أزمات الداخل السوريالناسسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 28 شباط 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

أزمات الداخل السوري

تحديث 27 شباط 2026

 الفساد الأكبر: هل تعود مليارات سوريا المنهوبة من الخارج؟/ ناظم عيدالجمعة

2026/02/27

في خطوة وُصفت بـِ “الجريئة”، أطلقت الحكومة السورية أخيراً برنامج الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع، عبر لجنة متخصّصة هي “لجنة مكافحة الكسب غير المشروع”، التي عزت الخطوة إلى الالتزام بتوصيات الأمم المتحدة ذات الصلة بمعالجة حالات الكسب غير المشروع، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون.

واعتبرت الحكومة هذا البرنامج فرصة استثنائية لمن لديه كسب غير مشروع ويرغب في إزالة آثاره وتبعاته القانونية، على أساس أن “إعادة الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة تُعد آلية صفح تندرج ضمن إطار العدالة الانتقالية والسلم الأهلي”.

إلا أن الملف الأصعب يتعلق بمروحة واسعة الطيف تخص أموالاً منهوبة تندرج ضمن قائمة “الكسب غير مشروع”، لكنها خارج البلاد في أصقاعٍ متفرقة من العالم. فماذا عنها وكيف يمكن استعادتها؟

هاجس بحجم أزمة

بالفعل لعله عنوان بالغ التشويق لكل سوري: “استرداد الأموال المنهوبة”، لا سيما في زمن التحديات الكبرى واستحقاقات الإنفاق التي تندرج في سياق ورشة إعادة الإعمار، والتي قدّر البنك الدولي تكلفتها بحوالي 216 مليار دولار، في أحدث أرقام رشحت عن هذه المؤسسة الدولية. فيما خرجت أرقام أخرى انطوت على متوالية تصاعدية، وتم تداول تقديرات التكلفة بما بين 600 و900 مليار دولار بشكل غير رسمي، بناء على توالي اكتشاف تفاصيل محورية تتعلق بحجم الانهيار العام في سوريا، وإلحاح إعمار كل ماهُدّم وتهدّم، وبالتأكيد يشمل ذلك كل الملامح في هذه البلاد الخارجة للتو إلى فضاء جديد.

من هنا يجزم خبراء بحتمية البحث عن سبل استرجاع كل دولار وكل ليرة سورية منهوبة. وتشكل هذه الأموال ضرورة بالغة الخصوصية لجهة أهمية إعادتها، ثم لجهة كتلتها الهائلة التي يمكن أن تلبي حيزاً من الاستحقاق الكبير الراهن والمقبل.

سرقات بحجم موازنات دول

في الواقع، ليس هناك رقم دقيق بخصوص حجم الأموال السورية المنهوبة. ولكن التقديرات هي في خانة مليارات الدولارات. وتشير تقارير (مثل الخارجية الأمريكية) إلى أن ثروة آل الأسد قد تتجاوز 12 مليار دولار، بينما تشير تقديرات وتقارير أخرى إلى أن هذه الشبكة المالية المعقدة قد تصل قيمتها إلى 122 مليار دولار، “وهو ما يعادل أكثر من عشرة أضعاف حجم الاقتصاد السوري”، وتشمل الأصول المجمدة في سويسرا وفي الخارج، وشركات وهمية، وأصولاً عقارية في دول مختلفة .. وثمة إشارات واضحة إلى أموال ناتجة عن تجارة الكبتاجون.

بالطبع معظم ما سبق يتعلق بأموال آل الأسد، لكن إن تحدثنا عن منظومة مزمنة في السلطة، ستشمل الدائرة أسماء كثيرة تندرج ضمن إطار “فساد السلطة”. وكتلة الأموال الكبيرة كلها مودعة في حسابات لدى بنوك خارجية من لبنان إلى دول الخليج إلى تركيا ثم أوروبا، إضافة إلى أصول منتشرة في كل أصقاع العالم.

أدوات استرداد متاحة

ينصب التركيز الآن على سبل إعادة هذه الأموال التي هي حق لسوريا والسوريين. ويرى خبراء أن على الحكومة السورية وضع ترتيبات إجرائية معلنة والسعي عبرها بكل السبل السيادية لاسترداد هذه الأموال.

وعلى الأرجح يدرك مسؤولو الحكومة السبل القانونية المتاحة لاعتمادها كخيار دولة في هذه المهمة الشاقة.

فهناك اتفاقية دولية لمكافحة الفساد موقعة منذ العام 2005 يمكن أن تكون وعاء قانونياً لتعاطي سوريا مع الدول المضيفة للأموال المنهوبة نقداً أو أصولاً.

وبالعموم، ثمة إطار عام قانوني دولي لاستعادة الأموال السورية المنهوبة، متضمن في معايير منظمة الشفافية الدولية. وهناك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد UNCAC “لم توقع عليها سوريا، ثم اتفاقية مكافحة الرشوة التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD “أيضاً سورية ليست عضواً فيها.

إضافة إلى اتفاقية المساعدة القانونية المتبادلة MLATs  أيضاً سوريا ليست عضواً فيها.. وهناك اتفاقية مكافحة الفساد العربية، وسوريا طرف فيها بحكم عضويتها في الجامعة العربية.

فقد يكون من بالغ الأهمية انضمام سوريا إلى الاتفاقيات الخاصة باستعادة الأموال المنهوبة، من أجل التحرك بموجبها للمطالبة بحقوق شعبها بشكل قانوني، يعزز موقفها في إجراءات التقاضي ـ وربما المنازعات ـ التي قد تحصل بسبب تحفظ دول على ما لديها من أموال مسروقة عائدة لسوريين، وهذا وارد خصوصاً مع الدول التي ستتمترس خلف مزاعم السرية المصرفية، وإجراءات ضمان وحماية الأصول الأجنبية. لكن بكل الأحوال، نتحدث هنا عن خارطة الطريق التي يجب أن تسلكها الحكومة السورية.

خيارات مطروحة

وفقاً لمقتضيات القوانين الدولية، بإمكان سوريا طلب المساعدة لمتابعة هذه الأصول، ومن الأفضل للسلطة السورية أن تتواصل مباشرة مع سلطات الدول التي يُعتقد أن الأصول موجودة فيها، وأن تطلب منها المساعدة.

وفي حال صدّقت سوريا على اتفاقية “UNCAC”، سيصبح الأمر أسهل، لأن استرداد الأصول يقوم بدرجة كبيرة على التعاون، وكلما انخرطت سوريا في آليات تعاون أكثر، ازدادت فرص الحصول على شركاء رسميين وسهُل الأمر.

ووفقاً للقوانين الدولية، يمكن لسوريا تتبع الأموال واستعادتها والاستعانة بلجان وفرق قانونية ومالية متخصصة قادرة على كشف ومعرفة الشركات الوهمية والحسابات السرية، وتتبع التحويلات البنكية لعائلة الأسد.

كما يمكن للحكومة السورية توقيع اتفاقيات تعاون مع بعض الدول التي يُتوقع أنها ملاذ لإخفاء أموال منهوبة بأسماء مستعارة أو وكلاء.

ملف شائك ومعقّد

الموضوع شائك بكل المقاييس فعلاً، لكن رغم ذلك لا بد من التحرك باتجاه مقاربات جادة وحثيثة لهذا الملف وبشكل ممنهج ومدروس. هنا يجد الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عيّاش أن موضوع موقع وحجم أصول نظام الأسد البائد، لا سيما الخاصة منها (عائلة الأسد وشركاؤهم) مسألة بالغة التعقيد.

ويشير في حديث إلى “المدن” إلى أن بعض المصادر أكدت أن صافي أموال عائلة الرئيس المخلوع في الخارج يقدر بحدود مليار إلى ملياري دولار، وهو جزء من شبكة معقدة تتنوع بين الأصول المادية، والمجوهرات، والأصول الاستثمارية، والمركبات الفارهة.

ويجب التفريق في عمليات التتبع والاسترداد بين أموال النخب الحاكمة (أصول خاصة)، فهي تبقى خاصة ما لم يثبت أنها نتاج فساد، عبر إجراءات قضائية محددة. والأصول السيادية التي تُنسب مباشرة إلى الدولة نفسها، مثل الحسابات الحكومية أو الحصص التي تملكها الدولة في الخارج.

ويرى أن طرق تتبع واسترداد هذه الأصول تختلف وتتباين. إذ تمثّل أصول الأشخاص من النخب الحاكمة تحديًا كبيرًا أمام المنظمات والدول التي تحاول تعقبها أو تجميدها بسبب الطرق الملتوية في إخفاء هذه الأصول.

ولذلك قد يكون من الأنسب تفويض الحكومة السورية لبعض المنظمات المختصة تعقب واسترداد الأصول، كما جرى في العراق وليبيا.

والمرجح أن الجزء الأكبر من أصول عائلة الأسد الهارب كان موزعًا في حسابات شخصية مختلفة ضمن شبكة من الشركاء والمقربين.

فكفكة التجميد أسهل

لكن من حيث المبدأ، يعتبر الخبير الاقتصادي أن عملية فك تجميد واسترداد الأصول الحكومية، أسهل بكثير من فك تجميد واسترداد الأموال الخاصة، إذ تكون عادة قرارًا سياسيًا أو إجراء قضائيًا بسيطًا، بخلاف الأصول الخاصة بالأفراد أو الشركات، التي تحتاج إلى إجراءات قضائية طويلة ومعقدة، لإثبات أن هذه الأصول هي من نتاج الفساد.

فوفق تصريح وزير المالية السوري، في 22 أيار الماضي، أن الأموال المجمدة في الخارج ليست كبيرة، لكنها ملك للشعب السوري وسيتم توظيفها وفقًا لأولويات احتياجات البلاد الاقتصادية.

وكذلك يحاول المصرف المركزي السوري استرداد أصوله المجمدة في الخارج بعيدًا عن أموال الأسد، على اعتبار أن تتبع وفك تجميد واسترداد الأصول السيادية أقل تعقيداً وأيسر من تلك المتعلقة بالأصول الخاصة.

خطوة عملية

والجدير ذكره أن رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش السورية عامر العلي، والوفد المرافق، عقدا لقاءً في الدوحة مع وفد من مبادرة استرداد الأموال المنهوبة (ستار)، في إطار تعزيز التعاون وبناء القدرات المؤسسية لاستعادة الأموال المنهوبة وبحث سبل دعم سوريا في مجال استرداد الأصول، وبناء القدرات المؤسسية، وتوفير الخبرات الفنية والتقنية اللازمة، بما يسهم في تعزيز جهود الهيئة في مكافحة الفساد وحماية المال العام

————–

بين السوق السوداء ومتطلبات رمضان.. شحّ الغاز يضاعف الأزمة الاقتصادية للسوريين/ دينا عبد

26 فبراير 2026

ألقت أزمة الغاز المنزلي بظلالها الثقيلة على حياة السوريين في توقيت بالغ الحساسية، مع اشتداد البرد وحلول شهر رمضان، ما ضاعف من حجم المعاناة اليومية للأسر. وقد أدى نقص أسطوانات الغاز وارتفاع أسعارها في السوق السوداء إلى إرباك واسع، ما أعاد كثيرين إلى بدائل قديمة ومكلفة، في ظل ضغوط اقتصادية متفاقمة.

وامتدت تداعيات الأزمة لتشمل مختلف القطاعات، من العائلات محدودة الدخل إلى أصحاب المهن والأفران والمطاعم، الذين يعتمدون على الغاز كمادة أساسية في أعمالهم. وبين تبريرات تتعلق بالأحوال الجوية وقرارات رفع تعرفة الكهرباء، تتصاعد تساؤلات حول إدارة الإمدادات وآليات التوزيع، في وقت تتزايد فيه مخاوف الاحتكار واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق.

معاناة متجددة

يبيّن حسام الدين، وهو موظف وأب لثلاثة أولاد، معاناته في تأمين أسطوانة الغاز، حيث قال: “نعاني منذ قرابة شهر من نقص الغاز. كل يوم أذهب إلى محلات توزيع الغاز وأعود خالي الوفاض، فقد اختفت الأسطوانات بين ليلة وضحاها، ونادرًا ما نجدها”. وأشار في حديثه لموقع “الترا سوريا” إلى أن نقص الغاز أجبر العائلات على اللجوء إلى بدائل غير صحية مثل الحطب والفحم وبوابير الكاز، ما زاد من الأعباء المالية وعرّض صحة البعض للخطر بسبب الأدخنة والغازات.

أما رشا، وهي معلمة وأم لطفلين، فتؤكد لـ”الترا سوريا” أن فقدان أسطوانات الغاز بات يشكل مشكلة كبيرة، فبعض العائلات تعتمد بشكل كامل على الغاز في التدفئة. وبالتالي، عندما تتوفر أسطوانات الغاز وبكميات قليلة، تُباع بأضعاف سعرها. ولفتت إلى أن سعر أسطوانة الغاز وصل إلى 35 دولارًا، ما يعادل 400 ألف ليرة، في حين أن سعرها الرسمي وفق تسعيرة الدولة هو 125 ألف ليرة.

كما لم تؤثر أزمة انقطاع الغاز على العائلات فقط، بل طالت أصحاب الحرف والأفران والمطاعم الذين يعتبرون الغاز المادة الأساسية لعملهم. وهو ما أوضحه أبو رامز، صاحب مخبز، إذ يعتمد على الغاز في تشغيل فرنه الذي يشكل مصدر رزقه الوحيد، لكن مع ندرة أسطوانات الغاز أصبح مضطرًا لإغلاق المخبز لعدة أيام في الأسبوع.

نقص الإمدادات وزيادة الطلب

يرجع أبو مناف، وهو بائع غاز، أسباب غياب الغاز المنزلي وارتفاع أسعاره إلى نقص الإمدادات وزيادة الطلب عليه، خاصة في شهر رمضان المبارك. ولفت في حديثه لـ”الترا سوريا” إلى أن الناس يتصارعون للحصول على أسطوانة الغاز، وأحيانًا تصل كميات محدودة لا تكفي حتى لربع المنتظرين.

وأشار إلى أن الأسر الفقيرة هي الأكثر تضررًا لحاجتها إلى الغاز المنزلي للطبخ، بينما تستطيع الفئة المقتدرة الاستعاضة عنه بالكهرباء المتوفرة عبر “الطباخ الليزري”، ولا تجد مشكلة في دفع فواتير باهظة.

وجد أبو حسن نفسه مضطرًا للعمل في تصليح بوابير الكاز تحت ضغط حاجة الناس، الذين اصطفوا طوابير أمام محله في حي المناخلية، في ظل نقص مادة الغاز المنزلي وعدم قدرتهم على شرائه بأسعار السوق السوداء.

يتقاضى أبو حسن أجورًا رمزية لا تتجاوز 50 ألف ليرة، ويقوم بإصلاح ما يقارب 5 إلى 6 بوابير يوميًا لمواطنين قادمين من ريف دمشق البعيد. وذكر أن فقدان الغاز لا يقتصر على حي أو منطقة، بل يشمل أحياء دمشق كافة، مع نفاد سريع لأي كميات تصل إلى السوق.

من جانبه، أوضح رئيس جمعية الغاز سليم كلش، في تصريح لـ”الترا سوريا”، أن جزءًا من النقص كان بسبب الأحوال الجوية التي أعاقت تفريغ باخرة الغاز في الميناء، داعيًا المواطنين إلى عدم شراء الغاز بأسعار غير نظامية.

من زيادة تعرفة الكهرباء إلى الظروف الجوية

يعتبر الخبير الاقتصادي والأكاديمي، زياد عربش، أنه وعلى خلاف ما يتم طرحه من عوامل، بما فيها الأحوال الجوية، فإن رفع أسعار الكهرباء أدى إلى زيادة حادة في الطلب على الغاز المنزلي، حتى لأصحاب المحلات، لأغراض التدفئة بدلًا من الوشائع، والطبخ بدلًا من الطباخ الليزري، وتسخين المياه بدلًا من الكهرباء، ما أثار أزمة غاز حادة تفاقمت مع ضرورات استهلاك الشهر الكريم، الذي تنتظره الأسر السورية لتجتمع على موائده.

وأضاف الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ”الترا سوريا” أن هذه الأزمة أعادت المواطن إلى بدائل قديمة وخطرة، ففي ظل الضغوط الاقتصادية يُباع الغاز بأضعاف سعره عند توافره، مع غياب إجراءات مواكبة مثل فهم معاملات الإحلال والاستبدال.

وأشار عربش إلى أن أسباب أزمة الغاز تعود بشكل رئيسي إلى رفع تعرفة الكهرباء بنسب تصل إلى 600% من دون سياسة شاملة، ما أدى إلى تحول فوري نحو الغاز بوصفه الخيار الأرخص نسبيًا للأسر رغم نقصه. وأوضح أن هذا الإحلال غير المدروس، مع سعة تخزين محدودة، والتي زادت حدتها مع الأحوال الجوية في ميناء التنزيل، أدى إلى اختناقات في نهاية الشتاء وبداية رمضان، خاصة مع تأخر الإمدادات بسبب الظروف الجوية واللوجستية.

غياب الشفافية سمح باحتكار الغاز

في السياق ذاته، لفت الخبير الاقتصادي إلى أن غياب الشفافية سمح باحتكار المادة، مضيفًا أن أزمة الغاز أعادت الاعتماد على الفحم و”بابور الكاز” الذي يعمل على الكيروسين المنزلي، مع بيع الغاز في السوق السوداء بأضعاف سعره الرسمي، حيثُ يصل سعر الأسطوانة الواحدة إلى حوالي 400 ألف ليرة.

كما تطرق عربش إلى دور “البطاقة الذكية” في السنوات الماضية، موضحًا أنه: “أُلغي العمل بها لصالح التوزيع الحر، لكن في أزمة كالتي نمر بها من المرجح جدًا أن نشهد انفراجًا خلال أيام معدودة، وهذه ليست وعودًا بل بفعل توازنات السوق وانتهاء البرد القارس”.

وأضاف “قد تكون عودة البطاقة الذكية أسهل للأسر الفقيرة، خاصة فيما يتعلق بفواتير الكهرباء، إذ إن هناك أسرًا لا تملك حتى مصدر دخل ثابت، فالحصول على أسطوانة أو استهلاك الكهرباء يعتمد على القدرة المالية، ما يتطلب فرض رقابة صارمة لتحقيق أكبر قدر من العدالة والحد الأدنى من كفاءة السوق الحر غير المنظم”.

في المحصلة، تكشف أزمة الغاز عن خلل واضح في إدارة التسعير وسياسات الدعم، مقابل تراجع القدرة الشرائية للأسر. وبين نقص الإمدادات وارتفاع الطلب، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، عالقاً بين سوق سوداء تستنزف دخله وبدائل لا تخلو من المخاطر، ما يفرض الحاجة إلى حلول عملية وشفافة تعيد الاستقرار إلى السوق.

—————————–

 التنقيب غير المشروع عن الآثار في سوريا.. كلفة ثقافية وإنسانية باهظة/ زينب مصري

2026.02.27

داخل حفرة عميقة في حي الصليبة بمدينة جبلة، انتهت حياة أربعة شبان بحثًا عمّا اعتقدوا أنه كنز مدفون في حادثة مأساوية هزت المجتمع المحلي يوم 8 من شباط الحالي، وأعادت إلى الواجهة ملف التنقيب غير القانوني عن الآثار في سوريا باعتبارها ظاهرة مستمرة رغم ما يترتب عليها من مخاطر إنسانية وثقافية واقتصادية.

ورغم التحذيرات المتكررة من الجهات الحكومية حول مخاطر التنقيب غير المشروع، لا تزال هذه الممارسات تنتشر في مناطق مختلفة من البلاد، مدفوعةً باعتبارات اقتصادية، إذ يرى البعض فيها مصدر دخل محتمل في ظل تراجع فرص العمل وتدهور الظروف المعيشية.

ولا يقتصر الأمر على محاولات فردية عشوائية، إذ تنتشر إعلانات أجهزة كشف المعادن في الأسواق المحلية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كما يمكن طلب بعضها عبر متاجر إلكترونية، رغم قرار صادر عن وزارة الاقتصاد يقضي بحصر استيرادها بالجهات الحكومية.

وكان وزير الداخلية، أنس خطاب، طلب في تعميم صادر في تموز الماضي، بتكثيف الدوريات لمراقبة المواقع الأثرية، ومنع وضبط أعمال التنقيب غير المشروع عن الآثار أو تخربيها، وحجز الآلات والمعدات المستخدمة في ذلك، وإلقاء القبض على الفاعلين وتقديمهم إلى الجهات القضائية المختصة، في إطار الجهود الحكومية لضبط هذه الظاهرة.

الإطار القانوني للتنقيب

ويعكس انتشار هذه الأجهزة في الأسواق فجوة واضحة بين القرارات الرسمية والتطبيق الفعلي على الأرض، إذ لم تمنع القيود المفروضة على استيرادها تداولها أو استخدامها في عمليات التنقيب غير المشروع.

وينظم المرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 ملف الآثار في سوريا، إذ يمنح الدولة الحق الحصري في أعمال التنقيب، ويجرّم أي حفر أو تحرٍّ دون ترخيص رسمي، حتى لو جرى في أرض مملوكة للمنقّب، كما يفرض عقوبات تصل إلى السجن 15 عامًا وغرامات مالية بحق المخالفين.

ورغم أن القانون يفرض غرامة تتراوح بين 100 ألف ليرة سورية إلى 500 ألف ليرة المحددة إلّا أنها تبدو اليوم متواضعة قياسًا بالقيمة السوقية للقطع الأثرية، ما يثير التساؤل حول مدى فعاليتها في منع الظاهرة.

اقتصاد بديل

وفي بلد مثل سوريا، فإن مشكلة عمليات التنقيب عن الآثار غير الشرعية، ليست مشكلة قانونية فقط، إنما مشكلة مركبة، بحسب الصحفي المتخصص في قضايا حقوق السكن والأراضي والملكية صالح ملص، وذلك لأن الفقر المدقع وضعف العملة، وعدم توفر فرص العمل المناسبة، ووجود سوق محلية وإقليمية تشتري الآثار يحوّل التنقيب غير الشرعي عن الآثار لاقتصاد بديل وليس مجرد جريمة.

وأوضح ملص في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن المادة رقم 6 من قانون الآثار السوري حظرت على أصحاب الأراضي حق التنقيب عن الآثار فيها، ما يعني أن ملكية الأرض لا تكسب صاحبها حق التصرف بالآثار الثابتة أو المنقولة، التي قد توجد على سطحها أو في باطنها، وبالتالي المنطق القانوني يرى بأن التنقيب لا يمكن أن يكون حقًا خاصًا.

مبرر هذه المادة، بحسب ملص، هو اعتبار الآثار ملكًا عامًا، وقيمة جماعية، وهوية وطنية وإنسانية، وإسناد الملكية للدولة هو أداة قانونية لحماية التراث ومنع النهب والاتجار غير المشروع وضمان استرداده دوليًا، ويترتب على هذا المنطق، وجود رادع لمنع النهب، وفرض ترخيص مسبق للحفريات، وإلزام أي مكتشف بالتصريح عن الآثار.

لكن في الحالة السورية، القانون وحده لا يكفي لردع التنقيب غير الشرعي عن الآثار، لعدة عوامل أبرزها أن المجتمع لا يثق بالدولة ومؤسساتها، والتي من المفترض أن تكون المالك القانوني للآثار، والجهة الحامية له والمسؤولة عنه، لأن الدولة كانت على مدار عقود طويلة من الفساد واستغلال النفوذ السياسي والأمني الجهة المستفيدة أساسًا من تهريب الآثار كجريمة منظمة، وبالتالي لن يكون هناك أي التزام بالقانون.

ومع احتكار الدولة لقطاع الآثار في المادة رقم 4 من القانون من دون أي جهة رقابية مستقلة فعالة تراقب بشفافية مدى المحافظة على الآثار، وكيفية استثمارها لمصلحة المجتمع اقتصاديًا، ستكون هناك دائمًا محاولات مجتمعية سرية وغير شرعية للاستفادة من التنقيب، لأن تهريب الآثار لدى البعض الآن هو مصدر دخلهم الأساسي، وبالتالي القانون فقد أثره عند هذه الفئة.

ويرى ملص أنه من الضروري الابتعاد عن فكرة انتقائية تطبيق القانون، وقبل مناقشة فكرة تطبيق القانون على أولئك الأفراد الذين يرتكبون الجريمة، يجب ضمان تطبيق القانون على موظف الدولة نفسه المتورط في ارتكاب جريمة نهب الآثار وتهريبها، فإذا كان احتمال القبض على موظف دولة متهم بسرقة قطع آثار منخفضًا، لن تكون هناك أي مخاطرة لدى المواطن في محاولة التنقيب، ففي النهاية الربح المتوقع، سيكون أعلى من مخاطر احتمال تطبيق القانون.

وبالتالي، فإن الردع الحقيقي يحصل عندما يصبح الربح غير مضمون أو أقل من المخاطرة، لأن تطبيق القانون أهم من شدة العقوبة، بعد ذلك، من الضروري دراسة تعديل العقوبات كي تكون التكلفة المتوقعة للعقوبة أعلى من الربح المتوقع من الجريمة، كي تكون العقوبة رادعة اقتصاديًا.

كلفة إنسانية وثقافية

ولا يتوقف أثر التنقيب غير المشروع عند حدود الاقتصاد أو النصوص القانونية، إذ إن كلفة هذه الظاهرة تمتد إلى مخاطر قد تكون قاتلة أو تؤدي إلى خسارة لا تُعوض في التراث الثقافي، فعمليات التنقيب العشوائي، بحسب المختصة في أرشفة التراث خولة طه، تنطوي على مخاطر جسدية وجنائية قد تودي بحياة المنقبين وتدمّر المواقع الأثرية على حد سواء. 

وحول المخاطر التي يتعرض لها المنقّبون غير الشرعيين في أثناء الحفر، أوضحت خولة طه في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن هناك نوعين من المخاطر، الأولى المخاطر الجسدية الناتجة عن العمل بالحفريات في غياب كامل لأسباب السلامة والحماية والخبرة في معرفة طبيعة البيئات التي قد تؤدي للوفاة أو الإصابات الخطيرة في حالات انهيار التربة وسقوط الكتل الصخرية أو الاختناق في أثناء الحفر في طبقات الأرض العميقة نتيجة غياب الأوكسجين أو وجود غازات متراكمة بعضها يكون سامًا.

وأما النوع الآخر من المخاطر فهو مخاطر جنائية إذ إن التنقيب غير الشرعي يعرّض صاحبه للملاحقة القانونية، وإن كانت اليوم الدولة ما زالت في طور الولادة لا بد من إدارة هذا الملف بشكل أكثر حزمًا وانضباطًا، مع الاستقرار السياسي والأمني في البلاد مستقبلًا، بحسب ما أضافته.

وأشارت طه إلى أن الأمر يتجاوز كونه وسيلة للكسب غير المشروع بالنسبة لكثير من الفقراء وذلك لارتباطه بالأسواق السوداء والعصابات التي تدير عمليات التهريب والاتجار غير القانوني العابر للحدود والذي يجرمه القانون الدولي علاوة عن المحلي.

وأكدت طه على وجود نوع “حسّاس” من المخاطر الخاص بسوريا والبلدان التي تمر بحروب أو أزمات داخلية، وهو التنقيب في بعض المواقع غير المأهولة حاليًا والتي لربما استُخدمت كمستودعات ذخيرة أو مخابئ عسكرية ليتجاوز الخطر العاملين بالتنقيب ويضر بالمنطقة المحيطة وسكانها الآمنين.

وتعتبر طه أن التنقيب العشوائي أخطر من أعمال البناء النظامية بسبب غياب الخبرة الأكاديمية والإشراف المختص، إذ يتم خلال أعمال البناء إيقاف العمل فور العثور على لُقى أثرية لتتولى اللجان المختصة توثيقها وحماية السياق الأثري بما يحفظ تسلسلها التاريخي، أما في التنقيب غير المشروع، فيتم التعامل مع القطع وفق قيمتها السوقية فقط، ما يؤدي إلى تدمير الموقع وفقدان قيمته المعرفية والتاريخية.

وبينما تستمر الحفريات السرية بحثًا عن “كنوز” مدفونة، يبقى الخطر المتمثل في خسارة أرواح جديدة وتدمير التراث الثقافي قائمًا في ظل فجوة قائمة بين النصوص القانونية وتطبيقها، ما يحمّل الدولة والمجتمع مسؤولية الحد من هذه المخاطر.

—————————–

 واشنطن تحث دمشق على التحول عن أنظمة الاتصالات الصينية

الجمعة 2026/02/27

أفادت ثلاثة مصادر مطلعة بأن الولايات المتحدة دعت سوريا إلى عدم الاعتماد على التكنولوجيا الصينية في قطاع الاتصالات، لأنها تتعارض مع المصالح الأميركية وتهدد الأمن القومي للولايات المتحدة.

ونقلت الرسالة خلال اجتماع لم يعلن عنه بين فريق من وزارة الخارجية الأميركية ووزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل، في سان فرانسيسكو خلال الأسبوع الجاري. وتنسق واشنطن عن كثب مع دمشق منذ 2024، عندما أطاحت المعارضة الرئيس بشار الأسد، الذي كان يتمتع بشراكة استراتيجية مع الصين، حسبما نقلت وكالة “رويترز”.

وقال رجل أعمال سوري أن سوريا تدرس شراء تكنولوجيا صينية لدعم أبراج الاتصالات وبنية مزودي خدمة الإنترنت المحليين. وقال مصدر آخر مطلع على المحادثات: “طلب الجانب الأميركي توضيحاً بشأن خطط الوزارة فيما يتعلق بمعدات الاتصالات الصينية”.

وأوضح المصدر أن المسؤولين السوريين قالوا أن مشاريع تطوير البنية التحتية حساسة للوقت، وأن دمشق تسعى إلى تنويع أكبر في الموردين، فيما قال مصدر مطلع على الاجتماع الذي انعقد في سان فرانسيسكو أن سوريا منفتحة على الشراكة مع الشركات الأميركية، لكن المسألة عاجلة، ومازالت ضوابط التصدير و”الالتزام المفرط” بها تشكل عائقاً.

وقال دبلوماسي أميركي مطلع على المناقشات أن وزارة الخارجية الأميركية “حثت السوريين بوضوح على استخدام التكنولوجيا الأميركية أو تكنولوجيا الدول الحليفة في قطاع الاتصالات”. ولم يتضح ما إذا كانت الولايات المتحدة تعهدت بتقديم دعم مالي أو لوجستي لسوريا في هذا الشأن.

إلى ذلك، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية: “نحث الدول على إعطاء الأولوية للأمن القومي والخصوصية على حساب المعدات والخدمات الأقل سعراً في جميع عمليات الشراء المرتبطة بالبنية التحتية الحيوية”. وأضاف المتحدث أن أجهزة المخابرات والأمن الصينية “تملك الحق القانوني في إجبار المواطنين والشركات الصينية على مشاركة البيانات الحساسة أو منحهم صلاحية الوصول غير المصرح به إلى أنظمة عملائهم”، وأن وعود الشركات الصينية بحماية خصوصية عملائها “تتعارض تماماً مع القوانين الصينية والممارسات الراسخة”.

ونفت الصين مراراً مزاعم استخدامها التكنولوجيا لأغراض التجسس. وقالت وزارة الاتصالات السورية أن أي قرارات تتعلق بالمعدات والبنية التحتية تتخذ وفق المعايير الفنية والأمنية الوطنية، بما يضمن حماية البيانات واستمرارية الخدمة. وأكدت الوزارة أنها تولي أولوية لتنويع الشراكات ومصادر التكنولوجيا بما يخدم المصلحة الوطنية.

وتعتمد البنية التحتية للاتصالات في سوريا اعتماداً كبيراً على التكنولوجيا الصينية نتيجة للعقوبات الأميركية المفروضة على حكومات الأسد المتعاقبة على خلفية الحرب الأهلية التي اندلعت على أثر قمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة العام 2011. وتشكل تكنولوجيا “هواوي” أكثر من 50% من البنية التحتية لشركتي “سيريتل” و”إم.تي.إن”، وهما مشغلا الاتصالات الوحيدان في سوريا، بحسب مصدر كبير في إحدى الشركتين ووثائق اطلعت عليها “رويترز”. ولم ترد “هواوي” على طلب للتعليق بعد.

وتسعى سوريا إلى تطوير قطاع الاتصالات الذي دمر خلال حرب دامت 14 عاماً، عن طريق جذب الاستثمارات الأجنبية. وأعلنت شركة الاتصالات السعودية “إس.تي.سي”، أكبر مشغل اتصالات في المملكة، عن استثمار 800 مليون دولار لتعزيز البنية التحتية للاتصالات وربط سوريا إقليمياً ودولياً عبر شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4500 كيلومتر.

وذكرت وزارة الاتصالات أن القيود الأميركية تعرقل إتاحة العديد من التقنيات والخدمات الأميركية في السوق السورية، مؤكدة ترحيبها بتوسيع التعاون مع الشركات الأميركية فور رفع القيود. وتعاني سوريا نقص البنية التحتية للاتصالات، حيث تعتبر تغطية الشبكة ضعيفة خارج مراكز المدن كما أن سرعة الإنترنت في العديد من المناطق ضعيفة للغاية.

—————————–

 سوريا: مسابقة لتصميم لباس مدرسي موحّد جديد

الجمعة 2026/02/27

أطلقت الحكومة السورية مسابقة وطنية لتصميم نموذج جديد للباس المدرسي للذكور والإناث، تشمل جميع المراحل التعليمية، ابتداء من رياض الأطفال، مروراً بحلقتي التعليم الأساسي الأولى والثانية، وصولاً إلى مرحلة التعليم الثانوي، بهدف اعتماد تصاميم حديثة تنسجم مع الهوية التربوية والوطنية.

وبحسب بيان مشترك أصدرته وزارتا التربية والثقافة السوريتان، تهدف المسابقة إلى اختيار نماذج تحقق توازناً بين الجوانب الجمالية والوظيفية والتربوية، بما ينسجم مع البيئة التعليمية، ويعزز الشعور بالانتماء والمساواة بين الطلاب، حسبما نقل “تلفزيون سوريا”.

وأوضح البيان أن الوزارتين ستشكلان لجنة تحكيم مشتركة، تضم خبراء ومختصين في مجالات التربية والثقافة والتصميم واللباس المدرسي، تتولى دراسة التصاميم المقدمة وفق معايير مهنية محددة، واختيار أفضل تصميم عن كل فئة دراسية، مع إمكانية الاستعانة بجهات أخرى عند الحاجة.

كما اشترط البيان أن يجري تقديم النماذج العينية والتصاميم الإلكترونية والورقية، إلى ديواني كل من وزارتي التربية والثقافة، إضافة إلى مديريات التربية والثقافة في المحافظات، بين 1 آذار/مارس و1 أيار/مايو 2026، بعد استكمال طلب الاشتراك وتوقيع التصاريح الرسمية، وإرفاق الوثائق المطلوبة. كما اشترط تقديم نموذج جاهز مرفق بالتصميم ورقياً وإلكترونياً لكل فئة ضمن المدة المحددة، مع إمكانية التقدم لفئة أو أكثر. وأكد البيان أن ملكية التصاميم الفائزة تعود لوزارة التربية والتعليم، فيما تعاد التصاميم غير الفائزة إلى أصحابها بعد انتهاء المسابقة، من دون أحقية المطالبة بأي تعويضات في حال عدم القبول.

ودعا البيان المصممين من أصحاب الخبرة والكفاءة، والجهات الرسمية وغير الرسمية، والثانويات المهنية، إلى المشاركة في المسابقة، مشيراً إلى أنه ليس بالضرورة اعتماد تصاميم جهة واحدة لجميع المراحل التعليمية. وأشار إلى أن التصاميم الفائزة ستمنح جوائز تقديرية، ويكرم أصحابها في فعالية علنية، وتعتمد كنماذج رسمية للباس المدرسي.

—————————-

 تحويل الأموال في سوريا… إحذروا منتحلي صفة حكومية

الجمعة 2026/02/27

حذّرت وزارة المالية السورية من محاولات انتحال صفة جهات حكومية أو مسؤولين رسميين عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، تتضمن طلب تحويل مبالغ مالية بذريعة سداد ضرائب أو رسوم، أو لاستكمال إجراءات قروض أو منح، أو صرف حوالات مالية.

وأوضحت في منشور أن تحصيل الضرائب والرسوم لا يتم من خلال رسائل خاصة أو حسابات شخصية، ولا عبر تطبيقات الدفع أو تطبيقات الهواتف الذكية، ولا بواسطة رموز الاستجابة السريعة (QR) أو روابط الدفع المرسلة عبر تطبيقات المحادثة.

كما شددت الوزارة على أنه لا يُطلب دفع أي مبالغ مسبقة مقابل صرف منحة أو حوالة، ولا يتم طلب بيانات مالية أو معلومات سرية عبر قنوات غير رسمية أو غير معتمدة.

وأكدت أن أي طلب للدفع يتم خارج القنوات الحكومية الرسمية يُعد مؤشراً على الاحتيال، داعية المواطنين إلى عدم التجاوب مع أي مطالبات مالية مشبوهة، والتحقق فقط من خلال الموقع الإلكتروني الرسمي أو القنوات الحكومية المعتمدة قبل القيام بأي إجراء.

كما شددت الوزارة على أنها تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي شخص يثبت تورطه في انتحال صفتها أو استخدام اسمها في أعمال أو ممارسات احتيالية.

وجاء تحذير وزارة المالية على خلفية تداول رسائل صادرة عن جهات تنتحل صفات حكومية، وتستخدم روابط وهمية لاستدراج المواطنين وطلب تحويل أموال منهم، ما استدعى تأكيدها على ضرورة تجاهل هذه الرسائل وعدم التعامل معها، والتحقق من أي مطالبات مالية حصراً عبر القنوات الرسمية

——————————

======================

تحديث 26 شباط 2026

—————————–

 الفساد في سوريا.. أرقام المؤشرات وتحديات المرحلة الجديدة/ رشيد الحاج صالح

2026.02.26

يشكّل الفساد في سوريا أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإلحاحًا في المرحلة الراهنة، ليس فقط بسبب امتداده الواسع داخل مؤسسات الدولة، بل لأنه تداخل، على مدى سنوات طويلة، مع بنية الحكم والإدارة والاقتصاد، حتى بات جزءًا من الواقع اليومي للمواطنين.

وفي لحظة سياسية تتقدّم فيها السلطة الجديدة إلى واجهة المشهد، تبرز مكافحة الفساد بوصفها اختبارًا حقيقيًا لجدية أي مشروع إصلاحي، وشرطًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، في ظل أزمات متراكمة تتجاوز الشأن الاقتصادي إلى عمق الاستقرار السياسي والاجتماعي.

تكتسب مكافحة الفساد أهمية إضافية في ضوء ما أظهرته مؤخرًا بيانات منظمة الشفافية الدولية في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، حيث تقدّمت سوريا من المركز الرابع إلى المركز العاشر ضمن قائمة ذيل الدول الأكثر فسادًا عالميًا. هذا التقدم قد يشير إلى تغيّر نسبي في الترتيب العام وتحسّن محدود، إلا أن المراحل الانتقالية عادة ما تشهد حملات واسعة لمكافحة الفساد والترهل والمحسوبيات، تتضمن إصدار قوانين، وتشكيل لجان مختصة، وتفعيل أجهزة المحاسبة.

مؤشر مدركات الفساد، الذي يُعد أحد أهم المؤشرات الدولية في هذا المجال، لا يقيس الفساد بوصفه رقمًا مجردًا، بل يقيس تصورات الخبراء ورجال الأعمال حول مدى انتشار الفساد في القطاع العام، ومدى قدرة الدولة على ضبطه ومساءلة المتورطين فيه. وبقاء سوريا ضمن قائمة الدول العشر الأكثر فسادًا في العالم، حتى بعد هذا التقدّم، يدل على أن الفساد ما زال ظاهرة حاضرة تفرض نفسها، وتتجاوز الممارسات الفردية إلى شبكة علاقات ومصالح متداخلة يصعب تفكيكها دون إرادة سياسية صريحة وإصلاحات جذرية.

كما تشير أرقام استطلاع المؤشر العربي في سوريا، الذي أجراه مركز دراسات سوريا المعاصرة في دمشق، إلى أن 89 في المئة من السوريين يعتقدون أن الفساد في سوريا ما زال منتشرًا في مؤسسات الدولة، على الرغم من اعتقاد 54 في المئة منهم بأن الفساد اليوم أقل مما كان عليه سابقًا. كما بيّن الاستطلاع أن 64 في المئة من السوريين ما زالوا يعتقدون أن الأوضاع الاقتصادية في سوريا سيئة، في حين أن 56 في المئة يشعرون بالأمل في المستقبل.

لقد تشكّل الفساد في سوريا عبر مسارات طويلة، تراكمت فيها أنماط من البيروقراطية المعقّدة، وضعف الشفافية، وغياب المساءلة الفعلية، ما أتاح نشوء اقتصاد ظلّ واسع، وعلاقات زبائنية بين السلطة والمال، انعكست مباشرة على نوعية الخدمات العامة، وتوزيع الموارد، وفرص التنمية المتوازنة. ومع مرور الوقت، لم يعد الفساد مجرد خلل إداري، بل تحوّل إلى آلية غير معلنة لإدارة الشأن العام، تُستخدم أحيانًا لتجاوز العجز، وأحيانًا أخرى لتثبيت النفوذ.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل الفساد عن السياق السياسي والأمني العام. فالسلطة الجديدة تواجه تحديات ثقيلة، من إعادة ضبط الاستقرار الداخلي إلى إدارة ملفات سياسية حساسة، مرورًا بأزمة اقتصادية ورثتها من الحكم البائد، وصولًا إلى التراجع الحاد في مستوى معيشة المواطنين. غير أن هذه التحديات، على جسامتها، لا يمكن أن تشكّل مبررًا لتأجيل مكافحة الفساد، لأن التجربة تُظهر أن الفساد لا يتراجع تلقائيًا في أوقات الأزمات، بل يتمدّد مستفيدًا من ضعف الرقابة وتشتّت الأولويات.

بل إن الفساد، في مثل هذه الظروف، يتحوّل إلى عامل مضاعِف للأزمة، إذ يؤدي إلى هدر الموارد المحدودة، ويقوّض فعالية أي سياسات إصلاحية، ويُضعف ثقة المواطنين بقدرة الدولة على إدارة شؤونهم بعدالة وكفاءة. ومع تآكل هذه الثقة، تصبح الدولة أكثر هشاشة وأكثر عرضة للاهتزازات الاجتماعية والسياسية، مهما امتلكت من أدوات أمنية أو خطاب سياسي.

من هنا، تبرز مكافحة الفساد كأولوية سياسية لا تقل أهمية عن الملفات الأمنية أو الدبلوماسية. فالدولة التي تسعى إلى تثبيت استقرارها لا تستطيع أن تفعل ذلك في ظل شعور عام بأن القانون لا يُطبَّق بالتساوي؛ إذ إن 42 في المئة يعتقدون أن السلطة الجديدة لا تطبّق القانون بالتساوي بين الناس وتحابي بعض الفئات. كما أن أي حديث عن إعادة إعمار أو جذب استثمارات يبقى نظريًا ما لم تُعالَج البيئة الإدارية والقانونية التي تنفّر رأس المال وتحول الاستثمار إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

إن جوهر التحدي أمام السلطة الجديدة لا يتمثّل في إطلاق شعارات عامة ضد الفساد، بل في الانتقال من الخطاب إلى الممارسة، ومن الإجراءات الشكلية إلى السياسات البنيوية. فمكافحة الفساد تتطلّب إعادة نظر شاملة في طريقة عمل المؤسسات، وفي استقلالية القضاء، وآليات الرقابة والمحاسبة، وعلاقة الدولة بالمجتمع والإعلام. كما تتطلّب الاعتراف بأن الفساد ليس انحرافًا أخلاقيًا فحسب، بل نتيجة مباشرة لاختلالات في توزيع السلطة والموارد.

وفي هذا السياق، يصبح التقدّم في مؤشر مدركات الفساد اختبارًا مزدوجًا: إما أن يكون نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي يهدف إلى تحسين النقاط لا الترتيب فقط، أو أن يتحوّل إلى غطاء رمزي يُستخدم لتأجيل المواجهة الصعبة مع شبكات المصالح الراسخة. الخيار الأول وحده كفيل بإحداث فرق ملموس في حياة المواطنين، وفي صورة الدولة داخليًا وخارجيًا.

في المحصلة، يمكن القول إن انتقال سوريا من المركز الرابع إلى المركز العاشر في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 لا يغيّر من حقيقة أساسية، وهي أن الفساد ما زال أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه الدولة. والسلطة الجديدة، إن أرادت أن تؤسس لمرحلة مختلفة فعلًا، مطالَبة بأن تجعل من مكافحة الفساد أولوية مركزية لا هامشية، وأن تتعامل معه باعتباره مدخلًا لإعادة بناء الدولة، لا ملفًا تقنيًا يمكن ترحيله إلى وقت لاحق.

فالتجارب المقارنة تُظهر أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها العميقة لم تفعل ذلك عبر إدارة الفساد، بل عبر مواجهته. وفي الحالة السورية، قد تكون هذه المواجهة هي الفارق الحقيقي بين إعادة إنتاج الأزمة أو فتح أفق جديد لإصلاح طويل ومعقّد، لكنه ضروري.

تلفزيون سوريا

——————————-

 السلطة العائلية ودولة المؤسسات/ أحمد الديري

2026.02.25

تعيش سوريا بمرحلة دقيقة، فبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، خرج السوريون من نفق الاستبداد الطويل ليواجهوا تحديات جسيمة على مختلف المستويات، البلاد تعاني من انقسامات سياسية حادة، ووضع أمني معقد، واقتصاد منهار ترك 90% من السكان تحت خط الفقر. في هذا السياق الهش، برزت مؤشرات مقلقة وهي الإدارة الجديدة ربما تسلك طريقاً لا يحبذه الشعب السوري وهو، وأعني به تعيين الأقارب في المناصب الحساسة.

فخلال الأشهر القليلة الماضية، شهدنا تعيين ماهر الشرع، شقيق الرئيس الحالي، في منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وهو منصب بالغ الأهمية يشرف على الشؤون الإدارية والتنظيمية لمكتب الرئاسة، كما برز اسم حازم الشرع، شقيق آخر للرئيس، في المشهد السياسي والإعلامي، حيث رافق الوفود الرسمية في زيارات خارجية، وتشير تقارير إلى أنه سيشغل موقعاً في مجلس الاستثمار للاستفادة من علاقاته الإقليمية، هذه التحركات تثير تساؤلا جادا.

لماذا تشكل المحسوبية خطورة مضاعفة على سوريا اليوم؟

المحسوبية وتولي الأقارب للمناصب العليا ليسا ظاهرة جديدة على المنطقة العربية أو العالم، لكن خطورة هذا التوجه في سوريا تكمن في توقيته وظروفه الخاصة، فالبلاد تعيش مرحلة انتقالية بالغة الحساسية، تحتاج فيها إلى بناء مؤسسات قوية لا إلى تعزيز علاقات الدم والولاء الشخصي.

خبراء كثر تحدثوا عن تعيين الأقارب في هذا التوقيت بالذات ووصفوه بأنه يظهر انطباعات سلبية، مفادها أن الانتماء العائلي أهم من الكفاءة، مما يعمق مشاعر الإقصاء والتهميش، وأخرى رسالة للدول المانحة والمستثمرين: تفيد بأن بيئة الاستثمار تخضع لمحسوبية قديمة جديدة، مما يعيق تدفق الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، والأخطر من ذلك، هو ما تشكله هذه التعيينات من مخاطر بتنفير الفصائل والمؤسسات التي دعمت صعود الرئيس الحالي، فالتحالف الذي أوصل الإدارة الجديدة إلى الحكم كان واسعاً ومتنوعاً، وتحويل الحكم إلى “شأن عائلي” قد يفكك هذا التحالف ويزيد من حالة الانقسام.

يصل البعض إلى القلق من هذا التوجه حيث يتعارض مع الخطاب الإصلاحي الذي رفعته الإدارة الجديدة، فالرئيس الشرع يخاطب السوريين بتواضع كرجل أمين على تطلعات الملايين برجل دولة يخدم مصالها، وأطلق حملات لمكافحة الفساد، وفي خطوة إيجابية، أغلق المكتب التجاري لشقيقه جمال بعد اتهامات باستغلال صلة القرابة، وعقد اجتماعاً عائلياً حذر فيه أقاربه من استغلال اسم العائلة وهذا بحسب ما انتشر مؤخرا.

لكن هذه الخطوات الإيجابية تبقى غير مكتملة إذا كانت تهدف إلى ضبط سلوك الأقارب دون معالجة جذور المشكلة، وهي تمركزهم في مواقع السلطة أصلاً. فالمواطن السوري البسيط سيسأل بحق: لماذا يتواجد الأقارب أصلاً في هذه المواقع الحساسة؟

وبما أنني محب لدولتي و أيضا أنتمي لهذه الحكومة بكل ما فيها سأقدم لها النصائح التالية:

أولاً: الفصل الواضح بين العائلة والدولة

يجب أن تترجم التحذيرات العائلية إلى سياسات ملزمة تمنع تولي الأقارب من الدرجة الأولى لأي مناصب سيادية أو حساسة، التجارب العالمية الناجحة، كما في سنغافورة واليابان، تؤكد أن النهوض الاقتصادي والإداري يحتاج إلى تكنوقراط أكفاء، لا إلى أقارب مخلصين.

ثانياً: بناء مؤسسات لا أفراد

الشفافية هي الدواء الناجع للشكوك، على الحكومة الجديدة أن تعلن بوضوح معايير اختيار المسؤولين، وألا تترك المجال للتكهنات والتسريبات الصحفية التي تؤجج المخاوف، الإعلان الرسمي عن التعيينات وتبريرها بالكفاءة والمؤهلات خطوة ضرورية .

ثالثاً: استلهام العبر من التجارب المريرة

دول كثيرة عانت من المحسوبية، مثل زيمبابوي، وما زالت تدفع ثمناً باهظاً من استقرارها واقتصادها ، سوريا ليست بحاجة إلى نموذج جديد للفشل، بل إلى استثمار كل الطاقات والكفاءات السورية بغض النظر عن انتماءاتها العائلية أو السياسية.

رابعاً: توسيع دائرة الثقة

صحيح أن المرحلة الانتقالية تتطلب درجة عالية من الثقة، خاصة فيما يتعلق بأسرار الدولة، كما يبرر البعض هذه التعيينات، لكن بناء الثقة مع الشعب لا يقل أهمية عن الثقة داخل الدائرة الضيقة، والمجتمع السوري واسع بطاقاته وخبراته، التي تستحق أن توضع في المكان المناسب.

إن سوريا الجديدة التي حلم بها السوريون وضحوا بأرواحهم من أجلها لا يمكن أن تُبنى على أسس قبلية أو عائلية، إنها تحتاج إلى نظام يقوم على الكفاءة والشفافية والمواطنة المتساوية، إن التحذيرات من عودة “المحسوبية” ليست تشكيكاً مسبقاً بالنوايا، بل هي دعوة صادقة لتصحيح المسار قبل فوات الأوان، فالدول لا تبنى بالأسماء والعائلات، ولكن بالعقول المخلصة والأيدي العاملة، بصرف النظر عن انتماءاتها وقراباتها، وهذا ما نتمناه لسوريا البلد الذي ضحى من أجله الملايين بين شهيد ومفقود ومهجر وكثير منهم فقد جزءا من جسمه للخلاص من طغمة كانت تذيق الشعب الويلات.

تلفزيون سوريا

—————————

موجة الغلاء.. أزمة أسعار أم تعثّر في ترتيب الإصلاح؟/ نجاح عبد الحليم

فبراير 26, 2026

في شباط 2026، لا يبدو الواقع الاقتصادي في سوريا كأنه “أزمة أسعار” فقط، ولا حتى كأنه “أزمة شهر رمضان” بالمعنى الموسمي الضيق، ما يظهر اليوم من شح في الغاز، وفي قفزات أسعار الفروج والألبان والمواد الغذائية، وفي التوتر المستمر بين قرارات تنظيم الاستيراد والتصدير وبين واقع السوق، هو تعبير عن أزمة أعمق: أزمة ترتيب أولويات في الانتقال الاقتصادي، حيث يجري تحرير بعض الحلقات قبل بناء الشروط المؤسسية والإنتاجية التي تجعل هذا التحرير قابلاً للاستيعاب.

المشكلة إذاً ليست في وجود قرارات إصلاحية بحد ذاتها، ولا في مبدأ إعادة تنظيم التجارة أو تخفيف عبء الدعم عن المالية العامة، بل في طبيعة السياق الذي تُطبَّق فيه هذه القرارات، وفي الإيقاع الذي تتحرك به الدولة بين أدوات متباينة: إصلاح نقدي شكلي، تحرير سعري جزئي، تدخل تنظيمي في التجارة، وإدارة طاقة لا تزال محكومة بالندرة والاختناقات، لذا فإن القراءة الدقيقة لما يجري اليوم تقتضي أن نبدأ من المشهد الأكثر التصاقاً بحياة الناس ـ أزمة الغاز ـ ثم ننتقل إلى آثار ذلك على أسعار الغذاء، قبل العودة إلى الخلف لتحليل القرارات التي مهدت لهذا المسار: الكهرباء، لجنة الاستيراد والتصدير، وأخيراً حذف صفرين من العملة.

أولاً: أزمة الغاز.. مدخل لفهم التضخم الجاري

حين تعود طوابير الغاز المنزلي إلى الواجهة، ويصبح الحصول على الأسطوانة حدثاً يومياً مرهقاً، تميل القراءة العامة إلى التعامل مع المسألة بوصفها أزمة توزيع مؤقتة أو خللاً إدارياً يمكن أن ينتهي بوصول شحنة جديدة أو بإجراء حكومي إسعافي، غير أن هذا الفهم، على رغم وجاهته الجزئية، يظل قاصراً عن التقاط ما يكشفه المشهد فعلياً، فالغاز في الاقتصاد السوري اليوم ليس سلعة منزلية وحسب، إنما عنصر حرج في منظومة تكلفة واسعة تمتد من البيت إلى المخبز، ومن المطعم الصغير إلى الورشة الغذائية، ومن أنماط الاستهلاك اليومي إلى ديناميات السوق الموازية.

وحيث إن الطاقة تمثل مدخلاً إنتاجياً أساسياً، فإن أي اختلال في توفر الغاز، سواء كان اختلالاً في التوريد أو في التوزيع أو في التسعير، يتحول سريعاً إلى ضغط تضخمي يتجاوز قطاع الطاقة نفسه، لذا نرى أن أثر أزمة الغاز لا يقف عند حدود ارتفاع سعر الأسطوانة أو طول مدة الانتظار، بل يتسرب إلى أسعار الطعام الجاهز والنقل وبعض الصناعات الصغيرة، ويعيد تشكيل سلوك المستهلك والمنتج معاً، فالمستهلك يبدأ بتقليص بعض أنماط الاستهلاك، والمنتج يبدأ بإعادة تسعير خدماته تحوطياً، والتاجر يضيف هامشاً وقائياً تحسباً لارتفاع جديد في تكاليف التشغيل.

هنا تحديداً تظهر إحدى سمات الاقتصادات الهشة: أن صدمة الإمداد الصغيرة نسبياً تتحول إلى صدمة أسعار عامة، ليس لأن حجمها كبير بالضرورة، ولكن لأن الاقتصاد نفسه لا يملك هوامش امتصاص كافية، ففي اقتصاد يفتقر إلى طاقة مستقرة، وتمويل ميسر، ومنافسة فعالة، ومخزونات تنظيمية، تصبح كل أزمة طاقة ـ ولو بدت قطاعية ـ بمثابة عدسة مكبرة تكشف هشاشة البنية كلها.

ومن هذه الزاوية فإن بعض طوابير الغاز التي نراها اليوم ليست مشهداً خدماتياً فقط؛ إنها مؤشر كليّ على أن الاقتصاد يعمل تحت ضغط اختناقات متزامنة، وإذا كان الخطاب الرسمي يركز على استمرار التوريدات والإجراءات الجديدة، فإن السوق يقرأ شيئًا آخر: عدم يقين في الإمداد، وعدم يقين في التكلفة، وبالتالي عدم يقين في التسعير، ونتيجة لذلك يتحول الغاز من قضية معيشية منفصلة إلى متغير مركزي في تفسير الغلاء الجاري.

ثانياً: غلاء الفروج والألبان.. أزمة تكلفة لا موسم

في الأيام التي سبقت رمضان وخلال بدايات الاستعداد له، برزت موجات ارتفاع لافتة في أسعار الفروج والألبان والأجبان ومجموعة واسعة من المواد الغذائية، وقد تميل بعض القراءات السريعة إلى ردّ ذلك مباشرة إلى الطلب الموسمي، وهو عامل حقيقي بلا شك، إذ ترتفع مشتريات الأسر الغذائية عادة في هذه الفترة، غير أن الاقتصار على هذا التفسير يُبقي التحليل عند سطح الظاهرة، ولا يفسر لماذا تبدو وتيرة الارتفاع أكثر حدّة، ولماذا يتكرر المشهد مع كل ضغط على الطاقة أو النقل أو سعر الصرف.

الجواب الأهم هنا هو أن كثيراً من السلع التي تبدو “محلية” في السوق السورية هي محلية في الشكل النهائي فقط، أما هيكل تكلفتها فهو مشبع بعناصر مرتبطة بالدولار والطاقة وسلاسل الإمداد المضطربة، الفروج مثلاً لا يُنتج في فراغ، إذ يعتمد على الأعلاف، والتدفئة أو التبريد بحسب الموسم، والنقل، والخدمات البيطرية، ومستلزمات تشغيل، كثير منها يتأثر مباشرة أو غير مباشرة بسعر الصرف وتكاليف الطاقة، والأمر نفسه ينسحب على الألبان والأجبان، حيث تُعد الكهرباء والتبريد والنقل عناصر حاسمة في تحديد الكلفة النهائية، وحين ترتفع تعرفة الكهرباء أو تتراجع موثوقية التغذية يلجأ المنتج إلى بدائل أعلى كلفة، فينتقل العبء إلى المستهلك.

لذلك فإن ما يحدث في أسعار الغذائيات اليوم لا يمكن وصفه بدقة على أنه “تضخم طلب” فقط، بل هو في جزء مهم منه تضخم مدفوع بالتكلفة، ومع ضعف القدرة الشرائية وتآكل الدخل الحقيقي تأخذ المسألة بعداً أكثر خطورة، لأن السوق لا يتجه فقط نحو الغلاء، بل نحو إعادة فرز الاستهلاك نفسه، أي نحو تقليص سلة الغذاء لدى الأسر واستبعاد منتجات كانت تُعد أساسية أو شبه أساسية في مواسم سابقة.

غير أن ثمة نقطة أخرى في هذه القصة لا تقل أهمية عن الطاقة، فالسوق لا يتعامل مع الكلفة الحالية وحدها، بل مع توقعاته بشأن الكلفة القادمة، وحيث إن البيئة الاقتصادية تتسم بتقلبات متكررة في الإمداد والطاقة وسعر الصرف، يميل المنتجون والتجار إلى ما يمكن تسميته بالتسعير التحوطي، بمعنى أنهم لا يسعرون على أساس ما دفعوه فقط، بل على أساس ما يتوقعون أنهم سيدفعونه بعد أيام، وهذه الديناميكية تُدخل الاقتصاد في حلقة تضخم توقعي، حيث تصبح التوقعات نفسها قوة دافعة للغلاء لا مجرد انعكاس له.

هنا يظهر بوضوح أن رمضان ليس سبب الأزمة، بل لحظة كشف لها، فالطلب الموسمي يضغط، نعم، لكن الضغط يتحول إلى قفزة سعرية فقط عندما يمر عبر اقتصاد يفتقر إلى المرونة المؤسسية والإنتاجية، وفي هذا السياق تبدو عبارة “انفلات الأسعار” أقل دقة من عبارة “تفكك آليات الضبط الاقتصادي”، لأن المسألة ليست فقط ضعف رقابة، إنما اختلال في البنية التي يفترض أن تسمح للأسواق بالعمل ضمن حدود يمكن توقعها.

ومن ثم فإن غلاء الفروج والألبان والغذائيات في هذه اللحظة لا ينبغي قراءته كقائمة سلع ارتفعت أسعارها، بل كتشخيص ميداني لطبيعة الاقتصاد نفسه: اقتصاد تتسع فيه الفجوة بين السياسات المعلنة وقدرته الفعلية على امتصاص آثارها، حيث تنتقل صدمات الطاقة والتجارة والنقد بسرعة إلى الطبق اليومي للمواطن.

ثالثاً: إصلاحات متفرقة.. وأزمة مستمرة

إذا أردنا فهم الجذور الأعمق للمشهد الحالي، فلا بد من العودة إلى القرارات التي تراكمت خلال الأشهر الماضية، والتي أسست، بقصد أو من دون قصد، لهذه البيئة التضخمية الهشة، ومن أبرز هذه القرارات تعديل تعرفة الكهرباء وتطبيق نظام الشرائح في تشرين الثاني 2025، ثم تشكيل اللجنة الوطنية لتنظيم الاستيراد والتصدير والقرارات المتصلة بتقييد بعض أنماط الاستيراد أو دخول الشاحنات الأجنبية في أواخر 2025، وصولاً إلى قرار حذف صفرين من الليرة السورية.

من حيث المبدأ لا يمكن التعامل مع هذه الخطوات باعتبارها أخطاءً تلقائية، لكل قرار منها منطق داخلي مفهوم، رفع تعرفة الكهرباء وتخفيف الدعم يرتبط بضغوط مالية حادة وبحاجة الدولة إلى تقليص عجز الدعم، تشكيل لجنة وطنية لتنظيم الاستيراد والتصدير يعكس محاولة لاستعادة وظيفة تنظيمية سيادية بعد سنوات من الفوضى والتشوهات، وحذف الأصفار من العملة يمكن فهمه كخطوة إدارية – نقدية لتبسيط المعاملات واستعادة شيء من الثقة الرمزية بالعملة الوطنية، المشكلة ليست هنا، بل في أن هذه الخطوات تتحرك ضمن اقتصاد لم تُستكمل شروط انتقاله بعد، وأن الإيقاع الزمني بينها لا يبدو منسقاً ضمن استراتيجية تنموية واضحة المعالم.

لنبدأ بالكهرباء، حين ترتفع تعرفة الكهرباء في اقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة الطاقة، فإن القرار لا يبقى قراراً مالياً، بل يتحول مباشرة إلى قرار يؤثر في كلفة الإنتاج ومن ثم في التضخم، وإذا لم يترافق ذلك مع تحسن موثوقية التغذية أو مع برامج حماية للفئات الأضعف والقطاعات المنتجة، فإن النتيجة تكون انتقال العبء من الخزينة إلى السوق لا حل المشكلة، وهذا ما يجعل كثيراً من إجراءات “تصحيح الأسعار” في الاقتصادات الهشة إصلاحات ناقصة؛ فهي تصحح السعر المالي لكنها لا تعالج اختناقات العرض.

ثم تأتي لجنة الاستيراد والتصدير، الفكرة بحد ذاتها مهمة، بل ضرورية نظرياً، لأن التجارة الخارجية في الاقتصادات الخارجة من نزاع لا يمكن أن تُترك بالكامل لفوضى السوق، لكن فعالية التنظيم مشروطة بقدرة الاقتصاد المحلي على التعويض، فإذا تم تقييد بعض الواردات أو تشديد شروط الحركة التجارية دون أن يكون هناك توسع إنتاجي حقيقي، أو دون آليات تمنع التركز والاحتكار، فإن السوق يقرأ الرسالة بوصفها تضييقاً للعرض لا حمايةً للإنتاج، وعندها ترتفع الأسعار حتى قبل ظهور النقص الفعلي، لأن التوقعات تسبق الوقائع.

والأهم من ذلك أن الاقتصاد السوري، كما تظهره ديناميات السوق خلال السنوات الماضية، لا يعتمد فقط على استيراد سلع استهلاكية بعينها، بل يعتمد أيضاً على استيراد مكونات التكلفة نفسها: مواد أولية، ومدخلات زراعية وصناعية، وقطع تبديل، ووسائط إنتاج، لذا فإن تنظيم الاستيراد في غياب سياسة صناعية/زراعية مرافقة قد يُنتج أثراً عكسياً، حيث يجتمع هدف الحماية مع نتيجة الغلاء، لا لأن الحماية فكرة خاطئة بالمطلق، بل لأن شروط نجاحها غير مكتملة.

أما حذف صفرين من العملة فهو المثال الأكثر وضوحاً على الفجوة بين الإصلاح الشكلي والإصلاح البنيوي، فإعادة التسمية (redenomination) لا تغيّر القيمة الحقيقية للنقد، ولا تُخفض التضخم بحد ذاتها، ولا تعيد بناء الثقة إذا ظلت العوامل الحقيقية للغلاء قائمة، قد تُسهّل الحسابات وتخفف العبء النفسي للأرقام الكبيرة، وربما تمنح السلطة النقدية لحظة رمزية تقول فيها إن هناك بداية جديدة، لكن السوق في النهاية لا يسعّر بالرمزية، بل بالكلفة وبسعر الصرف وبالتوقعات وبمخاطر الإمداد.

ومن هنا تبدو المفارقة السورية في مطلع 2026 شديدة الوضوح: هناك حزمة من الإجراءات التي يمكن إدراجها تحت عنوان “إصلاح”، لكن أثرها المجمع في السوق لا يزال يتجه نحو مزيد من التضخم وعدم اليقين، وهذا لا يعني أن البديل هو تجميد الأسعار أو العودة الميكانيكية إلى أنماط دعم غير قابلة للاستدامة، بل يعني أن ترتيب الإصلاح أهم من مجرد إطلاقه، فالانتقال الاقتصادي لا يُقاس بعدد القرارات، بل بمدى انسجامها مع قدرة الاقتصاد على الاحتمال.

إذا أردنا تسمية هذه الحالة نظرياً فنحن أمام ما يمكن وصفه بدقة بأنه “تحرير دون عمق مؤسسي”: تُرفع الأسعار أو تُصحح، بينما لا تزال مؤسسات السوق والتنظيم والطاقة والإنتاج في حالة هشاشة؛ يُعاد صياغة الإطار التجاري، بينما لا تزال القدرة الإنتاجية المحلية محدودة؛ تُتخذ خطوة نقدية رمزية، بينما تبقى ديناميات التضخم الفعلية في مكان آخر تماماً.

هذه ليست مسألة تقنية فقط، إنما مسألة نموذج اقتصادي قيد التشكل، هل تتجه سوريا إلى اقتصاد سوق تنافسي فعلاً؟ إذا كان الأمر كذلك، فأين شروط المنافسة، والطاقة المستقرة، والتمويل، وآليات منع التركز؟ وهل تتجه إلى نموذج تنموي موجّه؟ إذا كان كذلك، فأين السياسة الصناعية/الزراعية المتماسكة القادرة على تحويل تقييد الاستيراد من قرار إداري إلى أداة لبناء العرض المحلي؟ وحتى يتضح ذلك سيبقى السوق يعيش في منطقة انتقالية رمادية، حيث تتحرر المخاطر بسرعة أكبر من تحرر القدرات.

اليوم لا تكمن أهمية طوابير الغاز فقط فيما تقوله عن أزمة مادة، ولا تكمن أهمية غلاء الفروج والألبان فقط فيما تقوله عن رمضان، ولا تكمن أهمية حذف الأصفار فقط فيما يقوله عن السياسة النقدية، الأهمية الحقيقية تكمن في الترابط بينها جميعاً، ذلك أن ما نراه اليوم هو سلسلة واحدة: اختناق طاقي يرفع الكلفة، وسوق غذائي ينقل الصدمة إلى المستهلك، وسياسة تجارية تحاول الضبط من دون قاعدة إنتاجية كافية، وإصلاح نقدي رمزي لا يمس جذور التضخم، لذا فإن السؤال الاقتصادي الجاد لم يعد: “لماذا ارتفعت الأسعار هذا الأسبوع؟” بل: “أي تسلسل إصلاحي يمكن أن يوقف تحويل كل صدمة قطاعية إلى أزمة معيشية عامة؟”.

هذا هو السؤال الذي يحدد، أكثر من أي شعار إصلاحي، ما إذا كانت سوريا تمضي نحو اقتصاد أكثر كفاءة واستقراراً، أم نحو اقتصاد أكثر تحرراً في السعر وأكثر هشاشة في البنية.

الثورة السورية

—————————–

حكومة دمشق في رمضان: “الإسلام” كممارسة إداريّة لا مركزيّة!/ نوار جبور

26.02.2026

حين تتدخل الدولة بقراراتها وتعاميمها لضبط الممارسات الدينية والتهديد بالعقوبة، فإنها تنقل التضامن المجتمعي والاحترام من كونه التزاماً طوعياً إلى واجب قانوني، هنا لا يعود الأمر تضامناً، بل انضباطاً، ويفقد الولاء والتضامن طبيعتهما الأخلاقية ويغدوان شرطاً من شروط الطاعة، والالتزام بالتعليمات الإدارية والتشغيلية للمؤسسات.

توالت القرارات والتعميمات الحكومية والإدارية التي سعت إلى تنظيم الحياة اليومية في سوريا خلال شهر رمضان. وخلافاً للعام السابق، حين جاءت القرارات مقرونة بتوصية صريحة من وزير الأوقاف وانتقلت بشكل منسّق إلى الإدارات المختلفة، حملت إجراءات هذا العام طابعاً حكومياً وإدارياً متعدداً، مختلفاً في آلياته وسياقاته.

التعاميم الصادرة عن جهات متباينة تشير بوضوح أكبر إلى عقلية السلطة السورية في مقاربة الحدث الديني، وإلى التنازع على تطبيقه بين شخصيات إدارية وجامعية وغيرها، ليتحول الدين إلى شأن إداري-مؤسساتي، فمن التعميمات الصادرة عن جامعة حمص، إلى إصدار وزير العدل تعميماً بإغلاق بوفيهات الطعام والشراب  في العدليات، وصولاً إلى رجال البلدية في اللاذقية وهم يغلقون مطاعم تقدّم الكحول، يتبدّى اضطراب في تجريد القانون وفي تشكيل مركزيته، فلا يظهر النص بوصفه معياراً عاماً موحّداً، بل سلسلة تدخلات إدارية متفرقة تتبدل باختلاف الجهة والسياق.

في المقابل، يمكن رصد ما يشبه انتصاراً رمزياً لمجموعات واسعة باتت هويتها الدينية هوية فخرية صلبة، وأحياناً هجومية، حيث لا تُختزل الذات إلا عبر الدين ولا يُتاح التعبير إلا من خلاله. سيارات تجوب الشوارع بمكبرات الصوت داعية إلى الاحتشام أو الصلاة، شبان على وسائل التواصل يؤنّبون الناس على لباسهم، مشايخ بخطاب منغلق يختزل المجال العام في معيار أخلاقي واحد. الدين هنا لا يُمارس بوصفه خياراً روحياً ، بل يظهر  كعلامة حضور وهيمنة في الفضاء العام.

إدارة مشاعر المؤمنين… وأجسادهم !

شكّل شهر رمضان مؤشراً واضحاً إلى دخول الدين في آليات الضبط اليومي، التعميمات كلها جاءت بلغة خطابية تستدعي الاحترام كقيمة عامة يُفترض بالسوريين ارتداؤها، من لباسهم إلى سلوكهم، ثم يقرنه بالعقوبة والتجريم من جهة أو التعويض المادي (كما في حالة إغلاق البوفيهات)، هكذا يُدار المجال العام بمفردات الحرمة والاحتشام والأحكام الأخلاقية، النتيجة ليست تديناً أعمق، بل دولة تسعى إلى التماهي مع صورة الحارس القيمي.

ومع عودة الدين بشكل واسع إلى المجال العام، بدءاً من تاريخ الاحتجاج الديني والخطاب الأخلاقي الذي تبنّته عناصر ذات انتماءات جهادية وسلفية، وصولاً إلى ظواهر شبابية تعبّر عن نفسها عبر وسائل التواصل بخطاب التكفير والوعظ، يتشكل مشهد يتداخل فيه الاحتجاجي بالأخلاقي والسياسي بالرمزي. في لحظات الانهيار السياسي، وبعد عقود من حكم استثنائي قائم على الطوارئ والعنف البنيوي، يتعاظم القلق لدى فئات سورية معاييرها للحياة اليومية مختلفة من خطاب كهذا.

 ومع غياب مشروع تنموي واضح أو أفق مدني جامع، تتحول الهوية الدينية إلى مشروع جاهز يمنح معنى سريعاً واستقراراً نفسياً. ليست المشكلة في الدين كمرجعية، بل في تحوّله إلى الإطار الوحيد الممكن للتماسك الاجتماعي واختزال المجال العام داخله.

ما نشهده هو أسلمة رمزية متسارعة للفضاء العام، تترافق مع رقابة أخلاقية تتجه نحو إعادة تأديب الجسد، خصوصاً جسد الفاطر في رمضان وجسد المرأة وأماكن وجود الجسد وطرائق اللباس بوصفها العلامة الأكثر قابلية للضبط. الجسد يصبح مؤشراً مرئياً إلى الامتثال أو الاختلاف. وإذا كان الشعور سائداً بأن الدين أنقذ المجتمع أو أعاده إلى هويته، فنحن أمام لغة خلاصية تمنح الضبط الأخلاقي شرعيته. بما أن الدين أنقذ، فهو يملك حق تعريف الفضاء العام وحدوده.

التحول الأخطر لا يكمن في حضور الدين ذاته، بل في انتقاله إلى فضاء الوصاية والتشتت الإداري والسياقي في المجالات المختلفة للتدخل في حياة الناس. حين تربط الدولة الحضور الروحي لشهر رمضان بسلطة عقابية تهديدية، فإنها لا تنظّم المجال العام، بل تحتكر تعريف معناه. وهنا يتبدل موقعها من ضامنة للتعدد إلى جهة تفرض تعريفاً واحداً له.

رمضان في سوريا كان زمناً اجتماعياً مشتركاً قبل أن يكون موضوعاً إدارياً. تتبدل فيه إيقاعات الحياة من دون قرار رسمي، وتدخل المدن في نسق واحد بفعل اعتياد طويل وتراكم ثقافي. التضامن كان صامتاً، وغير متجانس قسرياً. حتى غير الصائم كان يجد موقعه داخل المشهد عبر الاحترام المتبادل، لا عبر الإكراه. قوة هذا التضامن لم تكن في توحيد الجميع تحت سلوك واحد، بل في استيعاب التفاوت داخل عرف غير مكتوب.

بيروقراطية “الدين”

كان رمضان يولّد نوعاً من الولاء الضمني، تضامناً يتكوّن من العرف ومن شعور جمعي يتجدّد كل عام، غير أن الولاء لا يُنتج جماعة أخلاقية إذا تحوّل إلى طقس مفروض. فالجماعة لا تكون أخلاقية لمجرد انتظامها في سلوك موحّد، بل بقدر ما يكون انخراط أفرادها اختياراً واعياً لا امتثالاً. وحين تدخل الدولة  بقراراتها وتعاميمها لضبط الممارسات الدينية والتهديد بالعقوبة، فإنها تنقل الولاء من كونه التزاماً طوعياً إلى واجب قانوني، هنا لا يعود الأمر تضامناً، بل انضباطاً، ويفقد الولاء والتضامن طبيعتهما الأخلاقية ويغدوان شرطاً من شروط الطاعة، والالتزام بالتعليمات الإدارية والتشغيلية للمؤسسات.

وحين تتدخل السلطة في ما كان يُدار اجتماعياً بل ودينياً، فهي لا تضيف قيمة، بل تسحب من المجتمع قدرته على إنتاج معناه بنفسه. هنا يصبح القانون انتصاراً للسلطة على المجتمع، لا على المخالفة.

كان الناس ينتجون توافقهم الخاص ويتعاملون ضمن عرف اجتماعي غير مكتوب. وحين فُرض تعريف قانوني لهذا السلوك، لم تُهزم المخالفة، بل هُزم المجتمع نفسه. نُزعت من الناس قدرتهم على تنظيم أخلاقهم ذاتياً، وتحول الرابط الأفقي بينهم إلى علاقة عمودية مع السلطة.

محلات الكحول و”عموم البلوى”

إغلاق محال شرب الكحول في اللاذقية بدا مُريباً، إذ تتصرف السلطة في كثير من الأحيان من دون إسناد قانوني واضح وخارج العرف السوري اليومي، وخارج تقاليد “عموم البلوى” الفقهية، فالمطاعم تتبع إدارياً لوزارة السياحة من حيث التنظيم وتحديد المعايير والجودة وما يُقدَّم داخلها، إلا أن البلدية، وفقاً لأصحاب المطاعم، هي من أغلقت هذه المطاعم بحجة عدم امتلاكها تراخيص. أما على وسائل التواصل، فقد بدا الأمر إشكالياً بين خطاب احترام شهر رمضان ومنع بيع الكحول بحجة أخلاقية مفروضة، وبين الحديث عن تضييق على الحريات والضغط الاجتماعي.

يأتي ذلك متوازياً، على ما يظهر، مع الخطة التي كان يُراد تشكيلها لشهر رمضان، ومع التخبط الإداري والحكومي، غير أن الأهم أنه يمسّ خصوصية المجتمع، لا بوصفها فضيلة ولا خطيئة، بل باعتبارها جزءاً من تنوّعه. وجود هذه المحال لم يكن إعلان حرب على أحد، ولم يكن استعراضاً لقيمة مضادة، بل تعبيراً عن أن المدينة تتسع لأنماط عيش متعددة، بعضها يشرب وبعضها لا يشرب، وبعضها يمرّ بجوار المحل من دون أن يعنيه الأمر.

ثم إن حجة الترخيص تبدو موضع تساؤل، إذ إن تراخيص بيع الخمر توقفت منذ سقوط النظام، ما يجعل الاستناد إليها إشكالياً في السياق الحالي.

هل كان هذا الوجود يضرّ المسلم حقاً؟ هل كان يشكّل اعتداءً على عقيدته أو إكراهاً له على ممارسة لا يريدها؟ المسلم الذي لا يشرب لم يكن يحتاج إلى قانون يحميه من زجاجة خلف واجهة متجر. الامتناع كان خياراً شخصياً مستقراً، والعرف الاجتماعي كان كافياً لتنظيم العلاقة بين المختلفين. لم يكن هناك إلزام ولا دعوة ولا فرض، بل تعايش صامت ضمن حدود غير مكتوبة.

إغلاق المحال لا يعالج ضرراً قائماً، بل يعيد تعريف المجال العام على أساس تصور واحد للفضيلة. المسألة ليست في المشروب ذاته، بل في تحويل الاختلافات، حتى العقائدية منها ودرجات السماح والقبول الديني، إلى خلل يُراد تصحيحه. وهنا يفقد المجتمع قدرته على إدارة تنوّعه بعرفه الخاص، ليُعاد تشكيله أخلاقياً بقرار فوقي. ما كان اعتياداً عادياً يصبح فجأة علامة على انحراف، وما كان جزءاً من مشهد المدينة يتحول إلى موضوع ضبط.

الأخطر أن الإغلاق لا يحمي الدين، بل يختبر قدرة الدولة على فرض تعريفها للهوية. لم يعد السؤال من يشرب ومن لا يشرب، بل من يملك حق تحديد شكل المدينة وحدودها. هنا لا تنتصر الفضيلة على الرذيلة، بل تنتصر سلطة التعريف على الاعتياد الاجتماعي. المجتمع الذي كان قادراً على التعايش مع اختلافه من دون صدام يُعاد تشكيله تحت عنوان الحماية، لا لأنه عاجز عن إدارة نفسه، بل لأن الدولة قررت أن تتكفّل بتعريف أخلاقه نيابةً عنه. وهكذا لا يُطلب من السوري أن يكون إنساناً قانونياً لا يعتدي على غيره، بل أن يكون فاضلاً كما ترى السلطة الفضيلة.

ماذا عن قانون العقوبات السوري؟

العام الماضي أصدر رئيس عدلية ريف دمشق تعميماً، حول “المجاهرة بالإفطار” والتهديد بعقوبة وتحريك دعوى عامة بناء على تهمة “التعرض للآداب العامة”،  واستند التعميم إلى المادة 517 من قانون العقوبات السوري: “يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة كل من أقدم على إحداث ضوضاء أو ضجة في مكان عام، أو أقدم على أعمال منافية للحشمة تتعارض مع الأخلاق العامة”، وهنا يعتبر الإفطار العلني حسب شرح المادة بوصفه ينطبق على “مشاعر الصائمين” التي يجب مراعاتها.

هذا العام لم يصدر تعميم مشابه، لكن الاستناد الى العام الفائت كان جديراً بالنظر، فوفق الشروحات الفقهية القانونية للمادة، وُضعت هذه المادة نظرياً لحماية حرمة المعتقدات وصون السلم الأهلي. النص لا يخص ديناً بعينه، بل يتحدث عن الشعائر الدينية عموماً، ويعاقب على الإهانة أو الدعوة إلى الازدراء متى كانت علنية ومتحققة.

لكن السؤال لا يتعلق بوجود النص، بل بانتقائية تطبيقه. لماذا يُفعَّل في سياق ويُهمَل في سياق آخر؟ إذا كان الإفطار العلني يُدرج ضمن تحقير الشعائر، فهل شتم العلويين والدروز، وتكفير طقوس الطوائف السورية، حتى السُنية منها، و الذي شهدناه عبر الكثير من وسائل التواصل، والتحريض على حرق المزارات للأقليات الباطنية السورية، لا تدخل هي الأخرى في باب الإهانة والازدراء والتحريض العلني؟ أليست هذه أفعالاً تمس شعائر ومعتقدات تمارس علناً، وتندرج، من حيث التعريف القانوني، ضمن النص ذاته؟

الدولة الحديثة، بأدنى معاييرها، يُفترض أن تحمي الأفراد بوصفهم ذواتاً قانونية مُعرَّفة، لا بوصفهم أعضاء في شعور جمعي متخيَّل. فإذا استجاب القانون لحساسية رمضان، وامتنع عن الاستجابة بالحزم ذاته لحساسية التحريض الطائفي، فإنه لا يعمل كقاعدة عامة مجردة، بل كأداة لإدارة مزاج جمعي معين. هنا لا تُصان روح القانون وتجريده، بل يُعاد توجيهه وفق تراتبية ضمنية لما يُعد أكثر قداسة أو أكثر استحقاقاً للحماية.

المسألة لا تمس رمضان بقدر ما تمس مبدأ المساواة أمام النص. هل الإفطار يهدد السلم الأهلي أكثر من خطاب تكفيري يستهدف طوائف بكاملها؟ أم أن التطبيق الانتقائي يكشف أن الحماية لا تُمنح وفق معيار قانوني ثابت، بل وفق ميزان رمزي يتبدل بتبدل السياق؟

درج

————————————

الخابور” ينعش زراعة الحسكة بعد سنوات من الجفاف

مع الهطولات المطرية الأخيرة التي شهدتها مناطق الجزيرة السورية، عادت المياه إلى مجرى نهر الخابور في محافظة الحسكة، بعد سنوات من الانقطاع شبه الكامل، ما أعاد الأمل إلى المزارعين الذين يعتمدون على مياهه في ري أراضيهم، وأحيا مساحات واسعة من الأراضي الواقعة على سرير النهر وضفافه.

وترافقت الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال الأسابيع الماضية مع ارتفاع ملحوظ في منسوب المياه، الأمر الذي أدى إلى تشكل مجرى مائي واضح في النهر، بعد أن تحوّل في السنوات السابقة إلى مجرى جاف أو برك متقطعة نتيجة الجفاف وتراجع معدلات الهطل.

مشهد مائي غاب لسنوات

يمتد نهر الخابور بطول يقارب 460 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، ويعدّ أحد أهم الروافد الرئيسية لنهر الفرات في منطقة الجزيرة.

وشكّل النهر لعقود شريانًا زراعيًا يغذي مساحات واسعة من الأراضي في ريف الحسكة، قبل أن يتراجع جريانه تدريجيًا خلال السنوات الماضية، متأثرًا بعوامل مناخية وسدود مقامة على منابعه في تركيا، إضافة إلى انخفاض معدلات الأمطار.

وخلال الأعوام التي سبقت الهطولات الأخيرة، توقف جريان النهر في معظم مقاطعه داخل سوريا، ما انعكس سلبًا على آلاف الهكتارات الزراعية التي كانت تعتمد على الري المباشر من مياهه، أو على الآبار التي يغذيها المخزون الجوفي المرتبط به.

المزارع أحمد العبد، من ريف الحسكة الجنوبي، قال لعنب بلدي، إن “عودة المياه إلى مجرى الخابور أعادت الحياة إلى الأرض”، مشيرًا إلى أنه كان قد توقف عن زراعة جزء من أرضه خلال السنوات الماضية بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف حفر وتشغيل الآبار.

وأضاف أن الأراضي الواقعة على سرير النهر كانت تعتمد بشكل أساسي على الرطوبة الطبيعية التي يوفرها الجريان، “لكن مع جفاف النهر تشققت التربة وتراجعت خصوبتها، واضطررنا للاعتماد على الأمطار فقط، وهي لم تكن كافية”.

انتعاش الزراعة على السرير والضفاف

مع عودة الجريان، بدأ عدد من المزارعين بزراعة مساحات على سرير النهر، مستفيدين من رطوبة التربة وارتفاع منسوب المياه السطحية. وزُرعت محاصيل خضروات موسمية كالخس والبقدونس والسبانخ، إضافة إلى البقوليات وبعض المساحات المزروعة بالقمح والشعير.

فاطمة السليمان، تمتلك قطعة أرض صغيرة قرب مجرى النهر، قالت لعنب بلدي إن الموسم الحالي “يبشر بالخير”، موضحة أنها عادت لزراعة الخضروات بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، بسبب ارتفاع تكاليف الري عبر الآبار.

وأضافت أن عودة المياه خففت من الأعباء المالية على المزارعين، إذ لم يعد كثير منهم بحاجة لتشغيل الآبار، إن توفرت، لساعات طويلة.

ويؤكد عدد من الفلاحين أن الأراضي المحاذية للنهر استعادت جزءًا من خصوبتها الطبيعية، نتيجة تشبعها بالمياه، الأمر الذي انعكس على سرعة نمو المزروعات وتحسن جودتها.

الجفاف… سنوات من الخسائر

شهدت محافظة الحسكة خلال السنوات الماضية موجات جفاف متكررة، ترافقت مع انخفاض كبير في معدلات الهطل المطري، ما أدى إلى تراجع المخزون المائي السطحي والجوفي. وانعكس ذلك على القطاع الزراعي الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي في المنطقة.

وخلال فترات الجفاف، اضطر كثير من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، فيما تخلى آخرون عن أراضيهم مؤقتاً بسبب الخسائر المتراكمة.

قال المزارع خالد المطر، من ريف تل تمر، إن توقف جريان الخابور “كان ضربة قاسية”، لافتًا إلى أن الآبار التي كان يعتمد عليها انخفض منسوبها بشكل كبير، ما استدعى حفر آبار أعمق بتكاليف مرتفعة.

وأضاف، لعنب بلدي، أن عودة الجريان لا تعني انتهاء الأزمة، لكنها “تعطي دفعة معنوية ومادية للمزارعين”، خاصة إذا استمرت الهطولات المطرية بمعدلات جيدة خلال الموسم الحالي.

قراءة فنية: تحسن مؤقت أم بداية تعافٍ؟

المهندس الزراعي سامر الحسين يرى أن عودة الجريان إلى نهر الخابور ترتبط بشكل مباشر بالهطولات المطرية الأخيرة، محذرًا من اعتبارها تحولًا دائمًا في الوضع المائي.

وأوضح لعنب بلدي أن الجفاف الذي ضرب المنطقة في السنوات الماضية أدى إلى استنزاف المخزون الجوفي، وتراجع تدفق الينابيع المغذية للنهر، مشيرًا إلى أن استعادة التوازن المائي تحتاج إلى عدة مواسم مطرية جيدة متتالية.

وأضاف أن تحسن الرطوبة في التربة سيؤثر إيجابًا على المحاصيل الشتوية، لا سيما القمح والشعير، لكنه شدد على أهمية إدارة الموارد المائية بشكل رشيد، عبر تنظيم السحب من الآبار وتشجيع أساليب الري الحديثة كالري بالتنقيط.

وأشار الحسين إلى أن الزراعة على سرير النهر يجب أن تتم وفق ضوابط، تجنباً لتعرض المحاصيل للضرر في حال ارتفاع منسوب المياه بشكل مفاجئ، أو حدوث فيضانات جزئية.

أثر اجتماعي واقتصادي

لا يقتصر أثر عودة الجريان على الجانب الزراعي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، إذ أعاد مشهد المياه المتدفقة شعورًا بالأمل لدى سكان القرى الواقعة على ضفاف النهر.

أحد وجهاء قرية تنينير قرب الحسكة قال لعنب بلدي إن النهر “جزء من ذاكرة المنطقة”، وإن جفافه خلال السنوات الماضية ترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى السكان، خاصة كبار السن الذين اعتادوا رؤية مياهه تجري على مدار العام.

كما أن تحسن الموسم الزراعي ينعكس على حركة الأسواق المحلية، من خلال زيادة المعروض من الخضروات والحبوب، ما قد يسهم في استقرار نسبي للأسعار، ويخفف من الأعباء المعيشية على السكان.

تحديات مستمرة

رغم التفاؤل الحذر، يواجه المزارعون تحديات مستمرة، من بينها تقلبات المناخ، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، وعدم استقرار أسعار المحاصيل.

كما تبقى مسألة إدارة الموارد المائية على مستوى الحوض ككل عاملًا حاسمًا في استدامة الجريان.

ويؤكد المهندس الزراعي سامر الحسين أن الحلول تتطلب تنسيقًا بين الجهات المعنية، ووضع خطط طويلة الأمد لإعادة تأهيل شبكات الري، والحفاظ على المياه الجوفية، إلى جانب تعزيز الوعي بأهمية الاستخدام المستدام للمياه.

بين الماضي والحاضر

شكّل نهر الخابور تاريخيًا شريان حياة للجزيرة السورية، وأسهم في ازدهار الزراعة والاستقرار السكاني في المنطقة. ومع تعاقب سنوات الجفاف، تراجع دوره الحيوي، ما انعكس سلبًا على الزراعة والمعيشة.

اليوم، ومع عودة الجريان بفعل الأمطار، يستعيد النهر جزءًا من حضوره، ويمنح المزارعين فرصة لالتقاط الأنفاس بعد مواسم قاسية. غير أن استمرار هذا التعافي يبقى رهناً بالعوامل المناخية وإدارة الموارد المائية، في منطقة تواجه تحديات بيئية واقتصادية متشابكة.

وبين تفاؤل الفلاحين وحذر المختصين، يبقى المشهد مرهونًا بما ستحمله المواسم المقبلة، فيما تعود مياه الخابور لتجري، ولو مؤقتًا، في مجراه الذي طالما ارتبط باسم الجزيرة وخصبها.

عنب بلدي

—————————–

سورية… آلية جديدة لتوزيع أدوية السرطان/ نور ملحم

26 فبراير 2026

اعتمدت وزارة الصحة السورية آلية جديدة لتنظيم توزيع الأدوية على مرضى السرطان، بهدف ضمان وصول العلاج بشكل أكثر عدالة ووفق الأولويات الطبية. وتهدف الخطة إلى تقليل معاناة المرضى المرتبطة بصعوبات تأمين الجرعات الدوائية بالتزامن مع ارتفاع تكاليف السفر والإقامة، في حين تعمل الوزارة على سد الفجوة الدوائية عبر توريدات طارئة وخطط شراء سنوية، فضلاً عن توسيع المراكز التخصصية لتقريب الخدمة العلاجية من المرضى في مختلف المحافظات.

يتحدث غسان الأحمد، وهو مريض سرطان، عن معاناته مع تأمين الجرعات الدوائية في ظل ارتفاع أسعارها ونقصها في بعض الفترات داخل المشافي الحكومية، ويقول لـ “العربي الجديد”، إن “كلفة الجرعة الواحدة قد تصل إلى مليون ليرة سورية، وأحياناً ترتفع إلى مليون ونصف المليون في حال اضطررت إلى شرائها من خارج البلاد، ولا سيما من لبنان، بسبب عدم توفرها محلياً. تقدمت بطلب إلى وزارة الصحة للحصول على أدويتي ضمن الآلية الجديدة، وآمل الحصول عليها مجاناً، أو بسعر مدعوم بعد أن أثقلت تكاليف العلاج كاهلي خلال الفترة الماضية”.

بدوره، يؤكد فؤاد العكام، وهو متقاعد يعاني مرض السرطان، أن وضعه المادي لا يسمح له بشراء الأدوية على نفقته الخاصة، إذ لا يتجاوز راتبه التقاعدي 600 ألف ليرة، وهو مبلغ لا يكاد يغطي احتياجاته الأساسية. ويقول لـ “العربي الجديد”: “أنتظر دوري لصرف الدواء من المشفى، والآلية الجديدة لتوزيع الأدوية خطوة إيجابية، لأنها تضمن وصول العلاج إلى المرضى بشكل أكثر عدلاً ووفق الأولويات الطبية”.

وتروي منى عقلجي تفاصيل معاناتها بسبب عدم توفر الأدوية والخدمات العلاجية في منطقتها بدير الزور شرقي سورية، إذ تعاني أمراضاً مزمنة، وتقصد العاصمة دمشق بشكل دوري لتلقي العلاج، ما يضاعف الأعباء والمعاناة. وتقول لـ”العربي الجديد”: “تأمين الدواء في المحافظات الشرقية سيخفف الكثير من معاناة المرضى، ويوفر عليهم عناء السفر لساعات طويلة، إلى جانب تكاليف البقاء في العاصمة. الطاقة الاستيعابية في المشفى العام محدودة، الأمر الذي يضطرني في كثير من الأحيان إلى البقاء يومين أو ثلاثة بانتظار تأمين الدواء، ما يدفعني إلى استئجار غرفة في فندق لتأمين مكان للنوم، وهذا يزيد من الأعباء المادية والنفسية”.

وتسعى وزارة الصحة إلى تأمين أدوية السرطان عبر آلية جديدة بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والمشافي التابعة لها، خصوصاً أن مشفى البيروني في دمشق، وهو الأكبر لعلاج الأمراض السرطانية في البلاد، ألغى الاستجرار المركزي للدواء، ما يتيح توزيع الأدوية بشكل أكثر عدالة.

وأعلنت الوزارة أن الأوراق المطلوبة للتقدم بطلب الحصول على الدواء تشمل تقريراً طبياً حديثاً مفصلاً صادراً عن أحد المشافي الحكومية، وصورة عن هوية المريض، إلى جانب طلب خطي مرفق بالتقرير، مع تعبئة الاستمارة المعتمدة وتسجيلها في ديوان الوزارة.

وأكد وزير الصحة، مصعب العلي، أهمية رفع الوعي المجتمعي بالكشف المبكر عن الأمراض، وتعزيز الخدمات العلاجية في ظل الظروف الراهنة التي أثرت على توريد الأدوية النوعية. وقال لـ”العربي الجديد”، على هامش ندوة موسعة أقيمت بمناسبة اليوم العالمي للسرطان، إن “الوزارة تعمل على تخفيف العبء عن المرضى من خلال افتتاح مراكز تخصصية في محافظات عدة، من بينها حلب ودير الزور، بهدف ضمان وصول العلاج إلى جميع المواطنين، إضافة إلى التعاون مع الشركاء الدوليين لتأمين الأدوية المفقودة”.

في سياق متصل، أكدت مديرة مديرية أمراض السرطان في وزارة الصحة، غادة سوسان، بدء وصول أدوية الاحتياج الربعي الطارئ تباعاً إلى المشافي التابعة للوزارة، بالتوازي مع رفع طلبات الاحتياج السنوي. وأوضحت لـ”العربي الجديد”، أن هذه الخطوة “تهدف إلى سد الفجوة الدوائية، وتأمين العلاج للمرضى إلى حين استكمال إجراءات الشراء السنوية”، مؤكدة أن التوزيع يجري وفق أعداد المرضى والاحتياجات الدوائية التي ترفعها الأقسام والمشافي مسبقاً لضمان العدالة وتوجيه الأدوية نحو الحالات الأكثر احتياجاً.

وأقرت سوسان بوجود نقص في بعض الأدوية، معتبرة أن هذا النقص قد يستمر مؤقتاً إلى حين استكمال توريد كامل الكميات المطلوبة، مشيرة إلى أن “الشحنات التي وصلت تشمل أدوية الأورام بمختلف أنواعها، إلى جانب أدوية التصلب اللويحي، وبعض العلاجات الخاصة بالأمراض المزمنة، مع توقع وصول دفعات إضافية خلال الأشهر المقبلة لتغطية احتياجات المراكز التخصصية”.

وبحسب بيانات صادرة عن مشفى البيروني الجامعي في دمشق، تتحمل وزارة الصحة نحو 35% من عبء علاج السرطان في سورية، فيما يتوزع الباقي بين وزارة التعليم العالي والقطاع الخاص، في ظل ضغط متزايد على المراكز التخصصية.

وخلال العام الماضي، سجل مشفى البيروني الجامعي نحو 133 ألف مراجع للعيادات الخارجية، بينما تلقى نحو 77 ألف مريض العلاج الكيميائي في المستشفى، وصُرف الدواء لنحو 300 ألف مريض، إضافة إلى تنفيذ نحو 140 ألف جلسة معالجة شعاعية، وإجراء نحو 434 ألف تحليل مخبري، بما في ذلك الواسمات الورمية الخاصة بالأورام، في حين بلغ عدد حالات السرطان الجديدة المسجلة نحو 12 ألف حالة، ويستقبل المستشفى يومياً قرابة ألف مريض، يتلقى نحو نصفهم جرعات العلاج الكيميائي وفق البروتوكولات المعتمدة.

—————————–

 الجسور المقطوعة شرقي سوريا.. حلول إسعافية وسط غياب خطط شاملة

محمد كساح

2026.02.26 | 02:14 دمشق

جسور الفرات التي دمرتها “قسد”.. لا دراسات حكومية حتى الآن لتأهيلها النهائي/ محمد كساح

تكتظ المركبات عند جسر العشارة الرابط بين ضفتي نهر الفرات بمحافظة دير الزور، وذلك بعد تفجير الجسر من قبل قوات قسد قبيل انسحابها من المنطقة خلال العمليات الحربية مع الجيش السوري في الجزيرة السورية.

لكن عشائر المحافظة، وبإشراف من وزارة الإسكان، تناوبت على محاولة تأهيل الجسر بشكل إسعافي؛ فاستخدم التراب لردم الأمتار القليلة الفارغة بسبب التفجير، وجرت العملية بزمن قياسي لأن الجسر يشكل صلة الوصل بين المناطق الواقعة شرقي الفرات بالمناطق الواقعة غربيه.

وفي محافظة الرقة حيث فجرت قسد الجسر الجديد على نهر الفرات أيضاً، تكاتف أهالي الرقة مع الجهات الحكومية لإعادة تأهيل الجسر بإمكانيات بسيطة، في انتظار تدخل الدولة والمنظمات الإنسانية لإعادة تأهيل الجسر، بمواصفات عالمية.

أما في البوكمال، فيعمل الأهالي بإشراف من المحافظة على إعادة تأهيل جسر البوكمال المفجر من قبل قسد أيضاً، لكن بمواصفات وإمكانيات أفضل. تجري عملية التأهيل بالاستعاضة عن الجسر الإسمنتي السابق بجسر حديدي يصل بين ضفتي نهر الفرات.

وتشترك كل هذه الجسور في أنها محطات استراتيجية على نهر الفرات، وقد خلق تفجير قوات قسد لعدد منها تحديات كبيرة وعراقيل أمام حركة العبور بين المناطق الواقعة شرقي وغربي النهر، وقطعت الشرايين الرئيسية بين سكان المحافظة الواحدة مثل الرقة التي انفصلت الى قسمين يصعب الوصل بينهما.

ترميمات إسعافية

ولإجراء ترميمات إسعافية، شارك الدفاع المدني بالتنسيق مع مهندسين من وزارة الكوارث السورية وفريق من وزارة النقل والإسكان في تنفيذ خطة طوارئ تستهدف تأهيل الجسور بأسرع طريقة ممكنة.

 ويوضح مدير منظمة الدفاع المدني “الخوذ البيضاء” منير مصطفى لـموقع “تلفزيون سوريا” أن الجسور المدمرة تعد شرياناً حقيقياً يصل بين أطراف معينة في أماكن كثيرة شرقي وغربي الفرات. ويشير مصطفى إلى أن تدمير الجسور في الرقة ودير الزور أديا إلى تحديات هائلة في منطقة حيوية وإلى صعوبة الانتقال بين الضفاف.

ويرفض المصطفى الذريعة التي أوردتها قسد لتفجير الجسور المتمثلة بمنع تقدم القوات العسكرية، معتبراً أنها كانت لشل حركة المدنيين كإجراء عقابي بعد تخليهم عن قسد. ويلفت إلى وجود تحديات كبيرة أمام تأهيل الجسور لأنها بحاجة إلى وقت وجهد وتمويل كبير.

ولم يقدم مصطفى أي تفاصيل تتعلق بتكاليف ترميم الجسور على ضفة نهر الفرات، لأن الدفاع المدني لم يشرف على العمليات الإسعافية التي قامت بها الجهات الحكومية المعنية لإعادتها إلى العمل، مكتفياً بالمشاركة، بخلاف عمليات تأهيل جسر الرستن الذي يعمل الدفاع المدني عليها منذ قرابة عام كامل، بعد دراسة دقيقة أجراها مختصون.

وفي السياق، علم موقع تلفزيون سوريا من مصدر مطلع عدم وجود دراسة كاملة وواضحة لتأهيل الجسور التي دمرتها “قسد” على ضفة نهر الفرات لدى الحكومة حتى الآن. واكتفت الجهات المعنية بالتعاون مع المجتمع المحلي بإجراء ترميمات إسعافية للجسور. في حين لم تقدم وزارة الإسكان إجابات على استفسارات موقع تلفزيون سوريا حول الجسور وهل توجد خطة لتأهيلها كخطوة لاحقة للعمليات الإسعافية التي تم تنفيذها.

مخالفات للقانون الدولي

 وحول رأي القانون الدولي في قضية تفجير الجسور، أشار المختص بالقانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني لـ”تلفزيون سوريا” إلى أن هذه الجسور محورية في الحياة اليومية للسكان، فهي تربط بين ضفتي النهر وتسهّل حركة المدنيين ووصولهم إلى الخدمات الأساسية مثل المستشفيات، الأسواق، ومدارس الأطفال. وتدميرها يخلق أزمة تنقل وصعوبات بالوصول إلى المياه والمرافق الحيوية، ما يؤثر سلبًا على الحياة الاجتماعية لآلاف المدنيين. 

وأوضح أن قطع الجسور أدى إلى فصل الأحياء والمدن عن بعضها، ما يجعل التنقل بين المدارس والمستشفيات والأسواق أكثر صعوبة، وقد اضطر السكان إلى استخدام قوارب بوسائل غير آمنة.    

استهداف الجسور لا يقتصر فقط على قطع طرق التنقل، بحسب الكيلاني، بل يمتد ليؤثر على أطر الأمن المحلية مثل تعطيل خطوط الإمداد والإجلاء وتغذية التوترات الإثنية والسياسية.

ويؤكد أنه بموجب القانون الدولي الإنساني، تُعد الجسور والمنشآت المدنية أعياناً محمية ما لم تتحول إلى أهداف عسكرية شرعية بسبب استخدام مباشر في الأعمال القتالية. ويلفت إلى أن اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، مثل البروتوكول الأول لعام 1977، تؤكد حق حماية المدنيين ومنشآتهم في النزاعات المسلحة، وتُنظم بشكل واضح ما إذا كان يمكن اعتبار هدف ما “هدفًا عسكريًا شرعيًا” أم لا.  ويرى أن عدم احترام هذه المبادئ قد يرقى إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، وقد تترتب عليها مسؤوليات جنائية عبر آليات قضائية دولية أو وطنية.

التفجير بقصد الانتقام

إضافة لتأثيراتها الاقتصادية، حملت عمليات تفجير الجسور دلالات سياسية وأمنية واجتماعية كبيرة حيث تمثل شرايين حيوية للحركة العسكرية وبالتالي فإن تعطيلها يهدف إلى إبطاء أي تقدم بري مفاجئ وفرض وقائع ميدانية جديدة. ويتمثل البعد السياسي برسالة واضحة مفادها أن جسور التواصل بين الضفتين قد قُطعت، سواء مدنيًا أو سياسيًا.

ويرى الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة محمد السكري أن تفجير الجسور كان بصدد تحقيق غايتين لقسد، الأولى تكتيكية تقطع قدرة القوات الحكومية على الإمداد العسكري بحيث تشل القدرة على التنقل بين ضفتي نهر الفرات، والغاية الأخرى تجعل من التفجير أداة انتقامية تستهدف من خلال الحاضنة المجتمعية التي تغادرها، والانتقام من القوات الحكومية على حد سواء.

ويضيف لـموقع “تلفزيون سوريا” أن قسد تقريباً فجرت أهم الجسور النهرية في سوريا، وقد خلقت نوعاً من الإرباك بين المجتمع، تؤكده الصور الملتقطة لعبور الناس والآليات المدنية والعسكرية للجسور المدمرة بعد الإسعاف الأولي لها.

ولا تقتصر أبعاد تفجير الجسور على توجيه السهام للحاضنة الشعبية والانتقام منها، بل تسعى إلى تحميل الحكومة السورية أكلافاً باهظة تستلزمها عمليات تأهيل الجسور. ويؤكد السكري أن كل هذه الأبعاد تحمل منطقاً توحشياً لا تلجأ إليه إلا الأنظمة المستبدة، مشيراً إلى أن قسد تبنت أسلوب نظام الأسد المخلوع المتمثل بـ”الأسد أو نحرق البلد”.

تلفزيون سوريا

——————————-

======================

تحديث 25 شباط 2026

—————————–

سوريا.. من يخلّص البلاد من إرث الفساد الذي خلّفه النظام؟/ عمار عبد اللطيف

إرث الفساد الإداري في سوريا: بين تراكم العقود القديمة وحاجة المؤسسات لإصلاح شامل

2026-02-25

تواجه المؤسسات الحكومية في سوريا تحدياً مركباً يتمثل في التعامل مع إرث إداري ثقيل تراكم على مدى عقود، حيث اتسمت مراحل سابقة بانتشار الفساد والمحسوبية وضعف معايير المساءلة، إذ انعكس ذلك في تضخم الملفات المتأخرة، وتفشي الممارسات غير القانونية، وتعقيد الإجراءات البيروقراطية، ما أضعف ثقة المواطنين بأداء الجهاز الحكومي وفاعليته.

ومع دخول البلاد مرحلة إعادة البناء، بات إصلاح البنية المؤسسية أولوية ملحّة، في ظل إدراك متزايد بأن أي جهود للتعافي الاقتصادي أو الاستقرار الاجتماعي ستظل محدودة ما لم تُعالج جذور الخلل الإداري والمالي، وأن الممارسات السابقة لا تزال تلقي بظلالها على الأداء الحالي للمؤسسات، سواء من خلال شبكات المصالح المتجذرة، أو ضعف الكوادر، أو تراكم الأنظمة والإجراءات التي صُممت في بيئة تفتقر إلى الشفافية.

حزمة من الإجراءات

يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المقيم في بولندا حسام نجار إن معالجة إرث الفساد في المؤسسات الحكومية تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات العملية، في مقدمتها التحول الرقمي الشامل وتفعيل أدوات الحوكمة والرقابة الإدارية، بما يحدّ من التدخل البشري ويعزز مستويات الشفافية والمساءلة.

ويضيف نجار في حديث لـ”963+”، أن توسيع الاعتماد على التطبيقات الحكومية في إنجاز معاملات المواطنين يمكن أن يشكّل خطوة مفصلية في تقليص فرص الفساد، ولا سيما إذا ارتبطت هذه المنظومات بأنظمة تدقيق دقيقة.

ويشير، إلى أن تعزيز دور لجان المراقبة والتفتيش المركزي، ومتابعة أداء المسؤولين بشكل دوري، يسهم في ضبط الانحرافات الإدارية في مراحل مبكرة، مؤكداً أن حصر التعاملات المالية عبر القنوات المصرفية يمثل إجراءً مهماً للحد من الفساد المالي، وأن تشديد الرقابة على تضخم الأرصدة البنكية، وسنّ تشريعات واضحة تحت مبدأ “من أين لك هذا؟”، من شأنه أن يفعّل مساءلة أصحاب الثروات غير المبررة.

ويرى نجار أن الممارسات التي تراكمت خلال العقود الماضية تحولت إلى منظومة مترابطة داخل بعض المؤسسات، حيث نشأت شبكات مصالح تعمل بشكل متضامن، ولكل جهة ما يشبه “مفتاحاً” يصل إلى مستويات عليا داخلها، ويقول إن هذا الواقع جعل الفساد لدى بعض الأفراد سلوكاً راسخاً يصعب التخلي عنه بسبب العوائد المالية الكبيرة التي يحققها، محذراً من أن بعض المنتفعين قد يلجؤون إلى تعطيل المعاملات أو عرقلة سير العمل في حال تهديد مصالحهم.

ويؤكد نجار أن الفساد في الأنظمة الشمولية لا يكون دائماً نتيجة خلل عشوائي، بل يُستخدم أحياناً كأداة للسيطرة على الأفراد والمؤسسات، بحيث يتم توظيف ملفات الفساد للضغط أو الإقصاء عند الحاجة تحت عناوين مختلفة، أبرزها “مكافحة الفساد”، إضافة إلى ضرورة إصدار قوانين صارمة بعقوبات رادعة لكل فعل يضر بالمواطنين أو باقتصاد الدولة، مشدداً على أهمية تتبع مصادر ثروات المسؤولين السابقين الذين راكموا أصولاً وأموالاً كبيرة.

فساد موروث

تظهر آثار الفساد الموروث اليوم في بطء إنجاز المعاملات، وتباين جودة الخدمات بين مؤسسة وأخرى، إضافة إلى استمرار بعض أنماط السلوك الإداري التقليدي القائم على التعقيد بدلاً من التبسيط، كما أن تآكل الثقة العامة يشكّل تحدياً بحد ذاته، إذ إن استعادة ثقة المواطنين تتطلب وقتاً وإجراءات ملموسة تتجاوز الوعود والخطط النظرية.

ويقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشّمّاعي من بيروت إن الفساد الإداري المستشري في المؤسسات الحكومية في سوريا يؤثر سلباً على أدائها، ويعيق تنفيذ الخطط الحكومية أو البيان الوزاري الذي تعهدت به الحكومة أمام الشعب، مؤكداً أن الفساد اليوم يعرقل عجلة التنمية بشكل مباشر ويحدّ من قدرة المؤسسات على القيام بمهامها بكفاءة.

ويضيف الشّمّاعي في حديث لـ”963+”، أن الحكومة تحاول اليوم ملء الفراغات التي نتجت عن سنوات طويلة من التعطيل والمحسوبية، موضحاً أن الاعتماد السابق كان يقوم على سياسة التكليف لملء الشواغر بدلاً من التعيين بالأصالة، الأمر الذي أسهم في إضعاف البنية الإدارية وعرقلة عمل المؤسسات الحكومية، ولا سيما الوزارات.

ويشير إلى أن محاسبة المسؤولين عن الفساد تتطلب وجود نظام قضائي مستقل وقادر على الحكم بشفافية بحق جميع الذين شاركوا في المرحلة السابقة وتورطوا في ملفات وقضايا فساد، مؤكداً أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من عمل المؤسسات الحكومية في سوريا يحتاج بالدرجة الأولى إلى بناء منظومة قضائية فاعلة تستطيع مراقبة ومحاسبة المسؤولين، بما يعزز الثقة العامة ويمهد لإصلاح مؤسسي حقيقي.

حملة ضد الفساد

في شباط/ فبراير، كشفت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في سوريا عن نتائج حملة مكافحة الفساد في المؤسسات الحكومية التي أطلقتها منذ صيف العام الماضي.

وذكرت الهيئة أن عشرات القضايا لا تزال قيد التحقيق، حيث يعمل فريق الهيئة على دراسة ملفات الفساد التي خلفها النظام المخلوع في مؤسسات الدولة، على أن يتم الإعلان عن النتائج بعد اكتمال التحقيقات واعتمادها رسمياً.

وبينت أنها تعمل على إعادة هيكلة المنظومة الرقابية لتعزيز كفاءة المؤسسات وتحقيق الشفافية والنزاهة بما يضمن جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وأكد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عامر العلي، أن جهود مكافحة الفساد انعكست بشكل مباشر على تصنيف سوريا في مستوى النزاهة والشفافية، حيث سجلت البلاد تقدماً بثلاث درجات في تقييم عام 2025 على مؤشر مدركات الفساد (CPI) الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وفق ما أفادت به صحيفة “الثورة السورية”.

وأضاف العلي أن الهيئة وضعت خطة تهدف إلى رفع تصنيف سوريا، تشمل الانضمام إلى الشبكات الدولية لمكافحة الفساد، واستكمال المصادقة على الاتفاقيات الدولية والعربية ذات الصلة، وبناء استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، ومواءمة التشريعات المحلية مع المعايير الدولية، فضلاً عن دعم استقلالية الأجهزة الرقابية وتعزيز فعاليتها، إلى جانب تعزيز سلطات إنفاذ القانون.

وأوضح أن هذه الخطوات ستسهم في تحسين ترتيب سوريا على مؤشر مدركات الفساد، بعدما كانت خلال العقدين الماضيين في ذيل القائمة، فيما أظهر تقييم عام 2025 تحسناً ملحوظاً وإن كان طفيفاً، حيث انتقلت البلاد من الدرجة 12 إلى الدرجة 15 في مستوى النزاهة والشفافية.

وأشار العلي إلى أن الهيئة نفذت أكثر من 840 جولة رقابية خلال النصف الثاني من عام 2025، وعالجت 1830 قضية، وأحالت 1620 ملفاً إلى القضاء، وحولت 174 موظفاً إلى المحكمة المسلكية، وعاقبت 3006 موظفين مسلكياً.

ونوه إلى وجود تحديات عديدة أمام جهود الهيئة، أبرزها قصور التشريعات ووجود ثغرات تسمح بمرور الفساد، إضافة إلى مقاومة بعض الجهات والمستفيدين السابقين لأي تغيير.

ولفت رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عامر العلي، إلى وجود معوّقات ثقافية واجتماعية ناتجة عن البيئة التي رسخها النظام، حيث كان الفساد يُنظر إليه كأمر طبيعي، وكانت مؤسسات الدولة تعاني من البيروقراطية، وضعف الكفاءات، وعدم ترشيد الموارد البشرية، إضافة إلى انخفاض دخل العاملين مما يدفع بعضهم للقيام بتجاوزات.

+963

—————————–

النزوح الداخلي في سوريةقراءة في ضوء أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين/ إبراهيم دراجي

24 شباط/فبراير ,2026

تقدّم هذه الورقة قراءة سياساتية معمّقة لظاهرة النزوح الداخلي في سورية، انطلاقًا من حقيقة أن أكثر من 5.5 مليون سوري ما يزالون يعيشون خارج مناطقهم الأصلية، في تحوّل لم يعد أزمة مؤقتة بل واقعًا يعيد تشكيل المدن والاقتصاد والمجتمع.  وتبيّن الدراسة أن التحدي لم يعد في حجم النزوح ذاته، بل في كيفية إدارة الاستقرار، خاصة مع انتقال معظم النازحين إلى المدن وتباطؤ وتيرة العودة.

وتنبع أهمية هذه الورقة من أنها تنقل النقاش من منطق الاستجابة الإنسانية إلى أفق السياسات العامة، عبر طرح إطار عملي يربط العودة بفرص العمل، وتسوية الملكيات، وتمكين البلديات.

وبذلك، تفتح الورقة نقاشًا ضروريًا حول كيفية تحويل النزوح من مصدر هشاشة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الاستقرار والتنمية في سورية.

النزوح الداخلي في سورية-قراءة في ضوء أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

  تحميل الموضوع

——————

بين ضيق المعيشة وغلاء الطبابة.. الصيدلي يتحول إلى طبيب في درعا وأطباء يحذرون/ نادر دبو

سوريون يعتمدون على الصيدليات دون الأطباء

2026-02-25

“في إحدى المرات عانيت من آلام شديدة في البطن، فحصلت على مسكنات من الصيدلية دون استشارة طبية، لتتدهور حالتي لاحقاً وتستلزم تدخلاً إسعافياً”، هكذا روى سمير، 45 عاماً من ريف درعا الغربي، تجربته التي تعكس ظاهرة لجوء بعض المرضى مباشرة إلى الصيدليات للحصول على الأدوية، وهي ممارسة تثير جدلاً واسعاً في الأوساط الصحية لما لها من انعكاسات مباشرة على سلامة المرضى وجودة الرعاية الطبية.

ويبين في تصريحات لـ”963+” الواقع المعيشي الصعب الذي يدفع المرضى إلى الصيدلية كبديل عن الطبيب، والتحذيرات المهنية من تجاوز الاختصاص، تتصاعد الدعوات لضبط هذه الممارسات وتعزيز الوعي الصحي.

سمير يوضح أنه اعتاد التوجه إلى الصيدلية عند شعوره بأي ألم أو وعكة صحية، موضحاً أن الظروف المادية تحول أحياناً دون زيارته للطبيب، وأن التجربة جعلته أكثر حذراً في التعامل مع الأعراض الصحية، مؤكداً أهمية التشخيص الطبي قبل تناول الأدوية.

وتثير ظاهرة قيام بعض المرضى باللجوء مباشرة إلى الصيدليات للحصول على الأدوية جدلاً واسعاً في الأوساط الصحية، لما لها من انعكاسات مباشرة على سلامة المرضى وجودة الرعاية الطبية. وبين الواقع المعيشي الصعب الذي يدفع المرضى إلى الصيدلية كبديل عن الطبيب، والتحذيرات المهنية من تجاوز الاختصاص، تتصاعد الدعوات لضبط هذه الممارسات وتعزيز الوعي الصحي.

كلفة المعاينة تدفع الأمهات نحو الصيدلية

تقول مرفت، أم لأربعة أولاد، لـ”963+”: إنها غالباً ما تتوجه إلى الصيدلي مباشرة عند مرض أحد أطفالها، دون مراجعة الطبيب، معتبرة أن “الصيدلي سيعطيني في النهاية وصفة مشابهة لوصفة الطبيب، لأن معظم الأطباء يصفون أدوية متقاربة للحالات الشائعة مثل الرشح أو الحرارة أو التهابات الحلق”.

وتضيف أن الصيادلة، بحكم الممارسة اليومية وكثرة المراجعين، باتوا يعرفون طبيعة الوصفات التي يعتمدها كل طبيب، موضحة أن “الصيدلي في النهاية هو دكتور أيضاً وكل مرة أذهب إليه أحصل على دواء يتحسن عليه أطفالي”.

وتشير إلى أن العامل المادي يلعب دوراً أساسياً في قرارها، إذ تبلغ أجرة المعاينة الطبية نحو 50 ألف ليرة سورية، وغالباً ما يُطلب إجراء تحاليل مخبرية تبدأ أقلها من 100 ألف ليرة سورية، وبعض النتائج قد لا تظهر شيئاً في المرة الأولى ما يستدعي إعادة التحليل أو طلب تحاليل إضافية.

وتتابع أن التكلفة الإجمالية قد تصل إلى ما بين 400 و500 ألف ليرة سورية قبل الحصول على العلاج، في حين أن الصيدلي قد يصرف وصفة دوائية كاملة بسعر يقارب 50 ألف ليرة سورية فقط، دون تكاليف إضافية.

وتختم حديثها بالتأكيد على أن الأمر يختلف بحسب الحالة الصحية، قائلة إن “ليس كل مرض يحتاج إلى طبيب، ولا كل حالة تستدعي الذهاب مباشرة إلى الصيدلي، فالأمر يتوقف على طبيعة المرض وشدة الأعراض”، مشددة على أنها تلجأ للطبيب عندما تشعر بأن الحالة تتجاوز الأعراض البسيطة أو المعتادة.

مسؤولية التشخيص وحدود دور الصيدلاني

تقول الدكتورة الصيدلانية صبرية حرب لـ”963+”: إن الطبيب هو المسؤول عن فحص المريض وتشخيص حالته بناءً على الفحص السريري والتحاليل المخبرية والصور الشعاعية، وأضافت أن الطبيب يحدد العلاج المناسب، بينما يقتصر دور الصيدلاني على صرف الدواء وتقديمه للمريض وفق الوصفة الطبية، ونوهت إلى أن هناك حالات محددة تتعلق بالأدوية التي تُصرف دون وصفة طبية (OTC)، مثل أدوية الحساسية والمسكنات، حيث يمكن للصيدلاني صرفها ضمن حدود مهنية محددة.

وتضيف أن الصيدلاني يكون مستمعاً جيداً لشكوى المريض، ويتعامل مع حالات متعددة، خاصة لدى المرضى غير القادرين مادياً على زيارة الطبيب، وأردفت أن الصيدلاني قد يوجّه المريض ويقدم له المشورة الدوائية المناسبة بناءً على الأعراض التي يذكرها، مع ضرورة مراعاة الحدود المهنية والمسؤولية الصحية.

وتشير إلى أن صرف الأدوية، خاصة المسكنات، دون تشخيص دقيق قد يشكل خطراً على صحة المريض، وأضافت أن بعض الحالات مثل التهاب الزائدة الدودية أو التهاب المرارة قد تتشابه أعراضها مع آلام بسيطة، ونوهت إلى أن استخدام المسكنات في هذه الحالات قد يؤدي إلى إخفاء الأعراض وتأخير التشخيص، ما قد يسبب مضاعفات خطيرة مثل انفجار الزائدة الدودية.

وتضيف أن العديد من الأعراض قد تكون مشتركة بين حالات بسيطة وأخرى خطيرة، مثل الغثيان والإقياء وآلام البطن، وأردفت أن التحاليل المخبرية، وخاصة ارتفاع عدد الكريات البيضاء، تلعب دوراً أساسياً في تحديد طبيعة المرض والوصول إلى التشخيص الصحيح، وهو ما لا يمكن تأكيده دون تقييم طبي متخصص.

وتؤكد أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية يشكل خطراً كبيراً، وأضافت أنه يؤدي إلى زيادة مقاومة الجراثيم للصادات الحيوية، ونوهت إلى إمكانية صعوبة علاج الالتهابات مستقبلاً وزيادة تعقيد الحالة المرضية.

وتشير إلى أن مهنة الصيدلة تقوم على أسس أخلاقية وإنسانية، وأضافت أنه يجب على الصيدلاني الالتزام بالقوانين والأنظمة الناظمة للمهنة، وأردفت أنه لا ينبغي أن يخضع لأي ضغوط اقتصادية أو اجتماعية تدفعه إلى تجاوز مسؤولياته المهنية.

خطر ممارسة المهنة من قبل غير المؤهلين

وتنوه إلى أن ظاهرة وجود أشخاص غير مؤهلين يمارسون مهنة الصيدلة تشكل خطراً كبيراً على المجتمع، وأضافت أن هؤلاء يفتقرون إلى المعرفة العلمية اللازمة، وهدفهم غالباً يكون الربح المادي فقط، ما يهدد سلامة المرضى ويؤثر سلباً على المهنة.

ويقول الدكتور وسام أبو السل، أخصائي جراحة بولية، لـ”963+”: إن هناك زيادة ملحوظة في أعداد المرضى الذين راجعوا العيادة بعد تناول أدوية بشكل عشوائي من الصيدليات دون تقييم طبي صحيح.

ويشير إلى أن السبب غالباً عدم استجابة المرضى للعلاج أو غياب التحسن، ما يدفعهم لاحقاً للبحث عن استشارة طبية، محذراً من أن تناول المسكنات أو المضادات الحيوية عشوائياً قد يخفي الأعراض ويؤخر التشخيص، ويصعّب اكتشاف حالات تحتاج لتدخل عاجل.

ويوضح أن التعامل الطبي يبدأ بالتقييم السريري الأولي، ويُطلب التحاليل والصور الشعاعية حسب الحاجة للوصول إلى تشخيص دقيق، وأردف أن الهدف الأساسي هو وضع العلاج المناسب بناءً على تشخيص صحيح.

ويؤكد أن المعاينة الطبية بحد ذاتها تُعد الأقل تكلفة على المريض، وأضاف أن بعض الحالات قد تتطلب تحاليل مخبرية أو صوراً شعاعية إضافية، لكنه نوه إلى أن الأطباء يحرصون على طلب الاستقصاءات الضرورية فقط، وتجنب أي تكاليف إضافية غير لازمة.

ويشير إلى أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية قد يؤدي على المدى المتوسط إلى اضطراب التوازن الطبيعي للبكتيريا في الجسم، مما يزيد من احتمال تكرار الالتهابات نتيجة مقاومة البكتيريا، ونوه إلى إمكانية تأثير ذلك على الكلى مثل ارتفاع الكرياتينين أو التهابات كلوية في حالات نادرة، وقد يؤدي على المدى البعيد إلى أمراض كلوية مزمنة أو تحسس دوائي دائم.

ويؤكد أنه شهد حالات وصلت إلى مراحل متقدمة نتيجة الاستخدام العشوائي للأدوية، وأضاف أن بعض المرضى راجعوا بحالات التهابات بولية مقاومة للعلاج بسبب تناول المضادات الحيوية دون إشراف طبي.

ويقول إن المسؤولية مشتركة، ترتبط بواقع النظام الصحي والظروف الاقتصادية من جهة، وبالثقافة الطبية لدى المرضى من جهة أخرى، ما يدفع البعض إلى اللجوء للصيدليات بدلاً من مراجعة الطبيب.

وينوه إلى أهمية توجه المرضى إلى الطبيب لتقييم حالتهم بشكل دقيق والحصول على العلاج المناسب، وأضاف أنه في الحالات الإسعافية أو عند عدم توفر الطبيب، يجب التوجه إلى أقرب مشفى أو مركز صحي للحصول على الرعاية اللازمة.

ويختم حديثه بالدعوة إلى تطوير النظام الصحي وتقديم الدعم الكافي للمشافي والمراكز الصحية، مع ضرورة فرض قوانين تمنع صرف الأدوية دون وصفة طبية، ونوه إلى أهمية تنظيم عمل الصيدليات بما يضمن عدم تشخيص الأمراض أو وصف العلاجات دون إشراف طبي.

أهمية التكامل بين الطبيب والصيدلاني

تختم الدكتورة صبرية حرب بالتأكيد على أهمية التعاون بين الطبيب والصيدلاني من أجل مصلحة المريض، وأضافت أن التكامل بين الطرفين يساهم في تحسين جودة الرعاية الصحية، ونوهت إلى ضرورة تعزيز الوعي لدى المرضى بأن الصيدلاني ليس بديلاً عن الطبيب، بل شريك أساسي في ضمان الاستخدام الآمن والفعال للأدوية.

وفي ظل الأزمات الاقتصادية، يلجأ كثير من المرضى للصيدلية كخيار أسرع وأرخص، لكن تجاوز حدود الاختصاص أو استخدام المضادات الحيوية عشوائياً قد يسبب مضاعفات خطيرة وتأخير تشخيص الأمراض. وتؤكد الشهادات والآراء الطبية أن المسؤولية مشتركة بين وعي المريض، والتزام الصيدلاني، ودقة تقييم الطبيب، حيث يبقى التكامل بين الطبيب والصيدلاني أساس حماية المجتمع وضمان الاستخدام الآمن للأدوية.

+963

—————————–

أسعار اللحوم في دمشق تقفز بنسبة 90%/ نور ملحم

25 فبراير 2026

تشهد أسواق اللحوم الحمراء في العاصمة السورية دمشق موجة ارتفاع حادة مع حلول شهر رمضان، في ظل تراجع المعروض وارتفاع تكاليف التربية والتغذية، إضافة إلى عوامل تتعلق بالتصدير والتهريب، ما جعل اللحوم خارج قدرة شريحة واسعة من السوريين، وأعاد الجدل حول سياسات تنظيم السوق وحماية المستهلك.

وقال عضو جمعية اللحامين في دمشق يحيى أبو أكرم إن أسعار اللحوم الحمراء شهدت ارتفاعاً كبيراً مع بداية موسم شهر رمضان، مشيراً إلى أن نسبة الزيادة وصلت إلى نحو 90% للحم الصافي دون عظم أو دهن مقارنة بالفترة السابقة.

وأوضح في حديث لـ”العربي الجديد” أن سعر كيلوغرام الغنم الحي كان يراوح بين 50 و52 ألف ليرة سورية (نحو 3.3 – 3.5 دولارات)، بينما ارتفع حالياً إلى نحو 72 ألف ليرة (حوالي 4.8 دولارات)، أي بزيادة تقارب 50%، كما ارتفع سعر الخروف المذبوح الكامل مع الدهن من 70 ألف ليرة (قرابة 4.7 دولارات) إلى نحو 115 ألف ليرة (حوالي 7.6 دولارات).

ووفق عضو جمعية اللحامين في دمشق، فإن أسعار اللحوم المنظفة (الهبرة) شهدت ارتفاعاً أكبر نتيجة عدم ارتفاع أسعار الدهن بالمستوى نفسه، ما انعكس على كلفة اللحوم الصافية. وأضاف أن لحم العجل الصغير حافظ على استقرار نسبي، حيث يراوح سعر كيلوغرام الهبرة منه بين 150 و160 ألف ليرة سورية (نحو 10 – 11 دولاراً)، مشيراً إلى أن الفروقات في الأسعار تعود إلى نوع الذبيحة والعمر وجودة اللحم.

وعزا أبو أكرم أسباب الارتفاع إلى عوامل موسمية، موضحاً أن السوق يمر حالياً بمرحلة انتقالية بين نهاية موسم العام الماضي وبداية الموسم الجديد، حيث ينخفض عدد الأغنام المتاحة قبل ولادة القطيع الجديد في الربيع، ما يؤدي إلى نقص العرض وارتفاع الأسعار، متوقعاً أن يستمر هذا الارتفاع حتى شهر إبريل/ نيسان قبل أن تبدأ الأسعار بالانخفاض تدريجياً مع زيادة المعروض.

وأشار إلى أن الطلب يرتفع عادة في الأيام الأولى من شهر رمضان نتيجة زيادة الاستهلاك والعزائم، إلا أنه يتراجع لاحقاً بسبب ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، لافتاً إلى أن الاستهلاك اليومي في دمشق انخفض بشكل كبير مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، إذ تراجع عدد الذبائح اليومية من نحو عشرة آلاف رأس إلى ما بين 300 و600 رأس فقط في أفضل الأحوال، وأكد أن هذا التراجع في الاستهلاك دفع العديد من العائلات إلى شراء كميات قليلة من اللحوم، مثل نصف كيلوغرام أو أقل، بدلاً من شراء كميات كبيرة كما كان في السابق، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل.

كما شدد على أن سوق اللحوم في دمشق يخضع لرقابة أكبر مقارنة بالأرياف، حيث يعتمد بشكل رئيسي على المسلخ المركزي الخاضع للإشراف الصحي، في حين تنتشر في بعض مناطق الريف عمليات ذبح خارج المسالخ النظامية لتجنب الرسوم، ما يسمح بدخول لحوم غير مختومة أو غير مراقبة صحياً إلى الأسواق.

من جهته، قال أمين سر جمعية حماية المستهلك بدمشق عبد الرحمن خبزة إن موضوع اللحوم في سورية يُعد من أكثر الملفات حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي للمواطن واعتماده عليه بوصفه مكوّناً رئيسياً في غذائه اليومي، محذّراً من أن أي خلل في توافر المادة أو في أسعارها يفتح الباب أمام استغلال المستهلك وإرهاقه مالياً.

وأوضح خبزة، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تصدير كميات كبيرة من لحم العواس إلى أسواق السعودية ودول الخليج أدى إلى خلل واضح في توازن العرض داخل السوق المحلية، مشيراً إلى أن هناك قراراً سابقاً كان يلزم المصدّر بإدخال رأسين من الغنم إلى السوق مقابل كل رأس عواس يتم تصديره، إلا أن هذا القرار لا يُطبّق حالياً رغم الحاجة الملحّة إليه لضبط السوق وتأمين بدائل بأسعار أقل للمواطن.

وأضاف أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بالتصدير، بل يتأثر أيضاً بعمليات تهريب الأغنام عبر خطوط معروفة تمر بمناطق مثل تدمر والضمير والرحيبة وغيرها، وهي عمليات تجري بعلم الجهات المعنية، على حد قوله، ما يساهم في استنزاف القطيع المحلي وزيادة الضغط على الأسعار، وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وخاصة أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية المستوردة.

وفي سياق متصل، لفت إلى أن مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق كثّفت رقابتها على الأسواق، حيث نفّذت إغلاقات إدارية بحق عدد من محال بيع وتجهيز اللحوم نتيجة مخالفات جسيمة، كما ضبطت دوريات التموين حالات غش وتلاعب بالمواصفات وعدم الالتزام بشروط الصحة والسلامة العامة، مؤكداً ضرورة استمرار هذه الإجراءات لحماية المستهلك وضبط الأسواق.

العربي الجديد

—————————–

تل أبيض ورأس العين تودعان سنوات شحّ الادوية

وصول ست شحنات من الإمدادات

بعد حصار استمر ست سنوات، توفرت الأدوية مجددًا في مدينتي رأس العين وتل أبيض، شمالي سوريا، لا سيما الخاصة بالأمراض المزمنة مثل أدوية القلب والضغط والسكري، وذلك عقب فتح طريق رأس العين- الرقة إثر انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

وقال عدد من المرضى لعنب بلدي، إن توفر هذه الأدوية خفّف معاناة استمرت لسنوات، بعدما اضطروا إلى استبدالها بأدوية تركية مختلفة في التركيبة، أو الاستغناء عنها في بعض الأحيان، ما أدى إلى تدهور حالتهم الصحية لدى عدد من المرضى خلال فترة الانقطاع.

بدأت الصيدليات في رأس العين وتل أبيض توفّر الأدوية التي كانت مفقودة ويصعب إدخالها خلال السنوات الماضية، مثل “الميتفورمين” و”الأنسولين” و”أملوديبين” و”كابتوبريل”.

شعور بالاستقرار العلاجي

أُصيب محمد السلطان (61 عامًا)، من مدينة تل أبيض، منذ تسع سنوات بمرض السكري من النوع الثاني، ويعتمد في علاجه على دواء “الميتفورمين” و”الإنسولين” لضبط مستوى السكر في الدم.

وقال السلطان لعنب بلدي، إن انقطاع الدواء خلال السنوات الماضية اضطره إلى استخدام بدائل مختلفة في التركيبة، أو تخفيف الجرعات في بعض الفترات، بسبب صعوبة إدخال الأدوية وارتفاع أسعارها.

وأوضح أن هذا الانقطاع أدى إلى تراجع وضعه الصحي وتعرضه لارتفاعات متكررة في مستوى السكر، ما زاد من معاناته خلال فترة غياب العلاج المنتظم.

واعتبر أن عودة توفر “الميتفورمين” و”الأنسولين” في صيدليات المدينة خففت من معاناته، وأعادت له إمكانية الالتزام بالعلاج بشكل منتظم بعد سنوات من الانقطاع.

وأبدى حماد كرم الدين (55 عامًا)، من مدينة رأس العين، ارتياحه بعودة توفر دوائه الخاص بمرض القلب، وهو دواء “كلوبيدوغريل” الذي يستخدمه بشكل منتظم للوقاية من الجلطات.

وقال إن فقدان دوائه خلال السنوات الماضية وضعه أمام خيارات محدودة، واضطره في كثير من الأحيان إلى تأمين العلاج عبر وسطاء وبأسعار مرتفعة، أو استبداله في الأدوية التركية.

وأضاف أن غياب الدواء شكّل عبئًا نفسيًا عليه وعلى عائلته، في ظل القلق المستمر من أي طارئ صحي قد يهدد حياته، مع صعوبة الوصول إلى بدائل آمنة وموثوقة.

وذكر أن عودة توفر دواء “كلوبيدوغريل” في صيدليات رأس العين، أعادت له الشعور بالاستقرار، ومكّنته من العودة إلى العلاج المنتظم بعد سنوات من الانقطاع.

وعانى المرضى في رأس العين من نقص حاد في الأدوية خلال سنوات الحصار المفروض على رأس العين وتل أبيض، ما أدى إلى تسجيل وفيات في بعض الحالات بسبب انقطاع الدواء وصعوبة الوصول إليه، إضافة إلى الإجراءات البيروقراطية المعقدة لتحويل المرضى إلى تركيا عبر المشافي.

ست شحنات أدوية تصل للمدينتين

وصلت إلى مدينتي رأس العين وتل أبيض ست دفعات من الأدوية خلال الفترة الأخيرة، قادمة من محافظتي الرقة وحلب، عبر موردين متعاقدين مع شركات أدوية، وشملت أصنافًا من الأدوية الأساسية والمزمنة وحليب الأطفال لتعزيز الإمدادات الدوائية في المدينتين.

قال عصام العريان، أحد موردي الأدوية إلى مدينتي رأس العين وتل أبيض، لعنب بلدي إن واقع إدخال الأدوية تغيّر عمّا كان عليه سابقًا، وبدأت شحنات الأدوية تدخل إلى المدينتين بشكل متتالٍ.

وأوضح العريان أن الموردين تخلّصوا من الإتاوات التي كانت تفرضها “قسد” على الأدوية، والتي كانت تتراوح بين 50 إلى 70٪ على بعض الأصناف، ما كان يرفع التكاليف على المورد والصيدلي والمريض.

وأضاف أنهم أدخلوا إلى رأس العين وتل أبيض ست شحنات من الأدوية، بوزن إجمالي بلغ 35 طنًا، وتضم أصنافًا متنوعة، أبرزها أدوية الأمراض المزمنة، و”الإنسولين”، وأدوية الصرع وحليب الأطفال.

وأشار إلى أن بيع هذه الأدوية بدأ وفق تسعيرة وزارة الصحة، بما يتيح توفيرها للمرضى بأسعار أقل مقارنة بالفترات السابقة.

ولوحظ تحسّن ملحوظ في توفر الأصناف الدوائية الأساسية داخل صيدليات رأس العين وتل أبيض، ولا سيما أدوية الأمراض المزمنة، بعد سنوات من الانقطاع وصعوبة إدخال الشحنات، بالتزامن مع انخفاض أسعار عدد من الأدوية مقارنة بالفترات السابقة.

الصيدلاني عمار سلمان من تل أبيض قال لعنب بلدي إن 90٪ من أصناف الأدوية عادت إلى التوفر في المدينة بعد انقطاع مجموعة كبيرة منها لفترة طويلة.

وأوضح أن الصيادلة كانوا سابقًا يضطرون لتقديم أدوية تركية مشابهة للمرضى للحفاظ على سلامتهم، لكنها تختلف في التركيبة أو النسب الكيميائية، ما يؤثر على فعاليتها.

وبيّن أن الأدوية متوفرة الآن بكل أنواعها، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة، إضافة إلى حليب الأطفال السوري الذي عاد إلى الصيدليات بعد فترة انقطاع.

وأشار إلى أن التوفر الحالي أسهم في تخفيف معاناة المرضى وعودة الالتزام بالعلاج بشكل منتظم.

وتقع رأس العين وتل أبيض بمحاذاة الحدود التركية، وتخضعان لسيطرة الحكومة السورية، وكانت تحيط بهما جبهات القتال مع “قسد” ما شكّل حصارًا على المدينتين، في حين تبقى الحدود التركية منفذهما الوحيد نحو الخارج.

وبدأ حصار المدينتين بعد عملية “نبع السلام” التي أطلقها الجيش التركي، بالشراكة مع “الجيش الوطني السوري” (انضم إلى وزارة الدفاع) والذي كانت تدعمه أنقرة.

ومنذ سيطرة “الجيش الوطني” والتركي على المنطقة، انقطعت مدينتا رأس العين وتل أبيض عن بقية المناطق السورية، حيث اضطر سكانها إلى سلوك طرق التهريب للوصول إلى بقية المناطق السورية.

وبحسب ما رصدته عنب بلدي، تراوحت حينها تكلفة الرحلة للشخص الواحد بين 150 و230 دولارًا، وهو مبلغ يصعب على كثير من الأهالي توفيره.

—————————–

دمشق ترسل 100 ألف كتاب مدرسي لدعم العملية التعليمية في الحسكة

تخصيص 100 ألف كتاب مدرسي لمحافظة الحسكة

2026-02-25

أعلنت وزارة التربية السورية، الأربعاء، تخصيص 100 ألف كتاب مدرسي لمحافظة الحسكة، في خطوة قالت إنها تأتي دعماً للعملية التعليمية وتعزيزاً لاستقرار الواقع التربوي في المحافظة.

وذكر المكتب الصحفي في محافظة الحسكة أن القرار جاء بتوجيه من وزير التربية محمد تركو، ضمن خطة الوزارة لتأمين احتياجات المدارس من الكتب الدراسية.

وأوضح أن توزيع الكتب سيتم بإشراف ومتابعة محافظ الحسكة نور الدين أحمد، حيث ستباشر الجهات المعنية إيصالها إلى المجمعات التربوية في مختلف مناطق المحافظة، تمهيداً لتوزيعها على المدارس والطلاب في الوقت المناسب.

وبحسب المكتب، تُعد هذه الشحنة الدفعة الأولى التي تصل إلى الحسكة من دمشق، على أن تتبعها دفعات إضافية خلال الفترة المقبلة لتغطية الاحتياجات المتبقية.

وكان الوزير تركو قد وصل، الأحد، إلى محافظة الحسكة برفقة وفد مرافق، حيث استقبله المحافظ في مبنى المحافظة.

وناقش الجانبان خلال اللقاء واقع القطاع التعليمي في المنطقة، إلى جانب التحضيرات الجارية لامتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة.

كما تطرقت المباحثات إلى آليات تنفيذ المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي نصّ على اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية، وفق ما أورده المكتب الصحفي في المحافظة.

وكان الجنرال مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، قد كشف السبت الماضي، عن ترتيبات قادمة مع وزارة التربية في الحكومة السورية لمناقشة اعتماد اللغة الكردية كلغة تعليمية رسمية في المدارس، في إطار المرسوم الرئاسي رقم 13 الصادر منتصف الشهر الماضي.

وفي تصريح بمناسبة “اليوم العالمي للغة الأم”، وصف عبدي المرسوم الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع بالاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية بـ”الخطوة الإيجابية”، لكنه شدد على أن هذه الإجراءات لا تكفي وحدها، داعياً إلى مراعاة المستوى العملي الذي وصلت إليه اللغة في المناطق الكردية عند تنفيذها.

وأشار عبدي إلى أن موضوع تعليم اللغة الكردية كان من أبرز النقاط التي نوقشت في اجتماعاته الأخيرة مع دمشق، ضمن إطار اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير 2026 بين الحكومة السورية و”قسد”.

وقال: “نرى في المرسوم رقم 13 قاعدة يمكن البناء عليها لتحقيق تقدم أكبر في المجال التعليمي والثقافي”.

وأضاف: “تم الاتفاق على متابعة جهود اعتماد اللغة الكردية في التعليم، وسيعقد قريباً اجتماع مهم بين هيئة التربية التابعة لنا ووزارة التربية السورية لبحث آليات تنفيذ خطوة موسعة استناداً إلى المرسوم”.

————————-

======================

تحديث 24 شباط 2026

—————————–

 التعليم في سوريا.. قطاع يعاني بغياب استراتيجية للدولة/ محمد ديب بظت | عدي حاج حسين | محمد موفق الخوجة

الاحتجاجات.. الوسيلة الأخيرة للمعلم

في بلد خرج من طبقات ثقيلة من الحرب، لم تكن المدارس أول ما تعافى، ولا كان المعلم آخر من دفع الثمن، فاليوم، يتوزع ملف المعلمين في سوريا بين احتجاجات على الرواتب والعقود، ومصير وظيفي معلّق، وفصول دراسية تفتقد لأبسط مقومات التعليم.

من الشمال إلى الساحل، ومن الشرق إلى المدن الكبرى، تتشابه الشكاوى وتختلف التفاصيل، لكن القاسم المشترك هو شعور المعلم بأنه يقف وحيدًا في مواجهة واقع معيشي صعب، ومؤسسة تعليمية مثقلة بالإرث والتحديات.

يتناول هذا الملف واقع المعلمين في محافظات سورية مختلفة، بدءًا من الإضرابات والاحتجاجات المرتبطة بالأجور والعقود، مرورًا بمشكلات التثبيت الوظيفي، وصولًا إلى النقص الحاد في التجهيزات المدرسية، من الكتب إلى وسائل التدفئة والمقاعد، كما يضيء على شهادات معلمين يعيشون هذه التحولات يوميًا، ويستند إلى آراء خبراء تربويين لمناقشة جذور الأزمة وإمكانيات معالجتها، في محاولة لفهم ما يحدث داخل المدرسة السورية، بوصفها مرآة لما يحدث خارجها.

إضراب الشمال يتصدر المشهد

يتصدر إضراب المعلمين في الشمال السوري مشهد الاحتجاجات التعليمية، بوصفه التعبير الأوضح عن أزمة تتجاوز مسألة الرواتب إلى طبيعة العلاقة بين المعلم والمؤسسة التربوية.

ومع دخول الإضراب أسبوعه الرابع، يتمسك معلمون بخيار تعليق الدوام بعدما وصفوه باستنفاد وسائل المطالبة التقليدية، مطالبين بسلم أجور عادل يضمن حدًا أدنى من الاستقرار المعيشي، ومسارًا واضحًا للتثبيت الوظيفي.

ويقول معلمون إن مطالبهم لا تقتصر على تحسين الدخل، بل تشمل إنهاء حالة “الهشاشة الوظيفية” وغياب الضمانات المهنية، مؤكدين أن استقرار المعلم يشكل أساسًا لاستقرار العملية التعليمية.

وبينما انعكس الإضراب مباشرة على المدارس، يجد المسؤولون أنفسهم أمام تحدي الموازنة بين استمرارية التعليم والاستجابة لمطالب شريحة واسعة من الكوادر التربوية، في ظل دعم شريحة من الأهالي لهذه المطالب.

في سياق موازٍ، تشهد محافظتا طرطوس واللاذقية احتجاجات دورية منذ مطلع شباط الحالي، نفذها معلمون متعاقدون رفضًا لقرارات إعادة فرزهم إلى محافظاتهم الأصلية، بعد أن كانوا قد نُقلوا سابقًا بقرارات وزارية استندت إلى احتياج فعلي.

ويصف المحتجون هذه القرارات بأنها “فصل تحت الضغط”، معتبرين أنها تهدد استقرارهم الوظيفي والاجتماعي، خاصة بعد استكمالهم إجراءات النقل.

ويقول المعلمون إن وزارة التربية، بإدارة الوزير محمد عبد الرحمن تركو، لم تأخذ بعين الاعتبار القرارات السابقة الصادرة في عهد الوزير نذير القادري، خصوصًا في الأرياف التي تعتمد بشكل كبير على المعلمين المتعاقدين.

إلى جانب ذلك، يبرز ملف المعلمين الذين عملوا سابقًا في مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، إذ يواجه هؤلاء حالة من عدم الوضوح بشأن الاعتراف بخدمتهم السابقة وآلية تثبيتهم ضمن الهيكلية التعليمية الجديدة، ما يعكس تحديات أوسع في إدارة قطاع التعليم خلال المرحلة الانتقالية.

طلاب يتحلقون حول معلمهم لأخذ الدرس تحت الشمس بسبب عدم توفر مازوت للتدفئة داخل الصف – 28 كانون الأول 2025 (عنب بلدي)

طلاب يتحلقون حول معلمهم لأخذ الدرس تحت الشمس بسبب عدم توفر مازوت للتدفئة داخل الصف – 28 كانون الأول 2025 (عنب بلدي)

إضراب بعد “وعود غير منفذة”

في الشمال السوري، يرى معلمون أن الإضراب جاء بعد سلسلة طويلة من الوعود التي لم تنفذ.

وقال مسؤول المجمع التربوي في أخترين بريف حلب الشمالي، شحادة قاسم، إن المعلمين نفذوا سابقًا وقفات احتجاجية وطالبوا بزيادة الرواتب وتثبيتهم وإعادة المفصولين، “إلا أن أيًا من تلك الوعود لم ينفذ حتى الآن”.

وأضاف، في حديث إلى عنب بلدي، أن المعلمين لم يجدوا وسيلة أخرى للتعبير عن مطالبهم سوى الإضراب، مشيرًا إلى أن عدد المدارس المشاركة بلغ نحو 1700 مدرسة في شمال حلب وإدلب.

وأوضح أن المطالب الأساسية تتمثل في زيادة الرواتب والتثبيت وإعادة المفصولين، مؤكدًا أنها “ليست مطالب تعجيزية”، بل ترتبط بالحد الأدنى من العيش الكريم، في ظل رواتب لا تكفي لأكثر من أسبوع واحد.

وأشار إلى أن نقابة المعلمين تواصلت مع مديرية التربية منذ وقت مبكر وقدمت مطالب المعلمين، كما عقدت اجتماعات لاحقة أعقبتها احتجاجات، إلا أن النتائج اقتصرت على الوعود دون تنفيذ فعلي، معتبرًا أن غياب الالتزام أسهم في تصاعد الاحتقان.

وأكد أن قرار الاستمرار في الإضراب يعود للمعلمين أنفسهم، لافتًا إلى أن الإضراب لا يتعلق بالرواتب فقط، بل يشمل تثبيت المعلمين وإعادة المفصولين وتوفير مستلزمات التعليم، مشيرًا إلى أن أبرز ما يفتقده المعلمون هو “الشفافية” في التعامل معهم.

 عدد المدارس المشاركة بالإضراب بلغ 1713 مدرسة في حلب وإدلب، سواء بشكل كامل أو جزئي.

المصدر: إحصائية للمعلمين ضمن غرف ومجموعات خاصة للمعلمين على مواقع التواصل.

مشاركة واسعة

من جانبه، قال خالد الموسى، عضو فرع “نقابة المعلمين الأحرار” ومدير مدرسة “قنطرة” الإعدادية، إن نسبة المشاركة في الإضراب تجاوزت 90% في مدينة الباب وريفها.

وأضاف، في حديث إلى عنب بلدي، أن عدد المدارس المشاركة بلغ 1713 مدرسة في حلب وإدلب، سواء بشكل كامل أو جزئي، مشيرًا إلى أن الراتب الذي يقارب 90 دولارًا لا يكفي في ظل الظروف الحالية.

وأوضح أن المعلمين انتظروا طويلًا دون صدور قرار رسمي واضح لتحسين الرواتب، رغم الوعود المتكررة، لافتًا إلى وجود تفاوت في الرواتب بين المناطق دون توضيح الأسباب.

وأشار الموسى إلى ضعف التواصل مع مديريات التربية، موضحًا أن المعلمين دعوا مدير تربية حلب إلى اجتماع في مدينة الباب، لكنه لم يحضر واكتفى بإرسال وفد، ما دفع المعلمين إلى الانسحاب.

وأضاف أن المعلمين يرغبون بالعودة إلى مدارسهم، لكنهم اضطروا إلى الإضراب في ظل غياب الاستجابة، لافتًا إلى مشكلات أخرى، منها نقص الكتب والكوادر، وعدم استكمال ملفات تثبيت المعلمين وإعادة المفصولين.

بدوره، قال المعلم فؤاد اليوسف، من إدلب، إن مشاركته في الإضراب لا ترتبط بالراتب فقط، بل بجملة من الملفات التي تمس استقرار المعلم وكرامته المهنية.

وأضاف، في حديث إلى عنب بلدي، أن الراتب الحالي لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، مؤكدًا أن المعلمين يطالبون بسلم أجور واضح يمنحهم استقرارًا وظيفيًا.

وأشار أن الإضراب “لم يكن خيارًا مفضلًا”، لكنه جاء بعد استنفاد وسائل أخرى، مشيرًا إلى أن وعودًا سابقة لم تُنفذ، ما عزز فقدان الثقة بأي تعهدات غير مقرونة بإجراءات عملية.

ولفت إلى أن الإضراب أثر على العملية التعليمية، لكنه أكد أن الأهالي أبدوا دعمًا لمطالب المعلمين، مطالبين الجهات المعنية بالاستجابة لها حفاظًا على استقرار التعليم.

الملاك العددي.. معضلة معلمي الساحل

في سياق تصاعد الاحتجاجات المرتبطة بملفات المعلمين، شهدت مدينة طرطوس منذ 1 من شباط الحالي اعتصامات متكررة نفذها معلمون متعاقدون أمام مديرية التربية، احتجاجًا على قرارات صادرة عن وزارة التربية والتعليم السورية، وصفوها بـ”الظالمة”، معتبرين أنها تهدد استقرارهم الوظيفي وتضعهم أمام مصير إداري ومهني غير واضح، بعد سنوات من العمل ضمن عقود يفترض أن تفضي إلى تثبيتهم، وهو ما فتح الباب أمام أزمة أوسع تتعلق بواقع المتعاقدين في الساحل السوري وتعقيدات أوضاعهم القانونية والإدارية.

وفق شهادات حصلت عليها عنب بلدي من معلمين متعاقدين في الساحل السوري، فإن ملفهم يعود إلى مسابقة أُعلنت عام 2021 خلال تولي عماد العزب وزارة التربية، واستكملت إجراءاتها في عهد الوزير الذي خلفه دارم طباع، حيث جرى تعيين معلمين مجازين جامعيين بموجب مسابقات نظامية خضعت لاختبارات كتابية وشفهية، وأُبرمت معهم عقود سنوية مع وعود بثبيتهم حكمًا بعد إتمام خمس سنوات من الخدمة الفعلية.

وبحسب الشهادات، لم يتقدم هؤلاء المعلمون أساسًا إلى شواغر في محافظتي اللاذقية وطرطوس، رغم أنهم من أبنائها، بسبب ما يعرف بـ”الملاك العددي”، إذ لم تكن المحافظتان تتضمنان شواغر عددية كافية تسمح بالتعيين المباشر، على الرغم من وجود شواغر وحاجة فعلية لاختصاصاتهم، في المقابل، أُعلن عن شواغر إضافية لمصلحة محافظات أخرى، فتقدم المعلمون إليها، وعُيّنوا فيها رسميًا، وباشروا عملهم وفق تلك الشواغر.

ومع استمرار النقص في الكوادر التعليمية بالساحل، أصدرت وزارة التربية لاحقًا قرارات وزارية بما يعرف بـ”تحديد مركز العمل”، الذي يسمح بموجبه بنقل المعلم من المحافظة المعيّن على ملاكها العددي إلى محافظة أخرى تعاني نقصًا فعليًا، مع بقائه إداريًا وماليًا على ملاك المحافظة الأصلية.

وبموجب هذه القرارات، حُدد مركز عمل عدد من المعلمين في مدارس الساحل، إذ باشروا العمل فعليًا هناك، بينما استمرت رواتبهم تُصرف من المحافظات المعيّنين عليها، وسط وعود متكررة بتوسيع الملاك العددي لمحافظتي اللاذقية وطرطوس وتسوية أوضاعهم ونقلهم نقلًا نهائيًا.

بعد سقوط النظام السابق، قال وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، نذير القادري، إنه “لا يوجد في القانون ما يعرف بتحديد مركز العمل”، ليصار لاحقًا إلى إصدار قرارات نقل جماعية نظامية لهؤلاء المعلمين إلى محافظتي اللاذقية وطرطوس، أي إلى المحافظات التي كانوا يعملون فيها فعليًا بموجب تحديد مركز العمل، بدلًا من المحافظات التي تعاقدوا معها أساسًا.

وبحسب المعلمين، جاءت قرارات النقل الصادرة عن الوزير القادري بموجب مراسلات خطية بين وزارة التربية ومديرياتها في المحافظات، تقضي باستغناء المديرية المتعاقدين لمصلحتها وحاجة فعلية من المديرية المنقولين إليها، وهذا يخالف ما وصفوه بـ”ادعاءات” بعض المديريات بوجود فائض أو أن هذه المديريات تخالف ما أقرت به سابقًا بموجب مراسلات عن وجود حاجة فعلية.

ورغم أن هذه القرارات ثبّتت وجودهم المكاني في مدارس الساحل من الناحية الإدارية، فإن أوضاعهم الوظيفية بقيت على حالها دون تغيير، إذ استمروا كمعلمين متعاقدين بعقود سنوية.

وخلال العام الذي تلا هذه القرارات، استمر تجديد عقود المعلمين لفترات قصيرة ومتقطعة، وسط حديث متكرر عن نية الوزارة توسيع الملاك العددي وتثبيتهم في أماكن عملهم الحالية، إلا أن المعلمين قالوا إن وتيرة التجديد تقلصت تدريجيًا في عهد الوزير الحالي محمد تركو، إذ جرى تجديد العقود لفترات شهرين أو ثلاثة أشهر، قبل أن يمدد آخر عقد لمدة شهر واحد فقط.

ومع انتهاء آخر فترة تجديد، أبلغ المعلمون بأن استمرار التعاقد مشروط بعودتهم إلى المحافظات التي تعاقدوا معها أساسًا، وهو ما أثار اعتراضات واسعة بينهم، نظرًا لما يترتب على ذلك من أعباء اقتصادية ومعيشية، خاصة بعد سنوات من الاستقرار والعمل في محافظتي اللاذقية وطرطوس، وبانتظار تنفيذ الوعود السابقة بتثبيتهم ضمن ملاكهما العددي.

معلمو دير الزور.. مصير غير واضح

في شرقي سوريا، يواجه معلمون بريف دير الزور تحديات مختلفة، إذ يطالبون بتثبيتهم وصرف مستحقاتهم المالية، وسط غموض بشأن وضعهم الإداري بعد انتقال السيطرة إلى الحكومة السورية.

وبحسب شهادات حصلت عليها عنب بلدي، فإن بعض هؤلاء المعلمين عملوا في التعليم قبل عام 2011، ثم عادوا إلى التدريس خلال سنوات الحرب في مدارس “الإدارة الذاتية”، وهم اليوم يطالبون بالاعتراف بخدمتهم وضمهم رسميًا إلى وزارة التربية.

وقال مصدر في مديرية التربية بدير الزور، فضل عدم نشر اسمه، إنه يجري العمل على دراسة سجلات المعلمين الذين كانوا يعملون ضمن الهيئة التربوية في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تمهيدًا لتسجيلهم وصرف رواتبهم، مع وجود توجه لتثبيتهم ضمن الهيكل التعليمي الرسمي.

من جهته، قال المعلم عمر العلي، من ريف دير الزور، إن المعلمين الذين عملوا خلال السنوات الماضية كانوا يؤدون رسالتهم التعليمية بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية، مؤكدًا أنهم يطالبون اليوم بحقوقهم كمعلمين.

وأضاف لعنب بلدي أن اجتماعات عُقدت مؤخرًا مع مسؤولين في المحافظة ومديرية التربية، وتضمنت وعودًا بصرف الرواتب، لكنها لم تتطرق بوضوح إلى مسألة التثبيت، ما يترك حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم.

أزمة متعددة المسارات

تعكس هذه الملفات، في الشمال والساحل وشرقي سوريا، أزمة أوسع في قطاع التعليم، تتقاطع فيها المطالب المعيشية مع قضايا الاستقرار الوظيفي وإعادة تنظيم الكوادر التعليمية بعد سنوات من الانقسام.

وفي ظل استمرار الإضرابات والاحتجاجات، ينتظر المعلمون خطوات رسمية واضحة تنهي حالة الغموض، وتضمن استقرارهم المهني، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لاستعادة استقرار العملية التعليمية.

    أصدرت نقابة المعلمين في سوريا، في 3 من شباط الحالي، بيانًا أعلنت فيه تبنيها مطالب المعلمين، ووصفتها بالمحقة، ولا سيما ما يتعلق بتحسين الأوضاع المعيشية والتربوية والاجتماعية للمعلم.

    وأكدت النقابة في بيانها أنها صرحت في أكثر من مناسبة بتبني مطالب المعلمين ودعمها، مشيرة إلى أنها تواصل العمل مع المعلمين لتحقيق هذه المطالب.

المدارس في سوريا.. نقص بالتدفئة والمناهج والكوادر

في صفوف باردة وكتب لا تكفي إلا لجزء من الطلاب، يحاول المعلمون سد الثغرات بجهود فردية، ومع تراجع الدعم الحكومي، يجد الأهالي أنفسهم أمام عبء إضافي لتأمين الحد الأدنى من مستلزمات العملية التعليمية، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات.

المازوت من جيوب الأهالي

معلم يطوف على سكان القرية، يبحث عن تبرعات لجمع ثمن المحروقات لتدفئة الصفوف، مشهد بات مألوفًا في عدة مناطق سورية، لا سيما في ريف حلب، حيث رصدت عنب بلدي أحد كوادر مدرسة قرية آق برهان في الريف الشمالي، وهو يتسلم 20 ليرة تركية، أي أقل من نصف دولار، كتبرع من أحد سكان القرية، إلا أن هذا التبرع لا يكفي لتعبئة ليتر واحد، حيث يبلغ ثمنه نحو 0.8 دولار أمريكي.

في مشهد مشابه، رصدت عنب بلدي تحلّق مجموعة من الطلاب حول معلمهم لأخذ الدروس تحت أشعة الشمس، هرًبا من برد الصفوف، في إحدى مدارس ريف حلب الشمالي، تحفظت على نشر اسمها، باعتبار أن دخول الكوادر الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني ممنوع إلى المجمعات التعليمية، بتعليمات من مديرية التربية.

مدير مدرسة بلدة الباروزة في ريف حلب الشمالي، محمد فخري، أكد وجود نقص حاد في وسائل التدفئة، ما يضطرهم لجمع التبرعات من الأهالي والطلاب، حيث حصلوا على برميل واحد (220 ليترًا) يستفيد منه 700 طالب موزعين على 30 شعبة صفية، يستخدمونه في الساعة الأولى.

وأشار فخري إلى أن مادة المازوت التي يستخدمها للمدفأة الموجودة في غرفة الإدارة يشتريها من ماله الخاص، ولم يقتطعها من التبرعات.

وذكر مدير المدرسة، في حديث إلى عنب بلدي، أن بعض الأهالي امتنعوا عن إرسال أبنائهم خلال ذروة البرد، خصوصًا طلاب المراحل الأولى.

وأدى هذا النقص إلى تراجع في العملية التعليمية، وفق المدير، إذ أدى إلى تأخر الطلاب والمعلمين في الفترة الصباحية، خاصة الذين يستقلون الدراجات النارية (وسيلة التنقل الأكثر انتشارًا في الأرياف).

ولم يقتصر النقص على ريف حلب، بل هو حالة عامة في معظم المدارس السورية، حيث أكدت المعلمة ميس، وهي مدرّسة في مدينة مصياف، بريف حماة، وجود نقص بمواد التدفئة، إذ وزعت مديرية التربية 100 ليتر من المازوت على المدارس، في آخر الفصل الأول من العام الدراسي الحالي.

من جانبها، أعلنت محافظة حلب، بدعم من مديرية التربية، توزيع مليون ليتر من مادة المازوت على المدارس في المحافظة (بالمدينة والريف).

إداريون في مدارس بمحافظة حلب، أكدوا أيضًا توزيع مادة المازوت على المدارس، إلا أن الإداري في مدرسة “آق برهان”، محمد عيد الجاسم، أشار إلى أن الكمية الموزعة لم تكن كافية، فضلًا عن أن المدارس تسلمتها في آخر الفصل الدراسي الأول، أي بعد انقضاء ذروة البرد.

وبلغ نصاب الشعبة الصفية الواحدة 40 ليترًا، إذ لفت الجاسم إلى أن إدارة المدرسة خصصت لكل شعبة ليترًا واحدًا يوميًا حتى يكفيها إلى آخر فصل الشتاء.

الكهرباء غير مدعومة في الشمال

لم تدعم مديرية التربية فواتير الكهرباء، وفق ما أكده إداريون وعاملون في مدارس ريف حلب الشمالي، أو ما كانت تسمى سابقًا بمدارس المجالس، والتي كانت تحت إدارة “الحكومة السورية المؤقتة” (منحلة حاليًا).

وتعتمد المنطقة على شركات كهرباء خاصة سورية- تركية، تستجر الطاقة من تركيا مثل “AK ENERGY”، وتكون الفواتير مسبقة الدفع، عبر شراء باقات من الشركة.

الجاسم ذكر أن المجالس كانت تدفع فواتير الكهرباء، عبر شحن 100 كيلو شهريًا لكل مدرسة، إلا أن الحكومة الحالية، التي تسلمت إدارة المنطقة بعد سقوط النظام، لم تدعم المدارس عبر دفع فواتير الكهرباء.

وكما هو الحال في تأمين مادة المازوت، تلجأ الكوادر التعليمية في ريف حلب الشمالي إلى شحن الكهرباء في المدارس عبر التبرعات، بحسب ما أشار إليه مدير مدرسة “الباروزة”.

غير أن مدرسة “آق برهان” حُرمت في كانون الثاني الماضي من الطاقة بسبب عدم قدرتها على تأمين ثمن شحن الباقة.

مدارس خالية من وسائل الإيضاح

إلى جانب المواد الأساسية، كالتدفئة والكهرباء، تفتقر معظم المدارس في سوريا إلى الوسائل التعليمية وأدوات الإيضاح، في حين أن بعض المدارس تخلو من هذه الأدوات أيضًا، وتقتصر على اللوح والقلم والمقاعد فقط.

الإداري في مدرسة “آق برهان” التي تضم نحو 300 طالب من المرحلتين، الابتدائية والإعدادية، أوضح أن مدرسته تخلو من كل الوسائل التعليمية، حيث لا يوجد فيها أي أجهزة حاسوب أو أجهزة إسقاط أو مختبرات أو غيرها.

وأمام هذا الفقد، يلجأ المعلمون إلى ابتكار وسائل إيضاح من قصاصات الورق أو الشجر أو الكرتون، وغيرها من الوسائل البدائية.

الكتب لربع الطلاب

طالبت زينب، وهي مدرّسة للصف السادس بإحدى مدارس دمشق، من قسم من طلابها شراء نسخ من المنهاج بعد أن فقدت الأمل بوصول النسخ المتبقية من مديرية التربية، إذ إن الأخيرة لم ترسل نسخًا كافية لجميع الطلاب.

مدير مدرسة “الباروزة”، فخري، أوضح أن التربية أرسلت 20 نسخة من منهاج الصف الأول، في حين أن المدرسة تحتوي على أكثر من 100 طالب.

وأضاف أن ذوي الطلاب المهتمين اشتروا نسخًا على حسابهم الشخصي، في حين بقي بعض الطلاب دون كتب مدرسية.

محمد عيد الجاسم، أكد أيضًا أن نسبة الكتب التي وزعوها لا تتجاوز 20% من نسبة الطلاب الموجودين، مشيرًا إلى أن بعض الصفوف لم تتلقَّ كتبًا لطلابها.

ووزعت إدارة مدرسة “آق برهان” نسخة واحدة للمدرّس في بعض الصفوف الدراسية.

وفيما يخص طلاب المراحل الأساسية (التاسع والبكالوريا) اشترى الطلاب نسخًا من المنهاج على حسابهم الشخصي، حيث يبلغ سعر النسخة 15 دولارًا، وفق الجاسم.

نقص في الكوادر

أشار الجاسم إلى نقص في الكوادر التعليمية أيضًا، وتسجيل ندرة في مدرّسي الاختصاصات، ومدرّسي الشهادات.

وعزا الجاسم هذا النقص إلى مغادرة بعض المعلمين من المهجرين الذين كانوا يقيمون في الريف الشمالي إلى مدنهم ومناطقهم بعد سقوط النظام.

وعلمت عنب بلدي من الكادر التعليمي في مدرسة “الباروزة”، أنها تعاني أيضًا من نقص في الكوادر التعليمية، إذ لا يضم كادرها سوى معلم واحد لمادة الرياضيات، لمدرسة تضم نحو 700 طالب.

بالمقابل، فإن مدارس المدن لا تعاني من هذا النقص الحاد، كما في ريف حلب الشمالي، غير أن المدرسة التي تعمل بها ميس في مدينة مصياف، لا تحوي على مدرّس لمادة العلوم، حيث تعتمد المدرسة على مدرّسي مادتي الرياضيات والمعلوماتية لتعويض هذا النقص.

من جانبها، أشارت المعلمة زينب، العاملة بإحدى مدارس مدينة دمشق، إلى أن الكوادر التعليمية في المدرسة كاملة، ولا تعاني من نقص.

    أرسلت عنب بلدي استفسارات رسمية إلى المكتب الصحفي في وزارة التربية والتعليم السورية، عبر الرسائل الإلكترونية، للحصول على ردود حول ملفات إضراب معلمي الشمال، وأوضاع المتعاقدين في الساحل، ومصير المعلمين الذين عملوا في مناطق سيطرة “قسد”، إضافة إلى نقص التجهيزات المدرسية، إلا أن هذه الرسائل لم تتلقَّ أي إجابة.

    لاحقًا، توجهت عنب بلدي إلى مقر الوزارة في دمشق، والتقت بالمكتب الصحفي، الذي برر عدم الرد بتلقيه “مئات الرسائل يوميًا”، ووعد بتقديم إجابات عن الأسئلة، لا سيما المتعلقة بمعلمي الساحل والمعلمين القادمين من مناطق “قسد”، إلى جانب ملف التجهيزات المدرسية، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أنه لن يجيب عن الأسئلة المرتبطة بإضراب معلمي الشمال.

    ورغم هذا الوعد، لم تتلقَّ عنب بلدي أي رد رسمي من الوزارة حتى لحظة إعداد هذا الملف.

من إضراب وأزمة نقل ودمج إلى “خارطة طريق”

يعيش قطاع التعليم إحدى أخطر مراحله، خاصة في المناطق التي شهدت تغيرات إدارية كبرى، ففي الوقت الذي تتصدر فيه الملفات السياسية والعسكرية واجهة الأحداث في سوريا، في شمال حلب الشرقي وإدلب، يهدد إضراب المعلمين بإجهاض العام الدراسي بسبب ضعف الرواتب، وعلى امتداد الساحل في اللاذقية وطرطوس تعالت أصوات المتعاقدين الجدد احتجاجًا على قرارات نقل تعسفية، وفي الرقة ودير الزور، يخيّم شبح الإقصاء على آلاف المعلمين الذين كانوا يعملون تحت سيطرة “الإدارة الذاتية”، خوفًا من مستقبل غامض بعد دمج المؤسسات.

ثلاث أزمات تبدو متباعدة جغرافيًا، لكنها تجتمع في جوهرها على معاناة واحدة: غياب رؤية حكومية واضحة للتعامل مع الكوادر التعليمية في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية.

إضراب شرق حلب وإدلب.. يهدد جيلًا كاملًا

تحولت المدارس من فضاء للتعلم إلى ساحة احتجاج في ريف حلب الشرقي وإدلب، فالمعلمون الذين صمدوا لسنوات في ظل حكومة “الإنقاذ” و “الحكومة المؤقتة”، وأداروا العملية التعليمية في ظروف صعبة، يضربون اليوم عن العمل للمطالبة بتسريع تثبيتهم وصرف مستحقات تليق بجهودهم.

الدكتور مصعب شبيب، باحث بشؤون التربية والتعليم العالي ومدير منصة تعليمية وأستاذ أكاديمي بجامعة “إدلب”، شرح لعنب بلدي الجذور العميقة لهذه الأزمة، مؤكدًا أن غياب الاستقرار التعليمي في هذه المناطق “يؤثر مباشرة وبشكل سلبي على جودة التعليم”.

الإضرابات المتكررة وعدم الاستقرار الوظيفي يؤديان إلى “تقليص زمن التعلم الفعلي” و”تفاقم الفاقد التعليمي”، بحسب شبيب، محذرًا من أن هذا الوضع قد “يحول التعليم من عملية بنائية هرمية إلى مجرد ظاهرة إسعافية تفتقر للمخرجات الحقيقية”.

وأشار إلى أن استمرار هذا الواقع سيزيد من حجم الكارثة، مستشهدًا بتقارير “يونيسف” التي تؤكد وجود أكثر من مليوني طفل سوري بحاجة لترميم الفاقد التعليمي.

خبير الإدارة والحوكمة، ومدير “المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، باسم حتاحت، يرى في حديث إلى عنب بلدي، أن ما يحدث في الشمال هو نتاج طبيعي لغياب استراتيجية متكاملة للدولة في قطاع التعليم، فالمشكلة ليست في الأشخاص (الوزراء) بل في النظام المترهل واللوائح الإدارية القديمة التي تفشل في استيعاب مرحلة انتقالية معقدة.

لا يمكن فهم حجم الأزمة الحالية بمعزل عن التشخيص الدقيق للجذور، وهنا يتفق الخبيران على أن ما يحدث ليس مجرد عطل إداري مؤقت، بل هو خلل بنيوي في منظومة التعليم برمتها.

نقل المتعاقدين في الساحل.. تهديد لترك المهنة

تحوّل النقل الوظيفي إلى كابوس للمعلمين المتعاقدين الجدد في اللاذقية وطرطوس، قرارات نقل تعسفية تبعدهم عشرات الكيلومترات عن مساكنهم، تلتهم تكاليف المواصلات جزءًا كبيرًا من رواتبهم الهزيلة، وتجعل المعادلة مستحيلة: “إما المعاناة على الطريق وإما ترك المهنة”.

وصف الدكتور مصعب شبيب هذه القضية بأنها “إنسانية قبل أن تكون تربوية”.

ولفت شبيب الانتباه إلى وجود “خلل واضح في آليات توزيع المعلمين”، مستشهدًا بالاحتجاجات الأخيرة التي قام بها المعلمون في اللاذقية وطرطوس ضد هذه القرارات التعسفية.

وقال الدكتور باسم حتاحت، إن المشكلة أعمق من مجرد قرارات نقل فردية، فهي تتعلق بعشوائية الإدارة وغياب أطر إدارية حديثة تنظم شؤون المعلمين، مثل النقل والترسيم الوظيفي، وهو ما يفتح الباب للمحسوبية والفساد الإداري.

الرقة ودير الزور.. شبح الإقصاء يطارد معلمي “الإدارة الذاتية”

ينتظر آلاف المعلمين في الرقة ودير الزور مصيرهم بقلق، فمع توقيع اتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” في هيكلية الدولة السورية، وبعد سنوات من العمل تحت مظلة مختلفة، يخاف هؤلاء المعلمون من أن تطولهم إجراءات الإقصاء أو الفصل، أو ألا تُحسب لهم سنوات الخدمة السابقة.

وصف الدكتور مصعب شبيب ملف دمج معلمي هذه المناطق بأنه “ملف شائك يتطلب ديناميكية عالية وحلولًا سريعة بعيدًا عن الروتين الإداري”.

وحدد أبرز التحديات بالنقاط التالية:

     فقدان الكثير من المعلمين وثائقهم الرسمية بسبب التهجير.

    صدور أحكام قضائية (باعتبار المستقيل) بحق بعض المعلمين الذين كانوا معينين سابقًا في وزارة التربية.

    اختلاف المناهج والهيكليات الإدارية ومصادر التمويل.

وأضاف الدكتور باسم حتاحت بعدًا وطنيًا وأخلاقيًا للموضوع، مؤكدًا أن عملية الدمج يجب أن تكون “وطنًا واحدًا، بعيدًا عن أي إقصاء سياسي”.

وأشار إلى وجود اتفاقية بين الحكومة السورية و”الإدارة الذاتية”، تنص بوضوح على إدماج جميع المؤسسات، بما يضمن حقوق المعلمين في تلك المناطق.

الإجراءات العلاجية

دعا الدكتور شبيب إلى “وقفة تاريخية” من الحكومة، تجمع بين حلول عاجلة يلمسها المعلم مباشرة، وإجراءات مؤسساتية بعيدة المدى.

على المستوى العاجل، أكد ضرورة صرف المستحقات بقيمة تضمن كرامة المعلم فورًا وبدء حوار جاد مع نقابة المعلمين.

قدم الدكتور مصعب شبيب في ملف الدمج آلية واضحة تقوم على تشكيل “لجان دمج مشتركة” تضم إلى جانب الموظفين الحكوميين، “خبراء تربويين وميدانيين” عملوا فعليًا في تلك المناطق.

وشرح شبيب فلسفة هذه اللجان: “كلما كانت لجان الدمج قريبة من الواقع الميداني وتفهم تفاصيله، كانت عملية الدمج أسرع وأكثر مرونة وأقل روتينًا”.

ودعا إلى تبني “هندسة عكسية” في عملية التوزيع، تبدأ بجمع البيانات الحقيقية من المدارس نفسها، وليس من المكاتب المغلقة، مع مراعاة “مكان السكن” كأساس لتحقيق الراحة النفسية والتربوية.

وأقر الدكتور شبيب بوجود أخطاء في المرحلة الأولى، قائلًا، “القرارات التي اتخذت في الأشهر الثلاثة الأولى التي تلت سقوط النظام اتسمت بشيء من الاستعجال لغياب البيانات الحقيقية”.

لكنه أكد أن الأمور بدأت تعود الآن إلى نصابها مع توفر بيانات أكثر دقة لدى وزارة التربية.

الدكتور باسم حتاحت، دخل في تفاصيل أكثر تنظيمًا، مقترحًا ثلاث مراحل متتالية لنجاح عملية الدمج:

    الإحصاء الرسمي والتدقيق: حصر الأعداد بدقة، والتمييز بين المدرسين القدماء ومن التحق حديثًا، والتحقق من الأهلية والكفاءة.

    المواءمة مع النظم واللوائح السورية: التأكد من أن الشهادات التي يحملونها معترف بها وتتيح لهم التوظيف وفق القانون السوري.

    التعامل مع الحالات الطارئة (لجنة الاستقصاء): تشكيل لجان خاصة للنظر في حالات الأساتذة الذين لا تنطبق عليهم الشروط، بهدف إعادة تأهيلهم عبر دورات تدريبية أو معالجة أوضاعهم القانونية، بدل استبعادهم.

دعا الدكتور حتاحت إلى تحرك تشريعي عاجل يتمثل في تشكيل “لجنة مشتركة بين وزارتي التربية والتعليم العالي والنقابة” لإعادة صياغة النظام الداخلي للمعلمين واللائحة الإدارية. وضرب مثلًا بضرورة مواءمة الأنظمة مع القانون المدني، خاصة في حق المعلمات بالانتقال تبعًا لمكان إقامة الزوج، بدلًا من تقييدهن بفترات زمنية طويلة (خمس أو ست سنوات).

هذا التحديث، برأيه، يحقق ثلاث نتائج كبرى: منع الفساد الإداري، وحماية الكوادر، وتحقيق الاستقرار النفسي.

    خارطة الطريق

    الدكتور باسم حتاحت أكد أن الهدف الأسمى هو “بناء الإنسان السوري”، وأن بوابة هذا البناء هي التعليم.

    واستذكر المكانة العالمية التي كانت تتمتع بها الشهادة السورية (التاسع والبكالوريا) تاريخيًا، معتبرًا أنها كانت تعادل أعلى الشهادات العالمية. للعودة إلى تلك المكانة، وضع حتاحت قواعد كبرى لخارطة الطريق:

        تطوير النظم والقوانين الإدارية (المأسسة): إعادة هيكلة الوزارة والمديريات لتكون أكثر مرونة وعدالة.

        تطوير المناهج التعليمية: التركيز على جودة المحتوى ومواكبته للعصر.

        المواءمة مع الاحتياج الوطني: ربط مخرجات التعليم بحاجة سوق العمل الفعلية (مهندسون، أطباء، متخصصو معلوماتية…).

        استعادة الوزن الأخلاقي للمعلم: إعادة الاعتبار للمعلم كقدوة ومربٍ، ودوره في رأب الصدع الاجتماعي وحماية الأجيال من الأفكار المتطرفة.

    من جهته، أضاف الدكتور مصعب شبيب أبعادًا أخرى حيوية لخارطة الطريق:

    التحول الرقمي: انتقد الدكتور غياب “الحكومة الإلكترونية” والاعتماد على البيروقراطية الورقية، مما يعطل صرف الرواتب ويؤخر المعاملات. ودعا إلى تسريع الرقمنة كحل جذري للترهل الإداري.

    البعد الأخلاقي والوطني: أكد أن المعلم يحمل رسالة وطنية في لم الشمل، ويجب أن يُنظر إلى عملية الدمج كاستعادة لأبناء الوطن، بعيدًا عن الإقصاء السياسي، مع ضرورة وجود ميثاق شرف مهني يحمي الطلاب ويضمن بيئة تعليمية سليمة.

عنب بلدي

—————————–

======================

تحديث 23 شباط 2026

—————————–

متلازمان لا متنافران… العدالة ليست عبئاً على الاستقرار/ ميسون محمد

24 فبراير 2026

أخطر ما يواجه دولة خرجت بعد عقود من حكمٍ قائم على الإقصاء والتمييز، وأعقبتها سنوات نزاع وانهيار اقتصادي، ليس غياب القوانين بل الاكتفاء بها. فالنصوص قد تكون واضحة، وقد تعود المؤسسات إلى العمل، ومع ذلك تبقى الفجوات الاجتماعية على حالها. ومن هنا، يصبح الحديث عن العدالة أكثر تعقيداً من مجرد إعلان المساواة.

يُقال إن المشكلة كانت في غياب المساواة، وإن الحل يكمن في ترسيخها بلا استثناء. لكن هذا التشخيص يختزل القضية. المساواة أمام القانون ضرورية، لكنها لا تعالج وحدها آثار عقود طويلة من التمييز غير المعلن، ثم سنوات من الحرب التي عمّقت الفوارق بين الناس.

ليست المشكلة الحقيقية في غياب قاعدة قانونية عامة، بل في التفاوت الكبير بين المواطنين عند نقطة البداية. هناك من خرج من السنوات الماضية محتفظاً بتعليمه، وعلاقاته، وأملاكه. وهناك من فقد منزله، أو انقطع عن الدراسة، أو استنزف كل ما يملك. إخضاع الطرفين للقاعدة نفسها لا يجعل فرصهما متساوية تلقائياً. الفارق في القدرة على الاستفادة من القانون هو جوهر الإشكال.

خلال عقود، تشكلت فجواتٌ واضحة بين مناطق وأخرى، وبين فئاتٍ اجتماعيةٍ وأخرى. بعض المناطق حظيت بخدمات أفضل وفرص عمل أوسع، فيما عانت مناطق أخرى من ضعف الاستثمار وفرص محدودة. ثم جاءت الحرب فوسّعت هذه الفجوات. مدارس أُغلقت، بنى تحتية تضرّرت، وأسر فقدت مصادر دخلها بالكامل. وتوضح تجارب دول أخرى أن إعلان المساواة لا يكفي، وأن معالجة التفاوت تحتاج رؤية عملية لا تكتفي بالشعارات.

تسود فكرة أن العدالة تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، دون تمييز. هذه فكرة تبدو منطقية، لكنها قد تخفي مشكلة أعمق. إذا كان بعض الناس قد حُرموا لسنوات من التعليم الجيد أو من فرص العمل، فإن معاملتهم اليوم بالطريقة نفسها التي يُعامل بها من لم يُحرموا، لا تعيد التوازن.

العدالة هنا لا تعني منح امتيازات دائمة، بل اتخاذ إجراءات مؤقتة تعيد فتح الأبواب التي أُغلقت. الفارق كبير بين تمييز دائم يرسّخ الانقسام، وبين سياسة محدّدة الهدف تسعى إلى تقليص فجوة واضحة. تجاهل هذا الفارق يجعل النقاش يدور حول الشكل، لا حول الأثر.

العدالة تبدأ من الكرامة

قبل الحديث عن توزيع الموارد أو إعادة الإعمار، تبرز مسألة أساسية تتعلق بعلاقة المواطن بمؤسسات الدولة. فالشعور بالعدالة لا يتشكل فقط عبر مستوى الدخل أو حجم الدعم، بل يبدأ من إحساس الفرد بأنه يُعامل باحترام متساوٍ، وأن حقوقه تُصان عبر إجراءات واضحة ومفهومة.

وعندما تصبح الإجراءات غامضة، أو يتحول الوصول إلى الحقّ إلى مسألة تتطلب وساطة أو نفوذاً، فإن الخلل لا يكون اقتصادياً فحسب، بل مؤسسياً. عندها تتأثر الثقة، ويتحول التعامل مع الدولة من علاقة قانونية إلى علاقة مشروطة بالقدرة على التأثير. وهنا تتضح الفكرة: العدالة الاجتماعية لا تكتمل من دون عدالة إدارية تضمن الكرامة قبل الموارد.

الدول التي خرجت من أنظمة مغلقة ركزت أولاً على إصلاح الإدارة العامة. وضوح الإجراءات، شفافية التعيينات، ومساءلة الموظفين، لم تكن تفاصيل ثانوية، بل أساساً لاستعادة الثقة. العدالة الاجتماعية من دون عدالة إدارية تبقى ناقصة.

ولا يمكن لأي مجتمع أن يلغي كل الفوارق بين أفراده. هناك اختلاف في المهارات والجهد والقدرة على الابتكار. المشكلة لا تكمن في وجود تفاوت، بل في نوعه. إذا كان النجاح مرتبطاً بالعمل والإنتاج في بيئة تنافسية واضحة، فهو تفاوت مفهوم. أما إذا كان مرتبطاً بالاحتكار أو بالعلاقات الخاصة أو بالقدرة على الوصول الحصري إلى الموارد العامة، فإنه يتحول إلى خلل في قواعد اللعبة.

العدالة الاجتماعية لا تعني تسوية الجميع عند مستوى واحد، بل ضمان أن الطريق إلى التقدم مفتوح أمام من يملك الكفاءة، لا أمام من يملك النفوذ فقط.

خطاب “الاستقرار أولاً”

يتردد أحياناً أن الأولوية يجب أن تكون للاستقرار، وأن النقاش حول العدالة الاجتماعية يمكن تأجيله. هذا الطرح يفترض أن العدالة عبء على الاستقرار. لكن التجربة تشير إلى أن الفجوات الكبيرة في الفرص والدخل تخلق توتراً صامتاً. قد لا يظهر فوراً، لكنه يتراكم.

لا يقوم الاستقرار الحقيقي فقط على غياب الصراع، بل على شعور عام بأن النظام عادل إلى حد معقول. تجاهل الفوارق بحجة الحفاظ على الهدوء قد يحقق هدوءًا مؤقتاً، لكنه لا يزيل أسباب القلق. … ومن المهم أيضاً عدم الخلط بين العدالة الاجتماعية ومسار المساءلة عن الانتهاكات. تتعلق الأولى بتنظيم الفرص وتوزيع الموارد، والثانية تتعلق بالاعتراف والمحاسبة. لا يمكن لإحداهما أن تحل محل الأخرى. بناء مستقبل متوازن يتطلب معالجة آثار الماضي من جهة، ووضع قواعد اقتصادية واجتماعية عادلة من جهة أخرى.

يؤدّي الخلط بين المسارين إلى نتائج مشوشة: تحميل السياسات الاجتماعية ما لا تحتمل أو اختزال العدالة في بعدها الاقتصادي فقط.

سؤال يتجاوز الطمأنينة

ليست العدالة الاجتماعية في سورية مسألة نظرية، بل هي خيار عملي يتعلق بكيفية إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد يمنح الاكتفاء بالمساواة الشكلية شعوراً بالإنجاز، لكنه لا يجيب عن السؤال الأعمق: هل تقلّصت الفجوات فعلاً، أم أنها أعيدت صياغتها بشكل جديد؟ وإذا اعتاد المجتمع مع الوقت على تفاوت كبير في الفرص، واعتبره أمراً طبيعياً لا يمكن تغييره، فهل يبقى الحديث عن العدالة ذا معنى؟ عند تلك اللحظة، لا تكون المشكلة في نقص القوانين أو البرامج، بل في حدود ما نقبل به بوصفه واقعاً. والسؤال هنا: هل يمكن لدولة أن تبني مستقبلاً مستقراً إذا كان جزء من مجتمعها يشعر بأن نقطة البداية لم تكن، ولن تكون، متساوية؟

العربي الجديد

—————————-

ملفّ المخيّمات على طاولة الحكومة.. هل تبدأ مرحلة الحلول الدائمة بدل الطوارئ؟/ علا محمد

فبراير 23, 2026

مع كل منخفضٍ جوي يضرب الشمال السوري، تتجدّد الحكاية نفسها: خيام تغرق بمياه الأمطار، وأخرى تقتلعها الرياح، وعائلات تقضي لياليها بين الوحل والبرد في ظروف إنسانية قاسية، غير أنّ هذا الشتاء أعاد المشهد إلى الواجهة بصورة أشد وقعاً، بعدما تكرّرت الحوادث وبرزت هشاشة واقع المخيّمات، لتتحوّل المعاناة الموسمية إلى قضية إنسانية ضاغطة.

تحت ضغط هذه الوقائع، عاد ملفّ المخيّمات إلى طاولة الحكومة، إذ أجرى السيد الرئيس أحمد الشرع اتّصالاً بمحافظ إدلب، للاطلاع على الواقع الميداني، قبل أن تتوسّع دائرة المتابعة وتتحوّل إلى خطوة مباشرة على مستوى الحكومة، إذ عقد الرئيس الشرع مؤخّراً اجتماعاً في دمشق مع وزراء الطوارئ وإدارة الكوارث، والإسكان والأشغال العامة، والمالية، إلى جانب محافظي إدلب وحماة وحلب، لبحث واقع المخيمات وآليات معالجة التحدّيات القائمة وتأهيل البنية التحتية في المدن والبلدات المتضررة، بما يسهم في تشجيع العودة إليها.

وسط هذا الواقع، تتقدّم الأسئلة حول سبل المعالجة وإمكانية الانتقال من إدارة الأزمة إلى تفكيكها، وفي هذا السياق، يرى الباحث وائل علوان أنّ اجتماع الرئيس الشرع مع جزء من الحكومة، فيما يخصّ ملف المخيمات وإنهاء هذا الملف، يعدّ اجتماعاً عاجلاً وطارئاً واستثنائياً وعلى مستوى عالٍ، مؤكّداً أهميته، كونه عُقد بطلب مباشر وبحضور ومشاركة من رئيس الجمهورية، ما يعكس حجماً كبيراً جداً من الجدية والتفاعل من أجل حلّ هذه المعضلة الإنسانية.

ويوضّح علوان أنّ اجتماع الوزراء على هذا المستوى، بهدف إيجاد الحلّ العاجل لهذه المشكلة، جاء لتحقيق تكامل جميع الوزارات المعنية في وضع خطة الحلّ والانتقال إلى تنفيذها، ولذلك، شهد الاجتماع حضور وزارات منها الطوارئ والمالية، من أجل أن تكون الوزارات المعنية جميعها مؤسسة ومشاركة ومساهمة في حلّ هذه المشكلة.

من إدارة النزوح إلى اختبار الاستقرار

ويشير إلى أنّ ما يجري يعكس انتقالاً واضحاً من إدارة النزوح إلى إدارة الاستقرار، معتبراً أنّ موضوع النزوح الداخلي وعودة النازحين يُعدّ أحد المؤشّرات المهمّة جداً على انتقال سوريا إلى مرحلة الاستقرار، وإلى مرحلة تصبح فيها قادرة على ضمان الحدود المقبولة لمعيشة المواطنين، لافتاً في الوقت ذاته، إلى أنّ هذا الأمر ليس سهلاً، إذ تحتاج فيه الحكومة السورية إلى تضافر الجهود على المستويين الداخلي والخارجي، إلى جانب مشاركة المجتمع المدني، والمشاركة الإقليمية والدولية.

ويؤكّد أنّ هذا الهدف هو هدف أساسي ورئيسي للحكومة السورية من أجل الانتقال خطوة إلى الأمام في طريق التعافي، وأن ملف العودة يبدأ أساساً من إعادة الإعمار وتوفير الخدمات، مشيراً إلى أنّ دراسة أوضاع المخيمات بعد تحرير البلاد تُظهر أنّ نسبةً كبيرة من قاطني المخيمات يواجهون إشكالات في العودة إلى قراهم وبلداتهم ومنازلهم، وأنّ جزءاً من هذه الإشكالات يتعلق بتدمير المنازل، في حين يرتبط جزء آخر بعدم تعافي الخدمات في بعض المدن والقرى، وعدم إعادة إصلاحها، فضلاً عن كون كلفة إصلاحها مرتفعة.

كما يشير الباحث علوان إلى وجود طمع دائم في ألا ينقطع موضوع المساعدات أو الدعم الذي تقدّمه المنظمات إلى المخيمات، وذلك في مقابل حالة عدم الاستقرار الخدمي التي تعانيها بعض المدن والبلدات، مضيفاً أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء النازحين من أصحاب البيوت المهدّمة والمدمّرة، غير قادرين على إعادة بنائها، ما يجعل من الضروري توفير آليات تضمن انتقال الدعم الإنساني والإغاثي من المخيمات إلى أماكن العودة وأماكن الاستقرار الأساسية، بعد خدمتها قدر المستطاع من الناحية الخدمية ومن ناحية إعادة إعمارها.

ويختم بالتأكيد على أنّ عودة النازحين تُعدّ جزءاً أساسياً من استقرار الأمن الداخلي والمحلي، وكذلك من الاستقرار الاقتصادي المحلي، إلا أنّ هذا الأمر يتطلّب جهوداً كبيرة جداً وحثيثة، ويستلزم برامج تضمن توفير المعونة والدعم الكافي لعودة هؤلاء النازحين إلى قراهم ومدنهم، وهو ما يحتاج، كما يقول، إلى جهود حكومية تحظى بالمؤازرة الكافية من مختلف الأطراف الداخلية والخارجية، ومن المجتمع المدني المحلي.

بين الأرقام والخيارات الممكنة

وإذا كان البعد التنفيذي حاضراً في مقاربة علوان، فإنّ قراءة أخرى تميل إلى تفكيك الظاهرة من جذورها الاجتماعية والقانونية، وهنا يرى الباحث في مركز الحوار السوري نورس العبد الله أنّ الاجتماع الذي عقده السيد الرئيس أحمد الشرع في دمشق، وضمّ وزراء الطوارئ وإدارة الكوارث، والإسكان والأشغال العامة، والمالية، إضافة إلى محافظي إدلب وحماة وحلب، يأتي في سياق البحث الجدي بواقع المخيمات وآليات معالجة التحدّيات القائمة، لا سيّما ما يتّصل بتأهيل البنية التحتية في المدن والبلدات المتضررة، بما يسهم في تشجيع عودة السكان إليه.

ويشير العبد الله إلى أنّ بقاء المهجرين والنازحين في المخيمات، سواء في إدلب أو شمال حلب، يرتبط بمجموعة من الأسباب المتداخلة، ففي مقدّمة هذه العوامل، وفق ما يعبّر عنه كثير من النازحين أنفسهم، يأتي دمار القرى والبلدات التي نزحوا منها أصلاً، حيث لا يملكون أيّ مأوى يمكن العودة إليه، إلى جانب ذلك، تبرز قضية الخدمات وفرص العمل والمتطلّبات الأساسية للحياة في المناطق الأصلية، والتي تكون في كثير من الأحيان مدمّرة أو غير متوافرة، كما يلفت إلى أنّ مرور نحو 14 عاماً على النزوح خلق أوضاعاً جديدة، إذ إنّ بعض النازحين لم يكن صاحب عائلة في الأساس، أو لم يعد يملك مكاناً يعود إليه، أو ارتبط بنمط عمل وحياة في مناطق نزوحه الحالية بعيداً عن منطقته الأصلية، إضافة إلى أسباب أخرى.

ويؤكّد الباحث أنّ فهم هذه الأسباب والظروف، لا سيّما بعد أكثر من سنة على إسقاط نظام الأسد المخلوع، يجب أن يتمّ عبر مقاربة علمية لا انطباعية، فالمفترض برأيه، أن تكون الوزارات والمؤسسات المعنية قد أنجزت دراسات مفصّلة حول موانع إنهاء حالة النزوح وآليات دعم ظروف العودة وإنهاء ظاهرة المخيمات، وهو ما لا يُلاحظ حتى الآن بشكل معلن، الأمر الذي يترك السوريين أمام انطباعات متباينة، تصل بالبعض إلى القول إنّ سكان المخيمات يرغبون في البقاء فيها، وفي هذا السياق، يلفت العبد الله إلى أنّ المبدأ الخامس من المبادئ الأممية التوجيهية للنزوح الداخلي ينصّ صراحة على أنّ حماية النازحين داخلياً تقع بالدرجة الأولى على عاتق السلطات المحلية في البلاد.

ومن الناحية المفاهيمية، يوضّح العبد الله أنّ الخبراء والمؤسسات المعنية بالنزوح الداخلي اهتموا بدراسة مسألة متى؟ وكيف ينتهي النزوح الداخلي؟، وتوصّلوا إلى أنّ مجرّد تغيير مكان النزوح لا يُعدّ كافياً لإنهائه، ما دامت نقاط الضعف التي خلّفها النزوح ما تزال قائمة، ولهذا نصّت المبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي على ضرورة السعي إلى إنهاء حالة النزوح بشكل كامل وفق أحد الحلول الدائمة، سواء عبر عودة النازحين داخلياً إلى مجتمعاتهم الأصلية، أو من خلال دمجهم في المجتمعات المحلية التي نزحوا إليها.

وفي السياق السوري الراهن، يشير الباحث إلى وجود مجموعة من التحدّيات التي تعوق عودة السوريين، يرتبط قسم منها بالقضايا الخدمية المعروفة، مثل المياه والكهرباء والمدارس، غير أنّ هناك قضايا أكثر تعقيداً ينبغي التعاطي معها ضمن منظومة متكاملة، ومن بين هذه القضايا مسألة الأصول والممتلكات، كالمنازل والأراضي وسبل العيش، حيث تبرز إشكاليات إثبات الملكية.

ويستشهد العبد الله بأنّ نحو 50 بالمئة من الأراضي في سوريا لم تكن مسجلة رسمياً قبل بداية الثورة السورية، كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أنّ 17 بالمئة من السكان في المناطق الحضرية، أي ما يقارب 1.9 مليون نسمة، كانوا يعيشون في مناطق مخالفات، وإلى جانب ذلك، شهدت المناطق التي خرجت عن سيطرة نظام الأسد المخلوع بعد تهجير أهلها عمليات تزوير واسعة لوثائق الملكية، عبر بيوع نفّذتها مجموعات وسيطة باستخدام وثائق مزوّرة، أو من خلال مصادرة أملاك المعارضين وبيعها، كما تبرز، وفق العبد الله، مشكلة الألغام الأرضية والعبوات الناسفة ومخلّفات الحرب.

ومن زاوية أخرى، يرى أنّه لا يمكن اعتبار العودة خياراً لجميع النازحين، إذ قد تفضّل شرائح أصغر سناً الاستمرار في مناطق حياتها الجديدة، لكن خارج بيئة المخيمات، أو الانتقال إلى المدن الكبرى بدل العودة إلى المناطق الريفية الأصلية، وانطلاقاً من ذلك، يعتقد العبد الله أنّ اجتماع الرئيس مع الوزراء والمحافظين لدراسة هذا الملف، وإن جاء متأخراً، فإنّه يمثّل خطوة في الاتجاه الصحيح، غير أنّه يشدّد على ضرورة تشكيل لجنة عليا دائمة تعنى بقضية النزوح الداخلي وعودة المهجّرين، تنطلق من دراسة معمّقة لسياقات النزوح في سوريا وتجارب الدول الأخرى في التعامل مع هذا الملف، وصولاً إلى بناء استراتيجية وطنية والسعي للحصول على دعم دولي لها.

وفي هذا الإطار، يشير إلى دراسة أصدرها مركز الحوار السوري منذ العام الماضي بعنوان “خريطة طريق لمعالجة ملف النازحين داخلياً في سوريا”، تضمّنت خطّة شاملة للتعامل مع ملف النزوح الداخلي استناداً إلى التجارب الدولية واستراتيجيات التنمية المستدامة، بهدف إعادة بناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي وضمان حماية الحقوق الإنسانية، كما تضمّنت الدراسة سيناريوهات للتعاطي مع الملف في حالاته المثلى، المرتبطة بوجود عوامل استقرار ورغبة حكومية جادة، وهو ما يستدعي وضع خطّة شاملة تشارك فيها الجهات الحكومية بمختلف مؤسساتها الاقتصادية والتعليمية والصحية والقضائية، إلى جانب النازحين والمجتمعات المضيفة والمجتمع المدني والجهات الدولية.

ويتوقّف نجاح هذا المسار، وفق العبد الله، على القدرة على تحقيق خطّة تشاركية تعكس احتياجات أصحاب المصلحة، وعلى النجاح في تأمين تمويل دولي كافٍ، باعتبار أنّ هذه الخطّة تندرج ضمن إطار دعم الاستقرار والتنمية المستدامة والحد من الفقر.

صوت المخيم.. بين الأمل والحذر

ومن هناك، حيث تمتد الخيام، تبدو الصورة أكثر مباشرة، حيث يشير الصحفي أحمد العكلة إلى أنّ الناس الموجودة في المخيّمات متفائلة باهتمام الرئيس أحمد الشرع بموضوع عودتهم، لا سيّما بعد ما سمعوه خلال الأشهر الأخيرة عن وجود نيّة لإعادة كلّ سكّان المخيمات، غير أنّ هذا الأمر، كما يقول، لم يُطبّق على أرض الواقع، إذ لم يتم تأمين الخدمات أو إعادة ترميم منازلهم في قراهم ليصار إلى إعادتهم، ما يجعل المسألة بحاجة إلى تحرك فعلي من قبل الدولة لإعادة تأهيل مناطقهم.ويؤكّد العكلة أنّ الناس مهتمة بموضوع العودة، مشدّداً على أنّه لا يوجد نازح لا يتمنى العودة إلى منزله، ضارباً المثال، بأحد المخيمات التي تواجد فيها، والذي يضم 600 عائلة، لم يتبق منها سوى 70 عائلة، الأمر الذي جعله يبدو موحشاً، فيما أصبحت الخدمات فيه شبه معدومة.

ورغم ذلك، يلفت إلى أنّ الشكوك باتت أكبر من التفاؤل، نتيجة كثرة الوعود من قبل المسؤولين من دون أن يشاهد الناس شيئاً ملموساً على أرض الواقع، إذ لم تأتِ منظمات لتباشر في إعادة الإعمار، ويضيف أنّ الناس متردّدة، لأنّها تتساءل كيف ستعود إلى منازلها بلا خدمات ولا مدارس؟، وخاصّة في ظلّ الشتاء القاسي، ما يدفعها إلى تفضيل صعوبة العيش في المخيمات على العودة بسبب غياب المقومات الأساسية.

ويبين العكلة أنّ الناس يهمّها موضوع الخدمات أكثر من السكن بحدّ ذاته، فحين يتمّ تأمين المدارس والصرف الصحي، على سبيل المثال، وغيرها من الأمور الخدمية، يمكن للإنسان أن ينصب خيمته في أرضه ويسكن، أما من دون خدمات، فحتى لو كان المنزل قصراً فلن يتمكّن من العيش فيه، ويشير إلى أنّ ريف إدلب الجنوبي وريف حلب الغربي والشمالي، وأرياف حماة وحمص وحتى دمشق مناطق مهدمة تماماً، وبالتالي لا يمكن أن يعود إليها السكان من دون شبكة خدمية كاملة وإعادة ترميم المنازل، لافتاً إلى أنّ من عاد حتى الآن، لا يُعتبر قسماً كبيراً.

ويعرض العكلة رأي الأهالي الذين يرون ضرورة اتخاذ خطوات جدية تبدأ بإزالة الركام، ودخول المنظمات لمباشرة مشاريع إعادة ترميم المنازل والمدارس وتوصيل الكهرباء، إضافة إلى الصرف الصحي، فبرأيهم، وعلى الرغم من بساطة الخدمات في المخيمات، فإنّها تبقى أهون من القرى التي تنعدم فيها الخدمات، إلى جانب أهمية توفير فرص العمل في القرى الأصلية.

ويختم بالإشارة إلى أنّ المدارس تمثّل أهمّ نقطة تمنع الأهالي من العودة، كما أنّ الخدمات، وإن تحسّنت، تبقى خطوة غير كافية، إذ إنّ البحث في أيّ قرية يُظهر أنّ الناس غير راضية عن مستوى الخدمات بسبب الإهمال الشديد، لا سيّما في ريف إدلب الجنوبي الذي يضمّ نحو نصف مليون نازح تهجروا عام 2019 بسبب الحملات الروسية.

اقتصاد ما بعد الدمار

وفي موازاة البعد الإنساني والاجتماعي، تبرز المقاربة الاقتصادية لتحديد الأولويات والكلف، حيث يوضّح الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي أنّ حجم الاحتياج في المدن السورية لا يمكن التعامل معه كحالة واحدة، وذلك لتوزّعه على عدّة أقسام مرتبطة بالقطّاعات الخدمية والصناعية والتجارية، ولاختلاف المدن عن بعضها تبعاً للأساسيات وطبيعة السكان في كلّ منطقة، مبيناً أنّ لكلّ مدينة خصوصيتها، فمدينة حلب يبرز فيها القطّاع الخدمي إلى جانب قطّاعي الصناعة والتجارة، في حين يُعدّ القطّاع الخدمي أولوية أولى في مدينة إدلب، أما محافظة حمص، لا سيّما ريفها والبادية التابعة لها، تتميّز بأهمّية القطّاع النفطي، حيث يرتبط تطويره بدخول شركات جديدة واستثمارات، ما يجعل طبيعة العمل واحتياجات السكان عاملاً حاسماً في تحديد الأولويات.

ويشير إلى أنّ الاحتياج الخدمي في هذه المدن كبير جداً، وأنّ البنية التحتية لقطّاع الخدمات متهالكة بدرجات متفاوتة تبعاً لحجم الضرر الذي لحق بكلّ مدينة، ففي حلب، على سبيل المثال، تحتاج المنطقة الشرقية التي تعرّضت لدمار واسع إلى إعادة مدّ الخدمات من جديد، إذ إنّ القطّاع الخدمي فيها شبه منتهٍ، بينما تتطلّب المنطقة الغربية إعادة تأهيل وترميم للخدمات، كما يضيف أنّ عودة النازحين ترتبط بالحاجة إلى البناء وإعادة تأهيل شبكات الطرق والكهرباء والمياه، وهي أمور تختلف من حيّ إلى آخر بحسب الجغرافيا وحجم الدمار الذي خلّفه قصف النظام المخلوع، حيث توجد أحياء غير متضررة وأخرى مدمرة بالكامل.

وعند الحديث عن الكلفة، يؤكّد قضيماتي أنّ كلّ شيء بات مكلفاً في سوريا، سواء الطرق أو شبكات المياه أو الكهرباء، فمعظمها يحتاج إما إلى إعادة تأهيل أو إلى بناء جديد، ويرى أنّ الأولوية في المرحلة الحالية تتمثّل في توفير الكهرباء لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي لا تعتمد على الطاقة البديلة بسبب كلفتها المرتفعة، موضّحاً أنّ هامش هذه المشاريع بات محدوداً جداً، ما يجعل إعادة الكهرباء إلى المدن أو تخصيص مناطق معينة مناسبة لها أمراً بالغ الأهمية، مشدّداً على ضرورة وجود تسعيرة جديدة أو خاصة لتلك المناطق، بما يتيح عودة المشاريع إلى العمل وبدء الإنتاج.

ويتابع، أنّ طبيعة المشاريع الصغيرة والمتوسّطة تختلف بين مدينة وأخرى، ففي مدن مثل حماة وإدلب لا تكون هذه المشاريع بحجمها في حلب، إذ يتركّز دورها بشكل أساسي على تلبية حاجات المواطنين الخدمية أكثر من خدمة قطّاعات كالصناعة، ومن هنا، فإنّ خصوصية كلّ منطقة تتحكّم بالكلفة والأولوية.

ويلفت إلى أنّ الكثافة السكانية تلعب دوراً كبيراً في الضغط على البنية التحتية والخدمات، كمدينة حلب بكثافتها السكانية المرتفعة، منوّهاً بأنّ القطّاع العقاري لم يبدأ بالعمل فعلياً حتى الآن في سوريا، الأمر الذي يشكّل ضغطاً إضافياً على السكان وعلى الخدمات، إذ يؤدي ارتفاع الاستهلاك وتمركز السكان في مناطق معينة إلى تحميل البنية التحتية أعباء أكبر.

وفيما يتعلّق بربط عودة النازحين بوجود استثمارات كبيرة في البنية التحتية أو تطويرها، يرى الباحث ضرورة التمييز بين فئات العائدين، فهناك من يعود عودة طوعية لامتلاكه منزلاً أو أساساً يمكن العودة إليه، وهؤلاء يكون الضغط عليهم أقلّ مقارنة بمن يعود بشكل غير طوعي من الدول الأوروبية أو دول الإقليم التي لجأ إليها السوريون، مؤكّداً أنّ الاستثمارات ليست العامل الحاسم في قرار العودة بالنسبة لغالبية النازحين، إلا في حالات محدودة ممّن يتمتّعون بوضع قانوني جيد وأعمال مستقرة في بلدان اللجوء، ونسبة هؤلاء ليست بكبيرة مقارنة بمن يعودون مكرهين نتيجة الضغوط التي يتعرّضون لها.

وعن إعادة الخدمات، يوضّح قضيماتي أنّه لا يمكن ربطها كشرط مسبق لإعادة الإعمار، معتبراً أنّ الخدمات موجودة في سوريا وتتحسّن تدريجياً، في حين تخضع عملية إعادة الإعمار لشروط أساسية مرتبطة بالبنوك والعلاقات الخارجية السورية مع الدول الداعمة أو مع الشركات المعنية، وهو ما يجعل هذا الملف أكثر تعقيداً.

ويؤكّد أنّ الخدمات تتعافى بشكل تدريجي وقد يكون التحسّن بطيئاً في بعض القطّاعات وسريعاً في أخرى، لافتاً إلى أنّ البلاد تمرّ بمرحلة بناء تُعدّ الأصعب، وأنّ نتائج تحسين الخدمات لا تظهر مباشرة وإنّما تحتاج إلى فترة زمنية قد تمتد إلى سنتين أو ثلاث سنوات على الأقل، موضّحاً أنّ تخصيص الموارد وحجم الاستهلاك لكلّ مدينة يتمّ وفق دراسات تعدّها الحكومة السورية بناء على دور هذه المدن في الاقتصاد الوطني.

ويخلص إلى أنّ استمرار وجود المخيمات يشكّل عبئاً سياسياً واجتماعياً إضافة إلى اعتباره عبئاً اقتصادياً، في ظلّ تساؤلات حقيقية حول مصير قاطنيها وإمكانية عودتهم إلى ديارهم المدمّرة، مشيراً إلى أنّ المشكلة العقارية ما زالت قائمة، إذ لم تشهد سوريا حتى الآن حركة بناء حقيقية، ويمكن القول إنّ إعادة الإعمار لم تبدأ فعلياً، ويرى أنّ هذه الإشكالية أصبحت بمثابة شبح متجذّر في الاقتصاد السوري، والتعامل معها يتطلّب مزيداً من الوعي ووضع خطط أعمق وأكثر شمولاً.

وفيما يخصّ تأثير الخدمات على فرص العمل في المدن المتضرّرة، يؤكّد قضيماتي أنّ البدء بخطط إعادة الإعمار وضخّ الأموال فيها من شأنه أن ينعكس تدريجياً على تحسّن الخدمات وفتح المجال أمام فرص عمل جديدة، بحيث تسير عملية تحسين الخدمات بالتوازي مع إعادة الإعمار.

الجدير بالذكر أنّ عدد قاطني المخيّمات في محافظة إدلب يقدّر بنحو 120 ألف عائلة، أي ما يقارب 719 ألف شخص، موزّعين على 840 مخيّماً، يعيش معظمهم في خيام مهترئة لا توفّر حماية كافية من الأمطار أو الرياح أو البرد.

وبحسب مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، فإنّ أكثر من 450 مخيّماً يُصنَّف ضمن المناطق عالية الخطورة من حيث التعرّض للعوامل الجوّية، بينما تشير التقديرات إلى أنّ أكثر من 90 بالمئة من الخيام بحاجة إلى استبدال عاجل نتيجة تلفها بفعل العوامل الجوية وطول فترة الاستخدام.

الثورة السورية

—————————–

أيحقّ لمجلس القضاء الأعلى تحديد تعويض الوفاة والعجز؟/ ميشال شمّاس

24 فبراير 2026

أصدر مجلس القضاء الأعلى  في سورية قراراً حدّد فيه مقدار التعويض (الدية) في حالة الوفاة بثلاثين ألف دولار، ووضع نسباً مئوية من هذا المبلغ تُحتسب عند وقوع عجز أو تعطيل في أحد أعضاء جسم الإنسان، وألزم المحاكم بالعمل بهذه الجداول. ورغم أن بعض النقاش انصبّ على استخدام مصطلح “الدية” باعتباره ذا جذر فقهي إسلامي يبقى هذا النقاش شكلياً إلى حدّ بعيد، لأن المقصود في النهاية تعويض مالي عن الوفاة أو العجز، أياً كانت التسمية المعتمدة. أما جوهر النقاش الذي يتناوله هذا المقال فيتعلق أولاً بمشروعية القرار من حيث طبيعة الصلاحيات التي استند إليها، وما إذا كان مجلس القضاء الأعلى يملك أصلاً سلطة إصدار مثل هذه القواعد العامة الملزمة. وبمنهجيته في تحديد مقدار التعويض ونِسَب العجز.

في الطبيعة القانونية للقرار

القرار محلّ البحث إداري تنظيمي عام، صدر عن سلطة إدارية (مجلس القضاء الأعلى) موجَّه إلى المحاكم لتطبيق جداول محددة في تقدير التعويضات. وهو ليس قانوناً صادراً عن السلطة التشريعية، ولا اجتهاداً موحداً صادراً عن الهيئة العامة لمحكمة النقض، وإنما قاعدة تنظيمية عامة أُريد لها أن تكون ملزمة لجميع القضاة والمتقاضين.

رغم هذا الوضوح، حاول محامون زملاء تزيين هذا القرار وتقديمه بوصفه جريئاً وغير مسبوق، مستخدمين عبارات يبدو شكلها منطقياً لكن مضمونها غير دقيق، بالادعاء بوجود سند له في المادة 85 من قانون السلطة القضائية القديم. غير أن وجود هذه المادة لا يمنح المجلس سوى صلاحية “إبداء الرأي من تلقاء نفسه في المسائل المتعلقة بالقضاء”، وهي صلاحية ذات طبيعة استشارية وتنظيمية داخلية، تتعلق بإدارة شؤون القضاء وتنظيم العمل القضائي، ولا ترقى إلى مستوى التفويض التشريعي، ولا تجيز له إصدار قواعد عامة ملزمة تمسّ حقوق الأفراد وتفرض عليهم التزامات مالية أو تعدّل من نظام المسؤولية المدنية والجزائية.

يُضاف إلى ذلك أن اختصاص مجلس القضاء الأعلى في إصدار قرارات عامة مجرّدة يقتصر على القضاة أنفسهم: تنظيم العمل القضائي، توزيع الدعاوى، شؤون الانضباط، وما في حكمها من المسائل الداخلية للسلطة القضائية. أما القواعد التي تمسّ حقوق الأفراد وتفرض عليهم التزامات مالية، فهي بطبيعتها قواعد تشريعية لا يجوز أن تصدر إلا عن السلطة التشريعية، أو عن الهيئة العامة لمحكمة النقض عبر الاجتهاد الموحّد.

 ثمّ إن تحديد مقدار الدية، ووضع نسب العجز وربطها بمبالغ محددة، ليس تنظيماً إدارياً لشؤون القضاء، بل هو تدخل مباشر في الحقوق المدنية والجزائية للأفراد: فهو ينشئ التزاماً مالياً على الجاني، ويمنح حقاً مالياً للمجني عليه أو ورثته، ويؤثر على آثار الجريمة وعلى تقدير المسؤولية. وهذا النوع من القواعد يخرج عن دائرة اختصاص مجلس القضاء الأعلى، ويشكّل عملاً ذا طابع تشريعي بحت، لا يملك مجلس القضاء الأعلى سنداً دستورياً أو قانونياً لمباشرته. وعليه، فالقرار من حيث الاختصاص مشوب بعيب جوهري هو عيب عدم الاختصاص، ويخضع لرقابة القضاء الإداري بوصفه قراراً إدارياً تنظيمياً مخالفاً للقانون ومتجاوزاً للسلطة.

في منهج تحديد الدية

قد يُقال إن تحديد مبلغ ثابت للوفاة محاولة لتوحيد معايير التعويض بين المحاكم في ظل التفاوت الكبير في الأحكام، غير أن توحيد المعايير لا يمكن أن يبرّر تجاوز الاختصاص، ولا أن يختزل فلسفة التعويض في رقم جامد. فالأصل في التعويض في القانون المدني وفي الاجتهاد القضائي أنه يُقدّر تبعاً للضرر الفعلي وظروف كل حالة على حدة:

 فالتعويض المستحقّ لورثة متوفّى يعيل أطفالاً قُصّراً يختلف منطقياً عن التعويض في حالة من لا يترك وراءه معالين. وحالات الوفاة التي تسبقها معاناة طويلة، أو تنطوي على ضرر نفسي ومادي أوسع نطاقاً، لا تستوي تماماً مع حالات أخرى مختلفة في واقعها وآثارها. إلى جانب ذلك، يثير اختيار مبلغ ثلاثين ألف دولار قيمةً للوفاة أسئلةً حول منهج التقدير: 

هل استند القرار إلى معايير اقتصادية (مستوى الدخل، القدرة الشرائية، الحد الأدنى للأجور)؟ وهل اعتمد على متوسطات قضائية سابقة في أحكام التعويض؟ وهل روعي في المبلغ الواقع الاجتماعي والاقتصادي للفئات الأضعف؟

غياب أي بيان لهذه المعايير يحوّل المبلغ إلى تقدير إداري أقرب إلى الاعتباط منه إلى سياسة تشريعية مدروسة، ولا سيما أن القرار لم يبيّن كيفية التعامل مع تقلبات سعر الصرف أو مسألة الدفع بالعملة الأجنبية أو بالليرة السورية وما ينتج عن ذلك من تفاوت عملي كبير بين حالة وأخرى.

الشق الأكثر إشكالاً في القرار الجداول التي حدّدت نسباً مئوية من مبلغ الدية لحالات العجز وفقد الأعضاء. فقد اعتبر القرار، على سبيل المثال، أن بعض الإصابات الجسيمة – مثل فقد رجل – لا تعادل سوى “نصف وحدة”، أي نصف دية تقريباً، أو نسبة مشابهة من المبلغ الكلّي. هذا التوصيف لا ينسجم مع طبيعة الضرر في واقع الحياة ولا مع فلسفة التعويض القائمة على جبر الضرر قدر الإمكان.

ففقدان طرف سفلي أو علوي ليس مجرّد نسبة حسابية، بل إصابة تغيّر حياة الإنسان بالكامل، وتؤثر في قدرته على العمل، وحركته، واستقلاله، ونمط معيشته وعلاقته بالمجتمع. اختزال هذه الخسارة الإنسانية والمهنية في “نصف وحدة” أو نسبة جامدة من مبلغ محدّد سلفاً يبدو بعيداً عن الواقع الطبي والاجتماعي، ولا يعكس خطورة الضرر ولا أثره المستمر مدى الحياة.

فضلاً عن ذلك، لا تستند هذه النسب، بحسب الظاهر، إلى: جداول تقييم العجز المعتمدة في الطب الشرعي أو أنظمة التأمين والضمان الاجتماعي، ولا إلى توصيات لجان طبية مختصة أو دراسات ميدانية، ولا إلى اجتهاد قضائي مستقر تبلور عبر عشرات السنين، بل تبدو أقرب إلى أرقام رقمية جامدة، لا تراعي الفروق الفردية بين الأشخاص، ولا طبيعة المهنة، ولا سن المصاب، ولا تعدّد الإصابات وتداخلها. بينما تقييم العجز في الأساس مسألة طبية- فنية متغيّرة، يفترض أن يقوم بها أهل الخبرة في كل حالة على حدة، وأن يستند القاضي في تقديره للتعويض إلى تقارير الخبرة، لا إلى جداول مغلقة منشأة بقرار إداري.

في ملاءمة القرار من منظور قضائي وإنساني

من الناحية القضائية، جوهر دور القاضي في دعاوى المسؤولية ممارسة سلطة تقديرية واعية، توازن بين جسامة الفعل وحجم الضررين المادي والمعنوي، والظروف الشخصية للطرفين. فرض مبالغ ونسب ملزمة سلفاً، من دون سند تشريعي، يفرغ هذه السلطة التقديرية من مضمونها، ويحوّل القاضي إلى مجرّد منفّذ لجداول رياضية لا تراعي خصوصية كل حالة.

ومن الناحية الإنسانية، اختزال جسد الإنسان وأعضائه في نسب من “وحدة مالية” ثابتة يطرح إشكالات أخلاقية واضحة، ويغفل أن التعويض المالي ليس سوى عنصر واحد من منظومة أوسع تشمل الرعاية الصحية المستمرة، وإعادة التأهيل، والدعم النفسي والاجتماعي، وتأمين مصدر رزق بديل في حالات العجز الدائم.

وإذا كان الهدف المعلن أو الضمني للقرار الحدّ من التفاوت الكبير بين أحكام التعويض، فإن الطريق القانوني السليم لتحقيق هذا الهدف يكون عبر الخطوات التالية: أولاً، تدخل تشريعي صريح يضع مبادئ عامة للتعويض عن الوفاة والعجز، ويمكن أن يحدّد: حداً أدنى لا يجوز للقاضي النزول عنه في حالات معيّنة، مع ترك المجال مفتوحاً للحكم بمبالغ أعلى تبعاً لظروف كل حالة. ثانياً، إصدار اجتهادات موحدة من الهيئة العامة لمحكمة النقض ترسم ضوابط لتقدير التعويض من دون أن تتحوّل إلى جداول حسابية جامدة، بل إلى معايير تفسيرية تساعد على توحيد التوجّه القضائي. ثالثاً، إعداد جداول استرشادية للعجز بالتعاون مع الأطباء الشرعيين ونقابة الأطباء وخبراء التأمين، تُعرض على القضاة بوصفها مرجعاً فنياً، من دون أن تكون ملزمة، حتى لا تُقيَّد السلطة التقديرية ولا يُمسّ جوهر وظيفة القضاء.

يتضح مما تقدّم أن القرار المذكور شكلاً وموضوعاً تجاوز الحدود المرسومة لصلاحيات مجلس القضاء الأعلى، ومارس وظيفة تشريعية لا يملكها، وأنشأ التزامات مالية تمسّ حقوق الأفراد من خلال قرار إداري تنظيمي لا يستند إلى تفويض تشريعي صريح.

العربي الجديد

—————————-

ميزانية الأسرة في رمضان 2026: حساب تكاليف السحور والإفطار في ظل ارتفاع الأسعار/ دينا عبد

20 فبراير 2026

تواجه العديد من الأسر أعباءً مالية متزايدة مع حلول شهر رمضان المبارك، نتيجة كثرة الولائم والتجمعات، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطعام والمواد الغذائية. ويبرز هنا السؤال الأهم الذي يشغل بال كثير من أرباب وربات الأسر: كيف يمكن إدارة الميزانية بحكمة خلال هذا الشهر لتقليل النفقات غير الضرورية وتوفير المال، من دون التأثير على أجوائه وروحانيته؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع الأسعار، ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى إعادة حساباتها مع بداية الشهر الفضيل. فالتخطيط المسبق، وتحديد أولويات واضحة للإنفاق، ومراجعة الاحتياجات الفعلية قبل التوجه إلى الأسواق، كلها خطوات بسيطة لكنها فعّالة، تساعد على ضبط المصروف وتحقيق توازن معقول بين متطلبات رمضان والإمكانات المتاحة، وتجنّب ضغوط مالية قد تثقل كاهل الأسرة وتمتد آثارها إلى ما بعد انقضاء الشهر الكريم.

الالتزام باستراتيجية مالية واضحة

يقول أبو أكرم، وهو موظف وربّ أسرة مكوّنة من خمسة أشخاص: “من الضروري وضع استراتيجية مالية واضحة والالتزام بها، ولا سيما في شهر رمضان، لأن الإنفاق يزيد بنسبة 30%، وهو ما لا يمكن للعديد من الأسر تحمّله في ظل ظروف اقتصادية خانقة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الطعام والمواد الغذائية”.

وأضاف أبو أكرم لموقع “الترا سوريا”: أن هذه المصروفات يجب أن تتناسب مع الدخل الشهري من دون تجاوز الميزانية، مشيرًا إلى أن الأسرة تحتاج إلى ما يقارب 100 ألف ليرة يوميًا، مع تدوير بعض الأصناف لتخفيف الأعباء

في المقابل، تُقدّر أم جابر، وهي ربة منزل، مصروف أسرتها المكوّنة من أربعة أشخاص بنحو 150 ألف ليرة يوميًا، موزّعة بين وجبتي السحور والإفطار. وتشير لـ”الترا سوريا” إلى أن وجبة السحور تقتصر غالبًا على “حواضر المنزل”، في حين يتركّز الجزء الأكبر من الإنفاق على وجبة الإفطار، التي تحرص على أن تكون غنية بالبروتينات والمعادن.

من جانبه، يؤكد سليم، صاحب سوبر ماركت، أنه ومن خلال مشاهداته يَعدّ شهر رمضان الأعلى من حيث معدلات الاستهلاك، نتيجة العادات والتقاليد. ويوضح لـ”الترا سوريا” أن تبادل الدعوات إلى الإفطار وكثرة الموائد العامرة يرفعان وتيرة الإقبال على شراء المواد الغذائية، إذ يزيد الاستهلاك بأكثر من 32% مقارنة بالأيام العادية خارج الشهر الكريم.

سقف أسبوعي المصروفات

تنصح الاستشارية الأسرية المجتمعية، صبا عبد الله، الأسر باتّباع إرشادات اقتصادية مع بداية الشهر الفضيل، تتمثّل في وضع ميزانية محددة قبل حلوله والالتزام بها، مع تحديد سقف أسبوعي للمصروفات. كما تؤكد أهمية تخطيط الوجبات لأسبوع مسبقًا، بدلًا من الشراء اليومي العشوائي الذي يؤدي إلى زيادة الإنفاق وارتفاع معدلات الهدر.

كما شددت عبد الله في حديثها لـ”الترا سوريا” على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الشراء بكميات مدروسة خلال العروض الحقيقية فقط، وتجنّب التخزين المبالغ فيه الذي يؤدي إلى تلف الطعام. ونوهت بضرورة تقليل الاعتماد على الوجبات الجاهزة والموائد المكلفة عند دعوة أفراد العائلة الممتدة والأصدقاء إلى الإفطار، مع الحرص على تخفيف هذه الدعوات إلى الحد الأدنى.

عادات غير ضرورية

من جانبه، بيّن أخصائي الصحة العامة، الدكتور سمير بركات، خلال حديثه لـ”الترا سوريا”، أنه يجب على الصائم تجنّب العادات الاستهلاكية غير الضرورية، مثل الإفراط في تناول العصائر والمشروبات الغازية والحلويات الجاهزة، واستبدالها بخيارات صحية يمكن إعدادها في المنزل.

وأوضح أنه يمكن استثمار شهر رمضان كفرصة مثالية لإعادة النظر في العادات الاستهلاكية، واعتماد نهج يقوم على البساطة بدلًا من التبذير والإفراط، بما يسهم في تحقيق توازن مالي وصحي، وحياة أكثر استدامة.

ترتيب أولويات الشراء

ردًا على سؤال حول كيفية ضبط ميزانية الأسرة، قال الخبير الاقتصادي وأمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، لـ”الترا سوريا” إنه من الضروري ترتيب أولويات الشراء وتحديد الاحتياجات الأساسية، وعدم الإسراف لتجنّب الضغط على الميزانية الأسرية، مؤكدًا أن التخطيط المالي الحكيم يساعد في تنظيم النفقات وتفادي الوقوع في أزمات منتصف الشهر.

وبيّن حبزة، وفق تقديراته، أن العائلة المكوّنة من خمسة أشخاص تحتاج إلى حد أدنى يبلغ 75 ألف ليرة لوجبة السحور، و125 ألف ليرة لوجبة الإفطار، أي ما يعادل نحو 6 ملايين ليرة خلال شهر رمضان للغذاء فقط. ونوّه إلى ضرورة إجراء جرد للمخزون المنزلي، لمعرفة السلع الأساسية المتوفرة فعليًا، مثل السكر والأرز وغيرها، تجنّبًا لشرائها مرة أخرى.

وأضاف الخبير الاقتصادي حبزة أن الشراء الأسبوعي أكثر فاعلية من شراء احتياجات الشهر دفعة واحدة، كونه يقلّل من الهدر ويساعد على ضبط الميزانية.

واختتم حديثه لـ”الترا سوريا” بالتأكيد على أن الإدارة الذكية للمال لا تعني التقشّف أو الحرمان، بل تحقيق التوازن بين الاستمتاع بأجواء رمضان الروحانية والاجتماعية والحفاظ على الاستقرار المالي للأسرة، بما يضمن استمرار الأجواء الإيجابية طوال الشهر الكريم وما بعده.

بناءً على ما سبق، تعكس تقديرات الأسر وآراء المختصين واقعًا اقتصاديًا يفرض نفسه خلال شهر رمضان، حيث تتقاطع العادات والتقاليد مع الضغوط المعيشية المتزايدة. وبين ارتفاع معدلات الاستهلاك وتفاوت القدرة الشرائية، يبقى تنظيم الإنفاق وتحديد الأولويات عاملين حاسمين في إدارة المصروف اليومي، بما يخفف من الأعباء المالية ويحدّ من انعكاساتها على الأسرة خلال الشهر وبعده.

الترا سوريا

—————————–

رمضان السوري… روحاً وعاداتٍ وطقوساً/ نور ملحم

24 فبراير 2026

رغم ما مر على  سورية من أهوال، نجحت في الحفاظ على الكثير من روحها. ورغم “خوف الطغاة من الذكريات” كما يقول محمود درويش، احتفظت بذاكرتها في تفاصيل الحياة طريقةَ مقاومةٍ. ولعل تقاليد شهر رمضان وأجواءه واحدة من مفردات الذاكرة التي حافظ عليها السوريون رغم انتفاء الحاجة إلى بعضها.

في حي الميدان الدمشقي بوسط العاصمة السورية، تجلس فاطمة النابلسي (أم خالد)، وهي في الثمانين، على شرفة منزلها العتيق، تراقب الأزقة التي حفظت ملامحها منذ الطفولة. قبل أذان المغرب بدقائق، يمر الأطفال مسرعين بين البيوت وهم يحملون أطباقاً مغطاة بقطع قماش مطرزة، وتعلو أصوات الباعة الذين ينادون على بضاعتهم الرمضانية.

تبتسم أم خالد وتقول لـ “سورية الجديدة”: “كان الحي كله عائلة واحدة… ما كان في بيت يفطر لحاله”. ثم تصمت قليلاً قبل أن تضيف: “اليوم تغيّر كثير، بس روح رمضان بعدها موجودة”.

تبدأ الحكاية من ذاكرة أم خالد، حكاية شهر لا يزال يحتفظ بمكانته الخاصة في وجدان السوريين، رغم ما مرّ على البلاد من تحولات قاسية. فشهر رمضان في سورية ليس مجرّد موسم ديني، بل هو حالة اجتماعية وثقافية كاملة، تتبدل فيها إيقاعات الحياة، وتتجدد فيها العلاقات بين الناس، ويعود فيها المجتمع إلى جذوره الأولى، حيث التكافل والتراحم والدفء العائلي.

منازل مضيئة وقلوب مفتوحة

على امتداد سورية، من حلب إلى حمص، ومن الأحياء الدمشقية القديمة إلى القرى النائية، تتشابه مظاهر الاستعداد لاستقبال الشهر. تبدأ التحضيرات قبل أسابيع، حيث تُنظف البيوت وتُعاد ترتيبها، وتُعلّق الزينة على الشرفات، وتُضاء الفوانيس في المداخل. في بعض الأحياء، لا تزال “الحبال الرمضانية” تُمد بين البيوت، تحمل أشرطة ملونة تُعلن قدوم الشهر.

تقول أم خالد: “كنا نستقبل رمضان كأنه ضيف عزيز… نجهز له البيت والقلب”. هذه العبارة تختصر فلسفة كاملة في التعامل مع الشهر، حيث يتحول الاستعداد له إلى طقس يهيئ الناس نفسياً للدخول في زمن مختلف، زمن تتقدم فيه الروابط الاجتماعية على التفاصيل اليومية الأخرى، ويصبح التجمع والدفء الأسري جزءاً من الهوية الرمضانية.

في قلب هذه الروابط، تقف “سكبة رمضان” واحدة من أكثر العادات رسوخاً في الذاكرة السورية، تقوم على تبادل أطباق الطعام بين الجيران قبل موعد الإفطار، بحيث ترسل كل عائلة جزءاً من وجبتها إلى بيوت أخرى، وتتلقى أطباقاً مختلفة في المقابل.

في منطقة المزّة، تقول السيدة الأربعينية رغدة رهونجي لـ”سورية الجديدة”: “السكبة تجعل كل منزل يشعر أنه ليس وحده”، مضيفة أن هذه العادة تساعد على تنويع الطعام في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وفي القرى، حيث العلاقات أكثر ترابطاً، تبدو السكبة أكثر حضوراً، إذ تتحول إلى شبكة دعم حقيقية تضمن للجميع مائدة متكاملة، في بعض الأحيان تتضمن وجبات متكاملة من الخضار واللحوم، مما يعكس روح التضامن بين القرى والعائلات الممتدة.

أكلات اللبن: “لازم نبيّضها”

في دمشق، تحافظ أغلب العائلات على تقليد إعداد “أكلات اللبن” في اليوم الأول من رمضان، مثل الشاكرية والشيشبرك والكبة اللبنية، تحت شعار شعبي متوارث “لازم نبيّضها”، في إشارة إلى اللون الأبيض الذي يرمز إلى بداية نقية للشهر.

تشرح ولاء اللحّام، وهي ربة منزل في منتصف الخمسينيات، دلالة هذه العادة قائلة: “اللون الأبيض يرمز لبداية نظيفة ومباركة للشهر، وكأننا نفتتح رمضان بصفحة بيضاء”. وتضيف أن العادة متوارثة عن الجدات، وكانت ترتبط أيضاً بفكرة التفاؤل بأن يكون الشهر مليئاً بالخير والرزق، “فاللبن غذاء كامل وخفيف على المعدة، ويعطي إحساساً بالراحة بعد يوم الصيام”. وترى اللحّام أن التمسّك بهذا التقليد، رغم تغيّر الظروف وارتفاع الأسعار يعكس تمسك العائلات بذاكرة رمزية تمنح بداية الشهر طابعاً خاصاً، وتربط الأجيال الجديدة بما عاشه الآباء والأجداد من طقوس ومعانٍ.

خبز الناعم وعرق السوس: مذاق الذاكرة

لا يُختزل رمضان السوري في الطعام فحسب، بل يمتد إلى طقوس يومية تشكل جزءاً من الهوية الثقافية. من أبرز طقوسه خبز “الناعم”، الذي لا يظهر في الأسواق إلا في رمضان.

في سوق شعبي بدمشق، يقف البائع الستيني مخلص الأيوبي (أبو محمود)، أمام حوض الزيت، يمدد العجين ويقلبه بسرعة، قبل أن يرش عليه دبس العنب ويقدمه ساخناً. يقول: “الناعم من الأكلات المتعارف عليها في محافظة دمشق فقط، فهي تعد ذكرى للجميع، كل واحد بيشتريه بيتذكر طفولته ولمّة أهله”.

على بُعد أمتار، ينادي الثلاثيني عصام الحسن بصوت عالٍ: “سوس… عرق السوس البارد”، وهو يحمل قِربة نحاسية مزخرفة ويرتدي زياً تقليدياً. يشرح أن عرق السوس شراب يروي العطش، وهو جزء من طقس رمضاني كامل، ويضيف: “عندما يسمع الناس صوتي، يعلموا إنو رمضان وصل”، مشيراً إلى أن كثيرين يتوقفون للحديث معه عن ذكرياتهم مع هذا الشراب، حتى لو لم يشتروا.

كما يمتدّ الاهتمام بالمشروبات الرمضانية إلى التمر هندي والجلاب، التي تعطي طاقة للصائمين بعد يوم طويل، وتحمل قيمة رمزية مرتبطة بالذاكرة الجماعية.

التكريزة وجمعة العائلة

وقبيل حلول الشهر، تظهر عادة أخرى تُعرف بـ”التكريزة”، وهي لقاء عائلي يُقام قبل رمضان، يجتمع فيه الأقارب على مائدة واحدة. تشير المصادر التاريخية إلى أن أصل الكلمة يعود إلى اللغة السورية القديمة، وقد حاول بعض المؤرخين تحويلها إلى “كزدورة”، التي تعني “مشواراً قصيراً”، بينما التكريزة تمتد إلى مسافات أبعد.

قال رئيس جمعية العادات الأصيلة عدنان تنبكجي لـ “سورية الجديدة” إن هذه العادة ظهرت في العصر المملوكي، وكانت تُقام بوصفها جزءاً من توديع شهر شعبان واستقبال رمضان، لافتاً إلى أن هذه العادة ارتبطت بمدينة دمشق بشكل خاص، نظراً إلى تاريخها العريق وتنوع الحضارات التي تعاقبت عليها. وتعدّ النساء، بحسب تنبكجي، أطباقاً شعبية مثل المجدرة وحراق أصبعه والفول المدمس، بالإضافة إلى أطباق رمضانية، مثل الكبة اللبنية والشيشبرك وشيخ المحشي وغيرها.

وفي ريف دمشق، يقول المتقاعد السبعيني عبد القادر (أبو العبد): “اليوم أصبح صعباً أن نجمع الكل، بس ما زلنا نحاول… حتى لو بشكل بسيط”. هذه العادة تمثل إعلاناً جماعياً لدخول الشهر بروح المحبة والتسامح وفرصة لتصفية الخلافات قبل رمضان.

يظهر هذا البعد التصالحي أيضاً في “جمعة العائلة”، حيث تتكرّر العزائم العائلية، وتُفتح البيوت لاستقبال الأقارب والأصدقاء. تقول رنا الحباب، وهي مدرسة لغة عربية: “رمضان فرصة لنرجع نحكي مع الناس اللي زعلنا منهم”، مضيفة أن خلافات كثيرة تُحل خلال هذه اللقاءات لأن “الجو الروحي يساعد الناس تتسامح”.

السهرات والإفطارات الجماعية: الروابط الاجتماعية

مع غروب الشمس، تتبدل ملامح الحياة في المدن السورية. تمتلئ المساجد بالمصلين الذين يؤدّون صلاة التراويح، بينما تتحول الشوارع إلى فضاءات اجتماعية مفتوحة. بعد الصلاة، تبدأ السهرات الرمضانية، في المنازل والمقاهي.

في أحد مقاهي دمشق، يجلس الشاب رامي العبد الله مع أصدقائه حتى وقت متأخر. يقول: “السهرات هي المتنفس الحقيقي… شاي، وقطايف، وضحك”، مضيفاً أنها تساعد على نسيان ضغوط الحياة ولو لساعات قليلة، حيث ينشغل الشباب والرجال بألعاب مثل الطاولة والمنقلة والبرسيس، التي تضفي جواً من المرح والتنافس الودي بين المشاركين.

بعد سقوط نظام الأسد، ظهرت أيضاً ظاهرة “الإفطارات الجماعية”، حيث يجتمع الناس حول مائدة واحدة في الشوارع أو الساحات العامة، ما يعكس رغبة المجتمع في إعادة بناء الروابط الاجتماعية، ومعظم هذه الجماعات تكون بشكل تطوعي.

المسحراتي: صوت رمضان في الأزقة

مع اقتراب وقت السحور، يتحوّل الحي الدمشقي إلى مسرح صوتي تتردد فيه أصوات المأذونين والمنبهين على الناس بقدوم وقت الطعام. ومن بين هذه الأصوات، يبرز صوت المسحراتي، الرجل الذي يتنقل بين الأزقة في الليل، حاملًا الطبل أو العصا المعدنية، ليوقظ الصائمين قبل الفجر. ورغم أن الحياة المعاصرة وما جاءت به من تقنيات لا تحتاج إلى مسحّر، حافظت دمشق على مسحريها بوصفهم جزءاً من تقاليد شهر رمضان، وروحه، واستمرت هذه المهنة في عائلات محددة يختص كل منها بحي من أحياء المدينة، وتحوّل المسحر إلى جزء من النسيج الاجتماعي لهذه الأحياء، رغم كل التغير الذي طرأ على عادات الأحياء وعلاقاتها.

 ومن حي ساروجة الدمشقي، يروي المسحراتي حسين الجندي (35 عاماً) تجربته مع شهر رمضان، قائلاً لـ “سورية الجديدة”: “كل ليلة في رمضان، ألبس ثوبي التقليدي وأحمل طبلتي، وأمشي بين البيوت. مهمتي أن أوقظ الناس قبل السحور، وأدخل الفرح على قلوب الأطفال والكبار على حد سواء”. ويضيف: “الناس يعرفون صوتي، وأنا أعرف كل بيت في الحي. البعض يفتح النوافذ ويضحك، والبعض يخرج ليصافحني ويعطيني بعض الحلوى. العمل صعب، خصوصاً مع برودة الليل، لكن رؤية الناس يستيقظون على صوتك، وتشعر بأنك جزء من رمضان، كل هذا ينسيني التعب”.

يوضح حسين أن هذه المهنة قديمة في دمشق، وتنتقل من جيل إلى جيل، “أبي كان مسحراتياً وأنا ورثت عنه الحب لهذه المهنة. رغم قصر ساعات النوم، ورغم التعب، إلا أن الشعور بأنك تحمل جزءاً من روح رمضان بين الناس لا يقدّر بثمن”.

الحكواتي: حكايات الليل الرمضاني

في أحياء دمشق القديمة، ومع حلول الليل بعد الإفطار، يتجمع الأطفال والعائلات حول الحكواتي، الرجل الذي يسرد القصص الشعبية والحكايات القديمة بأسلوبه المميز، ليضفي جواً من المرح والخيال على الأمسيات الرمضانية.

في حي القيمرية الدمشقي، يروي أنور الحايك، وهو حكواتي في الخمسين، تجربته قائلاً لـ ” سورية الجديدة”: “منذ كنت صغيراً، وأنا أحب الحكاية. في رمضان، يتحول كل شارع وكل زاوية إلى مسرح صغير للأطفال والكبار. أبدأ بسرد الحكايات الشعبية، عن الشجعان والأنبياء والحكماء، وأحاول أن أضيف لمسة من الضحك والفكاهة على كل قصة”.

ويضيف: “الأطفال يتركون ألعابهم ويجلسون حولي على الأرض، وينصتون لكل كلمة. بعض الأهالي يجلسون معهم، ويحكون لي عن قصص كانت تُروى لهم عندما كانوا صغاراً. هذه اللحظات تجعلني أشعر بأن رمضان ليس مجرد صيام، بل هو شهر التواصل بين الأجيال، وإعادة إحياء الذاكرة الثقافية”.

ويشير أنور إلى أن الحكواتي كان من أبرز مظاهر رمضان التقليدية في دمشق وحلب وحمص، وأن هذه المهنة تكاد تكون اليوم نادرة، لكنها ما زالت حاضرة في بعض الأحياء القديمة، حيث لا تزال العائلات تحرص على أن يجلس أطفالها حول الحكواتي ليعيشوا أجواء رمضان الأصيلة: “الحكاية تحافظ على روح الشهر، وعلى قيمنا، وتعلّم الصغار الصبر، والخيال، والفضائل”.

تشكّل العادات الرمضانية في سورية “بنية ثقافية متراكمة” تطورت عبر قرون. يوضح أستاذ التاريخ في جامعة دمشق، أحمد داود، أن هذه الطقوس لعبت دوراً في تنظيم العلاقات الاجتماعية، ووفرت شبكات دعم غير رسمية داخل المجتمع.

ويقول لـ “سورية الجديدة” إن الطعام في السياق الرمضاني السوري تحوّل إلى وسيلة تواصل رمزية تعكس الانتماء والمكانة الاجتماعية: “حين ترسل طبق طعام لجارك، فأنت لا تشاركه وجبتك فقط، بل تعلن أنك جزء من جماعة واحدة”. ويؤكد أن استمرار هذه الطقوس يعكس قدرة المجتمع السوري على حماية ذاكرته الثقافية، رغم كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.

وفي مقابل هذا الغنى الرمزي، يفرض الواقع المعيشي نفسه بقوة على تفاصيل الحياة في دمشق وغيرها من المدن السورية، حيث باتت كلفة المعيشة المرتفعة وتآكل القدرة الشرائية عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل هذه الطقوس. يقول الموظف الحكومي باسل العيسى (أبو فاروق) “راتب شهر كامل لم يعد يكفي أسبوعين، فما بالك بموائد رمضان وما تحمله من مصاريف إضافية”، مضيفاً أن العائلة اضطرت إلى تقليص عدد الأصناف والتركيز على الأساسيات فقط.

ويشرح الخبير الاقتصادي عمار اليوسف أن التضخم المتراكم انعكس بشكل مباشر على نمط استهلاك الأسر، ويوضح أن أسعار اللحوم والحبوب والزيوت شهدت ارتفاعات متتالية، ما جعل إعداد الأطباق التقليدية أمراً مكلفاً. ويرى اليوسف أن هذا التحول لا يعني اختفاء العادات، بل إعادة إنتاجها ضمن حدود ضيقة، حيث تحافظ العائلات على الحد الأدنى من الطقوس التي تحمل معنى اجتماعياً، حتى إن تغيّر شكلها. فالسكبة لم تختفِ تماماً، لكنها أصبحت بين عدد أقل من الجيران أو بأطباق أبسط، فيما تحوّلت العزائم الكبيرة إلى لقاءات عائلية محدودة. ويضيف: “الضغط الاقتصادي أعاد تعريف مفهوم الكرم، فلم يعد مرتبطاً بوفرة الطعام بقدر ما أصبح مرتبطاً بالنية والرغبة في المشاركة”. كما يشير إلى ارتفاع تكاليف المشروبات الرمضانية التقليدية، ما دفع الكثير من الباعة إلى تقليص الإنتاج أو رفع الأسعار، إلا أن المجتمع أظهر قدرة على التكيّف، عبر ابتكار بدائل أقل كلفة والاعتماد أكثر على التكافل العائلي والمساعدات المتبادلة.

 روح مستمرّة رغم التحدّيات

بين ذاكرة أم خالد، وصوت بائع الناعم، ونداء بائع عرق السوس، ولقاءات التكريزة، وسهرات الشباب، وجمعة العائلة، وصوت المسحراتي، وحكايات الحكواتي، تتشكل صورة رمضان في سورية حكايةً مستمرة. قد تتغير التفاصيل، وقد تتقلص موائد الطعام، لكن الجوهر يبقى ثابتاً.

تعود أم خالد لتنظر إلى الشارع وقد صدح أذان المغرب، وتقول بهدوء: “رمضان مو بالأكل… رمضان بالناس”. بهذه العبارة تختصر حكاية شهر كامل، لا يزال السوريون يكتبون فصوله كل عام، بإصرار على الحياة، وتمسك بذاكرة لا تنطفئ، وإيمان بأن ما بقي من هذه العادات، بكل بساطتها، هو ما يمنحهم القدرة على الاستمرار.

——————————-

 موسم إنعاش مائي استثنائي.. البحيرات والأنهار تستعيد عافيتها شمالي حلب/ خالد الخطيب

2026.02.23

شهدت مختلف مناطق محافظة حلب شمال غربي سوريا خلال الفترة الأخيرة هطولات مطرية غزيرة وواسعة النطاق، وهذه الهطولات أعادت إلى الأذهان مواسم مطرية مشابهة مرت على المحافظة قبل أكثر من عقدين تقريباً، والتي كانت تشكل أساساً للاستقرار الزراعي والمائي في المحافظة، وجاءت هذه الأمطار بعد سنوات من الجفاف والتذبذب في كميات الهطول، وهو ما منحها أهمية استثنائية على المستويين الزراعي والبيئي، وأعاد الأمل لدى المزارعين بتحقيق موسم إنتاجي أفضل مقارنة بالمواسم السابقة.

وأسهمت كميات الأمطار المسجلة في إعادة تنشيط عدد كبير من المسيلات المائية الطبيعية، وعودة الجريان إلى الوديان والأنهار والينابيع التي كانت قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في منسوب المياه خلال سنوات الجفاف السابقة، كما انعكس ذلك بشكل مباشر على مخزون السدود المائية، حيث أتاحت هذه الهطولات فرصة لتخزين كميات جيدة من المياه يمكن الاعتماد عليها في الري التكميلي خلال الموسم الزراعي الشتوي الحالي، خاصة لمحاصيل الحبوب والبقوليات، إضافة إلى دعم الري الصيفي لمحاصيل الخضراوات بمختلف أنواعها.

ولا يقتصر أثر هذه الهطولات على الجانب الزراعي فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز المخزون الجوفي من المياه، والذي يشكل المصدر الأساسي لمياه الشرب في العديد من المناطق في أرياف حلب الجنوبية والشمالية والغربية وإلى الشرق وصولاً إلى نهر الفرات، سواء عبر الآبار المنزلية أو شبكات المياه المحلية، ويعد تحسن المخزون الجوفي عاملاً حيوياً في تخفيف الضغوط على مصادر المياه خلال فترات الصيف، ويمنح مؤشراً إيجابياً على إمكانية تحسن الواقع المائي في المنطقة إذا استمرت معدلات الهطول عند مستويات جيدة خلال ما تبقى من الموسم المطري.

الكميات الهاطلة تقترب من المعدل

كشف مدير زراعة حلب، فراس سعيد، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن البيانات الصادرة عن شعبة الاستمطار في المديرية أظهرت مؤشرات مطرية إيجابية جداً منذ بداية الموسم المطري وحتى الوقت الحالي، وأوضح أن كميات الهطولات المسجلة هذا العام تفوقت بشكل واضح على كميات الأمطار المسجلة خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، والذي صنف كأحد الأعوام الجافة نتيجة لضعف الهطولات وتراجع توزعها الزمني والجغرافي، وبين أن معظم مناطق المحافظة باتت قريبة من تحقيق المعدل السنوي التقليدي للهطولات المطرية، وهو مؤشر مهم على استقرار الموسم المطري وقدرته على دعم مختلف القطاعات المرتبطة بالمياه.

وأشار سعيد إلى أن هذه الأمطار الغزيرة ستنعكس بشكل مباشر على الواقع الزراعي، إذ ستفيد مختلف أنواع المحاصيل الشتوية والصيفية، كما ستسهم في تعزيز المخزون المائي في السدود وزيادة تغذية المياه الجوفية، وأضاف أن الأثر الإيجابي لا يقتصر على الإنتاج الزراعي فقط، بل يمتد إلى الجانب البيئي أيضاً، حيث ستسهم وفرة الأمطار في ترميم الغطاء النباتي الطبيعي في مناطق واسعة من المحافظة، والذي تعرض لتدهور كبير خلال السنوات الماضية نتيجة لفترات الجفاف المتكررة وندرة الهطولات المطرية، الأمر الذي انعكس سلباً على التوازن البيئي والتنوع النباتي.

وتابع سعيد أن هذه الهطولات تمثل فرصة مهمة لإنعاش الزراعة في عدد من مناطق ريف المحافظة، لا سيما في مناطق اعزاز والباب وجرابلس، خاصة في ظل توقف عدد من مشاريع الري الحكومية خلال السنوات الماضية، مثل مشروع ري سهول ميدانكي ومشروع ري سهول الباب، حيث كان التركيز في الفترات السابقة ينحصر في تأمين مياه الشرب فقط، ولفت إلى أن زيادة كميات الأمطار هذا الموسم قد تعوض جزئياً غياب مشاريع الري، خصوصاً أن هذه المناطق تعتمد بشكل كبير على الزراعات البعلية، ما يجعلها أكثر استفادة من المواسم المطرية الجيدة، كما توقع أن يكون للأمطار أثر واضح في دعم إنتاج البساتين، وخاصة أشجار الزيتون والفستق الحلبي، والقمح والبقوليات، والتي تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعي في تلك المناطق، وتعتمد بشكل كبير على معدلات الهطول السنوية المنتظمة.

منطقة عفرين تتصدر الهطولات

تصدرت منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي قائمة المناطق الأعلى من حيث كميات الهطولات المطرية خلال الموسم الحالي، متفوقة على باقي مناطق محافظة حلب بفارق ملحوظ، ويعزى ذلك، وفق ما أوضحه محمد العبد الله نائب مدير مكتب الزراعة في المنطقة، إلى مجموعة عوامل جغرافية وطبيعية، في مقدمتها الموقع الجغرافي لعفرين ضمن نطاق المرتفعات الجبلية، والتي تسهم في تكاثف الغيوم وزيادة معدلات الهطول مقارنة بالمناطق السهلية.

وأوضح العبد الله أن الهطولات المطرية الغزيرة التي شهدتها المنطقة هذا الموسم أدت إلى عودة الجريان في عدد كبير من الأودية التي كانت جافة خلال السنوات الماضية، كما أعادت الحياة إلى أنهار توقفت عن الجريان لفترات طويلة بسبب موجات الجفاف المتعاقبة، وأضاف أن عدداً من الينابيع الطبيعية عاد للتدفق مجدداً بعد سنوات من التراجع أو الانقطاع، ومن أبرزها نبعة النبي هوري التي تعد أحد الروافد المغذية لنهر عفرين، كما عادت المياه إلى أودية رئيسية مثل وادي عفرين ووادي جنديرس، وإلى مجاري أنهار عدة أبرزها النهر الأسود ونهر عفرين، إضافة إلى فروع مائية أصغر مثل نهر جمروك، والتي تصب جميعها في بحيرة ميدانكي التي بدأت تستعيد منسوبها المائي بعد أن وصلت إلى مستويات متدنية للغاية خلال سنوات الجفاف السابقة.

وتعد منطقة عفرين من أكثر مناطق شمال غربي سوريا غنى بالموارد المائية الطبيعية، إذ تتميز بطبيعة جبلية خصبة وانتشار واسع للينابيع والمجاري المائية، ويشكل نهر عفرين الشريان المائي الرئيسي في المنطقة، حيث يمتد داخل الأراضي السورية لمسافة تقارب 85 كيلومتراً، وينبع من جبال طوروس، وعلى امتداد مجرى النهر والوديان المحيطة به تنتشر مساحات واسعة من بساتين الزيتون والرمان، إضافة إلى وجود عدد كبير من الينابيع الطبيعية والشلالات مثل شلالات جمروك وميدان إكبس، التي تعد من أبرز المظاهر الطبيعية في المنطقة.

وبين العبد الله أن توقيت هذه الهطولات كان ذا أهمية كبيرة، إذ تركزت خلال فترة أربعينية الشتاء، وهي عادة من أكثر الفترات برودة خلال الموسم الشتوي، وأشار إلى أن هطول الأمطار خلال الأجواء الباردة يساعد على تسرب المياه إلى أعماق التربة بشكل أفضل، ما يعزز تغذية المياه الجوفية ويزيد من مخزونها الاستراتيجي، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للزراعة ومصادر مياه الشرب في المنطقة.

وأضاف أن المعدل السنوي الطبيعي للهطولات المطرية في منطقة عفرين يبلغ نحو 540 ميليمتراً، في حين سجل الموسم المطري الحالي حتى الآن نحو 440 ميليمتراً، أي أن المنطقة اقتربت بشكل كبير من تحقيق المعدل السنوي الكامل، مع احتمال تجاوزه في حال استمرار المنخفضات الجوية خلال الفترة المقبلة، وأكد أن استمرار هذا النمط المطري سيسهم في تفجر المزيد من الينابيع وعودة الجريان إلى أنهار وأودية جفت منذ سنوات طويلة، مشيراً إلى أن بعض هذه المجاري المائية لم تشهد جرياناً فعلياً للمياه منذ ما يقارب عقداً من الزمن، وهو ما يعكس حجم التحسن الذي شهده الواقع المائي هذا الموسم.

بحيرة ميدانكي

شهدت بحيرة ميدانكي في ريف عفرين خلال الأسابيع الأخيرة تغيرات مائية ملحوظة، بعد أن تسببت السيول الناتجة عن الهطولات المطرية الغزيرة في جرف كميات كبيرة من الأتربة والوحول إلى داخل البحيرة، ما أدى إلى تعكر المياه مؤقتاً وتوقف استجرار مياه الشرب منها نحو المدن التي تعتمد عليها كمصدر رئيسي، وفي مقدمتها مدينتا عفرين واعزاز.

ورغم هذا التعكر، فإن الواقع المائي العام للبحيرة يعد إيجابياً، إذ أسهمت السيول والهطولات المطرية في رفع منسوب المياه إلى مستويات جيدة بعد سنوات من التراجع الحاد، كما أسهمت عودة تدفق المياه من ينابيع مهمة مثل النبي هوري وعرب ويران، التي كانت قد توقفت خلال سنوات الجفاف، في تعزيز المخزون المائي للبحيرة وتحسين واردها المائي الطبيعي.

ويعكس هذا التحسن تحولاً واضحاً في الواقع الهيدرولوجي للمنطقة، حيث باتت البحيرة تستعيد تدريجياً دورها كمصدر استراتيجي لمياه الشرب والري، إضافة إلى دورها البيئي في دعم الغطاء النباتي والتوازن البيئي في محيطها.

وقال أبو محمد، أحد أهالي قرية ميدانكي المجاورة للبحيرة، إن البحيرة مرت بسنوات قاسية كادت تتحول خلالها إلى مسطح شبه جاف، موضحاً لموقع تلفزيون سوريا: “كان هناك جزيرة صغيرة وسط البحيرة لا يمكن الوصول إليها إلا عبر القوارب، لكن خلال سنوات الجفاف أصبحنا نصل إليها مشياً على الأقدام. اليوم ومع عودة الأمطار وارتفاع المنسوب، بدأت البحيرة تستعيد حياتها، ومعها عاد الأمل بعودة الحياة الطبيعية للمنطقة.”

عودة جريان الأنهار

كشف مدير مركز عفرين للموارد المائية، حسين حاميش أنه تم تسجيل ارتفاع واضح في منسوب مياه نهر عفرين خلال الموسم المطري الحالي، في مؤشر إيجابي بدأ ينعكس بشكل مباشر على الواقع الزراعي والمعيشي في المنطقة.

وأوضح حاميش لموقع تلفزيون سوريا أن تحسن الجريان أسهم في تعزيز توفر مياه الري وخفف اعتماد المزارعين على ضخ المياه من الآبار ذات الكلفة المرتفعة، ما أسهم في إنعاش البساتين التي تضررت خلال سنوات الجفاف الماضية، وخاصة بساتين الزيتون والمحاصيل البعلية، كما أن وفرة المياه تعني عملياً زيادة الإنتاج الزراعي وتحسن دخل الأسر الريفية وتنشيط الدورة الاقتصادية المرتبطة بالزراعة.

وأشار حاميش إلى أن نهر عفرين شكّل عبر آلاف السنين العمود الفقري للاستقرار الزراعي والسكني في المنطقة الجبلية شبه الجافة، حيث نشأت على ضفافه قرى زراعية واسعة، واشتهرت المنطقة تاريخياً ببساتين الزيتون المرتبطة باستقرار جريان النهر.

وأشار حاميش إلى أن النهر شهد تراجعاً خلال العقدين الأخيرين نتيجة لانخفاض الهطولات وتأثير التغير المناخي، إضافة إلى الضخ الجائر للمياه الجوفية والعوامل المرتبطة بمناطق المنابع خارج البلاد، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف الري واضطرار المزارعين لتغيير أنماط الزراعة نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه.

وشدد على أهمية استثمار الموسم المطري الحالي بشكل مدروس عبر تنظيم دورات الري، واعتماد أنظمة الري الحديثة مثل التنقيط والرش، وإصلاح القنوات المائية، ومراقبة الضخ العشوائي، إضافة إلى إنشاء سدات ترابية صغيرة لتخزين المياه والاستفادة القصوى منها.

—————————-

الري لا يحتمل التأجيل.. المازوت عقدة الموسم في الحسكة

تتصاعد مناشدات مزارعي الريف الجنوبي في الحسكة مع اقتراب انتهاء فصل الشتاء ودخول المحاصيل الزراعية مراحلها الحاسمة قبل النضوج، مطالبين وزارتي الزراعة والطاقة في الحكومة السورية بتأمين المازوت الزراعي بشكل عاجل، لضمان استمرار عمليات الري وإنقاذ الموسم الشتوي الذي يقترب من محطته الأخيرة.

ويؤكد مزارعون، في حديث إلى عنب بلدي، أن الأسابيع القليلة المقبلة تمثل “عنق الزجاجة” بالنسبة لمحاصيل القمح والشعير والعدس، إذ تحتاج هذه المحاصيل إلى ريات أخيرة في أواخر الشتاء وبداية الربيع لضمان امتلاء الحبوب وتحقيق إنتاجية مقبولة، رغم وفرة الأمطار هذا الموسم مقارنة بأعوام سابقة.

تحولات السيطرة تربك القطاع الزراعي

تأتي هذه المطالب في سياق تحولات ميدانية وإدارية شهدتها المنطقة منذ منتصف كانون الثاني الماضي، حين سيطر الجيش السوري على مساحات واسعة من أرياف محافظة الحسكة، عقب سيطرته الكاملة على الرقة ودير الزور، بينما انحسر وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن المدن الكبرى في الحسكة وأريافها القريبة.

كما بسطت الحكومة السورية سيطرتها على عدد من حقول النفط في الريف الجنوبي والشرقي للمحافظة، وتعمل على ترتيبات مع “قسد” لتسلّم باقي الحقول، ضمن تنفيذ اتفاق كانون الثاني بين الطرفين، الذي تضمن إعادة انتشار القوى العسكرية وتنظيم الملفات الخدمية والاقتصادية، وعلى رأسها الطاقة والزراعة.

إلا أن هذه التغيرات، بحسب ما رصده مراسل عنب بلدي، لم تنعكس بعد على شكل آليات واضحة لتوزيع المحروقات في القرى التي انتقلت حديثًا إلى سيطرة الحكومة، ما خلق حالة من الارتباك في سلاسل التوريد، وانعكس مباشرة على القطاع الزراعي.

“نحتاج الري الآن.. وليس بعد شهر”

قال صفوك الخالد، وهو مزارع يملك نحو 40 دونمًا مزروعة بالقمح في إحدى قرى الريف الجنوبي، لعنب بلدي، إن محصوله “دخل مرحلة تكوين السنابل”، موضحًا أن “هذه المرحلة تحتاج إلى مياه كافية حتى تمتلئ الحبوب، وأي نقص سيؤدي إلى حبوب فارغة أو صغيرة”.

وأضاف، “نحن الآن في الوقت الحرج. إذا لم نحصل على المازوت خلال أيام، فلن نستطيع تشغيل محركات المياه ومضخات الآبار. الري لا يحتمل التأجيل، الأرض لا تنتظر”.

وأشار الخالد إلى أن معظم المزارعين في المنطقة يعتمدون على الآبار للري، بسبب محدودية الاعتماد على مياه الأمطار أو مياه نهر الخابور، مضيفًا أن الموسم الحالي شهد هطولات جيدة لكنها “غير منتظمة”، ما جعل الحاجة إلى الري الصناعي أكبر.

ولفت إلى أن الفلاحين كانوا يعتمدون سابقًا، بشكل كبير، على السوق السوداء لتأمين المازوت، رغم ارتفاع أسعاره، “لكن على الأقل كان متوفرًا”، على حد تعبيره، بينما توقفت تلك الأسواق مع التطورات الأخيرة، دون أن يحل مكانها نظام توزيع رسمي فعال حتى الآن.

تكاليف مرتفعة ومخاوف من الخسارة

من جهته، قال المزارع محمد العلي إن تكلفة الإنتاج هذا الموسم ارتفعت بشكل ملحوظ، بدءًا من الحراثة والبذار، مرورًا بالأسمدة، وصولًا إلى أجور العمال.

وأضاف، “حتى لو توفر المازوت الآن، فإن سعره سيكون مرتفعًا، لكن المشكلة الأكبر أنه غير متوفر أصلًا. لا توجد حتى الآن مخصصات واضحة للفلاحين في القرى التي انتقلت إلى سيطرة الحكومة”.

وأوضح أن بعض المزارعين بدأوا يفكرون في تقليص المساحات المزروعة في المواسم المقبلة، في حال استمرار حالة عدم الاستقرار في تأمين مستلزمات الإنتاج، معتبرًا أن “الخسارة هذا العام قد تعني العجز عن تمويل الموسم المقبل”.

وأشار إلى أن انقطاع القرى عن أسواقها التقليدية في مدن المحافظة، بعد تغير خطوط السيطرة، تسبب بارتفاع أسعار المواد الأساسية، ما زاد من الأعباء المعيشية على العائلات الزراعية.

مهندس زراعي: الأمن الغذائي في دائرة الخطر

قال المهندس الزراعي سامر الأحمد، العامل في المنطقة، لعنب بلدي، إن الحسكة تُعد من أهم المحافظات الزراعية في سوريا، وتُعرف بإنتاجها الواسع من القمح والشعير، ما يجعل أي تراجع في إنتاجها مؤثرًا على مستوى البلاد.

وأضاف أن “الريات الأخيرة خلال شباط وآذار ضرورية لضمان إنتاجية جيدة، خصوصًا في الأراضي التي تعتمد على الري من الآبار”، موضحًا أن نقص المياه في هذه المرحلة قد يؤدي إلى انخفاض في وزن الحبوب، وبالتالي تراجع الغلة.

وبيّن أن التحولات الإدارية الأخيرة، رغم أهميتها على المستوى العام، تحتاج إلى “إجراءات تنفيذية سريعة” لضمان عدم تضرر القطاع الزراعي، داعيًا إلى تخصيص كميات إسعافية من المازوت الزراعي للفلاحين في الريف الجنوبي.

وقال، “إذا خسرنا جزءًا كبيرًا من الإنتاج هذا الموسم، فإن ذلك سينعكس على أسعار الحبوب، وعلى قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها من القمح، ما يضع الأمن الغذائي في دائرة الخطر”.

واقع معيشي ضاغط

لا تقتصر أزمة المازوت على البعد الزراعي فحسب، بل تمتد إلى الواقع المعيشي في القرى الجنوبية، إذ يعتمد السكان على المحروقات أيضًا في التدفئة وتشغيل المولدات الكهربائية.

ويقول مزارعون إن الأولوية يجب أن تُعطى للقطاع الزراعي، نظرًا لارتباطه المباشر بإنتاج الغذاء، مؤكدين أن خسارة الموسم تعني تراكم الديون، وربما اضطرار بعض العائلات إلى بيع جزء من ممتلكاتها لتغطية التكاليف.

وأشار الخالد إلى أن “الفلاح يعمل طوال العام، وينتظر هذا الموسم ليعوّض تعبه. إذا خسرناه بسبب المازوت، فلن يكون هناك بديل”.

مطالب بخطة واضحة وآلية توزيع عادلة

يطالب المزارعون بوضع خطة واضحة لتوزيع المازوت الزراعي، تتضمن تحديد مخصصات لكل مزارع وفق المساحة المزروعة، وإنشاء نقاط توزيع قريبة من القرى لتجنب تكاليف النقل الإضافية.

كما دعوا إلى إشراك لجان محلية من الفلاحين في الإشراف على عملية التوزيع، لضمان العدالة والشفافية، ومنع الاحتكار أو التسرب إلى السوق السوداء.

ويرى المهندس الأحمد أن “وجود آلية منظمة وشفافة سيعيد الثقة إلى الفلاحين، ويشجعهم على الاستمرار في زراعة أراضيهم”، مشيرًا إلى أن أي إحباط في هذا التوقيت قد يدفع بعضهم إلى ترك الزراعة أو تقليص نشاطهم.

بين الاتفاقات والواقع الميداني

في الوقت الذي تستمر فيه الترتيبات بين الحكومة السورية و“قسد” لتسلّم باقي الحقول النفطية ضمن تنفيذ اتفاق كانون الثاني، يترقب المزارعون نتائج ملموسة على الأرض، خصوصًا في ملف الطاقة.

وبينما يُنظر إلى سيطرة الحكومة على الحقول النفطية في الريفين الجنوبي والشرقي على أنها خطوة قد تسهم في تحسين توفر المحروقات، فإن الواقع الحالي، بحسب المزارعين، لا يعكس بعد هذا التحسن.

ومع اقتراب فصل الربيع، يزداد الضغط على الفلاحين الذين يرون أن عامل الوقت بات حاسمًا، وأن أي تأخير إضافي في تأمين المازوت قد يؤدي إلى خسائر يصعب تعويضها.

ويختصر الخالد مخاوفه بالقول، “لسنا طرفًا في السياسة ولا في الاتفاقات، نريد فقط أن نسقي أرضنا في وقتها. إذا تأخر المازوت، فلن تنفعنا الوعود”.

في محافظة تُعرف بأنها “سلة الغذاء” لسوريا، يقف الموسم الزراعي اليوم على مفترق طرق، بين آمال بتحسن واقع الخدمات بعد التغيرات الأخيرة، ومخاوف من أن يتحول نقص الوقود إلى ضربة جديدة لقطاع أنهكته سنوات من الأزمات.

عنب بلدي

—————————–

طوابير لتأمين الغاز المنزلي في سوريا… ويدّ خفية لسماسرة السوق السوداء/ جانبلات شكاي

تتواصل أزمة تأمين أسطوانات الغاز المنزلي في المدن السورية، وسط استياء عام لعودة طوابير الانتظار أمام الموزعين المعتمدين، أو الاضطرار للشراء من السوق السوداء بمبالغ تصل أحيانا إلى ضعف السعر المحدد رسمياً والبالغ 10.5 دولار للأسطوانة المنزلية.

انتظام في الاستيراد

وأعلنت الشركة السورية للبترول الإثنين عن وصول ناقلة غاز إلى المصب البحري في بانياس محملة بـ1927 طنا متريا، وهي كمية تزيد عن الاستهلاك اليومي للبلاد، بعد أن كانت قد أعلنت السبت عن وصول ناقلة محملة بأكثر من 2797 طن امتريا والأربعاء عن وصول ناقلة محملة بـ4000 طن.

كما كشف مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد، السبت، لمنصة «الطاقة» الإعلامية المتخصصة، عن استيراد 350 ألف طن من الغاز المنزلي، ومن المقرر أن يتم نقل هذه الكميات براً من الأردن، ضمن الجهود الرامية لتعزيز المخزون في سوريا.

مع ذلك، ظلت أسواق المدن السورية تعاني الأزمة، وأرجع مدير الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد سلات، في تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» الازدحام الحاصل للحصول على الغاز المنزلي إلى زيادة الطلب منذ بداية شهر رمضان، متوقعاً عودة الاستقرار الكامل للإمدادات قبل نهاية الأسبوع الجاري.

وأوضحت وزارة الطاقة في بيان لها الأسبوع الماضي، أنه ونتيجة لسوء الأحوال الجوية خلال الأيام الماضية، حدث تأخر مؤقت في عمليات ربط وتفريغ باخرة الغاز في الميناء، ما انعكس على توافر مادة الغاز المنزلي في بعض المناطق، مؤكدة أن مادة الغاز المنزلي ستكون متوافرة بشكل مستقر في جميع المناطق مع بداية شهر رمضان. لكن أزمة تأمين أسطوانة الغاز ظلت مستمرة، الأمر الذي ارجعته مصادر «القدس العربي» إلى مواصلة السماسرة التلاعب بالكميات المطروحة ضمن السوق لجني أرباح مضاعفة، وإن كان على حساب الفقراء.

معاناة وندرة

في بلدات غوطة دمشق، كما هو الحالي في معظم المدن السورية، كانت الأزمة متفاقمة، وكانت طوابير الانتظار تطول في انتظار سيارة الغاز التي سرعان ما تنفد الكمية منها دون أن يحصل جميع المنتظرين على أسطوانة.

وقال أحد المواطنين لـ«القدس العربي» من بلدة النشابية: انقطعنا من الغاز منذ ثلاثة أيام، ولم نستطع تأمين أسطوانة، والحمد لله أن الكهرباء تحسنت لأننا بتنا نطبخ عليها، وإلا لما كنا استطعنا تأمين إفطارنا في هذا الشهر.

أبو غريب، وهو موزع معتمد، قال لـ«القدس العربي» إنه قام بتوزيع 200 أسطوانة قبل يومين أما أمس فلم تصل أي كمية، وهو يؤمن الغاز لسبعة قرى، وكان قبل الأزمة الأخيرة يؤمن يوميا ما يصل إلى نحو 300 أسطوانة، ويتوقع أن يوزع 200 أسطوانة اليوم الثلاثاء.

وقال إنه يبيع الأسطوانة بسعرها الرسمي عند 10.5 دولار أي 122 حتى 125 ألف ليرة ولكنه يسمع أن الأسطوانة ذاتها تباع بأضعاف ما سبق.

وفي تعليق له على الأزمة الحالية، قال أبو محمد قويدر، وهو مالك لسيارة تنقل أسطوانات الغاز من معمل عدرا للمعتمدين في الغوطة الشرقية إنه ومع تراجع التوريدات قام معمل عدرا بتخفيض حصص الموزعين الفرعيين اليومية إلى نحو 100 أو 200 أسطوانة فقط، بينما كان الموزع ذاته قادر على استجرار 400 أسطوانة أو أكثر في الأيام السابقة، مع الإشارة إلى أن عمليات تحميل أسطوانات الغاز هي بمعدل يصل إلى نحو 200 سيارة يوميا وبحمولة تصل إلى نحو 400 أسطوانة أو أكثر، حسب عدد معتمدين التوزيع الذين يرتبطون مع سائق الشاحنة الواحدة.

وقال أبو محمد لـ«القدس العربي» إن بعض أصحاب السيارات وبالتنسيق مع المعتمدين، عادة ما يستغلون الأزمة الحالية ليقوموا بإخفاء كمية من الأسطوانات لاحتكارها وبيعها بأسعار مضاعفة، فالأسطوانة التي تساوي نحو 122 ألف ليرة يبدأ سعرها في السوق السوداء من 150 ألفاً وقد يصل حتى 400 ألف ليرة، مشيراً إلى أن ما فاقم الوضع هو تزامن انقطاع أسطوانات الغاز مع بداية شهر رمضان حيث يتضاعف الطلب، كما أن زيادة الحديث عن أزمة أسطوانات الغاز دفع الكثير من العائلات للبحث عن أسطوانات احتياطية، الأمر الذي فاقم من المشكلة أيضاً. وفي تصريحات سابقة له، أكد مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد أن معامل الغاز ووحدات التعبئة تواصل عملها بشكل منتظم حيث يبلغ معدل تعبئة أسطوانات الغاز حالياً نحو 170 ألف أسطوانة يومياً (بسعة 10 كيلوغرام للواحدة) على مستوى البلاد منها نحو 75 ألف أسطوانة يومياً في دمشق وحدها، موضحا في تصريحات لوكالة «سانا» أن واقع مادة الغاز المنزلي خلال الفترة الماضية تأثر بزيادة ملحوظة في الطلب إلى جانب تحديات يواجهها القطاع وفي مقدمتها محدودية السعة التخزينية والحاجة إلى تطوير البنية التحتية، معتبراً أن ضعف القدرة التخزينية يضطر الجهات المعنية إلى استيراد ناقلات صغيرة الحجم ما ينعكس على مرونة التوريد.

وقال إن الشركة تتابع وضع البرامج والرؤى لإعادة تأهيل معامل الغاز مثل معمل غاز كونوكو في دير الزور وتطوير بنيتها التحتية إضافة إلى إعادة بناء خزانات غاز ذات سعة كبيرة وتأهيل وإنشاء رصيف بحري ليساهم في استقبال بواخر ذات حمولة عالية بهدف تعزيز الاستقرار ودعم الإنتاج المحلي وتحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين. وأوضح أبو عمر وهو سائق صهريج يعمل على نقل الغاز المسال من مصب بانياس إلى معامل تعبئة الأسطوانات في المدن السورية المختلفة، لـ«القدس العربي» أن عملية النقل من الميناء إلى المحافظات السورية، باتت أفضل من الفترة الماضية لكنها لم تعد إلى طبيعتها، وأمس نقلت صهريجاً إلى درعا وقبله بيوم إلى دير الزور، بعد توقف عن العمل لأكثر من 10 أيام لعدم استطاعة ربط سفن نقل الغاز المستورد، بأنابيب التفريغ في ميناء بانياس نتيجة العواصف والأحوال الجوية السيئة، حيث ظلت السفن راسية في عرض البحر غير قادرة بالدخول إلى الميناء.

وأوضح أن معظم عمليات النقل قبل أزمة الغاز الحالية، كان يقوم بها إلى العاصمة دمشق، لكنه بدأ في اليومين الأخيرين بنقل الغاز إلى محافظات أخرى ومن ضمنها محافظات الجزيرة السورية، باعتبار أن حصة دمشق وريفها من الغاز بات يتم تأمينها اليوم عبر صهاريج قادمة من الأردن، وبما يتراوح بين 30 إلى 40 صهريجا لتشغيل معمل عدرا لتعبئة الأسطوانات بطاقته الإنتاجية التي تتراوح بين 60 إلى 75 ألف أسطوانة يومياً حسب الأرقام الرسمية المعلنة.

وأوضح السائق أنه كان ينقل عادة في الشهر الواحد ما يصل إلى 13 صهريجاً، لكنه لم ينقل الشهر الجاري سوى 5 صهاريج، وعمليات نقل الغاز المستورد من بانياس تتم عبر صهاريج تملكها كل من وزارة الاقتصاد والصناعة، والشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية، إلى جانب الصهاريج المملوكة للقطاع الخاص وبعدد إجمالي يصل تقريبا إلى نحو 100 صهريج حمولة كل منها 20 طناً.

مصدر من الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية قال لـ«القدس العربي» إن مرد الأزمة الحالية، هو في عدم وجود احتياطات مخزنة من الغاز المنزلي المسال في جميع المحافظات السورية، وكان حجم الكميات الموردة يوازي الاستهلاك اليومي، ما أدى إلى ظهور هذه الأزمة مع توقف تفريغ ناقلات الغاز في ميناء بانياس بسبب العواصف.

تراجع الإمداد

وبين أنه في محافظتي دمشق وريفها، تتوفر في منطقة عدرا ثلاث خزانات بحجم 1500 طن لكل منها، إلى جانب 4 خزانات أخرى بسعة 450 طنا لكل واحدة، وبمجموع كلي يصل إلى 18 ألف طن، وهذه تكفي لتشغيل معمل تعبة الأسطوانات المنزلية في عدرا لنحو 25 يوما، لكن كمية الغاز التي كان يتم نقلها بالصهاريج يومياً إلى معمل الأسطوانات كانت بالكاد تكفي لتشغيل المعمل بطاقته القصوى من دون كميات فائضة يمكن تخزينها، ما يعني أن الانقطاع أو تراجع كمية الإمدادات، هو ما أدى إلى تراجع إنتاج عدد الأسطوانات المنزلية.

وذكر المصدر بأن كامل كمية الغاز المسال التي تصل المعمل تنقلها الصهاريج، بينما وقبل العام 2011 كانت كمية كبيرة من الغاز تصل عبر القطار وبحمولة تبلغ نحو 450 طنا للرحلة الواحدة، مع الإشارة إلى أن هذا المعمل وقبل سقوط النظام، كان إنتاجه الوسطي قد تراجع إلى 10 آلاف أسطوانة فقط يومياً، أما الآن فهو ينتج نحو 75 ألف أسطوانة يومياً.

القدس العربي

—————————–

======================

تحديث 22 شباط 2026

—————————–

 في السؤال “الطائفي” بإحصاء دمشق/ إياد الجعفري

الأحد 2026/02/22

عايش كاتب هذه السطور، قبل أيام، تجربة حيّة مع “إحصاء” أجراه موظفون يتبعون لمحافظة دمشق. حيث تم سؤاله عن الحالة العمرية والأسرية والصحية والسكنية. وطُرحت عليه أسئلة استغربها، عن تاريخ زواج والديه، وأسماء جدَّيه وجدتَيه. لكن سؤالاً لم يُطرح عليه، كان سبب استياء وحساسية ملحوظة من جانب بعض جيرانه. عن الانتماء الديني والطائفي.

لم يُسأَل السوريون عن انتماءاتهم الدينية والطائفية الدقيقة، في إحصاء سكاني رسمي، منذ العام 1960. لذلك من المفهوم لماذا أثار هذا السؤال، هذه المرة، عدم تفهّم الكثيرين ممن عايشوا هذه التجربة، وفق حدود إطلاع كاتب هذه السطور. ورغم “الحس الطائفي” العميق المتجذر في أوساط السوريين، خلافاً للكلام المنمّق الذي يتم تداوله علناً، إلا أنهم لطالما عالجوا سؤال الانتماء “الطائفي”، بحساسية مفرطة، في احتكاكاتهم الاجتماعية العامة. ومن الصعب الجزم إن كان ذلك نتاج عقود من منع “التطييف” رسمياً، رغم وجوده واقعياً في الممارسات السلطوية، أم أن ذلك نتاج ما تذهب إليه الممارسات المعاصرة في مجال الإحصاء السكاني، حول عدم جواز طرح السؤال الديني والطائفي بصورة رسمية. بغية تعزيز حسّ المواطنة. فهذا السؤال لم يتم التفكير فيه، بالمجال العام السوري، قبل ذلك. هل يجب سؤال السوريين عن انتماءاتهم الدينية والطائفية، في الإحصاءات الرسمية؟ أم أن ذلك يعزّز الهويات ما دون الوطنية؟ ما يمكن الجزم به، هو أن عدم النقاش الرسمي حول هذه الهويات، على مدار عقود، لم يكن مفيداً في خفض سوية الحس ما دون الوطني، لدى السوريين، بل ربما على العكس. وذلك جراء الممارسات الفعلية للسلطة، بطبيعة الحال، لا بسبب عدم طرح السؤال عن الانتماء الديني أو الطائفي رسمياً.

في التعداد السكاني الذي أجراه العراق عام 2024، لم يتم إدراج أسئلة تتعلق بالانتماء العرقي والطائفي، تجنباً لحدوث “أي انقسام داخل المجتمع”، وفق وصف المسؤولين حينها. وتبدو تجربة العراق مثالاً يذهب بنا إلى أن “الحس الطائفي” العميق لدى مواطني دولة ما، هو ما يجعل السؤال عن الانتماء الطائفي غير جائز، وليس العكس. أي أن السؤال “الطائفي” رسمياً، لا يؤدي إلى تعزيز الحس بالانتماء ما دون الوطني، بالضرورة، إلا إن كان هذا “الحس”، أساساً، مرتفعاً.

في دول الغرب، تنقسم الممارسات بهذا الشأن. ففي حين تمنع دول كفرنسا والولايات المتحدة السؤال عن الدين والطائفة والعرق في الإحصاءات الرسمية، تذهب دول كبريطانيا، إلى طرحه، لكن بصورة اختيارية. وفي نموذج ثالث، طُرح هذا السؤال في إحصاءات سكانية قريبة، بألمانيا. وقد أثار جدلاً كبيراً وانتقادات كثيرة، من جانب ساسة ونشطاء. وهكذا فإن الجزم بعدم صوابية طرح السؤال عن الدين والطائفة والعرق، ليس قضية محسومة في ممارسات دول تقدمت لديها الثقافة الديمقراطية، مجتمعياً ومؤسساتياً.

بالعودة إلى التجربة الحيّة التي عايشها كاتب هذه السطور، وبحثاً عن سرّ الحساسية والانزعاج، وصولاً إلى رفض البعض الإجابة عن “السؤال الطائفي”، كان مستوى ملحوظاً من عدم الثقة حيال السلطات الرسمية، يمكن تلمّسه. وهي قضية مفهومة للغاية، في الحالة السورية. ورغم الحديث عن أثر سقوط نظام الأسد، الإيجابي، في خلق مساحة أفضل من التفاعل بين الجمهور والسلطة، إلا أن حالة عدم الثقة الموروثة، جليّة في كثيرٍ من الممارسات اليومية. كما كان من الجلّي أيضاً، عدم امتلاك الشباب والشابات، المكلفين بإنجاز عملية الإحصاء، المهارات المطلوبة لخلق جو مقبول من الثقة مع من يسألونهم.

أما أكثر ما كان ملفتاً، هو أن كاتب هذه السطور سمع سابقاً، وعلى نطاق ضيق، عن إحصاء تجريه محافظة دمشق في بعض الأحياء. لكنه لم يقع على إعلان رسمي أو تحضير للرأي العام المحلي، حياله. وتظهر هنا إشكالية خطيرة في التطبيق. إذ لا خلاف مطلقاً حول الأهمية الكبيرة لإجراء إحصاء يرصد حالة السكان، العمرية والسكنية والاقتصادية والصحية، بغية ترشيد عملية صنع القرار عبر فهم الواقع بصورة دقيقة. وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع طرح السؤال عن الدين والطائفة، يبقى أن هكذا إجراء، كان يجب تحضير الرأي العام المحلي له، عبر القنوات الإعلامية الرسمية. ناهيك عن الجدل الحقوقي الذي يمكن أن تثيره أسئلة من قبيل الدين والطائفة، من زاوية حق من يتم سؤالهم في رفض الإجابة. وهو أمر حدث مراراً في تجارب دول متقدمة للغاية على صعيد الممارسة الديمقراطية، وحيث لا يشكّل السؤال الطائفي هذه الحساسية لدى شعوبها، كتلك الحساسية التي يسببها لدينا. وهو ما يقودنا للسؤال من زاوية مختلفة. ما الغاية من طرح السؤال عن الانتماء الديني والطائفي الدقيق؟ في تجارب دول متقدمة ديمقراطياً، يستهدف هذا الطرح، تقدير طبيعة التنوع الديني والطائفي في البلد. وهو أمر مغرٍ في الحالة السورية، التي لطالما كانت النسب “الطائفية” التقديرية المتداولة فيها، مثار استثمار سياسي، زاخر بالتضخيم أو التسخيف لهذه النسب، حسب الهوية الطائفية لـ”المستثمر”.

في حالة إحصاء محافظة دمشق، من الصعب فهم الغاية من السؤال الطائفي. لكن دعونا نقرّ بأنه من المغري معرفة النسب الحقيقية للتوزع الديني والطائفي والعرقي في سوريا. مما يقودنا إلى سؤال آخر: هذه النسب “الحقيقية”، هل ستكون متاحة للجمهور، أم ستبقى حبيسة هامش صغير من المطلعين عليها، بصورة تخدم هذا “الهامش” فقط؟ بكلمات مباشرة أكثر، هل ستكون هذه النسب أداة للتقييم والاستثمار من جانب السلطة، أم ستُطرح بشفافية للجمهور؟ وإلى أي حد هذه النسب “حقيقية”، خصوصاً مع ما عايشه كاتب هذه السطور من أداء غير موفق من جانب منفّذي هذا الإحصاء. إذ لم يُسأَل عن انتماءه الديني أو الطائفي، فيما سُئل معظم جيرانه، وتم إعلام المعترضين على هذا السؤال، أن التطبيق الالكتروني الذي يستخدمونه في تسجيل البيانات، مصمم بصورة يجعله لا يعمل من دون استكمال جميع الأسئلة، بما فيها السؤال الطائفي. الأمر الذي يحيل كاتب هذه السطور إلى نتيجة. هو أن من أجروا الإحصاء معه، تجنبوا سؤاله عن انتماءه الطائفي، بعد أن عرفوا أنه يعمل بالإعلام، فقدّروا انتماءه، بناء على ما يوحي به اللقب العائلي. وهذا التصرف، إن كان مكرراً على نطاق واسع، فهذا يعني أن دقة البيانات المجموعة، مشكوك بها إلى حد كبير.

في بعض التوجهات المعاصرة حول أهداف “الإحصاءات” السكانية الرسمية، يُنظر إلى عامل استعادة الثقة بين “الدولة” والجمهور، بوصفه إحدى تلك الأهداف. خصوصاً في تجارب الدول الخارجة من نزاع. وهو ما كانت محافظة دمشق غير موفقة فيه، مطلقاً. إذ توحي طريقة تنفيذ “إحصائها”، وكأن السوريين “رعية”. فـ”الفوقية” في عملية التنفيذ كانت جليّة، لا في طريقة تفاعل الكادر المنفّذ فقط، وفق التجربة المعاشة، بل أيضاً، في عدم طرح نيّة إجراء الإحصاء وغاياته وأسئلته الحسّاسة للنقاش العام، قبل تنفيذه، وخلال عملية التنفيذ.

—————————–

العفو العام وحدود الإعلان الدستوري/ وائل مرزا

فبراير 22, 2026

أثار قرار العفو العام الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع مع دخول شهر رمضان نقاشاً سورياً واسعاً، ليس بسبب مضمونه المباشر فحسب -وهو عفوٌ محصورٌ في قضايا جنائية محددة وبشروطٍ مدروسة، لا تمسّ حقوق الضحايا ولا الجرائم الواقعة على السوريين- وإنما بسبب سؤالٍ دستوريٍ طرحه بعض النشطاء والحقوقيين: هل يتضمن الإعلان الدستوري أصلاً صلاحية إصدار مثل هذا العفو؟

هذا الاعتراض، بصيغته القانونية، لا يطعن في فكرة العفو بذاتها بقدر ما يطعن في مرجعيته النصّية. لكنه، في العمق، يفتح نافذةً أوسع على طبيعة اللحظة التي تعيشها سوريا، كلحظة تأسيسٍ حيّة تتقدم فيها القرارات السياسية الثقيلة أحياناً على اكتمال البنية الدستورية التي يُفترض أن تؤطرها.

فالإشكال هنا ليس حول عفوٍ شاملٍ عن انتهاكاتٍ أو عن جرائم سياسية أو حقوقية، وهو ما لا يتضمنه القرار أصلاً، وإنما حول موقع هذا القرار داخل هرم الشرعية القانونية في طورٍ لم يكتمل فيه هذا الهرم بعد. ومن هنا، يصبح الجدل مثالاً نموذجياً على تلك “المنطقة الرمادية” التي تعيشها كل الدول الخارجة من الانهيار، حيث يتجاور النصّ التأسيسي الطامح إلى الضبط، مع واقعٍ انتقاليٍ يفرض قراراتٍ عاجلةً لإدارة المجتمع وإبقاء الدولة قابلةً للعمل. وفي هذه المنطقة تحديداً تُدار القرارات السياسية الثقيلة، لأن القانون نفسه ما يزال في طور التشكل، وليس لأنها خارج القانون.

إن الدولة التي تولد من ثورةٍ أو من تحررٍ جذري لا تبدأ من صفحةٍ دستوريةٍ مكتملة، إنها تبدأ من إعلانٍ معياريٍّ يرسم الاتجاه العام، ثم تدخل في مسارٍ طويلٍ لتحويل هذا الاتجاه إلى نظامٍ مؤسساتيٍ تفصيلي. وخلال هذا المسار، تظهر حتماً فجواتٌ بين النصّ والصلاحيات الفعلية، بين المبادئ والإجراءات، بين ما كُتب وما يجب فعله فوراً لضبط المجتمع.

وهذه الفجوات ليست شذوذاً سورياً بقدر كونها سمةً بنيوية لكل لحظات التأسيس: حيث تضطر السلطة الانتقالية إلى اتخاذ قراراتٍ ضروريةٍ قبل أن تكتمل القوالب القانونية التي ستنظمها لاحقاً.

وفي هذا السياق، يمكن فهم قرار العفو بوصفه يتحرك داخل هذه المنطقة نفسها: منطقة التوتر الدائم بين النصّ والضرورة. فالإعلان الدستوري يرسم أفق العدالة وسيادة القانون، لكنه لا يستطيع -في طوره الأول- أن يتضمن كل أدوات إدارة المجتمع الخارج من انهيارٍ طويل. وفي المقابل، لا تستطيع السلطة الانتقالية أن تجمّد قراراتها حتى يكتمل البناء الدستوري التفصيلي، لأن المجتمع نفسه يحتاج إدارةً فوريةً تمنع الانفلات وتتيح إعادة الدمج وتخفيف العبء الجنائي المتراكم. وهنا تحديداً يتولد الاحتكاك بين شرعيةٍ نصّيةٍ قيد التشكل، وشرعيةٍ وظيفيةٍ تفرضها الحاجة إلى استمرار الدولة.

إن النقاش السوري حول صلاحية العفو يكشف، في جوهره، هذا الاحتكاك البنيوي ذاته. فالمعترضون ينطلقون من منطقٍ دستوريٍ مفهوم يتمثل في أن الشرعية الجديدة يجب أن تلتزم حدود النصّ الذي أعلنها. بينما ينطلق مؤيدو القرار من منطقٍ انتقاليٍ لا يقل مشروعية، ويتمثل، بدوره، في أن السلطة التأسيسية تضطر أحياناً إلى ممارسة صلاحياتٍ أوسع من النصّ الأولي لضبط الواقع الذي لم يُنظم بعد. وبين هذين المنطقين لا يوجد تعارضٌ مطلق حقيقي بقدر كون القضية توتراً طبيعياً، هو، بحد ذاته، جزءٌ من عملية التحول نفسها.

وهنا تتجلى قيمة المثال السوري. فقرار العفو، بحدوده الضيقة وشروطه المدروسة، لا يمسّ جوهر العدالة ولا حقوق الضحايا، لكنه في الوقت نفسه يتجاوز القراءة الحرفية الضيقة للإعلان الدستوري كما يفهمها بعض الحقوقيين. وهذا التباين لا يعني بالضرورة نقضاً للإعلان، لأنه، ببساطة، يوضح أن النصّ التأسيسي لا يعمل في فراغٍ ثابت، وإنما داخل واقعٍ متحرك يفرض على السلطة الانتقالية قراراتٍ تنظيميةً قبل أن تكتمل الأطر الدستورية التفصيلية التي ستُقنِّنُها لاحقاً.

إن ما يحدث هنا هو مثالٌ واضح على “منطقة التوتر الدائمة التي تُدار فيها القرارات السياسية الثقيلة” في كل لحظات التأسيس، وهي منطقةٌ يكون فيها الخيار بين قانونٍ قيد التشكل وضرورةٍ لا تنتظر، وليس بين قانونٍ كاملٍ أو فوضى. وفي هذه المنطقة، لا يصبح التحدي الحقيقي في إلغاء التوتر، وإنما في كيفية إدارته دون أن يتحول إلى كسرٍ للشرعية أو إلى شللٍ للدولة.

ولذلك، فإن النقاش حول العفو -إذا بقي في إطاره القانوني الرصين- هو بحد ذاته جزءٌ صحي من مسار التأسيس، لأنه يذكّر السلطة بحدود النصّ الذي تستند إليه، ويذكّر المجتمع في المقابل بأن النصّ نفسه يولد داخل واقعٍ لم يستقر بعد. غير أن الخطر يكمن في تحويل التوتر المذكور إلى اتهامٍ متبادلٍ بنقض الثورة أو نقض القانون؛ لأن لحظات التأسيس تُدار بوعيٍ أن الشرعية نفسها تُبنى تدريجياً عبر التفاعل بين النصّ والقرار، وليس بتلك الثنائيات الحادة.

وعليه، فإن قرار العفو في سوريا اليوم لا ينبغي قراءته بوصفه خروجاً على الإعلان الدستوري، ولا بوصفه تطبيقاً مثالياً له، فهو قرارٌ انتقاليٌ يتحرك داخل المساحة التي لم يحسمها النصّ بعد. وهذه المساحة هي نفسها التي تتشكل فيها الدولة الجديدة، ليس عبر تطابقٍ فوريٍ بين القاعدة والواقع، وإنما عبر مسارٍ متدرجٍ يُعاد فيه ضبط العلاقة بينهما.

إن المجتمعات تعبر إلى الدولة الجديدة عبر جدلٍ مؤلمٍ بين ما تأمله ثوراتها وما تستطيع دولها الناشئة أن تحمله، وذاك عبورٌ لا يحصل دفعةً واحدة. وسوريا تعيش اليوم لحظةً لا تزال فيها القواعد تُصاغ بينما الدولة تعمل، والمؤسسات تتكون بينما المجتمع يتحرك. وفي مثل هذه اللحظة، ستظهر حتماً قراراتٌ تسبق النصوص، ونصوصٌ تلحق بالقرارات. وهذه ليست علامة خللٍ بالضرورة، إنها، في الحقيقة، علامة أن التأسيس نفسه جارٍ.

والسؤال الذي يبقى هو: هل يُدار هذا التوتر بوعيٍ يحفظ أفق العدالة وسيادة القانون؟ أم يتحول إلى صراعٍ يكسر الثقة بين الدولة والمجتمع؟ هنا، وليس في وجود العفو ذاته، يكمن الامتحان الحقيقي للمرحلة السورية الراهنة.

الثورة السورية

———————————

مرسوم العفو في سوريا: بين ضرورات السياسة وحدود الإعلان الدستوري/ منهل باريش

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 39 لعام 2026، القاضي بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره، في خطوة سرعان ما تحولت من إجراء جزائي إلى محور نقاش سياسي ودستوري واسع داخل سوريا. فالقرار، الذي قُدّم رسميًا بوصفه بادرة تهدف إلى تخفيف الاحتقان الاجتماعي وفتح نافذة تهدئة في بلد يمر بمرحلة انتقالية معقدة، لم يُقرأ فقط من زاوية نتائجه المباشرة، بل من زاوية موقعه في هندسة السلطة وحدودها.

ومع بدء تنفيذ المرسوم، بدا واضحًا أن النقاش لن يقتصر على عدد المشمولين به أو طبيعة الجرائم التي يتناولها، بل سيمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: من يملك سلطة إصدار العفو العام في ظل غياب مجلس الشعب، وهل يمكن للضرورات السياسية أن تملأ فراغًا تشريعيًا لم يُحسم دستوريًا بعد؟

ينص المرسوم على تخفيف عقوبة السجن المؤبد إلى عشرين عامًا، وإلغاء كامل العقوبة في الجنح والمخالفات، إضافة إلى إسقاط العقوبات المرتبطة بجنايات منصوص عليها في قانون مكافحة المخدرات، وقانون منع التعامل بغير الليرة السورية، وقانون تهريب المواد المدعومة، فضلًا عن جنايات واردة في قانون العقوبات العسكري وقانون جرائم المعلوماتية.

ووفق ما نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، يشمل العفو المحكومين بموجب قانون الأسلحة والذخائر، شرط تسليم السلاح خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره. في المقابل، استثنى القرار «الجرائم التي تتضمن انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري»، إضافة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون تجريم التعذيب والإتجار بالأشخاص وسرقة الأملاك العامة، كما نص على إعفاء المصابين بأمراض عضال ومن تجاوزوا سن السبعين، ما لم تشملهم الاستثناءات.

هذه الصياغة الواسعة نسبيًا، والمفتوحة في بعض جوانبها، أعادت طرح إشكالية التعريف والمعيار، ولا سيما في ما يتعلق بعبارة «الانتهاكات الجسيمة»، التي لم تُرفق بتحديد قانوني دقيق. وباشرت وزارة العدل تنفيذ المرسوم فور صدوره، وأُعلن عن إطلاق سراح عدد من المشمولين به، في مشهد أعاد إلى السطح نقاشًا قديمًا حول وظيفة العفو العام في الفترات الانتقالية، وهل هو أداة لامتصاص التوترات أم مدخل لإعادة ترتيب التوازن بين السلطات.

ويأتي هذا المرسوم في سياق أول عفو عام يصدره الشرع منذ توليه مهامه رئيسًا للبلاد في 29 كانون الثاني/يناير 2025، بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. وكان الشرع قد وقّع في آذار/مارس 2025 إعلانًا دستوريًا صاغه قانونيون وخبراء سوريون، وتضمن 53 مادة حدّدت الإطار الناظم للمرحلة الانتقالية ومدتها خمس سنوات. وتنص المادة 30 من الإعلان صراحة على أن مجلس الشعب يتولى اقتراح القوانين وإقرارها، بما في ذلك إقرار العفو العام. غير أن المجلس لم يكتمل تشكيله حتى الآن، ما خلق فراغًا تشريعيًا واضحًا دفع البعض إلى التساؤل عمّا إذا كان يمكن للرئاسة أن تملأ هذا الفراغ بقرارات ذات طبيعة تشريعية.

فراغ تشريعي يثير الجدل

في هذا السياق، قال الدكتور أحمد قربي، مدير مركز الحوار السوري وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري، إن المادة 30 من الإعلان الدستوري نصّت صراحة على أن إقرار قانون العفو العام هو من صلاحيات مجلس الشعب، ما يعني وجود نص واضح يُسند هذا الاختصاص إلى السلطة التشريعية. وأوضح، في اتصال مع «القدس العربي»، أن الإعلان الدستوري لا يتضمن نصًا يمنح رئيس الجمهورية صلاحية التشريع أو ممارسة صلاحيات مجلس الشعب في حال غيابه، وبالتالي، ومن حيث الأصل، لا يوجد سند دستوري مباشر يجيز للرئيس إصدار قانون أو مرسوم عفو عام.

وأشار قربي إلى المادة 41 من الإعلان الدستوري، التي تتناول صلاحيات الرئيس في الحالة الاستثنائية، وهي مادة مشابهة للمادة 16 من الدستور الفرنسي لعام 1958، والتي تجيز اتخاذ إجراءات استثنائية في حال وجود خطر جسيم يهدد وحدة الدولة أو استقلالها أو يعوق مؤسساتها عن أداء وظائفها، وذلك بعد إعلان حالة الطوارئ ولمدة محددة وبموافقة مجلس الأمن القومي. وبيّن أن هذه المادة، في حال تفعيلها وفق إجراءاتها، يمكن أن تتيح للرئيس ممارسة صلاحيات تشريعية بصورة استثنائية، إلا أن ذلك يتطلب إعلانًا صريحًا لحال الطوارئ، وهو ما لم يتم الاستناد إليه بوضوح.

وأضاف أن غياب مجلس الشعب في المرحلة الانتقالية خلق فراغًا تشريعيًا، ما دفع الرئاسة، في تقديره، إلى الاجتهاد استنادًا إلى ضرورات سياسية واجتماعية مرتبطة بسياق المرحلة. لكنه شدد، في الوقت ذاته، على أن هذا الاجتهاد لا يستند إلى نص دستوري صريح، وأن من الضروري الاعتراف بوجود إشكالية دستورية ناجمة عن عدم استكمال بناء المؤسسات.

ودعا قربي إلى الإسراع في تشكيل مجلس الشعب والمحكمة الدستورية العليا، لضمان وجود جهة مختصة تفصل في مثل هذه القضايا وتضبط التوازن بين السلطات، مؤكدًا أن معالجة الجدل القائم لا يكون عبر السجال الإعلامي، بل عبر استكمال البناء المؤسسي والانتقال من حالة الاجتهاد الاستثنائي إلى الاستقرار الدستوري المنضبط بنصوص الإعلان الدستوري.

إشكالية دستورية ومعايير غامضة

ومن زاوية حقوقية، قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لـ«القدس العربي»، إن المرسوم يطرح جملة من الإشكاليات التي تتجاوز مسألة الاختصاص إلى مضمون النص نفسه. وأوضح أن العفو العام في السياقات الانتقالية يجب أن يُقرأ في ضوء التزامات العدالة الانتقالية، وحقوق الضحايا، وضمانات عدم الإفلات من العقاب. وأضاف أن غياب تعريفات دقيقة لعبارات مثل «الانتهاكات الجسيمة» يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة عند التنفيذ، ما قد يؤدي إلى تفاوت في التطبيق أو إلى قرارات إدارية غير منضبطة. وشدد عبد الغني على أن أي عفو عام ينبغي أن يقترن بمعايير واضحة للاستثناء، وآليات رقابة قضائية تتيح الطعن في القرارات التنفيذية، حتى لا يتحول إلى أداة سياسية خاضعة للاجتهاد الإداري. واعتبر أن نجاح المرحلة الانتقالية يرتبط بمدى احترامها للنصوص التي وضعتها لنفسها، لا بمدى قدرتها على تجاوزها.

أما كبير مفاوضي المعارضة السورية السابق، المحامي محمد صبرة، فقد اعتبر أن صدور الإعلان الدستوري في آذار/مارس 2025 أنهى عمليًا مفهوم «الشرعية الثورية»، وأدخل البلاد في إطار الشرعية الدستورية المؤقتة التي تقيّد صلاحيات الرئيس بنصوص محددة. وأوضح في حديث لـ«القدس العربي»، أن العفو العام، بخلاف العفو الخاص، ينزع الصفة الجرمية والعقوبة معًا بأثر رجعي، وهو ما يجعله بطبيعته عملًا تشريعيًا لا تنفيذيًا.

وأضاف أن وجود فراغ تشريعي لا يمنح السلطة التنفيذية صلاحية افتراض اختصاص غير منصوص عليه، وأن أي تعديل في توزيع الصلاحيات يجب أن يتم وفق الآليات التي نصّ عليها الإعلان نفسه. كما أشار إلى أن غياب معيار موضوعي واضح لتحديد الجرائم المشمولة والمستثناة يثير تساؤلات قانونية حول الاتساق الداخلي للمرسوم، محذرًا من أن «التوسع في الاستثناء أو في الشمول من دون معيار محدد يخلق حالة من عدم اليقين القانوني».

العدالة الانتقالية على المحك

القاضي حسين حمادة، بدوره، ميّز بين العفو العام والعفو الخاص، موضحًا أن الأول يصدر بقانون عن السلطة التشريعية ويترتب عليه إسقاط الصفة الجرمية عن الفعل ذاته بحيث يُعد كأن لم يكن، بينما يقتصر العفو الخاص على تخفيف العقوبة أو استبدالها من دون المساس بالفعل الجرمي. وأكد أن هذا التمييز ليس تفصيلًا تقنيًا، بل يعكس فلسفة توزيع الصلاحيات في الدولة الدستورية الحديثة، حيث يُناط بمجلس الشعب اتخاذ القرارات التي تمسّ البنية العامة للنظام الجزائي.

وفي بعد اجتماعي موازٍ، انتقد المحامي ميشال شماس ما اعتبره خطرًا كامنًا في توسيع نطاق العفو ليشمل جرائم مثل السرقة مقابل إسقاط الحق الشخصي أو التعويض، معتبرًا أن تحويل العدالة إلى تسوية مالية يضعف الردع العام ويخلّ بمبدأ المساواة أمام القانون. وقال إن الجريمة ليست نزاعًا خاصًا بين فردين، بل مسألة تمسّ النظام العام وثقة المجتمع بالقانون.

وهكذا، يتجاوز الجدل حول مرسوم العفو العام مسألة إطلاق سراح محكومين أو تخفيف عقوبات، ليصبح نقاشًا حول شكل الدولة في طور التشكّل. فبين نص دستوري يوزّع الصلاحيات بوضوح، وواقع سياسي لم تكتمل فيه المؤسسات بعد، تقف المرحلة الانتقالية أمام اختبار دقيق: هل تُدار الضرورات ضمن حدود النص، أم يُعاد رسم حدود النص تحت ضغط الضرورات؟

الإجابة لن تتحدد فقط بمصير هذا المرسوم، بل بكيفية استكمال البناء المؤسسي في الأشهر المقبلة، وبمدى قدرة الدولة على تحويل الاستثناء إلى حالة عابرة، لا إلى نمط دائم لإدارة السلطة.

————————–

إدارة التوقعات الاجتماعية.. إلى أي مدى تعتمد ثقة السوريين بالدولة على سياسة اليوميات؟/ نور جوخدار

فبراير 22, 2026

مع سقوط نظام الأسد ودخول البلاد في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية على كل الأصعدة الأمنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، بات الاستقرار حجر الزاوية لهذه المرحلة ومعيار نجاحها، ليس فقط من خلال الخطابات السياسية أو بعدد الجبهات الهادئة أو خرائط السيطرة العسكرية، بل بقدرة الدولة الجديدة على إدارة تفاصيل الحياة العامة، وتنظيم العلاقة المتآكلة أصلا بين المجتمع والمؤسسات، وردم الفجوة التي خلفها النظام المخلوع.

فالتعامل مع الاستقرار في سوريا هو مسار تراكمي يتشكل عبر تفاصيل دقيقة، من خلال انتظام أداء المؤسسات في مختلف المناطق السورية، وإصدار قرارات إجرائية يومية، وتحسين جودة الخدمات، وقدرة الدولة على استيعاب المطالب المتزايدة للمواطنين في قطاعات خدمية “كهرباء ومياه وتعليم وصحة وغيرها” من دون أن تتحول إلى توترات أو صدامات، أي إدارة الاستقرار عبر ما يسمى “سياسة اليوميات”.

المواطن يختبر الدولة

رأى الكاتب والمحلل السياسي ميلاد الأطرش أن السنوات الماضية أظهرت أن الاستقرار السياسي وحده لا يكفي. يمكن للدولة أن تحافظ على مؤسساتها الأساسية، لكن الاستقرار الحقيقي يتحدد بقدرتها على تشغيل هذه المؤسسات في الحياة اليومية، فالمواطن يختبر الدولة عبر المدرسة والمشفى والبلدية والسوق.

وأضاف الأطرش في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية” أنه في بلد يعيش فيه نحو 90% من السكان تحت خط الفقر، ويحتاج أكثر من 17 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية وفق تقديرات الأمم المتحدة، يصبح الاستقرار مسألة خبز وكهرباء ووظائف وتعليم.

رغم ضخامة التحديات التي واجهت الدولة السورية في مرحلة ما بعد سقوط النظام، أظهرت الحكومة الجديدة أداء لافتا في الملف الأمني، سواء في تفكيك بقايا الأجهزة المرتبطة بالنظام المخلوع، وإحباط عدد كبير من المحاولات الرامية إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وإعادة تفجير المجتمع من الداخل، كما حققت تقدما باهرا في ملف المخدرات، بعد أن كان النظام قد حول سوريا إلى مركز إقليمي لتصنيع الكبتاغون وتهريبه.

كما جرى تفكيك عدد كبير من معامل التصنيع، وإلقاء القبض على عشرات المتورطين في شبكات الاتجار، ما أدى إلى انحسار هذه الصناعة في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، مع تراجع ملحوظ في تهريب السلاح والاتجار به. كل ذلك جرى خلال فترة لا تقل عن عام من تحرير البلاد، إذا ما قورن ذلك بتجارب دول أخرى بعد تخلصها من الاستبداد، على سبيل المثال العراق الذي عاش اضطرابا أمنيا بعد سقوط صدام حسين، وليبيا أيضا لم تشهد استقرارا حتى اليوم بعد سنوات من سقوط نظام القذافي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك قال إن بلاده ترى في القيادة السورية الحالية عاملا حاسما في فتح صفحة جديدة من التعافي والاستقرار، مشددا على أن الاستثمار في قطاع الطاقة يشكل مدخلا رئيسيا لإعادة بناء الاقتصاد وخلق فرص عمل.

وجاءت تصريحات براك خلال مراسم توقيع مذكرة تفاهم في دمشق بين الحكومة وشركتي “شيفرون” الأميركية و”باور إنترناشونال القابضة” القطرية، لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في خطوة وصفت بأنها تحول نوعي في مسار قطاع الطاقة السوري.

وأضاف أن “سوريا تبهرنا من جديد، عموديا وأفقيا، بقيادة الرئيس أحمد الشرع”، معتبرا أن القيادة السياسية تشكل ركيزة أساسية في بناء مرحلة التعافي والاستقرار بعد سنوات من المعاناة، لافتا إلى أن الاستثمار في قطاع الطاقة يفتح آفاقا واسعة لفرص عمل وحياة أفضل للسوريين.

بموازاة الجهد الأمني، لا يمكن التعامل مع الاستقرار المستدام في سوريا بوصفه نتاجا أمنيا خالصا، فقد تبقى المقاربات الأمنية، مهما بلغت فاعليتها، قاصرة عن إنتاج أمن طويل الأمد ما لم تسند بسياسات اقتصادية وتربوية وتعليمية وثقافية وإعلامية.

المسؤولية على الجميع كل من موقعه

لقد انهارت البنى الاجتماعية في سوريا خلال السنوات الماضية انهيارا عميقا تحت وطأة الفقر والبطالة والقبضة الأمنية، ما جعل شريحة واسعة من الشباب عرضة للإدمان وانتشار المخدرات، أو للانخراط القسري في المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للنظام المخلوع، التي زجت بهم في معاركها، ليخرجوا منها إما ضحايا أو أدوات عنف.

وفي السياق ذاته، أسهمت تلك المؤسسات في تشويه المجال الديني وإقصائه عن الفضاء العام، بما أدى إلى تآكل منظومات القيم والمعايير الأخلاقية، وترك فراغا رمزيا وثقافيا استغلته لاحقا أنماط مختلفة من التطرف والانغلاق، وهو ما يفرض اليوم جهدا وطنيا واسعا لرأب هذا الصدع، قائما على تكامل فعلي بين المؤسسة الأمنية وبقية مؤسسات الدولة والمجتمع.

في المقابل، تتحمل المدارس مسؤولية أساسية في محو الأمية المعرفية، وتنمية التفكير، وتحصين الأجيال الجديدة من الوقوع في فخ الجهل والخرافة وخطابات الكراهية. وينطبق الدور نفسه على المؤسسات الثقافية والرياضية والإعلامية وحتى الأسرية، بوصفها فضاءات عامة قادرة على إنتاج أنشطة جامعة تخفف من حدة الشحن الطائفي، وتعيد ترميم الثقة بين السوريين.

الرئيس أحمد الشرع أكد خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى الدوحة في نسخته الـ23 أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، وتحولت من منطقة مصدرة للأزمات إلى نموذج للاستقرار، واتهم “إسرائيل” بتصدير الأزمات، مؤكدا أن العالم يؤيد بلاده في مطالبتها بانسحاب “إسرائيل” من الأراضي السورية التي احتلتها.

وأوضح أن سوريا تحتاج إلى بناء مؤسسات مستقرة تضمن استمرارية عادلة لبناء الدولة، وليس دولة تعتمد على أشخاص معرضين للمرض أو الموت.

وفي سياق حديثه عن مستقبل سوريا، ركز الشرع على أهمية بناء دولة المؤسسات بدلا من الارتباط بأشخاص بعينهم، قائلا: “بناء المؤسسات هو الذي يضمن استمرارية عادلة لبناء الدولة، وليس لعدة أشخاص، لأن الشخص معرض للمرض أو الموت”.

وأضاف الرئيس أنه “إذا أصبحت رعاية هذا البلد في شخص واحد، فهذا يرتبط بمخاطر كبيرة”، مشيرا إلى أنه حتى الدول المتقدمة التي تحتفظ بأنظمة ملكية قامت بفرض كثير من الأنظمة الداخلية وأصبحت دولا مؤسساتية، لافتا إلى أن “المهم أن تكون أي دولة، سواء كانت ملكية أو جمهورية، قائمة على نظام مؤسساتي قابل للاستمرار، سواء بوجود الأشخاص أو برحيلهم”.

أشار المحلل السياسي إلى أن الاقتصاد السوري خسر أكثر من نصف حجمه منذ عام 2011، وتضررت قطاعات الإنتاج والطاقة والبنية التحتية بشكل واسع بسبب الحرب التي شنها النظام المجرم على الشعب السوري، فدمر كل مقومات الحياة.

وأوضح أن تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى أن الاقتصاد السوري قد يحتاج إلى عقود طويلة للعودة إلى مستوى ما قبل الحرب إذا استمرت وتيرة التعافي الحالية. هذا الواقع يجعل الاستقرار في سوريا عملية إدارة أزمة طويلة، لا مرحلة انتقالية قصيرة.

وبحسب الأطرش، فإنه في مثل هذه الظروف يصبح الاستقرار الاقتصادي الجزئي، أي استمرار الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي، عاملا حاسما. فالتحويلات المالية من الخارج، والاقتصاد غير الرسمي، والمبادرات المحلية الصغيرة، كلها تحولت إلى عناصر بنيوية في بقاء المجتمع، لافتا إلى أن الإدارة المحلية والخدمات العامة لعبتا دورا أساسيا في منع الانهيار الاجتماعي الكامل، حتى عندما تراجعت قدرة الدولة الاقتصادية.

الاستقرار وفق هنتنغتون

ولفهم معنى الاستقرار، يعرف عالم السياسة الأميركي صموئيل هنتنغتون الاستقرار السياسي بأنه نتاج للتوازن بين مستوى التحديث السياسي وقدرة المؤسسات السياسية على الاستيعاب والتنظيم. فبحسب هنتنغتون، يتحقق الاستقرار عندما تتسم المؤسسات السياسية بالقدرة والتكيف والتعقيد والتماسك، مما يمنع الفوضى التي تسببها المشاركة السياسية السريعة دون وجود هيكل مؤسسي قوي لاحتوائها.

وينطلق هنتنغتون من أطروحة مركزية مفادها أن الفوضى في المجتمعات النامية لا تنتج أساسا عن ضعف التنمية الاقتصادية، بل عن تسارع التحديث السياسي وتوسع المشاركة قبل بناء مؤسسات قادرة على تنظيم هذا التوسع. وفي هذا الإطار يضع ثنائية “المؤسسية مقابل المشاركة” في قلب تفسيره للاستقرار، معتبرا أن المشكلة الأساسية ليست في حجم المشاركة، بل في ضعف القنوات المؤسسية التي تستوعبها.

فالركائز الأساسية للاستقرار عند هنتنغتون تنطلق من أن الفوضى لا تنتج عن ضعف التنمية الاقتصادية، بل عن التحديث السياسي السريع الذي يسبق تطوير المؤسسات القادرة على استيعاب المشاركة الجديدة، معتبرا أن “المشكلة الكبرى في الدول النامية هي افتقارها إلى الاستقرار السياسي”، وأن “المهم هو نوع الحكومة وليس شكلها”. المؤسسات القوية والفعالة هي ضمان الاستقرار، بغض النظر عن كونها ديمقراطية أو غير ديمقراطية.

فالاستقرار بشكل عام، عند هنتنغتون، هو “نظام سياسي” قادر على الاستمرار، ويحقق تماسكاً داخليا، ويعمل ضمن مؤسسات متينة قادرة على استيعاب التغييرات المجتمعية.

وفي كتابه “النظام السياسي في مجتمعات متغيرة”، يرى أن تحقيق أي استقرار سياسي سيكون نتيجة منطقية وحتمية للتطور الاقتصادي أولا، ثم سيأتي تلقائيا الإصلاح الجماعي. وقد ركز هنتنغتون في سطوره على أن المؤسسات هي التعبير السلوكي للإجماع الأخلاقي والمصلحة المشتركة.

ويعرف هنتنغتون المؤسسة بأنها نمط ثابت ومتكرر ومقنن السلوك، في حين تعني “المؤسسية” العملية التي تكتسب من خلالها التنظيمات والإجراءات طابع الاستقرار والشرعية والقدرة على الاستمرار. وبناء على ذلك، يميز بين أنظمة تمتلك إرثا مؤسسيا قادرا على التكيف مع الأزمات والتحولات الكبرى، وأنظمة أخرى تبقى إجراءاتها هشة وغير حاسمة ولا تتلاءم مع حدة التحديات التي تواجهها.

ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية أطروحة هنتنغتون على سياق ستينيات القرن الماضي، بل تتيح أيضا مقارنة لأداء النظم السياسية المعاصرة في أوقات الأزمات الكبرى، كما في جائحة كوفيد-19، حيث برز الفارق بوضوح بين دول امتلكت مؤسسات مرنة وقادرة على الاستجابة السريعة، وأخرى عجزت بنيتها المؤسسية عن مواكبة حجم الصدمة.

إدارة التوقعات الاجتماعية

بين الكاتب والمحلل الأطرش أن التحدي الأكبر في سوريا لا يتعلق فقط بالموارد، بل بـ”إدارة التوقعات الاجتماعية”. فمع تدهور المعيشة تتزايد مطالب المواطنين بشكل طبيعي، واستيعاب هذه المطالب لا يعني تلبيتها بالكامل، بل إدارتها سياسيا واقتصاديا بحيث لا تتحول إلى أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع، مشيرا إلى أن هذه المعادلة كانت حاسمة في تجارب دول عديدة خرجت من الحروب، حيث أثبتت الخبرة أن إعادة تشغيل الخدمات وخلق فرص العمل الصغيرة أكثر تأثيرا في تثبيت الاستقرار من التسويات السياسية وحدها.

وأكد أن التجارب الدولية، من البوسنة إلى العراق ولبنان، تظهر أن الاستقرار المستدام يبدأ من المؤسسات الخدمية والاقتصاد المحلي قبل أن يترسخ في السياسة، فالاستقرار لا يفرض بقرار، بل يبنى تدريجيا عبر انتظام الحياة اليومية.

في سوريا اليوم، تبدو “سياسة اليوميات” الخيار الواقعي الوحيد في ظل اقتصاد ضعيف وإعادة إعمار وتوازنات سياسية معقدة. وهي ليست حلا نهائيا للأزمة، لكنها تمثل آلية لتجنب الانهيار وإبقاء المجتمع قابلا للاستمرار، وفق رؤية المحلل السياسي.

واختتم الكاتب ميلاد الأطرش حديثه بالقول إن الاستقرار في سوريا لم يعد حدثا سياسيا كبيرا، بل عملية يومية هادئة تدار في المدارس والمشافي والأسواق والبلديات، وربما تكون هذه التفاصيل الصغيرة هي الأساس الذي سيبنى عليه أي استقرار سياسي مستقبلي.

وعليه، يمكن القول إن إدارة الحياة اليومية أصبحت اليوم الشكل الأكثر واقعية لإدارة الدولة في سوريا، ليس لأنها الحل المثالي، بل لأنها ما يجعل الحياة ممكنة في انتظار حلول أكبر لم تنضج بعد، بحسب الكاتب.

الثورة السورية

—————————–

 عتمة الرقة.. فساد وتهالك قطاع الكهرباء يعطل الحياة العامة/ أحمد مراد

2026.02.22

يعاني قطاع الكهرباء في محافظة الرقة من تدهور كارثي ومستمر، على الرغم من موقعها الاستراتيجي الفريد على ضفاف نهر الفرات، الذي يضم في جنباته أضخم المنشآت الكهرومائية في سوريا.

هذا التدهور هو نتاج طبيعي لتهالك البنية التحتية للشبكات ومحطات التحويل، إضافة إلى الفشل الذريع في الاستفادة من الطاقة الإنتاجية للسدود الرئيسية القائمة على النهر، ما انعكس بشكل مأساوي على واقع الخدمة التي باتت تغيب عن المنازل لمدة تصل إلى 22 ساعة يومياً، أدى ذلك لتعطل الحياة العامة وتراجع الإنتاج الزراعي نتيجة نقص مياه الري، في ظل استغلال متنفذين للكهرباء المنزلية والزراعية في أعمال صناعية خاصة وبشكل شبه مجاني.

العيش بجوار منابع الطاقة.. نعمة ونقمة

 تعتبر الرقة “عاصمة الطاقة” السورية نظرياً، لكن الواقع يروي قصة أخرى؛ حيث تحولت هذه الجيرة من نعمة إلى نقمة تلاحق السكان في تفاصيل يومهم. يضطر الناشط حمزة الملا للاعتماد الكلي على اشتراك “الأمبيرات” (المولدات الخاصة) للحصول على حد أدنى من التيار الكهربائي في مدينة الرقة، مقابل دفع مبالغ شهرية تصل إلى 25 دولاراً، وهو عبء مالي لا تقوى عليه أغلبية العائلات التي ترزح تحت جنح الظلام. ويشير الملا إلى أن الكهرباء أصبحت المعضلة الأكبر، خاصة في شهر رمضان، وفي ظل وضع أمني غير مستقر. فبينما كان يُنظر إلى المدينة والفرات على أنهما المخلّص لأزمة الطاقة في البلاد، باتت أحياؤها غارقة في عتمة موحشة نتيجة غياب العدالة في التوزيع وتراكم سنوات الإهمال.

الإهمال وضعف البنية التحتية للمنشآت

يضم نهر الفرات، في المسافة الممتدة من منبج وصولاً إلى كديران، أضخم ثلاث منشآت كهرومائية في البلاد: سد تشرين شرقي حلب، وسدي الفرات وكديران (البعث) في الرقة. ومع ذلك، لا تتعدى الطاقة التشغيلية لسدي تشرين والفرات حالياً 30% من طاقتهما الإنتاجية. ويعود هذا العجز إلى عدم جاهزية محطات التحويل وخروج معظم العنفات عن الخدمة، حيث لا يعمل حالياً سوى عنفتين فقط في كل سد. وتعد هذه السدود وسيلة إنتاج منخفضة التكاليف إذ تستطيع كمية المياه نفسها توليد الطاقة في السدود الثلاثة تباعاً، إلا أن العوائق الفنية تتشابك مع أزمة مائية سياسية؛ إذ لم يتجاوز الوارد المائي من الجانب التركي 200 متر مكعب في الثانية خلال السنوات الأخيرة، مما هدد بحيرة سد الفرات بخطر الجفاف، رغم أن استثمار هذه السدود بكامل طاقتها كفيل بتأمين الكهرباء لكافة منطقة الجزيرة ومحافظات سورية أخرى.

بدأت الحكومة السورية في إصلاح الجسور في مدينة الرقة، التي تربط شرق وغرب البلاد عبر نهر الفرات، بعد أن دمرتها قوات سوريا الديمقراطية أثناء انسحابها من الرقة، سوريا في 28 يناير 2026.

بدأت الحكومة السورية إصلاح الجسور في الرقة، بعد أن دمرتها قوات سوريا الديمقراطية أثناء انسحابها من المدينة ـ 28 يناير 2026. غيتي

“التقنين هو الحل”

 تظهر الفجوة العميقة بين الإمكانيات والواقع الفني في الأرقام؛ فالعنفة الواحدة في سد الفرات قادرة على توليد 110 ميغا واط ساعي، لكن النقص الحاد في محولات “66-20” يقف حائلاً دون استغلال هذه القدرة. وتضم مدينة الرقة أربع محطات تحويل، يمتلك بعضها 5 مخارج لخطوط “20 ميغا”، لكن غياب المحولات يفرض نظام تقنين قسري. وبحسب مصادر فنية، تلجأ شركة الكهرباء للتقنين بناءً على الحصة الممنوحة؛ فإذا كان الوارد للمدينة 50 ميغا واط بينما استطاعة المحطة المتوفرة لا تتعدى 30 ميغا واط، يصبح من المستحيل تغذية كافة الأحياء، مما يضطر المسؤولين لقطع التيار لساعات طويلة. والمفارقة أن تحسن منسوب المياه بعد الأمطار الأخيرة لم ينعكس إيجاباً على السكان بسبب الحاجة الماسة للصيانة التي تم تجاهلها لسنوات.

الفساد والمحسوبيات ومعامل تستهلك الكهرباء المنزلية

 خلال سنوات سيطرة قوات سوريا الديموقراطية “قسد”، أشرفت المنظمات الدولية على قطاع الكهرباء تحت مسمى مشاريع “إعادة الاستقرار”، لكن هذه الجهود شابتها حالات فساد واسعة. ورغم تقديم إحدى المنظمات لـ 23 محولة ومعدات ضخمة، إلا أن معظمها بيع في السوق السوداء لمقاولين مرتبطين بمتنفذين، بدلاً من تركيبها في الأحياء المحرومة منذ عام 2017.

هذا الفساد الممنهج عزز تجارة “الأمبيرات” التي يتقاسم أرباحها مستثمرون مع قيادات في شركة الكهرباء. وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن، تحصلت معامل خاصة، كمعمل صهر الحديد التابع لشخصيات محسوبة على “قسد” على قرابة 13 ميغا واط عبر خط مباشر وبشكل شبه مجاني. هذه المعامل صهرت حديد الأبنية المدمرة دون تعويض أصحاب المنازل، تستنزف حصة المواطنين المنزلية بتواطؤ من موظفين خصصوا خطوط “توتر 20” (المخصصة أصلاً للأحياء) لتغذية المصانع ومعامل الثلج فقط.

التعديات على الكهرباء تطول القطاع الزراعي

لم يتوقف الضرر عند حدود المنازل، بل ضرب العصب الاقتصادي للمحافظة وهو الزراعة. يروي المزارع خالد المفلح الخلف لموقع تلفزيون سوريا، كيف انخفض إنتاجه بنسبة 60% بسبب التعديات على خطوط الكهرباء المخصصة لشبكات الري. حيث تستفيد ورشات ومراكز خاصة من التحميل على هذه الخطوط بأسعار رمزية، وبما أن خطوط الري لا تخضع للتقنين لضمان وصول المياه للمحاصيل، فقد أدى هذا التحميل الزائد إلى انخفاض التوتر وتعرض الشبكة لأعطال كبيرة. هذا التلاعب تسبب في حرمان آلاف المزارعين من المياه، فالمحاصيل التي تحتاج 4 ريات سنوياً لم تحصل إلا على واحدة، مما أدى لتصحر قرابة 3 آلاف هكتار من الأراضي المروية، فضلاً عن تعطل محطات ضخ مياه الشرب التي تتغذى من نفس الخطوط المنهكة.

حلول برسم وزارة الطاقة السورية

وفقاً لخبراء وموظفين في القطاع، يجب إعلان حزمة إصلاحات، تبدأ بإعادة هيكلة شاملة، وصيانة محطات التحويل، وتأمين محولات “66-20” جديدة لإنهاء التقنين القسري. كما يجب صيانة الخلايا في المحطات وتأهيل الشبكات الداخلية للقرى، لا سيما في ريفي “تل أبيض” و”سلوك” المنسيين. والأهم من ذلك هو “تنظيف” الخطوط السكنية والزراعية من تعديات المعامل الخاصة، وفرض رقابة صارمة على الموظفين الذين تربطهم مصالح مع أصحاب تلك المنشآت. إن الأولوية يجب أن تكون للمواطن وللقطاع الزراعي الذي يمثل شريان الحياة، بدلاً من ترك مقدرات الفرات تُسرق لصالح “أمراء الحرب” وصناعاتهم، يقول مواطنون من المدينة.

——————————

======================

تحديث 21 شباط 2026

—————————–

اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية.. نحو عقد وطني يكفل التوزيع العادل للموارد والفرص/ بتول الحكيم

20 فبراير 2026

في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، الذي يوافق الـ20 من شباط /فبراير من كل عام، تبرز العدالة الاجتماعية كأداة لتحقيق العدالة الانتقالية في الدول التي تعرضت للأزمات والحروب. ويُحتفى به هذا العام تحت شعار “الحماية الاجتماعية والعمل اللائق للجميع”.

وتحمل الأمم المتحدة هذا الشعار رسائل عدة أهمها أن العدالة الاجتماعية تتحقق عبر نظم تسهم في الحد من الفقر والإقصاء، وتشمل الحماية الاجتماعية والخدمات العامة والسياسات القائمة على الحقوق، ويمكن تعريف العدالة الاجتماعية بأنها “تحقيق الإنصاف والمساواة بين أفراد المجتمع في الحقوق والفرص والموارد والخدمات، بحيث لا يُحرم أي شخص بسبب فقره أو منطقته أو جنسه أو انتمائه أو ظروفه”.

العلاقة بين العدالة الانتقالية والعدالة الاجتماعية

يرى الحقوقي المختص بالقانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المحامي المعتصم بالله الكيلاني، أنه لا يمكن النظر إلى العدالة الانتقالية في السياق السوري بوصفها مسارًا قانونيًا معزولًا يقتصر على المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا وذويهم والإصلاح المؤسساتي، ملمحًا لأهمية فهمها كعملية تأسيسية ووضعها في سياق بناء العقد الاجتماعي على أسس المساواة والكرامة، فالعدالة الاجتماعية بما تعنيه من توزيع عادل للموارد والفرص والخدمات تشكل الامتداد الطبيعي لأي مسار انتقالي جاد ومنبثق من معاناة الناس وتلبية لاحتياجاتهم.

ويضيف أن التجارب المقارنة تُظهر ذلك بوضوح؛ ففي جنوب أفريقيا ورغم أهمية لجنة الحقيقة والمصالحة بقي التحدي الأكبر مرتبطًا بالفجوات الاقتصادية الموروثة من نظام الفصل العنصري ما أثبت أن المصالحة السياسية لا تكتمل دون إصلاحات اجتماعية عميقة، أما في تونس فقد أبرز النقاش العام بعد 2011 أن العدالة الانتقالية فقدت جزءًا من زخمها حين لم تترافق بالسرعة الكافية مع تحسين ملموس في الأوضاع المعيشية، وفي سوريا حيث تداخل القمع السياسي مع الإفقار الممنهج والتهميش المناطقي يصبح إطلاق مسارات العدالة الانتقالية والعدالة الاجتماعية معًا ضرورة تأسيسية لبناء العقد الاجتماعي الجديد الذي تطمح إليه سوريا الجديدة.

الفوارق الاقتصادية تعيق العدالة الاجتماعية

وعندما تبقى الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بعد النزاعات على حالها فإنها تتحول، وفقًا للكيلاني، إلى خزّان دائم للاحتقان وعدم الاستقرار، مضيفًا أن الفقر البنيوي والبطالة الواسعة وحرمان مناطق بعينها من الخدمات الأساسية كلها عوامل تغذي مشاعر الإقصاء وتُسهل إعادة تعبئة العنف، ففي كولومبيا أظهرت المرحلة اللاحقة لاتفاق السلام أن بطء تنفيذ الإصلاحات الريفية خلق بيئات استمرت فيها أشكال من العنف المسلح، وفي العراق ساهمت التفاوتات التنموية وضعف الخدمات في إنتاج دورات من الاحتجاج والاضطراب، وفي الحالة السورية، حيث تراكمت عقود من التفاوت قبل الحرب ثم تفاقمت بفعل الدمار والنزوح، فإن تجاهل العدالة الاجتماعية يعني إبقاء الأسباب العميقة للنزاع ويجعل البدء المتوازي بمسارات العدالة الانتقالية والعدالة الاجتماعية شرطًا لمنع إعادة إنتاج العنف.

حين تُصمَّم العدالة الانتقالية بشكل شامل، حسب الكيلاني، فإن آثارها لا تقتصر على قاعات المحاكم بل تمتد إلى سوق العمل والمدرسة والمستشفى، وجبر الضرر يجب أن يشمل إعادة الإدماج المهني للضحايا والمفرج عنهم والدعم النفسي والصحي للمتضررين وإصلاح المناهج التعليمية، بما يعزز ثقافة الحقوق والمواطنة، ففي المغرب ارتبطت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة بإطلاق مشاريع تنموية في مناطق عانت التهميش ما أعطى بعدًا اجتماعيًا للمسار الحقوقي، وفي سيراليون ترافق مسار الحقيقة مع برامج دعم مجتمعي للضحايا، وفي سوريا حيث ترتبط الكرامة اليومية بالقدرة على العمل والوصول إلى التعليم والعلاج فإن الانطلاق الفعلي بمسارات العدالة الانتقالية والعدالة الاجتماعية معًا هو الطريق لترجمة العدالة إلى واقع ملموس يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.

ويرى الكيلاني أن تحسين المياه والكهرباء والصحة والنقل لا تعتبر سياسة خدمية فقط وإنما فعل عدالة يعيد توزيع الموارد ويعترف بحقوق متساوية للمواطنين، مشيرًا إلى أن تضرر البنية التحتية بشكل غير متكافئ في سوريا يجعل إصلاح الخدمات العامة جزءًا من جبر الضرر الجماعي ودمج هذا البعد ضمن مسارات العدالة الانتقالية يرسخ أن السلم الأهلي لا يقوم على إنهاء العنف فقط  وإنما يتم ترسيخه من خلال إزالة أسباب العنف البنيوية وبناء عقد اجتماعي جديد قائم على المساواة والإنصاف.

معالجة آثار النزاع جزء من العدالة الاجتماعية

وفيما يتعلق بمعالجة آثار الحرب، يقول الكيلاني إن النزوح القسري في سوريا يمثل عملية اقتلاع اقتصادي واجتماعي واسعة النطاق، حيث فقد ملايين السوريين مصادر رزقهم وأصولهم وشبكاتهم الاجتماعية، ما ولّد فقرًا قسريًا يتجاوز حدود الإغاثة الإنسانية، لافتًا إلى الإجراءات التي قامت بها كوسوفو وكرواتيا لسد هذه الفجوات الاجتماعية عبر إنشاء آليات تضمن استعادة حقوق الملكية وإعادة المهجرين كجزء من ترتيبات ما بعد النزاع، ما يجعل معالجة آثار النزوح والتهجير في سوريا ضرورة ملحة عبر استعادة المساكن والأراضي وخلق فرص عمل للعائدين والنازحين، لأن إعادة الإدماج الاقتصادي جزء لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية.

وينظر الكيلاني من وجهة نظر القانون إلى أن الفساد الممنهج ونهب الموارد خلال النزاع يمثلان اعتداءً مباشرًا على الحقوق الاقتصادية للسوريين، الأمر الذي يجعل من استرداد الأصول المنهوبة شكلًا من أشكال جبر الضرر الجماعي وإعادة الاعتبار للحق العام، لافتًا إلى أنه في نيجيريا وبيرو استُخدمت آليات قانونية دولية لاستعادة أموال عامة وتوجيهها لبرامج اجتماعية، مضيفًا أن استعادة سوريا للأموال النهوبة وتوجيهها نحو إعادة الإعمار وتحسين الخدمات ضمن رؤية شاملة للعدالة الاجتماعية يرسخ لمسار العدالة الانتقالية.

التحديات التي تواجه العدالة الاجتماعية في سوريا

الصحفي المختص في علم الاجتماع السياسي، محمد الحموي كيلاني، يوضح لـ”الترا سوريا” أن العدالة الاجتماعية هي أحد الأركان الأساسية للعدالة الانتقالية، وإصلاح المؤسسات يعد جزءًا أساسيًا في التمثيل العادل لجميع الفئات وتعزيز الشفافية والمساءلة وبناء الثقة مع المواطن دون النظر إلى عرقه أو دينه أو طائفته، ولا تكتفي العدالة الاجتماعية بتعبير إصلاح المؤسسات وإنما تعمل باعتبارها جهة محايدة تخدم الجميع بلا استثناء.

ويرى الحموي كيلاني أن أهم التحديات التي تواجه العدالة الاجتماعية في سوريا اليوم تتمثل في تعزيز الشفافية والمساءلة وبناء الثقة والمصالحة، وهذا لا يتحقق من خلال الاعتذار أو محاكمة المجرمين والفاسدين فقط بقدر ما تحققه العدالة والمشاركة السياسية والاقتصادية دون تمييز أو إقصاء.

ويضيف أن المؤشرات في الحالة السورية حتى الآن لا تبدو إيجابية بما يكفي، مشيرًا إلى أن الضمان لسير هذه العملية في مسارها الحقيقي يعتمد على الفكر المستنير الذي أفرزته الثورة السورية، فهو القادر على حماية مكتسبات ثورته والمعول عليه في قياس نجاح العدالة الانتقالية اجتماعيا، ويرتكز على المراسيم الوطنية واستقلال القضاء والمشاركة الاقتصادية والسياسية بحسب الكفاءة والولاء للدستور والوطن، أي الولاء للدولة كدولة المواطنة والقانون وليس السلطة.

وتدعو الأمم المتحدة بمناسبة “يوم العدالة الاجتماعية” الحكومات لتعزيز نظم الحماية الاجتماعية بما ينسجم مع حقوق الإنسان في صنع السياسات الاقتصادية، كما تدعو أصحاب العمل لتعزيز الأجور العادلة وبيئات العمل الآمنة كما تدعو المجتمعات والأفراد لدعم المبادرات التي تعزز وصول الخدمات للمواطنين بما يسهم في الحد من التهميش والإقصاء، اتساقًا مع مقاصد اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية.

—————————–

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى