
17 فبراير 2026
من رحم حلب القديمة، حيث تتراقص أصداء الأناشيد الأرمنية مع ليالي الطرب الشامي، ولدت ربى الجمال لتكون فيما بعد نجمة ساطعة في سماء الفن العربي.
تخلت زوفيناز خجادور قره بتيان، (اسمها الحقيقي، فوالدها حلبي أرمني الأصل وأمّها لبنانية)، عن دراسة الطب في باريس لتكرس حياتها لعشق الغناء على المسرح، و برعت في إحياء تراث كوكب الشرق بـ”افرح يا قلبي” و”اسأل روحك”، ناسجة ألبومين خلداها “فاكر ولا ناسي” و”ليالي العمر”، لتصبح رمزاً للتفرد الطربي الخالد، مسيرتها الفنية قصيرة إذ رحلت في ريعان الشباب (39 عاماً).
في طفولتها المبكّرة، فقدت ربى أمها، فاصطحبها والدها إلى الأردن وادخلها في دير راهبات الوردية في عمّان للدراسة، وهناك تلقت أساسيات الموسيقى من أستاذ روسي اكتشف موهبتها النادرة في الترتيل الكنسي والغناء الأوبرالي، وتعلمت ربى العزف على البيانو إلى جانب الغناء، مما بنى أساس صوتها السوبرانو الخارق (بالإيطالية “الأعلى”، وهي الطبقة الصوتية التي تتولى أداء الأدوار الرئيسية أو اللحن الأساسي في الغناء الجماعي) هذه المرحلة الموسيقية الأولى شكلت مهاراتها الموسيقية والغنائية.
العودة إلى دمشق
عادت إلى سورية واعتُمدت في إذاعة بيروت 1975 رغم صغرها (تسع سنوات)، ثم إذاعة دمشق 1979، وسجلت أعمالاً أولية وسط معارضة عائلية، وفي أوائل الثمانينيات قرر والدها إيفادها إلى العاصمة الفرنسية رغماً عنها لدراسة طب الأطفال، هناك، جمعت بين الدراسة الجامعية في النهار والغناء في فنادق خمس نجوم ليلاً لتغطية مصاريفها، مما أدى إلى تركها دراسة الطب بعد عام واحد.
ويروى أنها كانت تنهض متأخرة بعد الحفلات، تحضر الجامعة حتى الواحدة ظهراً، ثم تتدرب في المستشفى حتى التاسعة مساء، قبل العودة للغناء، وتعرفت في باريس على مدير الأوبرا الفرنسية الذي أعجب بصوتها السوبرانو، فرشحها لمهرجان ماريا كالاس الدولي أمام 30 متسابقة أوروبية، ففازت بالمركز الأول بلقب “أعلى صوت نسائي في العالم” و”أفضل قرار سوبرانو”، بالإضافة إلى شهادة تقدير من مسرح الكونتيننتال، وغنت في مسارح كبرى مثل اليلدزلار والكونكورد، وحصلت على جائزة الميكروفون الذهبي. وبعد هذه النجاحات، عادت ربى إلى سورية لتتبنّى الطرب العربي، محملة بمهارات أوبرالية عزّزت أداءها أغاني أم كلثوم لاحقاً.
وانطلقت مسيرتها الاحترافية في الثمانينيات بدعم من الموسيقار والملحن الفلسطيني المقيم في دمشق، رياض البندك (1924 – 1992)، ويُظهر تسجيل فيديو مجهول التاريخ تظهر فيه الفنانة السورية صباح الجزائري، وهي تقدم صوتاً جديداً لتقول “معكم الفنانة ربى” باسمها الأول فقط، لجمهور حاضر لندوة بعنوان “دمشق القديمة”، لتؤدّي ربى مع الفرقة الموسيقية أغنية “ليه يا بنفسج” ثم “هو صحيح الهوى غلاب”.
بلغت ربى ذروتها في مصر عام 1995 في دار الأوبرا حيث غنت أغاني أم كلثوم مع المايسترو سليم سحاب، فصفق الجمهور طويلاً، وتألقت في مهرجان قرطاج 1998 وقد وصفتها الصحافة التونسية بـ”صوت كلثومي عيار 24 قيراط”.
التعاون مع الملحنين
تعاملت ربى مع نخبة من الملحنين السوريين والعرب في مصر، مثل سعيد قطب الذي لحّن لها قصيدة نزار قباني “لماذا تخليت عني”، وغنّت للملحن المصري صلاح الشرنوبي في ألبوم “فاكر ولا ناسي” عام 1996، إلى جانب ابن أخيه فاروق الشرنوبي، الذي لحن لها “بأمارة إيه” ، و”معرفش أنا ليه”، و”كنت حبيبي”، كما لحن لها أحمد السنباطي “ساعدني أنسى” و”ليه لتهواني كده” و”همستك”، وهي أعمال طربية تجمع بين الإحساس العميق والتقنية الأوبرالية، مما أنتج ألحاناً تجمع الشرقي بالأوبرالي، وعزز هذا التعاون مكانتها صوتاً يتجاوز الحدود، خاصة في القاهرة حيث نقلت تقارير إعلامية أن الفنان محمد سلطان دعاها للبقاء عاماً ليجعلها “أهم مطربات عصرها”. كما غنت من ألحان الموسيقار السوري صفوان بهلوان (معظمها أغانٍ وطنية)، ونجيب السراج ووديع الصافي، وعماد توفيق سليم صاحب لحن أغنيتها الأشهر “صعّبها بتصعب هوّنها بتهون” وسجّلت 26 أغنية خاصة في إذاعة دمشق حتى عام 1996.
الألبومات والإصدارات
رغم إنتاجها المحدود، أصدرت ربى ألبومين رئيسيين، الأول “فاكر ولا ناسي” عام 1996 ويضم “صعّبها بتصعب”، حقق نجاحاً كبيراً رغم سيطرة الاتجاهات الشعبية، والألبوم الثاني “ليالي العمر” أو “اسأل روحك” شهد إطلاقاً دراماتيكياً، مع أغانٍ طربية أخرى مثل “قربك نعيم الروح”، رفضت الفيديو كليبات معتبرة إياها “سوقاً للرقيق”، مفضلة الحفلات الحية والتسجيلات الإذاعية التي بلغت 38 أغنية منها ثمان وطنية.
نالت ربى تكريماً دولياً، الطبق الذهبي من وزير الثقافة المصري منقوشاً بـ “ربى الجمال صاحبة أفضل صوت نسائي في الوطن العربي” وشهادة من مسرح الكونتيننتال في باريس، وجائزة الميكرفون الذهبي، وكتاب شكر من مؤتمر الموسيقى العربية، كما وصفت بـ”أعلى صوت نسائي في العالم” في مهرجان ماريا كالاس، وأشاد بها الناقد والباحث الموسيقي السوري صميم الشريف (1927 – 2012) بأنها “صوت خارق لم يُسمع مثيله منذ 50 عاماً”، واعتبرها الناقد والباحث الموسيقي الفلسطيني، إلياس سحاب بأنها تجمع “مدرستي أم كلثوم وأسمهان”.
رحلت ربى في 22 إبريل/ نيسان 2005 عن 39 عاماً إثر سكتة دماغية أصابتها بشلل نصفي، بعد حفلة للتلفزيون السوري في فندق إيبلا الشام، عندما غضبت من أداء الفرقة في أثناء إطلاق ألبومها الثاني “ليالي العمر”، ما أدى إلى اكتئاب ونزيف دماغي رغم علاجها في مستشفيات بدمشق، يُنسب ذلك جزئياً إلى زواج فاشل أنجب ابنها رامي، وتعاطي مهدئات بسبب مزاجيتها الحادة، وحضر تشييعها عدد قليل جداً لا يتعدى 30 شخصاً، وحول ذلك، يقول نجلها الوحيد رامي هلال وهو مغنٍّ يقيم في هولندا، في برنامج “حديث جانبي”، إنه عندما توفيت والدته طلبت شقيقتها ألا يُكتب في النعي إلا اسمها الحقيقي من دون أي إشارة إلى اسمها الفني الذي عرفها الناس من خلاله، وبالتالي، لم يحضر جنازتها في كنيسة مار سركيس في باب شرقي بدمشق، إلا نحو 30 شخصاً، وغابت وسائل الإعلام ونقابة الفنانين عن التشييع، والوداع الأخير.
وأحدث رحيلُها ثغرة في الغناء الشرقي الكلاسيكي، إذ لم تجد الموسيقى الطربية طوال 21 عاماً، امتداداً يضاهي تمكّن ربى من الجمال الصوتي وارتجالها في المقامات، مما جعل الجمهور يفتقد صوتاً يعيد حياة روائع عمالقة الغناء.
العربي الجديد



