تطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

تطور الاقتصاد السوري تحديث 28 شباط 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

تحديث 28 شباط 2026

هل تنجح سوريا الجديدة في استرداد أموال شعبها دون التفريط بالعدالة؟/ مازن الشاهين

يرى قانونيون أن الخطر يكمن في تحويل الاسترداد إلى “سوق للتنازلات”، ما يطرح أسئلة حول مقبولية التسوية المالية مقابل إسقاط الملاحقة الجنائية.

مازن الشاهين

2026-02-28

في بلد أنهكته الحرب والفساد، تبدو استعادة الأموال المنهوبة من رموز السلطة السابقة خطوة نحو العدالة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، لكن الجدل يتصاعد حول الأبعاد الأخلاقية والقانونية لهذه الخطوة، والخوف من أن تتحول العدالة إلى سلعة يهدد العقد الاجتماعي، خصوصاً إذا أفلت كبار المتورطين من العقاب، بينما يؤكد خبراء الاقتصاد أن استرجاع الأموال قد يغيّر مسار الاقتصاد، ويرى القانونيون أن الخطر يكمن في تحويل الاسترداد إلى “سوق للتنازلات”، ما يطرح أسئلة حول مقبولية التسوية المالية مقابل إسقاط الملاحقة الجنائية وآليات ضمان عدم تحول العدالة إلى صفقة، لتبقى القضية المركزية: كيف تُستعاد الأموال، ومن يحاسَب، وأين تذهب؟

تجارب دولية: بين النجاح والإخفاق

يرى الناشط السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن استرداد الأموال المنهوبة يشكل ركيزة أساسية في العدالة الانتقالية وجبر الضرر، لكنه لا يغني عن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات والمحاكمات العادلة وإصلاح المؤسسات. المبدأ واضح: المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، والتسوية لا تلغي المسؤولية الجنائية، فالمال جزء من العدالة وليس بديلاً عنها، كما تظهر تجارب جنوب أفريقيا، حيث ارتبطت العدالة الانتقالية بالمحاسبة وكشف الحقيقة وليس بالتسويات المالية فقط.

وتُظهر تجارب دول مثل المغرب وتونس والعراق أن الفصل بين التسوية المالية والملاحقة الجنائية ضروري للحفاظ على الثقة العامة وتفادي فقدان الشرعية، بينما تلعب الشفافية في إدارة الأموال المستعادة دوراً حاسماً في إعادة الثقة.

ويخلص العبدالله إلى أن استرداد الأموال وحده لا يحقق الإصلاح، فالعدالة لا تُشترى، وأي صفقة مالية مع المتنفذين السابقين قد تكرس فكرة أن الجريمة تُسوى بالمال، وتقوض مبدأ المساواة أمام القانون وتضعف القضاء، مما يهدد فرص الإصلاح البنيوي ويعيد تدوير النخب المرتبطة بالنظام السابق.

حجم الأموال المنهوبة: أرقام تخفي معاناة شعب

يقول الناشط الحقوقي محمود الدخيل في تصريحات لـ”963+” إن عائلة الأسد ورجال أعمال محسوبين على النظام السابق يمتلكون أصولاً مجمّدة ومخفية تقدّر بعشرات المليارات، وقد نقلوا أموالهم إلى دول ثالثة قبل سقوط النظام وبعده عبر شبكات تحايل على العقوبات، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن المبالغ المحوّلة تتراوح بين 30 و40 مليار دولار، إضافة إلى الأراضي والعقارات والشركات المستحوذ عليها داخل سوريا، ما يخلق معادلة واضحة: ثروة هائلة في الخارج وبلد مدمر في الداخل.

ويرى الدخيل أن المجتمع السوري يواجه معضلة بين الحاجة الماسة للأموال لإعادة الإعمار وتعويض الضحايا، ومبدأ “عدم الإفلات من العقاب”، مؤكداً أن أي تسوية مالية تصبح جريمة إذا كانت وسيلة لإغلاق ملفات الفساد دون محاكمة، فالعدالة لا تُشترى، والثقة العامة تُبنى على الحقيقة والمحاسبة، التي يجب أن تشمل من نهب المال ومن تواطأ معه، لإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع وبين القانون والسلطة.

وفي بنوك وعواصم وملاذات مالية متفرقة حول العالم، تنام ملايين الدولارات منهوبة من خزينة الدولة السورية على مدى عقود، في المقابل، يعيش آلاف السوريين في مخيمات التهجير، وتنتظر مدن بأكملها إعادة إعمار لم تبدأ بعد.

يرى المحامي نزيه بشير في تصريحات لـ”963+” أن غياب الشفافية في تتبع الأموال المنهوبة يعقّد جهود الاسترداد، والخطر الأكبر يكمن في تحويل القضية إلى “سوق للتنازلات” يدفع فيه المتهم مالاً لشراء حريته وطمس جرائمه، ما يقوّض مبدأ عدم الإفلات من العقاب ويضعف الثقة بالمؤسسات القضائية. فالمال العام حق مشترك للسوريين، ومسؤولية حمايته واجب دستوري، والاقتصار على استرجاع الأموال دون محاسبة جنائية يحوّل الجريمة الاقتصادية إلى استثمار مغرٍ للمستفيدين ويضعف هيبة القضاء، فيما القانون الدولي ومبادئ العدالة الانتقالية تشدد على أن مكافحة الفساد لا تكتمل إلا بالمحاسبة الجزائية.

ويشير بشير إلى أن المفاوضات غير الرسمية بعد سقوط النظام، القائمة على مبدأ “أعد المال واذهب بسلام”، تنطوي على مخاطر بالغة، إذ تساوي بين الجرائم المالية وجرائم الدم، وتُفقد الضحايا فرصة محاكمة من ظلمهم، وترسّخ فكرة أن السلطة تعمل بمنطق الصفقات وليس القانون. ويخلص بشير إلى أن استعادة الأموال دون محاكمة ليست عدالة انتقالية، بل مساومة على العدالة، ومن يساوم عليها يفتح الباب أمام فساد جديد.

مقترح قانوني نحو سياسة وطنية شاملة لاسترداد الأموال

قاضٍ سابق، تحدث لـ”963+” بشرط عدم الكشف عن اسمه، عن مجموعة من الخطوات العملية لبناء سياسة وطنية متكاملة في هذا الملف، من بينها: إقرار قانون خاص باسترداد الأموال والأصول المنهوبة، يحدد تعريفاً دقيقاً للأموال المتأتية من الفساد، وصلاحيات الجهات القضائية والرقابية، وآليات التعاون الدولي وتجميد الأصول في الخارج، وأيضاً إنشاء هيئة وطنية مستقلة لاسترداد الأموال المنهوبة، تضم ممثلين عن: وزارة العدل والنيابة العامة، وزارة المالية والجهات الرقابية المالية، وخبراء في القانون الدولي والجرائم الاقتصادية، مع ضرورة الانخراط الفعّال في المبادرات الدولية الخاصة باسترداد الأصول، بما فيها شبكات التعاون الإقليمي، لضمان تتبع الأموال المهرّبة ورفع السرية المصرفية عنها حيث أمكن، وأيضاً ربط ملف استرداد الأموال بملف “العدالة الانتقالية” الأوسع، بحيث تُعتبر الأموال المستردة جزءاً من مسار جبر الضرر ورد الاعتبار للضحايا والمجتمع، لا مجرد عملية مالية معزولة عن سياق الانتهاكات الأوسع التي ارتكبها النظام السابق.

ويتساءل: هل ستنجح سوريا الجديدة في استرداد أموال شعبها دون التفريط بالعدالة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن اليقظة المجتمعية والضغط الشعبي هما الضمانة الوحيدة لعدم تحويل الملف إلى صفقة جديدة على حساب السوريين، فالدولة التي تسعى لإعادة بناء عقدها الاجتماعي لا يمكن أن تبدأ بتسوية الجرائم الكبرى عبر اتفاقات مالية مغلقة.

المسارات القانونية لاسترداد الأموال: ما بين القضاء والتسوية

يرى الخبير القانوني عماد الدين شهاب في تصريحات لـ”963+” أن الخيار ليس محصوراً بين “استعادة المال بصفقة” أو “لا مال ولا محاكمة”، فهناك مسارات قانونية واضحة نجحت في دول مرت بتجارب مماثلة.

ويقترح شهاب إنشاء محاكم وطنية متخصصة في قضايا الفساد الكبير للبت في الجانبين الجنائي والمدني، وفتح تحقيقات رسمية في الجرائم المالية المرتبطة بالمسؤولين الكبار، وإصدار أحكام تتضمن تجريم الأفعال ومصادرة الأموال والأصول داخل البلاد وخارجها بالتنسيق مع الجهات الدولية، مع ضمان المصادرة الجنائية استناداً إلى حكم قضائي نهائي.

ويشير شهاب إلى أن التسويات المالية ممكنة فقط تحت رقابة قضائية، بحيث تخفف العقوبة دون إسقاط التهم، مع الاعتراف بالذنب وتعويض شامل، حفاظاً على استمرار المسؤولية الجنائية.

ويختم بأن أي مقايضة بين المال والعدالة تُرسّخ الفساد وترسخ فكرة أن الجريمة مربحة والعقاب مرن، مؤكداً أن استرداد الأموال المنهوبة لا يكتمل إلا بالمحاسبة، فالأموال حق للشعب، والعدالة والمحاسبة يجب أن تسيران معاً لإرساء دولة القانون وتجنب دولة الصفقات.

إلى أين تذهب الأموال المستعادة؟

الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد أكد في تصريحات لـ”٩٦٣+” إذا كان استرداد المال شرطاً أساسياً للعدالة، فإن طريقة إدارة هذا المال لا تقل أهمية عن استرداده نفسه، فالأموال المستعادة هي مال عام، ويجب أن تُدار بشفافية مطلقة، من خلال صندوق وطني خاص تحت إشراف قضائي وبرلماني مباشر، مخصص لتعويض الضحايا كأولوية أولى، خصوصاً عائلات الشهداء والمعتقلين السابقين والمفقودين، وتخصيص نسبة لدعم الخدمات العامة المنهارة (مستشفيات – مدارس – بنية تحتية)، وبرامج إعادة الإعمار في المناطق الأكثر تضرراً، مع نشر تقارير ربع سنوية مفصلة حول حجم الأموال الواردة والمصروفات يضمن معرفة المواطنين بحجم الأموال المستردة وأوجه صرفها، وهو ما يمنح هذه العملية شرعية اجتماعية، ويحّولها من مجرّد إجراء مالي إلى ركن من أركان العدالة الانتقالية.

ويختم مراد في ميزان العدالة، لا يمكن اختزال حقوق السوريين في أرقام تُضاف إلى حسابات الخزينة العامة أو صندوق خاص، مهما بلغت قيمتها، فالمال المنهوب ليس مجرد عجز في الموازنة أو فجوة في ميزان المدفوعات، بل تجسيد لعقود من الفساد والإفلات من العقاب وتهميش المجتمع عن مراقبة ثرواته وقرارات حكامه، من هنا، تبدو “استعادة الأموال” خطوة ضرورية، لكنها لا تكتمل إلا حين تقترن بـ “محاسبة قضائية جدية”، و”إدارة شفافة” لتلك الأموال لصالح عموم السوريين، والتزام صارم بمبدأ أن العدالة ليست صفقة، وأن الثروة المستردة ليست ملكاً للسلطة الجديدة، بل حقٌ للشعب لا يقبل المساومة.

+963

—————————–

المركزي” يمدد فترة التعايش لاستبدال العملة السورية

قرر البنك المركزي السوري تمديد فترة التعايش بين العملة السورية، القديمة والجديدة، لمدة شهرين إضافيين، معللًا ذلك بضمان عملية سلسة ومنتظمة.

وقال حاكم بنك سوريا المصرفي، عبد القادر حصرية، في لقاء له على قناة “الإخبارية” الرسمية، الجمعة 27 من شباط، إن البنك استبدل أربعة مليارات قطعة نقدية من العملة القديمة من أصل 14 مليار.

ويأتي التمديد اعتبارًا من نهاية آذار المقبل وحتى نهاية أيار الذي يليه.

وأوضح أن نسبة العملة المستبدلة تبلغ 35% من الكتلة النقدية خلال ثمانية أسابيع من تاريخ طرح العملة الجديدة.

الحصرية ذكر في مقابلة مع صحيفة “ذا ناشيونال” نشرتها في 23 من شباط الحالي، أن المصرف استبدل ما يعادل 14.350 تريليون ليرة سورية، من أصل 41 تريليون ليرة، كانت متداولة نقدًا قبل إصلاح العملة.

ورغم تحديد الحاكم حجم النقد القديم المتداول بـ 41 تريليون ليرة سورية، إلا أنه سبق وصرح خلال مؤتمر صحفي في كانون الأول 2025، أن “حجم النقد السوري المصدر المسجل على دفاتر الميزانية لدى المركزي يبلغ 42 تريليون ليرة سورية قديمة”.

عنب بلدي واكبت في شباط الحالي، عمل فريق مختص من الجهاز المركزي للرقابة المالية، خلال قيامه بالإشراف على “عمليات استلام وعد وفرز وإتلاف دفعة جديدة من الأوراق النقدية القديمة”، وذلك بعد نقلها من مراكز الاستبدال إلى فروع المركزي بالمحافظات حتى انتهى بها الأمر في مدينة المعارض على طريق دمشق الدولي.

ورصدت عدسة عنب بلدي المراحل المتعلقة بآلية التعامل مع الأوراق النقدية من العملة السورية القديمة من فئات (خمسة آلاف وألفين وألف) ليرة سورية حتى إتلافها بفرامات الورق.

شهران على إطلاق العملة

وكان الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وحاكم المركزي، الحصرية، كشفا عن العملة السورية الجديدة، في 29 من كانون الأول 2025، وذلك خلال حفل في قصر “المؤتمرات” بدمشق.

وقال الشرع، إن هناك الكثير من المفاهيم يجب توضيحها خلال مرحلة تبديل العملة، أولها أن تعديل الأصفار وحذف صفرين من العملة لا يعني تحسن الاقتصاد وإنما هو لسهولة التعامل بالعملة.

وتضمنت العملة الجديدة، ست فئات احتوت على سلع تشتهر سوريا بإنتاجها.

    فئة 10 ليرات سورية تضمنت رمز الوردة الدمشقية.

    فئة 25 ليرة سورية تضمنت رمز التوت الشامي.

    فئة 50 ليرة سورية تضمنت رمز الحمضيات.

    فئة 100 ليرة تضمنت رمز القطن السوري.

    فئة 200 ليرة تضمنت رمز الزيتون السوري.

    فئة 500 ليرة سورية تضمنت رمز القمح السوري.

وبالرغم من مرور شهرين على طرح العملة الجديدة، مايزال تداولها ضعيف جدًا بالأسواق، حتى أن بعض مراكز الصرافة تمتنع عن استبدال العملة بدعوى عدم توفرها، وفق ما رصدت عنب بلدي.

من جانبه أصدر المركزي، في كانون الأول 2025، قرارًا يتضمن التعليمات التنفيذية لأحكام المرسوم رقم “293” لعام 2025 الخاصة باستبدال العملة الوطنية، وحدد مدة الاستبدال بـ 90 يومًا قابلة للتمديد وفقًا لأحكام القرار، على أن يصدر حاكم مصرف سوريا المركزي قرار التمديد قبل 30 يومًا من انتهاء المهلة المحددة.

—————————–

======================

تحديث 27 شباط 2026

—————————–

 الفساد الأكبر: هل تعود مليارات سوريا المنهوبة من الخارج؟/ ناظم عيدالجمعة

2026/02/27

في خطوة وُصفت بـِ “الجريئة”، أطلقت الحكومة السورية أخيراً برنامج الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع، عبر لجنة متخصّصة هي “لجنة مكافحة الكسب غير المشروع”، التي عزت الخطوة إلى الالتزام بتوصيات الأمم المتحدة ذات الصلة بمعالجة حالات الكسب غير المشروع، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون.

واعتبرت الحكومة هذا البرنامج فرصة استثنائية لمن لديه كسب غير مشروع ويرغب في إزالة آثاره وتبعاته القانونية، على أساس أن “إعادة الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة تُعد آلية صفح تندرج ضمن إطار العدالة الانتقالية والسلم الأهلي”.

إلا أن الملف الأصعب يتعلق بمروحة واسعة الطيف تخص أموالاً منهوبة تندرج ضمن قائمة “الكسب غير مشروع”، لكنها خارج البلاد في أصقاعٍ متفرقة من العالم. فماذا عنها وكيف يمكن استعادتها؟

هاجس بحجم أزمة

بالفعل لعله عنوان بالغ التشويق لكل سوري: “استرداد الأموال المنهوبة”، لا سيما في زمن التحديات الكبرى واستحقاقات الإنفاق التي تندرج في سياق ورشة إعادة الإعمار، والتي قدّر البنك الدولي تكلفتها بحوالي 216 مليار دولار، في أحدث أرقام رشحت عن هذه المؤسسة الدولية. فيما خرجت أرقام أخرى انطوت على متوالية تصاعدية، وتم تداول تقديرات التكلفة بما بين 600 و900 مليار دولار بشكل غير رسمي، بناء على توالي اكتشاف تفاصيل محورية تتعلق بحجم الانهيار العام في سوريا، وإلحاح إعمار كل ماهُدّم وتهدّم، وبالتأكيد يشمل ذلك كل الملامح في هذه البلاد الخارجة للتو إلى فضاء جديد.

من هنا يجزم خبراء بحتمية البحث عن سبل استرجاع كل دولار وكل ليرة سورية منهوبة. وتشكل هذه الأموال ضرورة بالغة الخصوصية لجهة أهمية إعادتها، ثم لجهة كتلتها الهائلة التي يمكن أن تلبي حيزاً من الاستحقاق الكبير الراهن والمقبل.

سرقات بحجم موازنات دول

في الواقع، ليس هناك رقم دقيق بخصوص حجم الأموال السورية المنهوبة. ولكن التقديرات هي في خانة مليارات الدولارات. وتشير تقارير (مثل الخارجية الأمريكية) إلى أن ثروة آل الأسد قد تتجاوز 12 مليار دولار، بينما تشير تقديرات وتقارير أخرى إلى أن هذه الشبكة المالية المعقدة قد تصل قيمتها إلى 122 مليار دولار، “وهو ما يعادل أكثر من عشرة أضعاف حجم الاقتصاد السوري”، وتشمل الأصول المجمدة في سويسرا وفي الخارج، وشركات وهمية، وأصولاً عقارية في دول مختلفة .. وثمة إشارات واضحة إلى أموال ناتجة عن تجارة الكبتاجون.

بالطبع معظم ما سبق يتعلق بأموال آل الأسد، لكن إن تحدثنا عن منظومة مزمنة في السلطة، ستشمل الدائرة أسماء كثيرة تندرج ضمن إطار “فساد السلطة”. وكتلة الأموال الكبيرة كلها مودعة في حسابات لدى بنوك خارجية من لبنان إلى دول الخليج إلى تركيا ثم أوروبا، إضافة إلى أصول منتشرة في كل أصقاع العالم.

أدوات استرداد متاحة

ينصب التركيز الآن على سبل إعادة هذه الأموال التي هي حق لسوريا والسوريين. ويرى خبراء أن على الحكومة السورية وضع ترتيبات إجرائية معلنة والسعي عبرها بكل السبل السيادية لاسترداد هذه الأموال.

وعلى الأرجح يدرك مسؤولو الحكومة السبل القانونية المتاحة لاعتمادها كخيار دولة في هذه المهمة الشاقة.

فهناك اتفاقية دولية لمكافحة الفساد موقعة منذ العام 2005 يمكن أن تكون وعاء قانونياً لتعاطي سوريا مع الدول المضيفة للأموال المنهوبة نقداً أو أصولاً.

وبالعموم، ثمة إطار عام قانوني دولي لاستعادة الأموال السورية المنهوبة، متضمن في معايير منظمة الشفافية الدولية. وهناك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد UNCAC “لم توقع عليها سوريا، ثم اتفاقية مكافحة الرشوة التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD “أيضاً سورية ليست عضواً فيها.

إضافة إلى اتفاقية المساعدة القانونية المتبادلة MLATs  أيضاً سوريا ليست عضواً فيها.. وهناك اتفاقية مكافحة الفساد العربية، وسوريا طرف فيها بحكم عضويتها في الجامعة العربية.

فقد يكون من بالغ الأهمية انضمام سوريا إلى الاتفاقيات الخاصة باستعادة الأموال المنهوبة، من أجل التحرك بموجبها للمطالبة بحقوق شعبها بشكل قانوني، يعزز موقفها في إجراءات التقاضي ـ وربما المنازعات ـ التي قد تحصل بسبب تحفظ دول على ما لديها من أموال مسروقة عائدة لسوريين، وهذا وارد خصوصاً مع الدول التي ستتمترس خلف مزاعم السرية المصرفية، وإجراءات ضمان وحماية الأصول الأجنبية. لكن بكل الأحوال، نتحدث هنا عن خارطة الطريق التي يجب أن تسلكها الحكومة السورية.

خيارات مطروحة

وفقاً لمقتضيات القوانين الدولية، بإمكان سوريا طلب المساعدة لمتابعة هذه الأصول، ومن الأفضل للسلطة السورية أن تتواصل مباشرة مع سلطات الدول التي يُعتقد أن الأصول موجودة فيها، وأن تطلب منها المساعدة.

وفي حال صدّقت سوريا على اتفاقية “UNCAC”، سيصبح الأمر أسهل، لأن استرداد الأصول يقوم بدرجة كبيرة على التعاون، وكلما انخرطت سوريا في آليات تعاون أكثر، ازدادت فرص الحصول على شركاء رسميين وسهُل الأمر.

ووفقاً للقوانين الدولية، يمكن لسوريا تتبع الأموال واستعادتها والاستعانة بلجان وفرق قانونية ومالية متخصصة قادرة على كشف ومعرفة الشركات الوهمية والحسابات السرية، وتتبع التحويلات البنكية لعائلة الأسد.

كما يمكن للحكومة السورية توقيع اتفاقيات تعاون مع بعض الدول التي يُتوقع أنها ملاذ لإخفاء أموال منهوبة بأسماء مستعارة أو وكلاء.

ملف شائك ومعقّد

الموضوع شائك بكل المقاييس فعلاً، لكن رغم ذلك لا بد من التحرك باتجاه مقاربات جادة وحثيثة لهذا الملف وبشكل ممنهج ومدروس. هنا يجد الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عيّاش أن موضوع موقع وحجم أصول نظام الأسد البائد، لا سيما الخاصة منها (عائلة الأسد وشركاؤهم) مسألة بالغة التعقيد.

ويشير في حديث إلى “المدن” إلى أن بعض المصادر أكدت أن صافي أموال عائلة الرئيس المخلوع في الخارج يقدر بحدود مليار إلى ملياري دولار، وهو جزء من شبكة معقدة تتنوع بين الأصول المادية، والمجوهرات، والأصول الاستثمارية، والمركبات الفارهة.

ويجب التفريق في عمليات التتبع والاسترداد بين أموال النخب الحاكمة (أصول خاصة)، فهي تبقى خاصة ما لم يثبت أنها نتاج فساد، عبر إجراءات قضائية محددة. والأصول السيادية التي تُنسب مباشرة إلى الدولة نفسها، مثل الحسابات الحكومية أو الحصص التي تملكها الدولة في الخارج.

ويرى أن طرق تتبع واسترداد هذه الأصول تختلف وتتباين. إذ تمثّل أصول الأشخاص من النخب الحاكمة تحديًا كبيرًا أمام المنظمات والدول التي تحاول تعقبها أو تجميدها بسبب الطرق الملتوية في إخفاء هذه الأصول.

ولذلك قد يكون من الأنسب تفويض الحكومة السورية لبعض المنظمات المختصة تعقب واسترداد الأصول، كما جرى في العراق وليبيا.

والمرجح أن الجزء الأكبر من أصول عائلة الأسد الهارب كان موزعًا في حسابات شخصية مختلفة ضمن شبكة من الشركاء والمقربين.

فكفكة التجميد أسهل

لكن من حيث المبدأ، يعتبر الخبير الاقتصادي أن عملية فك تجميد واسترداد الأصول الحكومية، أسهل بكثير من فك تجميد واسترداد الأموال الخاصة، إذ تكون عادة قرارًا سياسيًا أو إجراء قضائيًا بسيطًا، بخلاف الأصول الخاصة بالأفراد أو الشركات، التي تحتاج إلى إجراءات قضائية طويلة ومعقدة، لإثبات أن هذه الأصول هي من نتاج الفساد.

فوفق تصريح وزير المالية السوري، في 22 أيار الماضي، أن الأموال المجمدة في الخارج ليست كبيرة، لكنها ملك للشعب السوري وسيتم توظيفها وفقًا لأولويات احتياجات البلاد الاقتصادية.

وكذلك يحاول المصرف المركزي السوري استرداد أصوله المجمدة في الخارج بعيدًا عن أموال الأسد، على اعتبار أن تتبع وفك تجميد واسترداد الأصول السيادية أقل تعقيداً وأيسر من تلك المتعلقة بالأصول الخاصة.

خطوة عملية

والجدير ذكره أن رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش السورية عامر العلي، والوفد المرافق، عقدا لقاءً في الدوحة مع وفد من مبادرة استرداد الأموال المنهوبة (ستار)، في إطار تعزيز التعاون وبناء القدرات المؤسسية لاستعادة الأموال المنهوبة وبحث سبل دعم سوريا في مجال استرداد الأصول، وبناء القدرات المؤسسية، وتوفير الخبرات الفنية والتقنية اللازمة، بما يسهم في تعزيز جهود الهيئة في مكافحة الفساد وحماية المال العام

—————————–

بين السوق السوداء ومتطلبات رمضان.. شحّ الغاز يضاعف الأزمة الاقتصادية للسوريين/ دينا عبد

26 فبراير 2026

ألقت أزمة الغاز المنزلي بظلالها الثقيلة على حياة السوريين في توقيت بالغ الحساسية، مع اشتداد البرد وحلول شهر رمضان، ما ضاعف من حجم المعاناة اليومية للأسر. وقد أدى نقص أسطوانات الغاز وارتفاع أسعارها في السوق السوداء إلى إرباك واسع، ما أعاد كثيرين إلى بدائل قديمة ومكلفة، في ظل ضغوط اقتصادية متفاقمة.

وامتدت تداعيات الأزمة لتشمل مختلف القطاعات، من العائلات محدودة الدخل إلى أصحاب المهن والأفران والمطاعم، الذين يعتمدون على الغاز كمادة أساسية في أعمالهم. وبين تبريرات تتعلق بالأحوال الجوية وقرارات رفع تعرفة الكهرباء، تتصاعد تساؤلات حول إدارة الإمدادات وآليات التوزيع، في وقت تتزايد فيه مخاوف الاحتكار واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق.

معاناة متجددة

يبيّن حسام الدين، وهو موظف وأب لثلاثة أولاد، معاناته في تأمين أسطوانة الغاز، حيث قال: “نعاني منذ قرابة شهر من نقص الغاز. كل يوم أذهب إلى محلات توزيع الغاز وأعود خالي الوفاض، فقد اختفت الأسطوانات بين ليلة وضحاها، ونادرًا ما نجدها”. وأشار في حديثه لموقع “الترا سوريا” إلى أن نقص الغاز أجبر العائلات على اللجوء إلى بدائل غير صحية مثل الحطب والفحم وبوابير الكاز، ما زاد من الأعباء المالية وعرّض صحة البعض للخطر بسبب الأدخنة والغازات.

أما رشا، وهي معلمة وأم لطفلين، فتؤكد لـ”الترا سوريا” أن فقدان أسطوانات الغاز بات يشكل مشكلة كبيرة، فبعض العائلات تعتمد بشكل كامل على الغاز في التدفئة. وبالتالي، عندما تتوفر أسطوانات الغاز وبكميات قليلة، تُباع بأضعاف سعرها. ولفتت إلى أن سعر أسطوانة الغاز وصل إلى 35 دولارًا، ما يعادل 400 ألف ليرة، في حين أن سعرها الرسمي وفق تسعيرة الدولة هو 125 ألف ليرة.

كما لم تؤثر أزمة انقطاع الغاز على العائلات فقط، بل طالت أصحاب الحرف والأفران والمطاعم الذين يعتبرون الغاز المادة الأساسية لعملهم. وهو ما أوضحه أبو رامز، صاحب مخبز، إذ يعتمد على الغاز في تشغيل فرنه الذي يشكل مصدر رزقه الوحيد، لكن مع ندرة أسطوانات الغاز أصبح مضطرًا لإغلاق المخبز لعدة أيام في الأسبوع.

نقص الإمدادات وزيادة الطلب

يرجع أبو مناف، وهو بائع غاز، أسباب غياب الغاز المنزلي وارتفاع أسعاره إلى نقص الإمدادات وزيادة الطلب عليه، خاصة في شهر رمضان المبارك. ولفت في حديثه لـ”الترا سوريا” إلى أن الناس يتصارعون للحصول على أسطوانة الغاز، وأحيانًا تصل كميات محدودة لا تكفي حتى لربع المنتظرين.

وأشار إلى أن الأسر الفقيرة هي الأكثر تضررًا لحاجتها إلى الغاز المنزلي للطبخ، بينما تستطيع الفئة المقتدرة الاستعاضة عنه بالكهرباء المتوفرة عبر “الطباخ الليزري”، ولا تجد مشكلة في دفع فواتير باهظة.

وجد أبو حسن نفسه مضطرًا للعمل في تصليح بوابير الكاز تحت ضغط حاجة الناس، الذين اصطفوا طوابير أمام محله في حي المناخلية، في ظل نقص مادة الغاز المنزلي وعدم قدرتهم على شرائه بأسعار السوق السوداء.

يتقاضى أبو حسن أجورًا رمزية لا تتجاوز 50 ألف ليرة، ويقوم بإصلاح ما يقارب 5 إلى 6 بوابير يوميًا لمواطنين قادمين من ريف دمشق البعيد. وذكر أن فقدان الغاز لا يقتصر على حي أو منطقة، بل يشمل أحياء دمشق كافة، مع نفاد سريع لأي كميات تصل إلى السوق.

من جانبه، أوضح رئيس جمعية الغاز سليم كلش، في تصريح لـ”الترا سوريا”، أن جزءًا من النقص كان بسبب الأحوال الجوية التي أعاقت تفريغ باخرة الغاز في الميناء، داعيًا المواطنين إلى عدم شراء الغاز بأسعار غير نظامية.

من زيادة تعرفة الكهرباء إلى الظروف الجوية

يعتبر الخبير الاقتصادي والأكاديمي، زياد عربش، أنه وعلى خلاف ما يتم طرحه من عوامل، بما فيها الأحوال الجوية، فإن رفع أسعار الكهرباء أدى إلى زيادة حادة في الطلب على الغاز المنزلي، حتى لأصحاب المحلات، لأغراض التدفئة بدلًا من الوشائع، والطبخ بدلًا من الطباخ الليزري، وتسخين المياه بدلًا من الكهرباء، ما أثار أزمة غاز حادة تفاقمت مع ضرورات استهلاك الشهر الكريم، الذي تنتظره الأسر السورية لتجتمع على موائده.

وأضاف الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ”الترا سوريا” أن هذه الأزمة أعادت المواطن إلى بدائل قديمة وخطرة، ففي ظل الضغوط الاقتصادية يُباع الغاز بأضعاف سعره عند توافره، مع غياب إجراءات مواكبة مثل فهم معاملات الإحلال والاستبدال.

وأشار عربش إلى أن أسباب أزمة الغاز تعود بشكل رئيسي إلى رفع تعرفة الكهرباء بنسب تصل إلى 600% من دون سياسة شاملة، ما أدى إلى تحول فوري نحو الغاز بوصفه الخيار الأرخص نسبيًا للأسر رغم نقصه. وأوضح أن هذا الإحلال غير المدروس، مع سعة تخزين محدودة، والتي زادت حدتها مع الأحوال الجوية في ميناء التنزيل، أدى إلى اختناقات في نهاية الشتاء وبداية رمضان، خاصة مع تأخر الإمدادات بسبب الظروف الجوية واللوجستية.

غياب الشفافية سمح باحتكار الغاز

في السياق ذاته، لفت الخبير الاقتصادي إلى أن غياب الشفافية سمح باحتكار المادة، مضيفًا أن أزمة الغاز أعادت الاعتماد على الفحم و”بابور الكاز” الذي يعمل على الكيروسين المنزلي، مع بيع الغاز في السوق السوداء بأضعاف سعره الرسمي، حيثُ يصل سعر الأسطوانة الواحدة إلى حوالي 400 ألف ليرة.

كما تطرق عربش إلى دور “البطاقة الذكية” في السنوات الماضية، موضحًا أنه: “أُلغي العمل بها لصالح التوزيع الحر، لكن في أزمة كالتي نمر بها من المرجح جدًا أن نشهد انفراجًا خلال أيام معدودة، وهذه ليست وعودًا بل بفعل توازنات السوق وانتهاء البرد القارس”.

وأضاف “قد تكون عودة البطاقة الذكية أسهل للأسر الفقيرة، خاصة فيما يتعلق بفواتير الكهرباء، إذ إن هناك أسرًا لا تملك حتى مصدر دخل ثابت، فالحصول على أسطوانة أو استهلاك الكهرباء يعتمد على القدرة المالية، ما يتطلب فرض رقابة صارمة لتحقيق أكبر قدر من العدالة والحد الأدنى من كفاءة السوق الحر غير المنظم”.

في المحصلة، تكشف أزمة الغاز عن خلل واضح في إدارة التسعير وسياسات الدعم، مقابل تراجع القدرة الشرائية للأسر. وبين نقص الإمدادات وارتفاع الطلب، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، عالقاً بين سوق سوداء تستنزف دخله وبدائل لا تخلو من المخاطر، ما يفرض الحاجة إلى حلول عملية وشفافة تعيد الاستقرار إلى السوق.

—————————–

فاتورة الكهرباء في سوريا أعلى من راتب الموظف!/ رماح إسماعيل

الجمعة 27 شباط 2026

تقنين ساعات التغذية بالكهرباء اليوم لا تفرضه الدولة السورية الجديدة، فالتغذية الكهربائية ومنذ شهرين تقريباً تغطي أغلب ساعات اليوم، وتصل إلى البيوت في مختلف المناطق السورية. من أصل 24 ساعة تصل ساعات التغذية لحوالي 20 ساعة مقابل 4 ساعات قطع موزعة. إذاً «أين التقنين؟». سريعاً تأتي إجابة السوريين بأنّهم أنفسهم يقننون الكهرباء، «عن سابق إصرار وتصميم»، وذلك بفصل القواطع تارةً، وإطفاء كل الأدوات الكهربائية والإنارة تارةً أخرى. فقيمة فاتورة الكهرباء بعد رفع الدعم تساوي 80% تقريباً من قيمة راتب الموظف.

إذاً يبدو أن قدر السوريون وسوريا هو تقنين الكهرباء بشكل طوعي أو إلزامي. فانقطاع التيار الكهربائي لم يعد طارئاً، وتفرضه الظروف مثل نقص الفيول واستهداف خطوط نقل التيار الكهربائي فضلاً عن تبعات الحصار الاقتصادي، وهي الأسباب التي كان يطرحها النظام السوري السابق عندما كانت الكهرباء تصل إلى منازل السوريين 5 ساعات فقط من أصل 24 ساعة.

في سنوات الحرب تحوّلت الكهرباء في سوريا من حق بحد ذاته إلى قضية معيشية. ومن يريد اليوم أن يتنعم بالكهرباء سيضحي حتماً براتبه الشهري و«فوقه حبة مسك»، لأن الراتب الذي تعادل قيمته الوسطية مليون ليرة سورية، يساوي قيمة فاتورة الكهرباء، لو كانت متدنية، لعائلة تستهلك الطاقة بشكل معتدل. أما العائلات التي تريد الاستفادة من المياه الساخنة والتدفئة الكهربائية، فتنتظرها «فاتورة سوداء»، وفقاً لتعبير السوريين المقيمين في سوريا، قد تبلغ ملايين الليرات السورية.

«ما متنا بس شفنا مين مات»، هذا ما يقوله محمد من أهالي مدينة طرطوس عند حديثه عن واقع الكهرباء في سوريا. الفواتير بقيمتها المعدّلة أو الجديدة لم تصل بعد إلى محافظته، وآخر دورة من الفواتير دفعها على التسعيرة القديمة. لكن الدورة المقبلة ستكون على التعرفة الجديدة، والتي أرهقت جيوب أهالي دمشق وجعلت أصواتهم تعلو أمام وزارة الطاقة لإعادة النظر في سعر الكيلوواط ساعة الذي زاد 70 ضعفاً تقريباً عن التسعيرة التي اعتمدتها الحكومة السابقة قبل سقوط النظام. وهذا الواقع يجعل أهالي المحافظات الأخرى ينتظرون «القدر المحتوم»، مع صدور الدورة الجديدة وأرقامها المليونية.

التبرير الرسمي لرفع التسعيرة!

على إثر سقوط النظام السوري السابق، انقطعت الإمدادات النفطية المرسلة من إيران بشكل كامل، ما وضع الإدارة الجديدة أمام واقع صعب لناحية قدرتها على تشغيل المعامل الحرارية وإنتاج الكهرباء. فقد تبيّن أن هذا القطاع يسجّل خسائر تقارب ملياري دولار سنوياً، إضافة إلى فاقد في الشبكات، أي هدر تقني وغير تقني، يتجاوز نسبة 30% نتيجة التعدي على الشبكات وتهالك البنية التحتية. كما أن سعر بيع الكيلوواط ساعة كان بحدود سنت واحد فقط، في حين أن تكلفة إنتاجه الحقيقية تصل إلى نحو 15 سنتاً.

في ظل هذه المعطيات، وجدت الدولة السورية أنّها لم يعد بإمكانها مواصلة نهج الدعم الشامل كما كان معمولاً به سابقاً، ليس بسبب غياب الإرادة، بل لانعدام مصادر تمويل بديلة قادرة على تغطية الفجوة نفسها. فالمنظومة التي اعتمدت على النفط الإيراني شبه المجاني انهارت بسقوط الدولة السورية، ما يعني حكماً أنّ النموذج فقد قدرته على الاستمرار في ظلّ الواقع الجديد. واليوم أي بديل للنفط الإيراني يحمل صفة مستثمر، والمستثمر يريد تحقيق الأرباح.

الحكومة الحالية بررت ارتفاع تسعيرة الكهرباء بأنها تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى تحقيق توازن بين دعم الفئات ذات الدخل المحدود واستدامة الإمدادات الكهربائية، مع الحفاظ على العدالة في توزيع الكلفة بين القطاعات، وتشير البيانات الرسمية إلى أن قرار تعديل التسعيرة يأتي استجابةً للضغوط الاقتصادية الكبيرة التي يتعرض لها القطاع، بسبب ارتفاع تكلفة الوقود من جهة وتراجع الإنتاج المحلي من الغاز من جهة ثانية، ما يتسبّب في خلق فجوة تمويلية كبيرة لدى الدولة.

وبحسب وزارة الطاقة، يُعدّ تعديل على فاتورة الكهرباء واحداً من أبرز الخطوات الإصلاحية في قطاع الطاقة السوري منذ سنوات، ويهدف إلى تعزيز الكفاءة، وتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية، وتقليص الهدر التقني، ضمن خطة وطنية لإعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس مستدامة.

لكن ردم الفجوة التمويلية وتعويض الفاقد جاء على حساب جيوب المواطنين السوريين، ما جعل التسعيرة الجديدة للكهرباء بمثابة عبء «يفقر الفقير» ويراكم ديونه.

بين النظامين السابق والحالي: كيف اختلفت التعرفة؟

سابقاً، كان الاستهلاك المنزلي من الكهرباء يحتسب على شكل عدّو شرائح:

الشريحة الأولى: من 0 حتى 600 كيلوواط، تبلغ تكلفة الكيلوواط ساعة 10 ليرات فقط.

الشريحة الثانية: من 601 إلى 1,000 كيلوواط، تبلغ تعرفة الكيلوواط ساعة فيها 25 ليرة سورية.

أما الآن، وبحسب التعرفة الجديدة للكهرباء في سوريا، اعتمد نظام شرائح متفاوتة وفق حجم الاستهلاك، إذ حُدد سعر الكيلوواط ساعة في الشريحة الأولى، أي الشريحة ذات الاستهلاك المنخفض بنحو 600 ليرة سورية. وهذه الشريحة مدعومة بنسبة 60% من تكلفة الإنتاج. بينما ارتفع سعر الكيلوواط ساعة في الشريحة الثانية، ذات الاستهلاك الأعلى، إلى نحو 1400 ليرة. أما الشريحة الثالثة، والخاصة بالمؤسسات الحكومية والتجارية، فقد بلغت نحو 1700 ليرة، في حين سُعّرت الشريحة الرابعة المخصصة للمعامل الكبيرة والصناعات الكبرى بنحو 1800 ليرة للكيلوواط ساعة، وهي الأعلى ضمن التعرفة المعتمدة.

على سبيل المثال، الأسرة المؤلفة من 3 على 5 أشخاص، والتي تسكن منزلاً عادياً تستهلك من 8 إلى 15 كيلوواط ساعة يومياً، أي ما يعادل 450 كيلوواط ساعة شهرياً على أكبر تقدير. تحتسب الفاتورة على الشكل التالي:

أول 300 كيلوواط ساعة ثمنها 600 ليرة سورية، أي تخضع للثمن المحدّد في الشريحة الأولى.

وما يتبقى من الاستهلاك، أي 150 كيلوواط، فتخضع لتسعيرة الشريحة الثانية، أي 1400 ليرة سورية.

ما يعني أنّ هذه الأسرة ستدفع شهرياً ما يعادل 400 ألف ليرة سورية. وبما أن الفاتورة تصدر عن كل شهرين، فالسوري يدفع قرابة 800 ألف ليرة من راتبه ثمن للكهرباء كلّ شهرين.

وهذه الفرضية التي تم تحليلها هي لأسرة تقنن في استهلاك الكهرباء وتقتصر في يومياتها على تشغيل الضروريات، ما يعني أنّها لا تنتمي لـ«نادي المرفهين» الذين يعمدون إلى تشغيل التكييف خلال ساعات اليوم، أو الطهي على «الطباخ الكهربائي». ففي هذه الحالة تتجاوز قيمة الفاتورة المليون ليرة سورية.

الكهرباء للضرورة والطاقة الشمسية أكثر رواجاً

يقول زاهر أحد سكان العاصمة دمشق لـ«الأخبار» إنّه يمنع أفراد أسرته من تشغيل المدفأة الكهربائية، ويحدد يومين في الأسبوع لتشغيل سخان المياه بغرض الاستحمام، أما الإنارة فتطفئ في كل المنزل عدا الغرف المشغولة، والأداة الوحيدة «المعفاة» من التقنين هو «البراد» لأنه من الضروريات.

هذه التعليمات عممها زاهر على عائلته على إثر تسديد أول فاتورة على التسعيرة الجديدة، وبلغت مليون و400 ألف ليرة سورية.

في المقابل، تتجه شريحة كبيرة من السوريين اليوم إلى الطاقة الشمسية، على الرغم من غلاء أسعارها بالنسبة إلى المداخيل في سوريا، إذ تبلغ قيمة تركيب 4 ألواح مع بطارية وتمديدات أكثر من 1500 دولار أميركي، ما يجعل من هذا الحل بعيداً عن منال الموظف الذي لا تتجاوز قيمة راتبه 100 دولار شهرياً.

ولكن الحاجة دفعت بعدد من السوريين إلى بيع الذهب أو الاعتماد على المغتربين من أقربائهم لتجميع حوالات مالية على مدار عدّة أشهر وتركيب محطة طاقة شمسية منزلية، والتي على الرغم من تكلفتها الباهظة بالنسبة للسوريين، لكنها أوفر بكثير من دفع فواتير كهرباء الدولة على المدى الطويل.

—————————–

 القنصلية السورية في بون.. توسع دبلوماسي يطرح أسئلة اقتصادية/ مختار الإبراهيم

2026.02.27

شهدت مدينة بون افتتاح القنصلية السورية الجديدة، في خطوة تُقرأ دبلوماسياً بوصفها توسيعاً للحضور الرسمي، لكنها تفتح أيضاً تساؤلات اقتصادية حول إمكانية تحوّلها إلى منصة لإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية بين سوريا وألمانيا، خاصة في ظل تحولات تشهدها الشراكات الاقتصادية الأوروبية عالمياً.

ويرى الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي أن افتتاح القنصلية قد يكون خطوة تمهيدية لإعادة بناء مسار اقتصادي بين البلدين، خاصة مع توجه ألمانيا إلى البحث عن شركاء اقتصاديين خارج الاتحاد الأوروبي.

ويقول العيلي لـ”موقع تلفزيون سوريا” إن الاقتصاد الألماني، الذي يتجاوز حجمه أربعة تريليونات يورو، يمر بمرحلة إعادة تقييم لسلاسل التوريد، لافتاً إلى أن شركات صناعية كبرى مثل BASF بدأت بالفعل نقل بعض الوظائف إلى دول مثل الهند لتقليل التكاليف.

لكن العيلي يعتقد أن سوريا قد تمتلك أفضلية نسبية مقارنة ببعض الشركاء الآسيويين، ويوضح: “الميزة الأولى لسوريا هي القرب الجغرافي من أوروبا، وهو عامل يخفض تكاليف النقل ويختصر زمن سلاسل التوريد، وهو عنصر بات محورياً في الاستراتيجيات الصناعية الأوروبية”، يضيف أن العامل الأهم يتمثل في رأس المال البشري السوري: “الجالية السورية في ألمانيا تُقدَّر بنحو مليون شخص، نسبة كبيرة منهم في سن العمل، وكثير منهم اندمج في سوق العمل الألمانية وتعلّم اللغة واكتسب مهارات مهنية، هذا يخلق جسراً بشرياً واقتصادياً بين البلدين.”

ومن وجهة نظر العيلي فإن السنوات الخمس المقبلة قد تشهد دخول آلاف السوريين المتخرجين من الجامعات وبرامج التدريب المهني إلى سوق العمل، ما قد يفتح المجال أمام مشاريع صناعية مشتركة “إنشاء مناطق صناعية سورية ألمانية يمكن أن يسمح للشركات الألمانية بالحصول على عمالة مؤهلة بتكاليف أقل، وفي الوقت ذاته يسهم في نقل التكنولوجيا وتنشيط الاقتصاد السوري”.

قنصلية بون “تسهّل الحياة وتمهّد للتعاون الاقتصادي”

يرى المواطن السوري باسل الأحمد في افتتاح القنصلية خطوة عملية تسهّل حياة السوريين في ألمانيا قبل أن تكون خطوة سياسية.

ويقول لـ”موقع تلفزيون سوريا”: “وجود قنصلية يسهّل المعاملات الرسمية ويوفر كثيرا من الوقت والجهد على السوريين، وهذا عامل مهم للاستقرار الاجتماعي”، يرى الأحمد أن الخطوة تحمل بعداً اقتصادياً أيضاً: “ألمانيا اليوم تبحث عن تعزيز نشاطها الاقتصادي وتوسيع شراكاتها الخارجية، وسوريا قد تكون شريكاً مناسباً بسبب قربها الجغرافي ووجود كفاءات سورية اندمجت في السوق الألمانية. هذا يعطي سوريا أولوية مقارنة بدول أبعد.”

أما زين الحسن فينظر إلى العلاقات الاقتصادية من زاوية اجتماعية وسياسية أوسع، ويرى أن تعزيز التعاون الاقتصادي قد يشكّل عامل استقرار لجزء من السوريين المقيمين في ألمانيا.

ويقول لـ”موقع تلفزيون سوريا”: “الكثير من السوريين يفكرون بالعودة، لكن المشكلة الأساسية هي غياب فرص العمل، إذا وُجدت مشاريع اقتصادية مشتركة تؤمّن وظائف مستقرة، فإن فكرة العودة تصبح أكثر واقعية.”

ويربط زين ذلك بالسياسات الألمانية المتعلقة بالعودة الطوعية: “العودة من بوابة الاقتصاد قد تكون الحل الأكثر استدامة، عندما يملك الشخص فرصة عمل واضحة، لن يشعر بأنه يعود إلى المجهول، بل إلى مستقبل مهني مستقر يفيد البلدين.”

بين الدبلوماسية والاقتصاد.. خطوة صغيرة وبداية مسار

ومن وجهة نظر الجيل الشاب، يروي قاسم وهو أحد الطلاب السوريين في ألمانيا تجربته، موضحاً أنه يدرس حالياً في برنامج التدريب المهني (Ausbildung)، ويتوقع التخرج هذا العام.

ويقول قاسم: “أحلم بالعودة إلى سوريا والعيش قرب بيت جدي، فهذا جزء من هويتي وذكرياتي”، كنه يربط هذا الحلم بفرص العمل “إذا حصلت على فرصة للعمل في شركة ألمانية لديها مشروع في سوريا، فذلك سيكون مثالياً بالنسبة لي، سأستطيع العودة دون أن أبدأ من الصفر، وسأحافظ على مساري المهني.”

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن مئات آلاف السوريين العاملين في ألمانيا يرسلون تحويلات مالية منتظمة إلى سوريا، قد تصل إلى مئات ملايين اليوروهات سنوياً، وهو ما يشكّل مورداً اقتصادياً مهماً يمكن أن يتوسع إذا توفرت قنوات رسمية واستثمارية منظمة.

يرى مراقبون أن افتتاح القنصلية لا يعني بالضرورة تحوّلاً اقتصادياً مباشراً، لكنه قد يشكّل بنية إدارية وقانونية ضرورية لأي تعاون اقتصادي مستقبلي.

ويجمع الخبراء والمواطنون الذين التقاهم التقرير على أن نجاح هذه الخطوة مرتبط بعدة عوامل، أبرزها: تحسين البيئة الاستثمارية وتوفير ضمانات قانونية للشركات وكذلك تعزيز التعاون في التدريب المهني، والاستفادة من خبرات الجالية السورية.

وفي ظل بحث ألمانيا عن شركاء اقتصاديين جدد وتقليص سلاسل التوريد البعيدة، قد تمتلك سوريا فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي ورأس مالها البشري المرتبط بالسوق الألمانية.

وافتتاح القنصلية في بون قد لا يكون مجرد حدث دبلوماسي، بل ربما يشكّل نقطة انطلاق لمسار اقتصادي طويل، قد يحوّل الجالية السورية في ألمانيا من ملف لجوء إلى جسر تنموي بين بلدين يرتبط مستقبلهما بإمكانية تحويل السياسة إلى شراكة اقتصادية مستدامة.

يشار إلى أنه وفي وقتٍ يوسّع فيه المستشار الألماني فريدريش ميرتس تحركاته الخارجية، وتتصدر الهند جدول زياراته في إطار بحث برلين عن أسواق وشركاء جدد خارج الاتحاد الأوروبي، تبدو الخريطة الاقتصادية الألمانية في طور إعادة رسم واضحة.

وألمانيا، كأكبر اقتصاد أوروبي، لا تبحث فقط عن أسواق استهلاكية، بل عن سلاسل توريد أقصر، وكفاءات بشرية مؤهلة، وشراكات تقلل المخاطر الجيوسياسية، وفي هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل تستطيع دمشق أن تضع نفسها ضمن هذا المسار المتشكل، وأن تقدم عرضاً اقتصادياً مقنعاً يستند إلى القرب الجغرافي ورأس المال البشري المرتبط بالسوق الألمانية؟

تلفزيون سوريا

————————-

======================

تحديث 26 شباط 2026

—————————–

 ماذا سيحدث في سوريا بعد الاتفاق مع صندوق النقد؟.. الحكومة تجيب

صندوق النقد أشاد بالتزام الحكومة السورية بتبني سياسات اقتصادية رشيدة

الرياض – العربية

26 فبراير ,2026

رحب وزير المالية السوري محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية، بالبيان الذي أصدره صندوق النقد الدولي والذي أشاد بالتزام الحكومة السورية بتبني سياسات اقتصادية رشيدة تقرب سوريا خطوة إضافية نحو إعادة الاندماج في المنظومة الاقتصادية الدولية.

وقال برنية إن هذا التقييم الإيجابي سيسهم في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين والمؤسسات المالية التي تتابع عن كثب تطورات المشهد الاقتصادي السوري، الأمر الذي سيفتح آفاقاً أوسع للتعاون والدعم في المرحلة المقبلة.

وأكد برنية الالتزام بمواصلة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي ودعم مسار التعافي وترسيخ أسس نمو مستدام وشامل، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

وأشار حاكم مصرف سوريا المركزي إلى التسارع الواضح في وتيرة النشاط الاقتصادي الذي تطرق إليه بيان صندوق النقد مدفوعاً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين ورفع العقوبات الدولية وعودة اندماج سوريا تدريجياً في الاقتصادين الإقليمي والعالمي.

ونوه الحصرية بتأكيد صندوق النقد الدولي حفاظ مصرف سوريا المركزي على موقف نقدي صارم رغم القيود الكبيرة، ما ساهم في تباطؤ ملحوظ في التضخم وتحسن سعر الصرف مقارنة بعام 2024، إضافة إلى نجاحه في عملية إدخال العملة الجديدة.

وأشار إلى ما أورده البيان حول ضرورة تركيز المرحلة المقبلة على تمكين المصرف المركزي لضمان استقرار الأسعار والاستقرار المالي وتعزيز استقلاليته، ووضع إطار حديث للسياسة النقدية وتقييم شامل لسلامة أوضاع البنوك، إضافة إلى إعادة هيكلة وتأهيل النظام المصرفي لاستعادة ثقة الجمهور وتعزيز دوره في الوساطة المالية وتسهيل المدفوعات محلياً ودولياً.

وقال الحصرية: “نتطلع للعمل مع صندوق النقد الدولي في إصلاحات القطاع المالي، ودعم استراتيجية المركزي 2025-2030، عبر برامج بناء القدرات”.

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد في مقابلة مع “العربية Business” إن تقرير الصندوق حمل مؤشرات إيجابية من حيث الأرقام، خاصة فيما يتعلق بتقدم الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الدين العام وإعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة، إلى جانب تسجيل نمو اقتصادي ملحوظ، لكنه أشار إلى أن هذه المؤشرات لم تنعكس بشكل واضح حتى الآن على الواقع المعيشي للمواطنين.

وأضاف أن تحقيق نسب نمو مرتفعة في اقتصاد متأثر بالحرب أمر متوقع، نظرًا لانخفاض قاعدة الإنتاج، لافتًا إلى تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي تشير إلى أن الاقتصاد السوري يحتاج نحو 55 عامًا للعودة إلى مستويات الناتج المحلي المسجلة قبل عام 2010.

وأشار إلى أن التقرير ركّز على موازنة عام 2025، التي أظهرت فائضًا طفيفًا، مرجعًا ذلك إلى ضعف الإنفاق الاستثماري نتيجة شح الموارد واستمرار العقوبات خلال معظم فترات العام، مقابل التركيز على بنود الرواتب والأجور التي ارتفعت بنحو 200%. وأكد أن غياب الحسابات الختامية للموازنة حتى الآن يجعل من الصعب الجزم بدقة هذه الأرقام.

موازنة 2026 وآفاق الاقتصاد السوري

وفيما يتعلق بموازنة 2026، أوضح أن تأخر صدورها يرتبط بإعادة إعدادها وفق المشورة الفنية لصندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس توجهًا نحو إصلاحات مالية أوسع خلال الفترة المقبلة.

وحول آفاق الاقتصاد السوري خلال العام الجاري، أشار إلى أن تدفقات الاستثمارات الأجنبية قد تمثل نقطة تحول مهمة، خاصة بعد تخفيف ورفع جزء من العقوبات، ما قد يدعم انطلاقة تدريجية للاقتصاد في حال تحويل مذكرات التفاهم الموقعة إلى اتفاقيات تنفيذية فعلية.

وأضاف أن حجم الاستثمارات المعلن يتراوح بين 28 و54 مليار دولار وفق تقديرات رسمية، مؤكدًا أن تحقيق معدلات نمو تتراوح بين 5% و10% يظل ممكنًا لكنه يحتاج إلى وقت حتى ينعكس على الاقتصاد الحقيقي ومستويات المعيشة.

كما لفت إلى أهمية عودة عدد من حقول النفط والغاز إلى إدارة الحكومة السورية، إلى جانب توقيع اتفاقيات في قطاعات الطاقة والطيران والاتصالات، من بينها اتفاقيات مع شركات دولية مثل شيفرون، إضافة إلى تعاون اقتصادي مع المملكة العربية السعودية في عدة قطاعات استراتيجية.

ماذا قال صندوق النقد عن اقتصاد سوريا؟

قال صندوق النقد الدولي إن الاقتصاد السوري يواصل التعافي، مع تحسن النشاط الاقتصادي في الأشهر الأخيرة مدفوعاً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، واستمرار عودة اللاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء وكميات الأمطار، إلى جانب إعادة اندماج سوريا تدريجياً في محيطها الإقليمي.

واختتم فريق من خبراء صندوق النقد الدولي زيارته إلى دمشق خلال الفترة من 15 إلى 19 فبراير 2026، في إطار برنامج مكثف للتواصل مع السلطات السورية بهدف تقييم الأوضاع الاقتصادية ومناقشة التقدم في الإصلاحات وأولويات السياسات وبناء القدرات خلال المرحلة المقبلة.

ويهدف برنامج التعاون مع الصندوق إلى دعم جهود السلطات السورية لإعادة تأهيل الاقتصاد والمؤسسات الاقتصادية الرئيسية من خلال المشورة الفنية والدعم التقني، بما يشمل وزارة المالية والمصرف المركزي، إضافة إلى تحسين البيانات والإحصاءات تمهيداً لاستئناف مشاورات المادة الرابعة.

آفاق النمو والمالية العامة

وأكد رئيس البعثة أن الاقتصاد السوري يظهر إشارات تعافٍ متسارع، مدعوماً بتحسن الثقة ورفع العقوبات الدولية وتقدم المصالحة الوطنية وعودة اللاجئين ومشاريع استثمارية جديدة، ما يعزز آفاق النمو خلال عام 2026 وما بعده.

وتشير البيانات الأولية إلى أن الموازنة العامة أنهت عام 2025 بفائض طفيف، مع تركيز الإنفاق على الاحتياجات الأساسية وتحسين الأجور ومستويات المعيشة، مع ضبط الإنفاق ضمن الموارد المتاحة والامتناع عن التمويل من المصرف المركزي.

كما أعدت السلطات موازنة 2026 لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، مع ضمان حماية الإنفاق الاجتماعي وتعزيز شبكات الأمان للفئات الأكثر ضعفاً، وأشار صندوق النقد إلى أن توقعات سوريا للإيرادات طموحة لكن ممكنة.

إصلاحات وهيكلة اقتصادية واسعة

وسيتواصل دعم صندوق النقد لسوريا عبر برنامج مساعدات فنية يشمل: تحسين إدارة المالية العامة وإعداد وتنفيذ الموازنة، وتعزيز تعبئة الإيرادات والإدارة الضريبية، وتطوير إدارة الدين العام وتحليل استدامته، وإصلاح التشريعات والرقابة المالية، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي ونظم المدفوعات، وتطوير الإحصاءات الاقتصادية لدعم صنع القرار.

وأكد الصندوق أن الدعم الدولي سيظل ضرورياً للحد من الفقر خاصة بين اللاجئين العائدين والنازحين، وأن قدرة سوريا على تعبئة التمويل الخارجي تعتمد على معالجة الديون المتراكمة.

—————————–

 الفساد في سوريا.. أرقام المؤشرات وتحديات المرحلة الجديدة/ رشيد الحاج صالح

2026.02.26

يشكّل الفساد في سوريا أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإلحاحًا في المرحلة الراهنة، ليس فقط بسبب امتداده الواسع داخل مؤسسات الدولة، بل لأنه تداخل، على مدى سنوات طويلة، مع بنية الحكم والإدارة والاقتصاد، حتى بات جزءًا من الواقع اليومي للمواطنين.

وفي لحظة سياسية تتقدّم فيها السلطة الجديدة إلى واجهة المشهد، تبرز مكافحة الفساد بوصفها اختبارًا حقيقيًا لجدية أي مشروع إصلاحي، وشرطًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، في ظل أزمات متراكمة تتجاوز الشأن الاقتصادي إلى عمق الاستقرار السياسي والاجتماعي.

تكتسب مكافحة الفساد أهمية إضافية في ضوء ما أظهرته مؤخرًا بيانات منظمة الشفافية الدولية في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، حيث تقدّمت سوريا من المركز الرابع إلى المركز العاشر ضمن قائمة ذيل الدول الأكثر فسادًا عالميًا. هذا التقدم قد يشير إلى تغيّر نسبي في الترتيب العام وتحسّن محدود، إلا أن المراحل الانتقالية عادة ما تشهد حملات واسعة لمكافحة الفساد والترهل والمحسوبيات، تتضمن إصدار قوانين، وتشكيل لجان مختصة، وتفعيل أجهزة المحاسبة.

مؤشر مدركات الفساد، الذي يُعد أحد أهم المؤشرات الدولية في هذا المجال، لا يقيس الفساد بوصفه رقمًا مجردًا، بل يقيس تصورات الخبراء ورجال الأعمال حول مدى انتشار الفساد في القطاع العام، ومدى قدرة الدولة على ضبطه ومساءلة المتورطين فيه. وبقاء سوريا ضمن قائمة الدول العشر الأكثر فسادًا في العالم، حتى بعد هذا التقدّم، يدل على أن الفساد ما زال ظاهرة حاضرة تفرض نفسها، وتتجاوز الممارسات الفردية إلى شبكة علاقات ومصالح متداخلة يصعب تفكيكها دون إرادة سياسية صريحة وإصلاحات جذرية.

كما تشير أرقام استطلاع المؤشر العربي في سوريا، الذي أجراه مركز دراسات سوريا المعاصرة في دمشق، إلى أن 89 في المئة من السوريين يعتقدون أن الفساد في سوريا ما زال منتشرًا في مؤسسات الدولة، على الرغم من اعتقاد 54 في المئة منهم بأن الفساد اليوم أقل مما كان عليه سابقًا. كما بيّن الاستطلاع أن 64 في المئة من السوريين ما زالوا يعتقدون أن الأوضاع الاقتصادية في سوريا سيئة، في حين أن 56 في المئة يشعرون بالأمل في المستقبل.

لقد تشكّل الفساد في سوريا عبر مسارات طويلة، تراكمت فيها أنماط من البيروقراطية المعقّدة، وضعف الشفافية، وغياب المساءلة الفعلية، ما أتاح نشوء اقتصاد ظلّ واسع، وعلاقات زبائنية بين السلطة والمال، انعكست مباشرة على نوعية الخدمات العامة، وتوزيع الموارد، وفرص التنمية المتوازنة. ومع مرور الوقت، لم يعد الفساد مجرد خلل إداري، بل تحوّل إلى آلية غير معلنة لإدارة الشأن العام، تُستخدم أحيانًا لتجاوز العجز، وأحيانًا أخرى لتثبيت النفوذ.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل الفساد عن السياق السياسي والأمني العام. فالسلطة الجديدة تواجه تحديات ثقيلة، من إعادة ضبط الاستقرار الداخلي إلى إدارة ملفات سياسية حساسة، مرورًا بأزمة اقتصادية ورثتها من الحكم البائد، وصولًا إلى التراجع الحاد في مستوى معيشة المواطنين. غير أن هذه التحديات، على جسامتها، لا يمكن أن تشكّل مبررًا لتأجيل مكافحة الفساد، لأن التجربة تُظهر أن الفساد لا يتراجع تلقائيًا في أوقات الأزمات، بل يتمدّد مستفيدًا من ضعف الرقابة وتشتّت الأولويات.

بل إن الفساد، في مثل هذه الظروف، يتحوّل إلى عامل مضاعِف للأزمة، إذ يؤدي إلى هدر الموارد المحدودة، ويقوّض فعالية أي سياسات إصلاحية، ويُضعف ثقة المواطنين بقدرة الدولة على إدارة شؤونهم بعدالة وكفاءة. ومع تآكل هذه الثقة، تصبح الدولة أكثر هشاشة وأكثر عرضة للاهتزازات الاجتماعية والسياسية، مهما امتلكت من أدوات أمنية أو خطاب سياسي.

من هنا، تبرز مكافحة الفساد كأولوية سياسية لا تقل أهمية عن الملفات الأمنية أو الدبلوماسية. فالدولة التي تسعى إلى تثبيت استقرارها لا تستطيع أن تفعل ذلك في ظل شعور عام بأن القانون لا يُطبَّق بالتساوي؛ إذ إن 42 في المئة يعتقدون أن السلطة الجديدة لا تطبّق القانون بالتساوي بين الناس وتحابي بعض الفئات. كما أن أي حديث عن إعادة إعمار أو جذب استثمارات يبقى نظريًا ما لم تُعالَج البيئة الإدارية والقانونية التي تنفّر رأس المال وتحول الاستثمار إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

إن جوهر التحدي أمام السلطة الجديدة لا يتمثّل في إطلاق شعارات عامة ضد الفساد، بل في الانتقال من الخطاب إلى الممارسة، ومن الإجراءات الشكلية إلى السياسات البنيوية. فمكافحة الفساد تتطلّب إعادة نظر شاملة في طريقة عمل المؤسسات، وفي استقلالية القضاء، وآليات الرقابة والمحاسبة، وعلاقة الدولة بالمجتمع والإعلام. كما تتطلّب الاعتراف بأن الفساد ليس انحرافًا أخلاقيًا فحسب، بل نتيجة مباشرة لاختلالات في توزيع السلطة والموارد.

وفي هذا السياق، يصبح التقدّم في مؤشر مدركات الفساد اختبارًا مزدوجًا: إما أن يكون نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي يهدف إلى تحسين النقاط لا الترتيب فقط، أو أن يتحوّل إلى غطاء رمزي يُستخدم لتأجيل المواجهة الصعبة مع شبكات المصالح الراسخة. الخيار الأول وحده كفيل بإحداث فرق ملموس في حياة المواطنين، وفي صورة الدولة داخليًا وخارجيًا.

في المحصلة، يمكن القول إن انتقال سوريا من المركز الرابع إلى المركز العاشر في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 لا يغيّر من حقيقة أساسية، وهي أن الفساد ما زال أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه الدولة. والسلطة الجديدة، إن أرادت أن تؤسس لمرحلة مختلفة فعلًا، مطالَبة بأن تجعل من مكافحة الفساد أولوية مركزية لا هامشية، وأن تتعامل معه باعتباره مدخلًا لإعادة بناء الدولة، لا ملفًا تقنيًا يمكن ترحيله إلى وقت لاحق.

فالتجارب المقارنة تُظهر أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها العميقة لم تفعل ذلك عبر إدارة الفساد، بل عبر مواجهته. وفي الحالة السورية، قد تكون هذه المواجهة هي الفارق الحقيقي بين إعادة إنتاج الأزمة أو فتح أفق جديد لإصلاح طويل ومعقّد، لكنه ضروري.

تلفزيون سوريا

——————————-

موجة الغلاء.. أزمة أسعار أم تعثّر في ترتيب الإصلاح؟/ نجاح عبد الحليم

فبراير 26, 2026

في شباط 2026، لا يبدو الواقع الاقتصادي في سوريا كأنه “أزمة أسعار” فقط، ولا حتى كأنه “أزمة شهر رمضان” بالمعنى الموسمي الضيق، ما يظهر اليوم من شح في الغاز، وفي قفزات أسعار الفروج والألبان والمواد الغذائية، وفي التوتر المستمر بين قرارات تنظيم الاستيراد والتصدير وبين واقع السوق، هو تعبير عن أزمة أعمق: أزمة ترتيب أولويات في الانتقال الاقتصادي، حيث يجري تحرير بعض الحلقات قبل بناء الشروط المؤسسية والإنتاجية التي تجعل هذا التحرير قابلاً للاستيعاب.

المشكلة إذاً ليست في وجود قرارات إصلاحية بحد ذاتها، ولا في مبدأ إعادة تنظيم التجارة أو تخفيف عبء الدعم عن المالية العامة، بل في طبيعة السياق الذي تُطبَّق فيه هذه القرارات، وفي الإيقاع الذي تتحرك به الدولة بين أدوات متباينة: إصلاح نقدي شكلي، تحرير سعري جزئي، تدخل تنظيمي في التجارة، وإدارة طاقة لا تزال محكومة بالندرة والاختناقات، لذا فإن القراءة الدقيقة لما يجري اليوم تقتضي أن نبدأ من المشهد الأكثر التصاقاً بحياة الناس ـ أزمة الغاز ـ ثم ننتقل إلى آثار ذلك على أسعار الغذاء، قبل العودة إلى الخلف لتحليل القرارات التي مهدت لهذا المسار: الكهرباء، لجنة الاستيراد والتصدير، وأخيراً حذف صفرين من العملة.

أولاً: أزمة الغاز.. مدخل لفهم التضخم الجاري

حين تعود طوابير الغاز المنزلي إلى الواجهة، ويصبح الحصول على الأسطوانة حدثاً يومياً مرهقاً، تميل القراءة العامة إلى التعامل مع المسألة بوصفها أزمة توزيع مؤقتة أو خللاً إدارياً يمكن أن ينتهي بوصول شحنة جديدة أو بإجراء حكومي إسعافي، غير أن هذا الفهم، على رغم وجاهته الجزئية، يظل قاصراً عن التقاط ما يكشفه المشهد فعلياً، فالغاز في الاقتصاد السوري اليوم ليس سلعة منزلية وحسب، إنما عنصر حرج في منظومة تكلفة واسعة تمتد من البيت إلى المخبز، ومن المطعم الصغير إلى الورشة الغذائية، ومن أنماط الاستهلاك اليومي إلى ديناميات السوق الموازية.

وحيث إن الطاقة تمثل مدخلاً إنتاجياً أساسياً، فإن أي اختلال في توفر الغاز، سواء كان اختلالاً في التوريد أو في التوزيع أو في التسعير، يتحول سريعاً إلى ضغط تضخمي يتجاوز قطاع الطاقة نفسه، لذا نرى أن أثر أزمة الغاز لا يقف عند حدود ارتفاع سعر الأسطوانة أو طول مدة الانتظار، بل يتسرب إلى أسعار الطعام الجاهز والنقل وبعض الصناعات الصغيرة، ويعيد تشكيل سلوك المستهلك والمنتج معاً، فالمستهلك يبدأ بتقليص بعض أنماط الاستهلاك، والمنتج يبدأ بإعادة تسعير خدماته تحوطياً، والتاجر يضيف هامشاً وقائياً تحسباً لارتفاع جديد في تكاليف التشغيل.

هنا تحديداً تظهر إحدى سمات الاقتصادات الهشة: أن صدمة الإمداد الصغيرة نسبياً تتحول إلى صدمة أسعار عامة، ليس لأن حجمها كبير بالضرورة، ولكن لأن الاقتصاد نفسه لا يملك هوامش امتصاص كافية، ففي اقتصاد يفتقر إلى طاقة مستقرة، وتمويل ميسر، ومنافسة فعالة، ومخزونات تنظيمية، تصبح كل أزمة طاقة ـ ولو بدت قطاعية ـ بمثابة عدسة مكبرة تكشف هشاشة البنية كلها.

ومن هذه الزاوية فإن بعض طوابير الغاز التي نراها اليوم ليست مشهداً خدماتياً فقط؛ إنها مؤشر كليّ على أن الاقتصاد يعمل تحت ضغط اختناقات متزامنة، وإذا كان الخطاب الرسمي يركز على استمرار التوريدات والإجراءات الجديدة، فإن السوق يقرأ شيئًا آخر: عدم يقين في الإمداد، وعدم يقين في التكلفة، وبالتالي عدم يقين في التسعير، ونتيجة لذلك يتحول الغاز من قضية معيشية منفصلة إلى متغير مركزي في تفسير الغلاء الجاري.

ثانياً: غلاء الفروج والألبان.. أزمة تكلفة لا موسم

في الأيام التي سبقت رمضان وخلال بدايات الاستعداد له، برزت موجات ارتفاع لافتة في أسعار الفروج والألبان والأجبان ومجموعة واسعة من المواد الغذائية، وقد تميل بعض القراءات السريعة إلى ردّ ذلك مباشرة إلى الطلب الموسمي، وهو عامل حقيقي بلا شك، إذ ترتفع مشتريات الأسر الغذائية عادة في هذه الفترة، غير أن الاقتصار على هذا التفسير يُبقي التحليل عند سطح الظاهرة، ولا يفسر لماذا تبدو وتيرة الارتفاع أكثر حدّة، ولماذا يتكرر المشهد مع كل ضغط على الطاقة أو النقل أو سعر الصرف.

الجواب الأهم هنا هو أن كثيراً من السلع التي تبدو “محلية” في السوق السورية هي محلية في الشكل النهائي فقط، أما هيكل تكلفتها فهو مشبع بعناصر مرتبطة بالدولار والطاقة وسلاسل الإمداد المضطربة، الفروج مثلاً لا يُنتج في فراغ، إذ يعتمد على الأعلاف، والتدفئة أو التبريد بحسب الموسم، والنقل، والخدمات البيطرية، ومستلزمات تشغيل، كثير منها يتأثر مباشرة أو غير مباشرة بسعر الصرف وتكاليف الطاقة، والأمر نفسه ينسحب على الألبان والأجبان، حيث تُعد الكهرباء والتبريد والنقل عناصر حاسمة في تحديد الكلفة النهائية، وحين ترتفع تعرفة الكهرباء أو تتراجع موثوقية التغذية يلجأ المنتج إلى بدائل أعلى كلفة، فينتقل العبء إلى المستهلك.

لذلك فإن ما يحدث في أسعار الغذائيات اليوم لا يمكن وصفه بدقة على أنه “تضخم طلب” فقط، بل هو في جزء مهم منه تضخم مدفوع بالتكلفة، ومع ضعف القدرة الشرائية وتآكل الدخل الحقيقي تأخذ المسألة بعداً أكثر خطورة، لأن السوق لا يتجه فقط نحو الغلاء، بل نحو إعادة فرز الاستهلاك نفسه، أي نحو تقليص سلة الغذاء لدى الأسر واستبعاد منتجات كانت تُعد أساسية أو شبه أساسية في مواسم سابقة.

غير أن ثمة نقطة أخرى في هذه القصة لا تقل أهمية عن الطاقة، فالسوق لا يتعامل مع الكلفة الحالية وحدها، بل مع توقعاته بشأن الكلفة القادمة، وحيث إن البيئة الاقتصادية تتسم بتقلبات متكررة في الإمداد والطاقة وسعر الصرف، يميل المنتجون والتجار إلى ما يمكن تسميته بالتسعير التحوطي، بمعنى أنهم لا يسعرون على أساس ما دفعوه فقط، بل على أساس ما يتوقعون أنهم سيدفعونه بعد أيام، وهذه الديناميكية تُدخل الاقتصاد في حلقة تضخم توقعي، حيث تصبح التوقعات نفسها قوة دافعة للغلاء لا مجرد انعكاس له.

هنا يظهر بوضوح أن رمضان ليس سبب الأزمة، بل لحظة كشف لها، فالطلب الموسمي يضغط، نعم، لكن الضغط يتحول إلى قفزة سعرية فقط عندما يمر عبر اقتصاد يفتقر إلى المرونة المؤسسية والإنتاجية، وفي هذا السياق تبدو عبارة “انفلات الأسعار” أقل دقة من عبارة “تفكك آليات الضبط الاقتصادي”، لأن المسألة ليست فقط ضعف رقابة، إنما اختلال في البنية التي يفترض أن تسمح للأسواق بالعمل ضمن حدود يمكن توقعها.

ومن ثم فإن غلاء الفروج والألبان والغذائيات في هذه اللحظة لا ينبغي قراءته كقائمة سلع ارتفعت أسعارها، بل كتشخيص ميداني لطبيعة الاقتصاد نفسه: اقتصاد تتسع فيه الفجوة بين السياسات المعلنة وقدرته الفعلية على امتصاص آثارها، حيث تنتقل صدمات الطاقة والتجارة والنقد بسرعة إلى الطبق اليومي للمواطن.

ثالثاً: إصلاحات متفرقة.. وأزمة مستمرة

إذا أردنا فهم الجذور الأعمق للمشهد الحالي، فلا بد من العودة إلى القرارات التي تراكمت خلال الأشهر الماضية، والتي أسست، بقصد أو من دون قصد، لهذه البيئة التضخمية الهشة، ومن أبرز هذه القرارات تعديل تعرفة الكهرباء وتطبيق نظام الشرائح في تشرين الثاني 2025، ثم تشكيل اللجنة الوطنية لتنظيم الاستيراد والتصدير والقرارات المتصلة بتقييد بعض أنماط الاستيراد أو دخول الشاحنات الأجنبية في أواخر 2025، وصولاً إلى قرار حذف صفرين من الليرة السورية.

من حيث المبدأ لا يمكن التعامل مع هذه الخطوات باعتبارها أخطاءً تلقائية، لكل قرار منها منطق داخلي مفهوم، رفع تعرفة الكهرباء وتخفيف الدعم يرتبط بضغوط مالية حادة وبحاجة الدولة إلى تقليص عجز الدعم، تشكيل لجنة وطنية لتنظيم الاستيراد والتصدير يعكس محاولة لاستعادة وظيفة تنظيمية سيادية بعد سنوات من الفوضى والتشوهات، وحذف الأصفار من العملة يمكن فهمه كخطوة إدارية – نقدية لتبسيط المعاملات واستعادة شيء من الثقة الرمزية بالعملة الوطنية، المشكلة ليست هنا، بل في أن هذه الخطوات تتحرك ضمن اقتصاد لم تُستكمل شروط انتقاله بعد، وأن الإيقاع الزمني بينها لا يبدو منسقاً ضمن استراتيجية تنموية واضحة المعالم.

لنبدأ بالكهرباء، حين ترتفع تعرفة الكهرباء في اقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة الطاقة، فإن القرار لا يبقى قراراً مالياً، بل يتحول مباشرة إلى قرار يؤثر في كلفة الإنتاج ومن ثم في التضخم، وإذا لم يترافق ذلك مع تحسن موثوقية التغذية أو مع برامج حماية للفئات الأضعف والقطاعات المنتجة، فإن النتيجة تكون انتقال العبء من الخزينة إلى السوق لا حل المشكلة، وهذا ما يجعل كثيراً من إجراءات “تصحيح الأسعار” في الاقتصادات الهشة إصلاحات ناقصة؛ فهي تصحح السعر المالي لكنها لا تعالج اختناقات العرض.

ثم تأتي لجنة الاستيراد والتصدير، الفكرة بحد ذاتها مهمة، بل ضرورية نظرياً، لأن التجارة الخارجية في الاقتصادات الخارجة من نزاع لا يمكن أن تُترك بالكامل لفوضى السوق، لكن فعالية التنظيم مشروطة بقدرة الاقتصاد المحلي على التعويض، فإذا تم تقييد بعض الواردات أو تشديد شروط الحركة التجارية دون أن يكون هناك توسع إنتاجي حقيقي، أو دون آليات تمنع التركز والاحتكار، فإن السوق يقرأ الرسالة بوصفها تضييقاً للعرض لا حمايةً للإنتاج، وعندها ترتفع الأسعار حتى قبل ظهور النقص الفعلي، لأن التوقعات تسبق الوقائع.

والأهم من ذلك أن الاقتصاد السوري، كما تظهره ديناميات السوق خلال السنوات الماضية، لا يعتمد فقط على استيراد سلع استهلاكية بعينها، بل يعتمد أيضاً على استيراد مكونات التكلفة نفسها: مواد أولية، ومدخلات زراعية وصناعية، وقطع تبديل، ووسائط إنتاج، لذا فإن تنظيم الاستيراد في غياب سياسة صناعية/زراعية مرافقة قد يُنتج أثراً عكسياً، حيث يجتمع هدف الحماية مع نتيجة الغلاء، لا لأن الحماية فكرة خاطئة بالمطلق، بل لأن شروط نجاحها غير مكتملة.

أما حذف صفرين من العملة فهو المثال الأكثر وضوحاً على الفجوة بين الإصلاح الشكلي والإصلاح البنيوي، فإعادة التسمية (redenomination) لا تغيّر القيمة الحقيقية للنقد، ولا تُخفض التضخم بحد ذاتها، ولا تعيد بناء الثقة إذا ظلت العوامل الحقيقية للغلاء قائمة، قد تُسهّل الحسابات وتخفف العبء النفسي للأرقام الكبيرة، وربما تمنح السلطة النقدية لحظة رمزية تقول فيها إن هناك بداية جديدة، لكن السوق في النهاية لا يسعّر بالرمزية، بل بالكلفة وبسعر الصرف وبالتوقعات وبمخاطر الإمداد.

ومن هنا تبدو المفارقة السورية في مطلع 2026 شديدة الوضوح: هناك حزمة من الإجراءات التي يمكن إدراجها تحت عنوان “إصلاح”، لكن أثرها المجمع في السوق لا يزال يتجه نحو مزيد من التضخم وعدم اليقين، وهذا لا يعني أن البديل هو تجميد الأسعار أو العودة الميكانيكية إلى أنماط دعم غير قابلة للاستدامة، بل يعني أن ترتيب الإصلاح أهم من مجرد إطلاقه، فالانتقال الاقتصادي لا يُقاس بعدد القرارات، بل بمدى انسجامها مع قدرة الاقتصاد على الاحتمال.

إذا أردنا تسمية هذه الحالة نظرياً فنحن أمام ما يمكن وصفه بدقة بأنه “تحرير دون عمق مؤسسي”: تُرفع الأسعار أو تُصحح، بينما لا تزال مؤسسات السوق والتنظيم والطاقة والإنتاج في حالة هشاشة؛ يُعاد صياغة الإطار التجاري، بينما لا تزال القدرة الإنتاجية المحلية محدودة؛ تُتخذ خطوة نقدية رمزية، بينما تبقى ديناميات التضخم الفعلية في مكان آخر تماماً.

هذه ليست مسألة تقنية فقط، إنما مسألة نموذج اقتصادي قيد التشكل، هل تتجه سوريا إلى اقتصاد سوق تنافسي فعلاً؟ إذا كان الأمر كذلك، فأين شروط المنافسة، والطاقة المستقرة، والتمويل، وآليات منع التركز؟ وهل تتجه إلى نموذج تنموي موجّه؟ إذا كان كذلك، فأين السياسة الصناعية/الزراعية المتماسكة القادرة على تحويل تقييد الاستيراد من قرار إداري إلى أداة لبناء العرض المحلي؟ وحتى يتضح ذلك سيبقى السوق يعيش في منطقة انتقالية رمادية، حيث تتحرر المخاطر بسرعة أكبر من تحرر القدرات.

اليوم لا تكمن أهمية طوابير الغاز فقط فيما تقوله عن أزمة مادة، ولا تكمن أهمية غلاء الفروج والألبان فقط فيما تقوله عن رمضان، ولا تكمن أهمية حذف الأصفار فقط فيما يقوله عن السياسة النقدية، الأهمية الحقيقية تكمن في الترابط بينها جميعاً، ذلك أن ما نراه اليوم هو سلسلة واحدة: اختناق طاقي يرفع الكلفة، وسوق غذائي ينقل الصدمة إلى المستهلك، وسياسة تجارية تحاول الضبط من دون قاعدة إنتاجية كافية، وإصلاح نقدي رمزي لا يمس جذور التضخم، لذا فإن السؤال الاقتصادي الجاد لم يعد: “لماذا ارتفعت الأسعار هذا الأسبوع؟” بل: “أي تسلسل إصلاحي يمكن أن يوقف تحويل كل صدمة قطاعية إلى أزمة معيشية عامة؟”.

هذا هو السؤال الذي يحدد، أكثر من أي شعار إصلاحي، ما إذا كانت سوريا تمضي نحو اقتصاد أكثر كفاءة واستقراراً، أم نحو اقتصاد أكثر تحرراً في السعر وأكثر هشاشة في البنية.

الثورة السورية

—————————–

بوادر نزوح معاكس لرأس المال السوري من مصر

23 شباط 2026

قالت مصادر لـ “اقتصاد”، إن ضغوطاً وإرباكات وبعض الانتهاكات التي تكررت حيال السوريين في مصر، في الآونة الأخيرة، بدأت تنعكس بصورة اتجاه متنامٍ في أوساط أصحاب مشاريع صغيرة ومتوسطة من السوريين المقيمين في مصر، بالمغادرة، والعودة إلى سوريا.

يتزامن ذلك مع حملة هي الأشد، تشنها السلطات المصرية ضد المقيمين السوريين، بذرائع مرتبطة أساساً، بعدم تجديد الإقامة. لكن الحملة، وفق شهادات، شملت أشخاصاً يملكون إقامات سارية بالفعل، في بعض الحالات. كما تخللتها حالات ابتزاز وطلب إتاوات من أصحاب محال ومشاريع صغيرة ومتوسطة، من السوريين.

أصحاب الشهادات التي حصل عليها “اقتصاد”، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، خشية التبعات الأمنية، جراء وجودهم على الأراضي المصرية. وقال أحدهم لـ “اقتصاد”، إن التضييق وبعض حالات الإهانة والاستهداف واسع النطاق للسوريين، دفع غالبيتهم للعمل على ترتيب رحلة العودة إلى سوريا. منهم، جانب كبير من أصحاب المحال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. إما بسبب فقدانهم شبه الكامل للعمالة السورية التي كانت تعمل لديهم، جراء الحملة الأخيرة، وبسبب من طبيعة مشاريعهم التي تتطلب عمالة سورية بالتحديد (مطاعم مأكولات سورية)، أو بسبب شعور الضيق والضغط الناجم عن طريقة تعامل الأجهزة الرسمية المصرية مع السوريين عموماً.

أحد المصادر أكد لـ”اقتصاد”، أن الحملة الأمنية الرسمية، والتي تزامنت مع حملة افتراضية قاسية، من “لجان الكترونية” تضمنت خطاباً يحرض على الكراهية ضد السوريين تحديداً، لم تنعكس حتى اللحظة، على طريقة تعامل الشارع المصري، مع السوريين. مع استثناءات محدودة. ووفق المصدر، تبقى السياسة الراغبة بـ “تطفيش” السوريين، ملحوظة في السلك الرسمي، ولم تنعكس بشكل ملحوظ، على الشارع.

مصدر آخر قال لـ “اقتصاد”، إنه مستغرب لحملة “التطفيش” الممنهجة التي لم تستثنِ أصحاب رؤوس الأموال، ربما باستثناء من يملك شراكات مع رجال أعمال كبار أو مسؤولين مصريين متنفذين. إذ توقع المصدر الذي عمل لأكثر من عقد، في قطاع الأعمال المصري، أن تشهد مصر حركة نزوح كبيرة لرأس المال السوري، باتجاه سوريا.

ويتواجد على الأراضي المصرية، أكثر من مليون سوري. وسبق أن قدّرت منظمة الهجرة الدولية قيمة الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة للسوريين في مصر بنحو مليار دولار. فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من هذا الرقم.

أحد النشطاء الإعلاميين المقيمين في مصر، وطلب عدم الكشف عن هويته، قال إنه يعتقد أن الحملة الأخيرة ضد السوريين، تستهدف دفع أكبر عدد ممكن منهم، للمغادرة، دفعة واحدة، إلى سوريا، بغية التسبب بضغط معيشي في الداخل السوري. ووفق الناشط، فإن الموقف السلبي الذي اعتمده النظام الحاكم بمصر، حيال السلطات الجديدة في سوريا، منذ سقوط نظام الأسد، يدفع السلطات المصرية إلى البحث في سبل الإضرار باستقرار سوريا. من ذلك، الدفع بأعداد كبيرة من السوريين، للعودة، فيما تعاني سوريا من دمار كبير وبنية تحتية متهالكة وشح في العقارات السكنية، مما يجعل عودة أعداد كبيرة من السوريين، بصورة متزامنة، عامل ضغط على الوضع المعيشي في البلاد، خاصة لجهة الطلب على العقارات الشحيحة، التي حلقت إيجاراتها بصورة هائلة، منذ أكثر من سنة، جراء الطلب المتصاعد وغير المتناسب مع حجم المعروض.

من جانبه، يعتقد رجل أعمال سوري مقيم في مصر، ويعتزم العودة، أن أصحاب المحال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، الذين يعتزمون العودة بشكل متزامن، في الفترة المقبلة، سينقلون معهم سيولة مالية كبيرة، وسيتسببون بتشغيل عدد كبير من المشاريع والمنشآت، والأيدي العاملة، في السوق المحلية السورية. وهو ينظر لذلك من زاوية إيجابية. ويعتقد أن مصر، ولأسباب أمنية قصيرة الأفق، وسياسية غير مفهومة، تخسر جانباً من رأس المال الذي يشغّل سوقها، وترسل رسالة سلبية بشكل عام، لأي مستثمر أجنبي، بأن لا ضمانة لحماية مصالحه ومشاريعه واستثماراته في مصر، إن انقلب الموقف السياسي تجاه بلده.

على المقلب الآخر، تحدث أحد المصادر لـ “اقتصاد”، عن ضرورة تحرك السلطات السورية لتلقف الراغبين بالعودة، خاصة من أصحاب الملاءة المالية، وتشجيعهم على ذلك، وتقديم التسهيلات لهم، عبر السفارة السورية بالقاهرة. كي لا يتجه رأس المال السوري الراغب بمغادرة مصر إلى بلد آخر، بديل. محذّراً من أن أصحاب الملاءة من السوريين يملكون علاقات تتيح لهم اختيار خيارات أخرى غير سوريا. لكن الاتجاه العام بينهم الآن، هو الرهان على العودة إلى سوريا. وبالتالي، يجب تلقف هذا الاتجاه، وتشجيعه. ويجب أن تتحرك السفارة بصورة أفضل على صعيد دعم السوريين عبر التواصل مع السلطات المصرية، والمطالبة بإجراءات مضبوطة قانونياً، تراعي التعقيدات التي تم توريطهم فيها، خاصة على صعيد شروط تجديد الإقامة، التي باتت في غاية الصعوبة.

مصدر آخر، تحدث لـ “اقتصاد”، مقللاً من احتمال تحرك حجم كبير من رأس المال السوري من مصر إلى سوريا، نظراً لأن كبار المستثمرين السوريين يملكون جنسية مصرية، أو إقامة استثمارية مستقرة، ويتمتعون بعلاقات جيدة مع المتنفذين من رجال الأعمال وداخل السلطة بمصر، بصورة تحميهم من إجراءات الحملة الأخيرة ضد السوريين، التي تطال من لا يملك نفس هذا المستوى من العلاقات. لكنه لم ينكر وجود رغبة متنامية لدى سوريين كثر من أصحاب الأعمال بمصر، بالمغادرة، إذ كانت الحملة الأخيرة رسالة سلبية بالنسبة لهم، حتى لو لم تطلهم بشكل مباشر.

—————————–

 فيزا تدخل سوريا: تعاونٌ لتطوير البنية التحتية الرقمية

الخميس 2026/02/26

وقّعت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية، اليوم، مذكرة تعاون مع فيزا، في إطار دعم جهود التحول الرقمي وتعزيز بناء اقتصاد رقمي حديث وشامل.

وجرى توقيع المذكرة في المقر الرئيسي لشركة فيزا بمدينة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة، حيث ترسم إطاراً للتعاون يشمل تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الشمول المالي، ودعم ابتكارات التكنولوجيا المالية، إلى جانب إنشاء بيئة تنظيمية تجريبية مهيأة خصيصاً للاقتصاد الرقمي السوري.

كما تتضمن المذكرة مجالات تعاون إضافية، من بينها إطلاق مبادرات مشتركة لتنمية المهارات وبناء القدرات، وتعزيز التعاون في مجالي الأمن السيبراني ومكافحة الاحتيال، إلى جانب الاستفادة من الخدمات الاستشارية التي تقدمها فيزا لدعم خطط سوريا في تطوير اقتصادها الرقمي.

وسيُوجَّه التعاون نحو تعزيز قدرة المشروعات متناهية الصغر والشركات الصغيرة والمتوسطة على الاندماج بشكل أوسع في الاقتصاد الرقمي، عبر دعم تبنّي المدفوعات الرقمية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات المالية، ورقمنة المعاملات التجارية اليومية بما ينسجم مع المعايير العالمية للأمن والتشغيل البيني.

ويعتزم الجانبان التعاون في تصميم وإطلاق مبادرة وطنية متخصصة للابتكار في مجال التكنولوجيا المالية في سوريا، وذلك من خلال منصات فيزا العالمية للتكنولوجيا المالية.

—————————–

 صندوق النقد يدعم الخطة الاستراتيجية للمركزي السوري والمالية

الخميس 2026/02/26

أكد صندوق النقد الدولي التزامه بمواصلة دعم الحكومة السورية في جهودها الرامية لإعادة تأهيل الاقتصاد وتحسين أداء المؤسسات الاقتصادية الرئيسية، موضحاً أن الاقتصاد السوري بدأ يدخل مرحلة التعافي المتسارع.

وأشار في بيان، عقب زيارة قامت بها بعثته إلى دمشق الأسبوع الماضي برئاسة رون فان رودن، إلى أن الاقتصاد السوري شهد تحولات هيكلية إيجابية، شملت تحقيق فائض مالي وانخفاضاً حاداً في معدلات التضخم، مدعوماً برفع العقوبات الدولية وعودة اندماج سوريا في المنظومة الاقتصادية العالمية.

وأشاد خبراء الصندوق بالسياسة المالية التي اتبعتها وزارة المالية في سوريا، حيث أظهرت البيانات الأولية نجاح الحكومة في إنهاء موازنة عام 2025 بـ”فائض طفيف”، وهو منجز يعكس الانضباط الصارم في احتواء الإنفاق ضمن الموارد المتاحة، مشيرين إلى التوقف التام عن اللجوء إلى “التمويل النقدي” عبر المصرف المركزي، ما أسس لمرحلة جديدة من الاستقلال المالي.

نجاح استثنائي

وشدد صندوق النقد في بيانه على أن هذا الاستقرار مهد الطريق لإعداد موازنة طموحة لعام 2026، تهدف إلى زيادة الإنفاق بشكل كبير على قطاعات الرعاية الصحية والتعليم وتحسين الأجور وإعادة تأهيل البنية التحتية، مع وضع ضمانات لحماية الفئات الأكثر هشاشة وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي.

وعلى صعيد السياسة النقدية، سجل صندوق النقد الدولي نجاحاً استثنائياً لمصرف سوريا المركزي في الحفاظ على موقف نقدي متشدد، ما أسفر عن تباطؤ كبير في معدلات التضخم التي هبطت إلى “خانة العشرات المزدوجة المنخفضة” بنهاية عام 2025، بالتوازي مع ارتفاع ملحوظ في قيمة الليرة السورية مقارنة بمستويات عام 2024.

وأوضح أن دعمه لسوريا سيتركز في المرحلة المقبلة على تمكين المصرف المركزي وضمان استقلاليته، وتطوير إطار حديث للسياسة النقدية، وإعادة هيكلة النظام المصرفي لضمان استعادة ثقة الجمهور وتفعيل دوره في التمويل والتجارة الدولية.

برنامج تعاون

وأشار إلى أنه “في إطار التزام الصندوق بدعم المؤسسات، تم الاتفاق على برنامج تعاون فني مكثف يدعم “خطة التحول الاستراتيجي لوزارة المالية 2026- 2030” واستراتيجية المصرف المركزي، بما يشمل تطوير إدارة الدين العام وتحديث التشريعات المالية وفق المعايير الدولية، تمهيداً لاستئناف “مشاورات المادة الرابعة”، التي تضع سوريا مجدداً على خريطة التقييم والاعتراف المالي الدولي الكامل”.

وشدد صندوق النقد على أن استدامة التعافي في سوريا تتطلب دعماً دولياً مستمراً، والقدرة على حشد التمويل الخارجي

———————–

======================

تحديث 25 شباط 2026

—————————–

 أزمة سوريا الحدودية..المعاملة بالمثل ودعم مالكي الشاحنات/ لوسي بارسخيان

الأربعاء 2026/02/25

على وقع القرار رقم (31) الصادر عن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا، والذي حظّر دخول شاحنات النقل البري “الأجنبية” إلى أراضيها متى كانت وجهتها النهائية سوريا، انعقد أمس اجتماع وزاري في السراي الحكومي لمواكبة تداعياته. إلا أن الاجتماع لم يرشح عنه أي موقف رسمي أو بيان مشترك يحدد وجهة التعاطي اللبناني مع القرار السوري، واكتفى بتأكيد وقوف الدولة خلف مالكي الشاحنات اللبنانيين ونقاباتهم، وتأييدها لكل ما يؤيدونه، ومن ضمنه مبدأ “المعاملة بالمثل”.

هذا المشهد أعاد تسليط الضوء على واقع التعاطي اللبناني مع القرار 31، الذي اتخذته دمشق ونفذته خلال ساعات، فيما لا يزال الجانب اللبناني يتعامل مع تداعياته من دون قرار رسمي واضح، مكتفياً بإدارة التفاوض على الاستثناءات، وتحت ضغط نقابة مالكي الشاحنات والأمر الواقع الذي فرضه الجانب السوري.

استجابة للأصوات النقابية

تضع سوريا قرارها، الذي لا يشمل الشاحنات “الأجنبية” التي تعبرها في إطار تجارة الترانزيت، في إطار حماية أسطولها من الشاحنات والبرادات، والاستجابة للأصوات النقابية التي ارتفعت جراء حالة الركود الطويلة التي يعانيها مالكو وسائقو هذه الشاحنات. فوفقًا لما نقل عن آخر اجتماع لبناني – سوري مشترك عقد في جديدة يابوس برئاسة مدير عام الجمارك فادي البراك عن الجانب السوري، ومدير عام النقل البري والبحري الدكتور تامر أحمد عن الجانب اللبناني فإنه “من بين أربعين ألف شاحنة في سوريا، هناك 11 ألف شاحنة فقط تعمل حتى الآن”. وبالتالي أعرب المفاوض السوري عن قناعته بأن القرار مفيد للسائقين، سواء أكانوا لبنانيين أم سوريين.

من حق سوريا طبعًا تطبيق أي قرار يعيد برأيها هيكلة قطاع النقل لديها، بعد سنوات الحرب والعقوبات. إلا أن صرخة سعيد عكست مأخذ المعنيين بهذا القطاع في لبنان، على دولتهم التي لم تتمكن حتى الآن من تسطير أي قرار “رسمي”، يترجم “السيادة الاقتصادية”. بل اكتفت برأيهم بالتعامل مع ترددات القرار 31 بالقطعة، مع محاولة مستمرة لانتزاع “استثناءات” ستطبق بالتوازي والمساواة بين البلدين، وتحت ضغط مالكي الشاحنات اللبنانيين، والأمر الواقع الذي فرض من الجانب السوري.

المعاملة بالمثل

لم يسمح الاجتماع الوزاري الذي انعقد يوم أمس الثلاثاء برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري في المقابل، بتغيير هذه الانطباعات التي سادت لدى المنتمين إلى نقابة مالكي الشاحنات. فهو كما قرأه الحسين لم يأت بأي تطور، بدليل أنه لم يرشح عنه ولو بيان رسمي مشترك. بل خلص الاجتماع الذي ضم أيضًا وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، وزير الأشغال والنقل فايز رسامني، وزير العمل محمد حيدر، ووزير الزراعة نزار هاني، إلى جانب مدير عام الأمن العام ومدير عام النقل والمديرة العامة للجمارك، إلى تأكيد المؤكد لناحية وقوف الدولة خلف مالكي الشاحنات ونقاباتهم وتأييدها لكل ما يؤيدونه، ومن ضمنه “المعاملة بالمثل”.

هذه الأجواء نقلها المجتمعون إلى نقابة مالكي الشاحنات اللبنانيين. في مقابل البحث بانتزاع مزيد من الاستثناءات من الجانب السوري، تسمح بدخول بعض أنواع البضائع بشاحنات البلد المصدّر. والسلة وفقًا لما أكده مصدر مشارك في الاجتماع ستشمل لائحة أكبر من تلك التي حددت، والتي باتت تضم حتى الآن: المواد المحمّلة ضمن صهاريج، المواد الخطرة، الإسمنت، المواد الأولية لصناعة الإسمنت، وأي مواد أخرى يتبيّن أن طبيعتها لا تتحمّل المناقلة ولا سيما الأدوية، الإلكترونيات، الزجاج الخام، الآلات الثقيلة، البضائع الدكما، المساعدات لمنظمات إنسانية، والبضائع المبرّدة بحرارة صفر وما دون. علمًا أن الدولة اللبنانية لا تزال تنتظر رد سوريا على استثناء الأفوكادو، الموز والعنب، والسماح بتصدير كمياتها إلى سوريا بشاحنات لبنانية، بمقابل موافقتها على تحميل أنواع من الخضار إلى أراضيها بشاحنات سوريا.

ازدواجية معايير

ولكن هذه النتيجة على ما يبدو لم تكن كافية بالنسبة للمعنيين بقطاع نقل البضائع ونقابتهم. بل انتظر هؤلاء أن يبت الاجتماع الوزاري تحديدًا في مسألة البضائع المنقولة من المناطق الحرة في البلدين. حيث كانت الاعتراضات قد ارتفعت جراء ما اعتبر “ازدواجية معايير” في تطبيق القرار 31. إذ وضعت السلطات الحدودية السورية البضائع المنقولة من منطقتها الحرة المشتركة مع الأردن عند معبر نصيب، في خانة نقل الترانزيت إلى لبنان. بينما اعتبرت أن البضائع المنقولة إلى سوريا من المناطق الحرة اللبنانية، سواء في مرفأ بيروت أو طرابلس، خاضعة للقرار 31، طالما أن وجهتها النهائية هي سوريا.

وهذه الازدواجية اعتبرتها نقابة مالكي الشاحنات مخلة بمبدأ “المعاملة بالمثل”. علمًا أنه في مقابل تأكيد مدير عام النقل في أكثر من مناسبة، بأن الدولة تقرر ما يقرره السائقون حول مسألة عبور الشاحنات من المناطق الحرة، فقد استمهل الجانب السوري الوفد اللبناني الذي التقاه مطلع الأسبوع في جديدة يابوس، حتى يوم الاثنين المقبل حتى يتخذ قراره بشأن الاستثناءات المطلوبة، كما بشأن البضائع المحملة من المناطق الحرة في البلدين. وقد وافقت الجمعية العمومية لنقابة مالكي الشاحنات على هذه المهلة، مع تأكيدها بأنها غير قابلة للتمديد.

وعليه سيعتبر يوم الاثنين المقبل حاسمًا بالنسبة لنقابة مالكي الشاحنات لجهة اتخاذ القرار بالعودة إلى إقفال معبر المصنع الحدودي أمام الشاحنات السورية التي لا تزال تدخل إلى لبنان باستثناءات متفق عليها أم لا. بانتظار نتائج الاجتماع المرتقب مع الجانب السوري، والذي لم يجر التواصل بين الطرفين لتحديد موعده بعد.

في الأثناء لا ينفي النقيب الحسين، وقع قرار سوريا الإيجابي على مالكي الشاحنات. ويرى أن هذه الايجابية ترجمت خصوصًا بالدورة المكتملة التي حققتها الشاحنات من خلال تحميلها بالبضائع من وإلى جديدة يابوس. بينما كان يمنع على الشاحنات التي تدخل بالبضائع إلى سوريا سابقًا، أن تعود منها محملة، خلافًا لواقع الشاحنات السورية التي كانت تعامل في لبنان أسوة بالشاحنات اللبنانية.

هذا الواقع عرضه مدير عام النقل احمد تامر على الجانب السوري خلال الاجتماع الأخير، كنقطة ضعف إضافية للقرار 31. وأوضح تامر بالأرقام كيف كانت الشاحنات السورية تعود من لبنان محملة مئة بالمئة، بينما هي حرمت من هذا الإمتياز حاليًا.

علمًا أن مقاربة الجانب اللبناني لقطاع النقل تختلف تماما عن مقاربة الجانب السوري. فأولوية سوريا كما أكدت في أكثر من مناسب هي حماية أسطول شاحناتها. بينما تقترب مقاربة لبنان من مقاربة الهيئات الاقتصادية في البلدين، والتي عبر عنها بيان غرفة تجارة دمشق الرافض للقرار 31، لما يفرضه برأي الجانب اللبناني من تغير في مسارات التجارة وبالتالي ارتفاع في كلفة النقل.

في الخلاصة، يبدو أن القرار 31 وتطبيقاته مفتوحة على مزيد من الترددات داخل لبنان، لا سيما بعدما كشفه عن عجزٍ في إنتاج موقف وطني اقتصادي سيادي واضح في مواجهة قرار سيادي سوري، اتُّخذ ونُفِّذ خلال ساعات. والاثنين المقبل قد يكون مفصليًا في تحديد ما إذا كان معبر المصنع سيتحول ورقة ضغط متبادلة، أم يشكل عنوانًا لاختلال أوسع في ميزان القرار الاقتصادي بين البلدين

المدن

—————————–

======================

تحديث 24 شباط 2026

—————————–

سؤال الهوية الاقتصادية والخيارات الصفرية/ جمعة حجازي

24 فبراير 2026

في سورية ما بعد الحرب، لا يعود سؤال هوية الدولة الاقتصادية ترفاً فكرياً، بل ضرورة بقاء. فالتصدّعات التي أصابت العقد الاجتماعي كشفت أن النقاش حول “الدولة الرعائية” لا ينفصل عن سؤال الشرعية والهوية وطبيعة السلطة نفسها. إعادة التفكير في الدولة تنبغي أن تبدأ من الواقع ومزاج مجتمع صارحته الحرب بحقيقته.

على تخوم هذا الميزان، تُفيدنا المدارس الليبرالية الكلاسيكية كعلامات تحذير لا كوصفات جاهزة. فمدرسة شيكاغو تذكّر بأن الدولة حين تتجاوز وظائفها الأساسية قد تُغريها النيات الحسنة فتُولِّد نتائج غير مقصودة تُضعف كفاءة السوق وتضرّ بمن أرادت نصرتهم، وبأن تبرير التدخل يجب أن يبقى محكوماً بحدود واضحة، مثل إنفاذ العقود والسلع العامة ومعالجة الآثار الخارجية ورعاية غير القادرين. وفي الاتجاه نفسه، تشرح مدرسة الخيار العام كيف يمكن لتركّز المنافع وتشتّت التكاليف أن يدفعا إلى تضخّم جهاز الدولة خارج حدود “العقد الاجتماعي” حتى حين تبدو آليات التمثيل ديمقراطية. ثم يأتي التحذير الأكثر حدّة مع هايك، حين يرى أن التخطيط المركزي قد ينزلق تدريجياً إلى تآكل سيادة القانون وتحويل السياسة إلى إدارة انتقائية للموارد باسم “غاية عامة” لا يشارك الناس فعلياً في تعريفها. ليست هذه الأطروحات دعوة إلى انسحاب الدولة من الحماية، لكنها تنبيه إلى أن العدالة الاجتماعية لا تُنتج بالنيات وحدها، بل بتصميمٍ مؤسّسيّ يضبط الحوافز ويمنع تضخّم البيروقراطية وتحويل السياسة إلى ريع.

من هنا تحديداً يصبح سؤال الرعاية في سورية سؤالاً سياسياً بامتياز. فإذا كانت الدولة ستغيّر دورها، فكيف تُقنع المجتمع بأن التغيير ليس “انسحاباً” ولا “عقوبة” ولا نقلاً للكلفة إلى الناس؟ وكيف تُثبت أن إصلاح الرعاية ليس تخفيفاً للواجب بل انتقالاً من رعايةٍ مُنهَكة إلى حمايةٍ ذكية؟ الإجابة تبدأ بقراءة دقيقة للواقع الاجتماعي، وباستباق ردود الفعل، وبصياغة مسارٍ زمنيّ يتدرّج بدل أن يصدم.

كيف ضاعت الهوية الاقتصادية؟

لكي تكون “المعقولية” سياسة لا عبارة، لا بد من النظر إلى المسار السوري على مدى قرنٍ بوصفه تراكماً لتجارب اقتصادية وسياسية صنعت توقعات المجتمع من الدولة.

في العشرينيات، تشكّل الإطار الإداري الحديث في ظل الانتداب الفرنسي، مع بناء إدارات وطرق وبدايات مؤسسات تعليمية. ثم جاء الاستقلال عام 1946 ليضع الدولة الناشئة أمام معضلة مزدوجة: رغبة في اقتصاد يقوده القطاع الخاص في مدنٍ تجارية، مع حاجة متزايدة لدورٍ عام يردم فجوات الريف ويضمن الخدمات الأساسية.

في الخمسينيات والستينيات، ومع التحولات السياسية الكبرى، اتسع الدور العام عبر إصلاح زراعي وتأميمات وتوسّع قطاعٍ عام وتسعير إداري ومحاولات تخطيطٍ واسعة لبناء استقلالٍ إنتاجي وتجاوز اختلالات ما بعد الاستقلال. كان منطق تلك الحقبة بسيطاً: الدولة تُمسك بالرافعات الاقتصادية، وتعيد توزيع الموارد، وتُسرّع التحديث.

وفي السبعينيات، ومع موارد استثنائية من التحويلات والمساعدات والطفرة النفطية الإقليمية، بُنيت أجزاء معتبرة من البنية التحتية وتوسّعت المدارس والجامعات وبعض المصانع العامة، وترسّخ عقدٌ اجتماعي غير مكتوب يقوم على “التوظيف مقابل الولاء”، و”الدعم مقابل الاستقرار”، و”الخدمات الأساسية مقابل الصمت السياسي”. غير أن هذا العقد دخل الثمانينيات على أزمة كفاءة وقدرة تمويل: تراجعت القوة الشرائية، وظهرت اختناقات في العملة الأجنبية، وتفاقمت مشاكل هيكلية في الإنتاجية، وتعرّضت شرعية النظام لاختبارٍ اقتصادي لأول مرة بهذا العمق. فبدأت الدولة تتآكل كمؤسسة إنتاج، وتتعزّز كجهاز توزيع سياسي، وتتحول الوظيفة العامة تدريجياً من أداة بناء إلى أداة امتصاص واحتواء.

ومع عتبة التسعينيات جاءت “الانفراجات” القانونية، ثم في الألفية الأولى انفتاحٌ انتقائي وتحريرٌ جزئي رافقه نمو شبكات امتياز تربط رأس المال بالسلطة وتعيد توزيع الرخص والأسواق والفرص وفق القرب السياسي لا وفق المنافسة، أي نشوء “رأسمالية زبائنية” داخل خطابٍ يرفع أسماء السوق والإصلاح.

في 2005 أُعلن الانتقال إلى “اقتصاد السوق الاجتماعي”، في إطار الخطة الخمسية العاشرة، بوصفه وعداً بعقد اجتماعي جديد يوازن بين تحرير اقتصادي وحماية اجتماعية أفضل استهدافاً. وحتى وثائق الأمم المتحدة الداعمة لذلك التحول تحدثت صراحة عن أن تفكيك الاحتكارات ورفع بعض أشكال الدعم قد يضرّ شرائح هشّة على المدى القصير إن لم تُبنَ حماية انتقالية وآليات متابعة. ثم جاء جفاف 2006–2010 ليضغط الريف بقوة، ويدفع هجرات داخلية، ويكشف حدود قدرة السياسة العامة على امتصاص الصدمات حين تتقاطع هشاشة التنمية مع ضعف الحوكمة.

وكان على تلك الخطة أن تدرك أن التحوّل الاقتصادي لا ينفصل عن التحول الاجتماعي والسياسي؛ فإصلاح الموازنة والعجز وإدارة المال العام عملية اقتصادية بالغة الأهمية لن تنجح الدول من دونها، لكن جوهر الإصلاح الاقتصادي في سورية كان مرهوناً بجانبيه الإداري والسياسي، اللذين لم يكونا عوناً لتلك الخطة، بل كانا معيقَين لها بدرجة كبيرة.

بهذه التراكمات دخلت سورية عام 2011، ثم جاءت الحرب لتدمّر رأس المال المادي والبشري، وتفجّر أزمة خدمات وبنية تحتية وتدهوراً اجتماعياً واسعاً، مع خسائر اقتصادية جسيمة قُدِّرت بـ 400 مليار دولار، وتراجعٍ في فرص التعليم والصحة، ونزوحٍ داخلي وخارجي بلغ 15 مليون سوري، وتفاقمٍ في الفقر متعدد الأبعاد. في هذا السياق، تبدو “الهوية الاقتصادية” سؤالاً لازماً؛ فسورية لم تستقر طويلاً على نموذجٍ قابل للتعريف، لأنها لم تُحوِّل الشعار إلى مؤسسات: لم تكن اشتراكية إنتاجية متماسكة، ولا سوقاً تنافسية عادلة، بل خليطاً انتهى، في سنواته الأخيرة، إلى دولة ريعية يكون فيها القطاع العام باباً للنهب والفساد أكثر منه أداة بناء.

مرايا العالم: ماذا نتعلم؟

حين نبحث عن نموذجٍ معقول لسورية، لا نبحث عن نسخة جاهزة، بل عن “مبدأ تصميم”. التجربة الألمانية بعد 1945 مفيدة لأنها تقدّم هذا المبدأ بوضوح: اقتصاد سوق اجتماعي تقوم فيه الدولة بدور قوي في التنظيم ومنع الاحتكار وحماية المنافسة، مع شبكة أمان اجتماعي كريمة، من دون أن تتحول إلى مُشغّل شامل لكل القطاعات. الدولة تُحدّد القواعد وتضبط السوق، بينما يظل الاقتصاد قادراً على خلق الثروة والوظائف (مؤسسة فريدريش ناومان، 2021؛ فِلد وكوهلر ونيِنتيدت، 2021).

هذه الفكرة مهمة لسورية، لأن مشكلتها لم تكن يوماً نقص الشعارات، بل ضعف القواعد وغياب الضبط وتحول الدولة إلى موزّع ريع.

ومن الشمال الأوروبي يأتي درسٌ أعمق: المساواة لا تُصنع فقط بتوزيع الأموال بعد حدوث الفجوة، بل بتضييق الفجوة عند المصدر عبر تنسيق سوق العمل والاستثمار الاجتماعي في التعليم والصحة ورعاية الطفولة. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن ضغط تفاوت الأجور عبر مؤسسات تفاوض قوية وسياسات اجتماعية استثمارية كان عاملاً محورياً في انخفاض اللامساواة هناك. والمعنى لسورية واضح: الرعاية لا تنجح إذا عاشت منفصلة عن المدرسة والعيادة وسوق العمل. وما لم تتحول الحماية إلى استثمار في الإنسان، ستبقى كلفة تتضخم بلا عائد.

أما أميركا اللاتينية فتعطي درساً عملياً في تصميم شبكة أمان ذكية: برنامج “بولسا فاميليا” ربط التحويلات النقدية بمؤشرات قابلة للقياس مثل المواظبة المدرسية والتطعيم، فساهم في خفض الفقر واللامساواة وتحسين مؤشرات التعليم، مع تنبيه صريح إلى أن نجاح الشروط يتطلّب أن تكون خدمات الصحة والتعليم متاحة أصلاً كي لا تتحول الشروط إلى عقاب.

وفي كولومبيا تظهر التقييمات الطويلة أن أثر التحويلات المشروطة قد يمتد إلى انخفاض الجريمة، وتقليل حمل المراهقات، وتحسين المسار التعليمي، أي أن حماية الدخل قد تتحوّل إلى حماية للمجتمع من دوائر المخاطر.

لكن المرايا القريبة تحذّر من “تفاصيل التنفيذ”. الأردن مثال على التوسع الرقمي الكبير في التحويلات، مع أثر توزيعي واضح، لكنه واجه نقداً حقوقياً يتعلق بخطر الاستهداف الخوارزمي غير الشفاف وغياب قابلية التدقيق الكامل للمعايير وحق التظلّم الفعّال.

والعراق مثال على أن الدعم العيني الشامل قد يحمي الأمن الغذائي في لحظات صعبة، لكنه مكلف وغير كفؤ، وأن الإصلاح الفجائي يحتاج إلى تعويض مسبق جيد التصميم لتجنب صدمة رفاه واسعة، وإلا تحولت الإصلاحات إلى أزمة سياسية واجتماعية.

هذه المرايا تقول لسورية: ليس المهم أن نقرر “استهدافاً” أو “رقمنة” أو “رفع دعم”، بل أن نبني حوكمة وتعويضاً وتدرجاً وحق تظلّم؛ وإلا فإن أي إصلاح سيُقرأ كعقوبة جماعية.

سؤال الهوية الاقتصادية سؤال عقد اجتماعي

في سورية بعد التحرير وإسقاط النظام البائد، لن يعود سؤال الهوية الاقتصادية قابلاً للإجابة بشعارٍ إنشائي أو بتسمية سياسية. سيكون سؤالاً عملياً: كيف تُبنى دولة قابلة للحياة لا ريعية؟ وكيف يُعاد توجيه القطاع العام من باب للنهب إلى جهاز خدمة وتنظيم؟ وكيف يُصاغ عقد اجتماعي لا يقوم على “الدعم مقابل الولاء” بل على “الحقوق مقابل المواطنة”؟

تقول التجربة السابقة إن النظام البائد لم يبنِ هوية اقتصادية مستقرة بقدر ما بنى دولة ريعية. صحيح أن أوائل السبعينيات شهدت توسعاً في البنية التحتية والتعليم وبعض التصنيع العام، لكن القطاع العام سرعان ما تحوّل، مع الزمن، إلى مسارٍ للفساد والنهب. ومع الانفتاح الانتقائي ظهرت شبكات امتياز واحتكارات تُعيد تعريف السوق على أساس الولاء.

هنا بالضبط تتقدم الأسئلة بوصفها مفاتيح تصميم لا أسئلة بلاغية: من أين يبدأ العمل؟ ومن يقوم به؟ وكيف؟ والبدء من الدولة وحدها قرار فوقي قد يُفشل الإصلاح اجتماعياً، والبدء من المجتمع وحده يترك فراغاً مؤسسياً لا يُحتمل. المعقول أن يبدأ العمل من نقطة تماس: استعادة الوظائف السيادية (أمن، عدالة، إنفاذ عقود، منافذ، جباية)، لأنها الشرط الأول لاقتصاد منتِج؛ بالتوازي مع إعادة تشغيل الخدمات الأساسية عبر معايير أداء قابلة للقياس بدل تشغيلٍ بيروقراطي عشوائي. ثم يأتي سؤال “كيف سيتلقى المجتمع التغيير؟”.

لا تجوز مراجعة الدور الحمائي والرعائي من دون تقدير استجابة الناس؛ لأن تجاهل ردّة الفعل ليس مجرد خطأ اجتماعي، بل مقامرة سياسية. وهذا يقتضي أن يكون أي تخفيفٍ للدعم أو تحويله من عيني إلى نقدي مسبوقاً بتعويض واضح، وبآليات تظلّم، وبشفافية معايير الاستهداف، وبقياس أثر مُعلن، لا سيما بعد تجارب المنطقة مع الاستهداف غير الشفاف. فالمعقولية هنا مزدوجة: معقولية الإصلاح المالي، ومعقولية رد فعل المجتمع. كلاهما “عقلاني” بطريقته، وكلاهما يجب أن يدخل في التصميم.

ويأتي سؤال “ماذا لو لم يتلقَّ المجتمع التغيير بشكل حسن؟” بوصفه اختباراً أخلاقياً قبل أن يكون إدارياً. فإذا فشل الاستقبال، فالمطلوب ليس تخوين الناس بل تعديل السياسة. لذلك يصبح التفكير في تغيير دور الدولة جزءاً من تفكيرٍ تنموي أولاً؛ فكل تقدّم تنموي حقيقي يخفف العبء الرعائي تلقائياً ويرفع العائد الاجتماعي والسياسي. أي إن الرعاية المستدامة ليست ما تدفعه الدولة دائماً، بل ما تخلقه من شروط تجعل الناس أقل اعتماداً على التحويلات وأكثر قدرة على العمل والإنتاج (موجستاد وآخرون، 2025؛ البنك الدولي، 2023).

أما سؤال “لماذا يُقدَّم التغيير كأنه تصحيح تاريخي؟” فهو سؤال لغة وخطاب قبل أن يكون سياسة. حين تقول الدولة للناس إنّ ما سيحدث “تصحيح”، قد يسمع الناس: “أنتم كنتم عبئاً، والآن سنخفف عن أنفسنا”.

البديل هو لغة “إعادة التوازن العادل”: من سيخسر؟ ومن سيكسب؟ وكيف نُعوّض؟ وما هو الجدول الزمني؟

هنا تصبح الهوية الاقتصادية الملائمة لسورية بعد التحرير هوية توليفية: ليست دولة صغرى تلقي العبء على الأفراد، وليست دولة رعاية شمولية تعد بما لا تملك، بل اقتصاد سوق اجتماعي تنموي: دولة قوية تنظيمياً، عادلة في الضرائب، شفافة في الإنفاق، تستثمر في رأس المال البشري، وتبني شبكة أمان ذكية تتقلص تلقائياً مع تحسن الدخل، مع مؤسسات ضبط تمنع ارتداد السوق إلى احتكارات جديدة أو ارتداد الدولة إلى ريع جديد (مؤسسة فريدريش ناومان، 2021؛ فِلد وكوهلر ونيِنتيدت، 2021؛ الإسكوا، 2025).

إن دمج الرؤى السابقة يضعنا أمام إطار تحليلي ثري لإعادة التفكير في الدولة السورية ما بعد الحرب. فمن جهة، تفرض التحولات الاجتماعية الهائلة والاحتياجات الملحّة إعادة نظر جوهرية في دور الدولة، لا كتدبير تقني بحت، بل كجزء من عملية إعادة تأسيس العقد الاجتماعي الممزق. لا يمكن فصل النقاش حول “الدولة الرعائية” عن الأسئلة الأعمق حول طبيعة الدولة السورية ذاتها، وهويتها، ومشروعيتها، ومصادر شرعيتها المتجددة.

ومن الواضح أن النموذج الليبرالي الكلاسيكي المتطرف (الدولة الصغرى) يصطدم بواقعٍ سوري يتميز ببنية اجتماعية–اقتصادية مهشّمة بسبب الحرب، وتراث طويل من المركزية الإدارية والاقتصادية، وتوقعات راسخة لدى شريحة واسعة من المواطنين تجاه الدولة كمقدم أساسي للخدمات والحماية. أي محاولة لـ”تصحيح” دور الدولة عبر تقليصه بشكل جذري ومفاجئ، بناءً على حجج نظرية مجردة، ستكون مشروعاً فاشلاً وخطيراً، وسيُفهم على أنه تخلٍّ عن المسؤولية وتحميل للمجتمع تكاليف إعادة الإعمار، ما قد يهدّد الاستقرار الهش.

وفي المقابل، فإن الإصرار على استمرار نموذج دولة الرفاه الشمولية التقليدية، في ظل اقتصاد منهار وموارد شحيحة وفساد مستشرٍ، هو استحالة عملية ووصفة لاستمرار التدهور؛ فالعبء الاقتصادي لدولة تقدّم كل شيء سيكون ساحقاً، وسيعيق قدرتها على القيام حتى بوظائفها الأساسية في الأمن والعدالة.

لذلك، يجب أن ينطلق التفكير من “معقولية” مضاعفة: معقولية الإصلاح الاقتصادي والمالي الذي يضمن استدامة الدولة، ومعقولية التوقعات المجتمعية وقدرة الناس على استيعاب التغيير. الحل لا يكمن في الاختيار بين “الدولة الرعائية” الكاملة و”الدولة الحارسة” الدنيا، بل في تصميم نموذج انتقالي ذكي يراعي السياق السوري الخاص.

وأخيراً، يبقى السؤال الزمني: قصير – متوسط – طويل. ليس كجدولٍ ميكانيكي، بل كـ إيقاع اجتماعي وسياسي يتجنب الصدمات.

• في المدى القريب: تُبنى الثقة عبر استعادة القانون، وتشغيل الخدمات الأساسية، والتحويلات الذكية المستهدفة بشفافية.

• في المدى المتوسّط: تُعاد هيكلة القطاع العام، وتُفتح القطاعات للمنافسة المراقَبة، ويُضبط الاحتكار، وتتحول الدعوم العينية تدريجياً إلى نقدية مرتبطة بالتعليم والصحة والعمل.

• في المدى البعيد: تُرسّخ قواعد سوق اجتماعي سوريّ الصنع. ليس مجرد تسمية، بل مؤسسات قادرة على التعلّم والتعديل والمساءلة.

بهذه المعقولية فقط، تُغلق صفحة الريع، لا لأننا نعلن ذلك، بل لأننا نبني نظاماً يجعل الريع مكلفاً وصعباً، ويجعل الإنتاج والشفافية أكثر جدوى.

العربي الجديد

——————————–

نموذج “الشركات المساهمة العامة”… إصلاح وحوكمة أم بيع مؤجّل؟/ مرشد النايف

24 فبراير 2026

أثار تصريح تقني نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، اهتماماً لافتاً، حين أعلن وزير المالية محمد يسر برنية عن مناقشات مع فرق البنك الدولي لتحويل الشركات المملوكة للدولة إلى شركات مساهمة عامة، تمتلك الدولة كامل أسهمها “في البداية”، مع اعتماد مجالس إدارة مستقلة، وتطبيق قواعد حوكمة صارمة، ونشر تقارير مالية مدققة دورياً.

تجاوز الطرح حدود النقاش الفني، ليصل إلى اقتراح مشروع قانون يُلزم بتحويل جميع الشركات الحكومية إلى هذا النموذج.

ظاهرياً، يبدو الأمر تحديثاً إدارياً: الانتقال من صيغة “المؤسسة العامة” إلى صيغة “الشركة المساهمة”. غير أن هذا التحول ليس شكلياً فقط، فالشركة المساهمة ليست مجرد إطار تنظيمي، بل بنية قانونية مختلفة جذرياً من حيث الشخصية الاعتبارية، وآليات اتخاذ القرار، وقابلية نقل الملكية، ومرونة التداول. وذلك كله يعني قطيعة واضحة وصريحة مع الخصخصة، التي سبق وأعلن عنها العام الماضي وزير الاقتصاد السابق باسل عبد الحنان.

مع التوجه الجديد، يبرز السؤال المركزي: هل نحن أمام إصلاح حوكمي لتحسين الكفاءة من دون المساس بالملكية العامة؟ أم أن الشكل القانوني الجديد يفتح الباب، ولو نظرياً، لتحولات مستقبلية في بنية الملكية؟ التقرير لا يتبنى اتهاماً ولا يسلّم بالرواية الرسمية، بل يعرض لنموذجين: متى يكون التحول إلى شركة مساهمة أداة إصلاح.. ومتى يصبح تمهيداً للتخارج والبيع؟

ماذا يعني التحول القانوني؟

تخضع المؤسسة العامة في النموذج الإداري التقليدي مباشرة للوزارة المختصة، ويكون الوزير المرجعية النهائية في التعيينات والقرارات الاستراتيجية. أما الشركة المساهمة، حتى لو كانت مملوكة بالكامل للدولة، فهي تخضع لقانون الشركات، ويُفترض أن يديرها مجلس إدارة، وأن تُتخذ قراراتها وفق آليات تصويت محدّدة، وأن تخضع لحسابات ختامية وتدقيق.

الفارق الجوهري هنا أن أسهم الشركة، من الناحية القانونية، قابلة للنقل أو البيع ما لم يُقيَّد ذلك صراحة في القانون. أي أن “الملكية الكاملة في البداية” ليست ضمانة دائمة، بل توصيف لحظة زمنية. وهو ما يستحق أن نقلق بشأنه حاضراً ومستقبلاً.

لهذا يصبح جوهر النقاش قانونياً أكثر منه سياسياً: هل سيحتوي التشريع اللاحق المقترح على قيود صريحة تمنع بيع أي نسبة من الأسهم إلا بقانون خاص وأغلبية موصوفة؟ أم أن الباب سيبقى مفتوحاً نظرياً لتعديلات لاحقة بقرارات حكومية؟ لفهم المسار الممكن، من المفيد النظر إلى تجارب مقارنة.

الصين.. تحديث تحت السيطرة

تقدم الصين نموذجاً معقداً يجمع بين آليات السوق واحتفاظ الدولة بالتحكم الاستراتيجي. ففي عام 2003 أُنشئت لجنة الإشراف وإدارة الأصول المملوكة للدولة التابعة لمجلس الدولة (SASAC)، تحت إشراف مجلس الدولة الصيني، بهدف فصل الدور التنظيمي عن دور الدولة بصفتها المالك. قبل ذلك، كانت الوزارات تدير الشركات مباشرة. أما بعد إنشاء اللجنة، فأصبح هناك كيان متخصص يدير “رأس مال الدولة”.

وفق ما نقلته وكالة أنباء شينخوا عن بيانات اللجنة، تجاوز إجمالي أصول الشركات المملوكة للدولة الخاضعة للإدارة المركزية 90 تريليون يوان في عام 2024 (نحو 12 تريليون دولار)، مسجّلاً نمواً سنوياً بنسبة 5.9%. كما بلغ إجمالي أرباحها 2.6 تريليون يوان (نحو 360 مليار دولار).

يتميز النموذج الصيني بمنظومة ضبط سياسي؛ فالتعيينات العليا تمر عبر آليات الحزب الشيوعي، ما يُبقي السيطرة الاستراتيجية في يد الدولة. بعبارة أخرى: الشكل شركة مساهمة، لكن “القبضة” قابضة لم تُفلت. فسلطة تعيين أو عزل القيادات العليا بيد إدارة التنظيم في الحزب الشيوعي الصيني، ما يعكس التداخل بين البنية الحزبية والإدارة الاقتصادية.

باكستان.. الشكل مدخلاً للتخارج

على الضفة الأخرى، تُقدم باكستان مساراً مختلفاً. فقد صدر عام 1997 قانون أنشأ الهيئة الوطنية لتنظيم الطاقة الكهربائية (NEPRA) بوصفها جهة تنظيم مستقلة. مثّل هذا التطور نقطة تحول في بنية القطاع، إذ جرى لاحقاً فصل أنشطة الكهرباء عن هيئة تطوير المياه والطاقة (WAPDA)، وإعادة تنظيمها ضمن شركات مستقلة للتوليد والنقل والتوزيع، سُجلت بصفة شركات محدودة بالأسهم، مملوكة بالكامل للحكومة الفيدرالية عند التأسيس.

لكن الإطار القانوني لم يتضمن قيوداً مشددة على نقل الملكية مستقبلاً. وهكذا دخلت بعض الكيانات ضمن برامج أشرفت عليها لجنة الخصخصة الباكستانية (PCP)، التي تطورت لاحقاً إلى وزارة، في إشارة مؤسسية إلى ترسيخ نهج الانتقال نحو تقليص الملكية العامة في بعض القطاعات. أي أن هذا التفكيك الوظيفي أسّس لبنية قانونية جديدة: شركات ذات شخصية اعتبارية مستقلة، لكنها مملوكة للدولة في البداية، مع إمكانية طرح حصص منها لاحقاً ضمن برنامج الخصخصة، وهو ما كان.

لم يترافق التحول إلى صيغة “شركات مساهمة” في باكستان مع نصوص قانونية تقيّد صراحة بيع حصص مستقبلية أو تمنع نقل ملكيات مُسيطرة. وبذلك، أتاح الإطار القانوني إمكانية طرح أسهم أو التخارج الجزئي أو الكلي في بعض الكيانات، خاصة في قطاعي التوليد والتوزيع. ومع مرور الوقت، انتقلت حصص مؤثرة إلى مستثمرين من القطاع الخاص في حالات محدّدة، فيما بقيت شركات أخرى تحت الملكية الكاملة للدولة. والحال بدأ يسوء تدريجياً.

تقارير الأداء الدورية، الصادرة عن الجهة التنظيمية، تشير إلى استمرار تحديّات هيكلية مزمنة، من أبرزها ارتفاع خسائر النقل والتوزيع، وضعف معدلات التحصيل في عدد من شركات التوزيع، إضافة إلى تعديلات متكررة في التعرفة نتيجة تغيرات أسعار الوقود وسعر الصرف وأعباء التمويل. وفي هذا السياق، نشرَت صحيفة Business Recorder، وهي من أبرز الصحف الباكستانية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية والمالية، في سبتمبر/ أيلول 2025 مقالاً تحليلياً ذكرت فيه أن قطاع الطاقة عاد إلى “حافة الهاوية”، مشيرة إلى أن حجم الدين الدائري بلغ نحو 2.4 تريليون روبية (قرابة 8.6 مليارات دولار)، أي ما يعادل حوالي 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي. والدين الدائري هو تراكم مستمر للمدفوعات غير المسدّدة، بين أطراف سلسلة إنتاج وتوزيع الطاقة، بحيث تتحول الذمم المالية المتبادلة إلى حلقة مغلقة من الالتزامات غير القابلة للسداد الكامل دون تدخل خارجي.

واعتبر التحليل أن الأزمة لم تعد مالية فحسب، بل أصبحت تعبيراً عن اختلالات هيكلية متجذرة تشمل ضعف التحصيل، وسرقة الكهرباء، ومشكلات الحوكمة، والقيود المرتبطة بالبنية التحتية. كما أشار التحليل إلى إطلاق الحكومة في عام 2025 ترتيباً تمويلياً مصرفياً مجمعاً بقيمة 1.225 تريليون روبية (4.3 مليارات دولار)، بدعم من صندوق النقد الدولي، لإعادة تمويل التزامات متراكمة، بينها ديون لشركات ومتأخرات منتجي الطاقة المستقلين.

ورغم وصف العملية بأنها أكبر صفقة مصرفية في تاريخ باكستان، طرح المحلل سؤالاً جوهرياً: هل تمثل هذه الخطوة إصلاحاً حقيقياً، أم مجرد إعادة جدولة تمهد لمزيد من الاقتراض؟ واستحضر تجربة عام 2013 حين سدّدت الحكومة نحو 480 مليار روبية لإطفاء الدين الدائري، قبل أن يعاود الظهور خلال أشهر، في نمط تكرّر عبر زيادات تعرفة ودعم مالي مؤقت دون معالجة جذرية للأسباب البنيوية.

وتُظهر أرقام الصحيفة أن التعرفة ارتفعت بنحو سبعة أضعاف منذ عام 2007، فيما قفز سعر الكيلوواط من سبع روبيات في 2020 إلى نحو 17.5 روبية في 2025، في وقت لا يُستغل فيه سوى نحو 34% من القدرة المركبة (ما يمكن إنتاجه إذا اشتغلت جميع المحطات بكامل طاقتها). ويتضح هنا أن نقل الملكية الجزئي تحوّل إلى أداة مالية لإدارة أزمة هيكلية أعمق ولم يكن علاجاً سحرياً قطّ.

لا يقول الدرس الباكستاني إن الخصخصة فاشلة على إطلاقها، لكنه يبيّن أن التحول القانوني من دون إصلاح إداري حقيقي، وضبط رقابي صارم، قد ينتهي إلى بيع أصول دون حل جذري.

عبء التركة السورية

القطاع العام السوري ليس كياناً ثانوياً يمكن التعامل معه بوصفه هامشاً اقتصادياً محدود الأثر. فعشية دمج وزارة الصناعة مع وزارة الاقتصاد في العام الماضي، كانت وزارة الصناعة وحدها تشغّل قرابة 65 ألف عامل موزعين على سبع مؤسسات تتبع لها 96 شركة. هذا الرقم لا يعكس مجرد هيكل إداري، بل شبكة إنتاجية واسعة الامتداد. فعلى سبيل المثال، تضم المؤسسة العامة للصناعات النسيجية 27 شركة تستحوذ وحدها على نحو 44% من إجمالي عدد عمال الوزارة، ما يعكس الثقل التاريخي والاقتصادي لهذا القطاع ضمن البنية الصناعية العامة. وفي السياق الأوسع، تشير نقابة الاقتصاديين السوريين إلى وجود 202 شركة تابعة للقطاع العام، وهو رقم يكشف اتساع المظلة المؤسسية التي تعمل تحتها الدولة في المجال الاقتصادي. هذا الامتداد لا يتوقف عند عدد الشركات، بل يتجلى بوضوح في حجم القوة العاملة. فوفق تصريحات لمسؤولين حكوميين نقلتها وكالة “رويترز”، بلغ عدد الموظفين في القطاع العام السوري نحو 1.3 مليون موظف. ولا يقتصر هذا الرقم على الشركات ذات الطابع الاقتصادي، إنما يشمل أيضاً المؤسسات الحكومية الخدمية والإدارية، ما يعني أن القطاع العام يشكل ركيزة تشغيلية واجتماعية كبرى تمس شريحة واسعة من المجتمع السوري، وتمتد بصمته في مساحات واسعة من النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

غير أن هذا الاتساع العددي لم يقابله أداء اقتصادي مكافئ. فبحسب تصريحات وزير المالية السابق محمد أبازيد، التي نقلتها “الشرق بلومبيرغ”، فإن أكثر من 70% من الشركات ذات الطابع الاقتصادي في القطاع العام تُصنّف باعتبارها “خاسرة” أو “غير منتجة بما يكفي”. وهذه النسبة المرتفعة تعكس فجوة واضحة بين الحجم المؤسسي وبين الكفاءة التشغيلية. صحيح أن العديد من هذه الشركات تبقي خدمات حيوية، كالكهرباء والمرافق الأساسية، تحت سيطرة الدولة، إلا أن استمرار الملكية العامة لا يضمن بذاته تحقيق إنتاجية مرتفعة أو مساهمة فعالة في النمو الاقتصادي.

وكانت “رويترز” قد نقلت في 31 يناير/ كانون الثاني من العام الماضي عن وزير الاقتصاد السوري السابق باسل عبد الحنان أن الحكومة تعتزم العمل على خصخصة الشركات الصناعية التي تديرها الدولة، والبالغ عددها 107 شركات، كانت غالبيتها خاسرة. وفي المقابل، شددت تصريحات المسؤول على أن الأصول “الاستراتيجية” في قطاعات الطاقة والنقل، ستبقى تحت سيطرة الدولة.

إجمالاً، يتسم واقع معظم الشركات الحكومية بضعف الإنتاجية. فعقود من البيروقراطية الثقيلة، وتداخل الصلاحيات، وضعف نظُم المحاسبة والحوكمة، إلى جانب مظاهر الفساد التي وسمت أداء المؤسسات السورية طيلة حكم السلالة المتوحشة، أفرزت بيئة إدارية يُنظر فيها إلى بعض هذه الشركات باعتبارها أعباء مالية وإدارية، أكثر من كونها أصولاً اقتصادية مولِّدة للقيمة. وهنا تتجلى المفارقة: قطاع عام ذو وزن عددي ومؤسسي كبير – سواء من حيث عدد العاملين، أو طبيعة الشركات المملوكة للدولة، أو حضوره في قطاعات استراتيجية – لكنه يعاني في الوقت ذاته من اختلالات هيكلية عميقة في الأداء والإنتاجية.

وعليه، فإن أي نقاش حول تحويل هذا القطاع أو إعادة هيكلته أو تطويره، يتطلب قراءة دقيقة لأرقام الأداء الفعلية، وتحليلاً واقعياً لكفاءة التشغيل، وتقييماً موضوعياً لدوره الاقتصادي والاجتماعي. فالحجم وحده لا يصنع الفاعلية، والملكية العامة لا تعني بالضرورة الكفاءة، لكنها بالمقابل لا تعني التفريط. فالرهان الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذا الثقل المؤسسي إلى طاقة إنتاجية حقيقية، وإطلاق الطاقات الكامنة في هذا القطاع، عبر إعادة تنظيمه على أسس كفاءة تشغيلية أعلى، وتعزيز تنافسيته، وربط أدائه بمؤشرات إنتاجية واضحة، بدل أن يبقى رقماً كبيراً في جداول الإحصاء.

الضمانات هي الفاصل

في النهاية، لا يكفي أن تقول الحكومة إن الشركات ستبقى “مملوكة بالكامل للدولة”. فالتاريخ الاقتصادي الحديث – كما رأينا في النموذج الباكستاني المخيف حقاً وهو ما فرض علينا تعميقه أكثر، مقارنة بالصين، لتوضيح مكامن الخطر – يُثبت أن الملكية ليست لحظة ثابتة، إنما حالة قانونية قابلة للتعديل. ما يحدد المسار ليس التصريح الأول، بل البنية القانونية التي تحميه من التآكل لاحقاً.

التحوّل إلى شركة مساهمة ليس خطراً في ذاته، كما أنه لا يعدّ إنقاذاً. هو أداة تنظيمية. يمكن أن يكون مدخلاً لرفع الكفاءة والشفافية، إذا اقترن بضمانات مؤسسية صارمة، ويمكن أن يتحوّل إلى مسار بيع تدريجي إذا تُرك بلا قيود واضحة. الفرق بين المسارين ليس في الاسم القانوني، إنما يكمن في شبكة الحماية التي تحيط به.

التجربة الصينية تُظهر أن الإصلاح ممكن دون خصخصة، لكن بشرط وجود “القبضة القابضة” الممثلة في إمكانية التدخل والتوجيه بما يحقق الهدف. والتجربة الباكستانية تُظهر أن غياب القيود الصريحة يفتح الباب لتحول إداري يبدأ بإعادة الهيكلة وينتهي ببيع حصص مُسيطرة. السؤال السوري، إذن، ليس: هل نثق بالحكومة أم لا؟ السؤال الأصح هو: ما هي الضمانات القانونية التي ستجعل الثقة غير ضرورية؟

إذا كانت الشركات ستبقى مملوكة بالكامل للدولة، فهل سينص القانون المزمع صياغته مستقبلاً على حظر بيع أي نسبة منها إلا بتشريع خاص وبأغلبية برلمانية موصوفة؟ إذا كانت مجالس الإدارة ستكون مستقلة، فهل سيُلزم القانون بأن يشكل المديرون غير التنفيذيين أغلبية فعلية، وأن يتم اختيارهم عبر معايير شفافة لا عبر التعيين الإداري المباشر؟

إذا كانت الحوكمة ستكون “صارمة”، فهل ستعتمد معايير محاسبية دولية واضحة، وتنشر البيانات المالية دورياً للمواطنين باعتبارهم المالك الحقيقي لهذه الأصول؟ وهل سيكون للعمال تمثيل إلزامي داخل مجالس الإدارة، أم سيُختزل الإصلاح في نقل الصلاحيات من الوزارة إلى مجلس معيّن من الوزارة نفسها؟

هذه الأسئلة ليست تشكيكاً في النيّات، إنما اختباراً لجدية الإصلاح. فالنية السياسية تتغير بتغير الحكومات، أما النصوص القانونية فتبقى، وهي وحدها القادرة على منع الانزلاق التدريجي من “إصلاح الحوكمة” إلى “تمهيد التخارج”. سورية اليوم ليست أمام خيار بين النموذج الباكستاني وقبضة الحزب الشيوعي الصيني. هناك مسار ثالث هجين: استبدال القبضة الصينية بإعادة هيكلة عميقة وحماية الملكية العامة عبر ضمانات دستورية وتشريعية واضحة.

المواطن السوري، الذي دفع كلفة الانهيار الاقتصادي لخمسة عقود ونصف، ليس معنياً بالشكل القانوني للشركة بقدر ما هو معني بالسؤال الجوهري: هل ستبقى الأصول الاستراتيجية ملكاً عاماً فعلياً، أم ستتحول تدريجياً إلى ملكيات خاصة تحت عنوان “التطوير”؟ الإجابة لن تأتي من خبر صحافي، بل من مشروع قانون تفصيلي يحدّد حدود البيع، وآليات الرقابة، وحقوق العمال، وواجبات الشفافية. عندها فقط يمكن القول إن التحول إلى شركات مساهمة هو إصلاح مؤسسي حقيقي، لا مجرد بداية مفتوحة على احتمالات متعددة. وفي غياب هذه الضمانات، سيبقى القلق مشروعاً: هل نحن أمام إعادة تنظيم، أم أمام إعادة تموضع تمهّد لمرحلة مختلفة تماماً من علاقة الدولة بأصولها؟

العربي الجديد

—————————-

سوريا على خريطة الاتصال العالمية: الكابل الرقمي الذي يغير قواعد القوة الإقليمية/ معاذ الحمد

كيف يعيد كابل الخليج ـ أوروبا رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط

2026-02-24

يعكس مشروع تمرير كابل الألياف الضوئية بين الخليج وأوروبا عبر الأراضي السورية تحوّلاً عميقاً في بنية التوازنات الإقليمية ومنطق النفوذ في الشرق الأوسط، إذ لم تعد مسارات البنية التحتية الرقمية مجرد خيارات تقنية بل أدوات جيوسياسية قادرة على إعادة رسم خرائط القوة والتأثير. فاختيار خط عبور معين للبيانات يمنح الدول الواقعة عليه نفوذاً استراتيجياً طويل الأمد عبر التحكم بتدفقات المعلومات والتجارة والاقتصاد، وهو ما يدفع قوى إقليمية إلى السعي للانتقال من موقع الاندماج في الشبكات العالمية إلى موقع تصميمها والتحكم بمساراتها.

ويبرز إدماج سوريا المحتمل في المشروع بوصفه محاولة لإعادة تفعيل دورها التاريخي كممر جيو-اقتصادي بين الخليج والبحر المتوسط، بما يغيّر صورتها من ساحة صراع إلى عقدة ربط إقليمية، في وقت يتجه فيه التنافس الدولي تدريجياً من السيطرة على الموارد التقليدية إلى السيطرة على شبكات الاتصال والبيانات، وهو تحول قد يعيد توزيع مراكز الثقل الاستراتيجي في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

وكانت قد كشفت مصادر إقليمية مطلعة لموقع ميدل إيست آي أن السعودية تدرس تعديل مسار مشروع كابل ألياف ضوئية يربطها بأوروبا عبر البحر المتوسط بحيث يمر عبر سوريا بدلًا من إسرائيل كما كان مقترحًا سابقًا، في خطوة تعكس تحولات سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع التقني للمشروع.

مشروع استراتيجي يعيد رسم مسارات الربط

بحسب مسؤولين مطلعين، فإن إصرار الرياض على المسار السوري يبرز توجّهاً لدعم اندماج دمشق إقليمياً وربما تقليص الدور الإسرائيلي في مشاريع الربط العابرة للحدود. وتأتي هذه الخطوة ضمن سياق أوسع تسعى فيه المملكة إلى لعب دور محوري في تصميم شبكات الاتصال العالمية بدل الاكتفاء بالاندماج فيها.

وكانت السعودية واليونان أعلنتا عام 2022 إطلاق مشروع “ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط”، وهو تحالف يضم الشركة السعودية للاتصالات ومزود الكهرباء اليوناني PPC وشركات اتصالات يونانية وشركة TTSA للتطبيقات الفضائية.

وثيقة عرض صادرة عن PPC في نوفمبر الماضي أظهرت أن سوريا لم تكن ضمن المسار الأصلي، إذ كان الخط يمر عبر إسرائيل ومياهها الإقليمية، ما يجعل الطلب السعودي الجديد تحولًا لافتًا في هندسة المشروع.

وتسعى اليونان إلى ترسيخ موقعها كمحور وصل بين أوروبا والشرق الأوسط في مجالات الطاقة والعقارات والذكاء الاصطناعي، وقد جذبت بالفعل استثمارات من دول خليجية عدة. غير أن علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، التي ينظر إليها صناع القرار في أثينا كحليف في مواجهة تركيا وضمانة لاستمرار انخراط الولايات المتحدة في شرق المتوسط، قد تجعل استبعاد تل أبيب من المسار الجديد عامل توتر محتمل إذا تم اعتماده.

وتنقل كابلات الألياف الضوئية معظم البيانات العالمية خلال أجزاء من الثانية عبر نبضات ضوئية، وتزداد أهميتها مع توجه دول الخليج لتصدير خدمات الذكاء الاصطناعي والبيانات إلى أوروبا. ويقدّر خبراء أن أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية تمر عبر هذه الشبكات، ما يجعلها عنصرًا حاسمًا في الاقتصاد والأمن القومي.

دلالات المسار السوري

يرى الأكاديمي والمحلل المختص بالشأن الإقليمي حسن مرهج في تصريحات لـ”963+” أن تمرير البنية التحتية الرقمية الاستراتيجية عبر الأراضي السورية بدلاً من إسرائيل يمثل “تحولاً نوعياً يتجاوز الجانب التقني ليصل إلى عمق المعادلات الجيوسياسية في الشرق الأوسط”، موضحاً أن المسار الجديد المدعوم من قوى إقليمية كبرى وفي مقدمتها السعودية “يعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي ويحوّل تدفقات البيانات إلى أدوات تأثير استراتيجية تحمل رسائل سياسية واقتصادية واضحة وتؤسس لمرحلة تحالفات قائمة على البراغماتية الاقتصادية”.

ويضيف أن استبعاد المسار الإسرائيلي يحمل دلالات متعددة، إذ يبعث برسالة إلى دول إقليمية مفادها أن القرار الاستراتيجي السعودي يحتفظ باستقلاليته، وأن الرياض تفضّل “إحياء العمق الجغرافي العربي التقليدي بوصفه قاعدة للتكامل الإقليمي بدل الاعتماد على مسارات قد تفرض تعقيدات سياسية أو أمنية”.

كما يرى أن هذا التوجه يوجه رسالة كذلك إلى تركيا التي تعمل منذ سنوات على تكريس موقعها كحلقة وصل بين الشرق والغرب، موضحاً أن المسار الجديد “يحد من احتكارها الجيوسياسي المحتمل ويؤكد قدرة السعودية بما تمتلكه من ثقل سياسي ومالي على إنشاء ممرات بديلة ومنافسة تصل مباشرة بين الخليج وأوروبا عبر بلاد الشام”.

وفي تقييمه للدور السوري، يقول مرهج إن المشروع قد يشكل مدخلاً لإعادة التأهيل الجيوسياسي لدمشق بعد سنوات العزلة، لأن تحولها إلى ممر رئيسي للبيانات العالمية “يفرض واقعاً براغماتياً جديداً على المجتمع الدولي”، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن سوريا “لا تزال غير مهيأة لوجستياً لاستقبال مشروع بهذا الحجم، وأن استمرار التحديات الأمنية والسياسية يمثل عائقاً حقيقياً أمام تنفيذه”.

ويخلص إلى أن التحرك السعودي يعكس توظيف الاستثمار في البنية التحتية كأداة نفوذ ناعم، إذ إن التحكم بمسارات تدفق البيانات يمنح الرياض قدرة على التحول “من دولة يرتكز نفوذها تقليدياً على الطاقة إلى قوة محورية تتحكم بما يمكن وصفه بنفط القرن الحادي والعشرين، أي البيانات والتكنولوجيا”، معتبراً أن ما يحدث يمثل نموذجاً متقدماً لما يسميه “ديبلوماسية البنية التحتية” حيث تتحول الكابلات الرقمية إلى أدوات نفوذ غير مرئية تعزز موقع المملكة مركزاً لوجستياً ورقمياً عالمياً.

إعادة تشكيل موازين القوة في شرق المتوسط

من جهته، يؤكد الباحث والمحلل السياسي ميلاد الأطرش في تصريحات لـ”963+” أن مشروع الكابل الرقمي الذي يربط الخليج بأوروبا عبر شرق المتوسط مروراً بسوريا “يشكل مؤشراً استراتيجياً على تحول عميق في طبيعة موازين القوة الإقليمية”، مشيراً إلى أن البنية التحتية الرقمية أصبحت في العقد الأخير عنصراً مركزياً في الجغرافيا السياسية العالمية بعد أن كانت خطوط النفط والغاز العامل الحاسم تاريخياً.

ويضيف أن تعديل مسار المشروع ليعبر سوريا بدلاً من إسرائيل “لا يمكن فهمه كقرار تقني فحسب، بل يجب قراءته ضمن سياق إعادة تشكيل تدريجية للجغرافيا الاستراتيجية في شرق المتوسط”، موضحاً أن إسرائيل عملت منذ مطلع الألفية على ترسيخ موقعها كمركز تكنولوجي إقليمي وعقدة عبور محتملة للبيانات بين آسيا وأوروبا مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التقنية المتقدمة وعلاقاتها مع القوى الغربية، وأن إدراج أي دولة ضمن مسارات الكابلات يمنحها ما يُعرف بـ”نفوذ العبور” وهو نمط من القوة غير المباشرة يسمح بالتأثير في تدفقات البيانات والتجارة.

ويرى الأطرش أن استبعاد إسرائيل من المسار الجديد “لا يقتصر أثره على الجانب الاقتصادي، بل ينعكس استراتيجياً عبر تقليص دورها الوسيط في الشبكات الإقليمية وتراجع قيمتها الجيوسياسية في عصر باتت فيه السيطرة على العقد الشبكية عنصراً رئيسياً للقوة”، وقد يدفعها إلى الانتقال من موقع مركز عبور محتمل إلى موقع أكثر هامشية في بعض الشبكات.

سوريا واستعادة الوظيفة الجيو-اقتصادية

يؤكد الأطرش أن مرور الكابل عبر سوريا يحمل دلالات كبيرة لأنه “يعيد إحياء دورها التاريخي كدولة معبر بين الخليج والبحر المتوسط”، وهو الدور الذي تراجع بعد عام 2011، مشيراً إلى أن إدماجها مجدداً في مشاريع عابرة للأقاليم يعيد تفعيل ما يسميه علماء الجغرافيا السياسية “الوظيفة الجيو-اقتصادية للموقع” بما يؤدي إلى استعادة جزء من قيمتها الجيوسياسية وتقليل عزلتها الاقتصادية وتغيير الإدراك الإقليمي لها من ساحة صراع إلى ممر استراتيجي.

كما يربط الأطرش هذا التطور بالتحول في الاستراتيجية السعودية التي تسعى إلى الانتقال من موقع المستهلك للبنية التحتية العالمية إلى موقع المساهم في تصميمها والتحكم بمساراتها، وهو ما يندرج ضمن مفهوم “السيادة البنيوية” القائم على تنويع مسارات الاتصال وتقليل الاعتماد على أطراف خارجية، معتبراً أن هذا التوجه يعكس انتقال الرياض من سياسة التكيّف مع النظام الإقليمي إلى سياسة المساهمة في إعادة صياغته.

ويشير محللون إلى أن شرق المتوسط يشهد تحولاً في طبيعة التنافس الدولي، إذ لم يعد الصراع يتركز على الطاقة والقواعد العسكرية فحسب، بل بات يدور حول السيطرة على مسارات البيانات وشبكات الاتصالات.

ويؤكد الأطرش أن مرور الكابل عبر سوريا قد يسهم في إعادة تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية عبر تعزيز التعاون البنيوي بين السعودية وسوريا وتقوية الشراكة السعودية-اليونانية، مقابل احتمال تعرض إسرائيل لتهميش جزئي في بعض المشاريع.

ويختم بالقول إن المشروع “قد يكون نواة لظهور محور جيوسياسي جديد يمتد من الخليج عبر سوريا إلى أوروبا”، موضحاً أن الدول التي تتحكم في مسارات البيانات تمتلك نفوذاً طويل الأمد قد يتجاوز أحياناً تأثير القوة العسكرية التقليدية، وأن هذا التحول يعكس انتقال منطق القوة “من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على التدفقات، ومن الجغرافيا التقليدية إلى الجغرافيا الشبكية”.

وفي سياق متصل، أعلنت الشركة السعودية للاتصالات في فبراير عزمها استثمار نحو 800 مليون دولار في البنية التحتية الرقمية داخل سوريا عبر شبكة ألياف ضوئية تمتد أكثر من 4500 كيلومتر، وهو ما يُنظر إليه كمؤشر عملي على توجه الرياض لدمج دمشق في منظومات الربط الإقليمي والدولي.

+963

—————————–

 مصرف سوريا يعلن عن تطور مفاجئ في استبدال الليرة.. سر الـ42 تريليوناً

جميع المصارف بما فيها المركزي السوري تعمل طيلة أيام الأسبوع لاستبدال العملة القديمة بالجديدة

الرياض – العربية Business

24 فبراير ,2026

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية أن المركزي السوري حقق تقدماً ملموساً خلال فترة وجيزة فيما يتعلق باستبدال العملة السورية، إذ بلغت نسبة الاستبدال 35% من الكتلة النقدية القديمة البالغة 42 تريليون ليرة سورية قديمة، وذلك منذ بدء عملية الاستبدال في بداية يناير الماضي وحتى الآن.

وقال الحصرية إن هذه النسبة المحققة تؤكد سلامة المسار التنفيذي لمصرف سوريا المركزي، حيث سيواصل العمل بالوتيرة نفسها لضمان استكمال العملية بسلاسة وكفاءة، وبما يخدم المصلحة الوطنية العليا ويعزز الاستقرار المالي ويدعم مسار التعافي الاقتصادي.

وأضاف أنه تم سحب واستبدال أكثر من 13 تريليون ليرة سورية قديمة بما يقابلها من العملة الجديدة من خلال فروع المركزي بالمحافظات السورية، وهذا المبلغ الذي جرى سحبه واستبداله من أصل 42 تريليون ليرة سورية قديمة صادرة في الأعوام السابقة عن المصرف المركزي، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

سوريا تكشف عن فساد مالي بقيمة 2.6 مليار ليرة في مخبز واحد

اقتصاد اقتصاد سوريا سوريا تكشف عن فساد مالي بقيمة 2.6 مليار ليرة في مخبز واحد

وأوضح أنه في إطار تسريع تداول العملة الجديدة وتعزيز حضورها في التعاملات اليومية، تم صرف كتلة الرواتب لشهر فبراير من عام 2026 بالكامل بالليرة السورية الجديدة، بقيمة 45 مليار ليرة سورية جديدة.

وأشار إلى أن العملة القديمة المسحوبة تخضع لعمليات عدّ وتدقيق دقيقة، ثم يتم إتلافها وفق برنامج منظم يضمن الشفافية ويمنع إعادة ضخها في التداول، مجدداً التأكيد على أن الأسواق لم تشهد أي انتشار يذكر للعملة المزورة نتيجة حملات التوعية المكثفة التي رافقت عملية الاستبدال، والتي أوضحت للمواطنين العلامات الأمنية والميزات الفنية للأوراق النقدية الجديدة بشكل تفصيلي.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي إن جميع المصارف بما فيها المركزي تواصل طيلة أيام الأسبوع العمل على استبدال العملة القديمة بالجديدة، بما في ذلك أيام السبت، وذلك خلال مهلة التسعين يوماً المخصصة للاستبدال.

———————————

إغلاق “حراقات” النفط البدائية في دير الزور حماية للبيئة/ نور ملحم

20 فبراير 2026

على امتداد ريف دير الزور، تتبدّل ملامح المشهد مع انحسار أعمدة الدخان التي اعتادها السكان لسنوات، عقب دخول قرار وزارة الطاقة السورية إغلاق مصافي النفط البدائية (المعروفة محلياً بالحراقات) حيّز التنفيذ. وبينما يُقدَّم القرار بوصفه خطوة لحماية البيئة وتنظيم قطاع الطاقة، يضع في المقابل آلاف العائلات أمام واقع معيشي جديد، في منطقة لا تزال تتلمّس طريقها للخروج من آثار الحرب وهشاشة الاقتصاد المحلي.

في بلدة الشحيل، شرق دير الزور، يقف عبد الرحمن أبو راشد أمام أرض كانت قبل أيام تعجّ بالحركة والضجيج، تحوّلت اليوم إلى كومة حديد محترق وبقايا خزانات سوداء. يقول الرجل الخمسيني لـ”العربي الجديد” وهو يراقب آثار الحريق، إن هذا المكان كان يؤمّن له دخلاً يومياً يكفي لإعالة أسرته الكبيرة، مضيفاً أن قرار الإغلاق “جاء دفعة واحدة، بلا بدائل حقيقية”.

لم يكن أبو راشد وحده في هذا المشهد، فمع بدء تطبيق القرار، شهدت مناطق ذيبان والطيانة والجرذي الشرقي احتجاجات غاضبة، تمثلت في قطع الطرقات وإحراق الإطارات، تعبيراً عن رفض إنهاء نشاط شكّل منذ عام 2012 جزءاً من اقتصاد الحرب في المنطقة.

المصافي التي أنشأت عقب انسحاب مؤسسات الدولة من الشرق السوري خلال سنوات النزاع، تحولت تدريجياً إلى منظومة إنتاج بديلة، أُقيمت بوسائل بدائية تعتمد على حرق النفط الخام داخل خزانات معدنية مكشوفة، لينتج عنها وقود منخفض الجودة يُباع بأسعار تقل كثيراً عن المشتقات النظامية. ومع غياب البدائل الرسمية، بات هذا الوقود الخيار الوحيد لتأمين التدفئة والنقل وتشغيل المولدات.

ويروي مدير صحة دير الزور، الدكتور يوسف سطام، لـ”العربي الجديد”، أن عدد حالات ضيق التنفس والربو تضاعف خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من الأدخنة السامة التي تغطي سماء المنطقة ليلاً ونهاراً. ويضيف “كان “الناس يدركون أن هذه الحراقات تقتلهم ببطء، لكنهم لم يكونوا يملكون خياراً آخر”.

ويوضح سطام أن المراكز الصحية في ريف دير الزور باتت تسجل ارتفاعاً ملحوظاً في الأمراض التنفسية المزمنة، مثل الربو والتهاب القصبات والتحسس الصدري، إضافة إلى ازدياد حالات التهابات العين والجلد المرتبطة بالتعرض المباشر للملوثات، كما يشير إلى أن التعرض الطويل للأدخنة المنبعثة من الحراقات، والتي تحتوي على جسيمات دقيقة ومواد سامة، يرفع احتمال الإصابة بأمراض أكثر خطورة على المدى البعيد، من بينها أمراض القلب وبعض أنواع السرطان.

ويؤكد المتحدث أن الخطر لا يقتصر على السكان القاطنين بالقرب من مواقع التكرير، بل يمتد ليشمل مناطق أوسع نتيجة انتشار الغازات السامة مع الرياح، ما يجعل التلوث عابراً للقرى والبلدات، ويلفت إلى أن العاملين في الحراقات أنفسهم يُعدّون الفئة الأكثر عرضة للمخاطر الصحية، إذ يعملون لساعات طويلة في بيئة ملوثة ومن دون أي وسائل حماية، ما يؤدي إلى إصابات مباشرة بحروق واختناقات، إضافة إلى أمراض مزمنة قد تظهر لاحقاً.

ويختم سطام حديثه بالتأكيد على أن استمرار عمل المصافي بهذه الطريقة يشكل “كارثة صحية صامتة” في المنطقة، محذراً من أن كلفة العلاج مستقبلاً ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب اقتصادية مؤقتة، ما يستدعي حلولاً عاجلة توازن بين حماية صحة السكان وتوفير بدائل معيشية آمنة لهم.

يذكر أن قرار الإغلاق الذي أعلنته وزارة الطاقة برئاسة الوزير المهندس محمد البشير أخيرا استند إلى مبررات قانونية وبيئية واضحة، إذ اعتبر أن هذه المصافي تعمل خارج أي رقابة، وتسبب تلوثاً خطيراً للهواء والتربة والمياه، كما تعهّدت الوزارة بتوفير بدائل للعاملين ضمن مشاريع نفطية نظامية يجري التحضير لها في المحافظة.

غير أن هذه الوعود لم تنعكس سريعاً على الأرض، ففي بلدة هجين، يشرح خالد العلي، وهو صاحب مولّد كهربائي، أن رفع الدعم عن المازوت بالتزامن مع إغلاق المصافي أدى إلى توقف عدد كبير من المولدات عن العمل، بينما ارتفعت كلفة الاشتراك إلى مستويات تفوق قدرة الأهالي، قائلاً إن “الكهرباء باتت حلماً، والمازوت أصبح أغلى من قدرة الناس على شرائه”.

في المقابل، تؤكد وزارة الطاقة أن المرحلة المقبلة ستشهد ضخ كميات من المشتقات النفطية المنتجة عبر المصافي الحكومية، بعد بدء عمليات استخراج ونقل النفط من الحقول الشمالية الشرقية إلى المصافي النظامية، مشيرة إلى أن الوصول إلى مستوى إنتاج مستقر قد يستغرق عدة أشهر.

في المساء، ومع انخفاض درجات الحرارة، تعود سحب الدخان إلى الظهور في بعض النقاط البعيدة من البادية، حيث يحاول بعض العاملين تشغيل مصاف متنقلة بعيداً عن أعين الرقابة، في مشهد يعكس واقعاً معقداً تتداخل فيه الحاجة الاقتصادية مع الضرورة البيئية، في منطقة لم تلتقط أنفاسها بعد من سنوات الحرب

العربي الجديد

——————————

======================

تحديث 23 شباط 2026

—————————–

بين احتياطي المعدن الأصفر وواقع السوق السورية.. هل يكفي الذهب لإنقاذ الليرة؟/ مازن الشاهين

ذهب في الخزائن وليرة تحت الضغط: هل يكفي احتياطي الـ26 طناً لإنقاذ العملة السورية؟

2026-02-23

أثار إعلان حاكم مصرف سورية المركزي عن احتياطي ضخم من الذهب يقدر بـ26 طناً جدلاً واسعاً حول قدرته على دعم الليرة في ظل تقلب أسعار الصرف، خاصة مع تسجيل أسعار الذهب العالمية مستويات قياسية، بينما تشير بيانات سابقة إلى أن احتياطي البلاد من الذهب كان 25.8 طناً في 2011. وفي الوقت الذي يُعاد فيه ربط قيمة الليرة بالمعدن الأصفر، يرى خبراء الاقتصاد أن قوة العملة لا تُحدد بقيمة الاحتياطي الذهبي، بل بقدرتها على شراء السلع والخدمات وتعزيز الثقة المؤسسية والاقتصاد الفعلي، ما يضع تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان “الغطاء الذهبي” وحده كافياً لحماية الليرة أم أن الاقتصاد يحتاج إلى أدوات أكثر عمقاً لدعم العملة.

ماذا يعني الاحتياطي الذهبي أصلاً؟

الذهب عامل دعم طويل الأجل، لكنه ليس أداة يومية لضبط سعر الصرف، والبنوك المركزية تحتفظ بجزء من أصولها على شكل ذهب كضمانة استراتيجية طويلة الأجل. تاريخياً، كان نظام الغطاء الذهبي يربط قيمة العملة مباشرة بالذهب، لكن هذا النظام انتهى فعليًا منذ سبعينيات القرن الماضي بعد قرار الرئيس الأميركي نيكسون بفك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971، ما أنهى عمليًا اتفاقية Bretton Woods Agreement.

اليوم، كما يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عدنان السراج في تصريحات لـ”963+” لا تعتمد أي دولة كبرى نظام الغطاء الكامل للكتلة النقدية بالذهب، حتى الاقتصادات الصاعدة تحتفظ بالذهب كجزء من احتياطياتها، لكن سعر الصرف يتحدد وفق معادلات أوسع بكثير، وعندما يرتفع سعر الذهب عالمياً، كما يحدث عادة في أوقات التوترات الجيوسياسية أو التضخم العالمي، ترتفع القيمة الدفترية للاحتياطي الذهبي المقوّم بالعملات المحلية، بمعنى آخر: إذا كان لدى البنك المركزي كمية ثابتة من الذهب، فإن قيمتها ترتفع تلقائياً عند احتسابها بالليرة في حال صعود السعر العالمي، لكن هنا المفارقة، فارتفاع قيمة الاحتياطي على الورق لا يعني بالضرورة تحسناً في القدرة الفعلية على التدخل في السوق، والسبب بسيط وهو أن الذهب أصل غير سائل مقارنة بالعملات الأجنبية، وتسييله يحتاج إلى قنوات مالية وعلاقات مصرفية دولية، وأي عملية بيع واسعة قد ترسل إشارات سلبية للأسواق.

يشير السراج إلى أن ارتفاع قيمة الذهب لا يغير سلوك السوق ما لم يُترجم إلى سيولة فعلية، خاصة في ظل طلب مرتفع على الدولار، حيث يعتمد سعر الصرف على الاحتياطي من العملات الأجنبية، وثقة المستثمرين في السياسات النقدية والاستقرار الاقتصادي، بالإضافة إلى ميزان المدفوعات وعجز الصادرات مقابل الاستيراد. وفي الوقت نفسه، زيادة الكتلة النقدية دون نمو الإنتاج تؤدي للتضخم وضغط على الليرة، ما يوضح أن سعر الصرف يتحدد بتدفقات العملات الأجنبية والعرض والطلب الفعليين أكثر من قيمة الأصول المخزنة.

ويختم السراج بالقول: إن الحديث عن تغطية الكتلة النقدية بالكامل بالذهب قد يبدو مطمئناً نظرياً، لكنه في الواقع الحديث أقرب إلى خطاب معنوي منه إلى سياسة نقدية عملية، وفي الاقتصاد السوري تحديداً، استقرار الليرة يتطلب تعزيز الاحتياطي القابل للاستخدام من العملات الأجنبية وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتنشيط الصادرات والإنتاج وضبط الكتلة النقدية وسياسة نقدية شفافة وقابلة للتنبؤ، فالذهب عنصر قوة، نعم ولكن في نهاية المطاف، قيمة العملة ليست فقط ما تملكه الدولة من أصول، بل ما يثق به الناس والأسواق حول قدرتها على إدارة اقتصادها، وارتفاع احتياطي الذهب قد يحسن صورة الميزانية ولكنه لا يوقف نزيف سعر الصرف ما لم تُعالَج الجذور الحقيقية للأزمة النقدية، وهي دعوة لحوار وطني جاد حول مستقبل العملة الوطنية.

لغة الأرقام.. الذهب في الخزنة مجرد رقم في ميزانية، لا قيمة له!!

في ظل الجدل المتصاعد حول قوة الليرة السورية وقدرتها الشرائية، يطرح سؤال محوري: هل يشكل احتياطي الذهب البالغ 26 طناً في المصرف المركزي تغطية حقيقية للكتلة النقدية المتداولة البالغة 42 تريليون ليرة؟

الحسابات الرياضية البسيطة كما يقول الخبير الاقتصادي هلال منصور في تصريحات لـ”963+” تقول “نعم”، لكن المنطق الاقتصادي يصرخ “لا”، فالحسابات الورقية: تغطية 100% على الورق فقط.

وبحسابات بسيطة: احتياطي الذهب 26 طناً = 26,000 كيلوغرام = 835,755 أونصة تقريباً، وسعر الأونصة الحالي يتجاوز 5,000 دولار أمريكي فالقيمة الإجمالية للاحتياطي: نحو 4.18 مليار دولار، وبسعر صرف 10,000 ليرة للدولار (كمتوسط) إذاً قيمة الاحتياطي بالليرة السورية حوالي 41.8 تريليون ليرة وبالتالي رياضياً، التغطية تقارب 100% ولكن هذا حيث تنتهي الحقيقة الرياضية، وتبدأ الحقيقة الاقتصادية، فهناك أسباب تكشف وهم التغطية، فالذهب المجمّد ليس ذهباً متداولاً، والتغطية الحقيقية تتطلب قابلية التحويل الفوري، والذهب المحتجز في خزائن المركزي لا يختلف اقتصادياً عن الذهب المدفون تحت الأرض – كلاهما غير متاح للسوق، والواقع أن 26 طناً من الذهب لا تضيف غراماً واحداً إلى العرض الفعلي في السوق، ولا تؤثر على القوة الشرائية اليومية للمواطن، وبنفس المنطق الذي يعتبر احتياطي المركزي تغطية، يمكن اعتبار ذهب الأسر السورية (المقدر بعشرات الأطنان) وكذلك العقارات المملوكة للمواطنين والسيارات والأصول الأخرى كلها “تغطية” للعملة! وهذا المنطق يقودنا إلى عبثية اقتصادية، فالتغطية تعني السيولة والقابلية للتحويل الفوري، لا مجرد وجود أصول ذات قيمة، والتغطية تبدأ عند نقطة البيع، والقاعدة الاقتصادية الصارمة: “الذهب يصبح تغطية فعلية عندما يُعرض للبيع في السوق فقط”.

ويرى منصور يرى بعض الخبراء أن احتياطي المصرف المركزي من الذهب البالغ 26 طناً، سواء المخزّن في الخزائن أو الموجود في منازل المواطنين، لا يمثل تغطية فعلية لليرة، بينما الذهب المعروض للبيع في واجهات الصاغة فقط يشكل تغطية حقيقية. وفي الاقتصاد السوري الحالي، دمرت سياسات دعم الاستيراد الإنتاج المحلي والتغطية السلعية، ما يجعل معظم ما يشتريه المواطن مستورداً بالعملة الصعبة، وبالتالي تبقى الليرة ضعيفة حتى لو بلغ الاحتياطي 100 طناً، أو الكتلة النقدية 42 تريليون ليرة. ويشير الواقع إلى أن القوة الحقيقية للعملة تأتي من الإنتاج المحلي وثقة المستثمرين واستقرار المؤسسات، بينما الذهب في الخزينة مجرد رقم إذا لم يُترجم إلى سياسات تحمي المواطنين، لا سيما مع تجميد الودائع المصرفية وعجز المصارف عن إعادة الأموال، ما يوضح أن المشكلة ليست في كمية الذهب بل في غياب استراتيجية اقتصادية شاملة تجمع بين الإنتاج والتصدير والثقة المؤسسية.

لماذا فشل الذهب في لجم التضخم بالسوق المحلية؟

تكمن الإجابة في ثلاثة عوامل يفتقدها الواقع السوري حالياً، بحسب الباحثة الاقتصادية مريم الحسيني في تصريحات لـ”963+” أولها غياب السيولة الأجنبية (العملة الصعبة)، فالذهب “ضمانة نفسية” لا “حل تقني” وهو مخزن قيمة طويل الأمد، لكن استقرار الليرة اليومي يحتاج إلى “دولارات” تتدفق في الشرايين التجارية لتغطية المستوردات، والذهب لا يشتري القمح والنفط من الأسواق الدولية بسهولة وسرعة العملات الصعبة، ثم “عجز الميزان التجاري” فطالما أن سوريا تستورد أكثر مما تصدر، سيظل الطلب على العملة الأجنبية مرتفعاً، مما يضغط على الليرة بغض النظر عن كمية الذهب في القبو، وأخيراً “أزمة الثقة والسياسة النقدية” فالمستثمر والتاجر السوري لا ينظر إلى حجم الذهب بقدر ما ينظر إلى قدرة البنك المركزي على التدخل، واستقرار القوانين، وتوافر بيئة إنتاجية آمنة، فالذهب يمثل “خط الدفاع الأخير” للدول، لكنه ليس أداة تدخل يومية، وارتفاع احتياطي الذهب قد يحسن صورة الميزانية ولكنه لا يوقف نزيف سعر الصرف ما لم تُعالَج الجذور الحقيقية للأزمة النقدية.

وهي كما تقول الحسيني إن الحديث عن تغطية الكتلة النقدية بالذهب في ظل غياب الإنتاج الحقيقي يشبه من يملك عقاراً ثميناً لكنه لا يملك ثمن طعامه اليومي، فالذهب السوري هو رصيد استراتيجي للأجيال، لكن انتشال الليرة من عثرتها يتطلب تحفيز العملية الإنتاجية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وجذب تحويلات المغتربين عبر قنوات رسمية مرنة، وبناء احتياطي من العملات الأجنبية السائلة والقابلة للتداول الفوري، وإعادة النظر الجذرية في سياسة تجميد الودائع، وإعلان خطة طوارئ لإطلاق الإنتاج المحلي وتحقيق التغطية السلعية، مع شفافية كاملة في نشر أرقام الاحتياطيات والسيولة، واستراتيجية ثقة تعيد اعتبار المصرف المركزي كحامي للعملة وليس حارساً على ودائع المواطنين، إضافة إلى إصلاح هيكلي يربط قوة الليرة بالإنتاج لا بالمعادن المكدسة.

وتختم الحسيني بالقول: سيبقى بريق الذهب خافتاً في عيون السوريين طالما أن “فجوة الثقة” الاقتصادية لم تُردم بعد بقرارات نقدية تلامس واقع الإنتاج والأسواق.

+963

—————————–

استبدال ثلث الكتلة النقدية منذ طرح العملة السورية الجديدة

مصرف سوريا المركزي: استبدال 35% من أصل 41 تريليون ليرة متداولة في البلاد

2026-02-23

قال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، اليوم الاثنين، إن المصرف استبدل أكثر من ثلث النقد المتداول بأوراق نقدية مطبوعة حديثاً منذ طرح العملة السورية الجديدة مطلع كانون الثاني يناير الماضي.

وأوضح حصرية أن المصرف استبدل نحو 35 في المئة من أصل 41 تريليون ليرة سورية كانت متداولة قبل طرح العملة، مشيراً إلى إحراز “تقدم ملموس” في استعادة السيطرة على عرض النقد.

وأضاف: “الأهداف تتجاوز الاستقرار، إذ نتوقع انخفاض ظاهرة الدولرة، وتحسناً في الثقة بالليرة السورية، وتعزيزاً للسيادة النقدية”، وفق ما نقلته صحيفة “ذا ناشيونال”.

ورفض حصرية الكشف عن أماكن طباعة العملة الجديدة وسط تقارير تحدثت عن احتمال تورط شركة “غوزناك” الروسية الخاضعة لعقوبات أميركية وأوروبية ضمن الجهات الموردة.

وقال: “يمكنني التوضيح أن الطباعة أُسندت إلى ثلاثة مورّدين، وجميع مؤسسات الطباعة هذه معتمدة دولياً وتلبي معايير الأمن والجودة العالمية”.

وفي سياق تعزيز العلاقات مع المقرضين الأجانب ورفع مصداقية القطاع المالي، كشف حصرية عن إطلاق المصرف المركزي المرحلة الأولى من مراجعة تُعرف باسم “تقييم الفجوات”، وأسندها إلى شركة الاستشارات الأميركية “أوليفر وايمان”.

وقال حصرية إن العمل الميداني سيبدأ قريباً، مضيفاً أن البنوك السورية عادت تدريجياً إلى الارتباط بالنظام المالي العالمي بعد سنوات من العزلة عن معظم معاملات الدولار، لكن المخاوف المستمرة المتعلقة بالامتثال لدى البنوك الأجنبية ما زالت تعرقل إعادة دمج سوريا في القنوات المصرفية الدولية.

وتابع: “سنعمل على معالجة أي معايير تتعلق بالامتثال والحوكمة والشفافية قد يحددها تقريرهم”، مؤكداً أن إحياء القطاع المصرفي المتدهور يُعد أولوية قصوى لإدارة مليارات الدولارات المتوقعة للتدفق إلى البلاد وتمويل إعادة الإعمار.

تصفح أيضاً: اللاذقية.. كيف تفاعل الناس مع العملة السورية الجديدة؟

كما يسعى المصرف المركزي إلى إعادة تفعيل حسابه لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهي خطوة أساسية لاستعادة الوصول إلى معاملات الدولار بعد سنوات من العزلة المالية، وقال حصرية إن هذا الهدف “لا يزال استراتيجياً”، مضيفاً: “ما زلنا في طور العملية وقد أحرزنا تقدماً جيداً جداً”.

ومطلع شباط فبراير الجاري، بدأ مصرف سوريا المركزي تنفيذ عملية إتلاف العملة السورية القديمة بعد استبدالها بالجديدة، وسط إشراف مباشر من الجهاز المركزي للرقابة المالية.

وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن الجهاز المركزي للرقابة يواصل متابعة جميع مراحل الاستلام والفرز والإتلاف لضمان سلامة الإجراءات وحماية المال العام وترسيخ الثقة بالسياسات النقدية المعتمدة في البلاد.

وذكرت “سانا”، أن ذلك يتزامن مع استمرار عمليات الاستبدال في مختلف المحافظات، بإشراف من الجهاز المركزي للرقابة المالية على العملية منذ لحظتها الأولى.

وتبدأ عملية الإتلاف باستلام العملة القديمة من فروع المصارف، ثم فرزها وفق الأصول المعتمدة، ليصار لاحقاً إلى إتلافها في المراكز المخصصة لهذه الغاية، ضمن إجراءات دقيقة تهدف إلى منع أي تلاعب أو إساءة استخدام، وضمان أعلى مستويات الشفافية.

وأوضح الوكيل المشرف على رقابة القطاع الاقتصادي في الجهاز المركزي للرقابة المالية محمد غفير في تصريح لوكالة “سانا” أن الجهاز، وضمن صلاحياته القانونية، يتولى الرقابة على إجراءات استلام وإتلاف العملة السورية القديمة، والتأكد من سلامتها من الناحية القانونية، إضافة إلى متابعة مدى الالتزام بالتعليمات والإجراءات الموضوعة.

وبين غفير، أن هذه المتابعة تتم بشكل دائم لضمان تطابقها مع القوانين النافذة، وتحقيق أعلى درجات الشفافية، ومنع أي هدر أو إساءة للمال العام.

وأشار، إلى أن عمليات الاستلام والإتلاف تُنفذ بالتنسيق الكامل مع مصرف سوريا المركزي وجميع الجهات المختصة، وفي كل المراحل، بما يضمن تعزيز الثقة بالإجراءات النقدية المتخذة، وحماية الاستقرار النقدي في البلاد، مؤكداً أن هذا التنسيق يشكل ركناً أساسياً في إنجاح العملية وضمان سيرها وفق المعايير المعتمدة.

ونوهت وكالة “سانا”، إلى أن هذه الإجراءات تأتي في إطار السياسات النقدية التي تعتمدها الجهات المختصة بهدف تحديث الكتلة النقدية، ورفع كفاءة التداول النقدي، وضمان سلامة النظام المالي، حيث تتولى المؤسسات الرقابية والمصرفية الإشراف المباشر على جميع المراحل.

—————————–

 كيف ستنعكس الاستثمارات السعودية على قطاع الطيران السوري؟/ بيسان خلف و لما دياب

2026.02.23

شكّل إعلان تأسيس شركة طيران اقتصادية جديدة تحت اسم “ناس سوريا” خطوة لافتة في مسار الانخراط السعودي المتسارع في الاقتصاد السوري، ولا سيما في قطاع النقل الجوي، وجاء الإعلان خلال فعالية اقتصادية رسمية في دمشق في 7 من شباط الحالي، بحضور وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، ضمن حزمة اتفاقيات استثمارية، ما يعكس انتقال العلاقات الاقتصادية بين البلدين من مستوى التفاهمات التنظيمية إلى مرحلة التشغيل والاستثمار المباشر.

الاتفاقية التي أُبرمت بين الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا وشركة طيران ناس السعودية تقضي بتأسيس شركة ذات طابع اقتصادي، مقرها مدينة حلب، على أن تبدأ عملياتها التشغيلية في الربع الرابع من عام 2026 بعد استكمال الإجراءات التنظيمية والفنية.

 ووفق المعطيات المعلنة، ستتوزع الملكية بنسبة 51% للجانب السوري ممثلاً بالهيئة العامة للطيران المدني، و49% لشركة طيران ناس.

ورغم عدم الكشف عن رأس المال المخصص للشركة الجديدة، فإن إدراجها ضمن حزمة استثمارات يضع المشروع في نطاق استثماري متوسط إلى كبير، خاصة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار تزامنه مع مشروع تطوير مطار حلب، الذي قُدرت كلفته بنحو 7.5 مليارات ريال سعودي (قرابة ملياري دولار)، على مراحل تشمل التوسعة والتحديث والبنية التشغيلية.

في هذا السياق تواصل موقع “تلفزيون سوريا” مع الهيئة العامة للطيران المدني للاستفسار عن المراحل الزمنية لبدء المشاريع المقررة في مطار حلب، وعن القيمة الاستثمارية الإجمالية لهذه المشاريع، إضافة إلى الخطط المستقبلية المتعلقة بالمطارات الأخرى، إلا أن الهيئة امتنعت عن الإجابة على استفسارات حتى إعداد هذا التقرير.

النقل الجوي كرافعة لإعادة الربط الإقليمي

من الناحية الاقتصادية، يُعد الاستثمار في الطيران المدني مؤشرًا على رغبة الرياض في استخدام هذا القطاع كرافعة لإعادة ربط سوريا إقليميًا، سواء عبر تعزيز حركة المسافرين أو تنشيط الشحن الجوي وسلاسل الإمداد.

فالنقل الجوي يرتبط أثره مباشرة في قطاع السياحة والتجارة الخارجية، والخدمات اللوجستية، وجذب الاستثمارات، وتسهيل حركة رجال الأعمال.

ويرى الخبير الاقتصادي مجدي جاموس أن الاستثمار في مطار حلب، بقيمته المعلنة، يحمل دلالات تتجاوز البعد المالي المباشر، إذ تبرز قيمته في المدلول السياسي والاقتصادي الذي يعكس تبني السعودية لفكرة تحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي في سوريا، والسعي إلى تكوين بيئة استثمارية جاذبة تشجع المستثمرين العرب والأجانب على دخول السوق السورية.

ويضيف جاموس أن الجدوى الاقتصادية في معناها التقليدي تُقاس بالربح والخسارة، إلا أن الربح في حالة مطار حلب قد لا يكون ماديًا في المدى القصير، إنما يتمثل في خلق حالة من الاطمئنان بشأن تبني السعودية لمسار دعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في سوريا، والمساهمة في ترميم البنية التحتية.

مشروع متعدد الأبعاد خلال خمس سنوات

وبحسب التصريحات الرسمية، يمتد مشروع تطوير مطار حلب على خمس سنوات، ويتضمن ترميم المطار الحالي وبناء مرافق جديدة، بما يرفع الطاقة الاستيعابية ويؤهل المدينة لتكون مركزًا جويًا في الشمال السوري. غير أن نجاح هذا الاستثمار، وفق جاموس، مشروط بجملة من الإصلاحات الهيكلية.

أولى هذه الشروط تتعلق بتقليص البيروقراطية، خاصة في قطاعات الطيران والسياحة، وتسهيل إجراءات الترخيص لشركات الطيران العالمية الراغبة بالدخول إلى السوق السورية.

كما يشدد على ضرورة تكوين بيئة قانونية قادرة على حماية المستثمرين والسياح وحقوقهم، وهو عنصر أساسي في جذب رؤوس الأموال.

كذلك يبرز تحدي بناء أسطول وطني قادر على تلبية احتياجات المسافرين وضمان حركة طيران مستدامة من وإلى سوريا.

ويؤكد جاموس أن تعزيز الأسطول السوري يتطلب شراكات مباشرة مع شركات عالمية، سواء عبر التأجير التشغيلي أو نقل الخبرات، بما يرفع عدد الطائرات الداخلة والخارجة من البلاد ويعزز الربط الإقليمي.

تأثيرات متوقعة على قطاعات متعددة

وفقاً لجاموس فإن الاستثمار في مطار حلب لا يمكن عزله عن أجندة تحفيز أوسع تمتد إلى قطاعات السياحة، والشحن الجوي، والنقل البري، والبنية التحتية، والكهرباء، والاتصالات، والتسويق الإلكتروني، فنجاح المشروع من شأنه أن يخلق طلبًا إضافيًا على الخدمات المساندة، وأن يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية في المدينة ومحيطها، لا سيما في المنطقة الشرقية.

ويشير إلى أن هذا الحجم من الاستثمار يمكن أن يشكل حافزًا لعودة رؤوس الأموال المهاجرة، شريطة أن تنجح الحكومة في خلق بيئة استثمارية جاذبة، قائمة على الاستقرار الأمني والاقتصادي، وإصلاح المنظومة القانونية، لكنه يلفت في المقابل إلى أن سوريا ما تزال تعاني من غياب تحديث قوانين الاستثمار، ومن إشكاليات دستورية وتشريعية، ما قد يحد من تدفق الاستثمارات إذا لم تتم معالجتها.

استثمارات السعودية في قطاع الطيران نقلة نوعية

من جانبه، أوضح الدكتور في العلوم المالية والمصرفية والخبير الاقتصادي، علي محمد، لموقع تلفزيون سوريا أن الاستثمارات السعودية  في مدينة حلب، ولا سيما  في تطوير مطار حلب الدولي (القديم والجديد،) وزيادة  طاقته الاستيعابية لتصل إلى نحو 12 مليون مسافر سنوياً، تمثل خطوة بالغة الأهمية.

وأشار إلى أن ضخ هذه الأموال لتطوير المطارات في حلب، والتي تأتي ضمن استثمارات صندوق “إيلاف” المقدرة بنحو ملياري ريال سعودي، سيسهم بشكل أساسي في تحسين المطار القديم و إنشاء مطار جديد  وتوسيعه، مؤكداً أن ” هذا المشروع سيزيد  من حركة المسافرين والتجارة الجوية، بالإضافة إلى ربط سوريا جوياً  مع الإقليم  ودول الخليج “.

وبين محمد أن تطوير البنية التحتية في مجال الطيران يعني عودة  النشاط التجاري والصناعي إلى حلب، خاصةً أنها تعد العمود الفقري للاقتصاد السوري، وذلك بعد التراجع الكبير الذي شهدته خلال سنوات الثورة السورية.

وأضاف أن هذه الاستثمارات ستؤدي إلى زيادة فرص العمل  في مجالات الطيران والنقل والخدمات اللوجستية، وقد تؤدي إلى جذب استثمارات جديدة في حلب سواء مرتبطة بالطيران أو غيره، كما ستسهم بزيادة الانتعاش التجاري، وخلق  فرص عمل جديدة سواء  في صيانة و تأهيل المطار القديم أو إنشاء الجديد، ما يسهم في خفض نسب البطالة أمام المواطن الحلبي بشكل خاص.

وحول العوامل الفنية التي تتحكم بمنطقة إنشاء المطار، قال محمد إنه “يجب أن يكون هناك شروط فنية تتمثل في توفر مساحة واسعة وكبيرة، و خلو المنطقة من التضاريس المزعجة التي قد تؤثر على إنشاء المدرجات، وعوامل الأمن والسلامة، بالإضافة للقرب من خطوط النقل البري، ما سيسهل حركة البضائع و الركاب ويقلل التكلفة الانتقال من وإلى المطار”.

ربط الأسطول السوري بشبكات جوية جديدة

وفيما يتعلق بإنشاء شركة الطيران السورية – السعودية “ناس سوريا”، لفت الخبير الاقتصادي إلى أن هذه الخطوة ستجعل من تطوير الأسطول الجوي السوري أمراً مهماً، و تربط سوريا بشبكات ومجالات جوية جديدة ، مشيراً إلى أن “شركة “ناس” السعودية تمتلك نحو 70 طائرة ونحو 264 خطاً جوياً وتصل إلى 80 دولة، وكل ذلك سيلعب دوراً مهماً في  تنشيط الواقع الاقتصادي، وحركة السفر وشحن البضائع، بين سوريا وهذه الدول”.

وأشار إلى أن دخول مثل رؤوس الأموال هذه إلى محافظة حلب أو غيرها يعني تشجيع رؤوس أموال أخرى للاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في حلب، نظراً لما ترسله هذه الاستثمارات من رسائل إيجابية على هذا الصعيد.

كما بين محمد أن تطوير القطاع الطيران بالتالي سيسهل تصدير المنتجات الحلبية، خاصةً مع إمكانية افتتاح خطوط جوية مباشرة مع بعض الدول، مؤكداً أن “السوريين سيستفدون من المطارات المحلية دون الحاجة للاستعانة بمطارات دول أخرى، مما يعني زيادة الخدمة للمسافر، ومن الناحية التجارية تقليل التكلفة والوقت، وهذا بدوره يزيد من القدرة التنافسية”.

حلب مركز صناعي يربط الإقليم بتركيا وأوروبا

وباعتبار أن حلب تمثل مركزا صناعيا كبيرا في سوريا والمنطقة، ومع خصوصية سوريا كمركز وصل بين تركيا والخليج وأوروبا، أوضح الخبير الاقتصادي أن حلب قد تصبح أحد المراكز الصناعية المهمة التي تربط بين دول الإقليم وتركيا و من ثم أوروبا، مشيرا إلى أن “ذلك  يتطلب عملا كبيرا على مستوى المصانع والمعامل والمنتجات القابلة للتصدير، لتصبح حلب مركز تصدير وإعادة تصدير سواء لدول أخرى أو دول الخليج لكونها تستهلك بشكل كبير”.

شركة “ناس” السعودية نموذج الطيران منخفض التكلفة

في غضون ذلك، أشار إلى أن شركة “ناس” السعودية تعد من الشركات الرائدة في المجال الجوي، حيث تتبع نموذج الطيران منخفض التكلفة، مما يوفر أسعارا تنافسية ومرونة عالية وشبكة واسعة من الخطوط الجوية، مبيناً أن ” أسطولها يعتمد على طائرات من نوع “ايرباص” الاقتصادية، منخفضة تكلفة الوقود، إضافة لسهولة صيانتها وتدريب الكوادر عليها، مما ينعكس إيجابياً على الكفاءة التشغيلية.

ولفت إلى أن الشركة متقدمة في الحلول الرقمية عبر الدفع الإلكتروني، ولديها خبرة كبيرة في السوق السعودي والخليجي، وكفاءة عالية في تنظيم رحلات الحج والعمرة، موضحاً أن “وجود هذه الشراكة سيؤدي إلى انخفاض أسعار التذاكر وزيادة عدد الرحلات، ما سيكسر حالة الاحتكار وينشط المنافسة، بالإضافة لربط سوريا مع دول المنطقة وتنشيط مدينة حلب بشكل عام”.

المخاطر والتحديات

وبالرغم من الطموحات الكبيرة، يواجه المشروع جملة من المخاطر التي قد تؤثر في عائد الاستثمار على المدى المتوسط في مقدمة هذه المخاطر يأتي عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، إضافة إلى التوترات الإقليمية التي قد تؤثر في حركة الطيران والتأمين والشحن.

ويحذر جاموس من خطر الفشل التشغيلي أو الإداري، معتبرًا أن إدارة المطارات وبناء شراكات مع شركات أجنبية يتطلبان مستوى عاليًا من الاحترافية والحوكمة، وفي ظل ما يصفه بـ “ضعف الإدارة والفساد الإداري وغياب الحوكمة”، قد يتعرض المشروع لانتكاسات تنعكس سلبًا على صورة البيئة الاستثمارية ككل.

ويؤكد أن التفكير الصحيح في بناء مطار حديث في سوريا يجب أن يعكس رؤية متكاملة للتعافي الاقتصادي والسياحي والسياسي، فالمطار، في هذه الحالة يعد مؤشر على اتجاهات الاقتصاد السوري وقدرته على الاندماج مجددًا في محيطه الإقليمي.

تلفزيون سوريا

—————————–

موارد سوريا المائية ليست للسوريين: سنوات العطش المقبلة!/ رماح إسماعيل

لم يحظَ الأمن المائي السوري بالاهتمام الكافي، لا من النظام السابق ولا من السلطة الحالية، رغم أنه واحد من أهم عوامل الاستقرار في البلاد.

الأحد 22 شباط 2026

بين الجفاف وإسرائيل وتركيا، يرى السوريون أنفسهم أمام تحدٍ «خطير» يتعلق بأمنهم المائي، فالمياه في سوريا لم تعد كافية لتلبية حاجات قرابة 26 مليون سوري، يقيمون على الأراضي السورية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، كل ذلك لا يتعلق بالتغيرات المناخية وما نتج منها من ظواهر مثل الجفاف وانحباس المطر، بل يرتبط بشكل وثيق بعوامل خارجية تتعلق بـ«سرقة» مياه الأراضي السورية من قبل التركي والإسرائيلي.

واليوم تقف سوريا أمام خطر مائي حقيقي نتيجة عدة عوامل متزامنة: تحكم تركيا في تدفقات الأنهار، الحفر العشوائي للآبار واستنزاف المياه الجوفية، موجات الجفاف المتكررة لا سيّما وأنّ الأمطار هي المورد الرئيسي للمياه في سوريا، إذ يقدّر متوسط تساقط الأمطار بنحو 46 مليار متر مكعب سنوياً. فضلاً عن هذه العوامل، يؤدي تهالك وضع شبكة مياه إلى هدر نسبة كبيرة من الموارد قبل أن تصل إلى السكان. استمرار هذه العوامل دون خطة وطنية جدية يعني أن البلاد تقترب تدريجياً من أزمة مائية قاسية قد تتجاوز في تأثيرها أزمات الطاقة والاقتصاد.

مشكلة سوريا الأساسية هي أنّ قرابة ثلث مواردها المائية تنشأ خارج الجغرافيا السورية، في تركيا ولبنان وفلسطين المحتلة. وتركيا التي تملصت من تنفيذ اتفاقيات دولية وُقعت عام 1987 مع سوريا و1997 مع الأمم المتحدة، ترى نفسها اليوم حرة التصرف في موارد الأراضي السورية المائية، بموجب التجاور الجغرافي و«الميانة» في السياسة مع النظام الجديد، أما إسرائيل، فلا تنفصل لديها حرية الحركة في جنوب سوريا عن حرية التصرف بالموارد، ولعل إرسالها كشفيين إلى سدود الجنوب السوري بعد كل موسم أمطار دليل جازم على اهتمامها «الشديد» بالموارد المائية السورية، بالتزامن مع معلومات عن وجود خطط إسرائيلية للاستفادة من هذه المياه داخل الأراضي المحتلة بدلاً من أن تذهب لأبناء الجنوب السوري في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء وصولاً إلى ريف دمشق الجنوبي.

الموارد بالأرقام

بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد المائية (التي دُمجت لاحقاً ضمن وزارة الطاقة)، تُقدَّر الموارد المائية التقليدية في سوريا بنحو 17–18 مليار متر مكعب سنوياً في السنوات المطيرة المتوسطة، تتوزع بين مياه سطحية مصدرها الأساسي الأنهار الدولية والمحلية ومياه جوفية بإعادة تغذية محدودة، إضافة إلى هطولات مطرية إجمالية تقارب 46 مليار متر مكعب سنوياً لا يُستفاد إلا من جزء منها بسبب التبخر والجريان السطحي.

ويُعد نهر الفرات المورد السطحي الأكبر حيث يشكل الحصة الأعظم من المياه الواردة إلى البلاد، إلى جانب أنهار مشتركة أخرى مثل نهر دجلة ونهر العاصي ونهر اليرموك، بينما تُقدَّر الموارد الجوفية المتجددة بأكثر من مليار متر مكعب سنوياً مع تفاوت كبير بين الأحواض، وتُخزَّن المياه عبر شبكة سدود رئيسية أبرزها سد الفرات بسعة تخزينية تقارب 11–14 مليار م³، وسد تشرين بنحو 2.5 مليار م³، إضافة إلى سدود على العاصي وأحواض داخلية أخرى.

الجفاف بالأرقام

هذه الأرقام لم تعد اليوم واقعية في ظل تحديات كبرى تواجه الأمن المائي في سوريا، حيث تشير التقارير الدولية الحديثة الصادرة عن منظمات إنسانية وأممية مثل «ACAPS» ووكالة «أسوشيتد برس» إلى أن سوريا تشهد في عامي 2025–2026 واحدة من أشد موجات الجفاف خلال عقود، نتيجة انخفاض حاد في الهطولات المطرية وتراجع تدفقات الأنهار والمياه الجوفية، ما أدى إلى وصول مخزونات عدد من السدود إلى مستويات حرجة أو إلى ما يُعرف بـ«التخزين الميت»، وانخفاض إنتاج المحاصيل الأساسية وعلى رأسها القمح، وتراجع حصة الفرد من المياه إلى ما دون خط الفقر المائي العالمي (1000 م³ سنوياً)، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأمن المائي والغذائي معاً، من خلال تقنين مياه الشرب، تضرر الزراعة المروية، وزيادة الاعتماد على المساعدات، وسط تحذيرات من استمرار الضغوط المناخية خلال 2026 وما بعده إذا لم تُتخذ إجراءات إدارة مستدامة للموارد المائية.

ويعد الجفاف عاملاً طبيعياً من عوامل نقص المياه، لكن ما يزيد من المعضلة في سوريا هو عوامل خارجية تسهم في خنق السوريين مائياً وتعطيشهم، ولا يقتصر ذلك على الجنوب السوري ودور الاحتلال الإسرائيلي في سرقة موارد سوريا المائية، بل أيضاً ينسحب ذلك على الشمال، وهنا يبرز دور تركيا كعامل ضغط إضافي.

مياه الجنوب على «مزاج» إسرائيل!

في جنوب سوريا هناك عدد من المنابع والمصادر المائية المهمة التي يشكّل توسّع الاحتلال الإسرائيلي خطراً مباشراً عليها، سواء من حيث التحكم في مواردها أو التأثير على تدفقها وجودتها، أبرزها حوض نهر اليرموك، وسد الوحدة، والمنطرة، وكودنة وغدير البستان، بالإضافة إلى سد الرقاد، وكلها سدود ومنابع مائية «وصلت إليها الدوريات الإسرائيلية وفي إمكانها أن تمنع مياهها عن محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء في جنوب سوريا متى تشاء»، وفق مصادر محلية لـ«الأخبار».

لذا تعدّ السيطرة الإسرائيلية الحالية على جبل الشيخ الأخطر لناحية تأثيرها على الأمن المائي، لأنّ الجزء الذي تسيطر عليه إسرائيل في جبل الشيخ وهضبة الجولان يضم عدداً من الينابيع التي تغذي أودية وروافد أساسية في الجنوب، مثل روافد نهر اليرموك والرقاد والحاصباني وبانياس، وكنتيجة محتمة «سيخلّف التحكم الإسرائيلي في مصادر المياه العليا وتأثير عملياته العسكرية على البنى التحتية للمياه، إلى جفاف الينابيع وتراجع مخزون السدود وتلف شبكات الري»، وفق مصدر حكومي لـ«الأخبار».

ومع انخفاض الأمطار وجفاف الينابيع مقارنة بالسنوات الماضية، فإن فقدان مصادر المياه العليا أو تقييد التدفق يعزز خطر انعدام الأمن المائي في الجنوب السوري خصوصاً في المواسم الجافة، ما يزيد الضغط على السكان والزراعة ويهدد الاستقرار الوطني للأمن الغذائي والمائي في المستقبل القريب.

تركيا «تقبض» على المياه السورية شمالاً

ليست إسرائيل وحدها الطرف الذي يضيّق الخناق المائي على سوريا، في الشمال تؤدي تركيا الدور عينه، عبر حجب المياه عن الأراضي السورية مستغلة التداخل الجغرافي الذي يتيح لها التحكم في مصادر المياه وعبورها والمستفيدين منها، ظهر ذلك جلياً مع بدء العمليات العسكرية التركية في الشمال السوري تحديداً بعد عام 2016، عندما سيطرت قوات مدعومة من أنقرة على مناطق تضم منشآت مائية مهمة، منها محطة مياه علوك قرب رأس العين، التي تغذي مئات الآلاف في الحسكة ومحيطها، حينها تحدثت تقارير أممية ومنظمات إنسانية عن انقطاعات متكررة للمياه منذ 2019.

المطامع المائية التركية في سوريا ليست جديدة، ولا وليدة الحرب الأخيرة، ففي عام 1987 تم التوصل إلى تفاهم بين تركيا وسوريا يقضي بأن تسمح تركيا بمرور 500 متر مكعب في الثانية كحد وسطي أدنى من مياه الفرات باتجاه سوريا، على أن تقوم دمشق لاحقاً بتمرير 58% من هذه الكمية إلى العراق. لكن التطبيق لم يكن ثابتاً؛ وفي سنوات الثلوج وذوبانها، خاصة خلال شهري آذار ونيسان، كانت الكميات ترتفع أحياناً إلى نحو 3000 متر مكعب في الثانية، ما يسبب فائضاً كبيراً. وفي المقابل، خلال أشهر الصيف مثل تموز وآب وأيلول، كانت الكميات تنخفض أحياناً إلى حدود 150 متراً مكعباً بحجة أن المعدل السنوي تحقق. أي إن تركيا تعاملت مع الرقم باعتباره «متوسطاً سنوياً» لا تدفقاً ثابتاً، وذلك وفق ما قاله الخبير في مجال التنمية المستدامة، عهد الهندي لـ«الأخبار».

أضاف الهندي أنّه من ناحية القدرة التخزينية، يظهر ميزان القوة بوضوح: سد الفرات (الطبقة) في سوريا تبلغ طاقته نحو 16 مليار متر مكعب، بينما تصل سعة سد «أتاتورك» في تركيا إلى حوالى 48 مليار متر مكعب، أي ثلاثة أضعاف تقريباً. ومع وجود منظومة واسعة من السدود ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول، تمتلك تركيا قدرة شبه كاملة على تنظيم تدفق النهر قبل دخوله الأراضي السورية.

وأشار إلى أنّ ما يجعل لتركيا اليد الطولى في هذا الملف هو أنها لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة للأنهار الدولية لعام 1997، وبالتالي فهي غير ملزمة قانونياً بنظام حصص محدد، ما يمنحها هامشاً سياسياً واسعاً في إدارة المياه.

لقد رأى العالم كيف اقتربت مصر وإثيوبيا من حافة مواجهة عسكرية بسبب سد النهضة، وكيف تحوّل الملف إلى قضية أمن قومي تستدعي وساطات دولية، في المقابل، لم يحظَ الأمن المائي السوري بالاهتمام الكافي، لا من النظام السابق ولا من السلطة الحالية، رغم أنه واحد من أهم عوامل الاستقرار في البلاد.

الاخبار

—————————–

 هل ينقذ العداد الذكي كهرباء دمشق المهدورة؟

دمشق – أحمد علي

الاثنين 2026/02/23

تتداخل مسألة الكهرباء في دمشق بين الاقتصاد والعدالة اليومية، فقد قُدّمت تعرفة جديدة دخلت حيّز التنفيذ منذ أشهر قليلة بوصفها بداية إصلاح لمنظومة متهالكة، مع وعود بتركيب عدادات ذكية وخفض الهدر وتحسين التحصيل. في المقابل، واجه السكان فواتير مرتفعة في ظل تقنين طويل وقراءات يُنظر إليها أحياناً بوصفها غير دقيقة، فاندفع الجدل إلى الشارع وإلى مراكز الجباية.

ووسط هذا الجدل، يطرح إعلان الحكومة عن استيراد عدادات أو “ساعات كهرباء” سؤالاً عملياً. ماذا يحدث عندما لا يدفع عدد كبير من الناس، وعندما تكون مناطق واسعة من دمشق غير منظمة ويصعب ضبط شبكاتها بالطريقة التقليدية؟

تعرفة مرتفعة وغضب علني

يحدد القرار الرسمي للاستهلاك المنزلي شريحتين، 600 ليرة للكيلوواط الساعي حتى 300 كيلوواط ساعي للدورة، و1400 ليرة لما يزيد على ذلك، مع شرح حكومي يعتبر الشريحة الأولى مدعومة بنسبة 60% من سعر التكلفة.  لكن في كانون الثاني 2026 كشفت الوقائع أن بعض فواتير دمشق تجاوزت مليوناً ونصف المليون ليرة، وبعضها أكثر من ذلك بكثير بحيث وصل إلى 4 ملايين ليرة سورية، بينما تتراوح رواتب موظفين بين 700 و900 ألف، مع شكاوى من غياب قراءات فعلية للعدادات.

إثر ذلك، وفي نهاية الشهر الفائت 2026 تحديداً خرجت وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الطاقة في كفرسوسة في دمشق. رفع المشاركون شعارات من نوع: “الكهرباء حق وليست رفاهية”، وبعضهم قال إن الفاتورة ارتفعت دون تحسن في التغذية، وحذر من أن استمرار الآلية سيدفع الناس إلى الامتناع عن الدفع.

وعلى صالة الجباية المركزية في دمشق، رُصدت فواتير بين 600 ألف وأكثر من مليوني ليرة حتى لدى أسر تقلل الاستهلاك أو تغلق منازلها فترات. وفي مؤشر عملي على ضعف الامتثال، نُقل عن مصدر مسؤول في شركة كهرباء دمشق أن نسبة التحصيل لم تتجاوز 10% حتى 1 شباط 2026.

حزام العشوائيات والعداد الغائب

يصبح الملف أكثر تعقيداً عند الحديث عن العشوائيات ومناطق المخالفات، لأن العشوائيات في دمشق وحولها ليس كلمة عابرة، فنحن نتحدث عن حزام من الأحياء غير المنظمة يحيط بدمشق، يمتد من برزة إلى القابون وجوبر شمالاً، ومن مخيم اليرموك إلى التضامن جنوباً وصولاً إلى سفح قاسيون غرباً، ويضم أكثر من 18 منطقة بمساحة تقارب 2000 هكتار وكان يقطنها قبل 2011 نحو 1.2 مليون نسمة، أمّا اليوم فالعدد أعلى بكثير من ذلك لكونها كانت الملجأ للمهجرين والمنكوبين خلال الحرب، ولا يوجد إحصائية دقيقة لعدد القاطنين فيها الآن.

وفي تصنيف تخطيطي سابق، قُسمت عشوائيات دمشق إلى مستويات، بينها أحياء مثل المزة 86 والتضامن ضمن “قيد التنظيم”، وأحياء أخرى مثل دف الشوك والعسالي ضمن مناطق تحتاج مخططات تفصيلية، ما يعكس تاريخاً من التأخر في التسويات التنظيمية.

وفي متابعة الملف، تضع شهادات من محيط دمشق وجهاً إنسانياً للمشكلة، فقد وصف محمد الشوفي من غوطة دمشق منزله بأنه شبه مدمر ثم قال: “فليأتوا ويأخذوا شريط الكهرباء”. بينما رمضان أحمد، وهو موظف يسكن في عشوائية قرب دمشق، قال إنه دفع ثمن العداد ولم يُركّب لغياب العدادات، وإن الانتظار حتى تأتي العدادات الذكية يعني دفع “افتراضي” لا يعرف مدته.

وفي قراءة اقتصادية، قال الخبير عمار يوسف إن الفوترة التقديرية لمن لا يملكون عدادات تعني أن المواطن يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه، ودعا إلى الإسراع بتركيب العدادات وربط الفاتورة بالاستهلاك الفعلي.

فاقد كهربائي يتوسع سريعاً

في تصريح له، قال مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء إن نحو 40% من إجمالي الإنتاج يذهب هدراً بسبب الاعتداءات والسرقات، وإن الفاقد على شبكة التوزيع وصل في بعض المناطق إلى 35%. وفي دمشق، قالت شركة الكهرباء إن برنامج التقنين في 2025 كان خمس ساعات قطع مقابل ساعة ونصف وصل، وإنها نظمت 650 ضبط استجرار غير مشروع منذ بداية العام ذاته وبكمية تتجاوز 100 ألف كيلوواط ساعي.

لدى التفكير في الحلول، فإن الإطار القانوني يضع عقوبات، لكنه لا يحل أزمة التطبيق في الأحياء الهشة. فنص قانون 23 لعام 2012 يذكر عقوبة حبس لا تتجاوز ثلاثة أشهر وغرامة 15% من قيمة الطاقة المستجرة وبحد أدنى 5000 ليرة، مع إمكانية وقف الملاحقة إذا جرى السداد خلال مهلة. لكن في العشوائيات، يتقاطع ردع سرقات الكهرباء مع واقع السكن غير المنظم، ما يجعل الضبط الصرف أقل فعالية إذا لم يترافق بتسوية تدريجية للاشتراك.

العدادات الذكية ومعضلة التنفيذ

أمام هذا الواقع، تضع الحكومة العدادات الذكية في قلب مسار الإصلاح، وتصف تركيب العدادات الذكية بوصفها جزء من إجراءات فنية وتنظيمية لتحسين التحصيل وخفض الفاقد. وفي تشرين الأول 2025 برز الحديث عن مناقصة رقم 2025/4 لاستيراد 6.5 مليون عداد ذكي مع بنية تحتية للقياس المتقدم. وأظهرت وثيقة رسمية مؤرشفة تمديداً وتعديلاً لشروط التوريد بحيث تبدأ الدفعة الأولى خلال أربعة أشهر ثم توريد شهري حتى ثلاث سنوات، مع تمديد موعد الإغلاق إلى 15 آذار 2026.

لكن مسار الاستيراد نفسه يظل حساساً، فالصفحة الرئيسية لموقع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء أظهرت إشعاراً بعنوان إلغاء المناقصة 4-2025 بتاريخ 8 كانون الثاني 2026. ولهذا فإن أي تأخر أو إلغاء يعني استمرار الاعتماد على تقديرات أو قراءات متنازع عليها، وهي بيئة تزداد خطورة في دمشق عندما تتزامن مع رفع التسعيرة وضعف الثقة.

مسارات تنظيم واقعية ممكنة

في الأحياء المنظمة، يبدو الأمر أبسط، إذ يمكن أن يهدأ النزاع عبر تحسين دقة القراءة وتسريع الاعتراضات وربط الجباية بتحسن ملموس في ساعات التغذية، لأن الاحتجاجات نفسها تركز على الفجوة بين السعر والوصل. أما في العشوائيات، فإن التحدي يبدأ من الشبكة، والخطوة الأقرب للتطبيق عملياً هي قياس الفاقد قبل مطاردة الأسلاك، عبر عدادات على مخارج مراكز التحويل والمغذيات لمقارنة الطاقة الداخلة بما يُفوتر فعلاً، ثم توجيه فرق الضبط إلى نقاط أعلى خسارة بدل الحملات العامة.

بعد ذلك تصبح ممكنة تسوية اشتراك قابلة للدفع عبر تخفيف الغرامات القديمة لمن يسجل اشتراكاً فعلياً وتركيب عداد بأقساط، مستفيداً من فكرة وقف الملاحقة عند السداد التي يقرها قانون 2012، مع إعطاء أولوية لعدادات أحادية الطور أو مسبقة الدفع في المناطق الأعلى فاقداً. ويظل شرط العدالة الاجتماعية حاسماً، لأن فرض رقم تقديري ثابت على بيت شبه مدمر كان أحد أكبر دوافع الغضب في الشهادات الميدانية.

وفي الخلاصة لا بدّ من القول إن التنظيم بعد رفع التعرفة لن ينجح عبر حملات الضبط وحدها، ولا عبر العداد الذكي وحده، فوسيلة النجاح الأقرب هي مزيج من القياس الذكي للفاقد، وتسويات اشتراك في الحزام العشوائي، وتحسين تدريجي للتغذية يجعل الفاتورة مفهومة في نظر من يُطالب بها.

المدن

————————

1830 قضية فساد في سورية… وإطلاق منصة لتعزيز الشفافية/ نور ملحم

23 فبراير 2026

أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش إنجاز 1830 قضية خلال عام 2025، شملت معاقبة 3006 أشخاص وإحالة 1620 آخرين إلى القضاء، إضافة إلى تنفيذ 1620 جولة رقابية. وكشفت إحدى هذه الجولات عن اختلاسات مالية في أحد مخابز المؤسسة السورية للمخابز في المحافظات، حيث تجاوزت قيمة المبالغ المختلسة 2.6 مليار ليرة سورية.

وبحسب بيان الهيئة الصادر اليوم الاثنين، أظهرت نتائج التحقيق وجود تلاعب بالكشوفات والتقارير المالية، وعدم تطابق كميات المواد التموينية والنفطية المسلّمة للمخبز مع السجلات الرسمية، إلى جانب تسجيل ملاحظات تتعلق بالإهمال والخلل الإداري لدى المسؤولين عن متابعة الجوانب القانونية والتنظيمية.

واتخذت الهيئة سلسلة إجراءات قانونية بحق المخالفين، شملت إحالتهم إلى القضاء وفرض الحجز على أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وصرف عدد من العاملين المقصّرين، وفرض حسومات على الأجر الشهري لآخرين. كما دعت المؤسسة السورية للمخابز إلى اتخاذ صفة الادعاء الشخصي بحق المسؤولين عن هذه المخالفات.

وأكد مصدر مسؤول في الهيئة لـ”العربي الجديد” أن هذه الإجراءات تندرج ضمن جهود تعزيز النزاهة والشفافية في عمل الجهات العامة وحماية المال العام، مشدداً على أن الجولات الرقابية الآنية تهدف إلى رصد المخالفات وتصحيح الأداء بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

احصائيات هيئة المركزية للرقابة والتفتيش خلال 2025

وأضاف المصدر أن الهيئة ستطلق قريباً منصة رقمية متخصصة في إدارة العقود والمشتريات الحكومية، موضحاً أن الهدف من هذه الخطوة تقليص التدخل البشري إلى الحد الأدنى في مختلف مراحل العقود، من الإعلان حتى التنفيذ، بما يضمن ضبط العمليات ومتابعة المشاريع وفق المعايير القانونية والمالية. وأكد أن الهيئة ستحصل على صلاحية الوصول الكامل إلى المنصة لمراقبة العمليات بشكل لحظي والكشف المبكر عن أي مخالفات محتملة، بما يعزز الشفافية ويحمي المال العام.

وحول ما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن تسويات مع رجال أعمال كانوا يعملون في ظل النظام المخلوع، شدد المصدر على أن الهيئة لا علاقة لها بهذه التسويات، موضحاً أن لجنة الكسب غير المشروع، التي شكلتها الرئاسة، هي الجهة المسؤولة عن التفاوض ودراسة ملفات هؤلاء الأشخاص، وأن أي تسوية تتم وفق آلية محددة تراعي المصلحة العامة للدولة وتضمن حقوق جميع الأطراف. وأشار المصدر إلى أن المنصة الرقمية تمثل خطوة نوعية في تطوير أساليب الرقابة التقليدية، وتقليص فرص الفساد المالي والإداري، مع تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة.

وفي سياق متصل، أعلنت الهيئة ضبط مخالفات وفساد مرتبط بأحد إدارييها على خلفية عقود تأهيل أبنية بعد التحرير، إضافة إلى مخالفات إدارية وقانونية في إحدى مديريات المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، تمثلت في اتخاذ إجراءات تنفيذية خارج الأطر القانونية اللازمة، مع ترهّل إداري انعكس سلباً على جودة الخدمات. وجرى توجيه المؤسسات المعنية لتنظيم العمل الإداري وتسريع تقديم الخدمات، إلى جانب تشكيل بعثة تفتيشية لمتابعة تنفيذ الإجراءات المطلوبة.

( الدولار الواحد = 11,750 ليرة سورية)

العربي الجديد

——————-

======================

تحديث 22 شباط 2026

—————————–

لا تخلو من عوائق.. المشاريع السعودية تضع سوريا على لائحة “الفرص” الاستثمارية/ ركان الخضر

شهدت الفترة الماضية توقيع اتفاقيات اقتصادية بين الحكومة السورية والسعودية شملت قطاعات متعددة، وتنوعت بين تعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات وتطوير منظومات الربط الرقمي، وتأسيس شركة طيران سورية- سعودية لتعزيز الربط الجوي، وتشغيل وتطوير شركة الكابلات السورية الحديثة.

وتضمنت العقود الموقعة بين الجانبين السوري والسعودي التي أُعلن عنها في مؤتمر صحفي حضرته عنب بلدي بدمشق، في 7 من شباط الحالي، المشاريع التالية:

مشروع تطوير مطار حلب الدولي الجديد وتشغيل وتحسين المطار الحالي، وتأسيس شركة طيران في سوريا لمزاولة الطيران التجاري والشحن الجوي بالشراكة مع الهيئة العامة للطيران المدني السوري.

اتفاقية لتطوير مشاريع تحلية ونقل المياه من خلال إجراء الدراسات الاقتصادية والفنية والمالية اللازمة، وإيجاد الحلول المناسبة لتقييم مشروع تحلية مياه البحر.

مشروع للارتقاء بالبنية التحتية للاتصالات في سوريا من خلال تمديد كابلات الألياف الضوئية وإنشاء مراكز بيانات، بما يُسهم في تعزيز تقديم خدمات الإنترنت، وتمكين سوريا من أن تكون مركزًا إقليميًا لنقل البيانات والاتصال الدولي.

اتفاقية تشغيل وتطوير شركة الكابلات السورية الحديثة، إضافة إلى تطوير المنصة الوطنية للتدريب والتأهيل المهني والفني والتقاني.

توقيع اتفاقية إطارية للتعاون التنموي، وإطلاق 45 مبادرة تنموية بين صندوق التنمية السوري واللجنة التنموية السعودية.

تناقش عنب بلدي الاتفاقيات المعلنة مع خبراء اقتصاديين، محاولة الوقوف على أبرز الإيجابيات والمكاسب العائدة على الاقتصاد السوري والشركات السعودية المنفذة، بالإضافة إلى دراسة النقاط السلبية وبعض العوائق التي قد تعترض تنفيذ هذه الاستثمارات الضخمة.

المكاسب المترتبة على الاتفاقيات

يعتقد الباحث الاقتصادي محمد السلوم أن ضخ رأس مال مباشر في قطاعات سيادية ترتبط بالبنية التحتية والربط الإقليمي والاقتصاد الرقمي، وإعادة الإعمار، يعكس أن القيادة الجديدة في دمشق استطاعت إعادة إنتاج صورة سياسية واقتصادية مختلفة عن مرحلة العزلة السابقة، وفتح نافذة ثقة أولية لدى المستثمر العربي، خصوصًا من دولة بحجم السعودية.

وقال السلوم، إن دخول الرياض بهذا الحجم لا يحمل فقط بعدًا اقتصاديًا، بل يمثل “إشارة سوق” قوية بأن البيئة السياسية تتجه نحو قدر أكبر من الاستقرار النسبي، وأن مخاطر الاستثمار بدأت تنتقل من خانة “المستحيل” إلى خانة “القابل للحساب”.

وعلى مستوى صورة سوريا في الأسواق الإقليمية، أشار الباحث الاقتصادي السلوم إلى أن هذه الاتفاقيات تعمل كرافعة معنوية واستثمارية في آن واحد، لأن المستثمرين عادة لا يتحركون منفردين، بل يتبعون “مؤشرات الثقة”، وعندما تدخل السعودية في مشاريع طيران واتصالات وبنية تحتية، فهي عمليًا تعيد وضع سوريا على خارطة الفرص، وتخفض علاوة المخاطر المرتبطة بها تدريجيًا.

وبيّن السلوم أن قطاع الطيران والمطارات يبدو بوابة استراتيجية لإعادة ربط سوريا اقتصاديًا، فالإعلان عن تأسيس شركة طيران اقتصادية وتطوير مطاري حلب لا يعني فقط زيادة الرحلات، بل يشير إلى تحريك التجارة والخدمات اللوجستية وتنشيط السياحة وفتح مسارات جديدة لسلاسل الإمداد، فالنقل الجوي في الاقتصادات الخارجة من الصراع ليس قطاعًا خدميًا فقط، بل هو أداة لإعادة دمج الدولة في محيطها الاقتصادي، وإرسال رسالة بأن البلاد تستعيد قدرتها على الحركة والانفتاح.

في المقابل، يمثل قطاع الاتصالات والربط الرقمي، وفق السلوم، رهانًا بعيد المدى وأكثر عمقًا، فمشروع “سيلك لينك” لا يقتصر على تمديد كابلات أو تحسين الإنترنت، بل يضع سوريا في موقع محتمل كممر إقليمي لعبور البيانات بين آسيا وأوروبا، وهذا النوع من الاستثمارات يخلق بيئة جديدة لجذب شركات التكنولوجيا والخدمات، ويمنح الاقتصاد السوري فرصة للخروج من الاعتماد التقليدي على القطاعات الريعية، باتجاه اقتصاد رقمي أكثر إنتاجية واندماجًا.

وأشار الباحث الاقتصادي محمد السلوم إلى أن قطاع البنية التحتية الثقيلة، مثل مصانع الأسمنت ومشاريع المياه والتحلية، يمثل العمود الفقري لأي دورة إعادة إعمار، وتسهم هذه المشاريع في خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، وتعيد تشغيل قطاعات البناء والصناعة والخدمات، وتسهم في تحسين الخدمات الأساسية التي تشكل شرطًا للاستقرار الاجتماعي، فالاستثمار في الأسمنت والمياه ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو مؤشر على أن إعادة الإعمار باتت تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي لا مجرد الخطط.

ومن الناحية النقدية والمالية قال السلوم، إن تدفقات استثمارية بهذا الحجم قادرة على دعم سعر الصرف عبر زيادة تدفق العملة الصعبة، وتحسين احتياطي القطع الأجنبي، وتنشيط ميزان المدفوعات، كما يمكن أن ترفع معدلات النمو في الأجل القصير عبر تحريك الطلب والاستثمار، وفي الأجل المتوسط عبر بناء طاقات إنتاجية جديدة، بشرط إدارتها بشكل صحيح.

والميزة الأهم، بحسب السلوم، تكمن في أن هذه الاستثمارات تمثل خطوة في انتقال الاقتصاد السوري من “اقتصاد حرب” قائم على السوق السوداء والانكماش والتهريب، إلى اقتصاد أكثر انتظامًا وإنتاجية، حيث يصبح الاستثمار والبنية التحتية والتشغيل أدوات رئيسة بدل اقتصاد الطوارئ.

من جهته، ذكر المحلل الاقتصادي والسياسي في شؤون الشرق الأوسط، الأكاديمي محمد صالح الفتيح، عدة آثار إيجابية محتملة من توقيع الاتفاقيات الأخيرة مع السعودية، يتمثل أولها في إرسال رسالة إيجابية للمستثمرين الأجانب للقدوم إلى سوريا ومحاولة الاستثمار في البنى التحتية، مشيرًا إلى وجود حالة من العزوف من قبل المستثمرين الأجانب عن القدوم للاستثمار في السوق السورية حتى الآن، متوقعًا أن تخفف الاتفاقيات الموقعة أخيرًا مع السعودية من حدة هذا الجمود في الموقف الدولي.

وأضاف الفتيح أن الاتفاقيات الأخيرة مع السعودية تلبي بعض المتطلبات الاقتصادية والخدمية التي تحتاج إليها سوريا لبدء التعافي من مرحلة الحرب، منوهًا إلى أن بعض الاتفاقيات تأتي تحديدًا لتملأ ثغرات لا تستطيع الحكومة السورية التعامل معها حاليًا، وهو ما ينطبق على اتفاقية شركة الطيران “ناس سوريا”، فإعادة بناء أسطول شركة الطيران السورية هو مهمة عالية التكلفة وشديدة التعقيد قد تصل إلى مليارات الدولارات، فضلًا عن الحاجة للانتظار سنوات لتأهيل الكوادر الفنية والملاحية والإدارية اللازمة بعد سنوات من الجمود في قطاع الطيران السوري المدني.

وبخصوص الفائدة التي تعود على الشركات السعودية المستثمرة في هذه الاتفاقيات، بيّن المحلل الاقتصادي محمد الفتيح، أن الشركات السعودية ستكسب باعتبارها أول الواصلين إلى السوق السورية في مرحلة انتقال هذا السوق نحو اقتصاد السوق الحر، الأمر الذي يمنح الشركات السعودية فرصة البروز كلاعب رئيس ومهيمن في بعض القطاعات.

وأوضح الفتيح أن بعض الشركات السعودية التي وقعت الاتفاقيات الأخيرة، مثل “أكوا باور”، تملك فروعًا في دول عدة ويأتي التوسع إلى سوريا استمرارًا للمسار السابق، أما شركة “طيران ناس”، فيمثل خروجها إلى سوريا أول توسع لها خارج السوق السعودية، وهي مشاريع تأتي في سياق التنوع الاقتصادي الذي تعمل السعودية على تحقيقه بعيدًا عن النفط والدعم الحكومي السعودي المباشر.

العوائق والسلبيات

قال المحلل الاقتصادي محمد الفتيح لعنب بلدي، إن العوائق التي قد تقف أمام الاستثمارات السعودية المعلنة في السوق السورية تتركز في نوعين، رئيسي وثانوي.

يتعلق النوع الثانوي، وفق الفتيح، بالبنية التحتية والفنية والتشريعية في سوريا، ومتطلبات استكمال بعض المخططات قبل انطلاق المشاريع، موضحًا أن تنفيذ شركة “ناقل” السعودية الوطنية شبكة لنقل المياه إلى دمشق والمنطقة الجنوبية يتطلب بداية إنهاء وضع المخططات التنظيمية لإعادة إعمار دمشق وريفها وأجزاء الجنوب السوري، قبل انطلاق مشاريع نقل المياه، خصوصًا أن هذه المشاريع ستنفذ تحت الأرض وبالتالي يجب أن تنجز خططها ومساراتها في أول مراحل التخطيط.

وأشار الفتيح إلى أن العائق الرئيس الذي قد يعترض المشاريع المعلنة، يكمن في الجدوى الاقتصادية والربحية لهذه المشاريع، فمشروع شركة الطيران “ناس سوريا” سيخدم السوريين الراغبين باستخدام الرحلات الجوية، أما مشاريع شركة “أكوا باور” التي ستنفذ محطة لتحلية مياه البحر وتسهيل نقل المياه إلى دمشق والجنوب السوري، فقد تدفع إلى رفع تعرفة المياه في سوريا، لأن الشركة خاصة وتبحث عن الأرباح من خلال هذه المشاريع.

المحلل الاقتصادي محمد الفتيح، لم يستبعد ألا تبدأ الجهة السعودية بتنفيذ المشروع قبل التحقق من وجود خطوات جدية من جانب الحكومة السورية لرفع تعرفة المياه بشكل ملموس يضمن الوصول للربحية عند انطلاق المشروع السعودي، وهو ما رأيناه في مجال الكهرباء التي ارتفعت أسعارها بعيد توقيع اتفاقات إنشاء محطات الكهرباء الخمس مع “UCC” القطرية القابضة.

من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي محمد السلوم، أن المخاطر التي قد تعترض المشاريع المعلنة مع السعودية، تتركز في الفساد وسوء إدارة العقود، مبيّنًا أن أي اختلال في الشفافية سيحول هذه المشاريع إلى مصدر ريعي جديد بدل أن تكون محرك تنمية.

وأضاف السلوم سلبية أخرى تتمثل في التركز الجغرافي للمشاريع في مناطق محددة مثل حلب ودمشق، دون أن ينعكس ذلك على بقية المحافظات، ما قد يعمّق الفجوة التنموية الداخلية.

ونوه السلوم إلى نقطة ثالثة تمحورت حول الاعتماد المفرط على شريك واحد، الأمر الذي قد يؤثر على “الاقتصاد الصحي” الذي يحتاج إلى تنويع الشركاء والاستثمارات لتقليل التبعية وتعظيم الاستقرار.

عنب بلدي

—————————–

 سوريا تفتح باب التملك الكامل: إختبار الثقة الاقتصادية

دمشق – رهام علي

الأحد 2026/02/22

بعد سنوات طويلة من الانكماش الاقتصادي والعزلة، تحاول سوريا إعادة فتح أبوابها أمام الاستثمار الأجنبي عبر قانون الاستثمار الجديد لعام 2025، الذي يمنح المستثمر غير السوري حق التملك بنسبة 100%، ويقدم حوافز ضريبية واسعة تصل إلى الإعفاء الكامل في بعض القطاعات. خطوة وُصفت رسمياً بأنها تحول مفصلي في بيئة الأعمال، لكنها تطرح في المقابل أسئلة جوهرية حول قدرة الاقتصاد السوري على استيعاب هذا النوع من الاستثمارات، والفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي.

نصوص قانونية بمعايير دولية

ينص قانون الاستثمار الجديد على ضمانات تُعد “نظرياً” من الركائز الأساسية لأي بيئة استثمارية جاذبة: حماية الملكية الخاصة، منع المصادرة أو وضع اليد، حرية تحويل الأرباح، والتملك الكامل دون الحاجة إلى شريك محلي. وهي مبادئ تتوافق مع المعايير التي تعتمدها منظمات دولية مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، والتي تعتبر استقرار القواعد القانونية وحماية الملكية شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.

غير أن التجارب الدولية تُظهر أن وجود النصوص لا يعني بالضرورة فعاليتها، إذ تُقاس القيمة الحقيقية لأي قانون استثماري بمدى استقلال القضاء، ووضوح آليات التحكيم، وسرعة الفصل في النزاعات. وفي الحالة السورية، لا يوضح القانون بشكل تفصيلي آليات حل النزاعات بين المستثمر والدولة، ولا يحدد بشكل قاطع ما إذا كانت تُدار عبر القضاء المحلي حصراً أم عبر التحكيم الدولي، ما يجعل اختبار هذه الضمانات مؤجلاً إلى أول نزاع فعلي.

وبحسب تقارير البنك الدولي حول بيئة الأعمال، فإن ضعف استقلال القضاء وتعقيد الإجراءات القانونية يُعدّان من أبرز العوامل الطاردة للاستثمار، حتى في الدول التي تمتلك قوانين استثمار متقدمة شكلياً.

قانون متقدم… واقتصاد هش

من منظور أكاديمي، يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد في حديثه مع “المدن” أن الاقتصاد السوري لا يزال يواجه تحديات بنيوية عميقة تحدّ من قدرته على استيعاب استثمارات أجنبية ذات طبيعة إنتاجية طويلة الأجل. فرغم صدور قانون الاستثمار الجديد، لا تزال الفجوة واسعة بين الإطار القانوني المعلن والتطبيق العملي، وهو ما يضعف الثقة الاستثمارية، خصوصاً في ظل هشاشة البنية المؤسسية وضعف قدرة الأجهزة التنفيذية على إنفاذ القوانين وحماية الحقوق.

هذا التوصيف يلتقي مع قراءة الباحث الاقتصادي محمد العلبي، الذي يشير لـ”المدن” إلى أن وجود فجوة طلب كبيرة بعد سنوات من الانكماش، وانخفاض كلفة العمل والأصول، يمكن أن يشكل عامل جذب مبدئي لبعض المستثمرين الباحثين عن عوائد سريعة في أنشطة أساسية. إلا أن هذه العوامل، برأيه، لا تعوّض غياب اليقين في “قواعد اللعبة”، ولا تعدد مراكز القرار، ولا الخوف الدائم من تغيّر التعليمات والرسوم بشكل مفاجئ، وهي مخاطر تجعل البيئة الاستثمارية غير قابلة للتنبؤ مهما كانت النصوص القانونية مشجعة.

التملك 100%: جرأة أم مخاطرة سيادية؟

يُجمع الخبيران على أن منح المستثمر الأجنبي حق التملك الكامل بنسبة 100% يشكل خطوة غير مسبوقة في السياق السوري، تهدف بوضوح إلى تعزيز جاذبية السوق. غير أن الدكتور عبد الرحمن محمد يحذّر من أن هذه الخطوة، في غياب ضمانات تنفيذية ورقابية صارمة، قد تفتح الباب أمام مخاطر حقيقية، أبرزها هيمنة رؤوس الأموال الأجنبية على قطاعات استراتيجية، ما يطرح تساؤلات تتعلق بالسيادة الاقتصادية وقدرة الدولة على توجيه التنمية.

من جهته، يؤكد العلبي أن المستثمر لا يبحث عن الملكية بحد ذاتها بقدر ما يبحث عن قابلية التشغيل الفعلي، استقرار الأطر القانونية، إمكانية التسعير، حرية التحويل، وإنفاذ العقود عند النزاع، وبحسب علبي فما دامت هذه العناصر غير مضمونة عملياً، تبقى المخاوف التنفيذية قائمة، حتى مع أوسع الضمانات القانونية، ويظل التملك الكامل خطوة ناقصة الأثر على مستوى بناء الثقة.

إعفاءات ضريبية واسعة

يقدّم قانون الاستثمار الجديد إعفاءات ضريبية كاملة لقطاعات مثل الزراعة والصحة، وحوافز كبيرة للصناعة، وهو ما يراه الدكتور عبد الرحمن محمد سلاحاً ذا حدين. فمن جهة، يمكن لهذه الإعفاءات أن تخفف العبء المالي عن المستثمرين وتشجع دخولهم إلى قطاعات ذات أولوية تنموية. لكن من جهة أخرى، قد تؤدي الإعفاءات الواسعة وغير الموجهة إلى تشوهات في السوق، عبر تركّز الاستثمارات في قطاعات محددة على حساب أخرى، وتعميق التفاوت بين القطاعات الاقتصادية، ما لم تُربط بسياسات تنموية واضحة وأهداف طويلة الأجل.

هذا القلق يتقاطع مع رؤية العلبي، الذي يرى أن غياب رؤية اقتصادية متكاملة يجعل من الحوافز الضريبية أداة جذب قصيرة النفس، لا تضمن بالضرورة استثمارات منتجة، بل قد تشجع على دخول رؤوس أموال تبحث عن الربح السريع والخروج الآمن، بدل المساهمة في إعادة بناء القاعدة الإنتاجية.

استثمارات ريعية أم إنتاج حقيقي؟

وفي ظل ضعف البنية التحتية وغياب الاستقرار السياسي والاقتصادي الكامل، يحذّر الدكتور عبد الرحمن محمد من خطر تحوّل الاستثمارات الأجنبية إلى استثمارات ريعية قصيرة الأجل، خصوصاً في القطاعات التي لا تتطلب بنى تحتية متطورة أو التزامات طويلة الأمد. فتنفيذ مشاريع إنتاجية حقيقية يتطلب استثمارات ضخمة في الكهرباء والنقل والخدمات اللوجستية، وهي شروط لا تزال غير متوفرة على نحو كافٍ.

أما العلبي، فيقارب المسألة من زاوية عملية، مشيراً إلى أن القطاعات الأكثر أماناً نسبياً في المرحلة الراهنة هي تلك ذات الطلب الأساسي ودورة رأس المال القصيرة، مثل سلاسل الغذاء والتصنيع الغذائي الخفيف، والخدمات الصحية وشبه الطبية، والتعليم والتدريب والخدمات المهنية، مع حذر محسوب في حلول الطاقة اللامركزية. في المقابل، تبقى الاستثمارات الثقيلة طويلة الأجل، كالعقار والصناعة الكبيرة، عالية المخاطر في ظل عدم استقرار البيئة التشغيلية.

عقبات التحويل وسوق العمل

بالنسبة للمستثمرين المغتربين، لا تبدو العقبات محصورة في النصوص القانونية. فبحسب العلبي، تبقى مسألة التحويلات المالية والامتثال المصرفي العائق الأثقل، نظراً لما تحمله من مخاطر قانونية ومالية خارج سوريا. يلي ذلك عدم استقرار سعر الصرف وصعوبة التسعير، ثم ضعف إنفاذ العقود، خصوصاً في الشراكات المحلية، وصولاً إلى بيئة إدارية ثقيلة تجعل كلفة التشغيل غير قابلة للتنبؤ.

هذه الصورة تؤكد، من منظور أكاديمي، ما يطرحه الدكتور عبد الرحمن محمد حول ضرورة النظر إلى قانون الاستثمار كجزء من حزمة إصلاحات أشمل، لا كحل مستقل. فالقانون، مهما كان متقدماً على الورق، لا يستطيع بمفرده معالجة اختلالات هيكلية متراكمة.

بالتوازي، يسمح القانون باستقدام ما لا يقل عن 40% من العمالة غير السورية، وهو بند يثير نقاشاً حساساً في سوق عمل يعاني من بطالة مرتفعة وهجرة للكفاءات. وتشير منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن نجاح الاستثمارات الأجنبية في الاقتصادات الهشة يرتبط بقدرتها على خلق فرص عمل محلية مستدامة.

ما الذي يحتاجه القانون ليصبح فاعلاً؟

يتفق الخبيران على أن نجاح قانون الاستثمار الجديد مشروط بإصلاحات اقتصادية عميقة، تبدأ بتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وإصلاح النظام القضائي لضمان استقلاليته وفعاليته في حل النزاعات، وتحسين البنية التحتية، وتطوير النظام المالي والمصرفي لتسهيل تدفق رؤوس الأموال وحماية الاستثمارات.

في المحصلة، يكشف فتح باب التملك الكامل أمام المستثمر الأجنبي عن مفارقة واضحة: نص قانوني متقدم وطموح، في مقابل اقتصاد ما يزال يعاني من هشاشة بنيوية وتحديات تنفيذية. وبين الرغبة في جذب الاستثمار والحاجة إلى حماية المصالح الوطنية، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة سوريا على تحويل هذا القانون من إعلان نوايا إلى أداة فعلية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، لا مجرد بوابة لاستثمارات سريعة العائد وقصيرة الأجل.

موقع سوريا على خريطة الاستثمار

ورغم الحديث الرسمي عن أن القانون الجديد من بين “أفضل عشرة قوانين استثمارية عالميًا”، لا تزال سوريا خارج معظم مؤشرات التصنيف الدولية، مثل مؤشر سهولة ممارسة الأعمال ومؤشر مخاطر الاستثمار، بسبب غياب البيانات أو صعوبة التقييم.

وتُظهر تجارب دول الجوار أن النص القانوني ليس العامل الحاسم وحده، بل الاستقرار النقدي، سهولة التحويلات المالية، وضوح السياسة الاقتصادية، وهي عوامل لا تزال موضع تساؤل في الحالة السورية، خصوصًا مع استمرار تقلبات سعر الصرف وضعف القطاع المصرفي.

وقد اعتُبرت الاتفاقيات الموقعة مع الجانب السعودي أول اختبار عملي للقانون الجديد، لكنها حتى الآن بقيت في إطار الإطار العام، دون إعلان عن مشاريع منفذة أو رؤوس أموال دخلت فعليًا إلى السوق السورية.

وبحسب UNCTAD، فإن الفجوة بين توقيع الاتفاقيات وتنفيذ الاستثمارات الفعلية غالبًا ما تكشف قدرة الدولة على توفير بيئة تشغيلية حقيقية، لا مجرد ضمانات مكتوبة.

بين القانون والواقع

بالمحصلة لا يمكن إنكار أن قانون الاستثمار الجديد يمثل تحولًا مهمًا في الخطاب الاقتصادي السوري، وينقل البلاد “نظريًا” من اقتصاد مقيّد إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا.

لكن التجارب الاقتصادية تؤكد أن القوانين لا تُختبر بالنصوص، بل بالممارسة، وأن جذب الاستثمار يتطلب منظومة متكاملة تشمل القضاء، المصارف، السياسة النقدية، والشفافية المؤسسية.

وحتى ذلك الحين، يبقى القانون خطوة متقدمة على الورق، فيما يظل المستثمر الحقيقي في موقع المراقب، بانتظار أول تجربة ناجحة.

————————–

 طوابير الغاز تعود إلى شوارع دمشق والبيع بالسعر الحر

2026.02.22

عادت طوابير الغاز في دمشق وريفها تتصدر المشهد، وسط شكاوى المواطنين من نقص المادة قبيل رمضان بأيام قليلة، واتهامات لمعتمدي الغاز بالتحكم بسعر الأسطوانة لتتجاوز 250 ألف ليرة سورية.

أسطوانات قليلة وأسعار مرتفعة

ومن خلال جولة لموقع ” تلفزيون سوريا” في دمشق وريفها لوحظ انخفاض ملحوظ في عدد الأسطوانات المطروحة يوميًا مقارنة بالفترات السابقة، دون معرفة الأسباب أو صدور أي تصريح رسمي لأسباب قلة المادة في الأسواق.

كما لوحظ ارتفاع سعر أسطوانة الغاز ما بين 180 لل 275 ألف ليرة سورية ، فيما اعتبره المواطنين سعر مرتفع جدا مع بداية شهر رمضان بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

 أحمد حمدان “موظف ” قال لموقع تلفزيون سوريا : “لا يوجد سعر ثابت لإسطوانة الغاز، وأن كل معتمد له تسعيرة، وإذا اعترضت ، يكون جوابه “ما في غاز”.

فيما تؤكد سلمى الهندي “ربة منزل” تسكن منطقة صحنايا بريف دمشق أن بعض الأهالي ينتظرون أيامًا للحصول على أسطوانة، بينما يحصل آخرون على أكثر من واحدة “بحسب المعرفة”، مشيرة إلى أن المحسوبيات عادت تسيطر على المشهد في سوريا.

إغلاق المطاعم وعودة الاحتكار

وخلال الجولة في ريف دمشق لوحظ إغلاق عدد من المطاعم ومحال الوجبات السريعة بسبب نقص الغاز، ويقول “ناصيف” صاحب محل للوجبات السريعة في صحنايا: “اضطررنا للإغلاق قبل بداية شهر رمضان المبارك بأسبوع بسبب انقطاع المادة مع إننا ننتظر الموسم بفارغ الصبر”.

ويشير إلى أن أسطوانة الغاز الصناعي تجاوزت 500 ألف ليرة سورية، متسائلا عن سبب انقطاع مادة الغاز بهذا الشكل المفاجئ، لافتا إلى خوف وقلق كبير في الشارع عن عودة أزمة الغاز أو رفع سعر الأسطوانة.

في حين يؤكد المهندس لؤي طنجور من سكان منطقة الجديدة بريف دمشق، أن نقص المادة مشكلة ولكن استغلال المعتمدين واحتكارهم للمادة فاقمها أكثر.

ويوضح المهندس أن المعتمدين يبيعون بالسعر الحر فمثلا إذا كان المعتمد رخصته 200 أسطوانة يبيع للمواطنين 175 أسطوانة بالسعر النظامي ويحتكر المتبقي ويبيعهم بسعر مرتفع جدا. ويضيف ساخرا أن معتمدي الغاز يتعاملون مع المواطنين “كالوزارء”، مشيرا إلى عودة مظهر الطوابير والمشاكل والمشادات الكلامية بين الناس للحصول على أسطوانة غاز.

تشديد الرقابة

يقول الباحث الاقتصادي حسان حميدي لموقع “تلفزيون سوريا” إنه في مدينة بحجم دمشق تضم ملايين السكان، لا يفترض أن تتحول مادة أساسية إلى مصدر قلق يومي، ولكن الواقع يشير إلى خلل يتجاوز مجرد نقص عابر في التوريد.

ويشير إلى أنه بين تراجع الكميات الرسمية، واتهامات الاحتكار، وارتفاع الأسعار، يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف في معادلة غير متوازنة. وشدد على التركيز على دور الرقابة التموينية خصوصا في الازمات المواد المهمة للتخفيف من الفساد والعبء على المواطنين.

ويضيف حميدي أنه إذا استمر نقص التوزيع دون تدخل واضح، قد تشهد الأسواق مزيدا من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وعودة تحكم السوق السوداء مما يؤدي إلى ضغط أكبر على المواطنين. ويشير أنه في حال تدخل الجهات المعنية عبر زيادة التوريدات وتشديد الرقابة، فقد تنحسر الأزمة تدريجيًا خلال أيام.

وكانت قد أنهت الشركة السورية للبترول فجر السبت، عملية تفريغ ناقلة الغاز “GAS MILANO” في خزاناتها بمحافظة طرطوس، بعد وصولها محمّلة بـ 2681.656 طناً من الغاز المسال.

ووفقاً لما نشرته محافظة طرطوس عبر قناتها في “تليغرام”،  باشرت الشركة بتزويد الصهاريج بالكميات اللازمة تمهيداً لنقلها إلى مختلف المحافظات، في حين من المقرر ربط ناقلة جديدة اليوم لاستكمال الإمدادات وتعزيز المخزون.

ويأتي ذلك بعد أن شهدت عدة محافظات سورية خلال الأسابيع الماضية، انقطاعاً في توريد أسطونات الغاز المنزلي، ما تسبب في ازدحام أمام مراكز توزيع أسطوانات الغاز.

—————————–

======================

تحديث 21 شباط 2026

—————————–

تنسيق الدعم الدولي مفتاح التعافي.. ما هو حجم الاحتياجات الإنسانية في سوريا؟/ علي إسماعيل

فبراير 20, 2026

سبل مواءمة الدعم الدولي مع الاحتياجات الإنسانية الفعلية، والأولويات المتعلقة بمرحلة التعافي، وسبل تحشيد الموارد اللازمة لتنفيذها بما يسهم في تعزيز فعالية الاستجابة الإنسانية وضمان استدامتها، كانت أهم موضوعات البحث لاجتماع الطاولة المستديرة في 17 شباط/فبراير في دمشق، والذي ضم وزارة الخارجية والمغتربين، ومنظمة الهلال الأحمر العربي السوري، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، وممثلي عدد من البعثات الدبلوماسية وجهات دولية مانحة.

رئيسة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، كيت فوربس، أشارت إلى نقاط رئيسية خلال تصريحاتها الصحفية في ختام زيارة لها امتدت أربعة أيام.

وأبرز تلك النقاط كانت حول حجم الاحتياجات الإنسانية الكبير الذي وصفته بالأشد والأوسع نطاقا خلال مسيرتها المهنية، وكذلك أهمية دعم الهلال الأحمر العربي السوري بوصفه ركيزة أساسية في الاستجابة الإنسانية داخل البلاد، إضافة إلى ضرورة تنسيق المساعدات الإنسانية بشكل فعال ليكون عاملا حاسما في تعافي سوريا.

حتى عام 2024 كان يقدر عدد النازحين داخليا في سوريا بحوالي 7 ملايين و100 ألف شخص، في حين تم تحديد عدد اللاجئين السوريين خارج البلاد بحوالي 6 ملايين و900 ألف سوري في دول الجوار: تركيا ولبنان والأردن والعراق.

هذه الأرقام كانت من أبرز تحديات العمل الإنساني والاستجابة التي كانت تقوم بها المنظمات الدولية والأممية المعنية بالشأن الإنساني، ولدرجة وصلت حد الاعتراف بالعجز عام 2021 من قبل وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارك لوكوك، الذي قال إن الاحتياجات الإنسانية المتزايدة في سوريا تفوق قدرتنا على الاستجابة، حيث أشار المسؤول الأممي آنذاك إلى أنه في كل شهر تصل العمليات العابرة للحدود إلى حوالي 2.4 مليون شخص يعتمدون عليها في الغذاء والأدوية والمأوى والإمدادات الحيوية الأخرى.

ما هو حجم الاحتياجات الإنسانية الفعلية في سوريا؟

في الذكرى الأولى للتحرير أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى إحراز تقدم في استعادة الخدمات الأساسية وتوسيع نطاق الوصول الإنساني في سوريا وخلق سبل لعودة اللاجئين والنازحين، بينما لا تزال الاحتياجات الإنسانية هائلة. وقال إن نداء الأمم المتحدة لعام 2025 بشأن الوضع في سوريا، الذي تبلغ قيمته 1.5 مليار دولار، ممول بنسبة 33% فقط، مما يترك ملايين الأشخاص دون مأوى مناسب وخدمات أساسية ودعم.

في كانون الأول/ديسمبر 2025 أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال حادة في جميع أنحاء سوريا، حيث لا يزال 16.5 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان.

وأكد المكتب أن التلوث بالذخائر المتفجرة لا يزال يشكل تهديدا كبيرا على السوريين، حيث أدى إلى مقتل 21 شخصا وإصابة أكثر من 60 آخرين، نصفهم من الأطفال، في شهر تشرين الثاني/نوفمبر وحده. وفي الوقت نفسه لا يزال 2.5 مليون طفل خارج المدارس، و40% من المدارس غير صالحة للعمل.

وتعتبر الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية في سوريا واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث اعتبرت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، جويس مسويا، في كلمة لها أمام مجلس الأمن في 18 كانون الأول/ديسمبر أن اللحظة الراهنة منحت سوريا فرصة لخفض الاحتياجات الإنسانية بشكل نهائي إذا تم تحقيق ثلاثة متطلبات رئيسية من المجتمع الدولي: أولها دبلوماسية فعالة لنزع فتيل التوترات ومنع اندلاع اشتباكات جديدة تقوض الاستقرار، وثانيها دعم الاستثمارات في التنمية التي تدعم “الخطوات الملحوظة” التي قطعتها سوريا في إعادة الاندماج مع المجتمع الدولي، وهو أمر بالغ الأهمية لتعافيها وإعادة إعمارها، وآخرها دعم استدامة وتوسيع تدفق المساعدات الإنسانية على المدى القريب لتلبية الاحتياجات العالية المستمرة.

وأشارت مسويا إلى أن تعزيز التعاون مع السلطات السورية أدى إلى توسيع نطاق الوصول وجعل العمليات الإنسانية أكثر كفاءة، مؤكدة الوصول إلى 3.4 ملايين شخص شهريا بزيادة قدرها 25% عن العام الماضي، على الرغم من انخفاض مستويات التمويل.

وفي هذا السياق يقول الباحث والمحلل السياسي وائل علوان في حديثه لصحيفة الثورة السورية: “إنه بعد توقف المعارك نسبيا في سوريا، لم تتمكن برامج التعافي المبكر التي أطلقتها الأمم المتحدة من معالجة هشاشة الوضع المعيشي والانهيار الاجتماعي والاقتصادي الذي يعانيه السوريون، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن هذه البرامج غالبا ما كانت تنفذ عبر مؤسسات وجهات تابعة لنظام الأسد السابق، الذي لم يتردد في اختلاس الموارد والمساعدات المخصصة لإنقاذ الشعب السوري”.

ويتابع بالقول: “اليوم، بعد سقوط النظام السابق، تعاني سوريا من آثار وتداعيات التدمير المنهجي الذي مارسه النظام على جميع المستويات، بما في ذلك تدمير الحوامل الاجتماعية الأساسية، وانهيار القطاعات الاقتصادية والتنموية مثل القطاع الزراعي والصناعي والثروة الحيوانية والمياه والصرف الصحي، وتدمير البنية التحتية والصناعة التحويلية بشكل ممنهج”.

ويضيف: “الاحتياجات الإنسانية والتنموية في سوريا اليوم كبيرة جدا، والحكومة السورية غير قادرة بمفردها على معالجة هذه الأعباء. الأمر يتطلب وقتا وجهدا كبيرين، فضلا عن تدخل إنساني مستمر، وهناك حاجة ماسة لإعادة تفعيل برامج التعافي المبكر والدعم الإنساني بشكل عملي وناجح، مع التركيز على تحسين مستوى المعيشة للسكان ودعم القطاعات التنموية، ولا سيما المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر”.

وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي ناشد في 27 كانون الثاني/يناير 2025، عقب زيارته لسوريا، المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات “جريئة وحاسمة” لمساعدة السوريين في إعادة بناء بلادهم التي مزقتها الحرب، ودعم السوريين النازحين واللاجئين في العودة إلى ديارهم. وقال إن على العالم أن يتحرك لدعم تعافي سوريا، وأكد أن التعاون بين الدول المجاورة والجهات المانحة والسلطات السورية المؤقتة “ضروري لتحقيق السلام والاستقرار الذي تشتد الحاجة إليه في سوريا والمنطقة بأكملها”.

ركيزة أساسية في الاستجابة الإنسانية

الهلال الأحمر العربي السوري منظمة وطنية ذات شخصية اعتبارية، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وهي عضو في الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وفي الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر في جنيف، والأمانة العامة العربية لجمعيات الهلال والصليب الأحمر العربية.

تحظى المنظمة باحترام وتقدير كبيرين من السوريين، لكونها المنظمة الأقوى والأسرع على المستوى الوطني في الاستجابة للكوارث العامة، وتعد أكبر المنظمات الإنسانية الإغاثية في سوريا. وقد تأسست بموجب المرسوم الجمهوري عام 1942، حيث لم تكن المنظمة حتى ذلك الوقت تحمل صفة عمل رسمية، لوجود “الصليب الأحمر السوري” المنشأ من قبل فرنسا حينها.

وفي عام 1945 قامت الحكومة السورية بالاعتراف بشكل رسمي بالهلال الأحمر لينوب عن الصليب الأحمر، وفي عام 1946 اعترفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالهلال الأحمر السوري رسميا.

مركز جسور للدراسات في دراسة بعنوان “الهلال الأحمر السوري.. الواقع والالتزام بالمبادئ السبعة” أشار إلى أن المنظمة شهدت إعادة تأسيس مرة أخرى عام 1966، من خلال المرسوم 117 الناظم لعملها، بعد 3 سنوات على استيلاء حزب البعث على الحكم في سوريا، وهي الفترة التي شهدت تأميم العديد من منظمات المجتمع المدني واسعة الانتشار، بطريقة مباشرة من خلال سن قوانين تنظم عملها تحت سقف حزب السلطة أو إلحاقها رسميا بالحزب.

وأشارت الدراسة إلى أن شراكات الأمم المتحدة في مناطق النظام خلال السنوات الماضية كانت محصورة بالهلال الأحمر السوري، إذ تحتاج المنظمة الدولية إلى شريك محلي قانوني، وتفضل في الوقت نفسه أن يكون معتمدا من قبل النظام السياسي، وهو الشرط الذي يحققه الهلال الأحمر بصورة كبيرة، مستفيدا من اسمه وانتمائه العالمي.

تعد منظمة الهلال الأحمر العربي السوري ركيزة أساسية في الاستجابة الإنسانية من وجهة النظر الأممية لأنها عملت على تطوير إستراتيجية لبرنامج إدارة الكوارث، بالتعاون مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والصليب الأحمر البريطاني.

وأكدت المنظمة دعم المجالات الأساسية لبرنامج إدارة الكوارث وربطها مع البرامج التنموية الأخرى ودمجها في أنشطة المنظمة. وقد تم إنجاز ذلك من خلال تطوير التدريب بشكل عام، بالإضافة إلى التدريب في المجال التخصصي في بعض النواحي.

كما قررت المنظمة فيما بعد تأسيس فريق التدخل الوطني لإدارة الكوارث، وتم تقسيم فروع المنظمة للعمل بشفافية ضمن وحدات لإدارة الكوارث. وكان الهدف من هذا التقسيم تبادل الخبرات بين الفروع، والمساعدة في تطوير سياسة دعم وتقوية الفريق الوطني من خلال التدريب المستمر، والتشبيك المتين بين الفروع.

يذكر أن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر منظمة إغاثة إنسانية عالمية تصل إلى 160 مليون شخص سنويا من خلال جمعياتها الوطنية البالغ عددها 191 عضوا. تعمل قبل حدوث الكوارث وحالات الطوارئ الصحية وفي أثناءها وبعد وقوعها لتلبية احتياجات الأشخاص الضعفاء وتحسين حياتهم، وتكمن قوة الاتحاد في شبكة المتطوعين التي يمتلكها، فضلا عن خبرته المجتمعية واستقلاليته وحياده.

ويسعى الاتحاد إلى تحسين المعايير الإنسانية من خلال الشراكات في التنمية والاستجابة للكوارث، وأيضا إلى تمكين مجتمعات محلية سليمة وآمنة والحد من مواطن الضعف وتعزيز القدرة على الصمود وبناء ثقافة السلام في جميع أنحاء العالم.

وله دور متعدد الأوجه، ما يمنحه القدرة على جلب الموارد بسرعة من خلال بعثاته وممثليه، والعمل مع الهلال الأحمر العربي السوري لفهم احتياجاته وتقديم الموارد والخبرات الفنية اللازمة لتلبية احتياجات فروعه.

أهمية تنسيق الدعم الدولي كمفتاح التعافي

أعلنت الأمم المتحدة عن تحول هيكل التمويل الإنساني في سوريا بدءا من عام 2026 إلى نظام صندوق موحد مقره دمشق، وتأتي هذه الخطوة كجزء من إعادة هيكلة العمليات الإنسانية في سوريا، وتعتبر نهاية عمل صندوق سوريا الإنساني العابر للحدود، الذي كان يدار من خارج البلاد طوال السنوات الماضية، وفق بيان صدر عن الأمم المتحدة.

وجاء الإعلان في البيان الاستراتيجي الصادر ضمن لوحة المتابعة التراكمية لصندوق سوريا الإنساني لعام 2025، والتي أكدت أن العام الفائت شكل نقطة تحول تاريخية لسوريا ولآلية التمويل الإنساني، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد المخلوع والتغيرات السياسية والتشغيلية الواسعة التي شهدتها البلاد.

ووفق البيان، لعب الصندوق دورا محوريا خلال عام 2025 في دعم الانتقال نحو هيكل تمويل إنساني موحد، مع الاستمرار في تلبية الاحتياجات العاجلة المنقذة للحياة، وتعزيز تماسك النظام الإنساني، وتوطين الاستجابة، وتعزيز المساءلة في ظل بيئة عمل استثنائية.

وبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، فإن تنسيق المساعدات الإنسانية في سوريا عملية معقدة تديرها بشكل أساسي وكالات الأمم المتحدة مثل أوتشا، بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري والسلطات المحلية، لضمان إيصال المواد الغذائية والطبية والوقود لملايين المحتاجين.

وفي هذا الإطار أوضح أن فريق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية سيبقى في مدينة غازي عنتاب التركية خلال فترة الإغلاق، للإشراف على العملية وضمان المساءلة، ودعم انتقال سلس ومسؤول نحو آلية تمويل موحدة داخل سوريا.

وأكدت الأمم المتحدة أن الانتقال إلى صندوق مقره دمشق يهدف إلى تعزيز فعالية الاستجابة الإنسانية والتنسيق داخل البلاد، وتوحيد قنوات التمويل، بما يتماشى مع الواقع السياسي والإداري الجديد في سوريا.

وفي هذا السياق يقول الباحث علوان: “من المهم اعتماد منهجية قائمة على البيانات والإحصاءات الدقيقة، حيث إن أي جهود إنسانية فعالة تبدأ بتقدير الاحتياجات الواقعية وتحديد الأولويات، ثم الانتقال إلى وضع الخطط والبرامج المناسبة”.

ويتابع: “وفي ظل تحرير كامل الأراضي السورية، هناك قدرة عالية على الوصول إلى البيانات والمعلومات الميدانية، شرط وجود شراكة فعالة بين الجهات الأممية والدولية والإقليمية والحكومة السورية، مع توفير التمويل اللازم لعمليات الإحصاء وتقدير الاحتياجات”.

ويختتم الباحث علوان حديثه لصحيفة “الثورة السورية” بالقول: “يمكن تقديم الدعم الطارئ وفق أولويات محددة، يتبعه إطلاق برامج تنموية مستدامة تهدف إلى تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص العمل، وضمان حياة أفضل للشعب السوري، بحيث لا يبقى الدعم مقتصرا على تقديم المساعدات الغذائية فقط، بل يشمل التنمية المستدامة والبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية”.

الثورة السورية

—————————–

 زراعات بديلة في سوريا.. فرص للاستثمار الاقتصادي/ دمشق – محمود عبد اللطيف

السبت 2026/02/21

كانت الحكومة السورية قبل سقوط النظام تعتمد خطة زراعية تقدم فيها زراعة المحاصيل التي تصفها بالاستراتيجية على غيرها. فالقمح والشعير ومن ثم القطن تعدّ محاصيل أساسية، ولا أهمية ضمن الخطة الزراعية السورية قبل سقوط النظام للزراعات الصناعية مثل الذرة وعباد الشمس  والشوندر السكري، ما أجبر معامل الزيوت النباتية والسكر على الاستيراد أو التوقف عن الإنتاج. كما إن النظام السابق كان يضع الزراعات العطرية في آخر أولوياته، بزعم أنّها غير استراتيجية لخططه، على الرغم من كون زراعة محاصيل مثل الزعفران وريش العصفر والكمون، تحقق أرباحاً عالية نتيجة للهوة الشاسعة بين تكاليف الإنتاج والتسويق الذي يعتمد في عملية البيع على سعر بالدولار الأمريكية والوزن بالغرام الواحد.

ويقول خبير الاقتصاد الزراعي المهندس مهند الأصفر خلال حديث لـ”المدن”: الزراعات البديلة زراعات مهمة جدًا وتتمحور حول شيئين أساسيين: الاقتصاد الزراعي والاقتصاد المنزلي، حيث تشجع الدولة هذه الزراعات، لكن سوريا وكالكثير من الدول كانت تركز في القطاع الزراعي على المحاصيل الأساسية أو الاستراتيجية، كالقمح، والشعير، والقطن، والشوندر، فمن المهم أن تؤمن الدولة احتياجاتها كأمن غذائي من هذه المحاصيل، لكن دون تعارض بيئي أو زراعي مع الزراعات الأخرى، لأن أغلب الزراعات البديلة أو الاقتصادية تُزرع بعد هذه المحاصيل، مثل الكزبرة، مشيراً إلى أن انتاج الكزبرة في سوريا وصل إلى أزيد من 100 ألف طن، ما يعني أنه استهلك نحو 300 ألف هكتار لانتاج هذه الكمية.

الأصفر يشير في حديثه لـ”المدن” إلى أن الزراعات البديلة متشعبة، وأهمها “الكمون، الكزبرة اليابسة، الزعفران، العصفر”، وغيرها من النباتات التي تعتبر ذات أهمية كبيرة لاقتصاد الدولة، كما أنها ذات مردود اقتصادي جيد على المستوى المنزلي. المطلوب اليوم أن تتضافر جهود وزارة الزراعة والمنظمات لتشجيع زراعة هذه المنتجات ذات المردود الاقتصادي العالي. وقد عملت بعض المنظمات، مثل الفاو، على تشجيع هذه الزراعات لسنوات، واهتمت بمنظومة الزراعات الأعلى مردودية، والتي تشمل الكمون، والزعفران، إضافة إلى الكزبرة. كما أن هناك صناعات تعتمد على هذه الزراعات، فتشغّل العوائل في الزراعة، ثم توفر لهم فرصًا في الصناعات المرتبطة بها، مما يجعلها زراعات اقتصادية مهمة بالفعل.

الزراعات البديلة مهمة للغاية، ومنها النباتات الطبية، مثل الكزبرة   والبابونج والروزماري والميرمية والورد الشامي، الذي يُزرع بكميات كبيرة في منطقة “المراح بقسطل”، وتُستخرج منه الكريمات الدوائية، المشروبات، والزيوت، لافتاً إلى أن سعر ليتر زيت الورد الشامي يتجاوز 45-50 ألف دولار، ويحتاج الليتر الواحد إلى كميات ضخمة من الورد، وهي من النباتات المناسبة جداً للبيئة السورية من حيث التربة والمناخ، كما أن نسبة الري التي تحتاجها أقل من غيرها من المحاصيل.

يؤكد الأصفر أن من الضروري إلغاء دور الوسيط في تسويق المنتجات الزراعية، لأنه يأخذ جزءًا كبيرًا من أرباح الفلاح. وكذلك يجب البحث عن حلول لتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي، نظرًا لأن سوريا بلد زراعي بالأساس. في السنوات الماضية، كان هناك ضعف في الإمكانيات، ونقص في موارد الري، ما أثر على الأمن الغذائي. كان الهدف تأمين الأمن الغذائي، ولكن في السابق، كان الفلاح يواجه مشكلات عديدة، مثل نقص المازوت، والأسمدة، والمياه للري، فلماذا يزرع محصولًا استراتيجيًا إذا كانت الدولة تشتريه منه بأقل من تكلفة إنتاجه؟.

ويلفت خبير الاقتصاد الزراعي إلى أن الحكومة السورية في زمن النظام السابق كانت تظلم فلاحي الزراعات التقليدية. فعلى سبيل المثال كانت تكلفة طن القمح مثلًا 6-7 مليون ليرة، بينما كانت الدولة تشتريه بـ4 مليون، ما أدى إلى خسائر متكررة للفلاح. لذلك، يجب إنصاف الفلاح ودفع تكاليف عادلة للقمح، والآمال معقودة على أن تكون هناك سياسات حكومية جديدة توفر أسعارًا مناسبة وتقدّر جهود الفلاحين، كما يجب التوسع في الزراعات البديلة لصالح الزراعات الاستراتيجية، ولكن يجب التوسع فيها واتخاذ قرارات واضحة من وزارة الزراعة لدعمها، لأنها مفيدة للجميع، ولها استخدامات جيدة، كما أنها قابلة للتصدير للدول التي تعتمد عليها في صناعاتها.

الذهب الأحمر

وتقول المختصة بالمحاصيل الحقلية، د. رزان عبان لـ”المدن” إن زراعة الزعفران بدأت في سوريا خلال العام 2013 من خلال اللجنة الوزارية، التي عملت على زيادة عدد الكورمات الموجودة في سورية نتيجة لقلة عددها، والتي كانت تنتشر لدى عدد من المزارعين. وكان الهدف الاولي الحفاظ على المادة الخام الأولية، ومن ثم إنتاج المياسم السورية ببصمتها الخاصة، وبعد إكثار الكورمات، أطلقت عملية زراعة الزعفران في قرية “التلة”، في محافظة طرطوس، من خلال توزيع فورمات بشكل مجاني على المزارعين في العام 2021، وإعطاء الفلاحين المعلومات الأساسية والضرورية للتعامل مع هذا المحصول. وتم اختيار منطقة “التلة” التي  ترتفع حوالي 800 متر عن سطح البحر، وبالتالي فإن مناخها البارد يساعد على إكثار  الزعفران وإزهاره.

د. شعبان، وهي تشغل منصب عضو لجنة اكساد للاشراف على زراعة الزعفران، تضيف في حديثها لـ”المدن” : الزعفران هو نبات بصلي معمر يزرع في منتصف شهر أيلول وحتى أوائل تشرين الأول، ويبدأ الإنبات بعد شهر من الزراعة. أما الإزهار فيكون بعد شهر ونصف الشهر من الزراعة، ويعد موسم الإزهار هو الموسم الاقتصادي للزعفران، ويجب تفقد النبات في وقت مبكر من النهار لقطاف الأزهار ومن ثم عزل المياسم. ويتسبب تعرض الأزهار لأشعة الشمس لفترة طويلة إلى فقدان المياسم للمواد الفعالة فيها، ويمتد موسم الأزهار إلى ما يقارب الشهر، ليبدأ بعدها النبات في موسم الإكثار، والتي تعني إنتاج كورمات ملتصقة بـ الكورما الأم.

تعتمد كمية إنتاج الزعفران المعروف بـ “الذهب الأحمر”، على المناخ وخصوبة التربة، كما أن الزعفران من الزراعات التي تعتمد على الأسمدة العضوية دون استخدام الأسمدة الكيميائية، وهو من النباتات التي تعتمد على الأمطار في عملية الري، على الرغم من تقديم الري لمرتين من قبل الفلاحين خلال المرحلة الأولى من الزراعة. ويمكن اعتبار أن زيادة الأمطار وانخفاض درجات الحرارة من العوامل الأساسية في جودة عملية الإزهار. وفي هذا الصدد تقول د. شعبان لـ”المدن”: “خلال السنوات الماضية كانت معدلات البرد قليلة في سوريا ما أدى إلى تأثر الزعفران سلباً، ويستمر النبات بتكوين الكورمات حتى منتصف آذار، وتبدأ أوراق النبات بالإصفرار والتي تصل لمرحلة القطاف في الصيف، ويفضل الاحتفاظ بالكورمات خلال فصل الصيف دون ريّ إذا ما لم يكن الفلاح راغباً بتسويق الكورومات، ومع بداية شهر تشرين الأول تبدأ عملية الري من جديد، ليبدأ موسم إزهار جديد”.

وتختلف كمية الأزهار ونوعيتها بحسب حجم الكورمات. فبعد أربع سنوات من زراعة الزعفران في منطقة التلة، تمكن كل فلاح حصل على 300 كورما من الوصول إلى كمية 2000 كورما، علماً أن كمية انتاج المياسم تبلغ بمعل 1 غرام من كل 150 زهرة، وكان سعر الغرام الواحد خلال الموسم الماضي يتراوح بين 40-45 ألف ليرة سورية (4-4.5 دولار أمريكي)، ويعد الزعفران من الزراعات الواعدة جداً في سوريا خاصة في مناطق الساحل التي تعد فيه هذه الزراعة من الزراعات الرديفة (ضمن الأراضي المشجرة)، وهناك أمال بدعم هذه الزراعة.

 وفي حديث لـِ “المدن” يقول المزارع رياض عزام الذي يمتلك أرضاً زراعية بريف السويداء: “يزرع الزعفران من خلال تقسيم الأرض إلى خطوط مرتفعة قليلاً عن مستوى الأرض، والمسافة الفاصلة بين الخط والآخر تصل لنحو متر ليتمكن العمال من إتمام عملية الزراعة مثل التعشيب والقطاف، وتكون المسافة الفاصلة بين البصلة والأخرى حوالي 20 سم، ويحتاج الزعفران للسقاية بمعدل كل عشرة أيام.

يوضح عزام أن كل زهرة تحتوي على ثلاثة مياسم، ومن ثم يوضع على قماش أبيض ليتم تجفيفه في الظل بعيداً عن الشمس والضوء، والتوجه إلى زراعة الزعفران لأنها من الزراعات المربحة. لكن هناك مشكلة في توزيع الإنتاج لعدم دعم الدولة لتسويق الإنتاج، ما يضع الفلاحين تحت رحمة التجار، ونأمل أن تقوم الحكومة الجديدة بدعم زراعة الزعفران. ويعد التسويق وانعدام وجود اليد العاملة الخبيرة، من أهم معوقات الإنتاج، علماً أن هذه الزراعة سهلة ولا تحتاج إلى الأسمدة.

بدوره يقول عضو اتحاد غرف الزراعة السورية  سلمان عبد الله الأحمد: يجب تسهيل تأمين مستلزمات زراعة الزعفران للمزارعين مثل الأبصال وحيويتها مضمونة من خلال مشاركة الجامعات، ومن الضروري إنشاء قنوات تسويقية وتشجيع على الصناعات التحويلية المرتبطة بزراعة الزعفران لزيادة القيمة الإضافية على هذه الزراعات، وهي زراعة واعدة جدًا في سوريا.

من جانبه يعتبر خبير الاقتصاد الزراعي مهند الأصفر أن “الزعفران على وجه الخصوص، يعتبر من الزراعات الحديثة، والمنظمات بالتعاون مع وزارة الزراعة تعمل على تنفيذ مساحات واسعة منه، وقد ساهمت منظمات مثل “أكساد” في توزيع الكورمات على الأهالي وتشجيع زراعتها، لكن يجب الابتعاد عن النمطية في إنتاج الزعفران، والبحث عن مشاريع حكومية ممولة من قبل المنظمات لتوسيع هذه الزراعات، نظرًا لما لها من أهمية اقتصادية عالية، النباتات العطرية والطبية توفر فرص عمل لآلاف العائلات، ولكن لا تزال تفتقر إلى قنوات تسويقية حقيقية، حيث نعتمد على الطرق التقليدية، إذ يجفف المزارع بعض الأزهار ويبيعها للتاجر بأسعار منخفضة، ليقوم الأخير ببيعها بأسعار مرتفعة جدًا.

ويضيف بالقول: ” الزعفران يعد نباتاً منتجاً اقتصاديًا بكل معنى الكلمة، كما أن مفهوم الاقتصاد المنزلي ينطبق عليه، لأنه يُباع بالغرامات بأسعار مرتفعة جدًا. لذلك من الضروري أن يكون هناك استيراد منظم للكورمات خلال الفترات الأولى، نظرًا لانخفاض الإنتاج المحلي، وأن يكون هناك تعاون وثيق لزيادة انتشاره في سوريا، خصوصاً أن الأراضي الزراعية في البلاد مناسبة جدًا لهذا النوع من الزراعة”.

الكمون.. موسم مظلوم

يعتبر الكمون من الزراعات البعلية المتأخرة والتي تبدأ في الشهر الأخير من العام، ويزرع مروياً في بداية شهر شباط/ فبراير ويتم حصاده بعد حوالي 70 يوماً من الزراعة. وتشير التقديرات إلى أن كل واحد دونم من الأرض (1000 متر مربع)، يعطي كميات تتراوح ما بين 50-100 كغ من الكمون، والعامل الأساس في تذبذب كميات الإنتاج هو موسم الأمطار، وتراوح سعر الطن الواحد خلال الموسم الحالي ما بين 3000 – 3500 دولار أمريكي في الأسواق السورية وفقاً لما رصدت “المدن”.

ويقول عضو اتحاد غرف الزراعة السورية سلمان الأحمد في حديثه لـ”المدن” إن “الكمون السوري يحظى بشهرة واسعة وهو ذو مردود اقتصادي عالٍ جدًا. وبالتالي، فإن الكمون السوري يعتمد على الزراعات البعلية، لكن مشكلته أنه يتأثر بالتقلبات المناخية، وللأسف شهدت سوريا خلال السنوات الماضية ظروفًا مناخية صعبة، وتعرض الفلاحون لخسائر فادحة، وكان هناك شح في الأمطار، حتى المناطق التي تمت زراعتها عن طريق الري تعرضت لأمراض، لأن الكمون حساس للرطوبة العالية، مما أدى إلى انتشار أمراض فطرية كثيرة مثل لفحة الكمون وتعفن الجذور، التي يمكن أن تدمر المحصول بالكامل.

ويشرح الأحمد بالقول: تعرض الكمون للإصابة بأمراض رئيسية أثرت على جودته وكميته، مثل مرض الذبول (الفيوزاريوم)، والذي يعتبر من أخطر الأمراض التي تصيب الكمون. وينتج عن فطر يعيش في التربة وينتقل عن طريق البذور، ما يؤدي إلى ذبول مفاجئ للنباتات وموتها،  ةيتسبب بخسائر كبيرة للفلاحين وبالتالي العزوف عن هذه الزراعة والبحث عن بدائل والابتعاد عنها، إلا أن الكمون يعد من الزراعات الواعدة في سورية

ويقول الأحمد: بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج لمكافحة الأمراض والآفات وتأثيرات الجفاف، يحتاج المزارعون إلى استخدام الأسمدة والمبيدات التي ارتفعت أسعارها على نحوٍ كبير، وهذا ما يزيد من أعبائهم ويقلل من هامش الربح، لافتا إلى أن “هذا الأمر ينطبق على النباتات الطبية والعطرية، إذ هناك ضعف في عمليات ما بعد الحصاد والتسويق لضمان جودة المنتج ووصوله بأفضل جودة إلى الأسواق العالمية، كما أن الكمون السوري وعدداً كبيراً جداً من النباتات العطرية والطبية، والتي تصل إلى أكثر من 360 نوعًا، تعتبر من أشهر المنتجات السورية التي أصبحت تحظى بشهرة عالمية كبيرة، وهذه الزراعات تعد فرصاً استثمارية واعدة جدًا إذا أحسنّا إدارة القطاع الزراعي”.

ريش العصفر

من جهته، المزارع محمد المصطفى المتحدر من محافظة إدلب، يشير خلال حديثه لـِ “المدن” إلى أن زراعة العصفر تبدأ في الشهر الأخير من العام، وبتكلفة تصل إلى 200 دولار لكل دونم من الأرض (1000 متر مربع)، ويحتاج للأسمدة الكيمائية، وتبدأ عملية قطاف ريش العصفر ومن ثم تجفيفها، ويبلغ سعر تسويق ريش العصفر حوالي 9 دولار لكل غرام، فيما يبلغ سعر الطن الواحد من بذار العصفر حوالي 500 دولار أمريكي.

وتتراوح إنتاجية الدونم الواحد من الأرض (1000 متر مربع)، ما بين 20 و40 كلغ من ‘ريش العصفر’، وما بين 300 و400 كغ من ‘حب العصفر’ بينما تكاليف الزراعة يتم حسابها على عملتين إذ يحتاج الدونم الواحد إلى كيلوغرامين من بذار العصفر ويتم شراؤها بـ10 ليرات تركية (4450 ليرة سورية أي ما يعادل 30-35 سنتاً أمريكياً). في حين يحتاج الفلاح إلى دفع مبلغ 100 دولار أمريكي لاستئجار كل دونم من الأرض في حال لم يكن من مالكي الأراضي، ولا يوجد تكاليف للسقاية غالباً إذ يعد من المواسم التي تزرع بعلاً، لكن تكاليف الحصاد هي الكبرى”.

المدن

—————————–

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى