مقالان تناولا العلاقات السورية العراقية

حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من “الارتياب الأخوي»/ سعد سلوم
23 فبراير ,2026
كعراقيين وسوريين، ندرك اليوم أننا لا نعيش حاضرنا بقدر ما نعيش ارتدادات قرن كامل من الافتراق الجوهري. فالمسألة السورية في الوعي السياسي العراقي، ونظيرتها العراقية في الوعي السياسي السوري، كانت قصة صراع على الهوية والزعامة بدأ منذ لحظة الانكسار التاريخي عام 1920.
حين سقطت مملكة فيصل الأول في دمشق في تموز 1920 إثر معركة ميسلون، وعاد الضباط الشريفيون إلى بغداد محملين بمرارة الانكسار وطموح التعويض في الدولة العراقية الناشئة، تشظى حلم الوحدة بين رؤيتين متناقضتين: رافدينية وشامية.
وترك فشل محاولات التقارب والوحدة في الأربعينيات والخمسينيات، سواء تلك التي انطلقت من بغداد كمشروع الهلال الخصيب (1943) والاتحاد العربي (1958)، أو تلك التي انطلقت من دمشق وقادها الجناح الحلبي في الكتلة الوطنية والتي تحول لاحقاً إلى حزب الشعب حالة من الشك المتبادل بيننا، فبدلا من أن تكون الحدود والموقع الجغرافي وسيلة للتعاون، تحولت إلى مصدر للقلق والخوف، حيث أصبح كل طرف يخشى أن يسيطر عليه الطرف الآخر أو يتدخل في شؤونه الخاصة.
حتى حين توحدت الرايات الأيديولوجية مع وصول حزب البعث للسلطة في كلا البلدين عام 1963، لم يزدنا التشابه إلا قطيعة، فصرنا إخوة أعداء يتنافسون على حق التفسير وشرعية القيادة، لاسيما بعد الانقسام التاريخي بين قطبي الحزب (بغداد ودمشق) عام 1966، وهي المنافسة التي بلغت ذروتها حين استلام كل من صدام حسين وحافظ الأسد القيادة، ومن ثم دخول العراق في الحرب مع إيران 1980-1988 واختيار دمشق الوقوف مع إيران ضد بغداد ومن ثم إغلاق الحدود بين البلدين، مما كرس هوة الارتياب على مستوى القيادات والغربة بين الشعوب.
إن هذا الافتراق الجوهري الذي أسست له أحداث عام 1920 تحول بمرور العقود إلى عقيدة سياسية مشحونة غذت صراع السرديات بين العاصمتين. لقد حكمت الجغرافيا على بلدينا أن يعيشا تجربة مريرة كأخوة أعداء، حيث تكسرت كل مشاريع الوحدة والعمل المشترك على صخرة التنافس المحموم حول مركزية القيادة. كان السؤال المحوري الذي عطل بوصلة التكامل طويلا هو: لمن تكون المرجعية؟ هل لدمشق التي تمثل أثينا العرب برمزيتها الثقافية ودورها كمطبخ للأيديولوجيا؟ أم لبغداد التي تمثل بروسيا العرب بسطوة مواردها ومركزية قوتها العسكرية؟
هذا التنافس الذي استنزف طاقاتنا، هو ما يدفعنا اليوم (ككُتّاب لهذا المقال من بغداد ودمشق) إلى إعلان القطيعة مع حقبة نرجسية القادة والولاءات الضيقة، لنعلن انحيازنا التام للمدرسة الواقعية البراغماتية. إننا ندرك يقينا أن المسألة السورية لم تعد قابلة للتأجيل أو المراقبة من وراء الحدود، فاستقرار دمشق هو صمام الأمان الوحيد لسلامة البيت العراقي، وقوة بغداد هي السند الاستراتيجي لبقاء الدولة السورية وتماسكها.
إننا أمام منعطف تاريخي يفرض علينا تجاوز عقدة المرجعية التاريخية لصالح مصلحة البقاء، وتحويل التشابك القسري الذي فرضته نيران الحروب إلى شراكة تضمن بقاءنا معا في جغرافيا شرسة لا تحترم الضعفاء ولا تعترف بالمنقسمين.
هذا التنافس المحموم بين دمشق وبغداد حوّل المشرق العربي إلى ساحة مواجهة تُدار بالهواجس والدسائس، مما أضاع علينا فرصا تاريخية للتكامل التدريجي الذي كان كفيلا بتحصين المنطقة أمام العواصف. ومع ذلك، جاءت تحولات القرن الحادي والعشرين لتعيد صياغة هذه العلاقة، فالغزو الأميركي عام 2003 غير وجه العراق وهويته السياسية، ومن بعده جاء إعصار داعش في 2014 الذي اجتاح الحدود والسيادة، أثبتا لنا زيف الحدود السياسية أمام وحدة التهديدات الوجودية. لقد اكتشفنا في خضم النيران أن الدم الذي سال في الموصل والرقة كان ينزف من الجسد ذاته.
إن نيران الحرب لم تحرق الأوهام الأيديولوجية فحسب، بل كشفت عن حقيقة أن أمن بغداد لا يمكن أن يُصنع في معزل عن استقرار دمشق، وإن أي تصدع في جدران أحد البيتَين سيهدم سقف الآخر حتما، وأن التدخلات الخارجية في أي من البلدين ستخترق البلد الأخر. إن الانتقال من نرجسية الزعامة إلى شراكة البقاء ليس خيارا دبلوماسياً نملكه، بل هو الطريق الوحيد والاضطراري لتجاوز قرن كامل من التيه الاستراتيجي.
ينبغي أن يقودنا حوار يجمع النخب العراقية والسورية بالضرورة إلى تجاوز سيولة السرديات السياسية نحو صخرة المصالح الصلبة، حيث ننتقل من حالة تكامل الفوضى الخلاقة التي سادت لسنوات كقدر جغرافي فرضته السياسات الدولية، إلى تكامل المنفعة كخيار استراتيجي مدروس وممنهج. فإذا كان التاريخ قد سجل تنافسنا العقيم على حق التفسير وأوهام الزعامة، فإن الجغرافيا اليوم تضعنا أمام معادلة الاعتماد المتبادل التي لا تقبل القسمة على اثنين، ولا تحتمل ترف الانفراد بالقرار.
فمن المنظور العراقي، لم يعد استقرار سوريا مجرد رغبة دبلوماسية أو انحيازا سياسيا لطرف على حساب آخر، بل هو ضرورة حيوية لفك عقدة الاختناق الجغرافي المزمنة. إننا في بغداد نرى في سوريا الرئة الطبيعية والمنفذ الاستراتيجي الوحيد نحو المتوسط الذي يكسر حصار الجغرافية وتعقيدات الجوار الإقليمي. وبدون استقرار هذا الممر واستعادة حيويته، ستظل حدودنا ثقبا أسود لا يستنزف الموارد البشرية والمالية فحسب، بل يبتلع أحلام التنمية المستدامة، ويجعل من مشاريعنا الاستراتيجية، وعلى رأسها مشروع طريق التنمية، مسارا يتيما يتجه شمالا فقط، بينما يطمح العراق لأن يكون له امتداد غربي حيوي يربطه مباشرة بموانئ المتوسط وأسواق أوروبا، وبدون هذا الربط، سيبدو مشروعنا التنموي كجسد فقد أطرافه، وبات مقطوعاً عن امتداده الطبيعي نحو الغرب.
أما من المنظور السوري، فإن العراق يمثل العمق الاقتصادي والاستراتيجي والظهير المالي والسياسي الذي لا يمكننا الاستغناء عنه في معركة البقاء. إن دمشق ترى في بغداد طوق نجاة حقيقي لكسر العزلة الخانقة وتجاوز آثار العزلة الدولية، فالعراق اليوم ليس مجرد جارٍ تربطنا به وشائج القربى، بل هو الشريك الاستراتيجي الذي يمنح الرئة الاقتصادية السورية القدرة على التنفس مجددا، ويمثل البوابة المفتوحة نحو أسواق الخليج والشرق.
إن هذا التبادل الوظيفي بين الرئة السورية والعمق العراقي هو الذي سيحول الحدود من خطوط تماس قلقة إلى مناطق ازدهار مشترك، مؤكداً أن زمن التنافس قد انتهى فعليا ليحل محله زمن شركاء البقاء.
إن جوهر هذا التحول المنشود يكمن في الشجاعة لمواجهة المسكوت عنه: لقد أنتجت سنوات الحرب والقطيعة شبكات اقتصادية موازية نشأت في ظلال الفراغ، وتحولت إلى اقتصاد ظل عابر للحدود يستفيد منه الفاعلون من غير الدول على حساب سيادة العاصمتين. إننا نتفق اليوم، كصوت نخبوي مشترك، على أن السبيل الوحيد لضمان استدامة البقاء هو تحويل هذه الممرات الرمادية إلى شراكة مؤسساتية رسمية وتفاهمات عابرة للأنظمة والتحولات السياسية الطارئة.
إن الهدف هو أن تصبح الممرات الواصلة بين بغداد ودمشق وبين الموصل وحلب وبين أربيل والقامشلي وبين البصرة وطرطوس وبين كركوك وبانياس شريانا لوجستيا يخضع لسيادة الدولتين وحدهما، وبما يحول الحدود من خطوط تماس قلقة ومصدر للتهديد، إلى مناطق تبادل وازدهار ومصدر للثروة. إن هذا التحول هو الكفيل بإنهاء أسطورة الإخوة الأعداء للأبد، ليحل محلها عهد شركاء المصير الاقتصادي.
وبناء على هذا الفهم لإرث الارتياب وحتمية التكامل، نتوجه نحن (في هذا الحوار المشترك) بنداء ملحّ إلى صنّاع القرار في العاصمتين: إن اللحظة الراهنة لم تعد تحتمل ترف الانتظار النشط أو الاكتفاء بردود الأفعال. إنها تتطلب تبني سياسة هجينة وشجاعة، تنتقل بالعلاقة فورا من مربع التنسيق الأمني الاضطراري والمحض، إلى مربع الشراكة بين دولتين تدركان أن قوتهما في اندماجهما، وأن ضعفهما في استمرار شتاتهما.
انطلاقا من هذه القراءة الواقعية لضرورات الجغرافيا، نضع أمام صنّاع القرار في بغداد ودمشق ثلاث ركائز استراتيجية تشكل الأرضية المشتركة للبقاء:
1 – تحويل الحدود من خطوط تماس إلى شرايين حياة: لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه البادية السورية-العراقية ثقبا أسود يبتلع الاستقرار الإقليمي. إن الضرورة تقتضي تحصين الحدود ليس فقط بالوسائل العسكرية، بل عبر تحويلها إلى ممرات لوجستية آمنة. إن منع انبعاث التهديدات يتطلب عقيدة أمنية مشتركة تحمي “طريق التنمية” وتحول المنافذ البرية من منصات لتصدير الأزمات إلى نقاط انطلاق للازدهار المشترك.
2 – تصفية إرث الفوضى: إن استعادة السلم المجتمعي العابر للحدود تبدأ من الجرأة في تفكيك الألغام البشرية التي خلفتها الحرب. إن إغلاق الصراعات الطائفية ليس مجرد إجراء فني، بل هو خطوة وجودية لغلق الثغرات التي يستثمرها التطرف لضرب أمن العاصمتين، إنها مسؤولية تضامنية لضمان ألا يظل مستقبلنا رهينة لتبعات الماضي، فالمشتركات بيننا أكبر من الفروقات التي يستخدمها الأخرون لإغراقنا في الفوضى.
3 – الانتقال من الارتباط بالأنظمة (الذي أورثنا صراعات القرن العشرين) إلى الارتباط بالدولة ككيان مؤسسي ثابت. إن ضمان الاستدامة يكمن في بناء مؤسسات ولجان مشتركة (أمنية، اقتصادية، وسياسية) محصنة ضد تبدل الوجوه أو تقلب الأمزجة السياسية، ليكون القرار الاستراتيجي محكوما بالمصلحة القومية العليا فحسب.
4 – الابتعاد عن سياسات العداء مع الجيران، واستخدام هذا التقارب كنموذج يصلح لتقارب أوسع في المنطقة يكرس علاقات التعاون والتكامل لا التنافس والتقاتل، ففي عصر الدول الكبرى لم يبقى مكان في هذا العالم للضعفاء، ولا يمكننا بناء قوتنا على حساب جيراننا وإنما بالعمل معهم لبناء مكانة لنا جميعاً.
لقد استنفدنا طيلة قرن مضى كل محاولات التباعد، ولم نحصد سوى ضياع السيادة. اليوم، ونحن في عام 2026، نعلنها صراحة: لقد ولى زمن صراعات الزعامة وحق التفسير بين أثينا الشام (دمشق) وبروسيا العرب (بغداد). نحن لا نملك رفاهية الانفصال الجغرافي، فالحدود التي رسمتها الخرائط القديمة تلاشت أمام وحدة النيران ووحدة المصير.
إن كلفة أي انهيار في دمشق لن تتوقف عند حدود دمشق، بل ستقتلع أعمدة الاستقرار في بغداد. إن سوريا الجديدة هي بوابة البقاء والمدى الحيوي الذي يمنح العراق رئته على المتوسط، تماما كما يمنح العراق سوريا عمقها الاستراتيجي وحيويتها الاقتصادية. لقد آن الأوان لنكف عن كوننا إخوة أعداء، لنصبح شركاء حقيقيين في زحام التحولات الكبرى في المنطقة.
*نقلاً عن “المدى”.
—————————-
المعابر الحدودية مع العراق..إعادة رسم خريطة سوريا جغرافيا واقتصاديا/ أسماء الفريح
فبراير 25, 2026
قبل نهاية العام 2025، جرت محادثات سورية-عراقية في دمشق تركزت على آليات تطوير العمل في المنافذ الحدودية بين البلدين، بهدف تسهيل عبور المسافرين وتعزيز حركة التبادل التجاري بما يخدم المصالح الاقتصادية المشتركة، وتم التأكيد على أهمية مواصلة التنسيق والتعاون في هذا المجال لرفع كفاءة العمل وتعزيز الاستقرار والتنمية في المناطق الحدودية.
وفي وقت سابق من شباط الجاري، أعلن رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية الفريق عمر الوائلي أن قادم الأيام سيشهد افتتاح منفذي الوليد وربيعة المهمين مع سوريا، بعد أن وجه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بسرعة افتتاحهما، بما ينعكس إيجابا على الإيرادات المتحققة ورفع مستوى التبادل التجاري والترانزيت عبر العراق، والاستفادة من موقعه الجغرافي لربط الشرق بالغرب.
ووفق رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا قتيبة بدوي، فإن الهيئة بدأت منذ تأسيسها عملية تطوير شاملة لتحسين البنية التحتية للمنافذ البرية والبحرية، إلى جانب أنها تبذل جهودا كبيرة لتسهيل حركة المسافرين عبر المعابر، مع توفير الخدمات اللازمة لهم بالتوازي مع تحسين حركة البضائع، بما يسهم في تسريع عملية التبادل التجاري وحركة الركاب بين سوريا والدول الأخرى.
وبعد أن أعادت سوريا والعراق افتتاح معبر البوكمال/القائم أمام حركة المسافرين والتبادل التجاري في حزيران الماضي، تمت خلال الاجتماعات الثنائية التي جرت منتصف كانون الأول الماضي مناقشة آليات تسريع افتتاح منفذ التنف/الوليد الحدودي، إضافة إلى استعراض الأعمال التي ستقوم بها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لبناء منفذ جديد في منطقة البوكمال بديلا عن المنفذ الحالي.
المنفذين الجديدين
في الثاني عشر من شباط الجاري، أعلنت وزارة الدفاع استلام وحدات من الجيش العربي السوري قاعدة التنف وتأمين محيطها وبدءها الانتشار على الحدود السورية العراقية الأردنية في بادية التنف، بعد التنسيق مع الجانب الأميركي، مشيرة إلى أن قوات حرس الحدود في الوزارة ستبدأ استلام مهامها والانتشار في المنطقة خلال الأيام القادمة.
يقع منفذ الوليد الحدودي في قضاء الرطبة بمحافظة الأنبار العراقية، ويواجهه منفذ التنف في سوريا، ويعد نقطة الحدود الرئيسية على الطريق السريع بين دمشق وبغداد. وجرى إغلاقه في أيار عام 2015 بعد سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي على المنطقة، ورغم استعادة السيطرة عليه عام 2017، إلا أنه ظل مغلقا منذ ذلك الحين.
وأعلن مدير ناحية الوليد، مجاهد الدليمي، بدء أعمال تأهيل وتطوير المنفذ في آذار 2025، مؤكدا أنه يمثل أهمية استراتيجية بالنسبة للحكومة العراقية ومحافظة الأنبار، باعتباره الشريان التجاري الرئيس للمحافظة، والمسار الأهم لحركة الشاحنات والمسافرين بين بغداد ودمشق، كونه يمثل أقصر الطرق التجارية الرابطة بين البلدين.
فيما يعد منفذ بلدة ربيعة الواقعة شمال غرب محافظة نينوى، والمجاورة لبلدة اليعربية في محافظة الحسكة السورية، واحدا من أربعة معابر حدودية تربط بين سوريا والعراق، ويقع على مسافة 120 كيلومترا من الموصل وحوالي 525 كيلومترا عن بغداد.
وبعد أن استعادت الدولة السورية سيطرتها على مناطق واسعة من أراضيها خلال الشهرين الماضيين، شهدت بلدة اليعربية انتشار عناصر الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في المعبر الحدودي في السادس والعشرين من كانون الثاني الماضي، بعد انسحاب قوات تنظيم “قسد” بموجب اتفاق مع الحكومة السورية.
وخلال قيامه بزيارة ميدانية إلى منفذ ربيعة اليوم الإثنين، أكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية أن افتتاح المنفذ سيمثل خطوة استراتيجية مهمة في تعزيز حركة التبادل التجاري مع الجمهورية العربية السورية وزيادة الإيرادات غير النفطية، فضلا عن كونه يشكل ممرا محوريا لحركة الترانزيت، وداعما مستقبليا لمشاريع الربط الإقليمي وطريق التنمية.
وقالت الهيئة في بيان إن زيارة الفريق الوائلي هدفها تقييم الواقع الخدمي والفني للمنفذ وتحديد متطلبات التأهيل والتطوير، بما يضمن افتتاحه في أقرب وقت ممكن، وتأتي تنفيذا للتوجيهات الحكومية الرامية إلى تسريع وتيرة العمل واستكمال متطلبات التأهيل.
وأعلن محافظ نينوى عبد القادر الدخيل قبل أيام بدء وضع اللمسات الأساسية لخطة إعادة تأهيل المنفذ بهدف تلبية كل المتطلبات الخدمية والأساسية اللازمة لتشغيل هذا المرفق الاستراتيجي، الذي ظل متوقفا لسنوات طويلة نتيجة سيطرة قوات تنظيم “قسد” على المناطق الحدودية المقابلة له.
وشدد الدخيل على أن إعادة تشغيل المنفذ تمثل ضرورة قصوى كونه يعد شريانا اقتصاديا حيويا للمحافظة، وسيسهم بشكل فعال في تنشيط حركة التجارة البينية ودعم الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
سوريا وعودتها كممر عبور إقليمي
يقول محمد رياض الصيرفي، رئيس مجلس إدارة الجمعية السورية للشحن والإمداد الوطني، إن إعادة افتتاح منفذي الوليد وربيعة بين العراق وسوريا تمثل خطوة استراتيجية ذات أبعاد تتجاوز التبادل التجاري المباشر، فهي تعيد إحياء محور بري تاريخي يربط الخليج العربي بشرق المتوسط، وتضع البلدين مجددا في موقع القلب ضمن شبكة النقل الإقليمي.
وأضاف في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أن هذه الخطوة تأتي في لحظة حساسة تتسابق فيها الممرات البرية في المنطقة لاستقطاب حركة العبور، خاصة في ظل تقدم مشروع “طريق التنمية” العراقي، الذي يسعى لتحويل العراق إلى عقدة ربط بين آسيا وأوروبا.
وتابع أن أهمية المنفذين لا تقاس بعدد الشاحنات فقط، بل بالقدرة على إدارة هذا التدفق بكفاءة عالية؛ فالممرات الكبرى لا تبنى بالشعارات ولا بالافتتاحات الرسمية، بل بمنظومة تشغيلية منضبطة قادرة على استيعاب مئات الشاحنات يوميا دون اختناقات، وبإجراءات واضحة ومستقرة يمكن للقطاع الخاص أن يثق بها ويبني عليها التزاماته التعاقدية.
ويشدد الصيرفي، وهو أيضا رئيس لجنة الشحن والنقل والترانزيت بغرفة تجارة دمشق، على أنه من الناحية الاقتصادية، يمكن لهذه المعابر أن تعيد لسوريا دورها الطبيعي كممر عبور إقليمي، وأن ترفع إيرادات الترانزيت، وتنشط قطاعات النقل والتخليص والتأمين والمستودعات، وتخلق فرص عمل واسعة، لكن في المقابل، أي تضارب في السياسات التنظيمية أو أي قرارات مفاجئة غير مترافقة مع جاهزية لوجستية حقيقية، قد يفقد هذا المسار تنافسيته سريعا، لأن حركة التجارة لا تنتظر، والشركات تختار المسار الأكثر استقرارا وانسيابية.
ويبين أن المنطقة اليوم تشهد إعادة تشكيل لسلاسل الإمداد، وكل دولة تحاول تثبيت موقعها ممرا موثوقا، والموثوقية لا تعني فقط الأمن، بل تعني أيضا وضوح القواعد وثبات الإجراءات وتدرج القرارات وتوافقها مع القدرة التشغيلية الفعلية على الأرض.
بوابة لإعادة تموضع سوريا
من جانبه، يقول الدكتور حسن غرة، الباحث الاقتصادي في مركز “جسور” للدراسات، إن افتتاح منفذي الوليد وربيعة بين سوريا والعراق يمثل حدثا اقتصاديا استراتيجيا بامتياز، ولا سيما أن التبادل التجاري بين البلدين انهار من 80% من واردات العراق قبل 2011 إلى ما لا يتجاوز 5% اليوم.
وأضاف في حديث مماثل للصحيفة أن إعادة تشغيل هذين الشريانين تتيح لسوريا استعادة دورها التصديري نحو السوق العراقية في القطاعات الزراعية والصناعية، فضلا عن تحقيق عائدات ترانزيت مهمة مرتبطة بمشروع طريق التنمية العراقي الضخم الذي يسعى إلى ربط الخليج بأوروبا، والذي يمكن أن يمر جزء منه عبر الأراضي السورية.
ويذكر الدكتور غرة أن الاستفادة الحقيقية لسوريا مشروطة بتجاوز جملة من التحديات، أبرزها تطوير البنية التحتية للمعابر، ووضع اتفاقيات جمركية واضحة، وحماية المنتج السوري من منافسة السلع الإيرانية والتركية المدعومة التي تدخل عبر ذات المنافذ.
ويؤكد أن هذه المنافذ ليست مجرد نقاط عبور، بل بوابة لإعادة تموضع سوريا جغرافيا واقتصاديا كجسر ربط فاعل بين الشرق والغرب.
شراكة متوازنة ومصالح متبادلة
بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى فرحات إن سوريا اليوم منفتحة على الاستقرار والسلام والازدهار، وبطبيعة الحال فإن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للازدهار وللسياسة أيضا، وبالتالي فإن إعادة افتتاح المنفذين يمثل مستوى متقدما من التنسيق الإداري والأمني بين دمشق وبغداد بما يرسخ مفهوم الشراكة المتوازنة القائمة على المصالح المتبادلة.
ويتابع في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أن إعادة العمل في المنفذين لا تعد مجرد خطوة إجرائية في إدارة الحدود بين البلدين، بل تمثل تطورا استراتيجيا في إعادة تعزيز وصل سوريا بعمقها العربي، مبينا أنه بعد الانفتاح على دول الخليج والعديد من الدول العربية الأخرى، يأتي اليوم دور العراق، هذا البلد المهم جدا كونه بلدا جارا، كما أن الروابط العروبية وغيرها الكثير تفرض هذا الواقع الجديد بالانفتاح على العراق في الجانب الاقتصادي؛ أي إن العراق سيكون شريكا في الجغرافيا وفي المصالح الاقتصادية.
وأضاف أن المنفذين يمثلان شريانين حيويين يربطان المشرق بعضه ببعض، كما أنهما سيعيدان تفعيل النقل البري الذي يختصر المسافات ويقلل تكاليف النقل والشحن ويمنح حركة البضائع مرونة أكبر عبر مسارات برية مباشرة. ويوضح أنه من الناحية العملية فإن انتظام العمل في المنفذين سيؤدي إلى تسريع حركة التبادل التجاري النظامي بين البلدين، ويحد بشكل كبير من عمليات التهريب غير الشرعية وغير المسموحة (الكبتاغون والأسلحة وغيرها) في ظل التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين.
ويذكر أن افتتاح المنفذين سيعمل أيضا على تنظيم حركة العبور من حيث المواعيد والدقة في العمل بشكل كبير، إضافة إلى تعزيز الإيرادات الجمركية للبلدين ضمن أطر قانونية.
العودة إلى الخارطة الاقتصادية
يقول فرحات إنه من منظور استراتيجي، فإن توسيع شبكة المنافذ الحدودية يمثل جزءا من رؤية أوسع لإعادة تموضع سوريا اقتصاديا في الإقليم، وليس مجرد تحصيل رسوم عبور، مضيفا أن هذا يعني إعادة سوريا إلى الخارطة الاقتصادية كما أعادتها إلى الخارطة الإقليمية والدولية، فقد أصبحت سوريا لاعبا سياسيا أساسيا في الإقليم وعلى المستوى الدولي بعد انخراطها في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.
وأشار إلى أن المعبرين سيعملان على تحفيز الدورة الاقتصادية الداخلية (زيادة تدفق البضائع والمواد الأولية)، ما سينعكس إيجابا على الأسواق السورية، إلى جانب تنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية، كما أن حركة الترانزيت ستخلق فرصا لقطاع النقل البري وشركات التخليص الجمركي والمستودعات والخدمات، ما يزيد فرص العمل في المناطق الشرقية والحدودية، إضافة أيضا إلى تعزيز موقع سوريا في مشروع الربط الإقليمي مع توجه العراق لتفعيل دوره كحلقة وصل بين الشرق والغرب.
ويتابع أنه لذلك فإن مشاركة سوريا في هذا المسار تمنحها موقعا محوريا في شبكة العبور الإقليمية، وتعيد تثبيت موقعها الجغرافي كجسر بري طبيعي بين آسيا والبحر المتوسط.
ويذكر أن الموقع الجيوسياسي لسوريا يلعب دورا كبيرا في الاقتصاد وليس فقط في الجانب السياسي، أي إن هذه الخطوة ذات بعد سياسي واستراتيجي، كما أنها تحمل رسالة واضحة بأن الدولة الجديدة تعمل على إعادة بناء علاقاتها الإقليمية وفق منطق المصالح المشتركة والانفتاح المدروس وتعزيز الاستقرار الحدودي بما يخدم التنمية لا الصراع، والمضي قدما في الاتجاه الصحيح نحو الانفتاح الاقتصادي أيضا.
فيما يخلص رئيس مجلس إدارة الجمعية السورية للشحن والإمداد الوطني إلى القول إنه إذا أردنا أن نكون جزءا فاعلا من مشروع الربط بين الشرق والغرب، فعلينا أن نضمن أن بيئتنا التنظيمية تعزز الانسيابية لا أن تربكها، وأن تدعم التنافسية لا أن ترفع كلفها.
ويجدد التأكيد على أن الفرصة كبيرة، لكنها مشروطة؛ فالموقع الجغرافي ميزة نظرية، أما تحويله إلى قوة اقتصادية فعلية فيتطلب إدارة دقيقة، وتنسيقا عاليا بين الجهات المعنية، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، لأن نجاح الممرات لا يقاس بعدد البيانات الجمركية فقط، بل بمدى ثقة الأسواق الإقليمية في استقرار هذا المسار على المدى الطويل.
الثورة السورية
————————-
===================



