سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعشهادات

ربيع وعاصفة في داريا: عن رحلة إلى البيت، أو ما تبقّى منه/ شيرين الحايك

22-02-2026

        * * * * *

        وصلنا مع بداية العاصفة. شوارعُ قليلة تفصلنا عن بعض الذكريات وقدرٌ كبيرٌ من الصدمة، ومع ذلك لم نعرف نحن الثلاثة كيف نصل، فمعظم نقاط العلّام التي نعرفها قد اختفت؛ جزء طويل من الطريق بلا أيّ معلم كأنه صحراء، أو كأنه طريق سريع في فيلم أميركيّ يُقتَل فيه أحدهم!

        قالت ابنة خالي، التي كانت ترافقنا ولم تغادر دمشق طيلة السنوات الماضية، إن هذه المنطقة كانت ذات يوم عامرة بالمنازل؛ هذه العبارة كانت أثقل على عقلي من الفراغ نفسه. غطى الركام والغبار طرفي الشارع، وبدا في لحظة معينة كما لو أنه أعلى من السيارة، حتى شعرتُ بأننا أصغر بكثير مما نحن عليه مقارنةً به. لكنني لم أتوقع أن أضطر إلى تخيُّلِ أن ما يحيط بنا الآن هو قبرٌ كبير حُفِرَ من السماء؛ قبرٌ لكلّ ما كان هنا. فتاتٌ بقي ليُذكِّرَ بأنّ بشراً في يوم ما أطلقوا على بقعة من هذا الفراغ اسم «البيت». لمحتُ من بعيد بقايا ركام لبناء ساعدني على تقبُّل الفكرة؛ شيء ما يُثبت أنّ شيئاً آخر كان هنا.

        كنتُ بحاجة إلى أيّ شيء يُساعد عقلي على تَخيُّل أنّ هذه المساحة المربوطة بالسماء كانت مليئة بالبيوت!

        يُقال إنّ داريا هي أكثر مدينة في الغوطة تعرضت للضرب بالبراميل، لا أعتقد أنّ أحداً قادر على تأكيد ذلك أو نفيه، لكن المؤكد أن حجم هذا الدمار لا يُمكن لعاقل أن يفعله بشعب!

        عدّة كيلومترات من اللاشيء المحيط بنا. ركام رمليّ غطّى طرفي الشارع وفراغ من المساحات يمتد خلفه قبل أن تظهرَ السماءُ في الأفق. كانت السماء شديدة الزرقة يومها، الطقس بارد، والغيومُ بعضها يُوحي بالعاصفة وبعضُها بالربيع، البرد ثلجيّ والأخبار تتحدث عن بداية العاصفة الليلة.

        وهكذا كنّا نحن أيضاً؛ العاصفة والربيع. سنوات طويلة من القتل جعلت القهر شعوراً يُرافق اليوميات، يجيء ويذهب ويطغى على ما سواه من المشاعر الأخرى في لحظات التذكُّر. لكن في يوم زيارة داريا، تجسّدت مشاعرُ أعمقُ من القهر ذاته، ولا أعرف إن اضطّرَ أحدٌ يوماً إلى إيجاد اسم لها، كأنَّ القهر تراكمَ في طبقات بعضها فوق الآخر، وكلّ طبقة تحمل نوعاً مختلفاً منه، تفصل بينها لحظات مليئة بالسعادة، سعادةِ وجودنا هنا وقدرتنا على إدراك هذا الشعور، وعلى إدراك أنه ماضٍ وانتهى رغم أنه لم يبلغ اكتمال نهايته بعد. مشاعرُ تبدأ بالخلاص من الطاغية، وتتجسد في حجم الكارثة التي خلَّفها في كلّ التفاصيل المشوهة حولنا اليوم، عمرانياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً وخدماتياً. الربيع والعاصفة.

        حين وصلنا إلى المبنى الذي كنّا نبحث عنه، نزلنا من السيارة واتجهنا نحو المدخل. قالت أمّي مُحاوِلةً تخفيف وطأة المشهد بالمزاح: «سأعزمكم على فنجان قهوة في بيتي، تفضلوا»!

        وصلنا إلى الشقّة التي لم ترَها أمي منذ 14 عاماً. كانت أوّل من صعد الدرج، وما إن بلغت عتبة البيت حتى صاحت قائلة: «لا يوجد باب!». وصلتُ بعدها بثوان ومعي ابنة خالي، وعلى الرغم من معرفتي بأنّ ما سنراه هو الدمار، إلّا أنني فوجئت، وتلاشى كل شكّ صغير لدي عن حجم ما حصل. صمتنا جميعاً. كانت أمّي تقف أمام شيء يشبه مدخل مغارة؛ هنا باب المنزل. حاولت أمّي أن تُلطِّفَ المشهد وتُمازِحنا لكنها لم تستطع، فأخذت تبكي، ثم وضعت يدها على الحائط وصرخت كأنَّ صوتها يأتي من مكان عميق في داخلها: «هاد بيتي!!».

        كان الركام المنتشر يفرض علينا أن نخطو درجة نحو الأعلى لندخل للمكان، وقفنا في مكاننا، فكلّ ما في الداخل هو ركام فوق ركام وأحجار وبقايا حريق. وقفنا بصمت. ثمّ انفعلت أمّي وقالت: «والله لأدخل، هاد بيتي». كانت تُردِّدُها باستمرار؛ «هاد بيتي»، وكأنها تؤكد على الأمر، أو لعلها كانت تُعيد امتلاك البيت اليوم، لا أدري! فكثافة اللحظات كانت تُعيقني عن فهم كلّ ما أشعر به أو يدور حولي.

        أمسكتُ بيدها وحاولتُ منعها من الدخول كمن يمنع متأثراً من محاولة إيقاظ جثّة، لكنها دفعتني إلى الوراء وتقدمت وهي تبكي وتُردد: «هاد بيتي ما حدا رح يمنعني أدخل، هاد بيتي». أسندتُها، دخلَتْ ودخلنا. لم يبقَ هناك أيّ معلم للمنزل، كان المشهد أشبه بكومة من قطع الليغو بعد أن ينتهي الأطفال من اللعب بها ويتركوها مبعثرة، مع فارق أن من كانوا يلعبون بنا ليسوا أطفالاً، وما نراه هنا لم يكن قطعاً ملونة صغيرة، بل قطعاً سوداء ورمادية كبيرة وثقيلة.

        رأينا كرسي الحمّام المُحطَّم، ومنه بدأت أمي ترسم خارطة البيت وتُشير إلى أقسامه. هنا كان الحمام، هناك المطبخ، وهذه غرفة الجلوس. «هاد بيتي»، ثم راحت تسرد كيف اشترته وماذا باعت وماذا فعلت حتى استطاعت سَداد ثمنه: «هاد البيت ما ورثته، ولا ربحته، هاد البيت أنا اشتريته!»، ثم بكت بحرقة، وهي ترمي بجملة «هاد بيتي» بين عباراتٍ أخرى.

        رأينا امرأةً تُلوِّحُ لنا من البناء المقابل. اقتربنا وألقينا السلام. قالت مبتسمةً: «إن شالله راجعين تسكنوا هون؟ مستوحشين لحالنا!».

        أَنظرُ حولي، ولا أعرف، هل تَرى ما نراه حتّى تطرحَ علينا هذا السؤال؟

        – «بنتسلى برمضان سوا، معلش، حالكم حال هالناس.. كتير ناس كانت بيوتها مدمرة، بس بضل الواحد بيته أحسن من الإيجار»!

        ثمّ بدأت تُسهب في النصيحة وتُزوِّدُنا من خبرتها: «أوّل شي بتجيبوا سيارة بتنقل الحجارة والردم، بضل شوية غبرا، بتنضفوهم، وبتحطوا كم بلوكة، وتدبروا حالكم بكم فرشة، بينما الله ييسر الحال»، ثمّ استرسلت: «عنا رقم سيارة بتشيل الردم، بتاخد حوالي مليون والباقي بسيطة بتدبر»!

        بدا الأمر سهلاً جداً وهي تشرحه، وأنا أنظر حولي، وأهزّ رأسي موافقةً على مضض كي لا أُطيلَ الحديث.

        «غبرا»!، قالت «شوية غبرا».

        – «عم يقولوا الكهربا والمي بدا تتحسن على رمضان».

        أوافق مرّة أخرى بابتسامة من لا يملكُ ما يقوله؛ لم أكن قد وصلت بالتفكير إلى مسألة الخدمات بعد!

        بدأت تمطر بخفّة رذاذاً ناعماً ومتقطِّعاً. لا أعتقد أنّ السماء كانت تبكي معنا كما نواسي أنفسنا عادةً، بل أعتقد أنّ السماء كانت توحي لنا بالمغادرة. 

        نحن البشر كثيراً ما نُلقي رغباتنا على إرادةٍ ما خارجية، فنقول إنّ السماء تبكي معنا لأنّنا نشعر بأنّ ما نَقدرُ عليه من البكاء لا يكفي. نقول بأنّ السماء توحي لنا بأن نغادر لأننا لا نمتلك الجرأة على اتخاذ هذا القرار. فها نحن هنا في بيت والدتي التي انتظرت سنيناً لتزوره، ها نحن هنا أخيراً، لكنني في مكانٍ ما من عقلي أريد المغادرة، أريد أن أغادر وأكرر المحاولة، علّه في المرّة القادمة يكون أقلّ تدميراً؟ علّه يكون صالحاً لبعض الحياة؟ علّها لا تبكي؟ علَّ أمراً مختلفاً يحصل ونعود بالزمن ولا يقتلنا بشار الأسد بهذه الوحشيّة.

        أحاول أن أتخيَّلَ ما الذي جرى هنا، وسؤال لا يفارقني عمّا إذا كان أحدهم قد قُتل في هذا المكان.

        في الطابق الأوّل هناك سلسلة من الفتحات في الجدران الموازية لبعضها. كان المقاتلون يستخدمونها للمرور من مبنى إلى آخر دون أن يراهم القناص أو الجيش في الطرقات. كان بيت والدتي خطّ الجبهة الأوّل.

        أقف أمام هذه الفتحات وأحاول سماع أنفاسهم وهم يقتلعون الحجارة من الجدار كي يعبروا، دقات قلوبهم، لهفتهم، أصوات مطارقهم على الجدار، غبار المعركة. أفكِّرُ كيفَ أننا تشاركنا مُلكيّة هذا المكان، وتشاركنا مَحبّته.

        شباب داريا الذين عُرِفوا منذ بداية الثورة بسلميتهم حتّى الموت. داريا التي كان معظم مقاتليها من شبابها، الذين استخدموا السلميّة دائماً وحملوا السلاح للدفاع عن هذه السلميّة.

        لم تسكن أمّي هذا البيت أبداً. اشترته كنوعٍ من الاستثمار وجهّزته وفرشته وأَجَّرته في نهاية 2009. كان المُلكيّة الوحيدة التي اختارت أن تشتريها. سألتها بخجلٍ عمّا إذا كنا نعرف شيئاً عن العائلة التي استأجرت المكان. أجابت بالنفي، وتمنت أن يكونوا على قيد الحياة، وعمَّ الصمت واستمرَّ حتّى غادرنا.

        أتخيّلُ نوع السلاح الذي استُخدِم لتدمير المبنى المجاور، حيث تسكن الجارة التي حَدَّثتنا. من المؤكد أنه غير قابل للسكن، لكنهم عادوا وسكنوه هرباً من الإيجارات المرتفعة في دمشق. بيتها في الطابق الثاني، أمّا الطابق الأرضيّ فدماره من نوع آخر وكأنّ شيئاً انفجر هنا، لكنه لم يسقط من السماء، أو لعله سقط منها لكنه التفَّ بطريقة لم أدرسها في الفيزياء. أنا لا أعرف الكثير عن الأسلحة، ومع ذلك أحاول أتخيّلَ ما الذي يُمكن أن يدمّر المبنى من الأسفل دون أن يخلف الدمار نفسه من الأعلى؟ المشهد يبدو معكوساً، وكأنّ القصف جاء من الأسفل، والقصف لا يأتي عادةً من ذلك الاتجاه!

        سألتُ أحد الأصدقاء ممن لم يغادروا داريا، فقال إنّ الجيش كان يُفخخ عدداً من الأبنية ويُفجرها عندما تسمح الفرصة. أو قد يكون الخيار الآخر وهو صاروخ الفيل! أو صاروخ أبو شخرة. فهذه النوعية من الصواريخ كانت تخترق ثمّ تنفجر، وبحكم وجود مساحة مفتوحة بالقرب من المبنى فلربما كان هذا «الأبو شخرة» هو من اخترقَ وفجّر.

        أمشي مُغادِرةً المكان، أُلقي نظرة أخيرة، لعلّي ألمحُ شيئاً لم ألتقطهُ وسطَ ضجيج المشهد. تقع عيني على سلسلة من الفتحات في الحائط. أراها تشبه رأس حافظ الأسد. أبتسم؛ لقد حطّم أحدهم رأس حافظ الأسد هنا لينجو من قناصِّي ابنه.

        أقف أمام هذه الفتحة، وأقرأ الفاتحة لأرواح السواعد التي جرّبت من هنا، من منزل أمّي، أن تقاوم بشار الأسد بكلّ إجرامه، حتّى آخر باص أخضر غادر المدينة في 26/8/2016.

        نركبُ السيارة وننطلق وقلبي مليء بالتحيّة والسلام لأهالي داريا العائدين إليها اليوم، والمغتربين عنها، وكلّ من دُفن فيها، عَلَّنا نصونُ الأمانة.

كتبتُ هذا النص في شباط (فبراير) 2025، مع أول زيارة إلى داريا بعد سقوط نظام الأسد، لكن نشره استغرق عاماً كاملاً من الإدراك.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى