تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

دعوة للخروج من منطق التجريب بالسياسة في سوريا/ إياد الجعفري

 

2026.02.28

من أجمل ما قرأت يوماً حول التفريق بين “السياسة”، و”علم السياسة”، هو القول إن “علم السياسة” هو إخضاع “السياسة” لمناهج وأدوات البحث العلمي، بصورة تتيح التنبؤ بالمستقبل. ومما كُتب في هذا الخصوص، التمييز بين السياسة كممارسة، والسياسة كفن، والسياسة كعلم. ذاك التمييز، لو رسخ في أذهان القائمين بإدارة شأننا العام في سوريا، وأخذوا به، وراعوه، فإنا سنقطع شوطاً بعيداً نحو الحكم الرشيد.

تلك كانت أبرز خلاصة، خرج بها كاتب هذه السطور، من متابعة الجدل الذي أُثير حول تصريحات الشيخ حسن الدغيم، على قناة “تلفزيون سوريا”، قبل أيام، حينما دافع عن سياسة تعيين الأقارب في المناصب العامة، وألمح إلى عدم إمكانية قيام حكم ديمقراطي في بلد عربي، وكالَ المديح للأنظمة الملكية العربية، مرحباً باستنساخها في سوريا.

وما كان من حاجة لنقاش حديث الرجل، بهذا القدر من الجدّية، لو لم يكن من المستشارين المقرّبين من صنع القرار. فهو عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب. وكان عضواً في اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني السوري، والذي “سُلق” بطريقة أثارت كثيرا من الاستياء لدى شرائح واسعة من السوريين المهتمين بالشأن العام. وما يزال الكثير منهم، يحمّل هذا المؤتمر –أو بالأحرى الطريقة التي عُقد بها- مسؤولية الأزمات الداخلية التي عصفت بالبلاد، خلال العام الفائت، على مستوى العلاقة بين مكونات النسيج السوري.

وفي متابعةٍ للجدل، ودفاعاً عن رأيه، كتب الدغيم في صفحته الخاصة بـ “فيس بوك”، موضحاً بشكل جلّي، أنه فقد إيمانه بالديمقراطية، والقدرة على تحقيقها في بلدان “الربيع العربي”، لأسباب قال إنها “واضحة”. لكنه في تبيانها، استخدم صياغة “سجعية”، مغرقة بالمحسنات اللفظية، دون أن يجعل تلك الأسباب “واضحة”، على الأقل، لكاتب هذه السطور، الذي لم يفهم كيف توضحت لدى الدغيم، هذه الخلاصة. لكن ما فهمه كاتب هذه السطور، أن الرجل انطلق في خلاصته تلك، من تجربته المُمَارسة على أرض الواقع، خاصة حينما قال إنه ليس رجل “تنظير”، وإنما “رجل ميدان”.

وبمراجعة سيرة الرجل، نذكر أنه كان من أبرز الساعين لتوحيد الفصائل العسكرية المناوئة لنظام الأسد، بعيد العام 2012. وكان طرفاً في التحكيم لحل النزاعات بينها، في أكثر من مناسبة. وهي تجربة مريرة لكل من خاض الفعل الثوري السوري، تنظيراً وممارسة، نظراً لكم الإحباط والخيبة الذي كان يلم بكل منخرط بهذا المسار، ومراهن على الوصول إلى العتبة المنشودة، وهي إسقاط نظام الأسد.

وهو ما يقودنا إلى أن الدغيم، كان رجل سياسة، بفعل الممارسة. وقد اختبر الإحباطات الناجمة عن ذلك، وتعلّم مما اعتبره أخطاءً، كما في كل ممارسة. لكنه بالفعل، كما قال هو ذاته، إنه ليس “رجل تنظير”. لا لأنه فقد إيمانه بإمكانية تطبيق الديمقراطية في بلدان “الربيع العربي”، بل لأنه لا يملك ناصية التنظير في السياسة. فالسياسة كممارسة، أمر، والسياسة كعلم، أمر مختلف تماماً. كما أن السياسة كفن، أمر ثالث أيضاً.

في الممارسة، فإن كثيرا من الناس، ساسة. وسابقاً، قال أرسطو، إن الإنسان كائن سياسي. أي مجبول على ممارسة السياسة. والتي قد تكون في حدود “سياسة” أسرته مثلاً، أو زملاء له في مجال العمل. فالسياسة هنا، تعني بالضبط، معناها اللغوي، من “ساس”، أي قاد. وقد يتسع نطاق هذه الممارسة إلى الشأن العام. وفي سياق هذه الممارسة، يتعلّم الإنسان من أخطائه. ويتميّز بين البشر، من هم موهوبون بالسياسة. على شاكلة الموهوبين بالرسم أو بفنون أخرى. لذلك فإن توصيف السياسة كفن، يؤشر إلى أداء السياسي الموهوب. ورغم ذلك، يبقى لدى هذا السياسي هامش من الخطأ والتعلّم، بفعل الممارسة. أما في علم السياسة، ندخل هنا إلى مجال مختلف تماماً، بعيداً عن الارتجال والتجربة. مجال يستند إلى الدراسة باستخدام أدوات بحثية تمت مراكمتها في الأوساط الأكاديمية المتخصصة على مدى أكثر من قرن، حتى تحولت إلى مناهج معقّدة، قادرة على تحليل أنماط السلوك السياسي، وتقديم قراءات استشرافية للمستقبل في حالة ما. وبطبيعة الحال، كمعظم العلوم الإنسانية والاجتماعية، ما يزال علم السياسة بعيداً عن الدرجة الجازمة لقوانين العلوم الفيزيائية والطبيعية. لكنه يتقدم باتجاه استشراف المستقبل، عبر سيناريوهات تتم صياغتها بالاستناد إلى مناهج كدراسة الحالة أو المنهج التاريخي أو المقارن.

لا يملك الدغيم ناصية هذا العلم. وهذا ليس تقليلاً من شأنه، بل ربما، هو ذاته، لا يرى ضرورة في امتلاك ناصية هذا العلم. فهناك استخفاف ملحوظ في أوساط السوريين، خاصة من العاملين بالشأن العام، تجاه علم السياسة، والحاجة إليه. وهي قضية موجودة في مختلف المجتمعات، بنسب مختلفة. من الناحية التنظيرية، يملك الدغيم خلفية شرعية. فهو رجل دين. وحينما يتم تقديمه كمحلل سياسي، يتحدث من وحي التجربة والممارسة. ذاتها التي اختبرها في شمال غربي سوريا، لعقد، بعيد الثورة، والتي كانت حبلى بالأخطاء وتكرارها، واستنساخها مجدداً، حتى أثخنتهم وأثخنتنا، الإحباطات، وطال أمدها، فتملك اليأس من انتصار الثورة، غالبية المؤمنين بها.

ومن ذات الوحي ينطلق الدغيم في “التنظير” لمستقبل سوريا، اليوم. بطبيعة الحال، هو لا يفرض رؤيته، وقد أبدى تقبلاً ورغبة في مناقشة منتقديه. لكن الإشكالية تكمن في كونه مستشاراً لصانع القرار في مرحلة انتقالية، لبلدٍ خارج من نزاع، ويعاني من هشاشة خطيرة، تؤهله للانتكاس لفخ النزاع مجدداً، إن لم تتم إدارة هذه المرحلة بمنتهى الحذر. مما يتطلب الارتقاء فوق منطق التجريب، واستشارة الخبراء والمتخصصين. فالسياسي لا يجب أن يكون، بالضرورة، عالم سياسة. وفي معظم الأحيان، علماء السياسة لا ينجحون في الممارسة السياسية. لكن حين الاستشارة، فعلى رجل السياسة الممارس، أن يتواضع قليلاً، ليستشير رجل العلم، لا أن يراهن على مبدأ التجريب، في مستقبل بلدٍ بأكمله.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى