سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

الفسيفساء القلقة وألم الانتقال وعدوى الخوارزميات/ عبد الله الموسى

فبراير 22, 2026

تنامت ترندات سورية في الفترة الماضية تحمل ملامح العدوى السلبية وانتقلت إلى الشحن المناطقي والمنافسة على أولوية الأحقية والموارد الشحيحة، مدفوعة بمواقف مسبقة وظروف معيشية قاسية واصطفاف سياسي وإيديولوجي وتعصب فكري أو قبلي أو مناطقي، ومشاعر انهزام بسبب غياب التمثيل والحضور، وهي تقوم على حوامل ودوافع سياسية ومعيشية وعشوائية.

ترندات تنظر لها الدولة على أنها فسيفساء “قلقة” متوقعة في زمن التحول الكبير في مجتمع مصاب بالشروخات الممنهجة من قبل النظام البائد، وأقول ترندات لأنها منتج خوارزمي سوقي بحت يقتات على المنشور المثير بتصنيفاته (الغاضب الحزين الاستهزائي) وينقله وفق سياسات الخوارزمية إلى مستخدمين آخرين يستفزهم للمشاركة بتفاعل أو تعليق أو منشور فينجم عن ذلك ما يمكن تسميته “عدوى الخوارزميات”، وتصب هذه التفاعلات المثيرة في ملعب الحكومة ما يزيد الضغط ويحرف مسار الاستراتيجية أو يجبرها على التوقف مؤقتاً للتعامل مع مطالب الجمهور.

وبما أن شاغلي المناصب هم بشر مرتبطون بأهلهم فيمكن أن تؤثر هذه التفاعلات عليهم ليتخذوا قرارات ترضية شعبية أو شعبوية أو عاطفية وبالتالي معاكسة النهج الاستراتيجي وهو أصل فكرة الدولة بتموضعها المتوازن والعاقل.

توالت موجات هذا المحتوى الذي جرف المحتوى السوري إلى فيضانات المخيمات وفيديو حمادة الإسكان في دير الزور ورفض ليونة الدولة في ملف “قسد”، وبواقي الرذيلة المناطقية؛ بشكل طغى حينها على توقيع اتفاقيات استثمارية سعودية بقيمة 4 مليار دولار، ويضاف إلى ذلك إدعاءات مترسخة في الوعي الجمعي بناء على التعيينات والتعدد الوظيفي، والإنفاق الحكومي ومظاهر الانسلاخ عن حواضن الثورة وهمومها في المواكب والموائد والترويج للمسؤول لا للمؤسسة، وقوائم التمثيل والحضور في الفعاليات، وفشل سداد تعهدات حملات التبرعات، والتهميش والإقصاء مقابل التسويات لأشخاص مرتبطين بالنظام البائد، وعدم فصل المؤيدين للنظام من الحكومة مقابل إضراب المعلمين، وغياب المحاسبة والنتائج الملموسة للعدالة الانتقالية، وبقاء القضاة في مناصبهم، ومعايير التجنيد والانتساب في الجيش والأمن.

فيسبوك.. فضاء سوري جارف والخوارزمية سيدة الموقف

أصبح موقع فيسبوك متاحاً للجميع عام 2006 بعد عامين من كونه منصة أنشأها مارك زوكربيرغ وزملاؤه في جامعة هارفارد وكان حصراً على طلاب الجامعة. بعد 5 أعوام اندلعت الثورة السورية بالتزامن مع انتشار الإنترنت وأجهزة الموبايل التي انتقلت من الأزرار إلى الشاشات اللمسية، فكان توجه السوريين من طلائع الثوار إلى فيسبوك لتتبع أخبار المظاهرات من خلال “شبكة شام” و”أوغاريت” وصفحة “الثورة السورية ضد بشار الأسد” التي لاقت انتشاراً كبيراً عندما أطلقت مبادرة التصويت على اسم الجمعة بدءاً من جمعة العزة 25 آذار 2011، وكان هذا التصويت أسلوباً جذب السوريين لممارسة أول فعل ديمقراطي افتراضي.

في المقابل أنشأ الموالون للنظام والرماديون حسابات على فيسبوك من باب الفضول أو التشويش على رواية الثوار، وهكذا صار الفيسبوك منصة السوريين الأولى وكانوا أولياء لها حتى اللحظة، بعد أن ترسخت في صفحات مشكلة ملونة وبات الفيسبوك منصة اقتصادية للعرض التجاري والترويج والاشتباك الفكري.

عام 2012 ركزت فيسبوك بدافع اقتصادي ربحي بحت على زيادة عدد المستخدمين وزيادة التفاعل والنشر، فأجرت تجارب سرية للتلاعب بمشاعر المستخدمين عبر إظهار منشورات إيجابية أو سلبية حصراً، لقياس مدى تأثر حالتهم المزاجية، وهذه الاختبارات كانت ضرورية لتربية الخوارزمية وتعليمها كي تحدد للمستخدم ما يريده ويهمه من بين مليارات المنشورات على فيسبوك.

ثم أطلقت عام 2016 الرموز التعبيرية الخمسة (أحببته، هاها، واو، أحزنني، أغضبني) لزيادة خيارات التفاعل، ثم كانت المصيبة وبحسب ما كشفه تحقيق صحيفة “واشنطن بوست”، عندما منحت فيسبوك عام 2017 هذه الرموز التعبيرية وزناً يعادل 5 أضعاف “الإعجاب” العادي، وأعطت التعليقات وزناً هائلاً يصل إلى 30  ضعف “الإعجاب”، لزيادة الحوارات، مما حفز المنشورات الجدلية، وكل ذلك من فكرة أن المنشورات التي تثير الكثير من رموز التفاعل تميل إلى إبقاء المستخدمين أكثر انخراطاً وتفاعلاً، وكان الحفاظ على تفاعل المستخدمين هو المفتاح لأعمال فيسبوك التجارية.

اشتبه مهندسو وباحثو فيسبوك في وجود خلل خطير مفاده أن تفضيل المنشورات “المثيرة للجدل” قد يفتح الباب أمام المزيد من العشوائية والإساءة وعناوين الأخبار المضللة عن غير قصد. وعندما أثبتت البيانات عام 2019 صحة هذا التخوف الكبير رفضت إدارة فيسبوك مقترح خفض قيمة “أغضبني” و”واو” و”هاها” إلى صفر، خوفاً على انخفاض مستويات التفاعل.

تحت ضغط النتائج التي ربطت بين الخوارزمية والعنف والقطبية السياسية، بدأت الشركة عام 2020 في تحييد “الغضب”، وخفضته إلى 1.5  ضعف “الإعجاب” فقط، ثم جعلت وزنه صفراً، ورفعت وزن “أحببته” و”أحزنني” إلى ضعف قيمة الإعجاب، وخفضت قيمة التعليق إلى 15 ضعفاً وكذلك ألغت قيمة التعليقات المكونة من حرف واحد أو نقطة لمنع التلاعب بالخوارزمية.

جاءت هذه التعديلات بعد أن أمنت فيسبوك موقعها وعدد المشتركين الهائل في العالم واعتمادهم المنصة، وكان هذا التغيير بسبب ضغط الكونغرس الأميركي المتخوف من تلاعب فيسبوك – ولاحقاً “ميتا” – بمشاعر المواطنين، وبالتالي تلاعبها بأصوات الناخبين.

وغالباً ما تُبرر فيسبوك إخفاءها لآليات عملها الداخلية بحجة عدم تزويد أصحاب النوايا السيئة بدليل إرشادي، لكن لولا تحقيقي واشنطن بوست وول ستريت جورنال لما عرفنا بكل هذه المعادلات والتفاصيل المخفية التي كان يشجع عليها مارك نفسه عندما طالبه أحد المعلقين بوجود زر “لا يعجبني” فرد عليه: “يمكنك استخدام الوجه الغاضب”.

إن الوزن المعطى لرد الفعل الغاضب هو مجرد واحد من العديد من الروافع التي يتلاعب بها مهندسو فيسبوك لتشكيل تدفق المعلومات والمحادثات على أكبر شبكة اجتماعية في العالم.

وفي الوقت نفسه سيجادل البعض بأن ما سبق يوضح سبب انتشار محتوى غاضب، والذي يمكن أن يكون صحيحاً ومثيراً للغضب فعلاً، مثل فيديو وحديث حمادة الإسكان في دير الزور الرافض لإعادة تعويم الشبيحة وعدم محاسبتهم، وهنا ينقلنا النقاش إلى فكرة التضخيم ونشر المشاعر السلبية التي تجعل الشخص محفّزاً بالغضب لتذكّر كل الأخطاء والاعتراضات والتقصير ويراكمها، فيتفاعل معها، فتلتقط الخوارزمية اهتماماته، فتقدم له محتوى مماثلاً غاضباً وربما يكون جزء منه مضللاً.

وفي لحظة غضب وانطباع مسبق لا يُخضع المستخدم هذا المحتوى للمحاكمة العقلانية مثل صورة المستشار أحمد موفق زيدان إلى جانب سيارة فارهة، بل يلتقطه مباشرة بأنه صحيح ومسلّم به، فيتفاعل معه ويروّجه، وهكذا تتوسع دوائر التفاعل لمستخدمين آخرين، ضمن ما يمكن تسميته “عدوى الخوارزمية”.

تشتبك في سوريا اليوم، جبهتان لا تقلّ إحداهما ضراوة عن الأخرى: جبهة الأرض التي تسعى الدولة لاستكمال سيادتها عليها، وجبهة “الفضاء الرقمي” التي باتت المختبر الأول لهندسة الوعي الجمعي. وهنا نتذكر جميعاً أقاربنا القادمين لزيارة سوريا لأول مرة وكذلك الأجانب، كيف عبّر معظمهم بأن الواقع في سوريا أفضل بكثير من السوشال.

ومن هنا، تكتسب طروحات نوح جيانسيراكوسا في كتابه “كيف تُنشئ الخوارزميات الأخبار الكاذبة وتمنعها”، أهمية مفصلية في تشريح ما نراه من تململ في الشارع السوري؛ فجزء من ما يحدث هو نتاج “تلاعب خوارزمي”، ويشير جيانسيراكوسا إلى أن الخوارزميات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي – وفق منطق السوق – لا تهتم بالحقيقة قدر اهتمامها بـ “التفاعل.

وفي الحالة السورية الراهنة، تُغذّي هذه المنصات ما يمكن تسميته “خوارزميات الفوضى”، حيث تلتقط الخوارزمية هذا الغضب وتعمل على تضخيمه عبر وضعه في “غرف صدى” (Echo Chambers) ويعزل “التحيز التأكيدي” المبرمج المواطن عن السياق، ليصبح مجرد مستهلك لمعلومات مشوهة تخدم أجندات ربحية لإمبراطوريات رقمية.

ويحلل جيانسيراكوسا كيف أن الأخبار الكاذبة لا تُصنع بالضرورة من أكاذيب كاملة، بل من “تزييف السياق” واستخدام أنصاف الحقائق التي يسهل على الذكاء الاصطناعي ترويجها، من خلال معادلة خلص لها: احتمالية الأخبار الكاذبة = الغضب العاطفي x التحيز الخوارزمي ÷ الثقة المؤسسية

البسط في الرياضيات يمثل العلاقة الطردية؛ أي كلما زادت قيمته، زاد احتمال انتشار الخبر الكاذب، والمقام يمثل العلاقة العكسية؛ الذي يمكنه إبطال مفعول البسط مهما كان كبيراً.

الأخبار المثيرة للتفاعل والغاضبة لا تخاطب العقل، بل تستهدف “اللوزة الدماغية” المسؤولة عن المشاعر البدائية (الخوف، الغضب، الصدمة). في سوريا، عندما يقرأ المواطن خبراً عن “انهيار مفاجئ للعملة” أو “قرار حكومي جائر”، فإن مشاعر الغضب تعمل كوقود يدفع للتفاعل والمشاركة قبل التفكير في صحة الخبر. لأن الغضب يعطل الفلاتر النقدية لدى الإنسان. والتحيز الخوارزمي مبرمج لزيادة “وقت البقاء” على المنصة. وبما أن المحتوى الصادم والغاضب يولد تفاعلاً أكبر، فإن الخوارزمية تعطيه “مكافأة” نشره أكثر، لأن الرياضات خلف الخوارزمية لا تفرق بين “الحقيقة” و”التريند”.

وبناء عليه يكون “صمام الأمان” أو “الكابح” في المقام المتمثل بالثقة المؤسساتية وهذا هو المتغير الأهم في حالتنا السورية. عندما تكون ثقة المواطن في حكومته ودولته وإعلامه الوطني، فإنه مهما بلغ حجم الغضب (البسط)، إذا كانت الثقة (المقام) مرتفعة جداً، فإن الناتج النهائي (احتمال انتشار الخبر المضلل والغاضب) سيقترب من الصفر.

وبالإضافة إلى ما سبق نستذكر ما أعلنت عنه وزارة الإعلام السورية مراراً بأن الفضاء الرقمي السوري يتعرض يومياً لغزو من مئات آلاف الصفحات والحسابات الخارجية المناهضة لانتصار الثورة السورية، وفي ظل غياب مكتب “ميتا” في سوريا فإن المهمة تصعب كثيراً للتصدي لهذه الحسابات وما تروجه من أخبار مضللة وطائفية وتحريضية تهدد السلم العام، وتضخّم الأحداث السلبية وتروجها عبر جيوش من الذباب الإلكتروني.

ولا يكتمل النقاش دون التأكيد على حق المساءلة وحرية التعبير وإبداء الرأي في سوريا الجديدة، وهو نهج وزارة الإعلام وهو ما شدد عليه الوزير حمزة المصطفى كثيراً بوصفه مكتسب الثورة الأكبر والمسار الأصح في عملية التفاعل بين الدولة والمجتمع.

وإن كانت الدولة هي الروح فإن الحكومة هي أعضاء الجسد، ومطالبة بأن تستمع لكل المطالب وتحترم صرخات الألم، وتعي جيداً أن مشروعية المطالب لا تأتي من فراغ، بل هي تعبير عن ذات سورية استعادت صوتها.

“وادي الدموع”.. تشريح القلق السوري وجدلية الدولة

تبلور المفهوم الحديث للدولة في صلح وستفاليا عام 1648، باتفاق لترسيم الحدود وإنهاء الحروب الدينية في أوروبا، ثم أسس التفاعل اللاحق بين الحضارات والدول مفهوماً أوضح للدولة فتخيله توماس هوبز بـ “الليفياثان” وهو كائن بحري خرافي ورد في النصوص الدينية القديمة خاصة “سفر أيوب” لا يقوى بشر على هزيمته، ويمثل القوة المطلقة التي تثير الرهبة وتفرض النظام بالقوة في عالم الفوضى ويكبح “حرب الجميع ضد الجميع”، لأن قبله كان “الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان” وكانت الحياة “مقززة ووحشية وقصيرة”، لأن الجميع في صراع دائم على الموارد والأمان.

وللهروب من هذا الجحيم، يتفق البشر (عبر عقد اجتماعي) على التنازل عن كامل حرياتهم وحقهم في استخدام القوة لصالح سلطة مركزية واحدة. هذه السلطة هي “الليفياثان”.. وللتفريق بين مفهومي الدولة والحكومة: الليفياثان هو “هيبة الدولة وقوتها القاهرة” أما الحكومة هي مجرد “عقل” أو “يد” هذا الليفياثان في لحظة زمنية معينة.

قدّم توماس كاروثرز قراءة نقدية لواقع الديمقراطية العالمية، معلناً في مقاله “نهاية نموذج التحول” سقوط الإطار الذي وجّه السياسة الأمريكية منذ الثمانينيات. فالتفاؤل بـ”الموجة الثالثة” وصياغة نموذج يفترض أن أي خروج من الديكتاتورية يقود حتماً إلى الديمقراطية، وأن الانتخابات تمنح الشرعية بذاتها، تجاهل الشروط الاقتصادية والثقافية اللازمة.

يرى كاروثرز أن معظم الدول “الانتقالية” لم تبلغ ديمقراطية راسخة، بل استقرت في “منطقة رمادية”: إما “تعددية عاجزة” بانتخابات دون أثر فعلي، أو “سلطة مهيمنة” تُفرغ الانتخابات من مضمونها. ويخلص إلى ضرورة التخلي عن وهم المسار التلقائي، وتحليل كل حالة بواقعها، فالديمقراطية مسار معقد بلا حتمية تاريخية.

في أدبيات الانتقال الحديثة، وتحديداً في طروحات صموئيل هنتنغتون حول “الموجة الثالثة”، ومراجعات توماس كاروذرز حول “نهاية نموذج الانتقال”، نجد تشخيصاً دقيقاً لما يمر به السوريون اليوم. يشير عالم الاجتماع رالف دارندورف في كتابه “تأملات حول الثورة في أوروبا” إلى ما يسميه “وادي الدموع ” (Valley of Tears)؛ وهي تلك الفترة الانتقالية الحتمية التي تلي التغييرات الكبرى، حيث يتدهور الوضع الاقتصادي وتزداد المعاناة الاجتماعية قبل أن تبدأ ثمار الاستقرار بالظهور، ويرتبط هذا المفهوم ارتباطاً وثيقاً بمصطلح مشابه صاغه آدم برزيفورسكي وهو “وادي الانتقال” (Valley of Transition).

تُعد قصة النبي موسى عليه السلام مع بني إسرائيل النموذج التاريخي الأكمل والأكثر عمقاً لتجسيد مفهوم “وادي الدموع” بمعناه الفلسفي والاجتماعي؛ فهي لا تعرض “التيه” كمجرد عقوبة إلهية فحسب، بل كمرحلة انتقالية حتمية “لتطهير” الوعي الجمعي وتغيير البنية النفسية للمجتمع.

لقد خرج بنو إسرائيل من مصر بأجسادهم، لكن نفوسهم ظلت عالقة في العبودية لفرعون؛ فكانوا جيلاً قد تشرب الذل والهوان لسنوات طويلة، مما أفسد فطرتهم وشوه قدرتهم على تحمل مسؤولية الحرية أو القتال من أجلها. وتجلى هذا الانكسار النفسي بوضوح في ردّهم الصادم على موسى حين طُلب منهم دخول الأرض المقدسة. هذا الرفض كان دليلاً على أن “ساعة المواطن” الحر لم تحن بعد، وأن الجيل الحالي غير مؤهل لبناء الدولة المنشودة.

هنا جاء “وادي الدموع” متمثلاً في صحراء التيه لمدة أربعين سنة وكانت هذه السنوات هي “المصفاة” التاريخية القاسية؛ فخلالها تعرض المجتمع لانتكاسات هائلة تعكس تخبط المرحلة الانتقالية، من الارتداد وعبادة العجل، إلى التذمر المستمر وطلب استبدال “المن والسلوى” (طعام الكرامة السماوي) بـ “البصل والثوم” (طعام العبودية الأرضي)، والرغبة الدفينة في العودة إلى “أمان” الذل في مصر بدلاً من “مخاطر” الحرية في الصحراء.

كانت وظيفة هذا “الوادي” الزمني (الأربعين عاماً) هي السماح بـ “الفناء البيولوجي” لجيل العبودية و”الميلاد الاجتماعي” لجيل جديد تماماً، هو الذي استطاع في النهاية أن يجتاز الوادي ويحقق النصر.

إن مفهوم “وادي الدموع”، الذي صاغه رالف يقوم على حقيقة صادمة مفادها أن الانتقال من النظم الشمولية المركزية إلى نظم السوق والديمقراطية لا يسير في خط بياني صاعد فوراً، بل يخضع لما يُعرف بمنحنى (J) حيث يتوجب على المجتمع عبور “وادي الانتقال” الذي يتسم بانخفاض حاد في الاستهلاك، وتآكل في الأجور الحقيقية، وارتفاع في معدلات البطالة، قبل الوصول إلى القمم المرتفعة للإصلاح.

إن السقوط في هذا الوادي لا ينجم عن خطأ إداري بقدر ما هو نتيجة حتمية لتفكك آليات النظام القديم قبل نضوج آليات النظام الجديد. وكما يجادل برزيفورسكي، فإن الإصلاحات الهيكلية تؤدي بالضرورة إلى أزمة اقتصادية مؤقتة، حيث يتراجع الاستثمار والناتج القومي قبل أن يتعافى.

وهنا تكمن المعضلة السورية؛ فالمواطن الذي أنهكته الحرب يجد نفسه أمام استحقاق “ألم الإصلاح” في اللحظة التي كان ينتظر فيها “رخاء الحرية”، مما يخلق حالة من الشعور بالخديعة، وهو ما عبر عنه جيفري ساكس بوصفه حالة “الارتباك” التي تصيب الشعوب حين لا يجلب سقوط الديكتاتورية ازدهاراً فورياً، بل أسواقاً حرة مترافقة مع انخفاض في مستويات المعيشة.

ولذلك خلص أستاذ العلوم السياسية الأمريكي دانيال تريسمان في دراسته “الاقتصاد السياسي للتغيير ما بعد الشيوعية”، إلى أن ما كرهه الناخبون حقاً اتضح أنه ليس الإصلاح المؤلم بل الألم الناجم عنه، ولذلك وبفحص انتخابات تشريعية جرت في 10 من الدول الأكثر ديمقراطية ما بعد الشيوعية فإنه في ما يقرب من 90% من هذه الانتخابات، خسر الائتلاف الحكومي أصواتاً، ولم تكن هذه الخسائر مرتبطة بسجل الإصلاح للحكومة، بل بالأزمات الاقتصادية التي دفعت أحياناً إليه والألم الناجم عنه.

وهنا يجدر التنبيه إلى أن المسؤولين في الحكومة السورية الحالية سيتم تصنيفهم من الغالبية بالفاشلين بسبب الألم الناجم عن الانتقال والإصلاح، بينما شجاعتهم في تسلم المناصب في هذه الفترة هي تضحية بنظر المفكرين والمنظرين للمراحل الانتقالية لأنهم أحرقوا أنفسهم لتعبر الدولة “الوادي”.

يحذر العديد من الخبراء أنه خلال عبور هذا “الوادي”، هناك خطر من أن يقوم “الخاسرون” من الإصلاح بدعم الشعبويين للتصويت ضد الإصلاحيين وإعادة النظام القديم، نظراً للألم الاقتصادي. وإذا كان هناك تردد أو عدم اتساق في التدابير الاقتصادية، فمن السهل أن تضل الدولة طريقها وتضيع داخل “الوادي”، ويتطلب اجتياز “وادي الدموع” قيادة سياسية قوية وإجماعاً اجتماعياً كافياً للحفاظ على سياسات مستقرة.

كما يؤكد برزيفورسكي على أن المساعدة المالية الخارجية ضرورية جداً في السنوات الأولى المحفوفة بالمخاطر لتخفيف حدة المرور عبر هذا الوادي، ويدعو إلى “عزل” الإصلاحيين المتفانين عن ردود الفعل الشعبية الفورية، والتي قد تمنع عملية الإصلاح من الوصول إلى “التلال العليا للانتقال” (الذروة المرتفعة في الحرف J).

إن الخطر الوجودي الذي يهدد الكيان السوري في “وادي الدموع” ليس الألم الاقتصادي بحد ذاته، بل الاستجابة السياسية لهذا الألم. تشير الأدبيات إلى أن الفاعلين السياسيين المتضررين من الانتقال أو انتصار الثورات يستغلون مشاعر الشعب للتحشيد ضد “الإصلاحيين”، مطالبين بالعودة إلى سياسات الدعم القديمة أو حتى الحنين إلى استقرار الاستبداد. هذه الديناميكية هي الوقود الحقيقي لـ “عدوى الخوارزميات” التي أشرنا إليها سابقاً؛ فالخوارزمية تقتات على الألم في الوادي، وتضخمه ليتحول إلى سخط سياسي يهدد بإسقاط مسار الإنتقال برمته.

وإذا فشلت الدولة في إدارة عبور هذا الوادي بسرعة وحزم، فإن المآل سيكون الانزلاق نحو ما أسماه توماس كاروثرز “المنطقة الرمادية”، ما يجعل التداول السياسي مجرد تبادل للمواقع دون تغيير في الواقع المعاش، وهو ما يولد سخطاً شعبياً واسعاً يرى في السياسة “ممارسة جوفاء”.

استراتيجية العبور: سرعة الإنجاز وسيادة “الليفياثان”

كيف يمكن لسوريا الخروج من “وادي الدموع” وتجنب البقاء المؤبد في “المنطقة الرمادية”؟ تشير الدراسات المقارنة لملفات الانتقال في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق إلى أن “سرعة الإصلاح” كانت عاملاً حاسماً في تقليل الألم الاجتماعي، على عكس الاعتقاد السائد بأن التدرج هو الحل.

يثبت دانييل تريسمان بالأدلة أن الدول التي تبنت “الإصلاح الراديكالي” السريع عانت من انكماش اقتصادي أقل وبطالة أدنى مقارنة بالدول التي انتهجت “الإصلاح البطيء” أو التدريجي. إن إطالة أمد البقاء في الوادي تحت ذريعة التدرج لا ترحم الفقراء، بل تمنح “الرابحين من الفساد” وشبكات المصالح القديمة وقتاً أطول لإعادة تجميع صفوفهم و”أسر الدولة” لخدمة مصالحهم الضيقة.

إن العبور الآمن يتطلب شروطاً موضوعية حددها جيفري ساكس، وأهمها “القيادة السياسية” الجريئة القادرة على مصارحة الشعب بحقيقة “وادي الدموع”، و”الإجماع الاجتماعي” الضروري لتحمل تكلفة الإصلاح. وهنا يعود بنا السياق إلى ضرورة الانحياز لمفهوم الدولة “الليفياثان”؛ الدولة القوية القادرة على فرض سيادة القانون وضبط إيقاع التحول، لا الحكومة المرتبكة التي تخضع لمطالب تخص منطقة أو فئة مجتمعية.

أثبتت التجربة أن افتراض “نموذج التحول” بأن الدول تمتلك مؤسسات فاعلة وجاهزة للديمقراطية هو افتراض خاطئ في كثير من الحالات، وأن التحدي الحقيقي هو “بناء الدولة” من الصفر أو ترميم مؤسساتها المتهالكة، إلى جانب إدارة التوقعات عبر خطاب عقلاني يفكك “وهم الرخاء الفوري” ويشرح ضرورة “وادي الدموع” كمسار إجباري نحو التعافي، بدلاً من ترك الساحة لغوغائية الخوارزميات.

إن ما تشهده سوريا من “فسيفساء قلقة” وتجاذبات مناطقية وفئوية، ما هو إلا عرض جانبي طبيعي لمرارة “وادي الدموع” وغياب الثقة المؤسسية.

الحل لا يكمن في الاستسلام لهذه التجاذبات أو الانجرار خلف الشعبوية الرقمية، بل في التمسك بالدولة ككيان ضامن، وتسريع وتيرة الإصلاح لتقصير مدة البقاء في الوادي. إن الخروج من “المنطقة الرمادية” يتطلب تحويل هذه “الفسيفساء القلقة” إلى “فسيفساء مولدة” عبر عقد اجتماعي جديد يدرك أن عملية البناء المؤسساتي شاقة تتطلب صبراً مؤلماً ووعياً جمعياً يميز بين “ألم المخاض” الضروري للولادة، وبين “ألم المرض” المؤدي للموت.

ومع كل ما يقاسيه السوريون وبالنظر إلى التفاعلات الخارجية المتمثلة بالذباب الإلكتروني والخوارزميات السوقية والتحديات الكثيرة والشروخات الاجتماعية، هنالك خلاصة واضحة نلمسها في تقارير الرصد والتقييم بأن السوريين الذين عاشوا واحداً من أعقد التحولات في القرن الحادي والعشرين لديهم من الوعي ما يكفي ليعرفوا أن الدولة هي الغشاء الرقيق الذي يفصل بين الوجود والعدم، بين الحضارة والبربرية، وبين الرحمة والثأر، وبين البناء والهدم.

معاون وزير الاعلام

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى