العلاقات السورية-الأميركيةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

ماذا يعني سوريا الجديدة من المواجهة الأميركية-الإيرانية/ أنس وهيب الكردي

 

الخميس 2026/02/19

من نافل القول إن سوريا الجديدة لم تكن لتظهر إلى الوجود لولا انهيار الهيمنة الإيرانية في الهلال الخصيب. ومن نافل القول أيضاً، إنها ستشكل جزءاً من النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل حالياً على أنقاض تلك الهيمنة، ويتم تصميمه بهدف منع عودة النفوذ الإيراني إلى قلب الهلال الخصيب.

وأدت العلاقة بين نظام الثورة في إيران ونظام الأسدين خلال العقود الخمس الماضية، إلى نشوء ترابط بين أوضاع البلدين. تدرب قادة وعناصر من الجماعات الإيرانية الإسلامية المعارضة لشاه إيران رضا بهلوي، داخل معسكرات أقامتها المخابرات السورية في منطقة البقاع اللبنانية، وبانتصار الثورة الإيرانية على الشاه، عاد أولئك القادة إلى بلادهم ليشاركوا في بناء نظام جديد له رؤية جديدة للتحالفات في المنطقة.

كافأ هؤلاء القادة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد على دعمه لهم، بإقامة تحالف كامل بين طهران ودمشق. شابت التحالف، منافسة من نوع خاص، تمحورت حول من يمسك بدفة القيادة داخل التحالف نفسه وتفرعاته الإقليمية. كانت هذه المنافسة بين النظامين طبيعية، لأنهما تشاركا المسعى والطموح لقيادة الشيعة في العراق ولبنان، من أجل إعادة تشكيل السياسات الداخلية للبلدين بما يتوافق مع مصالح النظامين الاستراتيجية. مثل التحالف لنظامي الخميني والأسد أداة تقليدية للوصول إلى أهداف غير تقليدية؛ عوّل نظام الخميني على هذا التحالف، علّه يمكّنه من إحكام السيطرة على بلاد الرافدين (التي يعتبرها الإيرانيون الحديقة الخلفية لبلادهم)، بما فيها من مقدسات شيعية، وبالتالي، يقود شيعة العالم من طهران، بينما استخدم حافظ الأسد التحالف أداةً لتحقيق السيطرة على الساحة اللبنانية وضبط “منظمة التحرير الفلسطينية”، وفي النهاية إقامة “سوريا الكبرى”.

مع نظام الأسد، بنت إيران محوراً من المليشيات الشيعية عبر الهلال الخصيب، الخليج واليمن. انهار التوازن بين النظامين والذي بناه حافظ الأسد، في قيادة المحور، بعد انضمام طهران إلى ركب الغزو الأميركي للعراق، بخلاف بشار الأسد الذي عارضه بشكل بالمطلق. مع خروج القوات السورية من لبنان، تراجع أكثر دور نظام الأسد داخل المحور، ليتحول من شريك في رسم سياسات إلى مجرد تابع للسياسة الإيرانية. استحكم الصعود الإيراني بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ حوّل “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، سوريا إلى المحافظة الثانية والثلاثون في إيران، فارضاً حمايته على نظام الأسد المنهار.

هكذا، لم تكن الجماعات المعارضة لتتمكن من إسقاط نظام الأسد لولا انكسار إيران وحزب الله. بتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة بعد انهيار نظام الأسد، ثبّتت السلطة السورية الجديدة أقدامها. ثم، ونتيجةً لحرب الاثني عشر يوماً، زالت المخاطر التي قد تشكلها إيران على سوريا. بدوره، خسر حزب الله حرب “الإسناد” وخرج منها منهكاً، وبأمسّ الحاجة إلى سوريا لإعادة تسليح نفسه. كما أصبحت الفصائل الولائية وتلك المنضوية تحت لواء “الحشد الشعبي” في العراق في موقف دفاعي لا تُحسد عليه. عنى هذا الواقع، ببساطة، أن درع إيران الإقليمي وحلقات دفاعها المتقدم داخل الهلال الخصيب، قد ضعُفت على الأقل. وبالرغم من أن إيران لم تُهزم بشكل ساحق في حرب “الاثني عشر يوماً”، إلا أنها أصبحت عارية استراتيجياً بعد تدمير دفاعاتها الجوية وأجزاء واسعة من برنامجها النووي.

الآن، ومع تدفق القوات الأميركية على الشرق الأوسط، وتتالي جولات ما يمكن تسميته بمفاوضات “الفرصة الأخيرة” بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والمرشد الإيراني علي خامنئي، تجد دمشق نفسها أمام جملة من الفرص والمخاطر.

بالنسبة لواشنطن، فإن الهدف المركزي للمفاوضات يتمثل في تثبيت نتائج حروب “طوفان الأقصى”، التي يعتقد ترامب أن إيران خرجت منها خاسرة. تريد الإدارة الأميركية من إيران التسليم بخسارتها لبرنامجها النووي وقبول تسليم أجزاء منه، وإخضاع أجزاء أخرى منه لرقابة أميركية أو دولية صارمة. على المستوى الإقليمي، تطلب واشنطن من إيران أن تصادق على الاتفاقات التي تم التوصل إليها في شرم الشيخ بشأن قطاع غزة، والتي أنهت عملياً الدور الإيراني في القضية الفلسطينية. كما تريد منها أيضاً سحب صواريخها الدقيقة من لبنان، العراق واليمن، والتي أظهرت السنتين الماضيتين أن تخزينها في تلك البلدان لم يكن سوى لتشكيل درع صاروخي متقدم يدافع عن الأراضي الإيرانية. أخيراً، تطلب واشنطن تجميد علاقات إيران بالصين عند مستوى ما قبل العام 2015، وإنهاء التعاون العسكري مع الجيش الصيني في مجال بناء الصواريخ البالستية.

ولأن حشد القوات الأميركية في المنطقة وانعقاد جولتي التفاوض عبر الوساطة العُمانية، يأتي ضمن هذه السياقات، ترى السلطة السورية أن هنالك فرصة ينبغي اغتنامها تتمثل في التخلص من تهديد ترسانة صواريخ حزب الله المخزّنة في البقاع، والتي تطال أجزاء حيوية من غرب ووسط البلاد بما فيها العاصمة دمشق. كما أن تحجيم النفوذ الإيراني في العراق، من شأنه أن يساهم في تأمين شرق سوريا من أي مساعٍ إيرانية لزعزعة الاستقرار انطلاقاً من الأراضي العراقية. كما أن ابتعاد إيران عن تفاعلات المنطقة وانشغالها بمواجهة الحشود الأميركية في المنطقة قدّم لدمشق فرصة هامة. استعادت السلطات السورية السيطرة على كامل محافظة حلب وأجزاء واسعة من شرق الفرات، بينما إيران غارقة في احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مع إدارة ترامب، صرفتها عن إعاقة أو إحباط مخططات تلك السلطات. ومع استمرار الحشود الأميركية، يمكن للإدارة السورية أن تعيد الكرة في مكان آخر داخل سوريا من دون أن تخشى تدخل إيراني سلبي.

في المقابل، هنالك تحديات تفرضها المفاوضات الدائرة بين الإدارة الأميركية وإيران على دمشق، تتمثل في احتمال موافقة واشنطن على الطروحات الإيرانية أو قسم منها. يمنّي المفاوضون الإيرانيون أنفسهم بدمج الفصائل الولائية و”الحشد الشعبي” ضمن الجيش العراقي، بالتزامن مع إدخال حزب الله في هيكل الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الوطنية، ربما مقابل أن تسحب إيران صواريخها الاستراتيجية من العراق ولبنان. من شأن هكذا سيناريو إن تحقق أن يزيد أمن سوريا الجديدة، إلا أنه في المقابل سيؤدي إلى مشاكل كبيرة مع هاتين الدولتين، حيث يصبح جزءاً أصيلاً من مؤسساتهما الأمنية معادياً بالكامل لسوريا الجديدة التي أطاحت نظام الأسد الحليف السابق لحزب الله والمليشيات الولائية.

ستُظهر موافقة واشنطن على هذا المطلب الإيراني أن طهران، لم تحافظ فقط على ما تبقى من دورها الإقليمي، بل وتمكنت من شرعنته، وبمباركة الرئيس ترامب. باختصار، سيحوّل هذا الترتيب إيران إلى عامل طبيعي في النظام الإقليمي المتشكل ما بعد هيمنتها، ويجعلها تتقدم في مجال لم تحلم به في عزّ قوتها، ألا وهو المؤسسات العسكرية لدول الهلال الخصيب. قد يقود هذا الترتيب، إذا ما تم التوصل إليه في المفاوضات الأميركية-الإيرانية، إلى حصر سوريا الجديدة بين مؤسسات عسكرية على جانبي حدودها في العراق ولبنان، لها علاقات جيدة مع إيران، التي لم تتسامح بعد مع خسارة تأثيرها المديد على دمشق.

تحدٍ آخر قد تواجهه السلطة السورية، هو: حدوث تصعيد بين إيران والولايات المتحدة، سواء نتيجة لفشل المفاوضات، أو كجزء من أدوات الضغط بين الجانبين أثناء العملية التفاوضية. التصعيد خصوصاً واسع النطاق، سيضع السلطات السورية أمام معضلة الدفاع عن نفسها، في ضوء افتقار سوريا لأي مظلة دفاع جوي مماثلة لما تملكه دول الجوار، علماً أن بعض المواقع السورية قد تصبح هدفاً للصواريخ الإيرانية. كما أن حزب الله والفصائل الولائية في العراق قد يبادرون إلى استهداف مواقع أميركية داخل سوريا تنفيذاً لتهديد القادة الإيرانيين باندلاع “حرب إقليمية شاملة” إذا ما تعرضت بلادهم لهجمات أميركية أو إسرائيلية.

لكن أكبر التحديات التي تواجه السلطات السورية هي الخوف من اليوم التالي للصفقة بين إيران والولايات المتحدة، سواء أكانت لتلافي المواجهة العسكرية أو فيما بعدها. ومن بين ما تخشاه دمشق هو أن تتراجع أهميتها في نظر الإدارة الأميركية بعد توصل هذه الأخيرة إلى اتفاق مع إيران. كما تخشى أن خروج إيران من الكامل من الهلال الخصيب سيغري الإسرائيليون لتصعيد تدخلهم في الشؤون السورية، وملء الفراغ المتولّد عن انحسار القوة الإيرانية بشكل نهائي عن بلاد الشام.

وبينما توازن السلطات السورية بين الفرص والمخاطر التي تترافق مع المواجهة الأميركية-الإيرانية، يتأكد أن سوريا الجديدة قد لا تعود إلى الوراء، لكن استقرارها النهائي سيكون رهينة لنتائج تلك المواجهة.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى