عن المركزية واللامركزية وصلاحيات المحافظين -مقالات مختارة-

———————-
دمشق: قانون الإدارة المحلية يوسع صلاحيات مجالس المحافظات/ منصور حسين
الاثنين 2026/02/23
اتخذت وزارة الإدارة المحلية والبيئة في الحكومة السورية، أولى الخطوات ضمن مشروع تعديل قانون الإدارة المحلية رقم “107” للعام 2011، من خلال توسعة صلاحيات مجالس المحافظات ومنح المحافظين تفويضات وزارية في مناطقهم.
فقد أصدر وزير الإدارة المحلية محمد عنجراني، قراراً بتفويض المحافظين ممارسة عدداً من صلاحياته، التي تتضمن تشكيل المكاتب التنفيذية وتوزيع المهام بين أعضائها، وتصديق عقود الإنفاق الاستثماري والجاري والعقود العقارية ضمن الوحدات الإدارية، إضافة إلى الصلاحيات المالية في قانون العقود.
كما نص القرار على تفويض المحافظين الموافقة في شؤون العاملين التي نصها قانون العاملين الأساسي (تعيين ونقل ومنح إجازات وغيرها) وعمليات إخلاء المساكن التي تعود ملكيتها للوحدات الإدارية، إلى جانب منح رؤساء مجالس مدن المحافظات صلاحيات إصدار القرارات المتعلقة بشؤون العاملين في المدينة.
وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الاجتماعات التي عقدتها الوزارة مع المحافظين لاعتماد خطط استراتيجية على مستويات متعددة، بهدف تعزيز الأداء المؤسساتي وضمان تكامل الجهود بين الجهات الحكومية المختلفة وتحقيق التنمية المتوازنة بين المحافظات.
تعزيز مشروط
ويعتبر مدير المجالس المحلية، أحمد سندة، في حديث لـِ “المدن” أن قرار التفويض الصادر يعزز دور المحافظين في اتخاذ قرارات محلية فاعلة دون انتظار الموافقة المركزية، كما يسهم القرار في تسريع الاجراءات الإدارية بما يقلل من الروتين ويزيد فعالية العمل المحلي.
لكن تطبيق وتنفيذ القرار على أرض الواقع يجب أن يترافق معه عدد من الإجراءات والخطوات المهمة، بحسب سندة، لا سيما تحديد واضح لاختصاصات الوزارة وللمحافظين بهدف تحديد الأدوار والمسؤوليات، ومتابعة تحديث وتطوير التشريعات المتعلقة بعمل الإدارة المحلية، إلى جانب متابعة تعيين المكاتب التنفيذية المؤقتة للوحدات غير القادرة مجالسها المحلية من ممارسة اختصاصها.
إضافة إلى ذلك، يقول سندة: “يجب تأهيل العاملين في الوحدات الإدارية وأعضاء المجالس المحلية والمكاتب التنفيذية، وتوفير موارد مالية مستقلة للمحافظات، وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة من خلال تشكيل لجان رقابية على مستوى المحافظات، وإصدار تقييمات وتقارير تتبع لأثر القرارات المفوضة ونشرها لضمان الشفافية وتحسين الأداء”.
بنود تنتهك جوهر القانون 107
بدوره يعتبر أحمد عزوز الذي شغل منصب رئيس المجلس المحلي لمدينة حلب عام 2013، أن الانتخابات المحلية يجب أن تمثل روح التغيير القادم، خاصة وأن قرار التفويض الأخير، حمل تعارضاً كبيراً مع جوهر القانون “107” واللا مركزية الإدارية، وحتى الدستور.
ويقول لـِ “المدن”: “البند الخاص بتشكيل المكاتب التنفيذية، ينتهك القانون رقم 107 الذي نص على أن انتخاب المكتب التنفيذي هو حق أصيل للمجلس المحلي المنتخب، ولا يمكن نقله إلى المحافظ بقرار وزاري، لأن ذلك يغير بنية السلطة المحلية نفسها.
ويوضح عزوز أن القانون 107 بني على فكرة أن “السلطة المحلية منتخبة، والسلطة التنفيذية في الوحدة الإدارية (المكتب التنفيذي) تنبثق من المجلس وليس من الحكومة المركزية، بينما التفويض الجديد يمنح المحافظ صلاحية تشكيل المكتب التنفيذي”.
مضيفاً “هذا التفويض يعيدنا إلى المركزية المطلقة بما يناقض الدستور وقانون الإدارة المحلية، إلى جانب بعض الإشكالات الحوكمية التي حملتها بنود القرار الأخير رقم 13 من خلال تحكم المحافظين بالتعيينات والموارد البشرية دون رقابة حقيقية، والمشاكل الناجمة عن غياب التمثيل الشعبي وضعف المجالس المحلية الحالية، وما تخلقه من تضارب مصالح بين المحافظين والمستثمرين التي قد تحمل مخاطر فساد.
التحضير لانتخابات محلية
فيما أكدت مصادر حكومية لـِ “المدن” أن القرار الأخير يمثل مقدمة لمشروع يهدف إلى تطبيق نموذج لامركزي أعلى من القرار 107، بما يساهم بتعزيز التشاركية في الحكم، ومنح المحافظات السورية استقلالية أكبر في الإدارة، تتبعها خطوات تتعلق بالعمل على التحضير لانتخابات محلية خلال الفترة القادمة.
وبحسب المصادر فإن مشروع الانتخابات المحلية مطروح على طاولة وزارة الإدارة المحلية، إلا أن الصيغة النهائية ما تزال قيد الدراسة، مع وجود العديد من الخيارات التي يمكن أن يتم اللجوء إليها، ومنها انتخابات قريبة من الآلية التي أتبعت في اختيار أعضاء مجلس الشعب، ذلك عبر اختيار أعضاء ناخبين من المجالس الجهوية للأحياء السكنية والمجالس المحلية الموجودة حالياً وتمارس عملها.
بدوره يوضح أحمد سندة، أن الإعلان الدستوري لم يتطرق إلى انتخابات المجالس المحلية، لكن نص في مادته رقم 51 على أن يستمر العمل بالقوانين النافذة ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها. مشيراً إلى أن “الفترة القادمة ستشهد إجراء ما يلزم بما يخص الإنتخابات المحلية وضمن الأطر القانونية النافذة، ويبقى الأمر متعلق بتوجه وسياسة الدولة خلال المرحلة المقبلة”.
المدن
————————–
قرار التفويض رقم /13/: صلاحيات المحافظين تتسع بين طموح اللامركزية ورهانات التنفيذ/ مازن الشاهين
قرار التفويض رقم /13/ ما الخطوة التالية؟
2026-02-24
في خطوةٍ غير مسبوقة وُصفت بالتحولية، صدر القرار رقم /13/، مانحاً المحافظين صلاحيات واسعة تشمل التعاقد والإنفاق والتعيين، والمصادقة على المشاريع الاستثمارية حتى سقف 15 مليار ليرة سورية، وبذلك ينهي القرار نظرياً ظاهرة “انتظار دمشق” التي كانت تُعطّل قرارات تنموية محلية لأشهر، خطوة تُعيد رسم العلاقة بين المركز والمحافظات، وتفتح الباب أمام نقاش واسع حول فرص النجاح ومخاطر التعثر.
يرى مؤيدو القرار أن “اللامركزية” ليست خروجاً على المركزية بل تطويراً لها، والمطلوب توسيع حرية المحافظات في القرار، مع بقاء الاستراتيجية الوطنية كمرجع موحِّد، وأن القرار يترجم فعلياً روح قانون الإدارة المحلية رقم /107/ لعام 2011، الذي جعل من “اللامركزية” ركيزة أساسية للإصلاح الإداري، فالتفويض الواسع يعني تسريع الإجراءات، وتحرير القرار المحلي من الروتين المركزي، ما يتيح للمحافظين الاستجابة السريعة لاحتياجات مجتمعاتهم المحلية وتطوير مشاريع تنموية أكثر تماساً مع الواقع.
لكن أصواتاً أخرى تحذر من أن التفويض دون بناء مؤسسي متكامل قد يخلق فوارق حادة بين المحافظات، فليست جميعها تمتلك الكفاءات الإدارية أو القدرات التقنية نفسها، فمحافظة تتمتع بإدارة ذات خبرة في التخطيط والحوكمة قد تنجح في توظيف الصلاحيات الجديدة بفعالية، بينما أخرى تعاني من ضعف الجهاز التنفيذي قد تتحول فيها الصلاحيات إلى عبء إداري جديد، ومنح المحافظ صلاحية تصديق عقود استثمارية بمليارات الليرات، في ظل تفاوت الموارد بين المحافظات، هل سنشهد “هجرة رؤوس أموال” من المحافظات الفقيرة (التي تفتقر للبيئة الجاذبة) إلى المحافظات الكبرى؟ وكيف يقلص هذا القرار الفجوة التنموية؟
ماهية القرار “13”؟ ولماذا الآن؟
أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة السوري المهندس محمد عنجراني القرار رقم /13/ استناداً إلى قانون الإدارة المحلية رقم /107/ لعام 2011، متضمناً تفويض المحافظين بصلاحيات واسعة تهدف إلى تسريع الإجراءات وتعزيز اللامركزية الإدارية في المحافظات.
القرار منح المحافظين بعض اختصاصات الوزير كتشكيل المكاتب التنفيذية، وتصديق عقود الإنفاق الاستثماري والجاري، وعقود البيع والإيجار والاستثمار، إضافة إلى صلاحيات مالية وفق قانون العقود.
كما شمل التفويض كامل شؤون العاملين، بما في ذلك التعيين والنقل والندب والإجازات والتعويضات والمكافآت، فضلاً عن إخلاء المساكن الإدارية ومنح تعويض شهرين للعامل المنتهي خدمته لبلوغه السن القانونية.
ومنح القرار صلاحيات استثمارية تصل إلى تصديق عقود بقيمة بين مليار و15 مليار ليرة سورية جديدة، والموافقة على مشاريع حتى 500 مليون ليرة سورية جديدة، إضافة إلى اعتماد المخططات التنظيمية البيئية وإغلاق المنشآت المخالفة.
كذلك، فوض القرار رؤساء مجالس مدن مراكز المحافظات بإصدار القرارات المتعلقة بشؤون العاملين ضمن نطاق مدنهم.
ويأتي القرار بعد اجتماعات تمهيدية عقدتها الوزارة مع المحافظين لاعتماد ومناقشة الخطط الاستراتيجية على مستويات متعددة، ضمن توجه يهدف إلى تعزيز الأداء المؤسسي وتحقيق تنمية متوازنة في مختلف المحافظات.
يأتي القرار في مرحلة إعادة هيكلة مؤسسية حساسة، حيث تسعى سوريا إلى بناء نموذج حوكمة يتجاوز المركزية المفرطة التي أثبتت إخفاقها عقوداً متتالية غير أن التوقيت ذاته يحمل تناقضاً جوهرياً: اللامركزية أداةٌ تحتاج إلى بيئة مؤسسية ناضجة لتثمر، وهو ما لا تملكه جميع المحافظات السورية بالقدر ذاته اليوم.
بين تفويض الصلاحيات وتحدي اللامركزية
لطالما كانت “المركزية” هي الشماعة التي تُعلق عليها إخفاقات التنمية في المحافظات السورية؛ فالمواطن في ديرالزور أو طرطوس كان ينتظر توقيعاً من “دمشق” لإصلاح جسر أو تعيين حارس مدرسة. اليوم، يأتي القرار رقم /13/ لعام 2026 ليقلب الطاولة، مانحاً المحافظين صلاحيات “سوبر” تتراوح بين إدارة المليارات وإدارة البشر. ولكن، هل يكفي نقل القلم من يد الوزير إلى يد المحافظ ليتحقق الازدهار؟
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسين العابد في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن القرار رقم 13 هو خطوة شجاعة نحو “الجمهوريات المحلية” المنتجة، لكنه يظل مجرد “محرك” يحتاج إلى وقود من الكفاءة البشرية وزيت من الرقابة الشعبية، وإذا لم يقترن هذا التفويض ببرامج تدريب مكثفة للكوادر المحلية على أدوات التخطيط الحديثة، فإننا نخاطر بنقل البيروقراطية من “المركز” لتعشش في “الأطراف”، وأن عبور جسر “الثقة” بالكوادر المحلية، ومنح صلاحية تصديق عقود تصل إلى 15 مليار ليرة سورية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو “نقل للثقة”.
ويضيف: مع ذلك، تبرز الفجوة المؤسسية كأكبر تهديد، لا يمكننا مساواة محافظة تمتلك كوادراً قانونية ومالية عريقة بمحافظة تعاني من نزيف في خبراتها، وإن “عدم التكافؤ” في الجاهزية الإدارية قد يحول هذه الصلاحيات من “منحة” إلى “محنة” تسبب تعثراً في المشاريع الاستثمارية الكبرى، والهاجس الأكبر الذي يراود أصحاب القرار هو كيفية الحفاظ على “وحدة الرؤية الوطنية”، فإذا انطلقت كل محافظة في استراتيجية استثمارية منعزلة بناءً على مواردها فقط، قد نجد أنفسنا أمام فائض في قطاعات معينة وعجز في أخرى، وبالتالي التوفيق بين استقلال القرار المحلي والحفاظ على وحدة الرؤية التنموية الوطنية، فنجاح تجربة اللامركزية لا يعني تفكك السياسات العامة، بل يتطلب تنسيقاً مؤسسياً واضحاً يضمن توحيد الأهداف والاتجاهات، مع ترك هامش مرن للمبادرات المحلية، وهذا يتطلب إنشاء “مرصد وطني للتنمية المحلية” يتولى متابعة الانسجام بين برامج المحافظات والخطط الوطنية الكبرى، واللامركزية تنجح عندما تكون “تكاملية” لا “تنافسية إقصائية”.
ويتابع: بالتالي يترتب على وزارة الإدارة المحلية الإدراك بأن القرار لا ينتهي بصدوره، بل يبدأ بـ “المراقبة اللاحقة”، فتفويض الصلاحيات المالية والإدارية لا يكتمل من دون آليات رقابة جديدة، فالمساءلة يجب أن تكون متعددة المستويات، رقابة حكومية مركزية دورية، ورقابة شعبية من خلال المجالس المحلية المنتخبة، وأخيراً رقابة إعلامية مستقلة تُسهم في منع الهدر والفساد، كما يمكن تبني نظام تقييم سنوي لأداء المحافظين اعتماداً على مؤشرات تنموية ملموسة، والمطلوب هو التحول من “سلطة الوصاية” إلى “سلطة الدعم الفني والتقني” للمحافظات، وعلى المحافظين أن يدركوا أن الصلاحيات الواسعة تعني مساءلة أوسع، وأن النجاح لن يُقاس بعدد العقود الموقعة، بل بمدى تقليص نسب البطالة وتحسين جودة مياه الشرب والكهرباء في مناطقهم، لذلك نحن بحاجة لرقابة ذكية (رقمية وشفافة) تسبق وقوع الخطأ، لا رقابة تكتفي بإحصاء الخسائر بعد فوات الأوان.
على صعيد الجذب الاستثماري يستشهد العابد، بتجربة المغرب في الجهوية الموسعة عام 2015 التي تُشير إلى أن تفويض صلاحيات الاستثمار للأقاليم رفع حصتها من الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 23% خلال خمس سنوات، وذلك لأن المستثمر المحلي والأجنبي يفضل التفاوض مع جهة قريبة تعرف خصوصية البيئة الاستثمارية المحلية، ويتوجه “العابد” إلى المستثمرين بالقول: الكرة الآن في ملعب “المحلية”، ابحثوا عن المحافظة التي تقدم أسرع الحلول، فالقرار 13 كسر قيود البيروقراطية المركزية، والمنافسة الآن بين المحافظات لجذبكم.
ويختم العابد من الناحية الاقتصادية، يُفترض أن يسهم القرار في تقليص الفجوة بين المحافظات الغنية والفقيرة عبر تمكين كل محافظة من استثمار مواردها الذاتية، ولكن الخطر يكمن في أن المحافظات الغنية بالموارد والبنية التحتية قد تستفيد أكثر من صلاحيات الاستثمار والإنفاق، ما يعمّق الفوارق بدلاً من ردمها، وهنا تبرز الحاجة إلى صندوق وطني للتوازن التنموي يدعم المحافظات الأقل حظاً.
اللامركزية ليست مجرد توقيع.. هل محافظاتنا جاهزة لإدارة المليارات؟
منح المحافظين صلاحيات “وزارية” تقريباً، تصل لتصديق عقود بـ 15 مليار ليرة، فهل سمح بـ “مركزة المركزية” داخل كل محافظة بدلاً من تفتيتها؟ بمعنى أن السلطة انتقلت من الوزير إلى المحافظ، فهل تضمن الهياكل المحلية النزاهة والكفاءة نفسها؟
ويرى الخبير في الإدارة العامة الدكتور سالم القاضي في رده على سؤال “٩٦٣+” أن الخطر يكمن في “شخصنة القرار”. فإذا لم تتحول المحافظة من مجرد “مبنى إداري” إلى “مؤسسة استراتيجية”، فإننا سنواجه وضعاً يشبه وجود 14 وزيراً بدلاً من واحد، حيث تصبح المكاتب التنفيذية الضمانة الوحيدة لنجاح الإدارة. ويشير القاضي إلى أن القوة يجب أن تكون للمؤسسة لا للمحافظ كفرد، وأن المسألة تتجاوز توسيع الصلاحيات لتشمل تغيير عقلية الإدارة نفسها. فإدراك المحافظين أن السلطة مسؤولية وليست ميزة، وأن اللامركزية تعني شراكة وليست تفويضاً، هو الشرط الأساسي لتحقق تحول حقيقي في هيكل الدولة.
ويضيف القاضي أن التفاوت المؤسسي بين المحافظات يمثل التحدي الأكبر، فمنح صلاحيات متساوية لمحافظات متفاوتة مؤسسياً ليس عدلاً بل قد يكون مضراً. فمحافظة مثل حلب بتاريخها الصناعي وكوادرها التقنية تختلف عن محافظة تعيد بناء بنيتها الإدارية من الصفر، ونقل الصلاحيات دون الكفاءات قد يؤدي إلى “لامركزية الفساد” بدلاً من التنمية. فالقرار الذي يمنح صلاحيات تصديق عقود استثمارية كبيرة قد ينعكس إيجاباً في المحافظات القوية، بينما تظل المحافظات الضعيفة تدور في حلقة مفرغة، خصوصاً مع غياب آلية إعادة توزيع مركزية. والتجربة الإيطالية بين الشمال الصناعي والجنوب الفقير تقدم درساً قاسياً، إذ أن اللامركزية دون آليات تعويضية عمّقت الهوّة الإقليمية لعقود، والتنمية تتطلب موازنة بين سلطة اتخاذ القرار وسلطة مراقبته لضمان الشفافية وتقليل مخاطر البيروقراطية المحلية.
ويختم القاضي أن القرار رقم /13/ خطوة طموحة نحو تحقيق إصلاح إداري وتنمية متوازنة، لكنها تظل رهينة التنفيذ، وإن تحوّل الصلاحيات إلى أدوات تنمية فعلية، نقترب من “اللامركزية الفعالة” المنشودة، أما إن غابت الشفافية والمحاسبة، فسنجد أنفسنا أمام مركزيات صغيرة داخل المركز الكبير.
+963
—————————-
بين المركزية واللامركزية.. أي نموذج حكم يناسب سوريا؟/ زكريا ملاحفجي
2026.02.24
بعد صراع طويل امتد نحو أربعة عشر عاماً خلال الثورة السورية، وأكثر من عام من محاولات إعادة الانتشار على الجغرافيا السورية، وفي ظل محاولات بعض الأطراف الساعية إلى الانقسام، كما في السويداء، والتفاهمات الأخيرة في الحسكة التي منحت المنطقة خصوصية معينة، لم يعد السؤال السياسي في سوريا يقتصر على شكل السلطة أو طبيعة النظام، بل امتد إلى بنية الدولة نفسها: هل ستبقى مركزية كما تشكّلت تاريخياً، أم تتجه نحو اللامركزية؟
وبين هذين الخيارين يبرز تصور ثالث، يبدو أكثر واقعية برأيي، يتمثل في نموذج متقدم من اللامركزية الوظيفية والإدارية. فهو نموذج لا يصل إلى حد اللامركزية السياسية أو الفيدرالية، لكنه يتجاوز اللامركزية الإدارية التقليدية، إذ يعيد توزيع الصلاحيات بما ينسجم مع تعقيد المجتمع السوري وتنوعه الجغرافي.
تشكلت الدولة السورية الحديثة ضمن سياق تاريخي إقليمي فضّل المركزية الشديدة. فمنذ مرحلة الانتداب برزت في بداياتها رغبة فرنسية في اللامركزية السياسية، ثم تغيّرت المعادلات خلال الانتداب، وبعد الاستقلال اعتمدت النخبة الحاكمة نموذج الدولة الموحدة الصلبة، باعتباره ضمانة للوحدة الوطنية وخشيةً من التقسيم في مجتمع متعدد دينياً وإثنياً ومناطقياً. وتعزز هذا الاتجاه لاحقاً مع صعود الدولة الأمنية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تركز القرار السياسي والاقتصادي والإداري في العاصمة، بينما بقيت المحافظات والأطراف في موقع التنفيذ لا المشاركة.
لم تكن هذه المركزية مجرد خيار إداري، بل كانت جزءاً من فلسفة حكم تقوم على ضبط المجال العام ومنع تشكل قوى محلية مستقلة. ومع الزمن أدت إلى اختلالات بنيوية، وتفاوت تنموي واسع بين المناطق، وبيروقراطية ثقيلة، وبطء في الاستجابة للاحتياجات المحلية، وتآكل في ثقة المجتمع بالمؤسسات.
غير أن كل ذلك تغيّر بعد الحرب؛ فحتى المناطق التي كانت خارج نطاق سيطرة النظام سابقاً طوّرت نماذج حوكمة محلية متعددة استمرت لسنوات، نتيجة تباينات فكرية وسياسية بين تلك المناطق.
فالحرب السورية لم تُضعف الدولة فحسب، بل أعادت تشكيل المجال المحلي ذاته. فقد ظهرت إدارات محلية بحكم الأمر الواقع، وتكوّنت شبكات اقتصادية وخدمية خارج المركز، وتبلورت هويات مناطقية أقوى بفعل العزلة والصراع. كما اكتسبت المجتمعات المحلية خبرة في إدارة شؤونها اليومية، من الخدمات إلى الأمن المجتمعي، في ظل غياب أو تراجع مؤسسات الدولة آنذاك.
هذا التحول لا يعني أن سوريا أصبحت لا مركزية سياسياً، لكنه يعني أن الواقع الاجتماعي والإداري تجاوز النموذج المركزي الصارم. وبالتالي فإن محاولة العودة إلى مركزية ما قبل 2011 لم تعد ممكنة عملياً، حتى وإن كانت مرغوبة سياسياً لدى بعض الفاعلين.
بين اللامركزية السياسية واللامركزية الوظيفية الإدارية
عند مناقشة اللامركزية في سوريا، غالباً ما يُطرح النقاش بصيغة ثنائية: إما مركزية كاملة، أو فيدرالية/لامركزية سياسية. غير أن هذه الثنائية مضلِّلة؛ فاللامركزية ليست نموذجاً واحداً، بل طيف واسع يبدأ من تفويض إداري محدود وينتهي بتوزيع سياسي للسلطة.
اللامركزية السياسية تعني نقل صلاحيات تشريعية وسيادية إلى أقاليم أو وحدات حكم ذاتي، وهو نموذج يرتبط عادة بالفيدرالية أو الأنظمة المركبة. هذا الخيار يثير مخاوف عميقة في الحالة السورية تتعلق بالوحدة الوطنية، وإمكانية تحول الانقسامات المحلية إلى كيانات سياسية منفصلة، خاصة في بيئة إقليمية شديدة التنافس، إضافة إلى التداخل الإثني في الأقاليم والمحافظات.
في المقابل، تقوم اللامركزية الإدارية والوظيفية على نقل صلاحيات التخطيط والتنفيذ والخدمات وإدارة الموارد المحلية إلى مستويات دون الدولة، مع بقاء السيادة والتشريع العام في المركز. هذا النموذج لا يجزّئ الدولة، بل يخفف العبء عن المركز، ويقرّب القرار من المجتمع، ويعزز المشاركة المجتمعية.
ومع التفاهمات المتعلقة بالحسكة ومنح المنطقة خصوصية تشاركية مع الدولة، وكذلك في السويداء حيث طُرحت دعوات إلى الاستقلال أو اللامركزية السياسية (الفيدرالية)، يبرز سؤال جوهري: لماذا تحتاج سوريا إلى لامركزية إدارية متقدمة؟
لماذا اللامركزية المتقدمة؟
الواقع السوري الراهن يجعل اللامركزية الوظيفية المتقدمة خياراً عملياً لا أيديولوجياً. فالتنوع الجغرافي والاجتماعي، من الساحل إلى الجزيرة إلى الجنوب، يفرض سياسات محلية مختلفة في الاقتصاد والخدمات والتنمية.
كما أن إعادة الإعمار تتطلب قدرة تنفيذية سريعة ومرنة لا تستطيع بيروقراطية مركزية منهكة توفيرها وحدها.
إضافة إلى ذلك، تضررت الثقة بين المجتمع والدولة بشدة خلال سنوات الصراع، بل وحتى بين المجتمعات المحلية نفسها، وإن بدرجات متفاوتة. إن نقل صلاحيات حقيقية إلى إدارات محلية منتخبة أو تشاركية يمكن أن يعيد جزءاً من هذه الثقة، لأن المواطن يرى أثر القرار مباشرة في حياته اليومية. هنا تصبح اللامركزية أداة لإعادة بناء العقد الاجتماعي والهوية الوطنية، لا مجرد إصلاح إداري، خاصة في ظل أزمة مشاركة سياسية واضحة.
كما أن الاقتصاد السوري بعد الحرب يتجه نحو نماذج محلية تقوم على أسواق إقليمية، وسلاسل توريد قصيرة، ومبادرات مجتمعية، وشبكات إنتاج صغيرة. وإدارة هذا الاقتصاد تتطلب صلاحيات محلية في التخطيط العمراني، والاستثمار، والخدمات، وإدارة الموارد، وهو ما يتجاوز قدرات المركز وحده.
النقطة الجوهرية في الحالة السورية أن اللامركزية المطلوبة ليست سياسية بالضرورة؛ أي إنها لا تستلزم برلمانات إقليمية، أو تشريعات مستقلة، أو قوات أمن منفصلة. بل يمكن تصور نموذج يحتفظ فيه المركز بوظائف السيادة: السياسة الخارجية، والدفاع، والتشريع العام، والمالية الوطنية، والسياسات الاستراتيجية الكبرى.
في المقابل، تُمنح المحافظات أو الأقاليم الوظيفية صلاحيات واسعة في:
التخطيط التنموي المحلي
إدارة الخدمات والبنية التحتية
الاستثمار المحلي والتراخيص
إدارة الموارد المحلية
التعليم والصحة ضمن الأطر الوطنية
الموازنات المحلية والجباية الجزئية
هذا النموذج قريب مما يُسمى أحياناً «اللامركزية المعمّقة» أو «الإدارة الإقليمية»، حيث تكون الوحدات المحلية قوية وظيفياً، لكنها غير سيادية سياسياً. وهو نموذج معمول به في دول عديدة موحدة وليست فيدرالية.
غير أن تطبيق لامركزية متقدمة في سوريا يواجه تحديات حقيقية، منها ضعف المؤسسات المحلية، ومخاطر الفساد المحلي، وتفاوت القدرات بين المناطق، وإمكانية سيطرة نخب محلية ضيقة. لذلك يتطلب نجاح هذا النموذج ضمانات أساسية، منها: إطار دستوري واضح يحدد الصلاحيات بدقة، ورقابة مالية وإدارية مركزية فعالة، ونظام عادل لتوزيع الموارد يحد من الفوارق، إضافة إلى انتخابات محلية حقيقية وتمثيلية، وقضاء إداري مستقل للفصل في النزاعات.
بهذه الضمانات تتحول اللامركزية من تفويض عشوائي إلى بنية حكم متماسكة، وقد تشكل أساساً لنموذج سوري خاص.
التجارب المقارنة تُظهر أن نماذج الحكم لا تُستنسخ، بل تُصاغ وفق السياق. وسوريا، بتاريخها وتركيبتها وواقعها بعد الحرب، لا تحتاج إلى فيدرالية كاملة، ولا تستطيع العودة إلى مركزية صلبة.
الخيار الأكثر توازناً هو نموذج متقدم من اللامركزية الوظيفية الإدارية؛ حالة وسط بين المركزية الصارمة واللامركزية السياسية، يمنح المجتمعات المحلية قدرة حقيقية على إدارة شؤونها، دون تحويلها إلى كيانات سياسية مستقلة.
قد لا يحل هذا النموذج جميع الأزمات السورية، لكنه يوفر إطاراً مؤسسياً واقعياً لإدارة التنوع، وتسريع التنمية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع ذاته. وبين مخاوف التفكك وأعباء المركزية، قد تكون اللامركزية المتقدمة الصيغة الأقرب لواقع سوريا ومستقبلها.
——————————-



