
24-02-2026
تحتل آلة العود مكاناً بارزاً في الذاكرة الموسيقية الجمعية السورية، إذ ارتبطت تاريخياً بممارسات فنية واجتماعية شكّلت جزءاً من الحياة اليومية والرمزية للمجتمع، تجلّى ذلك في المجالس الموسيقية التقليدية أو في المؤسسات الإعلامية والثقافية. وقد انعكست المدارس الفنية المتعاقبة على أساليب العازفين السوريين، فأنتجت تقاليد أدائية راسخة حافظت على الطابع المقامي والوظيفة التعبيرية للآلة. غير أنّ التحولات الفنية والثقافية التي شهدها القرن الحادي والعشرون فرضت ضرورة إعادة قراءة هذه الآلة من منظور حداثي، يتجاوز حدود التكرار التراثي نحو آفاق تجريبية جديدة.
هنا يبرز اسم الراحل نزيه أبو الريش بوصفه أحد أبرز المجدّدين الذين لم يكتفوا بإتقان الموروث الموسيقي، بل سعوا إلى إعادة صياغة العلاقة بين العازف والآلة، وإلى «أنسنة» الوتر وجعله وسيطاً للتفاعل مع التيارات الموسيقية العالمية المعاصرة. فقد أسّس أبو الريش – كغيره من المجددين في الآلة – تجربة فنية قائمة على المزاوجة بين الرومانسية التعبيرية والتقنيات الحداثية في الأداء والتأليف، ما أتاح للعود أن يغادر فضاءه التقليدي بوصفه آلة مرافقة إلى موقعه كآلة مستقلة تحمل خطاباً موسيقياً خاصاً بها.
في هذه القراءة، لا نبحث في براعة تقنية مجردة، بل نحاول استجلاء مكامن التفرّد التي جعلت من تجربة نزيه «منعطفاً» في هوية العود السوري المعاصر، وكيف استطاع هذا الشاب أن يحول الخشب والأوتار إلى مرايا تعكس وجدان مجتمع يغلي بالتحولات.
رحلة «أبو الريش» والوتر
ولد نزيه أبو الريش في مدينة اللاذقية عام 1982. تعلّم على آلة العود بشكل ذاتي في سن الخامسة. وبدأ العمل كعازف عود محترف ضمن فرق الموسيقى الشعبية وهو لا يزال في الثالثة عشرة من عمره. في عام 2005، أسس في مسقط رأسه (اللاذقية) «مدرسة العود السورية» التي نجح من خلالها في تخريج أكثر من مئة طالب صاروا اليوم عازفين وموسيقيين محترفين، مما حوّل أسلوبه من اجتهاد فردي إلى تيار تعليمي منظّم.
انتقل في عام 2016 للعيش في مدينة مونتريال، كندا. هناك، استمر في عطائه الموسيقي بالتعاون مع مؤسسات دولية مثل (Constantinople) و(Centre des musiciens du monde)، حيث قدم عروضاً وورش عمل ودروساً متخصصة. وأحيا كثيراً من الحفلات كما شارك في عدد من المهرجانات الدولية.
أبرز مؤلفاته: ألبوم «Roots of Strings» جذور الأوتار (2021)، مقطوعة «حنين» (Nostalgia)، مقطوعة «دمشق» (Damascus)، وأخيراً مشروع «Under the Syrian Sky» تحت السماء السورية.
فُجِع جمهوره ومحبوه بخبر إصابته بجلطة دماغية في مكان إقامته الأخير في كندا، ثم بنبأ وفاته قبل أيام، بتاريخ 19 شباط (فبراير) 2026.
لم يكن نزيه أبو الريش مجرد عازف عود يُمرر ريشته على الأوتار، بل كان يُمارس نوعاً من «المحاكاة العابرة للحدود»؛ حيث استطاع أن يُوظف الغيتار الكلاسيكي والبيانو في جوف العود السوري. لقد كسر احتكار اللحن الأحادي (الميلودي)، دامجاً إياه بـ «هارموني» مدهش حوّل الآلة إلى أوركسترا ذاتية. لم يعتمد على الريشة وحدها، بل جعل من «عفق» أصابعه مدخلاً لتوليد طاقة حركية تشبه في عنفوانها تقنيات الفلامنكو كالـ (Picado) والـ (Rasgueado)، لكنه طوّع تلك «العدوانية الإسبانية» لتخدم مرونة الميزان الشرقي، مُخرِجاً العود من رتابته التقليدية نحو فضاء درامي متفجر بالحياة.
أمّا على مستوى المقامات، فلم يكتفِ أبو الريش بالاستعراض الكلاسيكي المعروف، بل كان يستخدم «الانزلاقات المقامية» (Modulation) المدروسة؛ فالموسيقى عنده ليست انتقالاً ميكانيكياً بين السلالم، بل هي تحولات لونية شعورية تخدم «الصورة الذهنية» قبل أن تخدم الطرب.
ويبرز تفرده الحقيقي في فلسفة «الامتلاء والغياب»؛ حيث يلعب الصمت (السكوتات) دور البطولة كعنصر بنيوي يربط بين نزعتين: رومانسية قائمة على المفاجأة العاطفية، وصوفية تمنح الفراغ السمعي قدسية توازي صوت الوتر نفسه. وبإدخاله للتآلفات (Chords) والنقر المتعدد، نجح في «تعريب» التقنيات الغربية مع الحفاظ على روح الربع تون والخصوصية الشرقية، ليضع تجربته في قلب الحداثة السورية.
يأخذنا أسلوب نزيه بعيداً عن «الحدة الإيقاعية» التي نسمعها في المدارس الجبلية، ليتجه بنا نحو انسيابية تشبه مد وجزر البحر في مدينته؛ جمل موسيقية طويلة، تتنفس بعمق، وتنتقل بين المقامات بسلاسة لا تعرف الانقطاع المفاجئ. هو حكّاء أوتار بامتياز (Storyteller)، يُعيد صياغة مفاهيم الحنين والتمرد والوحدة بعيداً عن القوالب الجامدة كالسماعي واللونغا، منتصراً للبناء الدرامي الحر. «ريشته الملونة» قادرة على الهمس (Piano) بقدر قدرتها على الزخرفة (Ornaments) المعقدة التي ليست مجرد زينة، بل هي عصب اللحن.
موسيقاه متلونة بأنماط عالمية، تلمس روح «الجاز والبلوز» كفلسفة ارتجال وبحث عن الذات. وبالمقارنة مع «الطربية» المصرية أو «التصويرية» المباشرة عند نصير شمة، يذهب أبو الريش نحو تجريد ذاتي أعمق، تاركاً للمستمع حرية رسم خيالاته الخاصة دون فرض براعة تقنية مجانية عليه. تجربته هي «صيغة مثقفة» تتقاطع فيها الموسيقى مع السينما والأدب؛ العود لديه هو أداة لمخاطبة المخيلة الجمعية، ومحاولة نبيلة لإعادة صياغة الألم السوري جمالياً، محولاً الانكسار الاجتماعي إلى خطاب فني تأملي يواجه قسوة الواقع برقة الوتر.
وهكذا، يظلّ نزيه أبو الريش منعطفاً نوعياً في تاريخ الآلة؛ فلم يُضف تقنية جديدة فحسب، بل أعاد تعريف «وظيفة العود» كصوت عالمي لا يفقد جذوره. لقد استطاع بتوليفته الفريدة (الرومانسية، الجاز، والمقام الشرقي) أن يبني مشروعاً جمالياً يُجسد تحولات الإنسان السوري المعاصر وقلقه الدائم. فرادته تكمن في تحويل العود إلى لغة فلسفية تبحث عن المعنى بين الرنين والصمت، مما يجعله نموذجاً حياً لجدلية الأصالة والحداثة في أبهى صورها.
موقع الجمهورية



