التجنيد “الرقمي” في سوريا الأسد: معسكرات افتراضية ومجازر من خلف الشاشات/ نديم خوري

24.02.2026
داخل “الغروبات” الرقمية، يتمّ توزيع الأدوار العسكرية، من راصد يراقب تحرّكات الخصوم، إلى قنّاص يصوّب الشتيمة على الآخرين، وصولاً إلى الفصائل المنخرطة في حملات التبليغ والإشهار وإغلاق الصفحات.
أسّس نظام الأسد على امتداد حكمه، سلطة أمنية طوّقت الجغرافيا السورية، هندسَ المجتمع في مسارات ولائه، وصاغ علاقة السوريين بالفضاء العامّ عبر الخوف من الحاجز والفرع وآذان الجدران.
غير أن هذه الجغرافيا أخذت تتآكل مع تنامي نفوذ سلطات الأمر الواقع خلال سنوات الحرب، فتفكّكت سيطرته الأمنية من الأطراف، وحوصر في مساحة أصغر تغصّ بفائض سلطته.
وفي غياب الحضور الميداني، بدا الفضاء الإلكتروني أرضية بديلة لإعادة إنتاج السيطرة، وبيئة ملائمة للرقابة المعلوماتية بعد أن تسلّلت إلى أجهزة السوريين.
صنع النظام معبراً وهمياً نحو عالم افتراضي، واستدرج الشعب إلى حقل رقمي مغلق عبر بوابات الإنترنت وشركات الاتّصال “سيرياتيل وMTN” وتطبيقات مثل “وين”، و”أقرب إليك”، والبطاقات الذكية، ليصبح محاكاة عن سوريا الواقعية: طوابير إلكترونية للتموين، قوائم رقمية للمحروقات، ونوافذ افتراضية تسجّل البيانات الشخصية.
صاغ هذا الانتقال نسخاً رقمية عن المواطنين، وحوّلهم إلى أرقام قابلة للتتبّع، بعد أن ربط احتياجاتهم الأساسية، من المكالمة إلى كيلو السكر، بخريطة مراقبة تدار مركزياً.
وخلافاً لوظيفتها المعلنة، أصبحت التكنولوجيا في السياق السوري حكراً أسدياً حديثاً، ومخبأ لعناصر الأمن والاستخبارات، بعد أن انتقلت آذان التجسّس من “الجدار” إلى “الهاتف”، وأعين الرقابة من “الحاجز” إلى “الشاشة”.
طبقات الحصار الخفيّ
تفاقم الحصار في الحيّز الرقمي مع ضعف البنية التحتية للإنترنت والاتّصالات، وانقطاعها على نحو جمّد الحركة وقيّد أبسط أشكال التواصل، تزامناً مع الحظر الخارجي لخدمات عدّة نتيجة عقوبات قيصر، التي زادت عزلة السوريين وتركتهم أمام إشارات فشل التحميل، وديناصور يقفز فوق مطبّات لا نهائية.
في الوقت ذاته، أعادت الأجهزة الأمنية إنتاج ملفّات المخابرات داخل الفضاء الافتراضي، محوّلة إيّاها إلى سجلّات إلكترونية تتعقّب موقع المستخدم، تراقب نشاطاته واتّصالاته، وقد تسحبه إلى ملفّات سرّية لا يعرف مكانها.
تفكيك الصراع
لعلّ أبرز ما عمل عليه نظام الأسد، هو تفكيك العداء الجمعي ضدّه وتحويله إلى صراع فردي معزول، فالخنق الأمني ومصادرة أيّ مجال علني للتعبير المعارض، دفع الغضب السوري نحو الداخل، ليتجمّع في مساحات وجدانية يخشى الاقتراب منها، وبذلك استطاع النظام زجّ شعبه في صراعات ذاتية مؤجّلة.
وحين انهار حضوره، خرجت الأصوات المكتومة دفعة واحدة، فبات يكفي أن تتصفّح حسابات السوريين بعد السقوط لتقرأ اعترافاً بتجربة اعتقال، أو تهديد، أو كشف عن هويّة كانت تتخفّى خلف اسم مستعار، لتصبح المنصّات الرقمية بديلاً لقول ما كان ممنوعاً في الشارع.
سقوط الأسد لم يطلق الحرّية بقدر ما حرّر الصراع، وبين واقع مدمّر وفضاء افتراضي حرّ، بدأ البحث عن عدوّ بديل يسدّ فراغ السلطة، ويُعيد توجيه العنف المتراكم.
يبدو اليوم العالم الافتراضي امتداداً رقمياً للأزمة السورية، وجغرافيا بديلة للصراع المادّي بعد أن ألغى المسافات المكانية بين الخصوم، تتجلّى ملامح المعركة في ميدان إلكتروني مباشر، والمجزرة التي كانت تبعد عشرات الكيلومترات صارت داخل الجهاز، تفتح الشاشة… فتخرج الجثّة.
طقوس التجنيد
الإنترنت جعل العنف أقرب، وحدّد زوايا الرؤية، هذا التداخل بين الواقع والرقمنة جعل من الموقف السوري معادلة قابلة للبرمجة، مستغلّاً ثغرات النظم السياسية عبر الخطابات المكرّرة، والصور الصادمة، والآراء التي تشدّ المأساة نحوها، حتى جعلت من المستخدم “جندياً إلكترونياً” مقيّداً بشيفرة العنف، وسمحت له بالانخراط في المعارك عن بُعد، دون دم ودون أثر جنائي، معارك يمكن الانسحاب منها بضغطة زرّ.
وبينما كان السوري يسعى للإفلات من التجنيد “الإجباري”، يجد نفسه اليوم يلتحق بالتجنيد “الاختياري” في معسكرات الفضاء الأزرق، حيث تمارس طقوس العسكرة عبر رفع الأعلام، واقتباس شعارات النصر وتصدير صور القادة الذين يمثّلون “كانتونات” الداخل، ليعاد ملء الفراغ السياسي بجيوش وحروب منقسمة، كروتين سوري على مدار 14 عاماً، ولتتحوّل المنصّات إلى ثكنات للاحتشاد والتدريب استعداداً لهجوم مباغت.
داخل “الغروبات” الرقمية، يتمّ توزيع الأدوار العسكرية، من راصد يراقب تحرّكات الخصوم، إلى قنّاص يصوّب الشتيمة على الآخرين، وصولاً إلى الفصائل المنخرطة في حملات التبليغ والإشهار وإغلاق الصفحات.
مُدخلات رقمية ـ مُخرجات دموية
في سوريا، يمكن لأيّ سلوك رقمي أن يقود إلى معركة واقعية؛ تسريب صوتي على وسائل التواصل زُعم أنه مفبرك، أشعل موجة غضب بدأت باعتداءات طائفية في الجامعات، وانتهت باشتباكات مسلّحة في مدينتي جرمانا وصحنايا في نيسان/ أبريل الماضي.
تتالى هذا السلوك في خطابات رقمية أخرى، ولعب دوراً أساساً في تحشيد الناس ودعوتهم للقتال في صراعات يصعب اختزالها. أولى تلك الدعوات العلنية برزت خلال أحداث الساحل، بعد أن انتشرت عدّة مقاطع مصوّرة، من بينها فيديو لعنصر أمني يطلق دعوات لقتل العلويين علناً. وفي داخل السكن الجامعي في حلب، وثّق فيديو تحشّدات للطلّاب وهم يردّدون: “جنّدونا وعلى سويدا ابعثونا”، عقب انتشار التسجيل الصوتي.
ومع انتقال التوتّر إلى الجنوب، انتشرت عدّة مقاطع لعناصر يتوعّدون باقتحام السويداء، وهم يحملون السيوف والمقصّات، وسط هتافات تكبير من حولهم، وجاء الردّ بعد أن استخدم الشيخ الهجري صفحة الرئاسة الروحية لإدارة التوجيهات الأمنية، إذ دعا إلى نفير داخلي في بيان مصوّر أثناء الهجوم على المحافظة.
لاحقاً، دخلت العشائر على خطّ التصعيد، واستخدمت منصّات التواصل لنشر تسجيلات مصوّرة لوجهاء قبائل، يعلنون فيها النفير العامّ والدعوة للتوجّه نحو السويداء، كما ناشدت عبرها العناصر المقاتلة عشائر المناطق المجاورة لامدادهم بالذخيرة.
حتى أثناء الصراع، كانت التطبيقات الرقمية والمنصّات الاجتماعية مصدر المعلومات الأوّل للتحرّك والتواصل وتوجيه التعليمات وإعلان الفزعات، ممّا رسّخ الواقع الرقمي كساحة أولى لتحضير الصراع قبل إطلاقه إلى الميدان مباشرة.
الكُره الاصطناعي
تكشف الخطابات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، أنها لا تقوم على التضادّ السياسي فحسب، إذ تستّتر خلف هذه الواجهة كراهية عرقية وطائفية بشكل واضح، وتظهر جلياً في الألفاظ والشتائم التي تقصد إهانة الآخر أو جماعته.
هذا التعرّض المتكرّر لتلك الخطابات ينتج حالة من تبلّد المشاعر، كما يقلّل حساسية المتلقّي تجاه الضحيّة، مما يحوّل الوسيط الرقمي إلى أداة ثأر، ويعطي المستخدم فرصة توجيه “الضربة التالية” عبر التفاعل والتعليق وإعادة النشر.
لقد ساهمت منصّات مثل ميتا (فيسبوك) في إيصال الشعور، بعد أن منحت التفاعل رموزاً تعبيرية، حيث تصطفّ إيموجي “السخرية” إلى جانب إيموجي “البكاء” على صورة الضحيّة، وكأن المأساة تحتمل وجهات نظر!
في كانون الثاني/ يناير 2025، نشر معهد (TIMEP) تقريراً يكشف أن التضليل الإعلامي زاد عقب سقوط النظام، حيث شُكّلت موجات من المعلومات المضلّلة لتأجيج الانقسام واستهداف الأقلّيات، خاصّة خلال أحداث الساحل، شملت إعادة تدوير الصور القديمة كأحداث راهنة، إضافة إلى ازدياد نشاط الحسابات الوهمية، أو ما يسمّى بالذباب الإلكتروني، بالتوازي مع تحرّكات عسكرية في بعض المناطق.
لو تأمّلنا منصّات التواصل الاجتماعي في سوريا، لبدت كأنها مرآتية للواقع، وأيّ رواية محايدة فيها تصبح موضع هجوم أيضاً، فهي تضع المتلقّي في مواجهة مباشرة بما شارك فيه ولو رمزياً، وتوقظه من تخدير الدوبامين الرقمي.
“إنفلونسرز” الجريمة
البُعد الرقمي للصراع السوري استنسخ المشهد وحيداً من شعوره، أزال العاطفة، وقدّم الموت كما لو أنه حدث اعتيادي، صار الدم خلفية الخبر، وحوّل الضحيّة إلى صورة فارغة من شعورها وذاكرتها ومأساتها.
لطالما تمّ تصدير سوريا للعالم كأنها مشهد في فيلم حربي، حيث وفّرت الشاشات إطلالات بانورامية على الموت، إلا أن هذه المسافة “الجمالية” التي يصنعها الإطار الإعلامي، كانت في كثير من الأحيان أداة كشف، فمن خلالها واجهت عدّة عائلات سورية مصير مفقوديها في الصور والفيديوهات، التي تسرّبت من أقبية الاعتقال ومواقع الصراع إلى منصّات التواصل، تكرّر ذلك في السويداء، عندما وثّقت العناصر المسلّحة مجازرها بوصفها إعلاناً سيادياً للنصر فوق أجساد أهالي المنطقة.
والمقلق أن تكرار هذه المشهدية في مجازر أرياف حمص وحماة ثم الساحل فالسويداء ومناطق الشمال، يكشف سلوكاً ممنهجاً يُبرز القاتل كبطل قومي في نظر منظومته، وصاحب الحقّ الشرعي في تقرير مصير الآخرين.
رغم فجاجة الموقف، صار القتل السوري ـ السوري محتوى بصرياً “لإنفلونسرز” رجال الأمن، الذين حوّلوا الجثّة الى مادّة استعراض للمنجزات السلطوية، في مشهد يطرح تساؤلاً إشكالياً: ما الذي يدفع القاتل لتوثيق جريمته؟
في المنطق الجنائي، يسعى المجرم عادةً إلى محو أثره وتغييب أيّ دليل يدينه، إلا أن الحالة السورية اليوم تكرّس نمطاً مغايراً، يقوم على تعويم القاتل والمجاهرة بانتهاكاته، ولا ينبع هذا السلوك من جهل قانوني، بقدر ما ينبع من شعور بفائض الحصانة، غايته نقل الجريمة من حيّز “الخروج عن القانون”، إلى حيّز “المصلحة الوطنية” المشرعنة إعلامياً وخطابياً، في غياب شبه تامّ لأيّ محاسبة جدّية للعناصر المتورّطة حتى الآن.
هذا الغطاء، حوّل منصّات التواصل إلى ساحات للاحتفاء بالدم تحت سطوة خوارزميات التحريض، بالمقابل دفع الكثيرين لتحويل حساباتهم الشخصية إلى منصّات إعلامية لمجابهة إعلام الطرف المقابل، بعد أن تشظّت ماكينة الدولة الإعلامية التي كانت حكراً على نظام الأسد، وأصبح لكلّ جهة منبرها الخاصّ.
تقنيات العسكرة الرقمية
تجاوز الفضاء الرقمي كونه ساحة صراع رمزية ليتحوّل إلى أداة ضبط عسكرية مباشرة، فخلال مجازر السويداء الأخيرة، تزامن كلّ هجوم عسكري مع انقطاع الإنترنت والاتّصالات، حيث تُترك المنطقة في عزلة رقمية مع المسلّحين، تُرتكب خلالها الجرائم وسط عجز المغتربين عن الاطمئنان على ذويهم، بينما يتفرّد إعلام السلطة برواية الحدث.
يوضح موظّف في مقسّم اتّصالات السويداء (فضّل عدم ذكر اسمه) أن: “غياب الشبكات بات النذير المباشر لاقتراب هجوم جديد، حيث يتمّ التعطيل غالباً من مراكز التحكّم في دمشق، وأحياناً تقوم العناصر نفسها بقطع الأكبال قبل الهجوم”، وقد تكرّر هذا النهج أيضاً خلال عمليّات اقتحام قرى الساحل في آذار/ مارس الماضي.
يُذكر أن هذا التكتيك استخدمه نظام الأسد خلال حراك السويداء في عام 2023، بعد أن جرى تقليل حِزم الإنترنت وقطع الشبكات بشكل مفاجئ لإقصاء صوت المعارضة، في وقت كانت فيه منصّات التواصل الوسيلة الوحيدة للتغطية الداخلية.
هذا التناوب يتحكّم بالضوء في مسرح الجريمة، يمكن إطفاء المشهد ثم إضاءته من زاوية محدّدة، لتصفية الصور وإعادة إنتاج الحدث، وفي معظم الحالات لم يرَ المشاهد إلا نسخاً مجتزأة من الواقع.
الذاكرة الإلكترونية الجمعيّة
على خلاف الذاكرة البشرية القابلة للنسيان، راكمت الذاكرة الإلكترونية السورية أرشيفاً بصرياً ومعلوماتياً هائلاً، فرغم تسييس الفضاء الرقمي، ظلّت ذاكرة الحرب وملفّاتها مخزّنة في عتمة الإنترنت، قبل أن تطفو اليوم على سطح المنابر الاعلامية.
غير أن هذا الأرشيف يظلّ رهينة لسياسات الخوارزميات التي تكرّر الحدث بلا توقّف، وتركّز على الاهتمام والانفعال، تتقاطع هذه السياسات أيضاً في أداء مؤسّسات الإعلام الداخلي بعد سقوط النظام، الذي أظهر فجوة بين منشورات تمجّد سلطة الأسد وأخرى تحتفي بسقوطه، بعد أن تمّ تغيير الشعارات والألوان في المنصّات الرسمية دون انتقال تمهيدي في الخطاب، لكنّ الأرشيف الرقمي يظلّ محتفظاً بسجلّه الطويل من الدعاية.
وبالرغم من دور الذاكرة الرقمية الأساسي في حفظ الحقيقة، تُستعاد هذه الذاكرة اليوم في سياق يقابل الأحداث المضارعة، وبدلاً من أن تُنتج معرفة تحفّز للمحاسبة، أصبحت تقابل كلّ حدث جديد بوصفه امتداداً لما سبقه، وتُعيد إنتاج شعور العدالة المؤجّلة وتحمّل الضحيّة ذنباً لا يخصّها.
بينما لا يزال السوريون ينتظرون عدالة تأخّرت عقوداً، تسابق الانتهاكات الجديدة غرف الأرشفة والرصد داخل المنصّات الاجتماعية، وسط خشية من تحوّلها إلى ذاكرة تؤسّس لصراعات مستقبلية أخرى.
ومع تداخل العالمين الرقمي والواقعي، يغرق السوري في عالم ثالث هجين، خارج الزمان والمكان، ومُعلّق في شاشات الصراع، يقفز فوق مطبّات لا نهائية، ويحاول ألا يكون الجثّة التالية.
درج



