مراجعات الكتب

لماذا يكذب السياسيون على الدول والشعوب؟/ عمر كوش

27 فبراير 2026

أضحت السياسة في عالم اليوم معادلًا للكذب في تصوّر الكثير من الناس في المجتمعات المعاصرة، وذلك بالنظر إلى مقدار الكذب الذي يمارسه السياسيون، وخاصة قادة الأنظمة والزعماء، ويسود اعتقاد لدى قطاعات واسعة من البشر في مختلف المجتمعات أن السياسيين لا عهد لهم، ولا ميثاق أو مبادئ، وأن السياسة لا تلتقي أبدًا مع الأخلاق. ووصل الأمر لدى بعض الشعوب إلى درجة عدم تصديق كل ما يقوله مسؤولو أنظمتهم، إذ كان غالبية السوريين يرددون فيما بينهم أن نظام الأسد يكذب في كل شيء، حتى في النشرة الجوية.

لم تعد المسألة متعلقة في سؤال: هل يكذب الساسة أم لا؟ لأنه سؤال جرى تجاوزه منذ زمن، وإن كان ثمة حقيقة، لا بدّ أن يعيها الجمهور العام، فهي أن جميع السياسيين يمارسون الكذب بنسب متفاوتة، ولأسباب مختلفة، لكن معظم أنصارهم يميل إلى تصديق ما يقولونه، خاصة في البلدان الديمقراطية، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى تبيان الأسباب والدوافع التي تجعل السياسيين لا يتوقفون عن الكذب، فيما لا تتوقف الجماهير عن تصديقهم.

يرى الباحث الأميركي جون ميرشايمر، في كتابه “لماذا يكذب السياسيون: حقيقة الكذب في السياسة الدولية” (ترجمة غانم النجار، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة 2025)، أنه على الرغم من أن الكذب يعدّ عملًا شائنًا في الحياة العامة، إلا أنه، وبوصفه سلوكًا، حظي بقدر من القبول في السياسة الدولية، بالنظر إلى وجود مبررات استراتيجية تجعل القادة السياسيين يكذبون على دول أخرى، وفق مبررات المصلحة الوطنية، التي يستخدمونها ذريعة للحفاظ على مصلحة بلادهم في وجه التقلبات السياسية مع الآخرين. كما يكذب القادة أكاذيب شخصية وأنانية لا علاقة لها بمصلحة الدولة، لأنها موجهة لحماية مصالحهم الشخصية أو مصالح أصدقائهم وحلفائهم، لكن اللافت هو أن القادة السياسيين لا يكذبون كثيرًا على بعضهم البعض مقارنة بكذبهم على شعوبهم.

فلسفيًا، اعتبر إيمانويل كانط الكذب أكبر انتهاك يرتكبه الإنسان بحق نفسه، وخطأ مطلقا على الدوام. أما مؤلف هذا الكتاب فينظر إلى الكذب بوصفه الفعل المخطط له لخداع الجمهور العام، ويتم فيه إطلاق بيان، يعلم صاحبه أنه خاطئ، بهدف أن يُصدَّق على أنه صحيح، وهو نوع من أنواع الخداع، مع أن ليس كل الخداع هو بالضرورة كذب، حيث إن الخديعة هي إخفاء أو تلفيق، والخداع منع الآخرين من معرفة الحقيقة، في حين أن التلفيق هو ربط الأحداث والوقائع بما يصب في مصلحة فرد أو جماعة معينة، والتقليل من أهمية أمور أخرى. كما أن الكتمان أو الإخفاء أو التستر هو حبس الحقائق وإخفاؤها حتى لا تؤثر في موقف فرد أو جماعة أو جهة معينة. وهناك التدوير أو التلاعب عبر تقديم حقائق صحيحة لكن بطريقة انتقائية أو مُحرّفة نسبيًا، تخدم المتحدث، وتوجّه المتلقي في اتجاه معين. وهما نوعان من الخداع، وأكثر شيوعًا من الكذب الصريح، سواء لدى قادة الدول أو السياسيين أو حتى الأفراد. وهما ممارستان أقل خطورة وتكلفة، وأسهل تبريرًا وتحمّلًا في الحياة العامة، ويتيحان للقادة والسياسيين تضليل الجمهور من دون التورط في كذبة، قد يكلّفهم انكشافها تدهور صورتهم العامة والشخصية. ومع ذلك فإن كل أنواع الخديعة هذه تهدف إلى حجب الحقيقة ومناقضة الصدق.

سبعة أنواع

تتعدّد أنواع الأكاذيب في السياسة الدولية المعاصرة، وتقترن عادة بالمصلحة الوطنية للدول، ويجدها المؤلف موزعة على سبعة أنواع، أولها الأكاذيب بين الدول، حيث يشهد تاريخ العلاقات بين الدول حالات كذب بين القادة السياسيين، لكنها تظل محدودة في الزمان والمكان، وتتحكم فيها مجموعة من الشروط الموضوعية التي تحدد النسق المتحكم في الكذب بين الدول، حيث إن الهاجس الأمني وسياق الأزمات يفرض على الدول انتهاج الكذب في سياساتها الخارجية، بغية الحفاظ على السلم وتجنُّب الحرب، إضافة إلى أن صورة الحرب والعدو تظل عاملًا محفزًا على إنتاج الأكاذيب وضمان التصديق الشعبي لها.

وثانيها إثارة الذعر، أو الترويع الذي يعدّ الممارسة الأكثر قدرة على تعبئة الجماهير، ويستخدمها القادة لتبرير سياسات كانت ستجد معارضة لو عُرضت بصراحة، لذلك يكثر استخدامه عند شن حرب، أو دعم سياسات خارجية مكلفة، أو شرعنة عقوبات أو حصار، أو تمرير اتفاقات أمنية حساسة. كما يعتبر من الأدوات الأكثر فعالية وخطورة في آن واحد، كونه يعيد صياغة الوعي الجمعي، ويغير بنية الثقافة السياسية ذاتها، ويحوّل الاعتراضات السياسية إلى واجب وطني.

تعد صناعة الخوف من الممارسات المظلمة للقادة، الذين يستخدمون أساليب نشر الذعر، من أجل دفع شعوبهم والنخب السياسية إلى تبني موقف أكثر تشددًا، ففي مطلع الأربعينيات، اخترع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت جملة من الأكاذيب ضد ألمانيا، خاصة في حادثة الفرقاطة “غرير” أواخر صيف 1941، بهدف إثارة الرأي العام المعادي للحرب العالمية الثانية، ودفعه لتغيير موقفه والانخراط فيها. وبعد نحو 6 عقود، تكرّر المشهد عندما نسجت إدارة جورج دبليو بوش أكاذيب تربط بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة، وأرفقتها بادعاءات حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل.

وثالث أنواع الكذب هو التغطيات الاستراتيجية، التي تهدف إلى إخفاء فشل سياسات معينة أو تجاوزات أو التستر على قرارات مثيرة للجدل إلى حين يُسمح فيه لصناع القرار بتصويب المسار أو تجنب هزة داخلية، قد تؤثر على الجبهة الخارجية، أو تفادي انقسامات قد تقوّض قدرة الدولة على مواجهة خصومها.

ويتجسد رابع أنواع الأكاذيب في صناعة الأساطير القومية، التي تعد آلية بعيدة عن الصدام المباشر، لأنها تمثل المادة الرمزية التي تُبنى عليها الهوية الوطنية، حيث تعمل النخب السياسية مع المثقفين، وأحيانًا مع المؤسسة الدينية، على صياغة سرديات تاريخية متخيّلة تُنسب إليها البطولة أو المظلومية أو التفوق الحضاري.

النوع الخامس من الكذب السياسي يدعوه ميرشايمر الأكاذيب الليبرالية، المجسد في فعل أو سلوك أو تصور مقبول من قبل مختلف الفاعلين في المشهد السياسي الدولي من ساسة، فاعلين اقتصاديين، ومواطنين، طالما يوفر الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويبعث على الارتياح الشعبي، إضافة إلى أن التبرير الليبرالي والقانوني للأكاذيب السياسية يعمل على تعزيز الشرعية السياسية والاجتماعية للقادة السياسيين وفق أسس ليبرالية في حد ذاتها.

وهناك نوع سادس من الكذب السياسي هو ممارسة الإمبريالية الاجتماعية، التي يستخدم فيها القادة الأكاذيب والنبرة الثورية، من أجل خدمة مصالح اقتصادية وسياسية ضيقة، وغير مرتبطة مباشرة بالمصلحة الوطنية، بل موجهة إلى الرأي العام لصالح صفقات أو تحالفات تخدم مصالح داخلية فئوية.

أما سابع أنواع الكذب السياسي فيتمثل في التغطيات الشنيعة، ويتعلق بكذب القادة لمصالحهم الشخصية، بغية حماية أنفسهم وحلفائهم من عقاب مستحق.

يظهر من النسق العام المتحكم في إنتاج الأكاذيب الدولية، أنه لا يرتبط مباشرة بالمصلحة الخاصة للفاعلين السياسيين، بقدر ما يقترن بالمصلحة الوطنية العامة، من خلال التركيز على الطابع الاستراتيجي للكذب في السياسات الدولية. ووفق هذا الطابع، فإن قادة الدول لا يكذبون على بعضهم البعض كثيرًا، بل إن الباحث يعتبر أن الكذب بين الدول يبقى محدودًا نسبيًا، لأنها تمتلك أجهزة أمنية قادرة في معظم الأحيان على كشف الكذب والتضليل. إضافة إلى أن التكلفة المرتفعة لانكشاف الكذب على المستوى الدولي تدفع قادة الدول إلى الحذر، لأنه لا يمكن للدول العمل في نظام دولي يفتقر إلى الحد الأدنى من الموثوقية حتى بين المتنافسين والخصوم، وبالتالي، يميل قادة الدول إلى الابتعاد عن الأكاذيب المباشرة لصالح المواربة والصياغات الرمادية، التي تُبقي الباب مفتوحًا للتفاهم من دون المجازفة بكلفة الكذب الصريح.

يميز الباحث بين الكذب الدولي أو الاستراتيجي المبرر وفق الاعتبارات المصلحية للدول والكذب الشخصي الذي يلجأ إليه السياسيون لخداع شعوبهم، حيث يختلف الأمر جذريًا حين يتعلق الأمر بالكذب على الرأي العام في الدول الديمقراطية، الذي يمارسه السياسيون بكثرة على شعوبهم التي يسهل تقديم روايات مُحكمة عبر وسائل الإعلام والأجهزة السياسية، خاصة وأنها تفتقر إلى أدوات التحقيق التي تملكها الدول.

غير أن الفارق بين الكذب الاستراتيجي والكذب الشخصي أو الأناني، يتجسد في أن الكذب الاستراتيجي يندرج تحت شعار مصلحة الدولة، ويُمارَس لأن القائد يرى في تضليل الجمهور أو إخفاء معلومة ما وسيلة لمنع حرب أكبر، أو لحماية موقف تفاوضي، أو لضمان أمن الأمة. أما الكذب الأناني فيتمثل فيما يخفيه القادة لحماية أنفسهم، أو حلفائهم، أو لتجنب فضيحة شخصية، أو لتحقيق مكاسب خاصة، ويمثل تغطية دنيئة، وأسوأ أشكال الكذب، لأنه يخدم الفرد لا الدولة، ويقوض الثقة العامة، ويفسد الأخلاق السياسية، ويقوّض شرعية السلطة السياسية.

يستخدم قادة الدول الأكاذيب بوصفها أدوات لحماية مصالحها، وتحصين أمنها، وتعظيم قوتها، وانتزاع تفوق استراتيجي أو حرمان خصومها من ميزة محتملة. ويلجؤون إلى المبالغة في تصوير قوة بلادهم أو إخفاء قدراتها أو اختلاق صورة زائفة عن نواياها حيال خصومها أو لجذب حلفائها. والأمثلة كثيرة في هذا المجال، ولا تنحصر في الادعاءات التي ساقها أدولف هتلر بينما كان يحضّر لأكبر حرب عرفتها أوروبا، ولا في تلاعب بعض الدول بمعلوماتها النووية، إذ قال آرثر سلفستر، مساعد وزير الدفاع في عهد الرئيس جون كينيدي، بعد أزمة الصواريخ الكوبية: “إن من حق الدولة الكذب عند مواجهة كارثة نووية”. وكذلك التضليل الذي مارسته إسرائيل للولايات المتحدة وللعالم بخصوص برنامجها النووي، و”فضيحة لافون” في عام 1954 التي حاولت من خلالها إسرائيل تخريب علاقات مصر مع الولايات المتحدة وبريطانيا. ولا يزال العالم يذكر كمّ الكذب الذي ساقه مسؤولو الإدارة الأميركية من أجل التحضير لغزو العراق عام 2003.

ثمة نوع من التلاقي بين القدرة على سرد الرواية والاستعداد لتلقّيها، وبما يخلق علاقة تبادلية معقدة بينهما، فالقادة يكذبون لأن الجمهور لديه قابلية للتصديق، والجمهور يصدِّق لأن القادة يملكون من الأدوات ما يكفي لتصنيع الإقناع. وفي هذه المنطقة بين الطرفين تُصنع الحقيقة السياسية التي ليست بالضرورة حقيقة، بل نتاج ما اتفقت السلطة والجماهير على قبوله بصفته كذلك.

بقي أن نشير إلى أن الكتاب سبق أن نُشر قبل عشر سنوات ضمن سلسلة عالم المعرفة، ويمتلك من الجدة لإعادة نشره، حيث إن مواضيعه ما تزال مطروحة، فضلًا عن أهمية تناوله الكذب في السياسة الدولية وفق منهج سياسي واجتماعي، يركز على دور الكذب في العلاقات بين الدول، وفي بناء وإنتاج العلاقات السياسية الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأميركية. والهدف من كل ذلك هو وضع أطر تحليلية تساعد على فهم الطابع المركّب والمعقّد للكذب في السياسات الدولية، مع التذكير بالمقولات الفلسفية التي تميز بين الكذب في الحياة الاجتماعية والكذب في الحقل السياسي، أي بين الأخلاقي والمصلحي في السياسات الدولية المعاصرة.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى