار سعودي يعيد رسم خرائط الإنترنت شرق المتوسط
وقّعت السعودية وسوريا سلسلة اتفاقيات اقتصادية جديدة تتصدرها صفقة اتصالات ضخمة بقيمة تقارب مليار دولار، ضمن مشروع يحمل اسم “SilkLink”.
ويهدف المشروع إلى تحديث البنية التحتية الرقمية في سوريا وربطها إقليميًا ودوليًا عبر شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4500 كيلومتر.
التحرك السعودي لا يقتصر على الاستثمار التقني، بل يتقاطع مع تحوّل سياسي أوسع، بعد أن طلبت الرياض اعتماد سوريا بدلًا عن إسرائيل، كدولة عبور في مسار كابل ألياف ضوئية يربط المملكة باليونان عبر البحر المتوسط، ضمن مشروع “ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط” (EMC).
من إسرائيل إلى سوريا
وبحسب ما نقله موقع “Middle East Eye” عن مسؤولين إقليميين، أصرت السعودية على أن يمر مسار الكابل عبر الأراضي السورية بدلًا من إسرائيل، خلافًا لما كان مطروحًا في السنوات السابقة، عندما كانت الرياض تناقش تطبيع العلاقات مع تل أبيب.
التحول يأتي بعد انهيار مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي عقب هجمات 7 تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية على غزة، والتي اتهم ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إسرائيل خلالها بارتكاب “إبادة جماعية”.
ويعكس القرار السعودي تبدلًا في التموضع الإقليمي، إذ تسعى الرياض إلى تعزيز موقع دمشق في مشاريع الربط الإقليمي، وإعادة إدماجها اقتصاديًا، في مقابل تقليص أي حضور إسرائيلي في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود.
ما مشروع “SilkLink”؟
مشروع “SilkLink” تقوده شركات سعودية، أبرزها مجموعة الاتصالات السعودية (STC)، ويتضمن:
تحديث شبكة الاتصالات السورية
مد آلاف الكيلومترات من كابلات الألياف الضوئية
ربط سوريا بممرات بيانات إقليمية بين آسيا وأوروبا
تحويل البلاد إلى نقطة عبور رقمية بين الخليج والبحر المتوسط
وتقول وكالة الأنباء السعودية إن الهدف هو ربط سوريا إقليميًا ودوليًا عبر شبكة تمتد لأكثر من 4500 كيلومتر.
كما أعلنت “STC” عن استثمار يقارب 800 مليون دولار في قطاع الاتصالات السوري، ضمن خطة أوسع لإعادة بناء البنية الرقمية التي تضررت خلال سنوات الحرب.
ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط (EMC)
أُعلن عن مشروع “EMC” عام 2022 كشراكة بين:
شركة الاتصالات السعودية (STC)
مزود الكهرباء اليوناني (PPC)
شركات اتصالات يونانية
شركة تطبيقات أقمار صناعية (TTSA)
ويهدف المشروع إلى إنشاء مسار بيانات يربط الخليج بأوروبا عبر شرق المتوسط.
العرض التقديمي الصادر عن شركة PPC في تشرين الثاني 2025 أظهر أن المسار كان يمر عبر إسرائيل ومياهها البحرية، دون إدراج سوريا، ما يعني أن الطلب السعودي بتغيير المسار يُعد تعديلًا جوهريًا في الخطة الأصلية.
إعادة تموضع سياسي
إدخال سوريا في مشروع بحجم “SilkLink” يتجاوز البعد التقني، ليعكس رؤية سعودية أوسع تعتبر دمشق “قلب الترابط الإقليمي”، بحسب ما نقلته مصادر غربية مطلعة على سياسة الاستثمار السعودية.
التحرك يأتي أيضًا في سياق إزالة العقوبات الغربية على سوريا أواخر عام 2025، ما فتح الباب أمام استثمارات خليجية مباشرة في قطاعات البنية التحتية والطيران والاتصالات داخل سوريا.
إلى جانب مشروع الاتصالات، تشمل الاتفاقيات تعاونًا في قطاع الطيران، وإنشاء شركة منخفضة التكلفة مشتركة، وتطوير مطارات، إضافة إلى مشاريع في تحلية المياه والبنية التحتية.
تحديات التنفيذ
رغم ضخامة الأرقام، لا يزال تنفيذ المشروع مرتبطًا بعوامل سياسية وأمنية، إضافة إلى تعقيدات فنية وتمويلية.
قطاع الكابلات البحرية في شرق المتوسط شهد تعثر مشاريع سابقة، من بينها خطوط غاز وكابلات ربط كهربائي بين اليونان وقبرص وإسرائيل، اصطدمت بخلافات إقليمية، خصوصًا مع تركيا.
لكن خبراء في قطاع الاتصالات يرون أن مشروع “EMC” يُعد من المشاريع القابلة للتنفيذ فعليًا، خاصة بعد توقيع اتفاق تمويل يغطي 60% من تكلفته، وتوقيع عقد توريد مع شركة “Alcatel Submarine Networks” لإنشاء كابلين بحريين وبريين.
عنب بلدي
————————-
مطاران سوريان يستعدان للإقلاع… آمال بإنهاء عزلة الشرق/ نور ملحم
20 فبراير 2026
بعد سنوات من العزلة وصعوبة الوصول، تعود المطارات في شمال شرق سورية إلى الواجهة بوصفها بوابة أساسية لربط المنطقة بباقي البلاد، ليس من زاوية النقل فقط، بل في خطوة نحو استعادة الخدمات العامة وسيادة الدولة وعودة الحياة الاقتصادية تدريجياً.
ويأتي الحديث عن إعادة تأهيل مطاري القامشلي ودير الزور في هذا السياق، مع وعود رسمية بقرب استئناف الرحلات الداخلية، ما يخفف أعباء السفر عن آلاف المدنيين الذين اضطروا طويلاً إلى طرق بديلة شاقة ومكلفة، ويفتح نافذة جديدة لتحريك النشاط التجاري في منطقة أنهكها التهميش والحصار.
وقال معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، سامح العرابي، إن كوادر الهيئة تستكمل تنفيذ خطة متكاملة لإعادة تأهيل المطارات في المنطقة الشرقية، وفي مقدمتها مطارا دير الزور والقامشلي، تمهيداً لإعادتهما إلى الخدمة خلال فترة زمنية قريبة لا تتجاوز الشهرين، بهدف إعادة ربط الشمال الشرقي بشبكة النقل الجوي الوطنية وتوحيد إدارة الأجواء ضمن إطار مؤسسي يعزز السلامة الجوية ويدعم التعافي الاقتصادي في سورية.
وأضاف العرابي لـ “العربي الجديد” أن تشغيل مطار القامشلي اليوم لا يقتصر على كونه مرفقاً خدمياً للنقل، بل يمثل اختباراً عملياً لقدرة السوريين على إدارة ملفات السيادة والخدمات العامة بعيداً عن لغة السلاح، مشيراً إلى أن إعادة تشغيله بصفته بوابة مدنية ستنهي معاناة آلاف المدنيين والطلاب والمرضى الذين كانوا يضطرون لقطع مسافات طويلة وشاقة للوصول إلى المطارات الأخرى، كما ستفتح الباب أمام انتعاش اقتصادي في منطقة عانت طويلاً من التهميش والحصار.
ووفق تصريحات المسؤول السوري الخاصة فإن إعادة تشغيل مطار دير الزور المدني ستسهم بدورها في تعزيز الربط الداخلي وتسهيل حركة النقل والتجارة، بما يدعم عودة النشاط الاقتصادي تدريجياً إلى المنطقة الشرقية ويعزز اندماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية.
وبيّن العرابي أن هناك تحديات ميدانية تواجه عملية إعادة التأهيل، من بينها أعمال سرقة وتخريب طاولت بعض مرافق المطارات، إلا أن الهيئة تعمل على معالجتها عبر خطط حماية وصيانة متكاملة، تمهيداً لتفعيل الرحلات الداخلية خلال الفترة المقبلة، بما يضمن عودة هذه المطارات إلى العمل بشكل آمن ومنظم يخدم حركة النقل الجوي داخل سورية.
وخلال سنوات الحرب، تحول مطار القامشلي من مرفق مدني إلى ما يشبه “حصناً عسكرياً” للنظام السوري السابق، إذ شكّل شريان الإمداد الجوي الرئيسي لقواته داخل ما كان يُعرف بـ”المربع الأمني” في القامشلي والحسكة، بعد فقدان السيطرة على الطرق البرية المؤدية إلى المنطقة.
وفي أواخر عام 2019، شهد المطار تحولاً مفصلياً مع دخول القوات الروسية إليه عقب الانسحاب الأميركي الجزئي من شمال شرق سورية وإطلاق العملية العسكرية التركية “نبع السلام”، حيث حولته موسكو إلى قاعدة جوية ونشرت فيه منظومات دفاع جوي وطائرات مروحية وقتالية، واستخدمته نقطة انطلاق لدورياتها وأداة لتعزيز نفوذها في شرق الفرات.
وبقي المطار لسنوات نقطة تماس معقدة، بسيطرة فعلية للنظام داخل أسواره، ووجود روسي كثيف، في حين أحاطت به “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من محيطه الخارجي. ومع التحولات الميدانية اللاحقة، ولا سيما بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، انتقلت السيطرة جزئياً إلى “قسد” ضمن ترتيبات أمنية فرضتها الوقائع الجديدة، قبل أن تنسحب القوات الروسية لاحقاً نحو قاعدة حميميم في الساحل السوري، بالتزامن مع تقدم قوات الحكومة السورية وسيطرتها على أجزاء واسعة من محافظة الحسكة.
ومع التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية و”قسد”، بدأ مسار مؤسساتي لإعادة المطار إلى كنف الإدارة المدنية الوطنية، في خطوة يُعوّل عليها لإعادة تفعيل دوره مرفقاً خدمياً واستراتيجياً يربط المنطقة الشرقية ببقية البلاد.
أما مطار دير الزور، فيُعد أحد المرافق الحيوية التي خرجت عن الخدمة لسنوات طويلة نتيجة المعارك والدمار الذي لحق بالبنية التحتية في المحافظة، قبل أن تبدأ أعمال إعادة تأهيله تدريجياً خلال الفترة الأخيرة. ويعوّل على إعادة تشغيله في تخفيف عزلة المنطقة الشرقية وربطها بالعاصمة وبقية المحافظات، خصوصاً في ظل صعوبة النقل البري وارتفاع تكاليفه.
كما يُنتظر أن يسهم المطار في تنشيط الحركة التجارية ودعم عودة الاستثمارات والخدمات، وفتح ممر جوي يسهّل حركة المرضى والطلاب والعاملين، في محافظة تعد من أكثر المناطق حاجة إلى استعادة الخدمات الأساسية بعد سنوات من الحرب.
——————————
===================
تحديث 19 شباط 2026
——————————
البذور الفاسدة تهدد قمح سورية… موسم الجزيرة يواجه الفشل/ سلام حسن
19 فبراير 2026
يواجه موسم القمح في منطقة الجزيرة شمال شرقي سورية خطر الفشل، بعد تزايد شكاوى المزارعين من ضعف أو انعدام إنبات البذار (البذور) التي وُزِّعَت هذا العام ضمن خطة الدعم الزراعي. وتأتي هذه التطورات في منطقة تعد تاريخياً الخزان الاستراتيجي للقمح في البلاد، إذ تشير بيانات وزارة الزراعة والمكتب المركزي للإحصاء لعام 2010 إلى أن الجزيرة كانت تنتج نحو 60% من إجمالي القمح السوري، وتضم أكثر من 63% من الأراضي القابلة للزراعة على مستوى البلاد.
وبحسب إفادات ميدانية متطابقة جمعتها “العربي الجديد”، بدأت المشكلة تتكشف بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع على الزراعة، حين لاحظ المزارعون أن مساحات واسعة من حقولهم لم تُنبت، رغم تحسن معدلات الهطول المطري هذا الموسم مقارنة بالسنوات السابقة. ومع ظهور بقع صفراء أو تربة مكشوفة مكان البذار، تصاعدت المخاوف من خسارة موسم كان يُعوَّل عليه لتعويض سنوات من التراجع.
تراجع الإنتاج وارتفاع الاستيراد
تأتي الأزمة في سياق تراجع حاد في إنتاج القمح خلال سنوات الحرب. فحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) لعام 2025، انخفض الإنتاج من نحو 4.1 ملايين طن قبل عام 2011 إلى حوالى 1.15 مليون طن في موسم 2025 – 2026، أي بانخفاض يقارب 71.9%.
في المقابل، ارتفعت فاتورة استيراد القمح إلى نحو 3 ملايين طن سنوياً، بكلفة تراوح بين 1.2 و1.5 مليار دولار، ما يجعل أي تراجع إضافي في الإنتاج المحلي مسألة تمسّ الأمن الغذائي مباشرة.
وفي هذا السياق، بدأ مزارعو الجزيرة بزراعة موسم 2025 – 2026 وسط وعود من “الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا” بدعم المدخلات الزراعية وتخفيف الأعباء، ولا سيما مع ارتفاع تكاليف الحراثة والري والأسمدة. وضمن خطة الدعم، وزعت “هيئة الزراعة” بذار القمح بسعر 350 دولاراً للطن، مقارنة بنحو 450 دولاراً للطن غير المدعوم في الأسواق. غير أن هذا الفارق السعري، وفق شهادات المزارعين، لم ينعكس إيجاباً بسبب ضعف جودة البذار.
نسب إنبات صادمة
تشير المشاهدات الميدانية التي رصدتها “العربي الجديد” إلى أن نسب الإنبات لم تتجاوز 30% في أفضل الحقول حالاً، فيما انخفضت في مساحات واسعة إلى أقل من 10%، بل وصلت في بعض الحقول إلى حدود 3–7%. ووفق المعايير الزراعية، فإن هذه النسب تعني فقدان الجدوى الاقتصادية للمحصول، إذ لن تغطي الكميات المتوقعة حتى تكاليف الحصاد.
المهندسة الزراعية حياة موسى قالت لـ”العربي الجديد” إن الضرر “وقع أولاً على المزارع، لكنه سيمتد حتماً إلى الاقتصاد المحلي برمّته”.
وأوضحت أن ضعف الإنبات قد يرتبط بتجاوز المدة الزمنية المسموح بها لتخزين البذار، أو بسوء ظروف التخزين، كالتعرض للرطوبة والحرارة، إضافة إلى احتمال وجود إصابات حشرية تؤدي إلى تلف الجنين داخل الحبة. ولفتت إلى احتمال وجود خلط بين الأصناف، ما يسبب عدم تجانس النمو واختلال البنية التأسيسية للمحصول.
وأضافت المهندسة الزراعية: “حتى لو تحسّن الطقس لاحقاً، فإن الأساس الذي بُني عليه المحصول ضعيف، والاستمرار في خدمته قد يعني خسارة أموال إضافية”.
ديون متراكمة وخسارة موسم
المزارع من ريف الحسكة، عبد القادر الملا، قال لـ”العربي الجديد” إنه زرع 150 دونماً من القمح أملاً في تعويض خسائر المواسم الماضية، “لكن نسبة الإنبات لم تتجاوز 7%”. وأضاف الملا: “تحمّلت تكاليف الحراثة والبذار والري، واليوم أنا مثقل بالديون. لو كنت أعلم بعدم جودة البذار لما خاطرت بهذا الشكل. الموسم كان رهاناً أخيراً بالنسبة إليّ وخسرته”.
وفي ريف القامشلي، أوضح المزارع رامان عيسى لـ”العربي الجديد” أنه استعان بمهندس زراعي لفحص حقله بعد ملاحظة ضعف الإنبات، “فتبيّن من الفحص اليدوي أن جزءاً من البذار قديم وغير متجانس، وكأنه لم يخضع لعمليات تنقية وغربلة كافية”. وأضاف المزارع السوري أن هذا الأمر يفسر ضعف النمو حتى قبل تأثير الصقيع أو قلة الأمطار.
من جانبه، قال المزارع عبد الخالق برزنجي، من ريف القامشلي، إن الموسم بدا واعداً مع وفرة الأمطار، “لكن الصدمة كانت في البذار التي تسلمناها، إذ تبيّن أن معظمها غير صالح للزراعة”.
مطالب بتعويضات للمزارعين
أشار برزنجي إلى أن المزارعين تكبدوا تكاليف كبيرة لتجهيز الأراضي، وأن كثيرين اضطروا إلى الاستدانة لتأمين مستلزمات الموسم، مؤكداً أن المزارعين “ليسوا مسؤولين عن هذه الخسارة”، مطالباً بتعويضات عادلة.
وفي ريف القحطانية، قال حسين عبد الله لـ”العربي الجديد” إن نسبة الإنبات في أرضه لم تتجاوز 3%، رغم شرائه البذار بالسعر المدعوم. وأضاف أن تأخر الأمطار دفعهم إلى تأجيل الزراعة إلى كانون الأول/ ديسمبر، “لكن ضعف الإنبات فاقم الأزمة، واضطر كثيرون إلى قلب أراضيهم مجدداً في وقت لم يعد مناسباً لإعادة الزراعة”.
وأكد عبد الحكيم سعيد، من المنطقة ذاتها، أن مئات الهكتارات بقيت من دون إنبات، معتبراً أن تعويض بعض المزارعين ببذار بديلة “لا يكفي، لأن الخسارة تشمل تكاليف الحراثة والأسمدة والمحروقات، فضلاً عن ضياع موسم كامل”.
أزمة مازوت وضغوط إضافية
تفاقمت الأزمة مع الخلل في توزيع المازوت الزراعي. فبعد الإعلان عن توزيع 195 مليون لتر، اشتكى مزارعون من تأخر التسليم، ما دفعهم إلى شراء الوقود من السوق الحرة بسعر بلغ نحو 5600 ليرة سورية للتر، مقابل 1150 ليرة للسعر المدعوم (وفق الليرة القديمة) (الدولار = نحو 11,700 ليرة)، أي بفارق يقارب أربعة أضعاف. وأدى ذلك إلى استنزاف السيولة النقدية في مرحلة الري الأولى الحساسة.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أعلنت الجهات المعنية عزمها على إرسال لجان ميدانية لتقييم الأضرار ودراسة إمكانية تقديم تعويضات مالية أو بذار بديلة. غير أن مزارعين أكدوا لـ”العربي الجديد” أن التعويض بالبذار وحده لن يعوض ضياع موسم كامل، في ظل التكاليف المتراكمة والديون المستحقة.
موسم الحصاد يواجه الفشل
تشير المعطيات الميدانية إلى أن موسم القمح في الجزيرة يواجه فشلاً شبه محسوم، وبين وعود الدعم وواقع الحقول الضعيفة، يجد المزارعون أنفسهم أمام خسائر يصعب ترميمها، في منطقة يعتمد جزء كبير من سكانها على الزراعة بكونها مصدر دخل أساسياً. ويحذر خبراء من أن استمرار الخلل في سياسات توريد البذار وتخزينها واختبارها سيعمّق أزمة الإنتاج، ويزيد الاعتماد على الاستيراد، بما ينعكس مباشرة على أسعار الطحين والخبز في البلاد.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن حماية ما تبقى من الموسم تتطلب مراجعة شاملة لآليات الدعم والرقابة، وإرساء معايير صارمة لاختبار البذار قبل توزيعها، باعتبارها المدخل الأول لضمان استقرار الإنتاج والأمن الغذائي في سورية، حسب متخصصين في المجال الزراعي.
العربي الجديد
——————————
تراجع الثروة الحيوانية في سوريا.. خسائر متراكمة وحلول قد لا تلوح في الأفق/ عمار عبد اللطيف
الثروة الحيوانية السورية على حافة الانهيار: الحرب والجفاف وارتفاع الأعلاف تهدد الأمن الغذائي
2026-02-19
يقف محمد العساف، وهو راعي أغنام يسكن في ريف الرقة الشرقي، قرب حظيرته الطينية، يتفقد ما تبقى من قطيعه الصغير، قبل سنوات كان يخرج مع أكثر من ثلاثمئة رأس من الأغنام، يملأ صوتها السهول المفتوحة، أما اليوم لا يتبعه سوى بضع عشرات أنهكها الجوع وقلّة العلف.
ويقول الرجل لـ”963+”، وهو يسكب حفنة شعير في المعلف: “كنا نعيش من خيرها. الحليب واللبن كانا يكفينا ويزيدان، أما الآن فكل يوم أخشى أن أبيع رأساً جديداً لأؤمن ثمن العلف”.
ويشير بيده إلى أرضٍ قاحلة قرب قريته حمرة غنام كانت يوماً مرعى أخضر، مضيفاً أن الجفاف وارتفاع الأسعار دفعا كثيراً من جيرانه إلى ترك المهنة أو النزوح.
وقصة محمد العساف ليست استثناءً، بل نموذجاً يتكرر في معظم الأرياف السورية، حيث تواجه الثروة الحيوانية تراجعاً حاداً بفعل الحرب وارتفاع التكاليف وشح المراعي، ما يضع أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد أمام تحديات غير مسبوقة.
تدهور الثروة الحيوانية
شهدت الثروة الحيوانية في سوريا خلال السنوات الماضية تدهوراً حاداً، نتيجة تداخل عوامل الحرب الطويلة مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، ما أدى إلى ضرب أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي في البلاد، فبعد أن كان هذا القطاع يشكل مورداً أساسياً لمعيشة مئات آلاف الأسر الريفية، بات اليوم يواجه تحديات وجودية تهدد استمراريته.
وتعود أسباب الانخفاض الكبير في أعداد الثروة الحيوانية إلى مجموعة عوامل متشابكة، في مقدمتها الحرب التي دمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية الزراعية والبيطرية، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من المربين عن مناطق الرعي التقليدية، كما أسهم تراجع الخدمات الحكومية والرقابة الصحية في انتشار الأمراض بين القطعان، ما زاد من معدلات النفوق.
إلى جانب ذلك، لعبت التغيرات المناخية دوراً إضافياً، حيث شهدت مناطق واسعة موجات جفاف متكررة قلّصت المراعي الطبيعية ورفعت الاعتماد على الأعلاف المصنعة مرتفعة التكلفة، إضافة إلى أن ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف التربية أدى إلى اتجاه بعض المربين لبيع قطعانهم أو تهريبها إلى خارج البلاد، الأمر الذي سرّع من وتيرة التراجع.
ويقول علي الحسين، الذي يعمل وسيطاً في تجارة الأغنام (دلالاً)، إن أسعار الأعلاف أصبحت غير طبيعية وتشكل عبئاً كبيراً على مربي المواشي، موضحاً أن من يملك عشرين رأساً يحتاج كل ثلاثة أيام إلى ما بين 200 و300 دولار لتأمين التبن والنخالة، ما يعني أن المربي يخسر رأساً خلال هذه الفترة لإطعام أغنامه.
ويضيف الحسين في حديث لـ”963+”، أن تربية الأغنام لم تعد مجدية ضمن الحظائر الصغيرة، مشيراً إلى أن “القطيع إذا تم الاهتمام به يعطي إنتاجاً، أما إذا تم التقصير في تغذيته فلن يعطي المنتوج الحقيقي”، وأن النعاج تحتاج إلى تغذية جيدة لتتمكن من الولادة مرتين وإنتاج الحليب، لكن المربي يضطر إلى بيع الحليب بخسارة لا تغطي تكلفة العلف.
ويلفت إلى أن مرض الحمى القلاعية مستمر منذ سنتين أو ثلاث دون إيجاد حل جذري له، معتبراً أن غياب الاهتمام بالثروة الحيوانية وعدم توفير العلاج الكافي فاقما من حجم الخسائر، وقال إن “العلاج غير متوفر بالشكل الكافي، والوضع يتجه نحو الدمار”.
ويوضح الحسين أن سعر الطن من العلف وصل إلى نحو 650 دولاراً، وهو مبلغ مرتفع لا يستطيع المربون تحمله، مضيفاً أن المربين كانوا سابقاً يشترون الأعلاف بأسعار منخفضة بكميات كبيرة، أما اليوم فيضطرون للشراء بأسعار مرتفعة من التجار، ما يزيد الأعباء عليهم.
ويبين أن فتح الطرق والمعابر الحدودية خلال الأشهر الأخيرة لم ينعكس إيجاباً على سوق المواشي كما كان متوقعاً، مؤكداً أن كثيراً من المربين تفاجؤوا باستمرار الركود رغم تحسن حركة النقل، في ظل التزامات مالية متراكمة عليهم.
ثروة في مهب الريح
يقول المستشار الاقتصادي الأول لوزارة الاقتصاد والصناعة الدكتور أسامة قاضي إن الثروة الحيوانية تُعد واحدة من أهم الثروات الوطنية السورية التي تعرضت لكارثة حقيقية خلال السنوات الأربع عشرة الماضية، موضحاً أن أعداد الأغنام كانت تقارب 17 مليون رأس، والماعز نحو 2.5 مليون رأس، فيما كانت أعداد الأبقار تتجاوز المليون رأس.
ويضيف قاضي في حديث لـ”963+”، أن هذه الأرقام انخفضت بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة، مشيراً إلى أن التقديرات تفيد بخسارة نحو سبعة ملايين رأس من الأغنام، ونحو 400 ألف رأس من الأبقار، مؤكداً أن ملكية الحيوانات لدى الأسر الريفية تراجعت تقريباً إلى النصف.
ويشير إلى أن ذلك يعود لعدة أسباب، من بينها الدمار الذي حدث خلال سنوات الحرب، إلى جانب الارتفاع الكبير في كلف الأعلاف، موضحاً أنه خلال سنوات الحرب انقسمت سوريا إلى مناطق نفوذ، الأمر الذي تسبب بضعف كبير وانهيار حقيقي في تداول الثروة الحيوانية بين المناطق.
ويرى قاضي أن قطاع الرعي واجه أيضاً مشكلات كبيرة، لأن الرعي يعتمد أساساً على المراعي الطبيعية، لافتاً إلى أن السنوات الماضية شهدت مواسم جفاف متتالية، رغم تحسن الهطولات المطرية هذا العام، الأمر الذي أدى إلى ضعف شديد في توفر المراعي ودفع المربين إلى شراء الأعلاف الصناعية بأسعار مرتفعة.
ويلفت إلى أن هذه الظروف دفعت كثيراً من المربين إلى بيع ثروتهم الحيوانية، سواء حية أو بعد الذبح، ما فاقم من حجم التراجع في القطاع، لافتاً أيضاً إلى ضعف الخدمات البيطرية نتيجة نقص الموارد البشرية وهجرة الأطباء البيطريين، ما أسهم في زيادة الخسائر.
ويضيف أن التهريب والذبح الاضطراري ساهما كذلك في استنزاف الثروة الحيوانية، فضلاً عن تعرض بعض المداجن ومحطات الأبقار للقصف والتضرر، وهو ما انعكس سلباً حتى على إنتاج الدواجن والحليب.
ويشدد على أن الاهتمام الحقيقي بالزراعة والتصنيع الزراعي في المناطق الزراعية، والاعتماد على السكان العائدين مع توفير دعم مالي وتمويل محلي وعربي ودولي، إلى جانب استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية في دعم الزراعة والثروة الحيوانية وما يتعلق بإنتاج الألبان والأجبان والحليب، يمكن أن يحدث نقلة كبيرة في القطاع.
ويؤكد قاضي أن العوائد الزراعية المحتملة من سوريا قد تفوق ما يمكن جنيه من الثروة النفطية، خاصة إذا جرى تبني سياسات داعمة للأعلاف، وإعادة بناء جهاز الطب البيطري السوري، والعناية الجدية بمراعي البادية وحماية المواقع الرعوية.
الثروة الحيوانية في الحرب
كشف تقرير صدر في أيلول/ سبتمبر عام 2017 عن المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة عن تراجع حاد أصاب قطاع الثروة الحيوانية في سوريا خلال سنوات الحرب، وسط خسائر مالية وبنيوية كبيرة تهدد أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد.
وبحسب الدراسة، كانت الثروة الحيوانية قبل عام 2011 تمثل مكوّناً أساسياً في القطاع الزراعي، إذ أسهم الإنتاج الحيواني بنحو 37 في المئة من قيمة الإنتاج الزراعي، وشكّل مصدر دخل مباشر أو مساعد لشريحة واسعة من المربين والأطباء البيطريين والعاملين في الصناعات الغذائية المرتبطة به.
وأشار التقرير إلى أن أعداد الثروة الحيوانية في سوريا عام 2011 بلغت مستويات مرتفعة نسبياً، حيث قُدّر القطيع بنحو 18 مليون رأس غنم، و2.2 مليون رأس ماعز، و1.1 مليون رأس أبقار، إضافة إلى نحو 25 مليون طير من الدواجن وقرابة 637 ألف خلية نحل.
ولفت المركز إلى أن هذا القطاع كان يمثل “صمام أمان اقتصادي” للأسر الريفية، إذ يوفر اللحوم والحليب والبيض والجلود والأسمدة الطبيعية، فضلاً عن كونه مخزوناً مالياً يمكن تسييله عند الحاجة.
ورغم هذه الأرقام، رصدت الدراسة مؤشرات تراجع سبقت الحرب، أبرزها انخفاض إنتاج الحليب البقري بنحو 25 في المئة بين عامي 2006 و2010، رغم زيادة أعداد الأبقار، ما اعتُبر دلالة مبكرة على خلل في كفاءة الإنتاج، كما أشار التقرير إلى أن قطاع الدواجن كان يعاني هشاشة هيكلية بسبب حساسية التربية وتقلبات الأسعار، في حين بقي قطاع الصيد البحري محدوداً بإنتاج متواضع.
ومع اندلاع الحرب، دخل القطاع الحيواني مرحلة تدهور حاد نتيجة تدمير البنية التحتية البيطرية والزراعية، وصعوبة الوصول إلى المراعي، وارتفاع أسعار الأعلاف واللقاحات، ونزوح المربين وفقدان اليد العاملة، إلى جانب اضطراب النقل والتسويق.
وتُظهر التقديرات التي أوردها المركز أن قطاع الثروة الحيوانية تكبّد خسائر مالية كبيرة ضمن الخسائر الزراعية العامة، إذ قدّرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) خسائر قطاع الماشية بنحو 5.5 مليار دولار بعد ست سنوات من الحرب، وأن إجمالي خسائر القطاع الزراعي السوري بلغ نحو 16 مليار دولار خلال الفترة نفسها، شملت أضراراً في الأصول الإنتاجية وتراجعاً حاداً في الإنتاج.
+963
——————————
===================
تحديث 17 شباط 2026
——————————
استبدال العملة السورية… اختبار الثقة في مواجهة أرقام الانهيار/ جمعة حجازي
17 فبراير 2026
في مطلع عام 2026، حملت الجيوب السورية واقعاً نقدياً مختلفاً. فبعد سنوات من التضخم الجامح الذي أنهك قيمة الليرة، أعلن المصرف المركزي السوري عن بدء المرحلة الأكثر جرأة في تاريخه النقدي.
استبدال العملة الحالية بأخرى جديدة، وذلك بحذف صفرين من فئاتها النقدية ابتداءً من يناير/ كانون الثاني 2026. هذا القرار، المُجسد في المرسوم الرئاسي رقم 293/2025، ليس مجرد إجراء تقني، بل هو محاولة لإعادة ضبط بوصلة اقتصادية تاهت في عاصفة من الأزمات. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري تعرض لانكماش هائل بلغ حوالي 60% منذ عام 2011، بينما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر. وفي إطار هذه الصورة القاتمة، فقدت الليرة أكثر من 99.5% من قيمتها أمام الدولار، حيث قفز سعر الصرف من 47 ليرة للدولار في 2010 إلى ما بين 11,200 و11,700 ليرة في السوق الموازية بنهاية 2025.
الخطة التنفيذية: مواجهة التحدّي اللوجستي الهائل
حدد محافظ المصرف المركزي، السيد عبد القادر الحصرية، الإطار الزمني للعملية بفترة انتقالية أولية مدتها ثلاثة أشهر قابلة للتمديد، يجري خلالها التداول المتوازي للعملتين. وكشف الحصرية عن تفاصيل الخطة العملية الضخمة، التي تشمل طباعة وتوزيع ما قيمته 42 تريليون ليرة من الفئات القديمة، وهو ما يعادل قرابة 13 مليار قطعة نقدية وورقية فردية. ستجرى هذه العملية عبر شبكة من أكثر من ألف منفذ، تشمل فروع المصارف البالغة 14 مصرفاً خاصاً وستة مصارف حكومية، بالإضافة إلى مكاتب الصرافة المرخصة المنتشرة في كل المحافظات. ويتطلب هذا الجهد تنفيذ أكبر عملية تحديث تقني تشمل آلاف أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع، ونقل جميع الأنظمة المحاسبية للدولة والقطاع الخاص إلى الوحدة الجديدة، وهي عملية تقنية معقدة استغرقت في تجارب دولية مشابهة، كما في مصر 2016، ما بين ستة إلى تسعة أشهر لضمان الانسيابية الكاملة.
يبرّر محافظ المصرف المركزي القرار بالحاجة الملحة لتبسيط التعاملات اليومية، حيث تحولت أبسط المعاملات إلى عمليات حسابية معقدة. فشراء سلع أساسية بقيمة 50 دولاراً يتطلب اليوم حمل ما يقارب 600 ألف ليرة، وهو مبلغ ضخم يصعب حمله والتعامل به. بيد أن التحليل الاقتصادي، كما يشير إليه خبراء مختصون، يكشف أن الدوافع تتجاوز الجانب التقني. فهناك بُعد نفسي ورمزي مهم، حيث يأتي القرار في توقيت يشهد تحسناً طفيفاً في سعر الصرف خلال عام 2025، من حدود 19 ألف ليرة إلى حوالي 11,500 ليرة للدولار، في محاولة لربط هذا التحسن برمزية “العهد الجديد”. كما تهدف العملية إلى إعادة تنظيم الكتلة النقدية (M2) التي تُقدر بعشرات الآلاف من التريليونات، وخلق بيئة حسابية مبسطة تمهد الطريق مستقبلاً لإصلاحات نقدية ومالية أوسع، مثل تحسين الرقابة المالية، ومحاولة دمج جزء من الاقتصاد الموازي.
تجارب دولية: بين النجاح النسبي والإخفاق الدراماتيكي
يستدعي القرار السوري ذكريات تجارب دولية عديدة، تقدم دروساً بالغة الأهمية. فتجربة تركيا عام 2005، التي حذفت ستة أصفار، غالباً ما تُذكر بوصفها نموذجاً ناجحاً نسبياً، لأنها جاءت ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة مدعومة من صندوق النقد الدولي. ورغم ذلك، شهدت تركيا ارتفاعاً سعرياً فورياً بنسبة 2% إلى 5% بسبب ظاهرة “تقريب الأسعار”. وعلى النقيض، تظهر تجربة إيران عام 2020، التي حذفت أربعة أصفار، أن العملية التقنية وحدها عقيمة إذا لم تُعالج الأسباب الهيكلية للتضخم، حيث استمر معدل التضخم الإيراني بعد الاستبدال عند أكثر من 40% سنوياً. أما الحالة الأكثر قتامة فهي فنزويلا، التي اضطرت بعد حذف ستة أصفار عام 2018 إلى إضافة صفر جديد عام 2021 مع استمرار الانهيار النقدي، مما يؤكد أن تغيير العملة دون إصلاح السياسات المالية هو مجرد تأجيل للأزمة، وليس حلاً لها.
المخاطر المحدقة: التضخم والإقصاء وانهيار الثقة
في ظل الوضع الاقتصادي السوري الهش، تحيط بالعملية مخاطر جسيمة. الخطر الأول والأكبر هو خطر تفاقم التضخم، حيث إن ضخ سيولة جديدة كبيرة في اقتصاد منكمش وذي قاعدة إنتاجية ضعيفة قد يولد سيولة زائدة تطارد كمية محدودة من السلع، مما يرفع الأسعار بشكل غير متحكم به. ويحذر خبراء الاقتصاد من أن العملية قد تتحول، في حال سوء الإدارة، إلى أداة غير مباشرة لتمويل العجز الحكومي المقدر بأكثر من 60% من الإنفاق، مما سيعيد رسم أصفار جديدة على العملة بشكل أسرع مما حُذفت. وفقاً للخبير الاقتصادي زياد عربش.
الخطر الثاني الإقصاء الاجتماعي والجغرافي. فالفترة المحددة بــ 90 يوماً وشبكة الألف منفذ قد لا تكفيان لضمان وصول كل الفئات، خاصة كبار السن والمقيمين في المناطق النائية والنازحين الذين يقدر عددهم بملايين. ويشير التحليل إلى خطر موازٍ يتمثل في أن أصحاب الثروات النقدية غير المصرح بها خارج النظام المصرفي، والذين يُقدر بأنهم يتحكمون بنسبة كبيرة من الكتلة النقدية، قد يلجأون للسوق السوداء لتحويل أموالهم، مما يخلق سعر صرف موازياً ومهيناً للعملة الجديدة منذ اليوم الأول.
أما الخطر الثالث والأكثر حساسية، فهو خطر انهيار الثقة المتبقية. تؤكد تجربة إيران وفنزويلا أن ثقة المواطن هي العمود الفقري لأي عملة. أي خلل تقني، أو شح في السيولة الجديدة، أو انتشار لشائعات التزوير، قد يؤدي إلى هروب جماعي نحو العملات الأجنبية، ويعمق ظاهرة الدولرة المقدرة حالياً بأكثر من 70% في المعاملات الكبيرة، مما يفقد العملية برمتها جدواها.
شروط النجاح: الطريق من الورق الجديد إلى الثقة الجديدة
لتحويل هذا التحدي إلى فرصة، يحدّد الخبراء شروطاً لا غنى عنها. الشرط الأول هو الشفافية المطلقة التي تتجاوز التصريحات الصحافية. ويؤكد المحللون ضرورة أن يبدأ المصرف المركزي بنشر بيانات اقتصادية منتظمة ومفصلة، بعد صمته الإحصائي عن معدلات التضخم منذ فبراير 2025، وربما تشكيل لجان رقابية مستقلة للإشراف على التوزيع. الشرط الثاني هو العدالة في التنفيذ، عبر ضمان وصول الخدمة إلى كل المناطق والفئات، وتقديم دعم حسابي وتوضيحي للمواطنين، خاصة كبار السن. الشرط الثالث والأهم، كما يشدد الخبراء، هو إعلان حزمة إصلاحات اقتصادية مصاحبة ومرئية، ولو كانت أولية، مثل إطلاق مشروع إنتاجي كبير، أو إصلاح جزئي لنظام الدعم، لإرسال رسالة واضحة بأن تغيير العملة هو بداية لتغيير جذري في منطق إدارة الاقتصاد.
العملة الجديدة.. أكثر من ورق
في النهاية، العملة الجديدة التي بدأ تداولها في 2026 أكثر من مجرد ورق مطبوع بتقنيات عالية أو وسيلة دفع مبسطة. إنها، في رمزيتها العميقة، تحمل دلالات تتجاوز قيمتها الاسمية. إنها محاولة لطي صفحة ثقيلة من تاريخ اقتصادي مليء بالأصفار المسجية على هامش الحياة اليومية للناس، وإعلان عن رغبة في بدء العد من جديد. إنها، في طموحها، تريد أن تكون عقداً اجتماعياً نقدياً جديداً، ووعداً بانطلاقة نحو “سورية جديدة”، سورية يعود فيها النظام والوضوح إلى التعاملات، وتستعيد فيها العملة الوطنية هيبتها باعتبارها رمزاً للسيادة والقدرة على الحياة الكريمة.
لكن هذا الوعد الورقي لن يتحقق بمجرد التوزيع. فهو مرهون بالسياسات التي ستلي الطباعة، وبالشفافية التي ستحيط بالعملية، وبالإصلاحات الحقيقية التي يجب أن تلمسها كل أسرة في قوتها الشرائية واستقرار معيشتها. النجاح لن يُقاس بجودة الورق أو جمال التصميم، بل بقدرة هذه الخطوة على استعادة شيء من الثقة المفقودة، وإيجاد أرضية صلبة لبناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً. الرهان الحقيقي ليس على تغيير شكل العملة، بل على تغيير السياسات والمنطق الاقتصادي الذي أودى بقيمتها. وهو رهان مصيري، فإما أن تكون هذه العملة البوابة التي تعبر منها سورية نحو مرحلة من التنظيم والإنتاج والانتعاش، أو أن تصبح مجرّد فصل آخر في سردية الأزمة نفسها. ليس الخيار، في نهاية المطاف، بين عملة قديمة وأخرى جديدة، بل بين الاستمرار في منطق الفوضى والتضخم، أو الشروع بشجاعة في منطق الإصلاح والبناء. وأرى أن الحكومة السورية الحالية، تسعى بكل الإمكانيات المتاحة إلى تحقيق كل عوامل النمو والازدهار.
العربي الجديد
————————————–
استثمار “ميناء طرطوس” على هامش فضائح إبستين/ إياد الجعفري
الثلاثاء 2026/02/17
هل يجب تعليق اتفاق الامتياز الممنوح لمجموعة موانئ دبي العالمية، لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس، على خلفية الفضيحة المتعلقة بالصلة الشخصية التي ربطت رئيس المجموعة التنفيذي السابق، سلطان أحمد بن سليّم، برجل الأعمال الأميركي المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين؟ هذا السؤال كان موضع نقاش أو تلميح جدّي، من جانب عدد من المراقبين والنشطاء بالشأن السوري، خلال اليومين الفائتين.
وكما هو معلوم، فقد علّقت مؤسستان دوليتان بارزتان، أعمالهما، مع “موانئ دبي”، جراء فضيحة العلاقة بين ابن سليّم وإبستين. وطلبت كل من المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل وصندوق التقاعد الكندي، من “موانئ دبي”، اتخاذ “الإجراءات المطلوبة”. وسريعاً، تجاوبت المجموعة الإماراتية مع الضغوط عبر إعلان استقالة ابن سليّم من منصبَي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للمجموعة، وتعيين بديليَن عنه. لكن، كي نفهم سبب تفاعل هذه التداعيات، دعونا نحاول الإجابة على التساؤل الآتي: ما الذي استفز بالتحديد كلاً من المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل وصندوق التقاعد الكندي، في علاقة ابن سليّم بإبستين، بصورة دفعتهما إلى تعليق صفقات وأعمال استثمارية بمئات ملايين الدولارات؟
نجد إشارة للجواب في مضمون إعلان تعليق العمل مع “موانئ دبي”، الصادر عن المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل، والتي قالت إن تقييم الصفقات الاستثمارية يعتمد على ممارسات الحوكمة لشركائها، ويشمل ذلك أولويات مثل المساواة بين الجنسين ونزاهة الأعمال. ونفهم من تحليل العبارة السابقة، أن الإشارات الصريحة لـ”تجارب جنسية”، والتي وردت في رسائل البريد الإلكتروني بين ابن سليّم وإبستين، تحتل حيزاً محدوداً في السبب الذي دفع المؤسسة البريطانية لاتخاذ هذا الموقف. فالإشارة لـ”ممارسات الحوكمة” و”نزاهة الأعمال”، يقصد بها ذاك التعاون الذي كشفته مراسلات ابن سليّم وإبستين، في ترتيب صفقات وأعمال سياسية وتجارية.
ووفق المتاح من تلك المراسلات، كان ابن سليّم يرى في إبستين وسيط علاقات عامة، قادراً على وصلِه بشخصيات نافذة دولياً، على المستويات السياسية والاقتصادية والاستثمارية. وكان إبستين بدوره، يستفيد أيضاً من علاقات ابن سليّم، في الاتجاه ذاته. لا ينفي ذلك، البعد المتعلق بالتجارب “الجنسية”. لكن لا توجد أدلة بعد على تورط ابن سليّم في جرائم إبستين المتعلّقة بإدارة شبكة لاستغلال القاصرات جنسياً. إلا أن الجلّي من مراسلاتهما، أن إبستين كان يسهّل لابن سليّم عقد صلات تتيح له تمرير أعماله وصفقاته المتعلقة بمشاريع “موانئ دبي”. وذاك الحيز هو ما يتعلّق بإشارة المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل إلى “ممارسات الحوكمة” و”نزاهة الأعمال”. فالعلاقات الشخصية بوصفها أساس عقد الصفقات الاستثمارية مع جهات حكومية في دول المؤسسات الغربية، مصدر إشكال. لذلك نجد أن المكتب الإعلامي لحكومة دبي، وفي معرض إشارته إلى استقالة ابن سليّم، قال إن هذه الخطوة تأتي “في إطار تعزيز منظومة الحوكمة والقيادة المؤسسية في الشركة”.
وبإسقاط ذلك على سوريا، يبدو الحديث عن تعليق اتفاق امتياز ميناء طرطوس الممنوح لـ”موانئ دبي”، خشية عدم مراعاة المجموعة الإماراتية لمنظومات الحوكمة والمأسسة، وبناء الصفقات على العلاقات الشخصية، ضرباً من الرفاهية، في بلدٍ يعاني أساساً من فائض شخصنة فاضح في كل أعماله الحكومية. وذلك يقودنا إلى خلاصة بعيدة عن السؤال الذي افتتحنا به مقالنا هذا. فالقضية لا تتعلّق بإبقاء امتياز ميناء طرطوس مع “موانئ دبي”، التي أطاحت برئيسها التنفيذي “التاريخي”، رغم دوره الكبير في تحويلها إلى ما هي عليه اليوم -تدير نحو 10% من التجارة الدولية- بل تتعلّق بأثر الممارسات المغرقة بالشخصنة، والبعيدة عن الحوكمة والمأسسة، في أداء مؤسساتنا الحكومية اليوم، والذي يعني عدم القدرة على اكتساب ثقة مستدامة من جانب المؤسسات الدولية، المالية والاستثمارية. وهي خسارة كبيرة على المدى البعيد لاقتصاد سوريا، المحتاج بشدة لثقة استثمارية دولية فاعلة، لا إقليمية فقط.
من جانبنا، لا نتوقع أن حكومتنا في وارد مراجعة اتفاقها مع “موانئ دبي” في طرطوس. ولا نعتقد أن ذلك ضروري بالفعل، رغم أن فضيحة العلاقة بين ابن سليّم وإبستين، سلّطت الأضواء من جديد على الجدل حول شبهات تهديد “موانئ دبي” للأمن القومي لبعض الدول، وفق مزاعم متداولة بهذا الخصوص. لكن، لا توجد أي مؤشرات على ذلك في الحالة السورية. وذلك خلافاً لسمعة الإمارات في دعم الثورات المضادة، خلال العقد الفائت. إذ لا نجد في علاقتها بالمشهد السوري الراهن، ما يؤشر إلى أنها تعمل بهذا الاتجاه. ورغم أنها تستضيف عدداً كبيراً من رجالات نظام الأسد وشخصياته البارزة، إلا أن أي معطى لم يتم تسجيله لأي تحرك من قبل هؤلاء عبر معقلهم في الإمارات. على خلاف ذلك، تبدو تحركات قيادات من النظام البائد، صادرة عمن هم مقيمين على الأراضي الروسية، أو في لبنان. وفق المعلومات المتوافرة.
يبقى الدرس الذي يجب أن نأخذه من تجربة “موانئ دبي” مع فضائح ملفات إبستين، أن نحرص أكثر وبجدّية، على حوكمة أفضل ومأسّسة أوضح لأداء مؤسساتنا الحكومية. ولجم أدوار الأشخاص، بوصفهم أشخاصاً، في صنع القرار المتعلق بمصائر السوريين.
المدن
———————————-
اقتصاد الظلّ المصرفي.. كيف يدير السوريون حياتهم خارج البنوك العالمية؟/ عبد الغني العريان
2026.02.17
منذ سنوات، تعيش “أمينة الخالد” على إيقاع الحوالات المالية القادمة من الخارج، تنتظر رسالة قصيرة تحدد إن كان شهرها سيمضي باستقرار أم بقلق.
بالنسبة لها، لم تعد الحوالة مجرد إجراء مالي، بل مسألة استقرار أو فوضى؛ إن وصلت في وقتها دفعت الإيجار وأقساط المدرسة، وإن تأخرت تبدأ دوامة الديون.
قصة أمينة تشبه قصص آلاف السوريين الذين يعيشون منذ أكثر من عقد خارج النظام المصرفي العالمي.
انقطاع مالي طويل
منذ عام 2011، ومع العقوبات الدولية الواسعة، خرجت سوريا عمليًا من منظومة التحويلات البنكية الرسمية، لتدخل في حالة “انقطاع مالي” طويل الأمد لم يقتصر على المؤسسات، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ من راتب مغترب، إلى تجارة متوقفة، وصولًا إلى أجر صحفي يعمل مع مؤسسة دولية.
ورغم الإعلان في عام 2025 عن استئناف إرسال الرسائل المالية عبر شبكة SWIFT، فإن آثار سنوات العزلة لا تزال حاضرة بقوة.
ومع فرض العقوبات الدولية على المصارف السورية، توقفت العلاقات مع البنوك المراسلة في الخارج، وانقطعت قنوات التحويل التقليدية التي تعتمد عليها التجارة الدولية.
شبكة SWIFT، التي تشكّل العمود الفقري للرسائل المالية بين البنوك في العالم، أصبحت شبه معطلة بالنسبة لسوريا، ما جعل أي تحويل خارجي مهمة شبه مستحيلة عبر الطرق الرسمية.
لم تعد البنوك المحلية قادرة على استقبال أو إرسال الأموال بشكل مباشر، ولم يعد فتح حساب بنكي داخل سوريا كافيًا للاندماج في الاقتصاد العالمي.
هذا الواقع دفع ملايين السوريين في الداخل والخارج إلى الاعتماد على بدائل غير رسمية، كشبكات الحوالة التقليدية، أو شركات صرافة خاصة تعمل في مناطق رمادية قانونيًا.
ورغم أن هذه البدائل أنقذت الكثيرين من العزلة المطلقة، فإنها حملت معها مشكلات كبيرة؛ غياب الضمانات، ارتفاع الرسوم، التلاعب بأسعار الصرف، وصعوبة الاعتراض أو استرداد الأموال عند حدوث خطأ.
ومع مرور السنوات، لم يعد هذا الوضع استثناءً مؤقتًا، بل أصبح هو القاعدة اليومية التي يتعامل معها السوريون كأمر واقع.
أسر معلّقة بين الانتظار والقلق
في أحد أحياء ريف حماة، تجلس أمينة الخالد، وهي أم لثلاثة أبناء، تنتظر اتصالًا من مكتب صرافة يؤكد وصول حوالة شهرية يرسلها زوجها من ألمانيا.
تقول أمينة لـ موقع تلفزيون سوريا: “منذ سنوات ونحن نعيش على هذه الحوالة، هي مصدر دخلنا الأساسي، لكن كل شهر نمر بنفس القلق: هل وصلت؟ متى؟ وبأي سعر صرف؟”.
تشرح أن جزءًا من المبلغ يضيع دائمًا في الطريق، بين عمولات التحويل وفروقات السعر، “نخسر دون أن نعرف بالضبط كم ولماذا”.
في مدينة حلب، يروي سامر درويش تجربة مشابهة؛ يعتمد على دعم أخيه في الخليج، لكنه لا يملك حسابًا بنكيًا حقيقيًا يمكنه استلام المال عليه مباشرة، يقول:
“أذهب إلى شركة صرافة، أقدّم هويتي، وأنتظر أحيانًا ساعات” أحيانًا يفرضون سقفًا للسحب، فأضطر لتقسيم المبلغ على عدة أيام”.
ويضيف أن أي خطأ بسيط في الاسم قد يؤخر استلام الحوالة لأيام، دون وجود جهة رسمية يمكن اللجوء إليها.
هذا الواقع جعل آلاف الأسر السورية تعيش في حالة هشاشة مالية دائمة، حيث لا ضمانة لوصول الأموال في وقتها، ولا استقرار في قيمتها، ولا نظام قانوني واضح يحمي حقوق المستلمين.
وبينما يتحدث مسؤولون عن إعادة الربط المصرفي، تبقى هذه العائلات أسيرة منظومة تعتمد على الثقة الشخصية أكثر من اعتمادها على مؤسسات رسمية.
تجارة معطّلة وسوق مشوّهة
الأزمة لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد بعمق إلى قطاع الأعمال والتجارة، في دمشق، يقول التاجر فادي المصري، الذي يعمل في استيراد المواد الغذائية، لـ تلفزيون سوريا:
” قبل عقد من الزمن كنا نحول الأموال مباشرة إلى حسابات الموردين في الخارج، اليوم أصبح هذا شبه مستحيل نلجأ إلى وسطاء في دول أخرى، أو إلى أطراف ثالثة، وكل ذلك يرفع التكاليف ويزيد المخاطر”.
يوضح أن كل صفقة باتت تتطلب ترتيبات معقدة: حساب باسم شخص في بلد مجاور، تحويل نقدي عبر شبكة غير مباشرة، أو اتفاقيات شخصية بلا ضمانات مصرفية.
ويضيف: “أحيانًا نخسر الصفقة بالكامل لأن المورد يرفض التعامل خارج النظام البنكي الرسمي”.
وأشار المصري؛ “هذا الوضع انعكس مباشرة على السوق المحلية، فتكاليف التحويل غير الرسمي، وفروقات الصرف، والمخاطر الإضافية، كلها تُضاف إلى سعر السلعة النهائية، ما يرفع الأسعار على المستهلك السوري الذي يعاني أصلًا من ضعف الدخل”.
ورغم الإعلان عن عودة الرسائل المالية عبر SWIFT، يؤكد كثير من التجار أن الاستفادة العملية لا تزال محدودة جدًا، بسبب ضعف جاهزية المصارف المحلية، وحاجتها إلى وقت طويل لتحديث أنظمتها والالتزام بالمعايير الدولية.
أجر معطّل في قطاع الإعلام والعمل الحر، تتخذ الأزمة المالية شكلًا أكثر قسوة وتعقيدًا.
أبو عمر، صحفي من إدلب يعمل مع وكالة أوروبية يقول لـ موقع تلفزيون سوريا، إنه مضطر منذ سنوات لتحويل مستحقاته إلى حسابات أصدقاء له في تركيا، بسبب عدم قدرته على امتلاك حساب بنكي باسمه داخل سوريا.
يضيف أن هذه الطريقة لم تكن آمنة يومًا، إذ تعرّض أكثر من حساب للحظر المؤقت من قبل البنوك التركية، ما اضطره للانتظار أسابيع طويلة حتى يتم فك الحظر، قبل أن يتمكن من إعادة تحويل المبلغ إلى الداخل بطرق غير مباشرة.
وفي حالة أخرى، يروي الصحفي “يزن الحلبي” أنه تعرّض لعملية نصب من أحد معارفه المقيمين في كندا، بعدما طلب منه تحويل مستحقاته من إحدى الوكالات الأجنبية لمدة ستة أشهر إلى حسابه، ليتجاوز المبلغ 5000 دولار، قبل أن يقوم بحظره واختفائه بالكامل.
أما رامي، فيؤكد أنه خسر فرصة عمل مهمة جدًا في صحيفة أجنبية مرموقة، رغم اجتيازه جميع مراحل المقابلة بنجاح، فقط لأنه لم يكن يملك حسابًا بنكيًا باسمه يمكن تحويل الأجر إليه، في سوق عمل عالمي لا يعترف بأي وسيلة دفع خارج النظام المصرفي الرسمي.
ولا تعبّر هذه الحالات عن استثناءات فردية، بل عن واقع واسع يحرم عشرات الصحفيين والعاملين المستقلين السوريين من فرص مهنية حقيقية، لا بسبب ضعف الخبرة أو المهارة، بل بسبب العجز البنيوي عن الوصول إلى أبسط حق مالي؛ حساب بنكي معترف به عالميًا.
في المحصلة، لا تبدو العزلة المصرفية مسألة تقنية بحتة، بل واقعًا مشتركًا ينعكس على المدني الذي يعتمد على الحوالات لتأمين معيشته، وعلى الصحفي والعامل الحر الذي تُقيّده آليات الدفع الدولية. كلا الطرفين يواجهان النتيجة نفسها: مسارات مالية غير مستقرة، غياب الضمانات، واعتماد متزايد على حلول مؤقتة خارج النظام الرسمي.
وبين الإعلان عن استئناف جزئي للاتصال المالي، واستمرار القيود العملية على الأرض، تبقى العودة إلى النظام المصرفي العالمي عملية غير مكتملة، لم تنعكس بعد بشكل ملموس على حياة الأفراد أو فرصهم الاقتصادية.
تلفزيون سوريا
——————————
سوريا تراهن على قطاع الطاقة لاستعادة التوازن الاقتصادي/ هيام علي
اتفاقات دولية واستثمارات مرتقبة تعيد رسم خريطة النفط والغاز وسط تحديات جيوسياسية
السبت 14 فبراير 2026
حاجة سوريا من النفط تبلغ نحو 150 ألف برميل يومياً للاستهلاك المحلي، بينما لا يتجاوز الإنتاج الحالي أقل من ربع هذه الكمية، والوصول إلى إنتاج 150 ألف برميل يومياً يحتاج إلى فترة تراوح ما بين عامين وثلاثة أعوام، وتلجأ الحكومة إلى استيراد النفط الخام وتكريره داخل مصفاتي بانياس وحمص.
يتصدر قطاع الطاقة المشهد الاستثماري في سوريا الساعية إلى تحقيق أمنها الطاقوي، عبر إبرام اتفاقات مع شركات إقليمية وعالمية تهدف إلى الوصول لاكتشافات تجارية خلال الأمدين المتوسط والبعيد، بما يدعم إيرادات الخزانة العامة ويعزز الميزان التجاري ويقلل الاعتماد على الاستيراد، فضلاً عن خلق فرص عمل وتعزيز موقع البلاد الإقليمي في مجال الطاقة.
وشهد العام الحالي حراكاً ملحوظاً مع الإعلان عن اتفاقات ومذكرات تفاهم للاستثمار في النفط والغاز والكهرباء، أبرزها توقيع اتفاق أولي مع شركة “شيفرون” الأميركية للتنقيب عن النفط داخل حقل بحري ضمن المياه الإقليمية، مع توقعات بتحويله إلى عقد تنفيذي قبل نهاية العام، وفق تصريحات مسؤولين سوريين.
وبحسب مدير مركز “حرمون” للدراسات والخبير النفطي سمير سعيفان، فإن من أبرز المشاريع هو تحالف شركة “كونكو” للعمل على تطوير مجموعة آبار شمال شرقي سوريا، بما يشمل تطوير حقل غاز “الطابيات” وتنفيذ عمليات استكشاف في حقول جديدة مثل “البريج” و”صدد”، إضافة إلى إعادة تأهيل الحقول القائمة بهدف رفع إنتاجيتها.
بينما، يتركز نشاط “شيفرون” على التنقيب البحري، مما يعني بدء العمل من الصفر عبر إنشاء أول حقل بحري في سوريا، وسط توقعات بتسريع تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي.
حضور تركي واستثمارات كهربائية
وتحاول تركيا تعزيز حضورها في قطاع الطاقة السوري، إذ شهدت دمشق محادثات بين وزير الطاقة السوري محمد البشير ونائب وزير الطاقة التركي أحمد براءات جونكار حول توسيع التعاون في مجالات الغاز والكهرباء والاستثمار النفطي، بما يشمل مشاريع التنقيب البحري وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء واستيراد الغاز عبر تركيا لتشغيل محطات التوليد.
وأعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن شركات تركية وقطرية وأميركية ستتولى بناء أربع محطات طاقة تعمل بالغاز الطبيعي بنظام الدورة المركبة، إضافة إلى محطة طاقة شمسية بقدرة إجمالية تبلغ 5 آلاف ميغاوات، باستثمارات تصل إلى 7 مليارات دولار.
وشهد العام الحالي توقيع منحة يابانية بقيمة 1.952 مليار ين ياباني لتعزيز استقرار إمدادات الطاقة، إلى جانب اتفاقات لإعادة تأهيل محطات كهرباء، وإطلاق مشروع لطاقة الرياح بقدرة 700 ميغاوات عبر تركيب 140 عنفة هوائية.
الساحل السوري كمركز إقليمي محتمل
من جانبه، كشف وزير الطاقة السوري أن حاجة البلاد من النفط تبلغ نحو 150 ألف برميل يومياً، بينما لا يتجاوز الإنتاج الحالي ربع هذه الكمية، مع توقعات بالوصول إلى هذا المستوى خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، كذلك يبلغ الإنتاج الحالي من الغاز نحو 8 ملايين متر مكعب يومياً مقابل حاجة تصل إلى 23 مليون متر مكعب لتشغيل محطات الكهرباء.
وتسعى الحكومة إلى تحويل الساحل السوري إلى منصة إقليمية لتجارة النفط، سواء المنتج محلياً أو الوارد لإعادة التصدير نحو أوروبا، مستفيدة من الاهتمام الأوروبي بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا.
وتشير تقديرات إلى أن الاستثمارات المطلوبة لتطوير الموارد البحرية قد تراوح ما بين 4 و7.5 مليار دولار، مع احتمال بدء الإنتاج بحلول عام 2030 إذا سارت الخطط من دون تأخير، ويمكن أن تسهم هذه المشاريع بنحو 8 مليارات دولار سنوياً عند الوصول إلى مرحلة الإنتاج الكامل، مما قد يدعم اقتصاداً يسعى إلى التعافي بعد أعوام من الصراع.
لكن متخصصي الطاقة يؤكدون أن سوريا ليست دولة نفطية بالمعنى التقليدي، إذ تقدر احتياطاتها بنحو 285 مليار متر مكعب من الغاز و2.5 مليار برميل من النفط، وهي أرقام قابلة للتغيير وفق نتائج الاستكشاف، كذلك فإن الحديث عن احتياطات ضخمة يبقى ضمن الإمكانات الجيولوجية وليس الاحتياطات المؤكدة تجارياً.
بالتالي، فإن نجاح المشاريع المستقبلية يعتمد على سرعة تنفيذ الاتفاقات، والاستقرار الجيوسياسي، وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى إدارة شفافة للعقود لضمان تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
إلى ذلك، أعلنت وزارة الطاقة السورية توقيع اتفاق مع شركة “ميرف إنيرجي” الوطنية، لإطلاق مشروع ضخم لتوليد الكهرباء عبر الرياح بقدرة 700 ميغاوات، ضمن خطوة تهدف إلى تركيب 140 عنفة هوائية.
الساحل السوري منصة إقليمية لبيع النفط
ويرى متخصصون أن تحويل الساحل إلى منصة إقليمية لبيع النفط يبدو المشروع الأهم بالنسبة إلى سوريا، كونه يؤسس لعودتها إلى خريطة الطاقة العالمية خلال وقت بات فيه شرق البحر المتوسط ذا أهمية كبيرة، مع سعي أوروبا لتنويع مصادر الغاز وتقليل الاعتماد على روسيا.
وأوضح المتخصص السوري في مجال النفط رياض أوسي أن رفع سقف إنتاج سوريا من النفط والغاز مرهون بنتائج التنقيب والاستكشاف، التي يمكن أن تحصل عندما تبدأ الشركات أعمال التنقيب فعلاً، مؤكداً أن دمشق في حاجة لاستقرار أوضاعها الداخلية وضمن الإقليم حتى تتمكن الشركات من الدخول والبدء بتنفيذ أعمالها، لافتاً إلى أن الحديث عن احتياطات كبيرة يبقى رهين الإمكانات الجيولوجية للحوض وتحديداً البحري، وليس الاحتياطات المثبتة حتى الآن تجارياً، بالتالي فإن نتائج التنقيب والاكتشاف هي التي ستمنح الأرقام التي يمكن أن تذهب إليها إمكانات الإنتاج خلال الأعوام المقبلة. وأشار إلى أن سوريا في حاجة إلى زيادة إنتاجها من النفط والغاز لتلبية حاجاتها المختلفة، والأهم الوصول إلى مرحلة يُمكن معها استئناف التصدير والاستغناء عن الاستيراد الذي تتجاوز فاتورته السنوية 1.2 مليار دولار، إلى جانب التمكن من رفد خزانة الدولة وتعزيز الاحتياطات من القطع الأجنبي، ودعم عملية الإعمار وتحسين معيشة السكان، المحلل السوري أوضح أيضاً أن عائدات النفط قبل الحرب كانت تصل إلى 3 مليارات دولار، واستعادة أو الوصول إلى هذه الأرقام مرتبط بسرعة إنجاز الاتفاقات، وبخاصة أن كلها مع شركات كبيرة وذات مستوى عالمي، مؤكداً أنه لو لم تكن هناك معطيات اقتصادية لما تحركت كل تلك الشركات للعمل في سوريا.
الاستثمارات المطلوبة تصل إلى 7.5 مليار دولار
موقع “إيكونومي” التركي المتخصص في الشؤون الاقتصادية كشف ضمن تقرير له عن مفاوضات تجريها سوريا مع عدد من كبرى شركات الطاقة العالمية، لتطوير احتياطات محتملة من الغاز الطبيعي والنفط في مياهها البحرية، إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن هذه المشاريع قد تسهم بنحو 8 مليارات دولار سنوياً حال دخولها مرحلة الإنتاج الكامل، مما قد يشكل دفعة مهمة لاقتصاد سوري يسعى إلى التعافي بعد أعوام طويلة من الصراع، وبحسب التقرير، فإن التقديرات تشير إلى أن الاستثمارات المطلوبة قد تراوح ما بين 4 و7.5 مليار دولار، مع احتمال بدء أول إنتاج للغاز بحلول عام 2030، إذا سارت الخطط من دون تأخير.
ولفت التقرير إلى أنه في حال دخول سوريا سوق الغاز البحري، قد تنعكس هذه التطورات على المشهد الإقليمي، مثل تعزيز دور تركيا كممر للطاقة، وإعادة تشكيل توازنات العرض في إسرائيل ومصر، واستفادة الاتحاد الأوروبي من مصدر إضافي ضمن سياسة تنويع الإمدادات، إلا أن متخصصي الطاقة يشددون على أن تأثير هذه المشاريع سيظل مرهوناً بقدرتها على تجاوز الأخطار التقنية والتمويلية والجيوسياسية.
التقرير خلص إلى أن ملف الغاز البحري السوري يمثل فرصة اقتصادية واعدة لكنه ليس حلاً سريعاً للأزمة الاقتصادية، فالتحول الحقيقي يتطلب إدارة شفافة للعقود وبيئة تنظيمية مستقرة وتوزيعاً عادلاً للعائدات، واستثماراً في البنية التحتية المحلية. وفي حين تبقى الأعوام المقبلة حاسمة لتحديد مسار هذه المشاريع، فإن نجاحها قد يضيف عنصراً جديداً إلى معادلة الطاقة في شرق المتوسط، من دون أن يلغي التعقيدات الإقليمية القائمة.
سوريا ليست دولة نفطية
وفقاً للدراسات المنشورة، فإن احتياطات سوريا الحالية تقدر بنحو 285 مليار متر مكعب من الغاز و2.5 مليار برميل من النفط، وهذه الأرقام قابلة للتعديل ارتفاعاً أو نزولاً بحسب نتائج الاستكشاف الفعلي التي يتوقع أن تقوم بها شركات مثل “شيفرون” و”كونيكو” و”يو سي سي” وغيرها.
ويؤكد متخصصو الطاقة أن الحديث عن “احتياطات تريليونية” يظل في إطار الإمكانات الجيولوجية للحوض وتحديداً الحوض البحري، ولدى سوريا ثلاث مناطق برية رئيسة لإنتاج النفط والغاز بحسب دراسة سابقة للخبير النفطي ورئيس مركز حرمون للدراسات سمير سعيفان.
الأولى وهي الأقدم منذ عام 1968 في منطقة الحسكة، وتحوي حقول “الرميلان السويدية وكراتشوك والجبسة” وغيرها، وهذه كانت خاصةً بالشركة السورية للنفط الحكومية، ويوجد فيها نفط ثقيل بنسبة كبريت تصل إلى سبعة في المئة، لذا يُباع أرخص من نفط دير الزور، والثانية منطقة دير الزور وهي الأحدث منذ عام 1985، وفيها حقول مثل “العمر والورد والتنك والتيم” وغيرها، وهي منطقة امتيازات للشركات الأجنبية مثل “شل” و”توتال” وغيرهما، وتنتج نفطاً خفيفاً يُباع بسعر أغلى من النفط الثقيل، والثالثة منطقة تدمر وهي منطقة تنتج الغاز، وكانت تدير حقولها شركات أجنبية بعقود امتياز مثل شركة “بتروكندا” وشركة “إينا” الكرواتية، وكذلك الشركة السورية للغاز الحكومية.
يضاف للمناطق الثلاث احتمال وجود غاز داخل المياه الإقليمية السورية، ومن الصعب تقدير الاحتياط والإنتاج الممكن قبل القيام بنشاطات استكشافية إضافية وحفر بئر أو اثنتين، ولكن لن تكون كميات هائلة وعليه باختصار لا تعد سوريا دولة نفطية، وفقاً للمحلل السوري سمير سعيفان الذي أضاف في دراسة له أن إجمال احتياط الاكتشافات النفطية بلغ حتى نهاية عام 2006 نحو 24 مليار برميل نفط خام، ومن المعروف أن ما يمكن استخراجه من النفط الخام هو الجزء الأقل، ويعتمد هذا على التكنولوجيا والمعرفة وخبرة الحفر وإدارة المخزون، بالتالي لا يزيد الجزء القابل للإنتاج على نحو 7 مليارات برميل، أي أقل من 30 في المئة من ذاك الاحتياط الإجمالي، وأُنتج حتى عام 2010 نحو 5 مليارات برميل نفط، والجزء المتبقي القابل للإنتاج خلال ذاك العام 2010 لا يزيد، بحسب أفضل التقديرات، على ملياري برميل نفط خام، وهي تكفي لإنتاج أكثر من 300 ألف برميل يومياً لمدة 20 عاماً.
——————————
شراكات وزارة الاتصالات.. قراءة نقدية ما بين الضرورة والتخطيط/ هادي النحلاوي
فبراير 17, 2026
تداولت الأخبار مؤخرًا قيام وزارة الاتصالات بتوقيع شراكات استراتيجية، إحداها مع شركة “ماستركارد العالمية” في مجال المدفوعات الرقمية، وأخرى مع شركة “عِلم” السعودية في مجال التحول الرقمي. من منظور كثير من المتابعين وصنّاع القرار، تبدو هذه الخطوة إيجابية بالنظر إلى ما تمتلكه هذه الشركات من خبرات واسعة وتجارب ناجحة، وهو أمر مطلوب بطبيعة الحال للاستفادة من تلك الخبرات وتوطينها في سوريا.
غير أننا نود النظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة لا تهدف إلى النقد الهدّام، بل إلى التبصير وتوضيح بعض النقاط وتسليط الضوء على ما يلزم كي تتحول هذه الفرص إلى إنجازات وطنية مستدامة.
تُعد ماستركارد عملاقًا في مجال المدفوعات الرقمية وتستحوذ على حصة كبيرة من خدماتها على مستوى العالم، وقد كانت سوريا معزولة عن هذه المنظومات لعقود طويلة، لذا فإن فتح السوق أمام ماستركارد يبدو ضرورة. لكن من المهم ألا نغفل أن ماستركارد شركة خاصة ربحية في المقام الأول وهدفها تحقيق العائد المالي، وهذا حق مشروع لا خلاف عليه.
في المقابل نحن في سوريا، وللأسف، لا نُعد حتى ضمن الدول النامية في هذا القطاع، بل دون ذلك بمراحل، ولذلك فإن توقيع شراكات استراتيجية والاستفادة من خدمات الشركة والانطلاق بالسوق من نقطة الصفر كلها خطوات مهمة، لكنها تستوجب قبل المضي قدمًا الإجابة عن أسئلة مهمة:
هل وضعنا استراتيجية وطنية شاملة للمدفوعات الرقمية؟ وهل حددنا مؤشرات أداء وخططًا تنفيذية واضحة تقيس النجاح زمنيًا وكمّيًا؟ وما المجالات التي ينبغي أن نستفيد فيها من خبرة ماستركارد: البنية التحتية التقنية، وضع المعايير، إدارة المخاطر والامتثال، تمكين القبول لدى التجار، أم تثقيف المستهلكين.. الخ؟ وبمنهجية إدارة المشاريع، ما هو “مؤشر النجاح الوطني” المطلوب الذي يسمح لنا بتتبع الأثر الاقتصادي والاجتماعي والتشغيلي لهذه الشراكات على نحو شفاف وقابل للقياس؟
وبالتوازي مع ذلك، هل امتلكنا خيار التفكير في بناء نظام مدفوعات رقمي وطني مستقل عن أي شركة أجنبية، تكون إدارته وبوصلته ومعاييره وتوطينه محليًا؟ المقصود ليس إقصاء الشراكات الدولية، بل على العكس، يجب الانخراط فيها وتطويرها، ولكن ضمن أطر ومصالح وطنية واضحة، ومع حوكمة شفافة، ومعايير محددة سلفًا، وخطط ملزمة لنقل المعرفة وتوطين التقنية وبناء القدرات المحلية.
ولنا في تجارب الدول الناشئة الناجحة عبرة ودليل؛ فالهند بنظام UPI تمكنت من إحداث تحول عميق في مشهد المدفوعات، فحقق النظام معدلات تبنٍّ هائلة وانتشارًا واسعًا بين مختلف فئات المجتمع مع أثر اقتصادي وتنموي ملموس، كما أن البرازيل بنظام PIX قدّمت تجربة سريعة النمو تُعد من الأكثر النظم فاعلية على مستوى العالم، إذ وصلت نسب استخدامه إلى مستويات تفوق سبعين بالمئة من السكان، وأضحى الالتحاق به إلزاميًا للمؤسسات المالية الكبرى.
أما الشراكة مع شركة “عِلم” السعودية، فلا شك في خبرة الشركة داخل المملكة وفي رغبتهم الصادقة بالمساهمة والبناء، وهذا يُحسب لهم. لكن ما يُحسب علينا نحن هو مدى وضوح الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي التي نريد أن نُسندها إلى هذه الشراكة.
إذا كنا نطلب من الشركة المساعدة في وضع الاستراتيجية فهذا أمر حسن، شريطة أن تكون لدينا رؤية محددة عمّا نريده تمامًا: ما مؤشرات ومعايير النجاح لدينا؟ كيف سنقيس الأثر في الخدمات الحكومية والحوكمة وتجربة المواطن والشفافية والأمن السيبراني وكفاءة الإنفاق؟ وكيف سنستفيد من خبرات “عِلم” مع اشتراط نقل المعرفة الفعلي وبناء قدرات وطنية مستدامة؟
قد يقول قائل إننا لا نملك الخبرات والكفاءات الكافية داخل سوريا لصياغة هذه المعايير، وهذا جانب من الواقع، لكننا نملك كفاءات سورية في الخارج قادرة على الإسهام في صياغة استراتيجية وطنية رصينة. وإن كانت هذه الرؤية قد وُضعت فعلًا، فأين الشفافية في الطرح؟ ولماذا لم تُفعَّل الشراكة والتشارك مع الجهات الحكومية صاحبة الاختصاص، ومع الجامعات والنقابات والقطاع الخاص، بأسلوب مبسط ومعلن يضمن الفهم والدعم المجتمعي؟
وتجارب دول الخليج نفسها تقدم دروسًا واضحة؛ فعندما انطلقت هذه الدول في رحلتها للتحول الرقمي شكّلت لجان خبراء واستراتيجيات، وأنشأت شركات وطنية تحمل على عاتقها التنفيذ والمتابعة، وشركة “عِلم” هي مثال حي لشركة نشأت ضمن هذا المنظور، وتعمل في إطار رؤية وطنية واضحة وحوكمة فعّالة.
أما نحن فما زلنا نفتقر إلى إطار مؤسسي مماثل، بل إن بعض المؤشرات البسيطة تثير التساؤل، كأن تدعو وزارة إلى التحول الرقمي بينما موقعها الإلكتروني معطّل ولا يمكن الوصول إليه، فهل نحتاج إلى توقيع شراكة مع شركات تطوير رقمي فقط من أجل إصلاح موقع إلكتروني، أم أننا بحاجة أولًا إلى خارطة طريق تحدد الأولويات والمعايير والحوكمة والمسؤوليات قبل أن تتوالى العقود والمشروعات؟
إن الشراكات مع شركات عالمية مثل ماستركارد، ومع شركات إقليمية رائدة مثل “عِلم”، فرصة لا ينبغي تفويتها، لكنها لن تحقق أثرًا وطنيًا مستدامًا ما لم تُبنَ على استراتيجية واضحة وحوكمة شفافة وقياس صارم للأداء وخطة لنقل المعرفة وتوطين التقنية.
فالطريق الأمثل هو تكامل الشراكات الدولية مع منظومة وطنية للمدفوعات والتحول الرقمي تُدار محليًا وتُصمم وفق احتياجاتنا ومعاييرنا، وحاجة اقتصادنا الحقيقي الذي يحتاج إلى مدفوعات سريعة وآمنة وبتكلفة منخفضة ومتاحة للجميع. بهذه المقاربة يمكن أن تتحول الشراكات إلى رافعة للتنمية لا مجرد عقود، وأن ننتقل من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التبعية التقنية إلى القدرة الوطنية التي تحمي المصلحة العامة وتخدم مستقبل البلاد.
الثورة السورية
—————————-
سوريا تتعاون مع الأردن لتطوير صناعة الأسمنت
لدعم عملية إعادة الإعمار وتنشيط القطاع الصناعي في سوريا
الرياض – العربية
17 فبراير ,2026
بحث خازن غرفة تجارة دمشق مهند شرف، وعدد من أعضاء مجلس إدارة الغرفة، مع وفد اقتصادي أردني، برئاسة رئيس مجلس إدارة الشركة العامة الأردنية للتعدين، محمد علي بدير، فرص الاستثمار في قطاع صناعة الأسمنت بسوريا.
وناقش الجانبان خلال اللقاء الذي جرى في مقر الغرفة فرص الاستثمار المتاحة في سوريا، ولا سيما في مجال صناعة الأسمنت، إضافة إلى الآليات القانونية المنظمة للاستثمار، وسبل تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لفتح مرحلة جديدة من التعاون التجاري بعد سنوات من الانقطاع.
وأكد أعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق جاهزية الغرفة لتقديم المعلومات اللازمة، وتشبيك المستثمرين مع الجهات الحكومية المختصة، في ظل ما تشهده البيئة الاستثمارية في سوريا من انفتاح متزايد من مختلف الدول، وتسهيل لدخول رؤوس الأموال، وتعزيز الشراكات الإنتاجية، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
سوريا تعلن عن تطور جديد في أزمة نقص الغاز
طاقة اقتصاد سوريا سوريا تعلن عن تطور جديد في أزمة نقص الغاز
وتأتي هذه اللقاءات في إطار تحرك غرف التجارة لتعزيز التعاون الاقتصادي العربي، واستقطاب الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية، بما يسهم في دعم عملية إعادة الإعمار وتنشيط القطاع الصناعي في سوريا.
———————–
سوريا تبحث تحديث سكك الحديد وتأهيل طريق نصيب-دمشق
بحث وزير النقل السوري يعرب بدر، خلال اجتماع مع مسؤولين في البنك الدولي، تطوير منظومة السكك الحديدية وتعزيز جاهزيتها الفنية والتشغيلية، إلى جانب مناقشة مشروع محور خط الفوسفات وأبعاده الاقتصادية والاستراتيجية.
وتناول الاجتماع احتياجات المؤسسة العامة للخطوط الحديدية، وآليات تحديث البنية التحتية وتحسين كفاءة التشغيل، وتأمين القاطرات ومعدات الصيانة وقطع التبديل، إضافة إلى إعداد برامج تطوير متكاملة بهذا الشأن، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)
وأكد الوزير السوري أهمية مشروع محور خط الفوسفات بوصفه محورا إنتاجيا يربط مناطق الاستخراج بالمرافئ البحرية، وبما يدعم قطاع التعدين ويعزز حركة النقل والتصدير ويحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني مع خفض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل.
وكان اجتماع عُقد في 6 فبراير/ شباط الجاري بحث آليات تأهيل شبكة السكك الحديدية في سوريا وفرص التعاون الفني والاستثماري لدعم مشاريع النقل الحيوية.
تأهيل طريق نصيب–درعا–دمشق
في سياق متصل، بحث وزير النقل مع وفد كويتي برئاسة المدير التنفيذي لشركة “المجموعة المشتركة للمقاولات” سليمان المعروف آفاق التعاون في مشروع تأهيل طريق نصيب–درعا–دمشق، وإعداد دراسة فنية شاملة لإعادة تأهيله وفق المعايير الهندسية المعتمدة.
وشملت المناقشات إعداد دراسة إنشائية للطريق بهدف رفع كفاءتها وتحسين مستوى الخدمة المرورية.
وأكد الوزير بدر أن الطريق يشكل محورا حيويا للنقل والتجارة، مشددا على ضرورة تعزيز عناصر السلامة فيها.
من جانبه، شدد المعروف على أهمية الدراسات المتخصصة والتقييم الفني الدقيق لحالة الطريق، مؤكدا استعداد شركته للتعاون في إعداد الحلول الهندسية وفق أفضل الممارسات العالمية.
ويقع معبر نصيب على بعد نحو 15 كيلومترا من مدينة درعا على الحدود السورية الأردنية، وشهد خلال الفترة الماضية أعمال تطوير شملت الموقع العام والتجهيزات والخدمات اللوجستية وآليات العمل اليومية.
————————–
===================
تحديث 16 شباط 2026
——————————
الانسحاب الأمريكي من التنف: فرصة اقتصادية وأمنية لسوريا/ منهل باريش
14 – فبراير – 2026
يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه نحو تقليص الوجود في النقاط المكشوفة مقابل تعزيز الحضور في مواقع محصّنة، مع الإبقاء على هامش تدخل سريع عند الضرورة.
اتخذت وزارة الحرب الأمريكية «البنتاغون» خلال أقل من 72 ساعة قرارين بارزين يتعلقان بطبيعة حضورها العسكري في سوريا، في مؤشر واضح إلى تحول استراتيجي يتجاوز فكرة إعادة الانتشار التكتيكي نحو إعادة صياغة أوسع لدور واشنطن في المشهد الأمني شرق البلاد.
تمثل القرار الأول في الانسحاب المنظم من قاعدة التنف، التي شكّلت لسنوات ركيزة النفوذ الأمريكي عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن، بينما جاء القرار الثاني عبر نقل آلاف من معتقلي تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى العراق، وهي خطوة شديدة الحساسية خصوصًا مع التوتر الحاصل بين أمريكا والعراق عقب إعلان نوري المالكي ترشحه لمنصب رئيس وزراء الحكومة مرة أخرى. وبين القرارين تتبدى ملامح مقاربة أمريكية مختلفة قوامها تقليص الانخراط المباشر، مقابل توسيع أدوار الفاعلين المحليين وإعادة توزيع الأعباء الأمنية على الأجهزة الأمنية السورية والعراقية، خصوصًا بعد انضمام إدارة الرئيس الشرع إلى التحالف الدولي للقضاء على التنظيم.
انسحاب أمريكي
من طريق طهران- بيروت
وفي هذا السياق، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أن قواتها «أنهت مغادرة منظّمة من قاعدة التنف في سوريا في إطار انتقال مدروس ومشروط تنفّذه قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب»، وهي صياغة تعكس حرص القيادة المركزية على تقديم الخطوة باعتبارها إعادة تموضع محسوبة، لا انسحابًا تحت الضغط. وتعزيزًا لهذا المعنى، أكد قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر أن «القوات الأمريكية تظل على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات لداعش قد تنشأ في المنطقة»، مضيفًا أن واشنطن ستواصل «دعم الجهود التي يقودها الشركاء لمنع عودة الشبكة الإرهابية»، ومشددًا في الوقت ذاته على أن «الحفاظ على الضغط على داعش أمر أساسي لحماية الأراضي الأمريكية وتعزيز الأمن الإقليمي».
وبالتوازي مع ذلك، ترجّح تقديرات عسكرية أن إعادة التموضع الأمريكية لن تكون بعيدة جغرافيًا، بل ستتجه على الأرجح نحو داخل الأراضي الأردنية، وتحديدًا إلى موقع «البرج 22»، القاعدة اللوجستية القريبة من الحدود السورية والتي تُستخدم مركزًا للمراقبة والإسناد.
غير أن هذا الموقع ليس بمنأى عن التهديدات؛ فقد سبق أن تعرض لهجوم مطلع عام 2024 عندما استهدفته طائرة مسيّرة ثابتة الجناح في هجوم تبنته «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهي مظلة لفصائل مسلحة مدعومة من إيران كانت تعلن تبني الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية ضد المواقع الأمريكية في سوريا ولاحقًا ضد إسرائيل، قبل سقوط نظام الأسد.
وأسفر ذلك الهجوم عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة أكثر من أربعين آخرين، في حادثة وُصفت حينها بأنها الأخطر على القوات الأمريكية منذ سنوات، ودَفعت واشنطن إلى تنفيذ ضربات انتقامية ضد أهداف مرتبطة بتلك الفصائل في سوريا والعراق. وكان الجنود القتلى يخدمون في قوات احتياط الجيش الأمريكي ضمن السرية الهندسية 718 التابعة للواء الهندسي 926 المتمركز أساسًا في فورت مور، جورجيا، حسبما قالت المتحدثة باسم البنتاغون حينها، ما يعكس الطابع اللوجستي للموقع رغم وقوعه في بيئة عملياتية عالية المخاطر، على اعتبار أن «البرج 22» يقع على مثلث الحدود الصحراوي بين العراق وسوريا والأردن.
وعليه، فإن احتمال الانتقال إلى «البرج 22» يوحي بأن واشنطن تميل إلى التموضع داخل حدود حليف إقليمي أكثر استقرارًا، في محاولة لخفض قابلية الاستهداف دون التفريط بقدرتها على مراقبة الحدود السورية ومسارات البادية. وبعبارة أخرى، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه نحو تقليص الوجود في النقاط المكشوفة مقابل تعزيز الحضور في مواقع محصّنة، مع الإبقاء على هامش تدخل سريع عند الضرورة، حيث ستكون القوات الحكومية الرسمية هي الأداة الضاربة ميدانيًا ضد خلايا تنظيم «الدولة الإسلامية»، فيما يتراجع دور التحالف الدولي إلى التوجيه والإشراف.
انتشار القوات الحكومية في منطقة 55
ميدانيًا، أفادت مصادر «القدس العربي» بأن الفرقة 54 التابعة لوزارة الدفاع السورية باشرت الانتشار داخل قاعدة التنف وعلى امتداد النقاط الحدودية مع العراق، عقب استقدام تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، في تحرك يعكس رغبة دمشق في ملء الفراغ الأمني دون إبطاء. ووفقًا للمصادر، جاء تسلّم القاعدة مباشرة بعد انسحاب قوات التحالف الدولي باتجاه الأردن، فيما لا تزال المنطقة تضم انتشارًا لعناصر مديرية أمن التنف، وهم مقاتلون سابقون في «جيش سورية الحرة» جرى دمجهم لاحقًا ضمن إدارة أمن البادية السورية.
وتوحي هذه الترتيبات بأن السلطات السورية تسعى إلى سد الفراغ والاعتماد على عناصر موثوقين من قبل التحالف الدولي جرى تجريبهم خلال السنوات السابقة ويختبرون منطقة الـ55 كم أكثر من باقي وحدات وفرق الجيش الجديد، الأمر الذي يعزز قدرة القوات الحكومية على ضبط واحدة من أكثر المناطق أهمية على المستوى الأمني. فهذه الوحدات ستتحمل مسؤولية حماية «البرج 22» المجاور للحدود السورية وتمنع أي تسلل من الأراضي السورية باتجاه البرج المذكور وعمق الأراضي الأردنية.
ومن زاوية أخرى، لا تنحصر تداعيات الانسحاب في البعد العسكري فحسب؛ إذ يرجح أن يمهّد الطريق لإعادة تشغيل معبر التنف، بما يحمله ذلك من أبعاد سيادية واقتصادية لدمشق. فالمعابر الحدودية، في السياق السوري، لم تكن مجرد بوابات عبور، بل أدوات نفوذ ومصادر دخل في آن واحد. وإذا ما دخل المعبر الخدمة، فسيمنح إدارة الرئيس المؤقت أحمد الشرع فرصة للاستفادة من حركة التجارة البرية مع العراق، وهو ما قد يشكل متنفسًا اقتصاديًا في مرحلة شديدة التعقيد، تعاني الحكومة السورية فيها من قلة الموارد وتعتمد بشكل كبير على إيرادات المعابر والمنافذ البرية والبحرية.
الخلاص من ورقة «سجون داعش»
أما القرار الثاني، فقد تمثل في إعلان سنتكوم إنجاز «مهمة نقل عقب رحلة ليلية من شمال شرق سوريا إلى العراق بهدف ضمان بقاء معتقلي داعش في مرافق احتجاز آمنة». واستمرت العملية 23 يومًا وانتهت بنقل أكثر من 5.700 مقاتل إلى عهدة السلطات العراقية. وفي معرض تعليقه، قال الأدميرال كوبر: «أحسنتم العمل لجميع أفراد فريق القوة المشتركة الذين نفذوا هذه المهمة الاستثنائية بالغة الصعوبة برًا وجوًا بتركيز عالٍ واحترافية وتعاون وثيق مع شركائنا الإقليميين»، مضيفًا أن الولايات المتحدة «تُقدّر قيادة العراق وإدراكه لأهمية نقل المعتقلين في تعزيز الأمن الإقليمي».
بدوره، أوضح اللواء كيفن لامبرت، قائد قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب، أن «التنفيذ الناجح لهذه العملية المنظمة والآمنة لنقل المعتقلين سيساعد على منع عودة تنظيم داعش في سوريا»، في إشارة إلى أن ضبط ملف السجون بات جزءًا من استراتيجية الوقاية المبكرة لا مجرد إجراء أمني.
في المقابل، يحمل هذا التحول رسالة لا تخطئها قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، التي لطالما استندت إلى ورقة السجون لتعزيز موقعها التفاوضي. فحين تبادر أمريكا إلى نقل المعتقلين خارج مناطق سيطرة «قسد»، فإنها عمليًا تقلّص إحدى أهم أدوات الضغط التي امتلكتها الإدارة الذاتية طوال سنوات. وبذلك، يعاد رسم ميزان النفوذ في شمال وشرق سوريا ضمن معادلة أقل اعتمادًا على عامل الخطر الأمني.
مع ذلك، لا يعني هذا التحول تخلي واشنطن الكامل عن شركائها، بقدر ما يعكس إعادة تعريف للعلاقة ضمن سقف أكثر براغماتية. فبعد الهزيمة الإقليمية لتنظيم «الدولة» في الباغوز عام 2019، بات السؤال حول جدوى الانتشار العسكري المكلف أكثر إلحاحًا، خصوصًا مع تراجع التهديد المباشر للتنظيم وتقليل الأكلاف المادية من خلال الاعتماد على السلطات المركزية.
في الاتجاه ذاته، تبدو الرسالة موجهة أيضًا إلى بغداد، التي يغدو دورها أكثر مركزية مع استلامها آلاف المعتقلين. صحيح أن الخطوة تفرض أعباء أمنية إضافية، لكنها في المقابل تعزز موقع العراق كشريك رئيسي في منظومة مكافحة الإرهاب وتعيد ربط الأمن الحدودي بين البلدين ضمن إطار تعاون أوثق.
ورغم كل ذلك، تحرص القيادة المركزية على التأكيد أن إعادة التموضع لا تعني الانكفاء؛ إذ أشارت إلى أن القوات الأمريكية «ضربت أكثر من 100 هدف باستخدام أكثر من 350 ذخيرة دقيقة، واعتقلت أو قتلت أكثر من 50 إرهابيًا»، في رسالة مفادها أن واشنطن لا تغادر بقدر ما تعيد ترتيب أدوات حضورها.
خلاصة القول، إن الانسحاب من التنف يتجاوز كونه خطوة عسكرية ليغدو علامة فارقة في مسار الصراع السوري. فهو يفتح الباب أمام إعادة تفعيل الحدود وتطبيع العلاقات بين بغداد ودمشق، ويمنح الأخيرة فرصة لترسيخ سلطتها عبر الاقتصاد والأمن، ويقلّص أوراق الضغط لدى «قسد»، فيما يعزز دور العراق ضمن معادلة إقليمية آخذة في التشكل.
———————————-
الشاحنات الأجنبية ممنوعة من دخول سوريا/ محي الدين عمّورة
إضراب السائقين في سوريا، واعتصام في لبنان، وتفاجؤ في الأردن
16-02-2026
أصدرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا بتاريخ 6 شباط «فبراير» 2026 القرار (31) القاضي بمنع دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية عبر المنافذ البرية، على أن يجري نقل البضائع بين الشاحنات السورية وغير السورية داخل ساحات الجمارك في كل منفذ، وفق نظام «باك تو باك» (Back-to-Back). وبحسب القرار تستثنى الشاحنات العابرة (الترانزيت)، حيث تتولى الضابطة الجمركية مهمة ترفيقها بين المنافذ وفق الإجراءات النافذة، بهدف تنظيم حركة الشحن والنقل عبر المنافذ البرية والمرافئ البحرية.
وجاء القرار على وقع الإضراب الذي أعلن عنه عدد من سائقي الشاحنات في محافظات دمشق والرقة ودير الزور يوم الجمعة 6 شباط (فبراير) 2026، وتركّز تحت جسر بغداد على طريق دمشق حلب الدولي. وطالب المحتجون وزارة النقل بتفعيل مكتب الدور مجدداً بعد أن تم إلغاؤه، ما أدى إلى تراجع العدالة في توزيع فرص العمل بينهم، وفتح المجال أمام المتنفذين لاحتكار قطاع النقل، وإعادة تنظيم التعرفة الرسمية، باعتبار أن التسعير أصبح من قبل سماسرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وطالب سائقو الرقة ودير الزور خاصة بتوحيد أوزان الحمولة المسموح بها (44 طناً قائماً)، دون احتساب وزن الشاحنة الفارغ، نظراً لاختلاف مواصفات الشاحنات المحلية من حيث الوزن بين القديم والجديد.
الإضراب ليس الأول من نوعه، فقد شهدت محافظات حمص وحماة وحلب إضراباً مشابهاً في 14/9/2025 احتجاجاً على قرارات وزارة النقل بإلغاء مكاتب الدور واستبدالها بشركات خاصة لتنظيم عمليات الشحن، رغم أن هذه المكاتب تُمارس عملها منذ عام 1965. وعقدت وزارة النقل في شهر 10 اجتماعاً مع عدد من مالكي وسائقي الشاحنات دون أن تتخذ إجراءات عملية لتلبية مطالب المحتجين.
بعد صدور قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بأربعة أيام، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة القرار رقم /21/ لعام 2026، محدّدةً تعرفة جديدة لنقل البضائع والمواد بالسيارات الشاحنة داخل البلاد وفقاً للمسافة المقطوعة، وذلك باعتماد العملة الجديدة للطن/كم. وجاءت تفاصيل التعرفة الجديدة للشاحنات على النحو التالي:
من 1 إلى 15 كم: 330 ل.س للطن/كم.
من 16 إلى 50 كم: 9.9 ل.س للطن/كم.
من 51 إلى 100 كم: 8.8 ل.س للطن/كم.
من 101 إلى 150 كم: 6.05 ل.س للطن/كم.
ومرة أخرى لم يعالج هذا القرار أسباب المشكلة، حيث واصل سائقو الرقة إضرابهم مطالبين بحل مشكلة الأوزان بالنسبة لشاحناتهم القديمة التي يصل وزن بعضها فارغة إلى 25 طناً، مقارنة بالشاحنات الحديثة التي تزن (17 طناً). أمّا المشكلة الأهم لدى كل السائقين المُتمثلة في إعادة تفعيل مكتب الدور فلا تزال دون حل.
كيف يُمكن أن يؤثر قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك على السوق محلياً؟
عقدت غرفة تجارة دمشق اجتماعاً في مقرها، بناءً على طلب لجنة الشحن والنقل والترانزيت برئاسة السيد رياض الصيرفي، وبمشاركة عدد كبير من أصحاب شركات النقل والشحن والاستيراد والتصدير ومكاتب التخليص الجمركي. وجرى خلال الاجتماع مناقشة الآثار السلبية لقرار منع دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، وما سببه من اختناقات وتأخير في حركة البضائع وارتفاع في تكاليف النقل وانعكاس ذلك على الأسواق المحلية. وجرى الاتفاق على رفع مذكرة تفصيلية إلى مجلس إدارة الغرفة لعرض مطالب ومقترحات القطاع على الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، سعياً لإيجاد حلول عملية تضمن انسيابية التجارة وحماية الاقتصاد الوطني. وبدورها عقدت غرفة تجارة ريف دمشق اجتماعاً طارئاً لبحث تداعيات القرار، وذلك في ظل شكاوى متزايدة من التجار والصناعيين وشركات النقل حول آلية التنفيذ المعتمدة، ولا سيما المناقلة الإلزامية داخل المنافذ.
وأكدت الغرفة، في بيان صدر عقب الاجتماع، دعمها للهدف الوطني المتمثل في حماية وتشغيل الشاحنات السورية، مشددة في الوقت نفسه على ضرورة أن تُراعى قرارات الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بشكل عادل ومتوازن لكافة المستفيدين والمتعاملين ضمن منظومة التجارة والنقل، وبما يمنع تحميل طرف واحد كلفة الإجراءات أو التسبب في تعطيل سلاسل الإمداد. وحذرت الغرفة من أن التطبيق الحالي للقرار أدى إلى آثار اقتصادية ولوجستية سلبية، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة مخاطر تلف البضائع الحساسة نتيجة تكرار المناولة، وإطالة زمن العبور والتخليص، إضافة إلى حدوث اختناقات في ساحات الجمارك، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية للسلع في السوق المحلية وعلى القدرة التنافسية للتجارة السورية. وطالبت غرفة تجارة ريف دمشق بإيقاف العمل بالقرار بصيغته الحالية مؤقتاً ريثما تتم مراجعته وتعديله، أو إصدار آلية تنفيذ بديلة تحقق الغاية المعلنة بدعم قطاع النقل الوطني دون إلحاق ضرر بالقطاع التجاري والصناعي أو بالمستهلكين.
ما هو الموقف في لبنان والأردن من القرار؟
يقول مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش: «إن قرار الهيئة لقي ارتياحاً واسعاً لدى مالكي الشاحنات لما له من دورٍ في تفعيل وتشغيل أسطول النقل السوري، وتعزيز حضوره في حركة نقل البضائع. وإن القرار ليس موجّهاً ضدّ مالكي الشاحنات في الدول المجاورة، وإنّما يندرج في إطار تنظيم العمل وتطوير قطاع النقل بما يخدم المصلحة العامة». لكن ردود الفعل في الدول المجاورة، لبنان والأردن، اعتبرت أن القرار موجه ضدها، حيث اعتصم المئات من سائقي الشاحنات اللبنانية عند الحدود اللبنانية السورية في منطقة المصنع مطالبين الحكومة اللبنانية التنسيق مع الحكومة السورية للتراجع عن القرار أو إصدار قرار للمعاملة بالمثل.
واستجابة للاعتصام، عقدت النقابات الزراعية والصناعية والاقتصادية، ومعها سائقو الشاحنات المبردة مؤتمراً صحافياً على الحدود اللبنانية السورية في منطقة المصنع، حضره المدير العام للنقل البري والبحري في لبنان أحمد تامر، ورئيس اتحاد النقل البري بسام طليس، ورئيس نقابة مالكي الشاحنات المبردة في لبنان أحمد ديب حسين، ورئيس اتحاد الفلاحين والمزارعين اللبنانيين إبراهيم الترشيشي وعدد آخر من المسؤولين. وأجمع المشاركون على أن القرار ألحق الضرر بلبنان وسوريا، سواء على الصعيد الاقتصادي أو على مستوى القطاعات المختلفة. إذ تأثرت القطاعات الزراعية والصناعية والغذائية وغيرها، وانعكس ذلك سلباً على الشعبين معاً، مؤكدين أن أي إجراء غير مدروس ينعكس خسارة مشتركة على الجميع.
ونقلت وكالة الأنباء اللبنانية (NNA) خبراً عن اجتماع عقده المدير العام للنقل البري والبحري اللبناني الدكتور أحمد تامر، عند معبر الجديدة برفقة معنيين في قطاع النقل، مع وفد وزارة النقل السورية، بهدف مناقشة الآليات المعتمدة وانعكاساتها على قطاع النقل البري وحركة التصدير، ولم تُذكر نتائج هذا الاجتماع.
على الجانب الأردني، قال نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع ضيف الله أبو عاقولة إن القطاع تفاجأ بقرار السلطات السورية بمنع دخول الشاحنات الأجنبية واعتماد آلية (باك تو باك) في جمرك نصيب، لافتاً إلى أن نحو 500 شاحنة تخرج يومياً من مركز جابر، في حين أن البنية التحتية في نصيب غير مؤهلة لتبادل أكثر من 50 شاحنة يومياً ما يعني تكدّس البضائع لأيام طويلة. مؤكداً أن القرار مجحف ومعطل وله انعكاسات سلبية على حركة البضائع. وشدد على أن المعاملة بالمثل ليست حلاً نظراً لقلة المستوردات من سوريا للسوق الأردني، معتبراً أن الحل يكمن في تواصل الحكومة الأردنية مع الحكومة السورية لحماية السائق الأردني وإلغاء القرار. بدوره، طالب نقيب أصحاب الشاحنات، محمد خير الداوود، بإعادة الهدوء فوراً والسماح للشاحنات الأردنية بتفريغ حمولتها داخل الأراضي السورية، مشيراً إلى أن الأردن لا تمنع دخول الشاحنات السورية أو تفريغها على أراضيها، كما تسمح بمرورها باتجاه أي دولة أخرى، وهو ما يستدعي تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل لضمان عدالة وحماية حقوق السائقين.
وتداول ناشطون مقاطع مصوّرة تُظهر تعرض شاحنات أردنية لمضايقات في الرقة، وجاء الرد سريعاً من السائقين السوريين بمقطع مصور قدموا فيه الاعتذار عما حدث، مؤكدين أنهم لم يتعرضوا للسائق شخصياً وإنما كان الهدف توقيف أي سيارة تعمل بغض النظر عن جنسيتها حتى لا يفشل الإضراب. وأوضح الداوود أن الاعتداءات وقعت على خلفية احتجاج سائقي الشاحنات السورية على دخول الشاحنات الأجنبية إلى سوريا، خصوصاً وأن الشاحنات الأردنية كانت محملة بالبضائع، الأمر الذي أثار توتراً بين الأطراف المعنية، لكنه شدّد على أن العنف والاعتداءات على الشاحنات والسائقين غير مقبول ويُشكل تهديداً مباشراً لمصالح القطاع التجاري الأردني. وأشار إلى أن الأضرار التي لحقت بالشاحنات اقتصرت على أضرار بسيطة، مؤكداً على أهمية تفعيل نظام الدور بين الشاحنات الأجنبية والمحلية لضمان تنظيم حركة النقل، وتفادي الاحتكاكات، مع الالتزام بالقوانين الدولية المتعلقة بنقل البضائع، واحترام حقوق السائقين.
يُذكر أن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، أصدرت قراراً في تموز (يوليو) 2025، منعت بموجبه دخول الشاحنات القادمة من مصر والسعودية إلى داخل الأراضي السورية، مع الاكتفاء بتنفيذ عمليات المناقلة داخل المنفذ الحدودي. وبينت الهيئة وقتها أن القرار جاء رداً على استمرار منع دخول الشاحنات السورية إلى أراضي البلدين، في مخالفة لمبدأ التكافؤ في التبادل التجاري والنقل البري.
——————————
الثقة والاقتصاد.. ورسالة “فوكوياما” للسوريين!/ أسامة القاضي
فبراير 15, 2026
يجادل كتاب فرانسيس فوكوياما “الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الازدهار” (1995) بأن النجاح الاقتصادي للأمة مدفوع بمستوى “رأس المال الاجتماعي”، بمعنى أن توفر الثقة بين المواطنين هو الترياق الحقيقي الذي يسّهل تعاون أبناء الشعب الواحد فيما بينهم، يتم ترجمته اجتماعياً، عبر القيام بتشكيل هيئات ومؤسسات اقتصادية واسعة النطاق وفعّالة.
يعرّف فوكوياما الثقة بأنها توقع سلوك صادق وتعاوني قائم على أعراف مشتركة، مما يقلل من تكاليف المعاملات، ويعزز الابتكار، ويحسن كفاءة المؤسسات. هل لدينا في سوريا ثقافة وأعراف مشتركة يمكننا من خلالها بناء ثقة تدفع عجلة النمو الاقتصادي؟
تشهد المجتمعات التي تتمتع بمستويات عالية من الثقة عموماً ارتفاعاً في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، إذ تُتيح الثقة تعاوناً أسرع، وتجارة أسهل، واستثمارات أكبر. في المقابل، تُشكل بيئات انعدام الثقة عبئاً على النشاط الاقتصادي، مما يُبطئ التنمية.
بيّنت دراسة لمؤسسة “مسح القيم العالمية” العلاقة بين عامل الثقة ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في 88 دولة، وقد قيست الثقة باستخدام بيانات “مسح القيم العالمية” وتم تعديل الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لاختلافات القوة الشرائية بين الدول، حيث أظهرت البيانات أنه كلما زادت الثقة، زاد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
جوهر مبدأ الثقة أن يلتزم الشخص بأداء عمله بطريقة لا تُخِلّ بالتوقعات التي يُثيرها لدى الشخص العادي. وفي المقابل، لا يجوز له الحديث عن توقعات تتجاوز ما يُبرره العمل المُنجز، ولتحقيق هذا الغرض، من الضروري أن يكون لدى الشخص فهم عميق للعوامل التي تُحدد مضمون تلك الثقة.
من هنا، على الموظف الحكومي أن يحدد سقف توقعات الأهداف التي ينوي تحقيقها ضمن زمن معقول يغلب على ظنه إمكانية إنجاز المطلوب خلاله، ويضع هذه المعلومات بين يدي المواطن العادي حتى لا تكون الوعود فيها خلل من حيث الكم أو الكيف أو زمن الإنجاز، ومن جهة أخرى، عليه شرح واقع عمله والوسائل المساعدة له في العمل دون مبالغة ودون مكياجات.
الثقة هي الاستعداد للاعتماد على نزاهة الآخرين أو كفاءتهم، بافتراض حسن نواياهم، ويميز البحث الأكاديمي بين “الثقة ذات النطاق المحدود” و”الثقة ذات النطاق الواسع”، أي الثقة في المعارف أو الأشخاص المتشابهين، والثقة في الغرباء تماماً، ويُعدّ هذا النوع الأخير من الثقة هو الأهم للتنمية والنمو الاقتصاديين.
للأسف، خلال ستة عقود سابقة زرع النظام الشقاق بين المحافظات وبين أبناء المحافظة الواحدة شاقولياً وأفقياً. وللأسف، حتى أبناء العائلة الواحدة بالكاد ترى الثقة فيما بينهم، لذلك نرى عشرات ألوف الورشات الذي لا يمكنك إقناع أصحابها بتشكيل شركات مساهمة، وألوف الشركات الفردية العائلية، التي نادرا ما تتحول إلى شركات مساهمة.
وقلما تجد شراكات كبيرة بسبب غياب عامل الثقة فيما بين أبناء المجتمع الواحد، وهذا متجذر في طرق التعليم في المدرسة، وفي التشجيع على العمل الفردي، لذا بات الإنسان السوري في العموم الغالب مجرد مشروع فردي هو وعائلته الخاصة به فقط.
النظام السياسي ساهم في تجنيد أبناء الشعب ضد بعضهم، ووظف مئات ألوف المخبرين لدى عشرات الفروع الأمنية حتى يكرس حالة انعدام الثقة. وإذا أضفنا غياب القانون وانتشار الفساد والمحسوبية نتج عنه مظالم كثيرة، مما أدى إلى انعدام الثقة بالحكومة والقانون ونظام الحياة، أو ما يسمى انعدام الثقة الاجتماعية، ويتم قياسها من خلال سؤال معياري يُستخدم عالمياً في تقرير “مسح القيم العالمية” والعديد من الدراسات الاستقصائية الأخرى.
يُصاغ السؤال على النحو التالي: “هل تعتقد عموماً أنه يمكن الوثوق بمعظم الناس، أم تعتقد أنه لا يمكن توخي الحذر بما فيه الكفاية عند التعامل مع الناس؟” يؤدي هذا النوع من الأسئلة إلى نتيجة “يمكن الوثوق به” أو “صفر” (انعدام الثقة).
تعد الثقة أساسية لإبرام المعاملات الاقتصادية لأن الثقة تُسهّل النشاط الاقتصادي، فإن المجتمعات التي تتمتع بمستويات أعلى من الثقة تميل إلى أن تكون أكثر تطوراً اقتصادياً من المجتمعات ذات المستويات المنخفضة.
إن ارتفاع مستويات الثقة يدفع المواطنين والشركات إلى المساهمة بالضرائب لثقتهم في أن الحكومة ستوظف أموالهم في توفير الخدمات العامة، حيث يُعدّ التعليم والرعاية الصحية أساسيين لبناء رأس المال البشري، وكذلك بناء شبكات الكهرباء والطرق والسدود، لأن البنية التحتية الجيدة ضرورية للنشاط الاقتصادي والتنمية.
عندما يثق الأفراد باستقرار الاقتصاد والنظام المالي، يميلون أكثر إلى ادخار جزء من دخلهم، وذلك لثقتهم بالمؤسسات المالية كالبنوك، واطمئنانهم إلى سلامة مدخراتهم وعائدها المعقول. ويؤدي ارتفاع معدل الادخار إلى زيادة المعروض من رأس المال، وهو أمر ضروري لتمويل الاستثمارات.
عندما يثق البائعون والمشترون ببعضهم البعض، فإنهم يُنفقون مبالغ أقل على المراقبة، وإنفاذ العقود، والتأمين ضد المخاطر، ويؤدي نشر الثقة العالية في أسواق رأس المال من حيث نظمها القانونية، إلى جعل الاقتراض والإقراض أقل تكلفةً لزيادة الثقة في السداد، كما يساهم في الارتقاء بالعمل المصرفي، حيث يثق المودعون في سلامة أموالهم، مما يسمح للبنوك بتحويل المدخرات إلى استثمارات مُنتجة.
تُؤدي مستويات الثقة العالية في الحكومة إلى زيادة الامتثال الطوعي للقوانين، مثل دفع الضرائب، كما أن انتشار إحساس الثقة في مكان العمل، يُؤدي إلى زيادة الكفاءة والإنتاجية.
فالثقة تولد الازدهار، والاقتصاد المزدهر والفعّال يولد ثقة أكبر، بينما انعدام الثقة قد يؤدي إلى انخفاض الأجور والأرباح وفرص العمل، وعندما يفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات العامة، فإنهم غالباً ما يلجؤون إلى أنظمة غير رسمية أو فاسدة أو “موازية” لإنجاز الأمور، مما يعيق النمو الاقتصادي، وتنفير المستثمرين.
المطلوب من الحكومة السورية وضع استراتيجيات بناء الثقة لدفع عجلة الاقتصاد، وذلك من خلال مأسسة المؤسسات الحكومية، والاستعجال بأتمتة كل الجهاز الحكومي. لاحظنا الثقة بالأداء الحكومي من خلال النظام التقني في دوائر النفوس ودوائر الهجرة والجوازات واستصدار الرخص في وزارة التجارة الداخلية، وهي أمثلة على مساهمة الرقمنة بزيادة ثقة الناس بالنظام العام.
كذلك على الحكومة العمل على استقطاب أكبر عدد ممكن من الشركات المحلية والعربية والعالمية لخلق أكبر عدد ممكن من فرص العمل لرفع السوية المعاشية للسوريين، وكذلك الحد من عدم المساواة في الدخل لأنه واحد من أسباب عدم الثقة بالنظام العام، وتحسين الشفافية المؤسسية، وتعزيز العدالة الإجرائية، وضمان نزاهة المؤسسات العامة، وتحسين الخدمات العامة، والابتعاد عن المحسوبيات، وتعيين الشخص المناسب في المكان المناسب، مع التأهيل اللازم للمهمة المنوطة به.
على الحكومة تبنّي سياسات تشجع على تأسيس الشركات المساهمة، وتطبيق القانون دون تمييز، ومحاربة الفساد بعد رفع السوية المعاشية للعمالة السورية، كما أن عليها الأخذ على يد المثبطين والذين يزرعون الشقاق فيما بين أبناء الشعب، وتشجيع الخطاب الوطني الجامع والروح الإيجابية.
باختصار، الثقة ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي أساس الأداء الاقتصادي ومحرك حيوي لتحقيق الازدهار لبناء سوريا العصرية، ولسان حال فوكوياما يقول: “أيها السوريون ثقوا ببعضكم”.
——————————
تأهيل محطات الري في الرقة ينعش موسم القمح والقطن/ نور ملحم
15 فبراير 2026
باشرت مديرية الموارد المائية في محافظة الرقة، شمالي سورية، أمس السبت، تنفيذ خطة لتأهيل محطات ضخ مياه الري التي تعتمد على نهر الفرات ورافده البليخ، في خطوة تستهدف إنعاش عشرات الآلاف من الهكتارات الزراعية المنتشرة في ريف المحافظة، بعد سنوات من تراجع كفاءة الشبكات المائية. وقال مدير الموارد المائية في الرقة، أحمد العجاجي، لـ”العربي الجديد”، إن “المديرية أطلقت برنامجاً زمنياً لإعادة تأهيل محطات الضخ التي تهالكت بنيتها خلال السنوات الماضية، بما يضمن وصول مياه الري إلى الأراضي الزراعية بانتظام. وقد بدأت ورش الصيانة بالفعل أعمال التأهيل في عدد من المحطات الرئيسية”.
وأضاف العجاجي أن “الورش أنجزت إعادة تأهيل مجموعات الضخ في محطة طاوي رمان بريف الرقة الشرقي، والتي تخدم مساحة زراعية تقارب 4290 هكتاراً، إضافة إلى استكمال تأهيل مجموعتي الضخ في محطة جروة، ضمن مشروع بئر الهشم، بعد الانتهاء من مجموعتين أخريين منذ مطلع فبراير/شباط الجاري، ما يجعل المحطة مؤهلة لري نحو 2057 هكتاراً. وأوضح أن “المديرية ستنتقل لاحقاً إلى استكمال تأهيل بقية المحطات وفق خطة تدريجية، من بينها محطة الحمرات في ريف الرقة الشرقي”، مشيراً إلى أن “الخطة السنوية التي كانت تُطلق في شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط تعطلت خلال الأعوام الماضية، واقتصرت الأعمال حينها على إصلاح الأعطال الطارئة فقط”. وأكد أن “الهدف من إعادة التأهيل هو إعادة مجموعات الضخ إلى وضعها التصميمي الأساسي، بما يلبّي الاحتياجات المائية للمزارعين ويعزز موثوقية وصول المياه عبر قنوات الري”.
وتتقاطع هذه الأعمال مع انطلاق مواسم المحاصيل الاستراتيجية في الرقة، وعلى رأسها القمح والقطن، ما يعزز فرص استعادة المساحات المزروعة التي تقلصت خلال السنوات الماضية. ويؤكد مزارعون أن استقرار وصول مياه الري يخفّض كلفة الإنتاج عبر تقليص الاعتماد على مصادر ضخ بديلة مرتفعة التكاليف، ويحسن إنتاجية الهكتار الواحد، وهو ما ينعكس بدوره على زيادة المعروض المحلي من الحبوب والمواد الأولية وتخفيف الضغط على أسعار الغذاء في الأسواق.
وتشير تقديرات محلية إلى أن مشاريع التأهيل الحالية ستخدم بشكل مباشر آلاف المزارعين وعشرات الآلاف من العاملين في القطاع الزراعي، في منطقة يعتمد الجزء الأكبر من سكانها على الزراعة مصدراً رئيسياً للدخل، ما يمنح هذه الخطوة بعداً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز مجرد تحسين البنية التحتية للري. وتأتي هذه الأعمال بعد سنوات من تدهور منظومة الري في المحافظة، إذ اشتكى مزارعون خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية من تكرار الأعطال في قنوات الري التي يعود إنشاء بعضها إلى أكثر من أربعة عقود، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي، خصوصاً مع انخفاض منسوب مياه الفرات وتراجع الهطولات المطرية.
ويقول مزارعون إن مشاريع الصيانة خلال تلك الفترة اعتمدت في معظمها على تدخلات منظمات إنسانية، بينما اقتصرت أعمال الجهات المحلية على الحلول الإسعافية، رغم التزامهم بدفع رسوم الري سنوياً، مطالبين بإطلاق برامج دعم حقيقية تعيد تأهيل منظومة الري بالكامل.
جانب من مراسيم حفل الإعلان عن الاتفاقيات السورية السعودية. 7 فبراير 2026 (عامر السيد علي/العربي الجديد)
وتضم أرياف الرقة شبكة واسعة من محطات الضخ التي تعتمد على مياه الفرات والبليخ، إلى جانب مشاريع “الري بالراحة” المرتبطة ببحيرة سد الفرات في ريف المحافظة الغربي، فيما تقدر المساحة الإجمالية للأراضي المروية عبر هذه الشبكات بنحو 103 آلاف هكتار، يُروى نصفها عبر محطات الضخ، والنصف الآخر عبر قنوات الري الانسيابي.
ويعود تدهور هذه المنظومة إلى مجموعة عوامل تراكمت خلال السنوات الماضية، أبرزها تقادم البنية التحتية التي لم تخضع لصيانة دورية منتظمة منذ عقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات الحرب وغياب التمويل والكوادر الفنية. كما ساهم انخفاض منسوب مياه الفرات والبليخ في زيادة الضغط على المضخات وتسريع وتيرة الأعطال، إلى جانب مشاكل القنوات الإسمنتية من تشققات وترسبات وانسدادات، ونقص قطع الغيار وارتفاع تكاليفها، ما أعاق تنفيذ صيانة جذرية في الوقت المناسب.
——————————
لتطوير البنية الرقمية.. بدء تنفيذ الشراكة بين سوريا وشركة “علم” السعودية
2026.02.15
أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، مساء السبت، بدء الأعمال التنفيذية للشراكة مع شركة “علم” السعودية للحلول الرقمية.
وتنقل هذه الخطوة الشراكة بين الجانبين إلى مرحلة التطبيق العملي، عقب توقيع الاتفاقية الإطارية، بهدف تطوير البنية التحتية الرقمية في سوريا، وتمكين الجهات الحكومية من تقديم خدمات إلكترونية أكثر كفاءة، وتسريع التحول الرقمي، بما يسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمؤسسات.
شراكة سورية سعودية لتعزيز التحول الرقمي وتوطين التقانة
وقال وزير الاتصالات وتقانة المعلومات، عبد السلام هيكل، لوكالة “سانا”، إن الوزارة تمضي في بناء الصناعات الرقمية وتوطين المعرفة التقنية، وتأهيل الكفاءات السورية وتوظيفها، وتعزيز الشراكات النوعية لنقل الخبرات وتطوير منظومات الخدمات الحكومية.
وأضاف أن اختيار شركة “علم” جاء لما تمتلكه من سجلّ حافل وتجارب رائدة في التحول الرقمي، الأمر الذي يتيح فرصاً واسعة لتوظيف الكفاءات الوطنية وإقامة شراكات مثمرة مع الشركات السورية.
من جانبه، أوضح الرئيس التنفيذي لشركة “علم”، محمد العمير، أن الشركة بدأت العمل مع الوزارة لترجمة الاتفاقية إلى مبادرات ومشاريع تنفيذية، مؤكداً تطلعها إلى أن تكون شريكاً فاعلاً في دعم التحول الرقمي في سوريا عبر نقل خبراتها، وتقديم حلول رقمية متقدمة، وتدريب وتوظيف الكوادر المحلية، وبناء نماذج تشغيل مستدامة بالتعاون مع الوزارة.
تطوير بيئة الأعمال لتحفيز الاستثمار
بدوره، أوضح مدير الهيئة العامة للاستثمار السورية طلال الهلالي أن استقطاب شركات متخصصة في الاستثمار الرقمي يشكل خطوة مهمة ضمن خطة الهيئة لتعزيز التحول الرقمي في سوريا، وتطوير الخدمات الحكومية وفق أفضل الممارسات العالمية.
وأشار إلى أن شركة “علم” تمتلك خبرة واسعة في تحويل الإجراءات الحكومية في السعودية إلى أنظمة رقمية متكاملة، معتبراً أن هذا التعاون يمثل نموذجاً للشراكات الدولية التي تسعى سوريا إلى تعزيزها لتطوير بيئة الأعمال وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي.
ومن المقرر أن تنظم شركة “علم” فعالية تقنية بعنوان “يوم علم” برعاية وزارة الاتصالات يوم الإثنين المقبل، إلى جانب عقد سلسلة اجتماعات مع الجهات الحكومية للإعلان عن مشاريع تنفيذية جديدة في مجال التحول الرقمي.
وتعد “علم” من أبرز الشركات القيادية في السعودية في مجال الحلول الرقمية المتكاملة، ولا سيما في التحول نحو الحكومات الإلكترونية، إذ تقدم مجموعة واسعة من الحلول الجاهزة والمخصصة عبر نماذج عمل مرنة ومتنوعة.
————————
===================
تحديث 14 شباط 2026
——————————
تحويل القطاع العام السوري إلى شركات مساهمة: هذه هي المخاطر/ محمد كساح
السبت 2026/02/14
يأتي توجه الحكومة السورية لتحويل القطاع العام إلى شركات مساهمة ضمن سياق عام يهدف لإعادة هيكلة القطاعات العامة المتعثرة. لكن إشكاليات عديدة ترافق هذا المشروع، يتعلق بعضها بغياب المنظومة القانونية الملائمة. بينما يحذر الخبراء من المخاطر المترافقة مع هذا التوجه إذا جرى التعامل معه كحل تقني معزول، أو كبديل عن إصلاحات أعمق في بنية الدولة الاقتصادية.
وكان وزير المالية محمد يسر برنية أشار إلى اقتراح مشروع قانون يلزم بتحويل جميع الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة تمتلك الدولة في بدايتها كامل أسهمها، بما يضمن تطبيق قواعد صارمة للحوكمة، وانتخاب مجالس إدارة مستقلة، وتشكيل لجان داخلية للمراجعة والمخاطر، وإلزامها بميزانيات وبيانات مالية مدققة وتقارير فصلية منشورة.
إيجابيات وسلبيات
من حيث المبدأ، يُعد تحويل الشركات العامة إلى شركات مساهمة، أحد الأدوات المعروفة دوليًا لإعادة هيكلة القطاعات العامة المتعثرة. الإيجابية الأساسية في هذا النموذج أنه يوفّر إطارًا قانونيًا يسمح بفصل الملكية عن الإدارة، ويُدخل منطق المحاسبة المالية والحوكمة المؤسسية إلى شركات كانت تعمل سابقًا بمنطق إداري مغلق.
ويرى الباحث في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم جزماتي، أن هذا النموذج لا يحمل بحد ذاته ضمانة للنجاح. فالتجارب المقارنة تُظهر أن تحويل الشكل القانوني للشركات العامة من دون تغيير البيئة المؤسسية التي تعمل ضمنها، غالبًا ما يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها بصيغة مختلفة.
ويضيف جزماتي في حديث لـ”المدن” أن المشروع يحمل مخاطر اجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. فإخضاع الشركات العامة لمنطق الربحية الصارم، في بيئة اقتصادية هشة، قد يدفع إداراتها إلى تقليص العمالة أو رفع أسعار الخدمات، ما ينقل كلفة الإصلاح من الدولة إلى المواطنين، بدل أن يعالج الخلل البنيوي في إدارة هذه المؤسسات.
وعليه، يمكن القول إن المشروع يحمل في طياته فرصة إصلاح إذا ترافق مع إصلاح مؤسسي أوسع يشمل الحوكمة، والرقابة، وتحييد القرار الاقتصادي عن الاعتبارات السياسية. لكنه في الوقت نفسه ينطوي على مخاطر حقيقية إذا جرى التعامل معه كحل تقني معزول، أو كبديل عن إصلاحات أعمق في بنية الدولة الاقتصادية. في هذه الحالة، قد لا يتجاوز التحول حدود تغيير الاسم والشكل القانوني، من دون أن ينعكس تحسنًا ملموسًا في أداء القطاع العام أو دوره التنموي.
مخاوف مشروعة
أثار الإعلان عن المشروع بعض الجدل بين الخبراء الاقتصاديين. حيث أعرب بعضهم عن خشيته من فتح الباب أمام صفقات واستحواذات قبل تعديل المنظومة القانونية.
ويرى جزماتي أن هذه المخاوف مشروعة، وتستند إلى تحذيرات دولية وتجارب سابقة. فصندوق النقد الدولي يحذر من أن تغيير الشكل القانوني للشركات العامة، دون إصلاح شامل للإطار المؤسسي والرقابي، قد يؤدي إلى نقل المخاطر بدل معالجتها. كما تشير منظمة الشفافية الدولية إلى أن تحويل الأصول العامة في بيئات ضعيفة الحوكمة غالبًا ما يفتح الباب أمام استحواذات غير تنافسية.
ويرى جزماتي أن الفارق الحقيقي بين إعادة الهيكلة والخصخصة لا يُقاس فقط بنسبة ما تملكه الدولة من الأسهم، بل بدرجة وضوح القرار العام ومن يملك القدرة على التأثير فيه. في الطرح الحالي، لا يكمن القلق الأساسي في مبدأ تحويل الشركات إلى مساهمة بحد ذاته، بل في غياب خريطة واضحة تُبيّن للجمهور ما الذي ستحتفظ به الدولة، وما الذي يمكن التنازل عنه، وعلى أي أساس، وفي أي توقيت.
خصخصة غير معلنة وضبابية
من جانبه، ينتقد الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم الطرح الذي يقدّم تحويل مؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة بوصفه خطوة تحديثية. ويوضح الكريم في حديثه لـ”المدن” أن هذا التوجه ليس جديداً، إذ طُرح لأول مرة عام 2009 عبر نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري، كآلية للحد من تضخم القطاع الحكومي وتوفير سيولة كبيرة للخزانة العامة، إضافة إلى تمهيد الطريق أمام التحول نحو اقتصاد رأسمالي أكثر انفتاحاً. ويشير الكريم إلى أن الفكرة قُدّمت آنذاك باعتبارها محاكاة للتجربة الفرنسية في إعادة هيكلة المؤسسات العامة .
ويقول الكريم إن الإعلان الأخير الصادر عن وزارة المالية يتسم بدرجة عالية من الضبابية، سواء لجهة عدم توضيح نسبة ملكية الحكومة في الشركات المزمع تحويلها، أو تحديد الفئات التي ستُطرح عليها الأسهم في المرحلة الأولى. كما لا يتضمن الإعلان أي رؤية حول مستقبل الخدمات العامة المقدّمة للمواطنين بعد هذا التحول. ويرى الكريم أن هذا الغموض يفتح الباب أمام مخاوف جدية من أن تكون الخطوة مقدمة لخصخصة غير معلنة للقطاع العام، بما قد يدفع الدولة إلى التخلي تدريجياً عن دورها الخدمي لصالح نموذج ربحي بحت.
ويرى الكريم أنه لا يمكن المضي في تحويل مؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة قبل وجود دستور جديد يحدد بوضوح الإطار القانوني للملكية العامة، ومن ثم تعديل القوانين الناظمة لها بما ينسجم مع هذا الدستور. فغياب هذا الأساس الدستوري والقانوني قد يفتح الباب أمام صفقات بيع مشبوهة تمسّ أصول الدولة.
وانطلاقاً من ذلك، يدعو الكريم إلى تجميد أي عمليات بيع أو تنازل عن حصص الدولة إلى حين صدور قانون ملكية واضح يضع الضوابط اللازمة لهذه العملية. كما يشدد على ضرورة إخضاع عمليات الاكتتاب لقوانين دقيقة تحدد شكل الملكية وعدد الأسهم، وتُميّز بين المواطن والأجنبي، وبين الشخصيات الاعتبارية والحقيقية، وتوضح الهدف العام من هذا التحول.
ويؤكد الكريم أهمية وضع قوانين صارمة لنقل الملكيات أو التنازل عنها بأي صيغة كانت، بحيث تشمل الأجانب والمؤسسات والشخصيات الاعتبارية والبنوك، بما يضمن حماية الأصول العامة من أي استغلال أو التفاف قانوني. ويرى أن أي عملية إعادة هيكلة يجب أن تراعي حقوق المالكين، وأن تُوزّع أصول الدولة بشكل عادل ومنصف على المواطنين السوريين باعتبارهم أصحاب الحق الأصلي في هذه الملكية.
وفي هذا السياق، يحذّر الكريم من خطورة استحواذ الصندوق السيادي التابع لرئاسة الجمهورية على أسهم مؤسسات الدولة، إذ قد يجعل ذلك الدولة عملياً هي البائع والمشتري في الوقت نفسه، في محاولة للالتفاف على العقبات القانونية. ويرى أن هذا المسار قد يتيح لاحقاً التنازل عن جزء من الملكية لشركاء أجانب، مستفيداً من الصلاحيات الواسعة التي يمنحها الإعلان الدستوري المؤقت.
ويشير الكريم إلى أن لجوء الصندوق السيادي إلى شراء أصول الدولة تحت مسمى الاستثمار لا يوفّر تسهيلات حقيقية، بل يضيف تعقيدات جديدة إلى بنية الدولة، ويفتح المجال أمام تجاوز قوانين الملكية وآليات مراقبة حملة الأسهم. كما أن هذا النهج، برأيه، يهدد بغياب الشفافية عن أي عقود بيع قد تُبرم لاحقاً، ويجعل عملية نقل الملكية عرضة للالتفاف القانوني أو السياسي.
ويؤكد الكريم أن هذا المسار يُفرغ الهدف المعلن من تحويل المؤسسات إلى شركات مساهمة، وهو تأمين التمويل وتوسيع قاعدة الملكية، ليحوّله عملياً إلى إنشاء شركة خاصة ذات طابع ربحي، لكنها تتمتع بسلطات الدولة نفسها، وبعقود احتكارية وقدرة على تجاوز القانون، ما ينسف مبدأ المنافسة العادلة ويقوّض فكرة الإصلاح الاقتصادي من أساسها.
هل يُعاد الاعتبار للبرجوازية الوطنية؟
وتثير الخطة المعلَن عنها بشأن إعادة هيكلة القطاع العام تساؤلات حول ما إذا كانت تهدف إلى إعادة الاعتبار للبرجوازية الدمشقية والحلبية القديمة، تلك الطبقة التي تراجعت مكانتها بعد قرارات التأميم التي رافقت وصول حزب البعث إلى السلطة. غير أن الكريم يعتقد أن هذا الاحتمال غير وارد، إذ لا يمكن لمثل هذه الخطوات أن تُعيد إنتاج طبقة برجوازية حقيقية في ظل غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي، وانعدام تطبيق القانون بشكل صارم ومتساوٍ.
ويؤكد الكريم أن ما قد ينشأ عن هذه العملية ليس برجوازية وطنية مستقرة، بل قطاع خاص هشّ يفتقر إلى الشفافية والحوكمة، وتحيط به بيئة سياسية واقتصادية مضطربة. ويرى أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام بروز ملاك جدد مرتبطين بأجندات خارجية أو أمراء حرب يمتلكون رؤوس أموال ضخمة، بما يجعل عملية التحول فرصة مثالية لغسل الأموال وإعادة تدويرها داخل الاقتصاد الرسمي.
ويحذّر من أن هذا النموذج لا يعيد بناء طبقة اقتصادية وطنية منتجة، بل يخلق شبكة مصالح جديدة تتغذى على النفوذ السياسي والاحتكارات، ما قد يخرج الاقتصاد السوري عن مساره الوطني. وبدلاً من أن تكون إعادة الهيكلة وسيلة لإصلاح القطاع العام وتوسيع قاعدة الملكية، تتحول وفق هذا السيناريو إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي على حساب المصلحة العامة، بعيداً عن أي رؤية تنموية أو إنتاجية حقيقية.
أما جزماتي فيرى أن هذا التحول قد يكون مدخلًا مباشرًا لإعادة إنتاج الدور التقليدي للبرجوازية القديمة بقدر ما يشكّل إعادة ترتيب للمشهد الاقتصادي ككل. وفي ظل استمرار البنى السياسية والاقتصادية القائمة، تبقى احتمالات عودة تلك البرجوازية كقوة مستقلة ووازنة محدودة، مقابل ترجيح سيناريو تشكّل توازنات جديدة بين الدولة ورأس المال، تتحدد ملامحها وفق قواعد المرحلة المقبلة.
المدن
——————————
بعد شمال شرق سوريا.. الأنظار على الساحل والحدود مع لبنان/ أنس وهيب الكردي
السبت 2026/02/14
لم تكد السلطات السورية تستعيد السيطرة على أجزاء واسعة من مناطق شمال شرق سوريا، حتى انطلقت المحركات الإقليمية والدولية باتجاه منطقة جديدة من البلاد: الساحل.
وقبل ساعات من توقيع الحكومة السورية و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) الاتفاق النهائي لوقف إطلاق النار الشامل في محافظة الحسكة، حطّت طائرة الرئيس السوري أحمد الشرع في موسكو، ما شكّل إشارة الانطلاق لمباحثات ماراثونية حول الترتيبات الخاصة بمنطقة الساحل.
تكشفت الصورة شيئاً فشيئاً؛ حلّ مسؤولون كبار من شركة “شيفرون” الأميركية، برفقة المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، ضيوفاً على العاصمة السورية من أجل التوقيع على مذكرة تفاهم بشأن استخراج الغاز من المياه الإقليمية السورية على البحر الأبيض المتوسط. وفي مفاوضات الشرع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كانت القضية الجوهرية هي التوصل إلى اتفاق نهائي يحفظ لروسيا إطلالتها الوحيدة على المياه الدافئة.
أدرك صناع القرار الروس أنهم خسروا نفوذهم التاريخي في سوريا وبلاد الشام، عقب انهيار نظام الأسد الذي ساهم الاتحاد السوفياتي في بنائه وتشكيل مؤسساته الرئيسة، تحديداً الجيش والأجهزة الأمنية. لذلك، وعوضاً عن نفض أيديهم من سوريا، طبقوا استراتيجية الحد الخسائر. جمع الكرملين أوراقه من أجل مفاوضة الشرع. في لحظة حساسة انسحب الجنود الروس من قاعدتهم في مطار القامشلي. حينها أدرك القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي أن الروس ليسوا مهتمين بالقتال الدائر في المنطقة. تخلى الروس عن وجودهم في مدينة القامشلي وعموم شمال سوريا (وهو وجود يهدف إلى جمع معلومات عن تحركات حلف شمال الأطلسي “الناتو” في تركيا)، لكنهم على الأرجح ثبتوا وجودهم العسكري في حميميم وطرطوس، وإن قبلوا بشروط أكثر مراعاة للسيادة السورية من السابق.
في هذه المفاوضات التي تحدد الترتيبات النهائية للساحل، حصل الروس على ما يرضيهم: استمرار وجودهم العسكري. الأرجح أن الأميركيين، المتحكمين بمسارات الأمور المتعلقة بسوريا، غضوا الطرف عن استمرار الوجود الروسي العسكري في الساحل السوري. مع ذلك، لم يعد الروس قادرين على التحكم بقرارات دمشق فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز المدفون في أعماق المياه الإقليمية السورية. كان الروس ليفضلوا أن يظل هذا الغاز مدفوناً لقربه من أوروبا العطشى لمصادر غاز بديلة عن الغاز الروسي، الذي مثّل أداة ابتزاز فعالة بيد الكرملين. تلقف الأميركيون على ما يبدو ورقة الغاز السوري، وإن كان الأوروبيون ما زالوا في خلفية المشهد يستعدون للدخول إلى الساحة.
لم يكن نصيب الأوروبيين قليلاً، لكن الأرجح أن الترتيبات السارية للساحل السوري لم تعجب الكثيرين في القارة العجوز. وافقت السلطات السورية بعد أشهر من سقوط نظام الأسد، على استمرار شركة فرنسية في تشغيل ميناء اللاذقية. كما لم تعترض روسيا على انتقال عقد تشغيل ميناء طرطوس من شركة روسية إلى شركة إماراتية، نظراً للعاقات التجارية المميزة بين الإمارات والدول الأوروبية، وانخراطهما في مشروع “الممر الاقتصادي”، فيمكن النظر إلى تشغيل مجموعة “موانئ دبي العالمية” لميناء طرطوس على أنه يصب في مصلحة تلك الدول.
وعلى الرغم من أن صيانة المصالح الأوروبية الاقتصادية في غربي سوريا تحققت بهذا الترتيب، إلا أن الأوروبيين أظهروا مرارة كبيرة ليس فقط حياله، بل إزاء مجمل الأوضاع في سوريا. فشلت مساعي الأوروبيين الرامية إلى إقناع السلطات السورية بإنهاء الوجود العسكري الروسي غربي البلاد، والذي شكّل رافعة استراتيجية لتوسع نفوذ الكرملين نحو ليبيا، ودول أفريقيا الوسطى والغربية، مستهدفاً المصالح الأوروبية هناك. عامل آخر ساهم في تعميق شعور الأوروبيين بالمرارة، هو استئثار واشنطن بـ”الجائزة السورية” لنفسها، بعدما تحملت الدول الأوروبية تداعيات الحرب السورية المديدة، سواء جراء صعود تنظيم “داعش” أو تكدس مئات آلاف المهاجرين السوريين بين ظهراني مواطنيها.
إضافة إلى ذلك، فقد خرج الأوروبيون، تحديداً الفرنسيون، مما حصل مطلع العام الجاري في شمال شرق سوريا، خاسرين، بعد استعادة السلطات السورية السيطرة على الغالبية العظمى من الأراضي هناك، وإضعاف “قوات سورية الديمقراطية”، التي مثّل دعمها محور الاستراتيجية الأوروبية في المنطقة، وهي استراتيجية جرى وضعها خلال قمة جمعت الرئيس الأميركي براك أوباما بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، ورئيسي الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والإيطالي ماتيو رينزي في مدنية هانوفر الألمانية عام 2016. لم ترضِ الأوروبيين المعادلة الجديدة لمناطق شرق الفرات ما بعد قسد، والتي صاغتها واشنطن بالتعاون مع دمشق وأنقرة. في المحصلة، ثبتت الدول الأوروبية وجودها الاقتصادي على الساحل السوري، إلا أنها لم تتمكن من اكتساب موطئ قدم جيوساسي في سوريا بعد هزيمة قسد. هذا ما يتناغم مع رؤية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدول الاتحاد الأوروبي من أنها قوة اقتصادية فقط، لا قوة عسكرية أو جيوسياسية.
وبالرغم من امتعاض الأوروبيين، إلا أن أبرز المتضررين من الترتيبات الجارية لمسألة الساحل السوري هي: إيران ومن دون منازع. تقلص هذه الترتيبات فرص طهران للعودة إلى الساحل، كما قد تؤدي إلى ضخ كميات من الغاز في سوق الطاقة العالمي ما يساهم في خسارة مواردها الغازية المزيد من المزايا تنافسية. أخيراً، ستكفل هذه التركيبة انتقال مركز الثقل في ساحل بلاد الشام إلى ميناءي طرطوس واللاذقية.
إن العمل الدولي والإقليمي بشأن منطقة الساحل ينتقل أكثر فأكثر باتجاه تصميم ترتيبات داخلية سياسية وأمنية متناغمة مع الترتيبات الدولية التي جرى التوصل إليها مع الأميركيين والروس، خصوصاً توفير حالة أمنية مستدامة من أجل إطلاق عملية البحث عن الغاز في البلوكات البحرية السورية. هناك ترابط بين الساحل ومنطقة الحدود اللبنانية السورية؛ إذ توجد صلات بين قادة المجموعات المسلحة المناهضة للحكومة السورية والتي تعمل بالخفاء داخل منطقة الساحل وبعض الجهات في لبنان، إضافة إلى انتشار تجمعات لضباط وعناصر من جيش الأسد المحلول في مناطق محمية داخل لبنان وعلى مقربة من حدوده مع سوريا.
نظراً لهذا الترابط، فإن الجهود القائمة بشأن منطقة الساحل، تلحظ في الوقت عينه سبل تأمين الحدود السورية-اللبنانية وقطع الصلات القائمة بين المجموعات المسلحة في الساحل وتلك الموجودة في لبنان، وإبعاد أي مصادر تهديد أو خطر عن المناطق السورية المطلة على المتوسط (تحديداً في محافظة طرطوس)، سواء كانت نابعة من منطقة الساحل أو من لبنان.
ما حققته الحكومة السورية في شمال شرق البلاد، هيأ الفرصة أمامها كي تطلق مفاوضات حول ترتيبات داخلية وخارجية أكثر استدامة للساحل، في مسعى قد يتبلور شقّه المحلي خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
المدن
——————————
الوحدة الوطنية السورية ومفاعيلها الاقتصادية والاجتماعية/ حسين الشرع
تنويع الاقتصاد
13 فبراير 2026
في حياة الشعوب، أجيال يواعدها القدر ويختصها دون غيرها، لأن تشهد التحولات الحاسمة في حياتها، وتكون مندمجة في أحداثها ومآلاتها، وهذه التحولات الكبرى قد تكون قاسية ومؤلمة، ولكن بالإصرار والعمل على تجاوزها، تصبح لصيقة بالاستيعاب الكبير للمهمات التي تنتظرها، إنْ نصراً كان أو هزيمة، ويقع على عاتق الجيل أو الأجيال التي تندمج في هذه المسيرة أو المسيرات، التعبير عن كينونتها وتفاعلها، وإعطاؤها الزخم اللازم لإعادة التوازن لهذه المدة الزمنية، التي قد تطول أو تقصر، وقد لا يتحقق شيء على أرض الواقع، وقد تبدأ أجيال جديدة تستوعب هذه التحولات، وتأخذ على عاتقها تكملة المشوار وتلك المسيرة.
وقد كانت الشعوب الدائبة والمستمرة قوية ومتحدة، وقد تصل لتحقيق الأهداف المرحلية والمتواصلة، وقد تبدو وكأنها تسير نحو المجهول أحياناً، ونحو الحقيقة أحياناً أخرى، ومن هنا كانت البدايات الصعبة، والتوجهات الحالمة، والحماس المنقطع النظير، وما يرافق ذلك من خيبات وتضحيات وآلام، وبقدر ما يكون التحدي والسطوة قوية، بقدر ما تكون صلابة الشعوب قوية، فليس السهل دائماً هو الذي يتحقق، ولكن ركوب الصعاب والتضحية من أجله، حتى يكون دافعاً نحو تحقيق ما بدا وكأنه المستحيل، أو هو ذلك، وتضحيات الشعوب وإصرارها، وقيادة هذه الشعوب هي التي تعطي قوة الدفع نحو تحقيق ما كان مستحيلاً، أو غامضاً وغير مفهوم، وبحجم الإصرار، كانت الأهداف الكبرى في التاريخ، قوية وأمينة على تحقيق الأهداف الكاملة أو المرحلية، والمراحل تلك تراكمية ومنطلقة ومتواترة، ونهايتها محتومة، وتلك هي المقدمة التاريخية.
إن انتصارات الشعوب كانت تاريخيا في ذهنية القادة، والعمل عليها، وكم هي الشعوب التي نهضت لتحقيق استقلالها وبناء وحداتها الوطنية، علامة مضيئة في طريق النصر، ولو طال المسير، وأمامنا لوحات من ذلك عاشتها الشعوب المستعمرة، من الاستعمار الكولونيالي، والعسف الإرهابي لدول كانت تتحكم بمصائر الأمم وتشل فاعليتها، والأهداف لذلك في البداية والنهاية، تتمثّل في استعباد الأمم المستهدفة، ونهب خيراتها، أو استثمار إمكانياتها لإفقارها وعوزها، وتنعم الدول الاستعمارية والأنظمة المستبدة بكل مظاهر التقدم والتطور، وبناء الإمبراطوريات الكبرى، التي كانت ولا زالت، واضحة المعالم، قوية التأثير، تنعم شعوبها بكل وسائل الرفاهية، وتحقق الإنجازات العملية، في الوقت الذي بقيت فيه شعوب أخرى ترزح تحت نير القهر والخوف والتخلف والجهل، وتُركت تستجدي المساعدات من لدن تلك الدول، التي نهبت وتربعت على عرش القوة والحنكة، والمنح والمنع، تتحكم بالقانون الدولي، وكل منطلقات الاستبداد، وأصبحت تلك البلدان تابعة لها اقتصاديا وسياسيا وفكريا واجتماعيا حتى بعد رحيلها، والأمثلة كثيرة تنوء بها الذاكرة الإنسانية، وذاكرة الخارطة التي أمامنا. شعوب تعيش تحت خط الفقر، وتحاول لكن محاولاتها تصطدم بالإمكانيات المادية والمعنوية، وتلك إذنْ، يشكل ظاهرها محاولة التقدم، وباطنها ظهور بثور الورم والوهن والاستكانة. وقد قامت قيادات تريد أن تنهض بأمتها، ولكنها وجدت التكبيل بآلاف المشاكل والعقد.
سوريا… لم الشمل
وها نحن في سوريا يستكمل الشعب سيرته الظافرة، نحو تحقيق لم الشمل، وتحقيق وحدة البلاد والعباد، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، في خلال سنة واحدة بعد تحقيق النصر وقيام الجمهورية السورية الجديدة، بعد طول معاناة مع الفرقة والتفرق والانعزالية. الإقليم السوري كان مجزءاً ومتوتّراً، تتحكم فيه قوى طالما حلمت بتمزيق هذا الوطن، وبإشارات منبعثة من قوى وجهات خارج الإطار الوطني، تستغل حالات الانفلات، وارتهان الدولة لقوى أجنبية خارجية، ظنا من هذه القوى أن الفرصة السانحة قد أتت، وعملت على أن لا تفلت من يديها، فتربصت في مواقع كثيرة، وفي أماكن غنية، وأخرى ذات أصول ولها علاقة بالتكوين الديموغرافي السوري، المتوحد والموحد كابراً عن كابر، أبّا عن جد، ولكن القوى الأخرى لم تدرس ذكاء هذا الشعب وانتماءه، ولم تعمل على تعميق الفهم التاريخي لهذا الشعب، بل سيطرت عليهم السذاجة والرعونة ورأوا أن اقتسام سوريا عملية سهلة، وسط تلك الأوهام الحالمة، والمحاولات الحثيثة لإحداث ندوب في جسم الوطن الذي كان خلال المئة عام الفائتة غير قابل للقسمة، وغير قابل للانكفاء، وغير قابل للمساومة على وعي وصمود شعب قالها بصراحة، وسط كل ما حل به “نحن شعب واحد”، “الشعب السوري واحد واحد”، لأن سوريا هذه، وقد تم اقتطاع أجزاء منها بفعل اتفاقيات استعمارية، وتواطؤ، إلا أن القاعدة الصلبة منها بقيت قوية وأمينة برغم كل ما حدث خلال المئة عام أو يزيد.
لأن الوحدة الوطنية السورية هذه قدر محتوم، وتمنٍّ غير قابل للانكسار، لأن هذه الوحدة هي خير لكل السوريين، من أي عرق كان ومن أي مذهب كان. وفي دراسة عميقة لهذه الأرض المباركة، وذلك الشعب العظيم الذي احتضن خمس عشرة حضارة مضت، واستوعب كل الهجرات القادمة من كل بلاد الدنيا، حتى الذين جاءوا غزاة، استوعبتهم بلادنا، واندمجوا فيها لأنها الأرض المباركة التي لا توصد أبوابها أمام القادمين، كملهوفين للاحتماء بها وفي كنف شعبها، ولا أمام من أراد بها شراً، فوجد فيها الكرم والإكرام، فانصهر الكل، وبقي الشعب هو الشعب، والأمة هي الأمة، واحدة تنطق بلسان عربي مبين، وتنشط فيها التجارة والزراعة والصناعة وتحقيق إنسانية الإنسان من أين أتى، وأقام فيها الغريب فأصبح قريباً، وتمت المصاهرات، وقامت المجمعات الوطنية في مدنها وأريافها، فلا تفريق بين هذا أو ذاك، وكانت قوية بهم ولهم، وكانت قريبة لهم وحامية، وهم حماة لها أصلاً وفصلاً. هذه سوريا، الوحدة الوطنية القوية ذات الإدراك العميق لمعنى المواطنة، وتعظيم الوطنية السورية، والانتماء لسوريا أرضاً وشعباً، عمقاً وإرادة وتنوعا بلا عنجهية أو تمييز عنصري. نحن سوريا وبلاد الشام وقلب العروبة، ننتمي للإسلام العظيم، ولكافة الأديان السماوية التي لا يكتمل إيماننا إلا بها والاعتراف لها.
وطن من لا وطن له
وإذا كانت سوريا كذلك، فهي وطن من لا وطن له، وقال علماء الآثار لكل إنسان وطن واحد، إلا في سوريا فهي وطن للآخرين، كناية عن قدرتها بآثارها وعمرانها وحياتها، فهي وطن قديم وجديد.
وإذا تعرضت سوريا لانتهاكات مارسها المستعمر الخارجي والمستبد الداخلي، فإنها تفوّقت عليهم، ودحرتهم، وأصبحوا من الماضي وتم نسيانهم، لأن أهم ميزة عند البشر هي ظاهرة النسيان، ولذلك سُمّي إنسانا، والسوريون حققوا انتصاراً بثورتهم، وتكاملت هذه الأيام بوحدة الأرض السورية، والشعب السوري، وهذا يزيد غناها ويزيدها نماءً ورقيا، وبلا أحقاد ولا ضغينة، لأن ديدن السوريين أن يعيشوا الحياة التي يختارونها، والنظام السياسي الذي يرتؤونه، والشؤون الاقتصادية لاستثمار ما فات من فرص، وتنمية وتعظيم الإنتاج في كل القطاعات، ووصل البلاد بالخدمات وتوزيع الثروة على من يعمل بها ولها، وتحقيق النهوض الاقتصادي، والفعل السياسي والاجتماعي لدولة الجميع مع مراعاة التركيز على القطاعات الإنتاجية، بما يحقق فورات في زيادة نسب النمو الاقتصادي، والناتج القومي الإجمالي والتشغيل لطالبيه، ووضع الرجل المناسب في مكانه المناسب بلا محاصصة ولا تعدٍّ ولا إهمال للقوى البشرية ولقوى الإنتاج.
لقد انطلق قطار الوحدة الوطنية، وهذا القطار يحمل معه معظم الشعب، وحين ينطلق معظم الشعب لا جدوى من الوقوف أمامه وتعويقه، لأن في الإعاقة ندامة، وفي المسيرة الظاهرة السلامة للجميع، وتوحد الشعب السوري بجميع مكوّناته بعد مرور سنة واحدة على التحرير، وزادته هذه الوحدة الوطنية- نرجو أن تدوم- بهاءً وقدرةً على الإنجاز، والإنجاز يحتاج إلى استقرار، والاستقرار قد تحقق، وما على الذين يتولون المسؤولية، إلا أن يبادروا إلى التحرك والعمل ليلاً ونهاراً لتحقيق نهضة شاملة لبلادنا ولعموم المواطنين، وعلى المنظرين أن يكفوا عن اللغو والكلام، ووضع العصي في الدواليب، وهذا لا يعني أن نتوقف عن التقويم الصحيح لكل منجز فنحييه ونشجعه، وكل تعاون أو تخاذل فندلي بآرائنا لتصحيحه، وأن لا نكون الصوت الذي يسب ويشتم ويعيق الحركة.
دعونا نفتح قلوبنا وعقولنا لكل إنجاز، ولا ننجر وراء الإشاعات التي مجالها الإعاقة، ودس السم في العسل- كما يقال- لأن واجبنا كمواطنين- سواءً المسؤولين أو المراقبين- أن نحاول حماية السلم الأهلي دون إساءة لأي مكون من مكونات بلادنا، لأن الصفة الآن والأهلية للمواطن والوطن، ونترك ما كان سابقاً وراء ظهورنا، نحمي الوحدة الوطنية، ولا نلغي موقفنا كوطنيين في دولة المواطنة منطلقين من أهداف وطنية، تزيد من شد أواصر الوطنية، لا فرق بين هذا أو ذاك، كلهم في الوطنية سواء، وعلى الدولة أن تسارع لإحداث تنظيمات ودستور جديد يكون أباً لكل القوانين، وأن تركز على العقد الاجتماعي الشامل الكامل الذي يغذي ويقونن الوطنية السورية، ودولة المواطن الحر الأبي بلا تمييز بين من يسكن في الشرق أو الغرب، والشمال والجنوب، وهذه أمنيات الشعب الذي أتعبته مسيرة السنوات السابقة، وآن له أن يستريح ويكون منتجاً، إذ لا وقت للّتّ والعجن والتنابذ.
مسيرة الوطن تحتاج إلى كل الأيدي والأدمغة الفعالة في تحقيق النهضة المرجوّة، والقائمة على المواطنة أولاً، والتعايش ثانياً، والتشغيل الكامل لكل إمكانيات البلاد المادية والمعنوية، والاستثمار الأفضل في الإنسان الذي هو أداة النهوض وغايته، والتركيز جيداً على إتاحة الفرصة لكل طالب علم وعمل، والبداية من المدرسة والمدرسين، والمشافي، والمراكز الصحية، وإذا كان التعليم للجميع شعار المرحلة القادمة، فإن الاستشفاء أيضاً للجميع، والعمل لطالبيه.
إن الحد من البطالة المقنّعة وغير المقنّعة إنقاذ للأمة ومسيرتها، فالعطالة عن العمل هدر للوقت وتضييع للفرص. كما أن تقوية الجيش والقوات المسلحة والأمن العام بجميع فروعه، يحقق الأمن والأمان لشعب عانى كثيراً وافتقده طويلاً، وكذلك إقامة العدل واحترام آدمية الإنسان (الذي كرّمه الله) فكيف لا تكرّمه دولتنا التي حققت الآن منجزات، وأمامها الكثير من المهام.
تناسي الأحقاد وإعادة اللحمة
إن التوجّه بكليتنا نحو تناسي الأحقاد، وإعادة اللحمة الوطنية والابتعاد عن الظلم والإكراه، وتعميق الصلات الوطنية من طريق تعميم الفرص والإنتاج وزيادة الإنتاج، وتنمية المقدّرات المادية والمعنوية التي هي لنا جميعاً ولخدمة تعظيم الدور الإنتاجي والاستهلاكي، حفاظاً على النعم التي وهبها الله لنا في هذا الوطن الزاخر بالخير العميم. ومن ذلك الزراعة. فالتركيز عليها وتطويرها مهم لأن نسبة كبيرة من أبناء شعبنا يشتغلون بها، وفي الزراعة بركة ومحاصيل حفاظاً على التنمية، وتأمين الغذاء للإنسان. وكذلك تربية وتنمية وتكاثر الثروة الحيوانية، والتشجيع على التشجير للأشجار المثمرة، لتكون سوريا كلها خضراء، وهذا يوفر مناخاً ملائماً ونعمةً، والشجرةُ رئة الوطن والعمل عليها لتنمية الأحراج في السهول والجبال والبراري. والمحافظة على الثروة المائية، ففي بلادنا فقر في المياه في مناطق كثيرة، والعمل على الاستثمار الأفضل لهذه الثروة وعدم إهدارها، وتنمية المورد المائي للأجيال، لأنها ثروة لا تستقيم الحياة من دونها. كما أن ذلك يمتد إلى عدم الإسراف في استهلاك الكهرباء في المنازل والدوائر الحكومية، واللجوء إلى استخدام الطاقات البديلة لإنتاج الكهرباء من الألواح الشمسية وطاقة الرياح، وتحقيق مبدأ الكهرباء حق لكل مواطن، بعد أن تم حرمانه طويلاً من هذه الخدمة اللازمة والداخلة إلى كل بيت، وكل مصنع، وكل دائرة، والتوزيع العادل للكهرباء وليس حصرها في الأحياء الراقية والمدن، لأن الأحياء الفقيرة تحتاجها، والأرياف تحتاجها، واستثمار الغاز الطبيعي، والغاز المرافق، والغازات المنبعثة من المصافي في إيصال خدمة الغاز لكل بيت في سوريا أسوة بما هو حاصل في معظم دول العالم، التي ليس فيها موارد نفطية ولا غازية.
إن تسهيل الحياة على شعبنا ضروري ولا تحتاج إلى تلكؤ أبداً، وكذلك المنتجات النفطية، وتقليل الهدر في استهلاك هذه المنتجات عن طريق تعميم النقل الجماعي داخل المدن ومنها للأرياف، واستثمار السكك الحديدية، وإقامة القطارات المريحة ورخيصة الثمن في النقل، وكذلك التنقل بواسطة بالترامواي وغيره، وإقامة شركات للنقل بواسطة الشاحنات من وإلى مراكز الاستهلاك والدول المجاورة، وتعميم خدمة القطارات السريعة لربط مناطق الإنتاج بمناطق الاستهلاك داخلياً، والتصدير إلى الدول المجاورة وما بعد المجاورة، وتوسيع الموانئ البحرية، والمناطق الصناعية، والموانئ الجوية، وسرعة الربط بين أطراف الجمهورية، لأن النقل هذا، عدا عن أنه يزيد الإنتاج، فإنه يحقق تزايدا في الانتماء والربط بين أطراف سوريا والعالم الخارجي.
الإسراع بالإسكان
ولا يغيب عن بالنا أبداً ضرورة الإسراع بالإسكان للذين تهدّمت بيوتهم، ولأبناء المخيمات، وللمهجرين داخل البلاد وخارجها، وتعميم إنشاء القرى الاقتصادية في الأرياف لاستيعاب سكانها الذين لا مأوى لهم حتى تاريخه، والبيت الريفي هذا يحقق إسكان أهالي الريف، الذين يسارعون إلى الإنتاج الزراعي والحيواني، ويشجعهم على الإنتاج والاستهلاك، وتنمية المشاريع المتناهية الصغر لتعميم الفائدة الأكبر لشريحة من المجتمع وفي كل المناطق، وأن تساهم البنوك والمصارف بتقديم القروض الصغيرة والمتوسطة لتنمية هذه المشاريع الصغيرة التي تدر دخلاً وتشكل دورة استثمارية منتجة.
إن اكتمال تحقيق الوحدة الوطنية في سوريا تشكل نقطة انطلاق لتحريك كل القوى المنتجة الكامنة في المجتمع السوري، وبداية ممتازة ليجعل من سوريا ورشات إنتاجية مؤثرةً، بدءاً من المشروعات الصغيرة إلى المتوسطة، وإلى المشاريع الاستراتيجية الكبرى. وكل ذلك يتحقق بالتحرك السريع، وعلى كل المستويات الفاعلة في الدولة والدوائر الحكومية والوزارات والمؤسسات والهيئات دون تأجيل أو تقاعس، مع ما يترتب على ذلك من بنية قانونية واضحة وتصوّرات هيكلية لشتى فروع الاقتصاد الوطني، وتوزيع وتوطين المشاريع في جميع المحافظات وفق نظام اقتصادي مدروس يراعي المزايا النسبية لكل محافظة، شريطة أن تكون هذه المشاريع ذات جدوى اقتصادية مربحة وسريعة، لاسترداد رأس المال، وهذا ما يحرص عليه القطاع الخاص في كل دول العالم. وأن بعثرة المشاريع وتوزّعها يزيد من التكاليف والمخاطر، ولذلك لجأت معظم دول العالم التي كانت في وضع مشابه لوضعنا إلى إيجاد مناطق زراعية وصناعية وخدمية تعطي دفعاً قويا لتحقيق أهداف المرحلة، وهي الإنتاج بتكاليف قليلة نسبياً، وتوزيع هذه المنتجات لإشباع السوق المحلية أولاً والتصدير، وأن النظريات الاقتصادية التي درسناها للتنمية والتنوّع وزيادة الإنتاج في معظم دول العالم استهدفت الأسواق الداخلية أولاً، ثم الانتقال لتصدير الفائض، وإن من حكمتهم النظرية لتصدير كل شيء، قد أوجد فراغاً كبيراً بين الإنتاج والاستهلاك لأن المنفعة العامة، تبدأ محليا، ثم تصديريا.
وحقيقة الأمر، إن التنوّع في الإنتاج في سوريا، في كل القطاعات، قادر خلال مدة زمنية محددة أن يطور من أدوات الإنتاج، وتشكيل فائض من هذه المنتجات للتصدير، وهنا لا بد أن نؤكد على أهمية التجارة الخارجية، شريطة أن نراعي توازن كفّتي الميزان التجاري، وبالتالي ميزان المدفوعات. كما أن تطوير القطاع المالي والمصرفي داخليا ومع الخارج، يحقق تسهيل عمليات التبادل (تصديرا واستيرادا) بشكل تنظمه السياسة المالية للدولة، وأدواتها هي البنك المركزي وسائر القطاع المصرفي. وأن عملية الضبط والربط في هذا القطاع يحد من تنامي مؤشرات التضخّم والسيطرة عليها، كما يحد من توسّع السياسة المالية الانكماشية التي تحدثه. إن موضوع العمل الاقتصادي يجب أن يكون موجّهاً بكثير من الحذر، وهنا تكون البداية من استقدام الاستثمار الإنتاجي الذي يشغل ماكينة الاقتصاد الوطني بجميع مفاعيلها، ولا يعتمد على تكديس الاستثمارات في المشاريع المظهرية التي لا تخدم قضية الإنتاج المستمر والمتواصل، والذي له علاقة بالمواد الزراعية والمواد الأحفورية، وخدمات الإنتاج. إنّ سوريا اليوم تُعتبر أرضاً بكراً للعمل الإنتاجي، فحيثما وجّهت استثماراتك فربحك أكيد، بشرط عدم الاستغراق في البحث عن الربح السريع، وأعتقد أن قانون الاستثمار السوري يعطي لكل ذي حق حقه.
ومن هنا لا بد أن تنطلق عملية التنمية المستمرة والمتوازنة من إعادة درس إنتاج ما عندنا من أراضٍ زراعية وقدرات إنتاجية، يحققها الأفراد والعاملون في الزراعة، أو إقامة شركات زراعية ذات تكامل وترابط أمامي وخلفي، ومثل ذلك موجود في المملكة العربية السعودية وفي دول أخرى، وكذلك العودة لإعادة تقويم الشركات والمصانع والمعامل الموجودة تحت أيدي الدولة، وهي موروثة بكل هياكلها وخطوط إنتاجها، وتحتاج إلى إعادة تجديد، وأن يقوم القطاع الصناعي والوزارات المختصة بوضع خطة لإعادة الدفع بهذه الشركات والمصانع والمعامل، وتجديد خطوط الإنتاج، وإعادتها للعمل وفق نظام إداري متوازن ودراسات، ومحاسبة تكاليف ومحاسبة مالية، لأن الغرض الحالي منها يختلف عما كان سابقاً، حيث كانت في السابق حسب نظريات غير متزنة ولا اقتصادية ولا إدارية ولا محاسبية، بل كانت ذات صفة اجتماعية، وتكديس للعاملين وزيادة الرواتب دون الإنتاج والتخطيط القائم على افتراضات غير منطقية، وأحد أسباب فشلها كان ما يجبى منها من ضرائب على الخطة الإنتاجية، علماً أن المخزون كان مكدساً في المخازن. أضف لذلك موضوع الانقطاع المحزن للكهرباء، وإدارات الوصاية المعروفة، ولكلّ هذا لا بد من نسف ما سبق، والعمل بالمنطق الإنتاجي والمحاسبي الإداري المعروف، لأن هذه الشركات وتلك المعامل، هدفها في النهاية تحقيق أرباح تصب في الخزينة العامة للدولة، وليس تكبيدها خسائر، والتوسع في العمل الاقتصادي الرأسي.
المجلة
——————————
أموال رفعت الأسد المصادَرة تفتح نقاشا حول العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار/ نور الهدى مراد
2026.02.12
تستعد فرنسا لتوقيع اتفاق مباشر مع السلطات السورية لتسليم نحو 32 مليون يورو من عائدات بيع ممتلكات رفعت الأسد المصادَرة، مع استمرار عمليات بيع أخرى قد ترفع القيمة النهائية للأموال المستردة.
وأكدت مصادر دبلوماسية فرنسية أن المبلغ المتوافر حالياً يناهز 32 مليون يورو، نتج عن بيع جزء من الأصول التي صادرتها السلطات الفرنسية بعد إدانة رفعت الأسد بقضايا تتعلق بالكسب غير المشروع وتبييض الأموال. وأوضحت أن عمليات بيع ممتلكات أخرى لا تزال جارية، ما يعني أن الرقم النهائي لم يُحسم بعد.
وأدانت محكمة فرنسية عام 2020 رفعت الأسد، عم رئيس النظام المخلوع، بتهم تتعلق بتكوين ثروة عقارية ضخمة في فرنسا بطرق غير مشروعة، تشمل فنادق وقصوراً وعقارات فاخرة. وأيدت محكمة الاستئناف الحكم لاحقاً، وصادرت الدولة الفرنسية الممتلكات المعنية. وذكرت وكالة “فرانس برس” حينها أن قيمة الأصول المصادَرة قُدرت بعشرات ملايين اليوروهات.
وأبدت باريس استعدادها لتحويل الأموال إلى الجانب السوري عبر اتفاق رسمي، على أن تُحدَّد آليات استخدامها بشكل واضح وشفاف. وأشارت المصادر إلى أن القانون الفرنسي يفرض إجراءات صارمة لضمان تتبع الأموال المستردة من قضايا الفساد، والتأكد من توظيفها في مجالات تخدم المصلحة العامة.
وأكدت أن النقاش لا يقتصر على تسليم الأموال، بل يشمل كيفية إدارتها والجهة الوطنية التي ستتولى الإشراف عليها، وفق ما تقرره السلطات السورية. وأضافت أن باريس تشترط وضوح آليات الصرف والرقابة قبل إتمام أي تحويل مالي.
دعم مسار العدالة الانتقالية
ناقشت فرنسا مع ممثلين عن المجتمع المدني السوري ومسؤولين سوريين مقترحات تتعلق بتخصيص جزء من الأموال لدعم مسار العدالة الانتقالية. وتركزت المحادثات على تحديد الأولويات التي ترى الجهات السورية أنها ملحّة في هذا المجال.
وتشمل هذه الأولويات دعم جهود توثيق الانتهاكات، وتعزيز قدرات المؤسسات القضائية، وتمويل برامج جبر الضرر للضحايا. وأشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن ملف المحاسبة والعدالة الانتقالية يشكل أحد أبرز التحديات في سوريا بعد سنوات من النزاع.
وأكدت المصادر أن باريس استمعت إلى مقترحات متعددة، ولم تفرض تصوراً جاهزاً، بل طلبت من الجانب السوري تحديد المجالات ذات الأولوية. ولفتت إلى أن قطاعات أخرى طُرحت للاستفادة من الأموال، من بينها الزراعة، بوصفها قطاعاً حيوياً يمكن أن يساهم في دعم الأمن الغذائي وتحريك الاقتصاد المحلي.
ملف المقابر الجماعية والتعاون التقني
بحث الجانبان أيضاً ملف المقابر الجماعية، الذي يشكل أحد أعقد ملفات ما بعد النزاع. وأعربت السلطات السورية خلال لقاءات أخيرة عن حاجتها إلى تدريب متخصص وأدوات تقنية متقدمة للتعامل مع هذا الملف.
وعرضت فرنسا تقديم خبرات تقنية في هذا الإطار، تشمل دعم القدرات المخبرية، وتوفير تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الواقع المعزّز للمساعدة في تحديد مواقع الدفن وتحليل البيانات.
وأكدت المصادر أن هذا التعاون سيجري ضمن إطار تقني بحت، ويهدف إلى دعم جهود الكشف عن مصير المفقودين وتحديد هويات الضحايا. وتشير تقديرات منظمات حقوقية إلى وجود آلاف المفقودين في سوريا، ما يجعل ملف المقابر الجماعية أولوية إنسانية وقضائية.
وسبق أن دعت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، التابعة للأمم المتحدة، إلى الحفاظ على المقابر الجماعية وحمايتها، وضمان إجراء تحقيقات مهنية وفق المعايير الدولية.
مجلس الأعمال السوري–الفرنسي واستكشاف فرص الاستثمار
على الصعيد الاقتصادي، أُسس مجلس الأعمال السوري–الفرنسي، ويعمل حالياً على تعزيز التواصل بين رجال الأعمال في البلدين. وأكدت المصادر أن المجلس يشكل منصة لتبادل المعلومات واستكشاف فرص الاستثمار في المرحلة المقبلة.
ونسقت باريس مع الجانب السعودي في هذا السياق، نظراً إلى وجود شركات فرنسية تنشط في المملكة العربية السعودية، وإبداء اهتمام بتطوير أنشطة استثمارية مشتركة في سوريا. وأشارت إلى أن التعاون الثلاثي قد يفتح المجال أمام مشاريع في قطاعات محددة.
وأكدت أن فرنسا تمتلك خبرات يمكن توظيفها في قطاعات ذات أولوية، لا سيما الصحة والزراعة. وأوضحت أن أي عودة واسعة للاستثمار الفرنسي ترتبط بعوامل عدة، في مقدمتها تحقيق استقرار عام، وتعزيز سيادة القانون، وضمان بيئة اقتصادية مستقرة.
وشددت على أهمية الاستقرار النقدي ودور البنك المركزي في إدارة السياسة المالية، إضافة إلى وضوح القوانين الناظمة للاستثمار. ولفتت إلى أن باريس تعمل على طمأنة الشركات الفرنسية بأن العقوبات الأوروبية رُفعت، وأن سوريا بدأت تعود تدريجياً إلى المنظومة الاقتصادية العالمية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن في مراحل سابقة تخفيفاً تدريجياً لبعض القيود المرتبطة بأنشطة إنسانية واقتصادية، مع الإبقاء على أطر قانونية تنظم التعاملات المالية. وأكد مسؤولون أوروبيون، وفق ما نقلت وكالة “رويترز”، أن أي انخراط اقتصادي أوسع سيبقى مرتبطاً بتطورات المسار السياسي واحترام المعايير القانونية.
اشتراط الشفافية وتحديد الجهة المشرفة
يركز النقاش الحالي بين باريس ودمشق على تحديد الجهة الوطنية التي ستدير الأموال المستردة، وضمان خضوعها لآليات رقابة واضحة. وأكدت المصادر أن الجانب الفرنسي لن يحول المبلغ إلا بعد الاتفاق على إطار قانوني يضمن الشفافية والمساءلة.
وأوضحت أن التجربة الفرنسية في إدارة الأموال المصادَرة من قضايا الفساد تعتمد على تخصيصها لمشاريع تخدم السكان، مع تتبع مسار الإنفاق وتقديم تقارير دورية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع يتعلق باسترداد أموال مرتبطة بقضايا فساد عابرة للحدود، إذ تسمح القوانين الفرنسية بتوجيه العائدات إلى البلدان المتضررة، شريطة وجود ضمانات كافية.
وتفتح عملية تسليم أموال رفعت الأسد الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون المالي والتقني بين باريس ودمشق، مع بقاء مصير المبلغ النهائي رهناً باستكمال بيع الأصول المتبقية، والتوصل إلى اتفاق واضح حول أوجه الصرف وآليات الإشراف.
تلفزيون سوريا
——————————
===================



