مجازر حماة: الذاكرة التي لا تموت/ سمر شمة

19 فبراير 2026
أحيا السوريون في الثاني من هذا الشهر الذكرى الـ 44 لمجزرة حماة 1982، والثانية بعد سقوط الأسد الابن وهروبه مذعورًا مثقلًا بسلسلة طويلة من جرائم الحرب، حاملين معهم صور عائلاتهم، أطفالهم وشيوخهم، رجالهم ونسائهم، شهدائهم ومعتقليهم ومفقوديهم، بعد أن انتهك النظام البائد على مدى أكثر من خمسة عقود متواصلة كل العهود والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان، ودمّر وقتل وسرق ونهب الأرزاق والممتلكات، وهجّر الأبرياء، وجوّع الصغار والكبار، وأحرق المنازل والحقول، وسجن وذبح على الهوية، وأباد عائلات بأكملها، وأزالها من السجلات المدنية، واستباح الكرامات الإنسانية.
أكثر من أربعين عامًا، والمجزرة وما تلاها من مذابح ما زالت حاضرة في مآقي العيون، ودموع الأمهات، ونواعير حماة الصامتة لسنين طويلة، وفي الذاكرة السورية المتوارثة عبر الأجيال التي لا تموت.
في مجزرة حماة سُوِّيت أحياء بكاملها بالأرض، وخاصة حي الكيلانية التاريخي، وأحياء الزنبقي والشجرة والطوافرة. ودُمِّر أكثر من 88 مسجدًا، وثلاث كنائس، وعدد كبير من المدارس والمصانع والمواقع الأثرية التي حُوِّل بعضها إلى مراكز احتجاز وتعذيب، وسجون مؤقتة للمعتقلين، تضج برائحة الموت والقتل والعذابات. وامتلأت الحارات القديمة والشوارع بالجثث التي تم نقلها بجرافات إلى أماكن دفن لم يُعرف بعضها حتى اليوم، إضافة إلى تهجير أكثر من 800 ألف مدني من الأهالي.
قُصفت مدينة النواعير بالطائرات الحربية، ودخل إليها المشاة والدبابات عبر الشوارع الضيقة، وقامت قوات الأسد الأب العسكرية والأمنية بتدمير معظم المباني خلال الأيام الأربعة الأولى من المذبحة، وأجزاء كبيرة من المدينة القديمة. استمرت الحملة الهمجية 27 يومًا على التوالي، نفذتها فرق وألوية من جيش النظام وعلى رأسها سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، والقوات الخاصة وغيرها، بهدف القضاء على المعارضة وتنظيم الإخوان المسلمين وكل من يقف معهم.
وفي الثاني من شباط/ فبراير 1982 استيقظ الحمويون على أصوات الدبابات ومختلف الأسلحة، وبدأت واحدة من أعنف العمليات العسكرية في تاريخ سورية، وغرقت المدينة وسكانها بالدماء.
استهدف القصف الوحشي المدنيين وأماكن تواجدهم، وكانت الذريعة اتهام مجموعات مسلحة من الإخوان المسلمين – “الطليعة المقاتلة” – بالسيطرة على الأحياء، ولكن تحولت هذه الحرب إلى حصار كامل، وتم خلالها قطع الكهرباء والماء، وإغلاق الطرقات، وملاحقة السكان وتشديد القبضة الأمنية عليهم، وحرمانهم من الخدمات الأساسية، إضافة إلى تدمير البنية العمرانية وإخفاء الشهداء في مقابر جماعية. وحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن هذه المذبحة أدت إلى استشهاد أكثر من 40000 مدني، واختفاء 17000 لم يُعرف مصيرهم حتى الآن، ولا توجد أي وثائق لنهاياتهم، مشددة على ضرورة تحقيق العدالة ومحاسبة القتلة.
والحقيقة أن هذه الجرائم لم تكن مفصولة عما حدث خلال العقدين الأخيرين اللذين سبقاها، وجرت خلالهما صدامات ومواجهات وقتل واعتقالات شملت الأحزاب المعارضة في سورية، وعلى رأسها حزب الإخوان المسلمين بفرعيه السلمي والعسكري، ووقائع ومجازر دموية عديدة، منها أحداث “جامع السلطان” 1964، عندما قامت احتجاجات شعبية في حماة وعدة مدن سورية اعتراضًا على حكم البعث، قوبلت بتدخل عسكري من الجيش النظامي، ومحاصرة للجامع، وقصفه، مما أدى إلى استشهاد عدد كبير من المدنيين. و”أحداث الدستور” التي جرت بسبب قيام حافظ الأسد بإقرار دستور جديد 1973، منح فيه لنفسه صلاحيات واسعة، وأطبق على البلاد بحكم فردي بالحديد والنار، وتم خلالها تنظيم احتجاجات واسعة، وملاحقات واعتقالات عشوائية.
سبقت مجازر حماة أيضًا مجزرة جسر الشغور 1980، التي نفذتها قوات الوحدات الخاصة بمدافع الهاون والقصف الصاروخي، واجتاحت المدينة في العاشر من آذار/ مارس، وقتلت أكثر من مائة من النساء والأطفال والرجال، وأحرقت البيوت، وأعدمت عددًا كبيرًا من أهالي المنطقة بعد قيامهم باحتجاجات مناهضة للنظام. هذا إضافة إلى حصار حلب في العام نفسه، بعد الإضرابات والاحتجاجات التي جرت وقوبلت بعملية عسكرية، قُتل وأُعدم خلالها أكثر من 2000 من المدنيين، وتم اعتقال أكثر من 8000 شخص أيضًا، سُجن بعضهم في قلعة حلب، ودُفن المدنيون في بعض الأماكن وهم أحياء.
الجدير ذكره أن منظمة العفو الدولية ذكرت في حديثها عن مجازر حماة أن الجيش السوري قصف المدينة بالطائرات الحربية ودمّر معظم مبانيها وأجزاء كبيرة من حاراتها القديمة، بينما أكدت الصحافة الأجنبية آنذاك أن كامل الصلاحيات أُعطيت لقوات النظام الأسدي للقضاء على المعارضة والاحتجاجات الشعبية، وأن المدنيين هم الضحايا الأبرز في تلك المجزرة. وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن هذه المذبحة “تُعتبر واحدة من أفظع رموز القمع في تاريخ سورية الحديث، وأن نظام الأسد أنكرها ووصفها بالتصدي للإرهابيين، مما أسهم في طمس مصير الضحايا ونزع إنسانيتهم”. بينما قال الكاتب البريطاني باتريك سيل: “كل مظلي أُرسل إلى حماة قيل له يجب القضاء على التشدد الإسلامي والمعارضة مهما كانت التكلفة”.
أما شهود العيان فقد تحدث بعضهم في ذكرى إحياء هذه المجزرة قبل أيام عن اغتصاب النساء، والتمثيل بالجثث. وقالت إحدى السيدات: “في اليوم الأخير من المجزرة أخذوا الرجال لقتلهم، وعادوا لاغتصاب النساء. حي الكيلانية دُمِّر بالكامل واحترق. ثيابنا احترقت ونحن نهرب. كان اليوم شبيهًا بيوم القيامة. لا أنسى كيف قتلوا سيدة تُرضع ابنها والدم ينزف منها، وبقي الطفل يرضع من ثديها لمدة ثلاثة أيام في شارع أبي الفداء”. بينما تحدث أحد الشهود عن سياسة العقاب الجماعي التي انتهجها النظام ضد الكوادر الطبية التي كانت تداوي وتساعد الجرحى والمدنيين، حيث قامت قواته بقلع عيون بعض الأطباء، ومنهم الدكتور عمر الشيشكلي طبيب العيون، والدكتور عبد القادر قندقجي طبيب الجراحة، الذي قُطعت يداه وبُقرت بطنه بوحشية لا ترحم ولا حدود لها.
تواصلت المداهمات والاعتقالات العشوائية والحصار بعد المجزرة حتى منتصف آذار/ مارس 1982، وأُجبر الأهالي بقوة السلاح والتهديد والإجرام على الخروج بمسيرة تأييد لرأس النظام في شارع 8 من آذار وسط المدينة المنكوبة. ورفض النظام الإفصاح عن مصير الآلاف الذين لم يُعثر لهم على أثر، وزرع الرعب في قلب الشعب السوري عمومًا، وأهالي حماة خصوصًا، بعد أن أثبت أنه لا يخضع لأي قواعد أو قوانين، ولا حدود أو خطوط حمراء لوحشيته.
عاشت حماة “مدينة أبي الفداء” واقعًا مريرًا بعد المجزرة، ومُنع أبناؤها من العودة إليها، ومن العمل والوظائف، وتعرضت للتضييق الأمني اليومي على مدى سنوات طويلة. لكنها انتفضت عن بكرة أبيها منذ بداية الثورة السورية 2011، وكأنها تريد أن تنفض عن كاهلها غبار الموت والفجيعة والخوف والذل. وكانت من أبرز المدن التي شهدت مظاهرات واحتجاجات شعبية واسعة، واجهها نظام الأسد الابن كما واجه كل أنحاء البلاد بالحل الأمني العسكري، والقصف بأعتى الأسلحة، مما أدى إلى خروج الثوار منها حقنًا للدماء، ومعاناتها من الإجرام من جديد، إلى أن تمكن مقاتلو “إدارة العمليات العسكرية” في 2 كانون الأول/ ديسمبر 2024 من تحرير كامل المدينة بعد معارك عنيفة خاضوها انطلاقًا من جهة الشرق، لتصبح محررة من دنس النظام لأول مرة منذ عقود ضمن عمليات “ردع العدوان”.
وصفت مجزرة حماة بـ “المذبحة الإبادية”، ورغم معرفة العالم بكل ما حدث خلالها من جرائم ضد الإنسانية، لم تتخذ الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أي خطوات لمحاسبة مرتكبيها، وهذا ما ساهم في استمرار السياسات القمعية ذاتها في سورية، وارتكاب مجازر أكثر وحشية ودموية، ولا سيما بعد انطلاق الثورة السورية، وهي كثيرة لا تُعد ولا تحصى، منها:
مجزرة حي كرم الزيتون: 12 آذار/ مارس 2012، أول مجزرة ميدانية بتاريخ الثورة في هذا الحي بحمص، والتي راح ضحيتها عوائل بأكملها، لم يسلم منها صغير أو كبير. اقتحامات وتصفيات بالرصاص والسكاكين واعتقالات جماعية، وهذا ما أدى إلى تحول الثورة السلمية في هذه المدينة إلى مسلحة للدفاع عن المدنيين وحمايتهم.
مجزرة الحولة: 25 أيار/ مايو 2012 في بلدة تلدو، والتي راح ضحيتها مئات المدنيين، غالبيتهم أطفال ونساء، قُتلوا بقصف مدفعي ورمي بالرصاص وطعن بالسلاح الأبيض من مسافات قصيرة، شاركت فيها قوات جيش وأمن الأسد وشبيحته والميليشيات الطائفية.
مجزرة جديدة الفضل: نيسان/ أبريل 2013، والتي أدت إلى استشهاد 483 شخصًا من بينهم نساء وأطفال، ارتكبتها قوات الحرس الجمهوري بالاشتراك مع الشبيحة، واستمرت أربعة أيام.
مجزرة البيضا وبانياس: حدثتا في الثاني والثالث من أيار/ مايو 2013 في قرية البيضا وحي رأس النبع ببانياس، راح ضحيتهما أكثر من 500 مدني، بينهم عشرات الأطفال والنساء، ذُبحوا بالسكاكين والسواطير وحرقًا وسحلًا بالحجارة، بعد حصار للمنطقة واقتحامها واستباحة منازل أهلها وسرقة ممتلكاتهم.
مجزرة الكيماوي: آب/ أغسطس 2013، هجوم كيماوي استهدف منطقتين كانتا تحت سيطرة المعارضة في ضواحي دمشق بصواريخ تحتوي على غاز السارين، مما أدى إلى استشهاد مئات الأطفال والمدنيين في زملكا وعين ترما في الغوطة الشرقية، وفي معضمية الشام بالغوطة الغربية، واعتُبرت هذه الجريمة من المجازر الأكثر دموية في العصر الحديث، ومن الملفات الأشد إيلامًا في المأساة السورية.
مجزرة التضامن: 16 نيسان/ أبريل 2013، عندما قامت قوات النظام والفرع 227 التابع للاستخبارات العسكرية باعتقال أكثر من 500 من المدنيين السوريين والفلسطينيين على الحواجز، واقتيادهم إلى شارع دعبول في حي التضامن القريب من مخيم اليرموك ومخيم فلسطين للاجئين الفلسطينيين بدمشق، وإعدامهم جميعًا رميًا بالرصاص، ثم إلقائهم في مقبرة جماعية وإحراق جثثهم داخلها. ترافق ذلك مع محاولة الثوار الدخول إلى العاصمة وسيطرة المعارضة المسلحة على جزء من الحي المنكوب. ورغم أن المجرمين كُشفوا بعد نشر “الغارديان” البريطانية تحقيقًا مطولًا 2022 عن تفاصيل هذه الجريمة وأسماء مرتكبيها، إلا أن العدالة لم تطل هؤلاء حتى الآن، وما زال أهالي الحي يكتشفون المزيد من المقابر الجماعية التي تحاصرهم، ويبحثون عن رفات أبنائهم.
وهناك مجازر مروعة أخرى كثيرة مثل: مجزرة داريا، مجزرة نهر قويق، التريمسة، دار عزة، معرة النعمان.
اليوم وبعد أكثر من عام على سقوط أعتى الأنظمة الاستبدادية في العصر الحديث وأكثرها وحشية، فإن المرحلة الجديدة تقتضي القيام بتحقيق العدالة، وسيادة القانون، وكشف الحقيقة، والكشف عن المقابر داخل حماة وفي محيطها، وفي المدن والبلدات السورية المنكوبة، وإعادة دفن الشهداء بكرامة، وتوثيق كل الانتهاكات على مدى أكثر من خمسة عقود، لأن بناء مستقبل سورية واستقرارها يتطلب مواجهة ماضيها المثقل بالآلام والطغيان الذي تحفظه ذاكرة السوريين الساعين إلى الخروج من الظلام إلى النور وبناء وطن يتسع لجميع أبنائه ويكفل حقوقهم وحرياتهم.
—–
مراجع مختارة:
بوابة التاريخ؛ بوابة سورية.
ضفة ثالثة



