تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

غياب النقد يشجع على استبداد السلطة/ ميشال شماس

فبراير 23, 2026

في إحدى زياراتي للمعارض السياسي لنظام الأسد المخلوع الصديق فايز سارة داخل سجن عدرا عام 2007، حيث كان معتقلاً آنذاك بسبب مشاركته في اجتماع “إعلان دمشق”، قال لي كلاماً لا يُنسى: “هذا السجن لم يعد مركزاً للإصلاح، بل أصبح مصنعاً لتخريج المجرمين. السلطة التي تخاف من المعارضة الصادقة هي سلطة ضعيفة. أما السلطة الحقيقية، فهي التي تفرح بالنقد لأنها تستفيد منه. ويجب أن تُسْعَد بوجود معارضة تضيء لها أخطاءها لتقوم بإصلاحها، لا أن تسعى لإسكاتها”.

أذكر حينها أني خرجت من ذلك اللقاء مشحوناً بكثير من الحزن والتأمل، فكتبت مقالاً بعنوان “لقاء مع فايز سارة في سجنه” تناولت فيه معاناة المعتقلين، وإغلاق مكتبة السجن، ودور المعارضة بوصفها مرآة للسلطة، واستشهدت بكلمات فايز. لم تمضِ أيام حتى تلقيت استدعاء إلى فرع فلسطين، وتم توجيه اتهام لي بـ”الترويج لإعلان دمشق ودعم فايز سارة إعلامياً، والإساءة للقيادة السياسية.

ما قاله “فايز” كان تعبيراً صادقاً عن أهمية وجود معارضة تُصوّب لا تُصارع. أن تُقال تلك الكلمات في قلب سجن وعلى مرأى ومسمع ضابط أمن السجن، لهو موقف بطولي وأخلاقي.

أذكر هذه الحادثة اليوم لتسليط الضوء على معضلة لا تزال تتكرر في مجتمعاتنا، حيث يطلب اليوم بعض المدافعين عن الحكومة السورية الجديدة أن نصمت عن القرارات والتصرفات الخاطئة للسلطة بحجة “إعطائها الوقت الكافي”، بينما الوقت يُستخدم فعلياً لتمرير الانتهاكات وشرعنة التجاوزات، فيتحول الصمت إلى تواطؤ، والتغاضي إلى تشجيع على الهروب من مواجهة الحقيقة لا السعي لإصلاحها.

واليوم في المشهد السياسي السوري الجديد يتكرر نفس الخطاب الذي بخش آذاننا أيام المخلوع بشار الأسد “دعونا نمنح القيادة وقتاً فهي تواجه المؤامرة على الوطن”، وكأن الزمن وحده كفيل بترسيخ العدالة وإنهاء الفساد و تصحيح الأخطاء وتصويب الاتجاه.

اللافت في هذا الخطاب أنه يتحول بسرعة إلى غطاء للتواطؤ، فيُطلب من الناس التخلي عن أدوات النقد والمساءلة، ليتحولوا إلى جماعة “مشجّعين على الصمت”، يقدّمون السلطة على أنها مشروع لا يجوز الاقتراب منه ولا تقييمه. وهذه هي آلية تطبيع الخطأ بامتياز. فعندما يُطلب منّا أن نصبر، فإننا في الحقيقة نُسهم في صناعة بنية سياسية تُكافأ فيها السلطة على تجاهلها للناس، لا على استجابتها لهم.

المدافعون عن هذه السردية يروّجون لفكرة أن “النقد قد يربك التجربة”، وأن “الظروف لا تسمح بالنقاش حالياً”، وكأن بناء الدولة يتحقق بالصمت لا بمراجعة الأخطاء. لكن واقع الحال يُثبت أن البناء لا يحتاج فقط إلى وقت، بل إلى رؤية واضحة ومسار شفّاف يُخضِع السلطة للمساءلة لا للمديح. ومن حق أي سلطة أن تطلب الوقت للعمل، لكن من واجبها أن تتحمل النقد، وأن تثبت للناس أن هناك نتائج ملموسة تبرّر هذا الوقت. وإلا، فإن الانتظار يتحوّل إلى وهم جماعي.

في المجتمعات التي تخطت هذا السلوك، توجد أمثلة حيّة على أن السلطة نفسها قد تكون طرفاً في دعم النقد. ففي ألمانيا، مثلاً، تقوم الدولة بدعم مؤسسات الصحافة الاستقصائية، لا باعتبارها معارضة، بل شريكاً في تحسين الأداء العام. كمؤسسة “CORRECTIV”، مبادرة “حنّة آرندت” لحماية ودعم الصحفيين المستقلين التي كشفت تجاوزات بيئية وسياسية، الممولة من قبل وزارة الخارجية الألمانية.

والنقد هناك لا يُعتبر مؤامرة، بل مساهمة في تطهير الدولة من الفساد والقصور. وهكذا، فالقوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس بخلوّها من الأخطاء، بل بقدرتها على الاعتراف بها وتصحيحها بشفافية واحترام.

والمفارقة اليوم، أنه في الوقت الذي تدعم فيه كثير من الدول نشر أخطائها، نجد بعض الأصوات في مجتمعاتنا تسعى لتجميل الخلل ومهاجمة من يكشفه. وعوضاً عن احتضان الصوت الحر، تتم ملاحقته وتخوينه. حتى أن بعض المثقفين يُدفعون نحو الصمت بحجة “الحفاظ على الاستقرار”، في حين أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الأكاذيب والتبرير، بل على التصحيح والمساءلة.

علينا أن نُميّز بين النقد البنّاء والعدمية، بين المعارضة التي تهدف للتقويم، وتلك التي تُعارض من أجل الهدم فقط. لكننا في الوقت نفسه لا يجب أن نُفرّغ النقد من مضمونه تحت شعار الواقعية والتدرّج. فالواقعية الحقيقية هي أن نرى الخطأ ونسميه باسمه، لا أن نضعه تحت بند “الضرورة” أو “المرحلة الانتقالية”. وحتى إن كان هناك منطق في التدرّج، فلا تدرّج في القيم. لا حياد مع الظلم، ولا تأجيل للعدالة.

إن أخطر ما يمكن أن نمارسه هو الصمت المدجّن، حين يصبح القبول بالأخطاء علامة “وطنية”، ويُنظر إلى النقد باعتباره تهديداً للسلم الأهلي. في تلك اللحظة، نفقد البوصلة. وبدل أن نطالب السلطة بأن تسمع، نصبح نحن أنفسنا من يُخرِس الأصوات الناقدة.

شخصياً، لا أسعى في كتاباتي إلى نشر الإحباط بين الناس، بل إلى ربط الأمل بالوعي، وضرورة أن تستمع السلطة للنقد بوصفه شرطاً لبقاء الدولة وحيويتها. فالدولة التي لا تسمع النقد تسير ببطء نحو التآكل، والسلطة التي تُحاط بجدار من الصمت تُفاجأ دائماً بانفجارات لم تتوقعها.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى