تحقيقاتسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع
المرسوم 66: تخطيطٌ عمراني كجريمة حرب ليست مجرد حكاية منطقة في دمشق/عبد الحي سيد

- 23-02-2026
-
- لماذا الحديث عن المرسوم 66 لعام 2012؟ ليس لأن هذا المرسوم يطال مساحات واسعة من المزة وكفرسوسة والقنوات وبساتين داريا والقدم والعسّالي، وهي مناطق مركزية وحيوية في دمشق تعرّضت للتدمير والتهجير؛ فالمأساة لم تكن حكراً على هذه الجغرافيا، بل طاولت مئات المدن والبلدات السورية التي شهدت المصير ذاته خلال سنوات الحرب. إن خصوصية المرسوم لا تكمن في اتساع رقعته، بل لأن المرسوم 66 يُكثّف، في رهان واحد، سياقات مُتداخلة ومُتراكبة.أول هذه السياقات هو السياق التاريخي، بوصفه حصيلة سياسات طويلة الأمد للنظام البائد هدفت إلى شيطنة أهالي المنطقة في مساكنهم وأنماط حياتهم واجتماعهم الأهلي، تمهيداً لإعادة تخطيط المنطقة وتسهيل الاستحواذ عليها لصالح فئة ضيقة وشبكاتها الزبائنية، وطرحها لاحقاً للاستثمار العقاري القائم على المُضاربة.ثانيها هو سياق الحرب، المُتمثّل في الكيفية التي تحرّكت بها آلة الإجرام الأسدية لتُسخِّرَ التشريع والتخطيط العمراني كأحد أدوات الحرب، إلى حدٍّ بدا فيه المرسوم وسيلةً لممارسة الحرب بوسائل أخرى، لا تقل أثراً عن البراميل المتفجرة.أما السياق الثالث فهو سياق العدالة الغائبة، المُتمثّل في مرحلة ما بعد سقوط النظام البائد، حيث استمرّت نزعة طرح المنطقة ذاتها على الاستثمار العقاري، مع تجاهلٍ للسياقات التاريخية والقانونية والإنسانية التي أحاطت بها، وذلك في مقابل سعيٍ حثيث ومجتمعي منظّم من الأهالي لاستعادة حقوقهم ووضع الأمور في نصابها الصحيح، أي في إطار العدالة.هذه القصة ليست مجرد حكاية منطقة في دمشق، بل هي نموذج يتشابه مع ما شهدته أحياء عديدة في حلب وحمص وحماة وغيرها من المدن السورية. وهي تُروَى من زاوية الأهالي أنفسهم، لا من منظور الإدارة البلدية أو خطاب الاستثمار أو التخطيط الرسمي. وعليه فإن تناولها يقتضي قدراً من التواضع في السرد، والكثير من الإنصات إلى تجربة من عاشوا المكان وحملوا ذاكرته في تفاصيل حياتهم اليومية، بوصفهم الشهود الأصدق على ما جرى فيه وعليه.من الغوطة إلى «المخالفات»في البدء، وكما هو معلوم، كانت الغوطة، ولا سيما غوطة دمشق الغربية، أراضيَ زراعية بامتياز تقوم على حياة ريفية مُتكاملة في مَأكلها ومَلبسها ومَشربها ومَعاشِها. كانت الحبوب تُزرَع في حقولها، وتنتشر بساتين الأشجار المثمرة في أرجائها، وكانت حقول الصبّار من أبرز معالمها الطبيعية. وقد سعى المخطط العمراني لمدينة دمشق، الذي وُضِعَ بين عامي 1965 و1968 بقيادة المعماري والمخطط الفرنسي ميشيل إيكوشار، إلى الحفاظ على هذه المناطق بطابعها الريفي بوصفها واحات خضراء تحيط بالمدينة وتحمي توازنها البيئي والاجتماعي. غير أن هذا التوجّه لم يصمد طويلاً؛ فمنذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بدأ التمدُّد العمراني لدمشق الحديثة يزحف تدريجياً نحو تلك الأراضي، عبر استملاكات متتابعة وسياسات تنظيم متخبطة، مهّدت لتحوّل بطيء ولكن عميق في طبيعة المكان وحياة أهليه.
بساتين المزة – شباط (فبراير) 1982وفي عام 1983، ومع اندلاع الخلاف بين رفعت الأسد وشقيقه حافظ الأسد، احتلّت سرايا الدفاع كامل بساتين المزة وكفرسوسة، وحوّلتها إلى معسكرات أُدخلت إليها الدبابات والآليات الثقيلة. واستمرَّ هذا الوضع، قرابة سنتين، إلى أن تمّ فكّ الاشتباك بين الأخوين. إلا أن الأثر الذي خلّفته تلك المرحلة كان بالغاً، إذ أدّت حركة الدبابات والآليات إلى تلويث التربة والقضاء على قدرتها الإنتاجية، ما أفقد الأرض جدواها الزراعية. ومع انسحاب سرايا الدفاع، كانت الأرض قد سُحِقَت، وضَعُفَت قدرة الأهالي على الاكتفاء من مردودها. وفي الوقت ذاته، كبرت العائلات وتفرّعت، واشتدّ الضغط الاقتصادي، ما دفع السكان إلى الالتحاق بالعجلة الاقتصادية لمدينة دمشق. غير أن الدخل الذي وفّرته المدينة لم يكن كافياً لتأمين سكن كريم، كما أن المحافظة والجهات الحكومية لم تكن قادرة، أو راغبة، في توفير بدائل سكنية نظامية.أمام هذا الواقع، وبدايةً من النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، شرع الأهالي في بناء مساكن على أراضيهم من دون تراخيص بلدية. غرفةً تلو غرفة، وبيتاً تلو بيت، وحارةً تلو حارة، وغالباً تحت جُنح الظلام تفادياً لدوريات البلدية. وفي هذا السياق، نشط تجّار البناء، فبنوا وباعوا واشتروا من دون توثيق في السجل العقاري، وإنما عبر المحاكم، من خلال دعاوى إقرارية تثبّت البيوع والتصرّفات المتعلقة بتلك المساكن والأبنية المستحدثة.وتنوّعت أوضاع الملكية في المزة وكفرسوسة، وكذلك في داريا والقدم. فمنها أراضٍ زراعية مملوكة ومسجّلة في السجل العقاري، أغلبها مملوك على الشيوع، قام أصحابها بالبناء عليها للسكن أو الإيجار أو البيع. ومنها مساكن بناها تجّار البناء وباعوها مع بقاء الملكيات باسم المالكين الأصليين. ومنها أيضاً أراضٍ جرى استملاكها من قبل جهات الدولة أو المحافظة، إلا أن البناء استمر عليها، سواء من قبل أصحاب الأرض المُستملَكة أو من قبل تجّار البناء.أما تعامل محافظة دمشق وجهات الدولة مع هذا التطوّر العمراني العفوي، فقد اتّسمَ بالالتباسِ والتخبّط. فالمحافظة امتنعت عن منح التراخيص، وامتنعت في الوقت نفسه عن وضع تخطيط عمراني يأخذ في الاعتبار حاجات السكان. وكانت تلاحق المخالفات أحياناً بالهدم، فيما كان بعض موظفيها يتقاضون الرشى لغضّ النظر. وفي موازاة ذلك، اتّخذت القيادة القطرية لحزب البعث في عام 1982 قرارات بتزويد تلك المناطق بالكهرباء والمياه والهاتف، في اعتراف ضمني بالأمر الواقع.
المزة – كفرسوسة 2011اعتباراً من عام 2004، تكثّفَ الحديث الرسمي عن ضرورة معالجة ما بات يُسمّى «مناطق المخالفات» أو العشوائيات. ورافقَ ذلك خطابٌ حكوميٌ يُجرّم هذه المناطق بوصفها مخالِفة للقانون، وخطاب نيوليبرالي يعتبر أن العشوائيات لا تؤمّن العيش الكريم، وتنتشر فيها الجريمةُ والأمراض، بما يستوجب «معالجتها» عبر التنظيم العمراني، وهو ما كان يعني عملياً استملاكَ الدولة لتلك المناطق، وهدمَ المساكن القائمة، وإعادة تخطيطها وفق أسس عمرانية حديثة وعرضها على الاستثمار الذي لن يستفيد منه إلّا أركان وزبانية نظام الأسد.ولا شكَّ أن أوضاع المناطق غير المنظّمة في سوريا كانت متفاوتة من حيث قدرتها على تأمين حياة كريمة لسكانها. غير أن هذا الوصف لم يكن ينطبق على مناطق بساتين المزة وكفرسوسة وداريا. فعلى الرغم من انتشار البناء غير المرخّص، لم يكن البناء عشوائياً بالمعنى الاجتماعي أو العمراني. فقد حرص الأهالي على الإبقاء على مساحات تسمح لهم بحياة لائقة؛ فمن بنى على بستانه، أبقى جزءاً منه ليستعين بمردوده، أو ليكون فضاءً للراحة والاجتماع العائلي.الحرب وتَحوُّلُ القانون إلى سلاحفي عام 2004 شهدت داريا حركات مدنية سلمية قادها شبّان، من بينهم يحيى الشربجي ورفاقه، تمحورت حول مكافحة الفساد وتنظيف الشوارع والأماكن العامة. كانت مبادرات بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت معنى عميقاً لفعلٍ جماعي مستقل. وقد قوبلت هذه التحركات بحملات اعتقال وتعذيب وقمع مفرط، شكّلت مؤشراً مبكراً على طبيعة تعامل النظام مع أي نشاط مدني خارج مظلته.ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، برزت داريا كإحدى المدن التي تميّزت بحراك سلمي منظّم، وكان من رموزه شبّان مثل يحيى الشربجي وغياث مطر. ولم تمضِ فترة طويلة حتى التحقت مناطق بساتين المزة وكفرسوسة بهذا الحراك، فشهدت الساحات المحيطة بجامع الفاروق وجامع الإخلاص وجامع المصطفى وغيرها من الجوامع مظاهرات واسعة ومتكررة. في تلك المرحلة، بدأ بطش الأجهزة الأمنية، ولا سيما الأمن العسكري، يتصاعد عبر حملات اعتقال واسعة وملاحقات ممنهجة.في مواجهة ذلك، ابتكر الأهالي أشكالاً متعددة من الاحتجاج السلمي؛ فكانوا يخرجون ليلاً للتكبير من فوق أسطح منازلهم في توقيت واحد، أو يقرعون الطناجر تعبيراً عن رفضهم، في مشهد ذكّرَ بما فعله الأرجنتينيون خلال أزمتهم الاقتصادية، بوصفه شكلاً من أشكال العصيان المدني الجماعي.ومع مطلع عام 2012، اشتدَّ القمع واتسعت دائرة الاعتقالات والقتل. ففي شباط (فبراير) من ذلك العام، استُشهد ثلاثة شبّان من بساتين المزة: حسام الأصفر، ومحمود كرم، وبلال طويلة. وعلى إثر ذلك خرجت تظاهرة كبيرة، وسط الثلوج، وُصفت بأنها الأكبر في دمشق آنذاك. عبرت أوتستراد المزة، وانضمّ إليها متظاهرون من أحياء المزة الراقية، قبل أن تصل إلى منطقة الشيخ سعد، حيث واجهها النظام بالرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط شهداء آخرين.
مظاهرة المزة – شباط (فبراير) 2012أعقبَ ذلك تضييق مُتزايد، وفرضَ النظامُ حصاراً فعلياً على منطقة بساتين المزة– الرازي وكفرسوسة، وهي منطقة شديدة الحساسية لقربها من السفارة الإيرانية وغيرها من السفارات. ومع اشتداد القبضة الأمنية، بدأ الأهالي بتنظيم صفوفهم، سواء على صعيد الإغاثة أو الحماية الذاتية، ومع مرور الوقت لجأ بعضهم إلى التسلّح في ظل تصاعد العنف وتُحوّل المشهد إلى نزاع مفتوح.في هذا المناخ المتوتر، صدر المرسوم رقم 40 في أيار 2012، المتعلّق بإزالة الأبنية المخالفة، في سياق بدا أقرب إلى إجراء عقابي منه إلى تنظيم عمراني اعتيادي، إذ جاء في ظل واقع نزاع مسلّح كان يتبلور يوماً بعد يوم، ولا سيما في منطقة ذات موقع أمني وسياسي بالغ الحساسية.وفي تموز من العام نفسه وقع تفجير ما عُرف بـ«خلية الأزمة»، وفي اليوم ذاته شرع النظام في شنّ حملة عسكرية واسعة النطاق على المنطقة، مستخدماً مختلف صنوف الأسلحة، بما فيها الطيران الحربي، وعلى مدى عدة أيام، بهدف إحكام السيطرة الكاملة عليها. وبعد انتهاء العمليات العسكرية المباشرة، مع الإبقاء على الحصار المفروض على بساتين المزة وكفرسوسة، باشرت السلطات البلدية حملة واسعة لطرد الأهالي من منازلهم، ولا سيما أولئك الذين عُرِفَ عنهم انخراطهم في الحراك الثوري، وجرى هدم المنازل بالجرافات استناداً إلى المرسوم 40.
بساتين المزة – كفرسوسة – تموز (يوليو) 2012في أيلول 2012 أصدرت لجان التنسيق المحلية، التي كانت تقودها المحامية المُغيَّبة رزان زيتونة، بياناً عاجلاً اعتبرت فيه أن هدم المنازل على نحو عقابي في تلك المناطق يرقى إلى جريمة حرب. وفي الشهر ذاته صدر المرسوم 66، ليكمل ما بدأته العمليات العسكرية، ولكن بوسيلة تشريعية. لاحقاً، صدر تقرير مُفصَّل عن منظمة هيومن رايتس ووتش بشأن هدم المنازل في أحياء من دمشق وحلب، ومنها مناطق شرق المزة وكفرسوسة، مؤكداً أن تلك الإجراءات تمثّل استمراراً للحرب بوسائل أخرى، وتهدف إلى تهجير سكان مناطقَ مُعارِضة، وهو ما يندرج في إطار الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.
إعلانات مشروع ماروتا سيتي – حاجز الرازي – 2015المرسوم 66 بوصفه جريمة حربيُعدّ المرسوم 66 لعام 2012 الإطارَ الذي اعتمدته سلطةُ النظام البائد تحت شعار «تطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي». غير أنّ أثره العملي كان غير ذلك تماماً؛ إذ نقلَ تلك المناطق إلى نظامٍ استثنائي أعاد تعريف المُلكية ذاتها.فقد جرى بموجب المرسوم 66 إحداث مخططين تنظيميين رئيسيين خضعا لاحقاً لتعديلات متكررة: المخطط رقم 101 المعروف بـ«ماروتا سيتي»، ويشمل بساتين المزة خلف مشفى الرازي وأجزاء من كفرسوسة، بمساحة تقارب 214 هكتاراً؛ والمخطط رقم 102 المعروف بـ«باسيليا سيتي»، ويغطي الجزء الأكبر من كفرسوسة وداريا والقنوات وبساتينها وصولاً إلى أطراف القدم، بمساحة تقارب 880 هكتاراً. وكانت الصدمة الأولى، وفق ما يُجمِعُ عليه الأهالي، في رسم هذه المخططات نفسها، إذ لم تُبقِ لهم سوى نحو 17 بالمئة فقط من المساحات المنظمة.وبعد ذلك أُجبر الأهالي على إخلاء منازلهم التي شُيّدت على مدى سنوات طويلة، من دون أن تتوافر لكثيرين منهم أي بدائل حقيقية للسكن. ومن استطاع أن يجد مأوىً له ولعائلته، اضطر إلى دفع إيجارات باهظة لا تُحتمَل. وفي مشهد بالغ القسوة، عمد بعض الأهالي إلى هدم بيوتهم بأيديهم قبل وصول الجرافات، لا رغبةً في ذلك، بل لانتزاع الحديد من الخرسانة تَدبُّراً لحالهم، وبيعه عبر سماسرة الحرب، ليُعاد صهره في معامل يملكها مُقرّبون من النظام.
أهالٍ يهدمون بيوتهم بأيديهم لانتزاع حديدها قبل أن تبتلع إسمنتها الجرافاتثم بدأ مسار انتزاع الملكية بطابع تراكمي وعلى طبقات متعاقبة. فقد اعترفت المحافظة بعدد من المالكين وأصحاب الحقوق يقلُّ كثيراً عن العدد الحقيقي لأصحاب الحقوق الفعليين، ما شكّلَ الطبقة الأولى من نزعِ المُلكية. تلا ذلك احتسابُ حقوق المُعترَف بهم بقيم متدنية بعيدة عن قيمتها الحقيقية، ومنحهم بدلاً منها أسهماً على الشيوع في كامل المنطقة التنظيمية. وهكذا انتقلَ أصحاب الحقوق من مُلكية محددة في حيّزٍ مَكاني معلوم، بحدوده وقيمته، إلى مُلكية سهمية مُجرَّدة منخفضة القيمة وعالية الهشاشة، لتتشكل الطبقة الثانية من نزعِ المُلكية.
حياة وذاكرة على شاحنة صغيرةوفي مرحلة لاحقة، وبعد الاعتراف لعدد محدود فقط بأحقيتهم في السكن البديل، جرى احتسابُ كلفة الشقق التي «يستحقونها» كسكن بديل بقيم مرتفعة لا تتناسب إطلاقاً مع قيمة الأسهم المُخصَّصة لهم، بحيث لم تكن هذه الأسهم تكفي لتغطية جزء يسير، بل أقل من عُشر كلفة المسكن البديل. وطُلِبَ منهم تسديد الفارق المالي للحصول على الشقق. وبما أن الغالبية الساحقة لم تكن قادرة على ذلك، وجدت نفسها أمام واقع لا تُمكِّنُها فيه أَسهُمُها حتى من تأمين مساحات صغيرة، فأصبح الحصول على السكن البديل شبه مستحيل، ما دفع كثيرين قسراً إلى بيع أسهمهم وحقوقهم. وهنا برزت الطبقة الثالثة من نزعِ المُلكية.ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ فُرِضَ على المالكين دفعُ أثمان شقق تقلُّ مساحتها عمّا كانوا يملكونه سابقاً، وبشروط يعجز كثيرون عن الوفاء بها حتى عبر التقسيط، ما أدى إلى بيع ما تبقى لهم من أسهم وحقوق، لتتكشف الطبقة الرابعة من نزعِ المُلكية. بالمقابل، خُصِّصت مقاسم كاملة لجهات وشخصيات مرتبطة بالنظام، واستُثمرت لاحقاً كمشاريع تطوير عقاري فاخرة طُرحت بأسعار باهظة لا تمت بصلة إلى الواقع الاجتماعي للمنطقة أو إلى أهلها الأصليين.أما بدلات الإيجار السنوية التي مُنحت للأهالي ريثما يُنجَز السكن البديل، فلم تكن تكفي لتغطية إيجار شهر واحد في أبعد أحياء دمشق، ما جعل «التعويض» شكلياً، وأكمل عملياً حلقات الإقصاء والاقتلاع. وبناء عليه، أظهر التطبيق العملي للمرسوم 66 أن «التنظيم» لم يكن مساراً تقنياً محايداً، بل آلية مركّبة لنزعِ المُلكية على مراحل متتالية: اعترافٌ جزئي بالمالكين، تقديرٌ متدنٍّ للحقوق، تحويلها إلى أسهم شائعة مجرّدة، ثم تحميلُ أصحابها أكلافاً باهظة للسكن البديل لا تتناسب مع قيمتها، بما دفع الكثيرين إلى الخروج النهائي من المكان. وفي مقابل هذا الإفقار المنهجي، أُعيدَ تشكيل الحيّز العمراني لصالح مشاريع استثمارية فاخرة، ليغدو المرسوم أداة متكاملة لإقصاء السكان الأصليين وإعادة إنتاج المكان على حسابهم.ويوحي تسلسلُ الأحداث بأن صدور المرسوم 66 جاء في أعقاب أعمال عسكرية عنيفة، وفي ظل حصار خانق فرضته الأجهزة الأمنية، ولا سيما الأمن العسكري، على المنطقة. فقد صدر في سياق نزاع مسلح غير دولي، واستُخدم كأداة لهدم المنازل على نحو عقابي بهدف تهجير السكان قسراً، في وظيفة لا تختلف في جوهرها عن استخدام البراميل المتفجرة، وإن اختلفت الوسيلة والشكل القانوني.وفي تلك المرحلة، كان القانون الدولي الإنساني، ولا سيما البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف، وتحديداً البروتوكول الثاني الذي يُعَدّ مُعبِّراً عن قواعد القانون الدولي العرفي – نظراً إلى أن سورية لم تصادق عليه – يكرّس مبدأ التمييز الصارم بين الأعيان المدنية والأعيان العسكرية. كما يقرّ القانون الجنائي الدولي بأن تدمير الممتلكات أو مصادرتها أو هدمها، متى تمَّ خارج إطار الضرورات العسكرية المشروعة، يُعَدّ جريمة حرب لكونه انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني.ثم إن المنطقة المشمولة بالمرسوم لم تكن هامشية في حسابات النظام البائد؛ فهي تقع مباشرة خلف السفارة الإيرانية، وتُجاور مفاصل سيادية حسّاسة في قلب العاصمة، كرئاسة الوزارة ووزارة الخارجية وفرع المنطقة وهو أحد فروع أمن الدولة سيئة الصيت. وفي مثل هذا الموقع، لم يكن ممكناً الإبقاء طويلاً على حرب مفتوحة وحصار ممتد بالطريقة التي اعتُمدت في أطراف دمشق، فكان لا بد من أدوات أخرى تحقق الهدف ذاته: تفريغ المكان من سكانه وإعادة تشكيله. وهكذا، بينما استُخدِمَت البراميل المتفجرة في جوبر واليرموك ومناطق أبعد عن مركز الحساسية الدبلوماسية، جاء المرسوم 66 ليؤدي وظيفة موازية بوسيلة «قانونية» ظاهرية، أي تهجير قسري مقنّع تحت عنوان التنظيم، ينتهي إلى النتيجة نفسها: إخراج السكان من أرضهم وإحلال منطق السيطرة والاستحواذ محلّ حقهم في السكن والملكية والعودة.
الوسيلة تختلف، والاقتلاع واحد؛ الهدم في مكان والبراميل في مكان آخرولذلك، يحظى اعتبار المرسوم 66 جريمة حرب بتوافق واسع لدى منظمات دولية كبرى، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إضافة إلى معظم المنظمات السورية المعنية بالتوثيق والمُناصرة، التي رأت فيه أداة قانونية استُخدِمَت لاستكمال الحرب بوسائل أخرى.ما بعد سقوط النظام: صراع العدالة والاستثماربعد سقوط النظام البائد، وجد الأهالي فرصة تاريخية لطرح المظالم التي نشأت عن تطبيق المرسوم 66، شأنهم في ذلك شأن سكان مناطق سورية أخرى خضعت لإجراءات تنظيمية مجحفة ومماثلة. غير أن هذا الانفتاح على النقاش الحقوقي تزامن مع مسار موازٍ تَبنّته محافظة دمشق، إذ واصلت التعامل مع منطقتي ماروتا وباسيليا، المنشأتين بموجب المرسوم 66، بوصفهما مشروعين استثماريين قائمين. ففي تموز (يوليو) 2025 جرى تسويق المنطقتين للاستثمار الأجنبي خلال مؤتمر الاستثمار السوري–السعودي الذي عُقد في القصر الجمهوري، ثم أُعلنَ في آب (أغسطس) من العام نفسه عن توقيع عقد مع مستثمر إماراتي من أصل سوري لبناء خمسة وعشرين برجاً مخصّصاً لما سُمّي «السكن البديل»، قالت المحافظة إنه سيؤمّن مساكن لنحو 3500 عائلة. وقد تمّ كلُّ ذلك من دون أي تشاور فعلي مع الأهالي، ومن دون وضوح في الآليات التي اعتُمِدَت لطرح هذه المشاريع أو التعاقد بشأنها.في مواجهة هذا الواقع، نشط الأهالي في المطالبة بحقوقهم الناشئة عن المظالم التي لحقت بهم نتيجة المرسوم 66. فاتجه بعضهم إلى تشكيل لجان من الاختصاصيين، ولا سيما من المهندسين والمحامين، لوضع رؤية قانونية وعمرانية تقوم على تعديل المرسوم، والانخراط في حوار مع مسؤولي المحافظة، انطلاقاً من أن المرسوم أَوجَدَ واقعاً قانونياً جديداً يتضمّنُ حقوقاً مكتسبة لبعض المتضرّرين الذين خُصِّصوا بمساكن أو مقاسم. بالمقابل، تبنّى آخرون موقفاً أكثر جذرية، مطالبين بإلغاء المرسوم 66 برمّته، وشكّلوا «رابطة إسقاط المرسوم 66»، معتبرين أن المرسوم في ذاته يُشكّل جريمة حرب لا يمكن تصحيحها أو ترميمها عبر التعديل.وفي خضمّ هذا الجدل، أصدرت ما سُمّي «لجنة المقاولين في مشروعي ماروتا وباسيليا» في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 بياناً أعلنت فيه موقفاً مضاداً، رأت فيه أن المرسوم يراعي حقوق الأهالي بشكل عادل ومنصف، ودعت إلى الاستمرار في تنفيذ المشروع، بما عكسَ عُمقَ الانقسام القائم حول معنى «التنظيم» وحدوده بين منطق العدالة ومنطق الاستثمار.
ماروتا سيتي 2025أخيراً، وتحت ضغط المطالبات الشعبية وتنظيم الأهالي لعملهم الحقوقي، أعلنت محافظة دمشق إيقاف العمل بالمرسوم 66، كما أعلنت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في كانون الأول 2025 عن تشكيل لجنة لبحث واقع المناطق المشمولة به. وفي هذا السياق، طالبَ الأهالي بالمشاركة الفعلية في أعمال اللجنة بوصفهم أصحاب الحق المباشر، ضَماناً لعدم إعادة معالجة قضيتهم من فوق رؤوسهم أو بمنطقٍ يتجاهلُ مظالمهم وتجربتهم. إلا أن المعطيات التي خرجت من الاجتماعات مع لجنة الأمانة العامة، كما نقلها ممثلو الأهالي، لم تكن مُرضية. ماذا بعد؟لقد كان من أهم ما حققته الثورة السورية أنها رسّخت وعياً عاماً بالحقوق، وأكدت أن الناس لم يعودوا مستعدين للسكوت عن أي انتهاك، أيّاً كان مصدره أو غطاؤه القانوني. وفي هذا الإطار، لا يصحّ التعامل مع المرسوم 66 بوصفه قانون تخطيط عمراني صدرَ في ظروف طبيعية، بل ينبغي فهمه كإجراء شُرِّعَ وطُبِّقَ في سياق نزاع مسلح غير دولي، واستُخدِمَ كأداة من أدوات الحرب.وعليه، فإن أي نقاش حول مصيره لا يمكن أن ينطلق من اعتبارات إدارية أو استثمارية بحتة، بل من مفهوم العدالة بعد النزاع؛ أي العدالة التي تنظر إلى المكان من زاوية الضحايا لا من زاوية السلطة أو السوق، وهو ما تُشكِّلُ العدالةُ الانتقالية إطارَهُ الطبيعي. ويعني ذلك أن منزوعي المُلكية والمهجّرين هم محورُ القضية وأساسُها، وأنهم يجب أن يكونوا في صدارة عملية اتخاذ القرار، لا على هامشها. ويستدعي هذا التوجّه نقلَ النقاش من أروقة المحافظة والقرارات الإدارية المغلقة إلى الإطار المؤسسي المختص بقضايا ما بعد النزاع، أي هيئة العدالة الانتقالية. كما يفرضُ الاعترافَ بالأهالي بوصفهم ضحايا لهم حقوق ثابتة، تستوجب جبر الضرر الناجم عن المرسوم أو التعويض الكامل عنه، لا إعادة تحميلهم أعباء مالية جديدة تحت عنوان السكن البديل، أو تقليص حقوقهم، أو تكريس واقع التشرُّد الذي فُرِضَ عليهم.وفي المحصلة، لا تبدو القضية بحاجة إلى حلول تكنوقراطية جاهزة بقدر ما تحتاج إلى إعادة وضعها في نصابها الصحيح: نصاب العدالة. فالمعيار الحاسم لأي معالجة يجب أن يكون ما يرتضيه الضحايا أنفسهم، لا ما يُفرَضُ عليهم باسم التنظيم أو التطوير. - موقع الجمهورية
- لماذا الحديث عن المرسوم 66 لعام 2012؟ ليس لأن هذا المرسوم يطال مساحات واسعة من المزة وكفرسوسة والقنوات وبساتين داريا والقدم والعسّالي، وهي مناطق مركزية وحيوية في دمشق تعرّضت للتدمير والتهجير؛ فالمأساة لم تكن حكراً على هذه الجغرافيا، بل طاولت مئات المدن والبلدات السورية التي شهدت المصير ذاته خلال سنوات الحرب. إن خصوصية المرسوم لا تكمن في اتساع رقعته، بل لأن المرسوم 66 يُكثّف، في رهان واحد، سياقات مُتداخلة ومُتراكبة.أول هذه السياقات هو السياق التاريخي، بوصفه حصيلة سياسات طويلة الأمد للنظام البائد هدفت إلى شيطنة أهالي المنطقة في مساكنهم وأنماط حياتهم واجتماعهم الأهلي، تمهيداً لإعادة تخطيط المنطقة وتسهيل الاستحواذ عليها لصالح فئة ضيقة وشبكاتها الزبائنية، وطرحها لاحقاً للاستثمار العقاري القائم على المُضاربة.ثانيها هو سياق الحرب، المُتمثّل في الكيفية التي تحرّكت بها آلة الإجرام الأسدية لتُسخِّرَ التشريع والتخطيط العمراني كأحد أدوات الحرب، إلى حدٍّ بدا فيه المرسوم وسيلةً لممارسة الحرب بوسائل أخرى، لا تقل أثراً عن البراميل المتفجرة.أما السياق الثالث فهو سياق العدالة الغائبة، المُتمثّل في مرحلة ما بعد سقوط النظام البائد، حيث استمرّت نزعة طرح المنطقة ذاتها على الاستثمار العقاري، مع تجاهلٍ للسياقات التاريخية والقانونية والإنسانية التي أحاطت بها، وذلك في مقابل سعيٍ حثيث ومجتمعي منظّم من الأهالي لاستعادة حقوقهم ووضع الأمور في نصابها الصحيح، أي في إطار العدالة.هذه القصة ليست مجرد حكاية منطقة في دمشق، بل هي نموذج يتشابه مع ما شهدته أحياء عديدة في حلب وحمص وحماة وغيرها من المدن السورية. وهي تُروَى من زاوية الأهالي أنفسهم، لا من منظور الإدارة البلدية أو خطاب الاستثمار أو التخطيط الرسمي. وعليه فإن تناولها يقتضي قدراً من التواضع في السرد، والكثير من الإنصات إلى تجربة من عاشوا المكان وحملوا ذاكرته في تفاصيل حياتهم اليومية، بوصفهم الشهود الأصدق على ما جرى فيه وعليه.من الغوطة إلى «المخالفات»في البدء، وكما هو معلوم، كانت الغوطة، ولا سيما غوطة دمشق الغربية، أراضيَ زراعية بامتياز تقوم على حياة ريفية مُتكاملة في مَأكلها ومَلبسها ومَشربها ومَعاشِها. كانت الحبوب تُزرَع في حقولها، وتنتشر بساتين الأشجار المثمرة في أرجائها، وكانت حقول الصبّار من أبرز معالمها الطبيعية. وقد سعى المخطط العمراني لمدينة دمشق، الذي وُضِعَ بين عامي 1965 و1968 بقيادة المعماري والمخطط الفرنسي ميشيل إيكوشار، إلى الحفاظ على هذه المناطق بطابعها الريفي بوصفها واحات خضراء تحيط بالمدينة وتحمي توازنها البيئي والاجتماعي. غير أن هذا التوجّه لم يصمد طويلاً؛ فمنذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بدأ التمدُّد العمراني لدمشق الحديثة يزحف تدريجياً نحو تلك الأراضي، عبر استملاكات متتابعة وسياسات تنظيم متخبطة، مهّدت لتحوّل بطيء ولكن عميق في طبيعة المكان وحياة أهليه.



