سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

سورية بين المؤتمرات الطائفية والسياسة الوطنية/ عمار ديوب

28 فبراير 2026

المؤتمر المسيحي الأول، المؤتمر العلوي، المؤتمر الدرزي، المؤتمر الكردي… هكذا تتوالى التعبيرات السياسية العصبوية في الخارج. هذا جديد في الساحة السورية، وهو يتوطّد منذ عام، وبشكلٍ موسّع، وربّما ستتوالى هذه التعبيرات لتتطابق مع التنوّع الديني والقومي والإثني لاحقاً. لم تنعقد في الداخل، بل في الخارج، وتعبيراً عن انسداد الآفاق، والاستثمار فيها خارجياً، ودعماً لقضاياها وقضايا الوطن، كما تدّعي. هذه التعبيرات مؤشّراتٌ لتفكّكٍ مجتمعيٍّ حادٍّ، وتذمّرٍ سياسيٍّ من سياسات السلطة، التي تقدّم نفسها معبّرةً عن الطائفة السنّية. وبالتالي، يجد سياسيو هذه التعبيرات أنفسهم في موقع النبذ وخارج المجال السياسي، والتهميش، ويحاولون العودة إلى المجال العام وفقاً للمحاصصات الطائفية أو القومية.

المؤتمر المسيحي الذي سينعقد هو الأول من نوعه، وستتمثّل فيه الطوائف المسيحية كافّة، وللدفاع عن مصالحهم كما يدّعي. وبالتالي، وفي ظلّ انغلاق المجال العام، فإن المجال الطائفي هو الذي يتقدّم في سورية، وسيتكوّن منه المجال العام ليصبح طائفياً، وبذلك يترسّخ الوطن “الطائفي”. سورية بذلك تتأسّس على منوال لبنان أو العراق الفاشلَين. فهل هذا هو المخرج لأزمات السلطة في دمشق ولهذه التعبيرات، وللجماعات الدينية أو القومية التي تدافع عنه؟ وهل بهذا الشكل “النضالي” تتحقّق مصالح هذه الجماعات ومصالح السلطة ذات الخلفية الإسلامية؟

كانت هناك توازنات دينية يعمل وفقها حافظ وبشّار الأسد في مؤسّسات الدولة أو السلطة، لكنّها كانت “تكنوقراطية” ولم تكن سياسية في أي حال؛ كانت من أجل تأبيد السلطة أولاً. أمّا السلطة الراهنة فتتبنّى سياساتٍ خاصّة بإدارة المرحلة الانتقالية، وهي سياساتٌ أججت الطائفية، وكانت حصيلة ذلك التعبيرات أعلاه، التي ظهرت إثر انتهاكات طاولت السوريين الدروز والعلويين، وتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، وجملة انتهاكات ضدّ المسيحيين. فكانت الحصيلة تسييس المسيحيين الآن، وصولاً إلى اجتماع اللجنة التحضيرية للاجتماع الأول للمسيحيين. لم تظهر هذه التعبيرات حبّاً في تسييس الهُويّات الدينية، وقد نجد الأمر عند بعض المجموعات الهامشية؛ بل ظهرت تعبيراً حادّاً عن أزمة وطنية وردّاً على سياسات الإدارة الجديدة التي تستأثر بالسلطات كلّها وبالدولة، ورفضاً لها.

لم تكن معارضة بشّار الأسد منذ 2011 تتبنّى مشروعاً وطنياً متكاملاً، وبالتأكيد لا علاقة للفصائل الإسلامية بالمشروع الوطني، فهي ذات مشاريع إسلامية للوطن. كانت تلك المعارضة تدفع المعارضين من أصول علوية أو مسيحية أو درزية وسواهم ليشكّلوا قوى سياسية على الهُويّة الدينية والمذهبية. وكانت تستهدف القول إن سورية ذات أغلبية سنّية، وستكون كذلك في المستقبل، ولم يكن الأمر بغية “جلب” الأقليات إلى ساحة السياسة لإسقاط النظام وتشكيل أغلبية سياسية كما كان يُقال؛ بل كانت تجربة خاطئة جملةً وتفصيلاً، وكانت نتيجتها المزيد من التسييس الطائفي الذي اعتمده بشّار الأسد لمواجهة الثورة الشعبية في 2011، إضافة إلى القمع الممنهج بكلّ أشكاله الإجرامية، وأكملته المعارضة بتبنّيها سياسة طائفية للمشروع الوطني. فبدأ مع السلطة والمعارضة تفكيك هذا المشروع، ولم ينتهِ بعد.

ترفض السلطة المحاصصة الطائفية، وتكرّر قول هذا، لكنّها لا تتبنّى مشروعاً وطنياً لسياساتها أو للدولة، ولهذا تُلحق بها شخصياتٍ من هذه الأقليات، لكنّها لا تمثّل جماعاتها، بل تمثّل سياسات السلطة وأنفسها فقط. ومن هنا نجد مواقفها تتسق مع سياسات السلطة ولا تعبّر عن مشكلات هذه الجماعات التي تعرّضت للانتهاكات وتريد الإنصاف، كما يطالب “السنّة” النظام الحالي بحقوقهم من نظام بشّار ومجازره، ويؤكّدون العدالة الانتقالية. وبتأخّرها راحت جماعاتٌ منها تستعيد حقوقها ثأراً وانتقاماً وقتلاً وارتكاب مختلف الانتهاكات، وبما “ضيّع” تلك الحقوق ذاتها؛ فعبر القتل تنتهي المظلومية، لكنّها تورِّث قتلاً مضادّاً في المستقبل. العدالة الانتقالية تنصف الجميع، وذلك لأن الدولة تتبناها، وقوانينها تسري على الجميع، أو هذا ما يجب أن يكون.

جاء “المؤتمر المسيحي” إثر انتهاكات واسعة وقعت ضدّ المسيحيين في مختلف المدن السورية، باعتبارهم موزّعين فيها وليسوا مقتصرين على مدينة واحدة. تكثّفت الانتهاكات منذ أشهر بسرقة تمثال الرسول بولس من أمام كنيسة الزيتون، وهناك حادثة تفجير الكنيسة التي أنتجت تذمّراً مسيحياً شديداً، اضطرّ بطريرك الروم إلى تبنّي مواقف ناقدة للسلطة، لكنّه راح يصمت عمّا يجري في كلّ البلاد وتجاه الانتهاكات ضدّ السوريين العلويين والدروز. وشكّل التحاق شخصيات مسيحية بالسلطة الجديدة، التي تتبنى سياسة “طائفية”، إشكاليةً حقيقية. وبسبب ذلك شهدنا وقفات احتجاجية في كنيسة الزيتون والصليب، وأخيراً في بطريركية الروم في دمشق، مكان إقامة البطريرك ذاته، وتعبيراً مكثّفاً عن رفض سياسته في إقامة علاقات مع سلطة دمشق، وضدّ ذلك الالتحاق. وأشارت اللافتات إلى التهميش الذي يطاول المسيحيين، وإلى حقّهم في الهجرة، وشعورهم بالاضطهاد، وأنهم محاصرون، وسواه. وبالتالي بدأوا يشعرون بتهميش هُويّتهم الدينية أيضاً، لا الاجتماعية والسياسية فقط.

حدثت أخيراً انتهاكات عديدة؛ رفع رايات إسلامية فوق الكنائس في صيدنايا وبلودان، ومقتل شاب (صائغ) في بلدة محردة التابعة لحماة، وقُتلت سيّدةٌ في حمص، ودخل شباب مسلّحون إلى كنيسة في حمص وهدّدوا أطفالا كانوا يلعبون فيها. هذه الأفعال ليست سياسة ممنهجة للسلطة كما يقول بعضهم، لكن عدم معالجتها بشكل حازم، وإشراك الأهالي الذين تعرّضوا للانتهاكات في الحلّ، إضافة إلى الانتهاكات التي لحقت بالعلويين والدروز ولم تتوقّف بعد، هو ما يشعر هذه الجماعات بأنّها ممنهجة، وبالنبذ وضرورة أن تشكّل تعبيراتها السياسية وتحوز على دعم دولي للضغط على السلطة وإجبارها على أن تصبح وطنية، وإشراك فعلي لها في السلطة والدولة. ترفض هذه التعبيرات السياسية الشخصيات الملتحقة بالسلطة والمنتمية إليها، وتعتبرها “خاطفة” لتمثيل تلك الجماعات.

لم ينجح حافظ الأسد أو ابنه المجرم في جعل الشخصيات التكنوقراطية معبّرةً عن جماعاتها في دولته، وأخفقت المعارضة في تشكيل تمثيل سياسي للأقليات الدينية داخلها. وبذلك تفكّك الشعب السوري بين التبعية للسلطة قبل هروب بشّار الأسد، وتطييف الثورة، لكن تمثيل الأقليات فيها ظلّ هامشياً، ورفض كثيرون أن يكونوا ممثّلين لأقلياتهم؛ نستذكر أن بعض المعارضين لم يكتفِ بدعم تشكيل تيار سياسي مسيحي مثلاً.

تتموضع هذه التعبيرات السياسية الجديدة في تعبيرات طائفية، وتتشكّل ردّة فعل على سياسات طائفية من السلطة. وإذا كانت الأخيرة لا تمثّل السنّة كما نرى، وقد تصاعدت الانتقادات الاقتصادية والاجتماعية، وحتى ما يخصّ التعيينات الوظيفية غير الكفؤة في هذه الطائفة بالتحديد، فإن مثل هذه التعبيرات ليست هي المداخل الوطنية للأزمة الوطنية التي تعيشها سورية.

التحضير للمؤتمر المسيحي الأول هو إخفاق جديد للسلطة في طرح مشروعٍ وطنيٍّ يضمّ السوريين كلّهم. وهناك الإخفاق الخاصّ بالموقف من العلويين والدروز، وبداية احتجاجات لدى أقليات أخرى، واحتجاجات السنّة. إنّ تكثف الاحتجاجات، بغض النظر عن أشكالها، وآخرها هذا التحضير، يستدعي مراجعة عميقة من سلطة دمشق تجاه سياساتها. إن سورية المثقلة بأزمات منذ 2011، وما بعد هروب الأسد، تستدعي مشروعاً وطنياً يشرك الجميع، وعبر مؤتمر للنخب السورية الوطنية، ويبدأ بتطبيق العدالة الانتقالية ومعالجة ملفّي العلويين والدروز، وبما يمنع سير المسيحيين نحو تسييس هُويّتهم الدينية. وإلا فستتفكّك سورية، وهو ما لم يستطع نظام الأسدَين فعله ولا المعارضة كذلك. فهل تتنبه سلطة دمشق إلى مسارها السياسي التفكيكي بدوره، وأيُّ مستقبلٍ ترسمه لنفسها عبر سياساتها النابذة للكلّ السوري؟

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى