حكومة دمشق في رمضان: “الإسلام” كممارسة إداريّة لا مركزيّة!/ نوار جبور

26.02.2026
حين تتدخل الدولة بقراراتها وتعاميمها لضبط الممارسات الدينية والتهديد بالعقوبة، فإنها تنقل التضامن المجتمعي والاحترام من كونه التزاماً طوعياً إلى واجب قانوني، هنا لا يعود الأمر تضامناً، بل انضباطاً، ويفقد الولاء والتضامن طبيعتهما الأخلاقية ويغدوان شرطاً من شروط الطاعة، والالتزام بالتعليمات الإدارية والتشغيلية للمؤسسات.
توالت القرارات والتعميمات الحكومية والإدارية التي سعت إلى تنظيم الحياة اليومية في سوريا خلال شهر رمضان. وخلافاً للعام السابق، حين جاءت القرارات مقرونة بتوصية صريحة من وزير الأوقاف وانتقلت بشكل منسّق إلى الإدارات المختلفة، حملت إجراءات هذا العام طابعاً حكومياً وإدارياً متعدداً، مختلفاً في آلياته وسياقاته.
التعاميم الصادرة عن جهات متباينة تشير بوضوح أكبر إلى عقلية السلطة السورية في مقاربة الحدث الديني، وإلى التنازع على تطبيقه بين شخصيات إدارية وجامعية وغيرها، ليتحول الدين إلى شأن إداري-مؤسساتي، فمن التعميمات الصادرة عن جامعة حمص، إلى إصدار وزير العدل تعميماً بإغلاق بوفيهات الطعام والشراب في العدليات، وصولاً إلى رجال البلدية في اللاذقية وهم يغلقون مطاعم تقدّم الكحول، يتبدّى اضطراب في تجريد القانون وفي تشكيل مركزيته، فلا يظهر النص بوصفه معياراً عاماً موحّداً، بل سلسلة تدخلات إدارية متفرقة تتبدل باختلاف الجهة والسياق.
في المقابل، يمكن رصد ما يشبه انتصاراً رمزياً لمجموعات واسعة باتت هويتها الدينية هوية فخرية صلبة، وأحياناً هجومية، حيث لا تُختزل الذات إلا عبر الدين ولا يُتاح التعبير إلا من خلاله. سيارات تجوب الشوارع بمكبرات الصوت داعية إلى الاحتشام أو الصلاة، شبان على وسائل التواصل يؤنّبون الناس على لباسهم، مشايخ بخطاب منغلق يختزل المجال العام في معيار أخلاقي واحد. الدين هنا لا يُمارس بوصفه خياراً روحياً ، بل يظهر كعلامة حضور وهيمنة في الفضاء العام.
إدارة مشاعر المؤمنين… وأجسادهم !
شكّل شهر رمضان مؤشراً واضحاً إلى دخول الدين في آليات الضبط اليومي، التعميمات كلها جاءت بلغة خطابية تستدعي الاحترام كقيمة عامة يُفترض بالسوريين ارتداؤها، من لباسهم إلى سلوكهم، ثم يقرنه بالعقوبة والتجريم من جهة أو التعويض المادي (كما في حالة إغلاق البوفيهات)، هكذا يُدار المجال العام بمفردات الحرمة والاحتشام والأحكام الأخلاقية، النتيجة ليست تديناً أعمق، بل دولة تسعى إلى التماهي مع صورة الحارس القيمي.
ومع عودة الدين بشكل واسع إلى المجال العام، بدءاً من تاريخ الاحتجاج الديني والخطاب الأخلاقي الذي تبنّته عناصر ذات انتماءات جهادية وسلفية، وصولاً إلى ظواهر شبابية تعبّر عن نفسها عبر وسائل التواصل بخطاب التكفير والوعظ، يتشكل مشهد يتداخل فيه الاحتجاجي بالأخلاقي والسياسي بالرمزي. في لحظات الانهيار السياسي، وبعد عقود من حكم استثنائي قائم على الطوارئ والعنف البنيوي، يتعاظم القلق لدى فئات سورية معاييرها للحياة اليومية مختلفة من خطاب كهذا.
ومع غياب مشروع تنموي واضح أو أفق مدني جامع، تتحول الهوية الدينية إلى مشروع جاهز يمنح معنى سريعاً واستقراراً نفسياً. ليست المشكلة في الدين كمرجعية، بل في تحوّله إلى الإطار الوحيد الممكن للتماسك الاجتماعي واختزال المجال العام داخله.
ما نشهده هو أسلمة رمزية متسارعة للفضاء العام، تترافق مع رقابة أخلاقية تتجه نحو إعادة تأديب الجسد، خصوصاً جسد الفاطر في رمضان وجسد المرأة وأماكن وجود الجسد وطرائق اللباس بوصفها العلامة الأكثر قابلية للضبط. الجسد يصبح مؤشراً مرئياً إلى الامتثال أو الاختلاف. وإذا كان الشعور سائداً بأن الدين أنقذ المجتمع أو أعاده إلى هويته، فنحن أمام لغة خلاصية تمنح الضبط الأخلاقي شرعيته. بما أن الدين أنقذ، فهو يملك حق تعريف الفضاء العام وحدوده.
التحول الأخطر لا يكمن في حضور الدين ذاته، بل في انتقاله إلى فضاء الوصاية والتشتت الإداري والسياقي في المجالات المختلفة للتدخل في حياة الناس. حين تربط الدولة الحضور الروحي لشهر رمضان بسلطة عقابية تهديدية، فإنها لا تنظّم المجال العام، بل تحتكر تعريف معناه. وهنا يتبدل موقعها من ضامنة للتعدد إلى جهة تفرض تعريفاً واحداً له.
رمضان في سوريا كان زمناً اجتماعياً مشتركاً قبل أن يكون موضوعاً إدارياً. تتبدل فيه إيقاعات الحياة من دون قرار رسمي، وتدخل المدن في نسق واحد بفعل اعتياد طويل وتراكم ثقافي. التضامن كان صامتاً، وغير متجانس قسرياً. حتى غير الصائم كان يجد موقعه داخل المشهد عبر الاحترام المتبادل، لا عبر الإكراه. قوة هذا التضامن لم تكن في توحيد الجميع تحت سلوك واحد، بل في استيعاب التفاوت داخل عرف غير مكتوب.
بيروقراطية “الدين”
كان رمضان يولّد نوعاً من الولاء الضمني، تضامناً يتكوّن من العرف ومن شعور جمعي يتجدّد كل عام، غير أن الولاء لا يُنتج جماعة أخلاقية إذا تحوّل إلى طقس مفروض. فالجماعة لا تكون أخلاقية لمجرد انتظامها في سلوك موحّد، بل بقدر ما يكون انخراط أفرادها اختياراً واعياً لا امتثالاً. وحين تدخل الدولة بقراراتها وتعاميمها لضبط الممارسات الدينية والتهديد بالعقوبة، فإنها تنقل الولاء من كونه التزاماً طوعياً إلى واجب قانوني، هنا لا يعود الأمر تضامناً، بل انضباطاً، ويفقد الولاء والتضامن طبيعتهما الأخلاقية ويغدوان شرطاً من شروط الطاعة، والالتزام بالتعليمات الإدارية والتشغيلية للمؤسسات.
وحين تتدخل السلطة في ما كان يُدار اجتماعياً بل ودينياً، فهي لا تضيف قيمة، بل تسحب من المجتمع قدرته على إنتاج معناه بنفسه. هنا يصبح القانون انتصاراً للسلطة على المجتمع، لا على المخالفة.
كان الناس ينتجون توافقهم الخاص ويتعاملون ضمن عرف اجتماعي غير مكتوب. وحين فُرض تعريف قانوني لهذا السلوك، لم تُهزم المخالفة، بل هُزم المجتمع نفسه. نُزعت من الناس قدرتهم على تنظيم أخلاقهم ذاتياً، وتحول الرابط الأفقي بينهم إلى علاقة عمودية مع السلطة.
محلات الكحول و”عموم البلوى”
إغلاق محال شرب الكحول في اللاذقية بدا مُريباً، إذ تتصرف السلطة في كثير من الأحيان من دون إسناد قانوني واضح وخارج العرف السوري اليومي، وخارج تقاليد “عموم البلوى” الفقهية، فالمطاعم تتبع إدارياً لوزارة السياحة من حيث التنظيم وتحديد المعايير والجودة وما يُقدَّم داخلها، إلا أن البلدية، وفقاً لأصحاب المطاعم، هي من أغلقت هذه المطاعم بحجة عدم امتلاكها تراخيص. أما على وسائل التواصل، فقد بدا الأمر إشكالياً بين خطاب احترام شهر رمضان ومنع بيع الكحول بحجة أخلاقية مفروضة، وبين الحديث عن تضييق على الحريات والضغط الاجتماعي.
يأتي ذلك متوازياً، على ما يظهر، مع الخطة التي كان يُراد تشكيلها لشهر رمضان، ومع التخبط الإداري والحكومي، غير أن الأهم أنه يمسّ خصوصية المجتمع، لا بوصفها فضيلة ولا خطيئة، بل باعتبارها جزءاً من تنوّعه. وجود هذه المحال لم يكن إعلان حرب على أحد، ولم يكن استعراضاً لقيمة مضادة، بل تعبيراً عن أن المدينة تتسع لأنماط عيش متعددة، بعضها يشرب وبعضها لا يشرب، وبعضها يمرّ بجوار المحل من دون أن يعنيه الأمر.
ثم إن حجة الترخيص تبدو موضع تساؤل، إذ إن تراخيص بيع الخمر توقفت منذ سقوط النظام، ما يجعل الاستناد إليها إشكالياً في السياق الحالي.
هل كان هذا الوجود يضرّ المسلم حقاً؟ هل كان يشكّل اعتداءً على عقيدته أو إكراهاً له على ممارسة لا يريدها؟ المسلم الذي لا يشرب لم يكن يحتاج إلى قانون يحميه من زجاجة خلف واجهة متجر. الامتناع كان خياراً شخصياً مستقراً، والعرف الاجتماعي كان كافياً لتنظيم العلاقة بين المختلفين. لم يكن هناك إلزام ولا دعوة ولا فرض، بل تعايش صامت ضمن حدود غير مكتوبة.
إغلاق المحال لا يعالج ضرراً قائماً، بل يعيد تعريف المجال العام على أساس تصور واحد للفضيلة. المسألة ليست في المشروب ذاته، بل في تحويل الاختلافات، حتى العقائدية منها ودرجات السماح والقبول الديني، إلى خلل يُراد تصحيحه. وهنا يفقد المجتمع قدرته على إدارة تنوّعه بعرفه الخاص، ليُعاد تشكيله أخلاقياً بقرار فوقي. ما كان اعتياداً عادياً يصبح فجأة علامة على انحراف، وما كان جزءاً من مشهد المدينة يتحول إلى موضوع ضبط.
الأخطر أن الإغلاق لا يحمي الدين، بل يختبر قدرة الدولة على فرض تعريفها للهوية. لم يعد السؤال من يشرب ومن لا يشرب، بل من يملك حق تحديد شكل المدينة وحدودها. هنا لا تنتصر الفضيلة على الرذيلة، بل تنتصر سلطة التعريف على الاعتياد الاجتماعي. المجتمع الذي كان قادراً على التعايش مع اختلافه من دون صدام يُعاد تشكيله تحت عنوان الحماية، لا لأنه عاجز عن إدارة نفسه، بل لأن الدولة قررت أن تتكفّل بتعريف أخلاقه نيابةً عنه. وهكذا لا يُطلب من السوري أن يكون إنساناً قانونياً لا يعتدي على غيره، بل أن يكون فاضلاً كما ترى السلطة الفضيلة.
ماذا عن قانون العقوبات السوري؟
العام الماضي أصدر رئيس عدلية ريف دمشق تعميماً، حول “المجاهرة بالإفطار” والتهديد بعقوبة وتحريك دعوى عامة بناء على تهمة “التعرض للآداب العامة”، واستند التعميم إلى المادة 517 من قانون العقوبات السوري: “يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة كل من أقدم على إحداث ضوضاء أو ضجة في مكان عام، أو أقدم على أعمال منافية للحشمة تتعارض مع الأخلاق العامة”، وهنا يعتبر الإفطار العلني حسب شرح المادة بوصفه ينطبق على “مشاعر الصائمين” التي يجب مراعاتها.
هذا العام لم يصدر تعميم مشابه، لكن الاستناد الى العام الفائت كان جديراً بالنظر، فوفق الشروحات الفقهية القانونية للمادة، وُضعت هذه المادة نظرياً لحماية حرمة المعتقدات وصون السلم الأهلي. النص لا يخص ديناً بعينه، بل يتحدث عن الشعائر الدينية عموماً، ويعاقب على الإهانة أو الدعوة إلى الازدراء متى كانت علنية ومتحققة.
لكن السؤال لا يتعلق بوجود النص، بل بانتقائية تطبيقه. لماذا يُفعَّل في سياق ويُهمَل في سياق آخر؟ إذا كان الإفطار العلني يُدرج ضمن تحقير الشعائر، فهل شتم العلويين والدروز، وتكفير طقوس الطوائف السورية، حتى السُنية منها، و الذي شهدناه عبر الكثير من وسائل التواصل، والتحريض على حرق المزارات للأقليات الباطنية السورية، لا تدخل هي الأخرى في باب الإهانة والازدراء والتحريض العلني؟ أليست هذه أفعالاً تمس شعائر ومعتقدات تمارس علناً، وتندرج، من حيث التعريف القانوني، ضمن النص ذاته؟
الدولة الحديثة، بأدنى معاييرها، يُفترض أن تحمي الأفراد بوصفهم ذواتاً قانونية مُعرَّفة، لا بوصفهم أعضاء في شعور جمعي متخيَّل. فإذا استجاب القانون لحساسية رمضان، وامتنع عن الاستجابة بالحزم ذاته لحساسية التحريض الطائفي، فإنه لا يعمل كقاعدة عامة مجردة، بل كأداة لإدارة مزاج جمعي معين. هنا لا تُصان روح القانون وتجريده، بل يُعاد توجيهه وفق تراتبية ضمنية لما يُعد أكثر قداسة أو أكثر استحقاقاً للحماية.
المسألة لا تمس رمضان بقدر ما تمس مبدأ المساواة أمام النص. هل الإفطار يهدد السلم الأهلي أكثر من خطاب تكفيري يستهدف طوائف بكاملها؟ أم أن التطبيق الانتقائي يكشف أن الحماية لا تُمنح وفق معيار قانوني ثابت، بل وفق ميزان رمزي يتبدل بتبدل السياق؟
درج



