من النصر إلى الإحباط/ شعبان عبود

24 فبراير 2026
بعد أكثر من عام على سقوط النظام، لم يعد المزاج العام في سورية يشبه تلك الأيام الأولى التي اتسمت بفيضٍ من التفاؤل. آنذاك، بدا المشهد وكأن صفحة جديدة قد فُتحت دفعة واحدة، تحمل وعود الخلاص من سنوات طويلة من القمع والانهيار الاقتصادي. ارتفعت التوقعات إلى سقوف غير مسبوقة، واعتُبر التحوّل السياسي مدخلاً طبيعياً لتحسّن سريع في مستوى المعيشة واستعادة الخدمات وفرص العمل. لكن الأشهر اللاحقة كشفت عن مسافة واضحة بين الحلم والواقع، وأن الكثير منا كانوا يعيشون حالة من الوهم وخداع الذات.
اليوم، يتسلّل الإحباط إلى قطاعات واسعة من السوريين. يظهر هذا في إضرابات مطلبية، مثل إضراب معلمي إدلب، وتحركات احتجاجية على ارتفاع فواتير الكهرباء، وفي الشكاوى المتزايدة من الغلاء الذي طاول المواد الغذائية الأساسية.
وحقيقة الأمر أن المطالب لم تعد تقتصر على تحسينات جزئية، بل باتت تعبّر عن قلق أعمق يتعلق بقدرة المرحلة الجديدة على إحداث تغيير ملموس في حياة الناس، بعد سنوات طويلة من الاستنزاف.
على وسائل التواصل الاجتماعي، سيما في “فيسبوك” الذي تحوّل إلى ساحة عامة للنقاش السوري، تتكاثر الانتقادات وتتسع دوائر الجدل. اللافت أن بعض الأصوات التي كانت تُعد قريبة من السلطة لم تعد تخفي استياءها من الأداء الحكومي، سواء في إدارة الملف الاقتصادي أو في آليات التواصل مع المواطنين. يعكس هذا التحوّل في النبرة تراجعاً في هامش الصبر الشعبي، ويؤشر إلى بداية اهتزاز في صورة المرحلة الانتقالية كما رُسمت في بداياتها.
لا يمكن اختزال حالة الإحباط في عامل واحد، فالوضع الاقتصادي المتردّي هو نتيجة تراكمات ثقيلة خلّفتها سنوات الحرب والعقوبات الأجنبية وتفكك البنية الإنتاجية، ومن الطبيعي أن تكون عملية إعادة بناء مؤسّسات الدولة واستعادة الثقة الداخلية والخارجية ليست مهمة يسيرة أو سريعة، غير أن ما عمّق الشعور بالخيبة وازدياد مشاعر الإحباط هو الفجوة المتنامية بين الوعود المعلنة والنتائج المتحققة على الأرض.
منذ الأيام الأولى، رُفعت سقوف التوقعات بخطابٍ بشّر بانتقال اقتصادي سريع، وزيادات ملموسة في الرواتب، ومشاريع كبرى قادرة على تحريك عجلة التنمية خلال فترة وجيزة. وزاد من مساحة تأثيرها، الحفلات البرّاقة لتوقيع اتفاقيات مليارية كبرى في قطاعات حيوية كثيرة، أقيمت وسط ضجيج إعلامي مبالغ فيه. ومع مرور الوقت، بدت تلك الوعود في نظر كثيرين أقرب إلى رهانات متفائلة منها إلى خطط مدعومة ببيانات واضحة. اصطدمت الطموحات بواقع معقّد: خزينة مثقلة، بنى تحتية مدمّرة، ومناخ استثماري لم يستعد عافيته بعد، واقتصاد يحتاج إلى وقت طويل وإمكانات كبيرة ليدور بإيقاع طبيعي، لا بل لم تبدأ عجلاته بالدوران أصلاً.
في أدبيات الانتقال السياسي، يُعد ارتفاع توقعات المواطنين بعد سقوط الأنظمة أمراً طبيعياً. اللحظة الأولى تُحمَّل عادةً أكثر مما تحتمل، ويُنظر إليها كفرصة لتحقيق إنجازات سريعة تعوّض سنوات الحرمان. لكن التجارب المقارنة تشير إلى أن الفجوة بين الأمل والواقع قد تتحول، إذا لم تُدر بحكمة، إلى أزمة ثقة تطاول العملية الانتقالية برمّتها.
المسؤولية هنا لا تقع على عاتق جهة واحدة. صحيح أن الخطاب الرسمي أسهم في تضخيم الآمال، لكن جزءاً من المشكلة يرتبط أيضاً بثقافة سياسية لم تعتد المصارحة والشفافية. وصراحة ما نحتاج إليه نحن السوريين اليوم ليس مزيداً من الشعارات، بل وضوحاً في الأولويات، وخططاً قابلة للتطبيق، وتواصلاً صريحاً يشرح حدود الممكن وما يمكن فعله.
الإحباط الراهن لا يعني أن المشهد سوداوي تماماً، لكنّه جرس إنذار مبكر.
العربي الجديد



