سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمن ذاكرة صفحات سورية

ملف عن المثقف السوري الشهيد “عمر عزيز” الذي استشهد تحت التعذيب في نوفمبر 2012

عمر عزيز (1949-2013) مفكر ولاسلطوي (أناركي) سوري، اشتهر بكتاباته ودوره في التنظير لـ

المجالس المحلية كبديل لإدارة الثورة السورية بعيداً عن السلطة المركزية، معتبراً إياها امتداداً للنضال الاجتماعي والعمل الجماعي. أبرز إسهاماته الفكرية كانت في “تشكيل المجالس المحلية” (2012)، داعياً لثورة يومية منظمة.

أهم كتابات وأفكار عمر عزيز عن سوريا:

    تشكيل المجالس المحلية: قدم عزيز رؤية مفصلة لكيفية عمل المجالس المحلية كأداة للتحرر وتنظيم الحياة المجتمعية في المناطق المحررة، مستلهماً أفكاراً تشابه تجارب الكومونات (مثل كومونة باريس).

    الثورة اليومية: لم ينظر للثورة كحدث سياسي فحسب، بل كعملية يومية لتنظيم المجتمع، وتأمين الاحتياجات، ومحاربة آليات النظام السوري.

    نقد السلطة: ركزت كتاباته على ضرورة بناء هياكل بديلة ومستقلة عن مؤسسات الدولة البوليسية.

    المثقف العضوي: عُرف بكونه مثقفاً نزل إلى الأرض ليساهم في التنظيم الفعلي، واصفاً صمود السوريين بأنه “لا يقل عن عمال كومونة باريس”.

اعتقل عزيز في نوفمبر 2012 وتوفي تحت التعذيب في فبراير 2013، ليصبح صوتاً ملهماً للتنظيم الذاتي السلمي في الثورة السورية.

—————————-

في مثل هذا اليوم، نستعيد ذكرى وفاة عمر عزيز (أبو كامل)، أحد أبرز الأصوات التي حاولت أن تمنح الثورة السورية أفقاً تنظيمياً يتجاوز إسقاط النظام نحو إعادة تخيّل السياسة ذاتها. لم يكن عزيز قائداً ميدانياً ولا سياسياً تقليدياً؛ بل مفكراً ومنظماً عاد من المنفى عام 2011 ليشارك في بناء ما اعتبره جوهر اللحظة الثورية: قدرة الناس على إدارة حياتهم بأنفسهم.

توفي عمر عزيز في 16 شباط/فبراير 2013 بعد أن تدهورت صحته في سجن عدرا، إثر اعتقاله أواخر عام 2012. كان في أواخر الستينيات من عمره، وعاش ظروف الاحتجاز القاسية، ليرحل بعيداً عن الأضواء، ولكن حاضراً في عمق الثورة وتجربتها التنظيمية.

انطلق عزيز من فكرة بسيطة وراديكالية في آن: أن التحرر لا ينتظر سقوط الدولة، بل يبدأ حين ينظم الناس شؤونهم اليومية خارج منطقها. هكذا ساهم في تأسيس أولى المجالس المحلية في برزة بدمشق أواخر 2011، ودعا إلى تشكيل مجالس تضم أفراداً من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، تتولى تنظيم الإغاثة، دعم المعتقلين وأهاليهم، إدارة الخدمات، وفتح فضاءات تشاركية لاتخاذ القرار. لم تكن تلك المجالس مجرد أداة إدارية، بل محاولة لتجسيد أخلاقيات جديدة: أفق أفقيّ، وتضامن، ومسؤولية جماعية.

انتشرت الفكرة سريعاً في مناطق عدة، وتحوّلت المجالس إلى بنى حيوية في لحظة تراجع سلطة الدولة، لكنها واجهت لاحقاً تحولات عميقة في مسار الثورة، مع تصاعد العمل المسلح وتغيّر موازين القوى على الأرض.

في مقال نشرناه على موقعنا(الرابط في التعليقات)، تستعيد ابنة عمر، جوانا عزيز، سيرة والدها من خلال تجربة السجن والذاكرة الشخصية، لتربطها بفكرة “السلطة من الأسفل” التي آمن بها. تذكّر بأن المجالس المحلية لم تكن مجرد تنظيم إداري، بل محاولة لانتزاع القدرة على إدارة الحياة اليومية بعيداً عن الدولة، وترفض اختزال السوريين كـ“بيادق” في صراعات أكبر منهم.

اليوم، بعد سنوات من الحرب وإعادة تشكيل السلطة، يبدو سؤال المجالس المحلية ملحاً أكثر من أي وقت مضى. إذا كانت تلك التجربة قد جسّدت لحظة قصيرة من “إدارة الذات الشعبية”، فما الذي بقي من إرثها؟ هل تحولت إلى ذكرى رومانسية؟ أم أن أثرها ما زال كامناً في أشكال التنظيم الأهلي، واللجان المحلية، والمبادرات القاعدية المتفرقة؟

في ذكرى رحيل عمر عزيز، لا نستعيد سيرة فرد فقط، بل تجربة حاولت أن تجعل “المحلي” مساحة أخلاقية للتحرر.

في سوريا اليوم، ما الذي تبقى فعلاً من فكرة المجالس المحلية، وما الذي يمكن استعادته منها؟

—————————-

سوريا: الأوراق التأسيسية لفكرة المجالس المحلية بقلم الشهيد عمر عزيز

    آواخر 2011

ورقة نقاش حول المجالس المحلية في سورية / عمر عزيز /

    مدخل: زمن السلطة وزمن الثورة

    الثورة بحد ذاتها حدث استثنائي يبدل تاريخ المجتمعات كما تتبدل فيه الذاتيات البشرية. هي قطيعة في الزمان والمكان معا، خلالها يعيش البشر بين زمنين، زمن السلطة وزمن الثورة. أما انتصارالثورة فهو رهن بتحقق استقلالية زمنها لينتقل المجتمع الى عهد جديد.

    دخلت الثورة في سورية شهرها الثامن ومايزال أمامها أيام من الصراع لاسقاط النظام وفتح مساحات جديدة للحياة. خلال الفترة التي مضت، استطاعت المظاهرات المستمرة أن تكسر هيمنة السلطة المطلقة على المكان. فسيطرة السلطة على الجغرافيا أصبح نسبيا الآن وإن اختلف نطاقها من منطقة الى أخرى ومن يوم الى يوم، ومن ساعة الى ساعة في اليوم ذاته. وكان لاستمرار التظاهر أيضا أن أنتج مجلسا وطنيا ضم طيفا واسعا من الحراك الجماهيري والتنظيمات والاحزاب السياسية، يعول عليه ليمثل شرعية تمثيلية بديلة للسلطة على المستوى العربي والدولي وليفعل الجهود اللازمة لحماية الشعب السوري من قتل النظام ووحشيته.

    غير أن الحراك الثوري بقي مستقلا عن الأنشطة الحياتية للبشر ولم يتسطع أن يتداخل مع حياتهم اليومية. فهي مازالت تدار كما في السابق وكأن هناك “تقسيما يوميا للعمل” بين النشاط الحياتي والنشاط الثوري. ما يعني أن التشكيلات الاجتماعية في سورية تعيش تداخل زمنين، زمن السلطة الذي مازالت تدار فيه الانشطة الحياتية وزمن الثورة الذي يعمل الناشطون فيه على اسقاط النظام. لا تكمن الخطورة في ذلك بالتداخل بين الزمنين فهذا من طبيعة الثورات وإنما في غياب التلازم بين الخطين الحياتي والثوري للجمهور. فما يخشاه الحراك خلال الفترة القادمة هو أحد أمرين، ملل البشر من استمرارية الثورة لتأثيرها على أعمالهم وحياة اسرهم أو اللجوء الى استخدام مكثف للسلاح تصبح فيه الثورة رهينة البندقية.

    بناء عليه، فبقدر ما تستقل التشكيلات الاجتماعية عن السلطة بفعل جهود البشر للفصل بين زمن السلطة وزمن الثورة، بقدرما تكون الثورة قد هيأت أجواء انتصارها. ولا بد من التذكير أن الاشهر الماضية كانت خصبة بتجارب متعددة تركزت على وجه الخصوص في مجالات الاسعاف الطبي والمساندة القانونية ونحن الآن بحاجة ماسة الى إغناء هذه المبادرات لتشمل المساحات الأوسع للحياة. فمزج الحياة بالثورة هو الشرط الملازم لاستمرارية الثورة وانتصارها. ما يتطلب بدروه تكوينا اجتماعيا مرنا يقوم على تفعيل التعاضد بين الثورة وحياة البشر اليومية. وسنسميه فيما يتبع “بالمجلس المحلي”.

    ان هذا المدخل وما يليه ورقة للنقاش غرضها البحث في جدوى تشكيل مجالس محلية من أفراد يحملون ثقافات متنوعة وينتمون الى شرائح اجتماعية مختلفة تعمل على تحقيق التالي:

    ● مساندة البشر في ادارة حياتهم بشكل مستقل عن مؤسسات وأجهزة الدولة (وان بشكل نسبي)

    ● تكوين فضاء للتعبير الجمعي يدعم تعاضد الأفراد ويرتقي بأنشطتهم اليومية الى التعامل السياسي

    ● تفعيل أنشطة الثورة الاجتماعية على مستوى المناطق وتوحيد اطر المساندة

    أما المواضيع التي تدخل في صلب اهتمامات المجلس المحلي فهي التالية:

    الموضوع السكاني: توطيد الحميمية في العلاقات بين الناس

    ● توفير الدعم والمساندة للوافدين الى منطقة معينة او الخارجين منها

    ● المساندة اللوجستية لعائلات المعتقلين

    ● توفير الدعم المعنوي للعائلات المنكوبة والتكفل باللوازم والنفقات التابعة

    وقت طويل مضى اختزل خلاله الزمن الحياتي للبشر الى زمن للبحث عن أماكن أكثر أمنا لهم ولعائلاتهم والانتقال اليها. زمن تحول فيه أيضا عملهم اليومي الى محاولات دؤوبة لمعرفة ما حل بأحبابهم المفقودين او الوصول الى سبل الاستدلال عن مكان اعتقالهم معتمدين في ذلك على أقاربهم او معارف لهم في المناطق التي يلجؤون اليها.

    دور المجلس المحلي هو نقل هذه التعاسة التي تنضوي تحت زمن السلطة الى جملة أعمال يتفرد فيها المجتمع بالمبادرة. أي أن يقوم المجلس بالأعمال التالية كحد أدنى:

    i. البحث عن السكن الآمن وتوفير المؤونة للأفراد وعائلاتهم الوافدين الى المنطقة التي يتواجد المجلس فيها بالتعاون مع نظيره في المنطقة التي غادروها

    ii. تنظيم بيانات المعتقلين ونقلها الى الجهات المعنية في الثورة وترتيب الاتصال مع الجهات القانونية ومساندة الأهل في متابعة أحوال ذويهم في الاعتقال

    iii. ادارة بيانات متطلبات العائلات المنكوبة والعمل على تأمين نفقاتها عن طريق الدعم المالي للجمهور و”الصناديق المناطقية للثورة”

    أعمال كهذه تحتاج الى تنظيم وترتيب للمعلومات ومعرفة في فنون الادارة الا أنها ليست بالمهام المستحيلة على أي بيئة كانت. فالثورة التي صنعت جيلا من الخبراء في تنظيم التظاهر والاضراب والاعتصام تستطيع ان تدفع باتجاه تكوين خبرات ادارية لأعمال يقوم بها الناس بالفطرة.

    ان مسؤولية كهذه لن تكون بديلا عن الأقارب او المعارف (أو على الأقل في مرحلة أولى) كما لا يجب أن تكون ملزمة بأي حال من الأحوال. فالبشر التي بدأت تأنس الخروج عن خدمات الدولة والتي وجدت بديلا مؤقتا لها في علاقات القربى بحاجة لوقت وممارسة كي تدخل في تماس وسلوك اجتماعي جمعي أكثر تطورا وفعالية.

    موضوع التبادل بين البشر: تكوين مشتركات جديدة

    ● توفير ساحة للنقاش يتم فيها تداول أمور البشر والبحث عن حلول لمسائلهم الحياتية

    ● بناء ترابط أفقي بين المجالس المحلية لمنطقة جغرافية واحدة والتوسع في ذلك ليشمل الترابط بين مناطق جغرافية مختلفة

    الثورة حولت ذاتيات البشربفتح آفاق حياتهم بعدما تيقنوا أن الصراع هو سبيلهم لاكتساب تحررهم واستبانوا من استمراريتهم فيه أن غدا آخر ممكن، وبعدما اكتشفوا ان لهم تعريف غير الذي عهدوه وقدرات من الابتكار والاختراع مختلفة عن أحادية قاتلة حاول نصف قرن من الاستبداد قيدهم فيها وكذلك أيضا بعدما اكتشفوا أن تعاضدهم فتح لهم أبوابا جديدة في تعاط اجتماعي غني ومتعدد الألوان.

    يكمن دور المجلس المحلي هنا في تفعيل هذا التعاضد ونقله الى المساحات الحياتية التي تختلف بطبيعة نشاطها عن حراك مواجهة السلطة، أي:

    i. تشجيع البشرعلى مناقشة أحوالهم اليومية (ما يتعلق منها برزقهم ومتطلباتهم الحياتية) وتداولها ومحاولة حلها جمعيا

    ii. النظر في المسائل التي تتطلب حلولا من خارج الجمهور المحلي كالتمويل مثلا أو مساندة من مناطق أخرى

    موضوع الأرض: اعادة اكتشاف المشترك

    ● الدفاع عن أراضي المنطقة التي تسعى الدولة لاستملاكها أو التي هي قيد الاستملاك

    ان استملاك الدولة الكيفي للاراضي في المدن والريف السوري وما استتبعه من اعادة انتشار للسكان هو من الركائز الأساس لسياسة الهيمنة والتهميش الاجتماعيين التي اعتمدتهما السلطة. وقدعملت هذه السياسة على تكوين مناطق سكنية “آمنة” لضباط وصف ضباط الجيش أو تنفيذ مخططات تجارية لسكن الأغنياء ومناطق تسوقهم. إن الحراك الثوري الذي نشهده في المناطق الريفية والريفية – الحضرية هو بأحد جوانبه رفض البشر لسياسة الاستملاك والتهميش هذه التي تقطع مجالهم الحيوي.

    دور المجلس المحلي هو الدفاع المباشر عن الملكيات التي تقوم السلطة بوضع اليد عليها تحت أي حجة كانت. ومن الضروري أن يقوم بالأعمال التالية:

    ● حصر سريع للمتلكات موضوع قرارات الاستملاك

    ● التواصل مع الشبكات القانونية للثورة ورفع القضايا امام المحاكم للاعتراض على قرارات الاستملاك لأجل إلغائها أو على الأقل تأخيرالعمل بها

    ● جعل الدفاع عن الممتلكات والارض مسألة تخص جموع السكان في مناطقتهم

    تكوين المجالس المحلية:

    ● تكوين المجالس المحلية هو عملية تابعة لمستوى الحراك في كل منطقة، أي ان انه يكون أصعب التحقيق في المناطق التي تخضع لوجود أمني كثيف وأسهل نسبيا في المناطق التي يكون فيها الحراك الثوري أكثر تمكنا

    ● ان تحقيق أعمال المجلس المحلي هي عملية متدرجة وفق الحاجة والظرف ومدى تفاعل الناس معها

    ● ان النجاح الذي يحققه كل من المجالس سوف يغني تجارب المجالس الأخرى ويزيد من تصمصيم أفرادها

    ● لن يكون تكوين المجالس المحلية مهمة سهلة ولكنها أساس لاستمرارية الثورة. والصعوبة فيها ليس فقط الطوق الامني ومحاصرة البشر والمكان وإنما ممارسة حياة وعلاقات جديدة وغير مألوفة. يتطلب الأمر إيجاد صيغة مستقلة تقطع مع السلطة، يكون دورها مساندة وتطوير الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في منطقة تواجدها ويفترض أن تتمتع بخبرة ادارية في ميادين مختلفة.

    ● يجري تطبيق برنامج المجالس المحلية بدءا من الأمكنة التي يفترض فيها أكبر قدر من الشروط المناسبة. وستكون هذه الأمكنة بمثابة مساحات تجريبية لتكوين المجالس في مناطق أخرى تخضع لظروف أصعب

    ● نظرا لغياب الممارسة الانتخابية في الظرف الراهن تتشكل المجالس المحلية من العاملين في الحقل الاجتماعي والحائزين على احترام الجمهور وممن تتوفر لديهم خبرات في مجالات اجتماعية وتنظيمية وتقنية وتكون لديهم الامكانية والرغبة في العمل الطوعي

    ● يتم اطلاق أعمال المجلس المحلي على مراحل وفق أولويات المنطقة ويشترك باطلاقه:

    ○ أعضاء المجلس المحلي

    ○ نشطاء المنطقة

    ○ نشطاء يتطوعون من خارج المنطقة ويكون لهم خبرة في هذه المجالات

    دور المجلس الوطني

    ان للمجلس دورا مفصليا بالنسبة للأمور التالية:

    ● شرعية المبادرة: اعتماد المجلس الوطني لفكرة المجلس المحلي يؤمن لها الشرعية اللازمة لاطلاقها ويسهل قبولها من قبل الناشطين في الساحة

    ● التمويل: قبول المجلس الوطني ادارة “تمويل صنايق الثورة” – وهذه بحد ذاتها من الوظائف التي يتوجب ان يضطلع بها- يسمح بمرونة أكبر لاطلاق المجالس المحلية بتغطية وذلك بتغطية نفقات الاطلاق ومصاريف قد لا يكون بإمكان المنطقة تغطيتها

    ● تسهيل التنسيق بين المناطق ورفع مستوى التنظيم الى اطار المحافظات إذ أن كل منطقة وكل ناحية فيها مازالت تقوم بمبادراتها وفق تصورها للحراك. هذه الاستقلالية أثبتت دون شك مرونة عالية في الحركة غير انها تأثرت غالبا من غياب مساحات صديقة تحميها. والدور الذي يضطلع به المجلس الوطني هنا أساسي لايجاد أرضية مشتركة ولتوثيق الترابط بين المناطق المختلفة.

    ………………………….

    تشكيل المجالس المحلية في سورية /عمر عزيز

    اقتراحات عملية لاستمرارية الثورة

    مدخل: تلازم حماية المجتمع واستمرارية الثورة

    أتمت الثورة في سورية عامها الأول ومازال أمامها أيام من الصراع لاسقاط النظام وفتح مساحات جديدة للحياة. خلال الفترة التي مضت، استطاعت المظاهرات المستمرة أن تكسر هيمنة السلطة المطلقة على المكان. فسيطرة السلطة على الجغرافيا أصبح نسبيا الآن وإن اختلف نطاقها من منطقة الى أخرى ومن يوم الى يوم، ومن ساعة الى ساعة في اليوم ذاته.

    خلال الفترة الماضية، غيرالسوريون مسار مجتمعهم مثلما غيروا من تكوينهم الذاتي. وهم في ذلك، برهنوا على شجاعة غير مسبوقة وتعاضد مرهف وأكدوا بالتضحيات التي قدموها توقهم الى التحررواصرراهم على تغيير معالم حياتهم.

    ولدت روح مقاومة الشعب السوري لوحشية النظام وقتله وتدميره الممنهج للمجتمع حالات فريدة من الحذاقة والابتكار وقبل هذا وذاك فعل محبة اسطورية لتمكين الحياة من الاستمرار. فتأمين المساندة الطبية وتحويل بيوت الى مستشفيات ميدانية وترتيب السلل الغذائية والتفنن المرح في النشرالاعلامي، أنشطة تحدت جميعها بغي السلطة وعبرت عن الغنى الانساني الذي حمله تضافر الناس وتعاونهم.

    شكل نشطاء سوريون لجان التنسيق في بداية الثورة لتنظيم التغطية الاعلامية وتأمين نشرها وتوثيق فعاليات الثورة وانتهاكات النظام وما لبثت أن توسعت هذه الأنشطة لتشمل أمورالاغاثة والخدمات الطبية. وقد أصبح واضحا عندها أن التشكيلات الاجتماعية برمتها هي التي تتشارك وتساهم في تمكين الثورة من الاستمرار في مقاومة طويلة المدى. وكان لهذه المشاركة أن تفتحت عن علاقات جديدة قطعت مع سيطرة النظام على المكان والزمان في محاولة دؤوبة لتمكين الناس من ادارة شؤون حياتهم بشكل مستقل حيث أنهم تيقنوا أن هذه الاستقلالية هي عنوان تحررهم.

    كانت الاشهر الماضية خصبة بتجارب متعددة وكان للتباين في التشكيل الاجتماعي بين المناطق أن حمل غنى في تنوع المبادرات واختلاف تلون تعبيراتها من منطقة لأخرى. ففي البدء كان الحراك الثوري مستقلا عن الأنشطة الحياتية للبشر ولم يتداخل مع حياتهم اليومية وكأن هناك “تقسيما يوميا للعمل” بين النشاط الحياتي والنشاط الثوري. غير أنه ما لبث أن تتطور التكافل الانساني عندما اقبل الناس طوعيا على المشاركة في المسكن والمأكل وتقديم العون بكافة اشكاله ثم توسعت هذه التجارب في المناطق التي كان فيها الحراك الثوري أكثر حدة ليصبح التلازم واضحا بين شؤون الحياة وشؤون الثورة.

    وقد بدا جليا أنه بقدرما تستقل التشكيلات الاجتماعية عن السلطة بقدرما تكون الثورة قد شكلت العمق الاجتماعي لحمايتها وحماية المجتمع من بطش السلطة ومن الانزلاقات الاخلاقية أو استخدام للسلاح تصبح فيه الثورة والمجتمع رهينتا للبندقية. فمزج الحياة بالثورة هو الشرط الملازم لاستمرارية الثورة حتى انفلاش النظام ما يتطلب بدروه تكوينا اجتماعيا مرنا يقوم على تفعيل التعاضد بين الثورة وحياة البشر اليومية. وقد حملت التجارب الماضية مسميات متعددة للتعبيرعن هذا التكوين الاجتماعي الجديد الذي سنسميه فيما يتبع “بالمجلس المحلي”.

    ان هذا المدخل وما يليه دعوة لتشكيل مجالس محلية من أفراد يحملون ثقافات متنوعة وينتمون الى شرائح اجتماعية مختلفة تعمل على تحقيق التالي:

    ● مساندة البشر في ادارة حياتهم بشكل مستقل عن مؤسسات وأجهزة الدولة (وان بشكل نسبي)

    ● تكوين فضاء للتعبير الجمعي يدعم تعاضد الأفراد ويرتقي بأنشطتهم اليومية الى التعامل السياسي

    ● تفعيل أنشطة الثورة الاجتماعية على مستوى المناطق وتوحيد اطر المساندة

    أما المواضيع التي تدخل في صلب اهتمامات المجلس المحلي فهي التالية:

    أولا) التكافل الانساني والتضامن المدني: توطيد الحميمية بين الناس

    i. الغايات:

    ● رفع المعاناة المادية وتخفيف الألم المعنوي للعائلات “المهاجرة” نتيجة همجية السلطة

    ● التضامن النفسي والمادي مع العائلات المنكوبة بفقيد أو جريح او معتقل أو متوار أو التي تعرضت لخسارة معنوية او مادية

    ● تحسين الشروط الحياتية للعائلات

    ● توفير “أفضل الشروط الممكنة” لممارسة الدعم الطبي

    ● تأمين استمرارية الخدمات التعليمية

    ii. دور المجلس المحلي:

    تغطي أعمال المجلس المحلي كحد أدنى مايلي:

    ● توفير الدعم والمساندة للوافدين الى منطقة معينة او الخارجين منها حيث أن دور المجلس المحلي هو تحويل التعاسة التي سببتها السلطة الى جملة أعمال يتفرد فيها المجتمع بالمبادرة:

    ○ البحث عن السكن الآمن وتوفير المؤونة للأفراد وعائلاتهم الوافدين الى المنطقة التي يتواجد المجلس فيها بالتعاون مع نظيره في المنطقة التي غادروها

    ○ تنظيم بيانات المعتقلين ونقلها الى الجهات المعنية في الثورة وترتيب الاتصال مع الجهات القانونية ومساندة الأهل في متابعة أحوال ذويهم في الاعتقال

    ○ ادارة بيانات متطلبات العائلات المنكوبة والعمل على تأمين نفقاتها عن طريق الدعم المالي للجمهور و”الصناديق المناطقية للثورة”

    ● توفير الدعم المعنوي والمادي واللوجيستي للعائلات المنكوبة والتكفل باللوازم والنفقات التابعة: فحرب السلطة على شعبها ختزل الزمن الحياتي للبشر الى زمن للبحث عن أماكن أكثر أمنا لهم ولعائلاتهم. زمن تحول فيه أيضا عملهم اليومي الى محاولات دؤوبة لمعرفة ما حل بأحبابهم المفقودين او الوصول الى سبل للاستدلال عن مكان الاعتقال معتمدين في ذلك على أقاربهم او معارف لهم في المناطق التي يلجؤون اليها مما يتطلب:

    ○ التعاون ومساندة الجهات القانونية في الثورة لتوثيق الانتهاكات التي يقوم بها الجيش وقوات الأمن والشبيحة من قتل واغتصاب واعتقال وتدمير للممتلكات وسرقات

    ○ توفير بيئة محبة توفر الراحة النفسية والمادية للعائلات المهجرة وبشكل خاص للنساء والأطفال والتنسيق مع الجهات المعنية لتوفير معالجة الحالات النفسية والصحية التي تتطلب اهتماما ومتابعة خاصة

    ● ادارة الأحوال المدنية: تملي الهجمة الشرسة للنظام من المجلس المحلي القيام بتدوين الوقائع المدنية التي تخص النشطاء والمتوارين على وجه الخصوص. أما في المناطق التي حققت فيها الثورة حيزا من الاستقلالية فسيكون بالامكان مسك كافة الوقائع من ولادات ووفيات وزواج وطلاق، الخ.

    ● التنسيق مع لجان الاغاثة لتوفير الدعم الاغاثي والمالي بما فيه:

    ○ تحديد متطلبات الغذاء والدواء والمتطلبات الحياتية الأخرى

    ○ إدارة أنشطة استلام وتوزيع مواد الاغاثة

    ○ وضع البيانات الاحصائية ونشرها

    ● التنسيق مع اللجان الطبية

    ○ تحديد المنازل التي تتوفر فيها الحدود البيئية الدنيا لتحويلها الى مشافي ميدانية وتأمينها من أصحابها

    ○ تجهيز المشافي الميدانية بالتنسيق مع اللجان الطبية

    ○ التنسيق مع اللجان الطبية ولجان الاغاثة لتحديد المتطلبات الطبية والاسعافية والعمل على استلامها وتخزينها

    ○ متابعة طلبات الاسعاف وخاصة تلك الواردة من خارج المنطقة

    ● دعم وتنسيق الأنشطة التعليمية

    ○ تحديد المتطلبات التعليمية لكافة المراحل التعليمية

    ○ التنسيق مع الهيئات التعليمية في المنطقة و|او مع من تتوفر لديه الامكانية والرغبة في التدريس

    ○ ادارة وتنظيم الانشطة التعليمية

    ● دعم وتنسيق الأنشطة الاعلامية

    ملاحظة: أعمال كهذه تحتاج الى تنظيم وترتيب للمعلومات ومعرفة في فنون الادارة الا أنها ليست بالمهام المستحيلة على أي بيئة كانت. فالثورة التي صنعت ذهنية معرفية في تنظيم التظاهر والاضراب والاعتصام تستطيع ان تدفع باتجاه تكوين خبرات ادارية لأعمال يقوم بها الناس بالفطرة. ومن الضروري التنويه ان مسؤوليات كهذه لن تكون بديلا عن الأقارب او المعارف (أو على الأقل في مرحلة أولى) كما لا يجب أن تكون ملزمة بأي حال من الأحوال. فالبشر التي بدأت تأنس الخروج عن خدمات الدولة والتي وجدت بديلا مؤقتا لها في علاقات القربى بحاجة لوقت وممارسة كي تدخل في تماس وسلوك اجتماعي جمعي أكثر تطورا وفعالية.

    ثانيا) موضوع التبادل بين البشر: تكوين مشتركات جديدة

    i. الغايات:

    ● رفع قدرة ذاتيات المجتمع على المبادرة والفعل

    ● توفير ساحة للنقاش يتم فيها تداول أمور البشر والبحث عن حلول لمسائلهم الحياتية

    ● بناء ترابط أفقي بين المجالس المحلية لمنطقة جغرافية واحدة والتوسع في ذلك ليشمل الترابط بين مناطق جغرافية مختلفة

    ii. دور المجلس المحلي:

    تغطي أعمال المجلس المحلي كحد أدنى مايلي:

    الثورة حولت ذاتيات البشربفتح آفاق حياتهم بعدما تيقنوا أن الصراع هو سبيلهم لاكتساب تحررهم واستبانوا من استمراريتهم أن غدا آخر ممكن، وبعدما اكتشفوا ان لهم تعريف غير الذي عهدوه وقدرات من الابتكار والاختراع مختلفة عن أحادية قاتلة حاول نصف قرن من الاستبداد قيدهم فيها وكذلك أيضا بعدما اكتشفوا أن تعاضدهم فتح لهم أبوابا جديدة في تعاط اجتماعي غني ومتعدد الألوان.

    يتمثل التحدي الذي تواجهه المجالس المحلية في ايجاد بيئة اجتماعية يأنس لها البشر فتكون مساحة مفتوحة لتبادلهم الطوعي وتمكنهم من تحقيق شروط استمراريتهم كأهل بتواز مع تحقق شروط استمرارية الثورة كمشروع ترق جمعي. ومنه، يعمل المجلس المحلي على تحقيق الأمور التالية:

    ● تكوين “ساحة اجتماعية” تمكن الناس من مناقشة مشاكلهم الحياتية وتداول أحوالهم اليومية وابتكار الحلول المناسبة لتحقيق توازن دقيق يضمن استمرارية الثورة وبنفس الوقت يحمي المجتمع حيث تشمل هذه المواضع كلا من الأمور التالية:.

    ○ الشؤون المحلية

    ○ شؤون البنية التحية

    ○ التوافق الاجتماعي

    ○ تحصيل ايرادات المنطقة

    ○ التداول في كل ما يتعلق برزق الناس ومتطلباتهم الحياتية والعمل على حلها جمعيا (قدر الامكان)

    ● النظر في المسائل التي تتطلب حلولا من خارج الجمهور المحلي كالتمويل أو مساندة المناطق الأخرى

    ● الدفاع عن أراضي المنطقة قيد الاستملاك حيث ان استملاك الدولة الكيفي للاراضي في المدن والريف السوري وما استتبعه من اعادة انتشار للسكان هو من الركائز الأساس لسياسة الهيمنة والتهميش الاجتماعيين التي اعتمدتهما السلطة. وقدعملت هذه السياسة على تكوين مناطق سكنية لموظفين وضباط وصف ضباط الجيش أو تنفيذ مخططات تجارية لسكن الأغنياء ومناطق تسوقهم. وقد جاء الحراك الثوري الذي نشهده في المناطق الريفية والريفية – الحضرية بأحد جوانبه كرفض لسياسة الاستملاك والتهميش هذه التي تقتطع المجال الحيوي للبشر. ومن أعمال المجلس المحلي هنا:

    ○ حصر للمتلكات التي خضعت لااستملاك

    ○ في حال استملاك الأرض لأغراض أمنية: جعل الدفاع عن الممتلكات والارض مسألة تخص جموع السكان في مناطقتهم

    ○ في حال استملاك الأرض لغرض السكن او لاقامة مشاريع عقارية:عمل ما يمكن لتحسين العلاقات مع الجوار والنظر في امكانية الوصول الى حلول ترضي الاستمرارية الحياتية لجميع الأطراف

    ملاحظة: من الواضح أن أعمالا كهذه تنطبق على مواقع آمنة أو شبه ” محررة” من السلطة. ولكن من الممكن تقييم الوضع الخاص لكل منطقة وتحديد ما يمكن تحقيقه فيها.

    ثالثا) موضوع العلاقة مع الجيش السوري الحر: تلازم حماية المجتمع والدفاع عنه واستمرارية الثورة

    iii. الغايات:

    ● رفع وتيرة أمن المجتمع والدفاع عن المظاهرات وتوسعة امتدادها

    ● تأمين خطوط الاتصال بين المناطق وحماية حركة الناس والامداد اللوجيستي

    iv. دور المجلس المحلي:

    تغطي أعمال المجلس المحلي كحد أدنى مايلي:

    ● توفير المأمن والمسكن والغذاء لأفراد الجيس السوري الحر

    ● التفاهم والتنسيق مع الجيش السوري الحرعلى الاستراتيجية الدفاعية في المنطقة

    ● العمل مع الجيش السوري الحر على تمكين المجتمع من منطقته أمنيا واداريا

    رابعا) تكوين المجالس المحلية وبنيتها التنظيمية:

    يواجه تشكيل المجالس المحلية اشاكالات متعددة ليس أقلها قتل النظام وتقطيعه أوصال المكان واقتحامه المتكرر للمدن والبلدات مما يشل حركة الناس ويقيدهم في دائرة ضيقة للغاية. حيال ذلك بينت تجارب الثورة في المناطق كافة أن مقاومة آليات القتل ولدت ذهنية مرنة اخترعت باستمرار اساليب جديدة تجاوزت بواسطتها العقبات التي اعترضت رغبة المجتمع في التحرر واستطاعت أن تتفاعل مع ما يتناسب وعلاقات القوة على الأرض. ومنه، يتأثر تكوين المجالس المحلية بالعناصر التالية:

    ● تشكيل المجلس المحلي عملية مرنة ومتدرجة وفق الحاجة والظرف ومدى تفاعل الناس معها

    ● ان النجاح الذي يحققه كل من المجالس سوف يغني تجارب المجالس الأخرى ويزيد من تصمصيم أفرادها

    ● تكوين المجالس المحلية هو عملية تابعة لمستوى الحراك في كل منطقة، أي ان انه يكون أصعب التحقيق في المناطق التي تخضع لوجود أمني كثيف وأسهل نسبيا في المناطق التي يكون فيها الحراك الثوري أكثر تمكنا

    ● ان النجاح الذي يحققه كل من المجالس سوف يغني تجارب المجالس الأخرى ويزيد من تصمصيم أفرادها

    ● لن يكون تكوين المجالس المحلية مهمة سهلة ولكنها أساس لاستمرارية الثورة. والصعوبة فيها ليس فقط الطوق الامني ومحاصرة البشر والمكان وإنما ممارسة حياة وعلاقات جديدة وغير مألوفة. مما يتطلب إيجاد صيغة مستقلة تقطع مع السلطة، يكون دورها مساندة وتطوير الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في منطقة تواجدها ويفترض أن تتمتع بخبرة ادارية في ميادين مختلفة.

    ● يجري تطبيق برنامج المجالس المحلية بدء من الأمكنة التي يفترض فيها أكبر قدر من الشروط المناسبة. وستكون هذه الأمكنة بمثابة مساحات تجريبية لتكوين المجالس في مناطق أخرى تخضع لظروف أصعب

    ● نظرا لغياب الممارسة الانتخابية في الظرف الراهن تتشكل المجالس المحلية من العاملين في الحقل الاجتماعي والحائزين على احترام الجمهور وممن تتوفر لديهم خبرات في مجالات اجتماعية وتنظيمية وتقنية وتكون لديهم الامكانية والرغبة في العمل الطوعي ومن الضروري هنا التعامل المرن مع التركيبة العائلية في المنطقة و التكوينات السياسية الموجودة فيها

    ● يتم اطلاق أعمال المجلس المحلي على مراحل وفق أولويات المنطقة ويشترك باطلاقه:

    ○ أعضاء المجلس المحلي

    ○ نشطاء المنطقة

    ○ نشطاء يتطوعون من خارج المنطقة ويكون لهم خبرة في هذه المجالات

    ومنه، من الممكن النظر في هيكل تنظيمي يفعل أدوار ومهام المجلس المحلي على الشكل التالي:

    أي أنه من المستحسن أن تكون البنية التنظيمية للمجلس المحلي ذي طبيعة عملية تبدأ من صيغة دنيا وتتطور وفق متطلبات المجتمع وتبعا للتحول الذي تحققه الثورة في موازين القوة مع النظام في منطقة معينة وما يستتبعه من علاقة بالمناطق المجاورة.

    خامسا) دور المجلس الوطني

    ان للمجلس دورا مفصليا بالنسبة للأمور التالية:

    ● شرعية المبادرة: اعتماد المجلس الوطني لفكرة المجلس المحلي يؤمن لها الشرعية اللازمة لاطلاقها ويسهل قبولها من قبل الناشطين في الساحة

    ● التمويل: قبول المجلس الوطني ادارة “تمويل صنايق الثورة” – وهذه بحد ذاتها من الوظائف التي يتوجب ان يضطلع بها- يسمح بمرونة أكبر لاطلاق المجالس المحلية بتغطية وذلك بتغطية نفقات الاطلاق ومصاريف قد لا يكون بإمكان المنطقة تغطيتها

    ● تسهيل التنسيق بين المناطق ورفع مستوى التنظيم الى اطار المحافظات إذ أن كل منطقة وكل ناحية فيها مازالت تقوم بمبادراتها وفق تصورها للحراك. هذه الاستقلالية أثبتت دون شك مرونة عالية في الحركة غير انها تأثرت غالبا من غياب مساحات صديقة تحميها. والدور الذي يضطلع به المجلس الوطني هنا أساسي لايجاد أرضية مشتركة ولتوثيق الترابط بين المناطق المختلفة

————————  

المجالس المحلية الجديدة في سوريا: حلول مبتكرة لأزمات قديمة

توازن بين المركزية واللامركزية في الإدارة السورية الجديدة.

إعادة بناء الثقة

مع انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة بعد سقوط الأسد، تظهر المجالس المحلية كخطوة أساسية لإعادة تنظيم الإدارة وحل الأزمات القديمة، من خلال مزيج من الحكم المركزي والمبادرات المحلية.

دمشق – مع سقوط نظام بشار الأسد وتسلم الحكومة السورية الجديدة مقاليد الأمور، ظهرت الحاجة الملحة لإعادة بناء الدولة والمجتمع بعد عقود من الحرب الأهلية والفساد والانهيار المؤسسي. وقد مثلت المجالس المحلية الجديدة أداة أساسية لمواجهة الأزمات المستمرة التي شهدتها سوريا لعقود، من ضعف الخدمات الأساسية إلى الانقسامات الاجتماعية والصراعات المحلية.

وتمثل هذه المجالس نموذجا مبتكرا للإدارة القريبة من المواطن، حيث توفر قناة مباشرة لتحديد الأولويات المحلية وتنفيذ المشاريع بطريقة أكثر شفافية وفاعلية، وهو ما يعزز شعور المسؤولية والمساءلة في المجتمعات المحلية. وتعتمد الحكومة السورية الجديدة على نظام إدارة يجمع بين المركزية المحلية، بما يسمح للسلطات المركزية بضمان الأمن وتنسيق الموارد، وبين الإدارة المحلية التي تتمتع بحرية أكبر في التخطيط واتخاذ القرارات وفق الاحتياجات الفعلية لكل منطقة.

ويرى الباحث غريغوري واترز في تقرير نشره مركز كارينغي للسلام أن هذا النهج المختلط مناسبًا لبلد مزقته الحرب الأهلية، إذ يسمح للحكومة بالاحتفاظ بالقدرة على تنظيم الموارد الوطنية والمحافظة على الاستقرار، بينما تمنح المجتمعات المحلية مساحة أكبر للتفاعل مع احتياجاتها اليومية والمشاركة في عملية إعادة الإعمار.

وفي هذا السياق، تُعد المجالس المحلية جزءًا محوريًا من استراتيجية الحكومة الجديدة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتحفيز المشاركة المجتمعية في صياغة السياسات وتنفيذ المشاريع التنموية. وجاءت المجالس المحلية الجديدة لتكون ردًا على سنوات طويلة من الفشل الإداري والتخطيط المركزي غير الفعال، حيث عانت مناطق سورية واسعة من انقطاع الكهرباء والمياه، وتدهور البنية التحتية، وانهيار التعليم والخدمات الصحية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

ومن خلال هذه المجالس، أصبح بإمكان السكان تحديد أولوياتهم والمساهمة مباشرة في وضع الخطط التنفيذية، ومراقبة سير المشاريع لضمان تحقيق الفوائد المرجوة. كما يتيح هذا النموذج دمج الخبرات التقنية مع التمثيل الشعبي، ما يعزز الكفاءة الإدارية ويقلل من البيروقراطية المعقدة التي عانى منها المواطنون لعقود. وفي حلب، على سبيل المثال، تمكنت المجالس المحلية من إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء في الأحياء التي دُمّرت بالكامل خلال سنوات القتال، باستخدام فرق عمل محلية مدربة بالتعاون مع الحكومة الجديدة والمنظمات الدولية.

وقد أسهم هذا النهج في إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة، وتقليل التوتر الاجتماعي الناتج عن نقص الخدمات الأساسية. كما أطلقت المجالس برامج لإعادة فتح المدارس وتوفير الدعم النفسي للأطفال والطلاب، إضافة إلى تحسين جودة التعليم عبر تدريب المعلمين وتوفير مستلزمات المدارس الأساسية. وفي مدينة حمص، ركزت المجالس المحلية على دعم الاقتصاد المحلي من خلال مشاريع صغيرة ومتوسطة، مثل منح تمويل محدود للمشاريع الزراعية، وتشجيع الصناعات المنزلية، وتنظيم أسواق محلية لعرض المنتجات والخدمات.

وساعد هذا الأسلوب في خلق فرص عمل جديدة، والحد من هجرة الشباب والعمالة إلى المدن الكبرى أو خارج البلاد. كما قامت المجالس بتسهيل وصول الخدمات الصحية، عبر إنشاء مراكز طبية مؤقتة وتزويدها بالأدوية والمعدات الأساسية، بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية، ما ساهم في الحد من الأمراض وتحسين الصحة العامة للسكان.

وأما في درعا، فقد لعبت المجالس المحلية دورًا حيويًا في تعزيز التماسك الاجتماعي والمصالحة بين الفصائل المحلية المختلفة، بعد سنوات من الصراع المسلح. إذ عملت المجالس على إشراك جميع الفئات، بما في ذلك الشباب والنساء والأقليات، في عملية اتخاذ القرار، وإدارة النزاعات المحلية، ومراقبة توزيع المساعدات والموارد، ما ساهم في تخفيف التوترات الاجتماعية وتعزيز الثقة بين المواطنين والحكومة الجديدة.

كما أن المجالس المحلية لم تقتصر على إدارة الموارد والخدمات الأساسية، بل أصبحت منصات لرصد الاحتياجات المجتمعية، وإعداد تقارير دورية عن المشاريع والأنشطة، مما يعزز الشفافية ويقوي الثقة بين المواطنين والحكومة الجديدة. وفي هذا السياق، برز دور المجالس في متابعة المشاريع التنموية وتقديم التوصيات للسلطات المركزية بشأن أولويات إعادة الإعمار، بما يضمن توزيع الموارد بشكل أكثر عدالة ويستجيب للاحتياجات الفعلية للمواطنين. وبالإضافة إلى ذلك، ركزت المجالس المحلية على تمكين الشباب والنساء من المشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال برامج تدريبية ودورات تعليمية، ودعم المشاريع الفردية والمبادرات المجتمعية.

وساعد هذا النهج في إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتعزيز شعور الانتماء، خصوصًا في المجتمعات التي تأثرت بشكل مباشر بالصراع والنزوح. وقد أثبتت التجربة أن مشاركة المجتمع المحلي في عملية صنع القرار يمكن أن تكون عاملًا محوريًا في إعادة الاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة.

ومن ناحية أخرى، تعتمد المجالس المحلية على التعاون الوثيق مع السلطات المركزية الجديدة لضمان التنسيق في تقديم الخدمات وإدارة الموارد. ويسمح هذا التعاون بالحفاظ على الاستقرار الأمني وتنظيم توزيع المساعدات والمشاريع الكبرى، مع منح المجتمعات المحلية حرية اتخاذ قرارات تتعلق بالاحتياجات اليومية الخاصة بها.

ويجعل هذا التوازن بين المركزية واللامركزية النموذج الجديد للمجالس المحلية قادرًا على مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.

وبالطبع، تواجه المجالس المحلية تحديات كبيرة، أبرزها تأمين التمويل المستدام للمشاريع، وضمان استمرارية الدعم التقني والإداري، والتعامل مع تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تتميز بتغيرات سياسية كبيرة. لكن التجارب الناجحة في بعض المدن، حيث استطاعت المجالس تحقيق نتائج ملموسة في تحسين الخدمات وإعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي، تظهر أن التعاون بين السلطات المركزية والمجالس المحلية يمكن أن يكون نموذجًا فعالًا لإعادة بناء الدولة والمجتمع معًا.

وفي ضوء هذه التجارب، يظهر أن المجالس المحلية الجديدة ليست مجرد أدوات تنفيذية، بل منصات لإعادة بناء المجتمع وإشراك المواطنين في صياغة السياسات وتنفيذها.

وتوضع التجربة السورية أن الحلول المبتكرة للأزمات القديمة يمكن أن تنبع من المجتمع نفسه عندما يُمنح مساحة للمشاركة والإبداع، بدلاً من الاعتماد الكلي على الدولة المركزية. كما أن تجربة المجالس المحلية تؤكد أن الإدارة المحلية التشاركية يمكن أن تكون أداة فعالة لإعادة بناء الاقتصاد المحلي، دعم المشاريع الصغيرة، خلق فرص عمل، وتعزيز التماسك الاجتماعي.

وفي المجمل، تمثل المجالس المحلية الجديدة حجر الزاوية في استراتيجية الحكومة السورية الجديدة لإعادة البناء والتنمية بعد سقوط بشار الأسد. فهي تجمع بين الكفاءة المحلية والرقابة المركزية، وتوفر منصة لتجربة حلول مبتكرة للأزمات القديمة التي عانى منها المواطنون لعقود.

ومن خلال هذه المجالس، يمكن تحقيق إعادة توزيع الموارد بشكل أكثر عدالة، تعزيز الخدمات الأساسية، دعم التعليم والصحة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، مع وضع المجتمع المحلي في قلب عملية اتخاذ القرار. ويعتمد نجاح هذه المجالس على قيادة محلية ملتزمة، دعم مستمر من الحكومة الجديدة، وتنسيق فعال مع السلطات المركزية، ما يجعلها نموذجًا واعدًا يمكن البناء عليه خلال مرحلة إعادة الإعمار وإعادة الاستقرار في سوريا.

———————————–

مفهوم المثقف العضوي ودوره في التغيير

مقدمة :

غمرني كتاب جديد صدر مؤخرا للكاتب البريطاني ستيفن جونز الذي كتب ولم يزل يكتب في النظرية الثقافية وفلسفة القوة المعاصرة ، وهو ينشر هذه المرة كتابه الجديد عن الفيلسوف الشيوعي الايطالي الشهير انطونيو غرامشي الذي اشتهر كثيرا بفلسفته عن المثقف العضوي ودوره في تغيير المجتمع ، ذلك المفكر المناضل الذي قضى اكثر من عشر سنوات في سجون الفاشية الايطالية ومات بعد خروجه من السجن وهو في عز الشباب .. الكتاب ربط مقارن محكم بين ما كان عليه التفكير قبل خمسين سنة لما غدا عليه هذا الزمن الراهن واستمرارية افكار غرامشي حية متوقدة تثير بحضورها وتواصلها اهتماما واسع النطاق حتى اليوم . ان المؤلف يشير في مقدمته المثيرة الى ان فلسفة غرامشي لم تزل تعمل في فهم واقعنا الاجتماعي في كل العالم . وهنا اعيد فكرتي من جديد انه ان كانت المتغيرات السياسية سريعة مع تبدلات الواقع السياسي ، فان المتغيرات الاجتماعية قد لا تتبدل سريعا في واقع اجتماعي معين .

اهمية غرامشي :

ان انطونيو غرامشي له اهميته في تاريخ الفكر العالمي المعاصر ، وكان جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية قد اعجب بافكاره الجديدة المنبثقة من حياة المجتمع ومضامين الواقع بعيدا عن المخيال الاييديولوجي الذي توهمه الماركسيون وكتابهم ، علما بأن غرامشي قد ولد وترعرع ماركسيا .. ان نظريته في الهيمنة الغربية التي تبلورت على يديه لم تزل حية ترزق بكل اشكالها التي لم تزل تعاني منها المجتمعات غير الغربية .. انها هيمنة ذات كلمة واحدة ورأي واحد لا تقبل المحاورة ولا المجادلة فكيف تبيح لنفسها التنازل والاقرار بالخطأ ؟؟ ان غرامشي من الد خصوم الاستغلال الرأسمالي الكاسح ، وان ما يحدث حتى يومنا هذا يشير بما لا يقبل مجالا للشك ان الهيمنة لم تزل تحرك كل العالم ضمن ارادة واحدة ، كنت قد اسميتها بـ ” الكابيتالية الجديدة ” ( أي : الرأسمالية الجديدة ) ضمن ظاهرة العولمة الجديدة . ان غرامشي لا يمكن فهمه حتى اليوم ان لم ندرك ما يحيط العالم من ظروف مادية تاريخية .. ومن هنا ندرك قيمة نظريته عن المثقف العضوي ودوره في تغيير المجتمع . وغرامشي نفسه لا يمكننا فهمه وفهم افكاره ودفاتر كتبها في سجنه الا ضمن سياقه التاريخي والظروف التي عاشها وان ذلك يدعونا لموضعه اي مفكر او مثقف ـ على حد تعبير المؤلف ـ .

وققة عند حياة غرامشي ونضاله

ولد غرامشي عام 1891 في سردينيا جنوب ايطاليا ودرس في جامعة تورين التي انخرط فيها عام 1911 ، وكان في العشرين من العمر .. نشر في الصحف الايطالية في الرابعة والعشرين وكان قد تأثر بموجة الفكر الماركسي وبدأ يدافع عن الشغيلة واوضاعهم المزرية على ايدي الطبقة الرأسمالية .. ثم انتسب الى الحزب الاشتراكي الايطالي ومن هذه اللحظة التاريخية بدأ نضاله المرير اذ تبدل اسم الحزب الى الحزب الشيوعي بعد ذاك . كان غرامشي رقيقا ويتفجر عاطفة مع حس انساني عالي المستوى ، واخذ يدافع عن حقوق العمال المسلوبة .. وكان يأمل ان يتحول التمرد العمالي عام 1917 الى ثورة عارمة ، ولكن باءت احلامه بالفشل وهو يسمع بانتصارات ثورة اكتوبر الاشتراكية التي هدّت الصرح الروسي وانتهاء حكم القياصرة . وكان غرامشي قد تأثر بكتابات الفيلسوف أنطونيو لابريولا : 1843- 1904 ، أهم الماركسيين الإيطاليين الأوائل كان له تأثير جوهري في فكر غرامشي الفلسفي .

يتابع هذا الكتاب سيرورة غرامشي بكل دقة قبل مرحلة السجن والنضال في داخله ، بل ويراقب ما نشره من مقالات لا تعد ولا تحصى وكلها دعوة الى مشروع تثقيف العمال سياسيا وفكريا من اجل تنظيم المجتمع الايطالي واثارة الوعي لدى الطبقة العاملة .. كان يدعو ليل نهار الى بناء ثقافة اشتراكية حديثة ، وقال بأن ذلك لا يتم حصوله الا بتغيير الحزب وانتقاله من الاصلاحية الى الثورية من اجل تفجير الثورة الشاملة ، وهنا يبدو تأثير ثورة اكتوبر الاشتراكية واضحا عنده ، كونه اعتقد ان وصول البروليتاريا الى الحكم والسلطة ، فان المجتمع سيتغير لا محالة ابدا ، والا فان الرأسمالية وشرور سلطتها ستأكل كل الحياة بفرض ارادتها .

لقد تبدل الحزب الاشتراكي واصبح الحزب الشيوعي الايطالي يوم 21 يناير 1921 ، وغدا غرامشي سكرتيرا عاما له . هكذا اصبح هذا الفيلسوف الماركسي مرجعا مثقفا وعضويا لكل الحركة اليسارية الايطالية ، وقد انتخب نائبا عن مدينة تورين بين عامي 1924- 1926 ، وهكذا اسس جريدة الوحدة الناطقة باسم حزبه .. كان غرامشي قد جمع الثقافة بالسياسة وجمع القيادة بالنضال .. وهذا ما لم يتح الا للندار من المثقفين .. لقد القى الفاشيون القبض عليه عام 1926 بتهمة التآمر على امن الدولة ، وبقي مسجونا حتى عام 1937 ، وما ان خرج من السجن حتى مات بعد ايام قليلة بسبب تدهور صحته وبسبب زمن العذاب المرير الذي غيّبه وهو في عز شبابه على عهد موسليني الفاشيستي ( ص 69 من الكتاب ) . ان اكثر من عشر سنوات قضاها غرامشي في سجنه تعد وصمة عار للنظام الفاشي في ايطاليا ، وهو يسجن مفكر ملتزم ذكي ولم يعّبر الا عن الام شعبه ومعاناة كل المثقفين والعمال والفلاحين والكادحين .

مفاهيم غرامشي

لقد كتب غرامشي اغلب تأملاته وفلسفته وافكاره الناضجة في السجن والتي نشرت بعد ذلك وكان جلها قد كتبها في ( دفاتر السجن الاولى ) و ( دفاتر السجن الثانية ) .. انها تربو على ثلاثين دفترا والتي تضمّنت اراءه عن المجتمع الايطالي ، وتفكيره في النظرية الماركسية وعوامل التغيير للواقع ، واحكامه في الادب والنقد وتربية الاجيال .. ان ابرز المفاهيم التي التصقت به وعرفت عنه حتى اليوم : مفهوم الهيمنة الثقافية ، ومفهوم المثقف العضوي ، وكيف يتم التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني وشروط التغيير من اجل الاشتراكية .. كما وعرف بنظريته : الحتمية الاقتصادية ونقده للفلسفة المادية ، وهنا يشبه كثيرا المفكر الماركسي الروسي بليخانوف الذي قدّم بدوره هو الاخر نقدا للماركسية . ان غرامشي يفسر الهيمنة الثقافية اقسى بكثير من الهيمنة الاقتصادية ، فالثفافة البرجوازية المسيطرة يتبنى الجميع افكارها بالضرورة ، وخصوصا الطبقة العمالية وتتلبس تصوراتها ، فتغدو الهيمنة ثقافية وفكرية وليست مادية فقط . وعليه ، فان الطبقة المهيمنة هي التي تتحكم بكل المجتمع من دون ان يعارضها احد ( ص 102 من الكتاب ) . تحت عنوان “مشكلات الماركسية ” يشير غرامشي إلى أن ماركس أبدع رؤية جديدة للعالم ، وأنه لا يكفي اعتبار الماركسية “شكل تفسير ” للتاريخ فحسب ، بل مطلوب تطوير وبناء تصور أنطولوجي للعالم ، نابع ومرتبط عضوياً بالتفسير التاريخي .

مشروع المثقف العضوي

اما مشكلة المثقفين فهي اساسية وجوهرية ، اذ يرى غرامشي ان كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني ، ولكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين ، وهي وظيفة لا يمتلكها الا اصحاب الكفاءات الفكرية العالية الذين يمكنهم التأثير في الناس .. ومن هنا يستخلص الفارق بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي .. الاول يعيش في برجه العاجي ويعتقد انه اعلى من كل الناس ، في حين ان الثاني يحمل هموم كل الطبقات وكل الجماهير وكل الفقراء والمحرومين والكادحين .. وعليه ، فان المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي الذي يعيش هموم عصره ويرتبط بقضايا امته .. ان اي مثقف لا يتحسس الام شعبه لا يستحق لقب المثقف حتى وان كان يحمل ارقى الشهادات الجامعية

يكتب غرامشي : “يبدو لنا أكثر الأخطاء شيوعاً ، هو البحث عن معيار التمييز في الطبيعة الجوهرية لأنشطة المثقفين ، بدلاً من البحث عنه في مجمل نسق العلاقات الذي تجري فيه هذه الأنشطة ” ثم يردف المؤلف قائلا: ” إن نظرية الهيمنة لدى غرامشي لا تنفصل عن مفهومه للدولة الرأسمالية التي يقول عنها بأنها تقود المجتمع عن طريق القوة وعن طريق التراضي في ذات الوقت “. اما الدولة في رأيه فليست هي الحكومة ، انها المجتمع السياسي حكومة وبوليس وجيش ومنظومة قانونية .. ومجتمع مدني يضم الافراد ومجالاتهم الاقتصادية . الاول يسير بطريق القوة والثاني يسيّر بالتراضي .. وهو يرى بأن الرأسمالية الجديدة عرفت كيف تلبي بعض الاصلاحات متجاوبة مع مطاليب النقابات والعمال خوفا من ان تأكلها الثورة الشاملة ضدها ، فحافظت على مكانتها في قيادة المجتمع من دون ان تخسر شيئا .. انها ذكية جدا اذ التفت على اطروحة كارل ماركس التي تنبأت بانهيارها من خلال الثورة الشيوعية الشاملة عندما تصل البروليتاريا الى حد الجوع ، وهذا ما لم تجعله يحصل ( ص 123 من الكتاب ) !

يرى غرامشي ان الحزب الثوري هو وحده القادر على تكوين طبقة جديدة من المثقفين العضويين المرتبطين بهموم الناس وقضايا العمال والفلاحين . ان هؤلاء المثقفون العضويون يمكنهم ان يشكلوا هيمنة بديلة عن الهيمنة الرأسمالية . ومن هنا نستطيع القول ان غرامشي هو الوحيد الذي اعتقد بأهمية المثقفين ودورهم في التغيير اذ كان يؤمن بانهم قادرون على صنع المعجزات اذا ما التزموا بقضية الشعب الاساسية التزاما عضويا وحيويا ويكمل غرامشي قائلا : ” ان البورجوازية تخشاهم وتعرف أن نفوذهم كبير ولذلك تحاول أن تشتريهم بأي شكل ” ( ص 139 من الكتاب ) .

واخيرا : ما الذي افادنا هذا ” الكتاب ” ؟

هذا ” الكتاب ” لا يأتي بمعلومات جديدة ، بل انه يتضمن رؤية من نوع خاص للفيلسوف المناضل انطونيو غرامشي ، وهو كتاب متميز بفصوله الستة ويقدم تحليلات ممتازة للافكار التي بشّر بها غرامشي ، بل ويجد المؤلف اننا حتى يومنا هذا بحاجة الى فكر غرامشي وخصوصا في الوقوف امام الهجمة الرأسمالية الجديدة التي لا يمكن ان يخفف من اكتساحها الا اولئك المثقفون الذين ارتبطوا عضويا بمجتمعاتهم . ان المثقف الحقيقي والعضوي اليوم هو عملة صعبة وصعبة جدا ، اذ يكاد يختفي في خضم اولئك المثقفون التقليديون من طرف واغلبهم رجال دين وموظفين ومهنيين وحرفيين وكتبة .. الخ واولئك المثقفون السلطويون من طرف آخر واغلبهم من الكتبة والاعلاميين والصحفيين والفنانين والمحررين التابعين للسلطويين .. وهنا لابد من الاعتناء بالمثقفين الحقيقيين العضويين الذين يمكنهم ان يكونوا باعمالهم وابداعاتهم ونضالاتهم وترجمة معاناة مجتمعاتهم البديل الحقيقي .

Steven J. Jones, Antonio Gramsci,(New York, Routledge Criticak Thinkers, 2006-2007)

================

https://theanarchistlibrary.org/library/javier-sethness-castro-omar-aziz-abu-kamel-1949-2013

———————————

حول تجربة المجالس المحلية في الثورة السورية

الخط الأمامي✪ مارس 25, 2017

“لسنا أقل من عمال كومونة باريس… هم صمدوا سبعين يوماً ونحن ما زلنا صامدين منذ عام ونصف العام”. بهذه الكلمات وصف المثقف العضوي عمر عزيز الثورة في سوريا. في 17 شباط 2013 استشهد عزيز في سجن عدرا المركزي.

في هذا النص، سنستعرض أبرز معالم المجالس المحلية، التي كان لعزيز الدور المؤثر في صياغة الأوراق التأسيسية لها (1)، كما ستتم الإشارة إلى مكامن الخلل في هذا الشكل من التنظيم، على الأقل من ناحية التطبيق.

مع ازدياد الحملة القمعية التي شنها النظام السوري على الانفجار الثوري في سوريا، بمرحلته السلمية، والتي ترافقت مع انشقاق العديد من الجنود، وبدء المناوشات العسكرية، بين الجيش السوري وما بات يعرف باسم الجيش السوري الحر، برزت الحاجة إلى إقامة أشكال تنظيمية تدير حياة الناس، بفعل انسحاب النظام من القيام بأدنى واجباته، المنسحب منها أصلا مع بدء تطبيق “الإصلاحات” النيوليبرالية.

وإذا كانت لجان التنسيق المحلية قد أقيمت كأشكال تنظيمية للتحضير والدعوة والتوثيق للمظاهرات، فإن فكرة المجالس المحلية وجدت كبديل عن النظام ومؤسساته. أهداف إقامة هذه المجالس، بحسب عمر عزيز، هو “مساندة البشر في إدارة حياتهم بشكل مستقل عن مؤسسات الدولة…، تكوين فضاء للتعبير الجمعي يدعم تعاضد الأفراد ويرتقي بأنشطتهم اليومية إلى التعامل السياسي،… توفير الدعم والمساندة للوافدين ولعائلات المعتقلين،… توفير مساحة للنقاش للتداول بالمسائل الحياتية للبشر، بناء ترابط أفقي بين المجالس المحلية…، الدفاع عن أراضي المنطقة بوجه استملاكات الدولة لصالح الأثرياء أو ضباط الأسلاك العسكرية والأمنية في الدولة…” بالإضافة إلى قيامها بتوثيق الانتهاكات التي يرتكبها النظام وشبيحته (فقط)، فضلا عن أدوار إغاثية وتنسيقية مع اللجان الطبية ودعم وتنسيق الأنشطة التعليمية.

ولكن، وبسبب “غياب الممارسة الانتخابية في الظرف الراهن”، التعبير لعمر عزيز، “تتشكل المجالس المحلية من العاملين في الحقل الاجتماعي والحائزين على احترام الجمهور ممن تتوفر لديهم خبرات في مجالات [مختلفة]…”. الملفت هنا هو كيف يمكن تقدير “احترام الجمهور” ومتى ينتهي “الظرف الراهن”؟ على الرغم من استمرار هذا “الظرف الراهن”، إلا أنه نظمت انتخابات للمجالس المحلية على المستوى البلدي، ومن ثم شكلت الهيئة العامة للمجالس المحلية، التي تضم ممثلين عن المجالس المحلية، وذلك على مستوى المحافظة، وليتم تشكيل مجلس المحافظة والأخير ينتخب مكتبا تنفيذيا ورئيسا له، كل هذه المجالس ألحقت بوزارة الإدارة المحلية والإغاثة وشؤون اللاجئين في الحكومة المؤقتة (2).

في الواقع، اقتصر عمل هذه المجالس على الشؤون البلدية، كخدمات بمختلف أشكالها، ترافقها (تنافسها؟) كوكبة من المنظمات غير الحكومية في العمل عينه، في حين بقيت الفصائل المسلحة خارج رقابة المجالس المحلية. وفي الوقت نفسه، احتكر كل من المجلس الوطني السوري والحكومة السورية المؤقتة والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية “الكلام السياسي الكبير”.

بذلك أفرغت الفكرة الأساسية التي كانت وراء إنشاء هذه المجالس من معناها. ففي ظل هيمنة السلاح والمال المشروط، بات هامش عمل المجالس ضئيلا. هكذا تراجعت إمكانية، بناء سلطة بديلة وديمقراطية من الأسفل تستطيع قيادة الثورة والتحدث باسمها. وعلى الرغم من أن هذه المجالس منتخبة، إلا أن الديمقراطية لا تقتصر على صندوق الاقتراع أو مجرد دقائق يمارس خلالها حقه الانتخابي، إنما تعني أيضا مشاركة المرأة ترشحا واقتراعا (3)، وتعني أيضا وعيا لمسألتي العنصرية والطائفية، وتعني مشاركة كل الناس في إدارة شؤونهم بمختلف أوجهها، ليس فقط من ناحية الحق بالحصول على الغذاء والصحة والتعليم، بعيدا عن سيطرة أمراء الحرب من كافة الأطراف. إنما تعني أيضا السعي من أجل تحقيق آمال الآلاف من السوريين/ات الذين تظاهروا واعتقلوا واستشهدوا وهجروا، أي من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية.

لا يتحمل الثوار السوريون مسؤولية ما آلت إليه الثورة، فعمر عزيز لم يعتقل نفسه ولم ينتحر داخل المعتقل، فهم كانوا، ومنذ البداية، يواجهون خصما متمرسا بالشراسة والقتل والاستغلال. خصم لم يكن وحيدا إنما عاونته مجموعة واسعة من الدول المهيمنة على الصعيد الدولي والإقليمي والميليشيات المسلحة السورية وغير السورية، في الوقت عينه، ابتلى الثوار السوريون بقيادة مرتهنة بالكامل لدول الخليج وتركيا، قيادة تسولت تدخلا غربيا، إلى أن تدخل هذا “الخارج” لصالح النظام القائم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

تعلمنا تجربة المجالس المحلية، غير المنتهية، بإيجابياتها وسلبياتها، الكثير. فنضالات الشعوب، أو البشر كما يسميهم الشهيد والرفيق عمر عزيز، متصلة ومترابطة. شعوب تبتدع أشكال الصمود والمواجهة. قدرنا أن نواجه ونكافح على عدة مستويات وجبهات، وأن نتعلم دروساً من التجارب الماضية والراهنة. ليس فقط وفاء للموتى، وهم كثر، إنما من أجل الحياة.

الهوامش:

(1) نشر سامي الكيال على صفحته على الفايسبوك بتاريخ 17 شباط/فبراير 2013 الأوراق التأسيسية لفكرة المجالس المحلية في سوريا والتي كتبها الشهيد عمر عزيز أواخر العام 2011.

(2) نشر الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية في شهر آذار عام 2014 اللائحة الداخلية المنظِمة للمجالس المحلية في المحافظات السورية، يمكن العثور عليها في موقع الائتلاف على الانترنت. من جهة ثانية، نشر موقع الحراك السوري السلمي الالكتروني خريطة تفاعلية لمختلف أشكال الحراك السلمي في سوريا من بينها توزع المجالس المحلية، وهي خريطة بحاجة للتحديث بسبب تغير واقع بعض المناطق التي استعادها النظام (داريا وحلب مثلا) أو سيطرت عليها داعش (مثل الرقة…).

(3) رزان غزاوي، النساء والثورة السورية، 3 نيسان/ابريل 2014

———————————–

مبادئ تنسيق عمل المجالس المحلية في سوريا

المقال حصيلة جهد جماعي لناشطين وحقوقيين

06-06-2013

        في الشهور الأخيرة من الثورة السورية، تراجعت سطوة النظام على الكثير من المدن والبلدات السورية، وبدأت تتشكل المجالس المحلية واللجان المدنية والهيئات والمحاكم الشرعية، التي أخذت على عاتقها الاضطلاع بتقديم الخدمات العامة في قطاعات الإغاثة وإعادة الإعمار والمرافق الخدمية المختلفة، و فض النزاعات بين الأهالي وتأمين حماية الأموال العامة والخاصة والسجلات العامة. وقد سجلت تجربة عدة أشهر من عمل المجالس والهيئات المحلية الكثير من النجاحات. واعترض عملها الكثير من الصعوبات، منها (1) تعدد المجالس المحلية وتناحرها في المدينة أو البلدة الواحدة. كما أظهر واقع العمل (2) ضعف التنسيق بين المجالس المحلية في المدن والمحافظات، الأمر الذي عاد سلباً على حال الخدمة العامة في البلدة نفسها. كما كشف عمل المجالس المحلية عن (3) تنافس فيما بينها ذي طابع سياسي هدفه الاستحواذ على الحياة العامة داخل المدينة أو البلدة وفرض لون سياسي واحد، ورهن تقديم الخدمة العامة بذلك. تفرز هذه التطورات نتائج سلبية قد يكون لها أثر طويل الأمد. فهي إذا استمرت تهدّد وحدة البلاد من خلال تفتيت الإدارة العامة على المستوى الوطني بشكل لا يمكن إصلاحه. وهي تعيق تشكل مجال عام سياسي وطني بديل له عمقه الديموقراطي، ليكون ضمانة فعلية لاستقلال القرار الوطني من التجاذبات الإقليمية والدولية والتي أصبحت للأسف هي المحدد الأساسي لتطور الحراك الثوري ميدانياً وسياسياً.

        إن ما أفرزه التحرك العفوي للمجالس المحلية يمكن البناء عليه وعقلنته، وهذا ما يجري فعلاً على الأرض. وتتطلب معالجة الواقع الصعب تعديل أسلوب عمل الهيئات والمجالس المحلية بما يتوافق مع المبادئ الأساسية التالية:

        – إن هدف الهيئات والمجالس المحلية هو إيجاد صيغة محلية واقعية لمواجهة تحدي تقديم الخدمات العامة في ظل الثورة وظروف التدمير التي يفرضها النظام، وصولاً إلى الانتقال لتأسيس حياة عامة يسودها مبدآ الكرامة والحرية على كامل التراب الوطني.

        – إن مهمة المجلس المحلي المباشرة هي مواجهة تحديات حفظ وإدارة الحياة في زمن الثورة في ظل التدمير الذي يقوم به النظام، وليس الصراع على شكل الحكم الذي سيقوم في البلاد بعد الثورة.

        – إن إسقاط النظام لا يكتمل برحيله فقط، بل بحفظ مؤسسات الدولة وإمكانيات انتقالها إلى ما بعد سقوط النظام، وتمكينها من أن تقوم على مبدأ تغليب صون كرامة السوري وحريته على أي اعتبار آخر.

        – لا يتطلب عمل المجالس المحلية في هذه المرحلة خلق مؤسسات جديدة من العدم بل إعادة إحياء مؤسسات الدولة السورية القائمة من دون سيطرة النظام، أو استعادتها من النظام وإرجاعها إلى المجتمع لتحاكي بفعالية هموم الحياة فيه، ولتمارس دورها الطبيعي في أن تكون متوجهة لخدمة السوري وحماية حقوقه ومصالحه بحيادية.

        – يتطلب في كل الأحوال من المجلس المحلي أن يكون منفتحاً دائماً وقابلاً لضم كل مكونات المجتمع المحلي، بما في ذلك تلك التي لم تشارك في الثورة، وتأمين ظروف التقاء السوريين والتداول في أمورهم العامة مهما اختلفت آراؤهم وانتماءاتهم.

        – لكي يكون عمل الهيئات والمجالس المحلية فعالاً وضامناً لوحدة البلاد، يجب أن يتم تنسيق العمل بشكل موحد على مستوى كامل البلاد، سواءً أكان ذلك في المناطق «المحررة» أم تلك التي ما زالت تحت سطوة النظام.

        – إن الثورة مهما طالت هي ظرف استثنائي، وإشكالية إدارة الشؤون العامة وضروراتها أثناء الثورة لا يمكن التعامل معها وفهمها من الأعلى ومن منظور حكومة بيروقراطية الكفاءات. لقد كشفت المعطيات الموضوعية المحلية والإقليمية والدولية عن أن ظروف تمكين هذا الطرح ما زالت غير محققة.

        – إن استعادة مؤسسات الدولة الى المجتمع يتطلب في هذه المرحلة أن تمارس هذه الهيئات والمجالس المحلية وظائف الإدارة العامة بما لا يتعدى حدود ما هو ضروري: لدعم صمود الشعب أثناء الثورة، وتأمين الخدمات المرفقية العامة، والمحافظة على أموال الدولة وسجلاتها وعلى مصادر الثروة الوطنية سواءً الاقتصادية أم الثقافية.

        – إن المجلس أو الهيئة المحلية في المدينة والبلدة هي الوحدة الأساسية التي يمكن أن يقام على أساسها أي تنسيق على نطاق أكبر. ويمكن أن يتبع في تعريف الوحدات الإدارية من مدن وبلدات وقرى تقسيمات الإدارة المحلية القائمة، ريثما يتم مناقشتها في ظل أوضاع دستورية ذات شرعية بعد سقوط النظام.

        – من أجل أن يكون التنسيق متماسكاً وذا أثر محسوس على المدينة أو البلدة وكذلك على المستوى الوطني، يجب أن تتوافق جميع القوى الفاعلة في المدينة أو البلدة على تشكيل مجلس أو هيئة واحدة، واحدة فقط، تضم كل المجالس والهيئات الموجودة والفاعلة ميدانياً في البلدة. وفي حال وجود أكثر من مجلس، هيئة، محكمة، بتابعيات مختلفة مع كتائب على الأرض، فإن من مسؤولية كل هذه الهيئات أن تحيّد الخدمات العامة للناس من الصراع السياسي، بحيث يجري تأديتها بعدالة وتجرد لضمان كرامة العيش للجميع بدون تمييز مهما كان شكله.

        – تحتاج المجالس المحلية، سواء على مستوى المدينة أو البلدة أو المحافظة أو على المستوى الوطني، أن تنظم عملها وفق لوائح إجرائية موحدة. ويمكن بالتشاور الواسع مع تلك المجالس، وفي وقت بسيط، وضع أنموذج  لائحة تنظيمية للمجلس المحلي، تُطرح على المجالس المحلية القائمة لتوحيد إجراءاتها، وعلى المجالس المحلية التي تتشكل لتبنّيها. وقد بدأ بالفعل هذا العمل بين العديد من المجالس والهيئات المحلية على مستوى بعض المحافظات السورية. ولا مانع من دراسة واعتماد الإجراءات التي تنظم عمل المجالس المحلية في قانون الإدارة المحلية، بعد التوافق فيما بين المجالس والهيئات المحلية على المستوى الوطني على استبعاد كل النصوص والإجراءات التي كانت تضمن سطوة النظام بدون أن تحقق أية عدالة إجرائية وأي إنصاف للمواطن. وفي كل الأحوال يجب الموازنة: بين أن تتبع المجالس المحلية عبر المحافظات السورية قواعد تنظيمية واحدة، وأن يكون تنظيمها مرناً لكل مجلس محلي بحيث يحاكي التحديات في تنظيم الشؤون العامة على المستوى المحلي كما هي على الأرض في كل بلدة.

        – تقوم المجالس المحلية بدعوة الموظفين الحكوميين القائمين على مؤسسات الدولة الخدمية، ولا سيما أولئك المعروفين بأنهم من ذوي النزاهة الشخصية والمهنية في المدينة أو البلدة، لمباشرة أعمالهم كل وفقاً لاختصاصه الوظيفي، وفق القوانين السارية. ويستبعد من القوانين السارية النصوص التي كانت تضمن سطوة النظام بدون أن تحقق أية عدالة وأي انصاف للسوريين، على أن يجري ذلك بشكل منسق وموحد وعلى المستوى الوطني.

        – انطلاقاً من المجالس المحلية على مستوى المدينة والبلدة، يقوم كل مجلس باختيار/انتخاب ممثل أو اثنين عن المجلس المحلي الواحد على مستوى المدينة أو البلدة ليكونوا أعضاء في مجلس محلي أعلى على مستوى المحافظة التي تتبع لها المدينة أو البلدة، وفقاً للتقسيمات الإدارية القائمة.

        – يكون المجلس المحلي على مستوى المحافظة موكلاً بتأمين الارتباط بين مجلس وطني أعلى للمجالس والهيئات المحلية من جهة ومجالس البلدات المختلفة في المحافظة التي تتبع له من جهة أخرى، ويقوم بالسهر على حسن تنفيذ القرارات التنفيذية المتخذة على المستوى الوطني في المحافظة والإشراف على عمل الإدارات الحكومية ضمن مراكز المحافظات التي تحررت من النظام، وذلك وفق قرارات المجلس الوطني الأعلى للمجالس المحلية.

        – تنتخب المجالس المحلية على مستوى كل محافظة ممثلاً لها ليكون عضواً في المجلس الوطني الأعلى للمجالس المحلية السورية، على أن يكون ممن يتمتعون بالمهنية والخبرة التي تؤهلهم لأن يضطلعوا بأمور إدارة الشؤون العامة.

        – يشكل المجلس الوطني الأعلى للمجالس والهيئات المحلية المكاتب المتخصصة بالقطاعات المختلفة، وذلك لمتابعة العمل على المستوى الوطني: كالمالية العامة، والعدل، والصحة، وشؤون الموظفين، والنظافة العامة، والتعليم، والكهرباء والمياه والمخابز، والزراعة، والموارد المعدنية، والأحوال المدنية والأمن العام، والنقل، والأوقاف، والبنية التحتية، والإعمار، والسجلات العامة، والاتصالات والتجارة…

        – ينتخب/يختار المجلس الوطني الأعلى للمجالس والهيئات المحلية على رأس كل من المكاتب المتخصصة أحداً من أعضاءه، على أن يتناوبوا المكاتب فيما بينهم وفق إجراءات تنظيمية يضعها مسبقاً.

        – يحدد المجلس الوطني الأعلى للمجالس والهيئات المحلية السياسات ويتخذ القرارات التنفيذية لتأمين مصادر تمويل عمل المجالس المحلية ومؤسسات الدولة التي تعمل تحت سلطتها على المستوى الوطني، ولا سيما لجهة تأمين أجور الموظفين وتعويضات المجالس المحلية ومخصصاتها.

        – يتخذ المجلس الوطني الأعلى للمجالس والهيئات المحلية القرارات التنفيذية لحسن تنمية الموارد والثروات الوطنية، سواء الناجمة عن الجباية أو عن مردود الثروات الزراعية والحيوانية والمعدنية، ويضمن عدالة توزيع عوائدها على المناطق السورية.

        – يقوم المجلس الوطني الأعلى للمجالس والهيئات المحلية بتحديد الاستراتيجية العامة الموحدة لإدارة المرافق العامة المختلفة، من منظور يأخذ بعين الاعتبار كامل الأراضي السورية، وتفضيل الاعتماد على موارد الثروات الوطنية وحفظها وحسن إدارتها بشكل رشيد وشفاف بما يحفظ استقلال القرار الوطني.

        – تلتزم المجالس المحلية على مستوى البلدة والمدينة باحترام وتنفيذ القرارات المتخذة في إطار التنسيق مع المجالس الأخرى على مستوى المحافظة وتلك التي يتم اتخاذها على المستوى الوطني.

        – تنتهي ولاية المجلس الوطني الأعلى للمجالس والهيئات المحلية فور سقوط النظام، وتسلم حكومة انتقالية مقاليد الإدارة العامة. ويمكن أن يتحول المجلس الوطني الأعلى للمجالس والهيئات المحلية ليعمل كحكومة انتقالية عند سقوط النظام. وتستمر المجالس المحلية على مستوى المحافظات والمدن والبلدات بعملها، وتقوم بتنفيذ القرارات الصادرة عن حكومة ما بعد سقوط النظام، لحين اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها من قبل تلك الحكومة.

موقع الجمهورية

—————————

أنماط الحكم المحلي في سورية بعد الثورة

https://www.dohainstitute.org/ar/lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/document_C87A791F.pdf

————————–

نحن لسنا بيادق .. نحن الشعب الذي انتفض ضد النظام/ جوانا عزيز

13 شباط 2025

تتناول هذه المقالة للكاتبة السورية جوانا عزيز سقوط نظام بشار الأسد، والظروف التي أدت إلى انتفاضة عام 2011، وسنوات الحرب، والتحديات التي تنتظر الشعب السوري خلال المرحلة القادمة، مع إبقاء الاحتمالات مفتوحةً حقّاً لمستقبلٍ حرّ. جوانا هي ابنة عمر عزيز (أبو كامل)، المفكر الأناركي السوري، الذي كان وراء إنشاء المجالس الديمقراطية المحلية في دمشق أثناء الانتفاضة. عام 2012، اعتقلت قوات الأمن السورية عمر عزيز، واستُشهد في زنزانته عام 2013 وسط ظروف رهيبة.

مقدمة

أثناء جلوسي للكتابة، أستعيد في ذهني آخر مرة رأيت فيها والدي. كان واقفاً أمامي خلف قضبان حديدية، ضعيفاً ونحيفاً، ومع ذلك ابتسم لي. أحمل تلك الابتسامة في ذاكرتي. كنتُ أقف أنا وأمي على الجانب الآخر، وانضمت إلينا بقية العائلات التي كانت تزور أحباءها. المقصود من التفريق بيننا وبين السجناء كان واضحاً. لقد أخطأ السجناء في حق الدولة وعليهم أن يتحملوا عواقب تمرّدهم. أما نحن، في المقلب الآخر، فلم نتمرد على الدولة، لذا يمكننا أن نخرج من مبنى السجن طليقين والتجول بحرية.

اليوم، أجد نفسي، كما السوريون/ات في جميع أنحاء العالم، في خضمّ انهيارٍ من المشاعر، الفرح والحزن والأمل والخوف، كلٌّ منها يسحبني في اتجاه. كان سقوط النظام السوري حلمنا المشترك، وهو الهدف الذي طمحنا إليه، وفي الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، تحقق هذا الحلم/الهدف.

لفهم واقعة سقوط نظام الأسد، من المهم أولاً أن نفهم كيف صعد إلى السلطة. منذ استولى حافظ الأسد على السلطة في سوريا عام 1970، صمّم نظاماً للحكم بقبضةٍ من حديد على جميع المقيمين/ات على الأراضي السورية. خلال العقود الثلاثة الأولى، وضع حافظ نظاماً مبنياً على المحسوبية الرأسمالية والفساد المحميّ بالرقابة المكثفة، ودولة بوليسية عسكرية. أثبت هذا المزيج أنه فعّالٌ لإضعاف أيّة معارضة تقوم ضد عائلة الأسد.

تقوية الأساسات

استغل الأسد منصبه في السلطة لاحتكار السيطرة على جميع القطاعات الحيوية، فضمن للدولة السورية أن تهيمن تحت حكمه على كل قطاع تقريبًا من الحياة العامة والخاصة. وشمل ذلك الاتصالات والعقارات والتعليم والرعاية الصحية وحتى مؤسسات الزواج. وشهدت السبعينيات توسعاً كبيراً في القطاع العام، مما جعل الدولة صاحب العمل الرئيسي للسوريين/ات. وبحلول عام 2010، كان هناك ما يقدر بنحو 1.4 مليون سوري/ة على قائمة رواتب الدولة. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى طمس الخطوط الفاصلة بين عائلة الأسد والدولة السورية، ما جعل التمييز بينهما مستحيلاً تقريباً.

المحسوبية

ضمَنَ نظام الأسد الولاء له عبر تنمية شبكةٍ من النخب المرتبطة بالعائلة، وتقديم الحوافز الاقتصادية والاجتماعية لها. مُنِحت المناصب القيادية على أساس الولاء لعائلة الأسد، وغالباً ما كانت لأعضاء من طائفة الأسد ذاتها، أي الطائفة العلوية، إلى جانب حلفائه المقربين من طوائف أخرى. وقد ضمن هذا النظام القائم على المحسوبية ولاء شخصياتٍ رئيسية في القطاعات العسكرية والسياسية والتجارية لعائلة الأسد، مما عزز سلطة العائلة. وللتأكيد على هذه السلطة الشمولية، أقيمت تماثيل لا تعد ولا تحصى تكريما للأسد ومحسوبيه، ورمزاً إلى هيمنتهم الشاملة على سوريا.

العنف الجماعي والسجن الجماعي

ربما كان السلاح الأكثر فعالية في ترسانة الأسد هو استعداد نظامه لاستخدام العنف اللامحدود ضد شعبه. بلغت هذه الاستراتيجية ذروتها الأعنف مع مذبحة حماة عام 1982، أطلق نظام الأسد حينذاك حملةً عسكرية وحشية ردًا على انتفاضةٍ نظمها الإخوان المسلمين. وفي عام 2011، قتل النظام ما يقدر بنحو 10 آلاف إلى 40 ألف شخصاً ودمر أجزاء كبيرة من المدينة ذاتها. وقد أرسلت هذا الأحداث رسالة واضحة إلى بقيتنا: أي تحدٍ لحكم الأسد سيقابل بعنفٍ ساحقٍ وعشوائيّ.

وقد أدت الحرب السورية، التي بدأت في عام 2011 في عهد نجل حافظ، بشار الأسد، إلى تصعيد هذا العنف إلى نطاقٍ صناعي/تكنولوجيّ. استخدم النظام القصف الشامل والبراميل المتفجرة والهجمات الكيميائية لسحق المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ما أسفر عن مقتل أكثر من نصف مليون شخص وتشريد الملايين. كما تم اعتقال عشرات الآلاف أو تعذيبهم/ن أو إخفائهم/ن.

ولا مكان يُوضح قدرة نظام الأسد على العنف أكثر مما تُظهره سجونه. من بين أكثر السجون شهرةً سجن تدمر و صيدنايا المعروف باسم “المسلخ البشري”.

تم تقسيم سجن صيدنايا إلى قسمين: “المبنى الأحمر” للتعذيب والإعدام، و”المبنى الأبيض”، الذي يضم السجناء المنتظرين لمصيرهم.

استناداً إلى شهادات من حراس سابقين، كشف تقريرٌ لمنظمة العفو الدولية في عام 2017، أنه: بعد الحرب السورية، تمّ تطهير المبنى الأبيض من سجنائه الحاليين إفساحاً لاستقبال المعتقلين/ات المتهمين/ات بالمشاركة في الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد. تشير التقديرات إلى أن حوالي 157.634 سورياً اعتقلوا بين مارس/آذار 2011 وأغسطس/آب 2024. من بينهم 5.274 طفلاً و10.221 امرأة. تحت المبنى الأبيض، تقبع “غرفة إعدام” يُنقَل المعتقلون/ات من المبنى الأحمر ليتم شنقهم/ن. في الفترة ما بين عامي 2011 و2015 وحدها، تم شنق ما يقدر بنحو 13 ألف شخصاً هناك.

(يوم رأيتُ والدي عمر عزيز، وعندما خرجت من مبنى السجن، وقفت على أرض سوريا، مفترضةً أنني حرة. لكنني لم أشعر بأي طعمٍ للحرية)

وقد عرفنا منذ فترة طويلة عن أهوال هذه السجون. في أغسطس/آب 2013، قام منشقٌّ عسكري يُدعى قيصر، (كشف عن نفسه مؤخراً باسم فريد المذهان)، بتهريب 53275 صورة فوتوغرافية، وثقت وفاة ما لا يقل عن 6786 معتقلاً. قدمت هذه الصور لمحةً عن وحشية نظام الأسد. اليوم، وبعد تحرير هذه السجون والكشف عما كان بداخلها ،أصبحت الأمور أكثر وضوحاً.

تصف الروايات فظائع لا يمكن تصورها من الاغتصاب والتشويه وانتهاك الجثث والتجويع والحرمان من الاحتياجات الأساسية كالغذاء والماء والنوم والدواء. وقد استوحتْ سجون الأسد بعض أساليب التعذيب المعتمدة فيها من الممارسات الاستعمارية الفرنسية والألمانية، بما في ذلك الكرسي الألماني، حيث ينحني الضحايا إلى الخلف حتى ينكسر العمود الفقري. كذلك كان بساط الريح من أكثر اساليب التعذيب الرائجة داخل سجون الأسد، وهو لوحٌ خشبي مصمم لضم الركبتين والصدر معًا، يسبب آلاماً لا تطاق في الظهر. وأيضًا السلم، حيث يُربَط المعتقلون/ات إليه ويتمّ دفعهم/ن مراراً وتكراراً، ما يتسبب في كسر ظهورهم/ن مع كل سقوط. وأخيراً، كان المكبس الحديدي يستخدم للتخلص من الجثث بشكل جماعي.

من المفجع معرفةُ أن هذه الفظائع استمرت لسنوات. فالسوريون/ات اليوم إما ما زالوا يبحثون عن إجابات حول أحبائهم/ن المفقودين/ات، مثل وفا مصطفى التي لا تزال تبحث عن والدها، أو يحزنون على وفاة أفراد عائلاتهم/ن وأصدقائهم/ن المؤكدة. ففي هذا الأسبوع، نزل السوريون/ات إلى الشوارع حزناً على فقدان الناشط مازن الحمادة، الذي تأكدت وفاته في مستشفى عسكري. مازن، رمز المقاومة واللطف، له مكانٌ أبدي في قلوبنا إلى جانب عددٍ لا يحصى من آخرين كرسوا/ن حياتهم/ن من أجل حريتنا اليوم: رزان زيتونة، وسميرة خليل، وغياث مطر، وكل الرجال والنساء والأطفال الشجعان الذين ضحوا/ضحيّن من أجل مستقبل سوريا.

في تحقيقٍ حديث، يكشف فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، عن أدلّةٍ تشير إلى أن النظام متواطئ في حرق الجثث على نطاق صناعي. “أين الجثث؟” يسأل. منذ يوم أمس، تم اكتشاف حوالي 50 كيساً من بقايا بشرية في أرضٍ قاحلة بالقرب من دمشق، وهي واحدة من العديد من المقابر الجماعية المشتبه بها. وتأكيداً لدعوة عبد الغني، أؤكد على الحاجة الملحة لمعرفة مكان دفن الجثث، حتى يتمكن/تتمكن السوريون/ات من دفن أفراد أسرهم/ن والبدء في رسم مستقبلهم/ن.

ومع ذلك، وسط كل هذا الظلام، هناك فرحٌ وعزيمة. لقد أظهرت مقاطع الفيديو الأخيرة إطلاق سراح سجناء، من بينهم/ن أطفال صغار، ورجال بالغون فقدوا ذاكرتهم بسبب الظروف المروعة داخل السجون، ونساء ولدن في الأسر أطفالاً من آباء لا يعرفنهم. وعلى رغم هذه المعطيات المؤلمة، فإن اليوم هو يوم أمل، حيث تجتمع العائلات، ويحتضن/تحتضن الأحباء/الحبيبات المنفصلون/ات منذ فترة طويلة بعضهم/ن بعضاً مرة أخرى. إن تفكيك سجن صيدنايا حدثٌ مهمٌّ يجب تذكره.

نحن نقف في أول أيام سقوط نظام الأسد، حيث تم إسقاط التماثيل، وتحطيم الصور، وتشتيت المحسوبيات، وتبديد المخابرات. عائلة جمعت الثروة وأوقعت 90٪ من الشعب السوري في الفقر، تجد الآن منزلها مفتوحاً، حيث يمشي الناس العاديون ويأخذون ما يحلو لهم. هي مفارقة حلوة، أو ربما انتقام مناسب.

لكن احتفالنا سيكون قصيراً.

ماذا بعد؟

إن الفراغ الذي تركه النظام تستغلّه فصائل قومية مثل هيئة تحرير الشام – وهي منظمة استبدادية ذات أيديولوجية أصولية إسلامية، والجيش الوطني السوري – وهو وكيل لتركيا. ويُنظَر إلى كل من هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري على أنهما يشكلان تهديداً لسوريا ديمقراطية. وعلى رغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحرضا على العملية العسكرية التي أدت إلى سقوط النظام، فإن إسرائيل تعارض تحرير سوريا بسبب المخاطر المحتملة التي يمكن أن تشكلها سوريا محررة على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والاستقرار الإقليمي.

من الضروري في هذه اللحظة أن نرفض كل أشكال القومية العربية والكيانات الاستعمارية المتجذرة في التطهير العرقي والتوسع الاستيطاني، سواءٌ أكانت مدفوعة من قِبَل إسرائيل أو الولايات المتحدة أو تركيا أو غيرها من البلدان. يجب علينا أيضاً حماية وضمان عدم المحو الممنهج للمجموعات العرقية بما في ذلك الآشوريين والكورد والنوبيين والأرمن.

الأمر متروكٌ الآن للسوريين/ات لتفكيك الأساسات الهرمية وإعادة بناء الديمقراطية من خلال “السلطة من الأسفل”. إن نضال والدي ورفاقه يثبت قدرة الطبقة العاملة على الحكم الذاتي من خلال المجالس المحلية. لقد تمكنوا حينها من الازدهار من دون الدولة، من خلال تنظيم التعليم والمستشفيات والخدمات، يُسيّرها أناس عاديّون. ومنذ سقوط النظام، قام السوريون/ات بالفعل باستعادة المهام الأساسية التي أهملها النظام. والمبادرات لتنظيف واستعادة الأماكن العامة مثالٌ يشهد على ذلك.

من المؤسف أن العالم يقف مرةً أخرى مكتوف الأيدي، متردداً في تقديم الدعم الذي نستحقه. اليوم، كما في الماضي، يسعى الخطاب إلى الحد من إمكانيات التغيير في سوريا. نحن نُصَوَّر كأشخاص سلبيين/ات، وتشوَّه سمعتنا بنظريات المؤامرة، ونُوصَم باعتبارنا بيادق في لعبة جيوسياسية كبرى.

ولكننا لسنا بيادق. نحن الناس الذين ثرنا ضد نظام كنا نعلم أنه سيقتلنا.

يوم رأيتُ والدي، وعندما خرجت من مبنى السجن، وقفت على أرض سوريا، مفترضةً أنني حرة. لكنني لم أشعر بأي طعمٍ للحرية. كان الشعور بالمراقبة والخوف هما المألوفان، فقبضة النظام في كل مكان، في الشوارع، في المحلات التجارية، على الطرق، وفي عيون الناس. رأيتُ سوريا كلها وكأنها سجن ضخم.

إذا كان هناك رسالةٌ أريد مشاركتها مع العالم، فهي هذه: ما لم تتمكن أنتَ/تِ ومجتمعك من تحديد أسلوب حياتك، فأنتَ/تِ تعيش/ين داخل سجن كبير. سجن يسعى إلى السيطرة على إمكاناتنا وخيالنا وتقييدها. إذا أمكن لواحدٍ من أكثر الأنظمة دكتاتوريةً ووحشية في القرن الحادي والعشرين أن ينهار في غضون أيام، فإن النظام الرأسمالي الذي يهيمن على حياتنا ويستغلها قد ينهار أيضاً. يجب أن نكون قادرين على الحلم بهذا العالم الحر، كما حلم والدي بسوريا الحرة.

ترجمة : انطوني برمانا

كاتبة سوريّة، تتركّز كتاباتها حول المقاومة والحركات الشعبية وقضايا السجناء السياسيين، مستلهمة من والدها الراحل عمر عزيز، أحد الشخصيات البارزة في انتفاضة سوريا. تتعمق جوانا في رحلة سوريا خلال الحرب السورية وأيّ مستقبلٍ ينتظر شعبها.

(نشرت هذه المقالة منذ بضعة أسابيع على موقع Black Rose Anarchist باللغة الانكليزية. وهي تعبّر عن وجهة نظر الكاتبة فقط)

حكاية ما انحكت

—————————-

عمر عزيز: صوت الغياب والحلم الذي لن ينتهي/ عمّار ملص

رسالة إلى المناضل السوري في ذكرى استشهاده

        أبو كامل، أُفكّر فيك كصوت الغياب الذي لا يُغادرني مطلقاً. أيُّ كلام يمكن له أن يملأ فجوة الغربة بين هاتيك الأيام مذ غادرت إلى اليوم. كنا نصحو كل يوم لنتذكر أن بشار الأسد، الذي يهين مَنظرُهُ عقلنا البشري، ما يزال قابعاً هناك في قريتنا.

        بدايةً،  للعِلم، سوريا التي أحببتَها، طَردت بعضاً من قَيحها. لم يَعُد موجوداً فيها من يدنّس ما تبقى من أرضها التي لم يُحرقها. نبذت سوريا عثَّ هذا الكوكب خارجاً.

        نعيشُ منذ أسابيع أياماً كنّا نراها مستحيلة، لكنها جاءت، كنا نراها مستحيلة جميعنا ما عداك. ها قد أصبح الحلم المستحيل حقيقة.

        سجن عدرا، ذلك المكان الذي قُيِّضَ له أن يكون سجناً ووطناً في آخر أيامك، أصبح اليوم فارغاً، لكن هذا الفراغ لم يُزِل وجع الفقد.  

        غريبة هاتيك الأيام يا أبو كامل، غريبةٌ جداً. لو قُيّضَ أن تكون لي كلمة مسموعة لدى السماء لسألتُها أن تعيدك إلى هذا العالم البائس لترى ما حصل. إنَّ هذا العالم مدينٌ لنا بشرح ما يحدُث، سيكون أمراً سهل الاستيعاب بالنسبة إليك. سيبدو ما جرى بالنسبة لك أمراً مُسلّماً به. من أين امتلكتَ مثل هذا اليقين بأنّ ثورة مثل هذه يمكن لها أن تنجح. من أين لك مثل هذا اليقين يا صديقي. أجدُ نفسي اليوم باحثاً عن ضحكتك التي كانت دائماً تسبق أيّ تفسير. لو كنتَ هنا الآن، هل كنتَ ستكتفي بابتسامتك الصامتة التي تقول إنك كنت تعرف كلّ شيء مسبقاً؟

        هناك تأريخاتٌ عديدة يا عمر، لقائي معك عند قدومي الرياض في عام 2006، وقتها نصحني صديقنا عمر أبو سعدة بالتعرف عليك. هل أبوح بَسرّي وأقول إنني حينها لم أكن أرغب في رؤيتك مجدداً. لك أن تتخيل، يا عمر، أنني بعد ذلك اللقاء الأول شعرتُ بثقل كلماتك، كأنك كنت تنقل عالماً كاملاً من الأفكار التي لم أكن جاهزاً لها. كنتُ يومها أحاول أن أبدو مثقفاً بما يكفي، أن أُخفي جهلي، لكن الحقَّ أنّ حديثك عن فوكو وعن «المراقبة والمعاقبة» جعلني أشعر وكأنني طفلٌ يحاول فكَّ رموز كتاب قديم مكتوب بلغة لا يفهمها. فوكو ودراسته للسجون، واعتمادُها على المراقبة بدل العقوبة الجسدية والجنسانية، ودورها في التحكُّم الاجتماعي.

        داريتُ جهلي بالقول إنّ الترجمات إلى العربية تمت على يد فلاسفة من المغرب العربي، وإنّ لغتهم معقدة علينا نحن المشرقيون. لربما ينبغي أن أعترفَ أنني حاولت بعدها أن أقرأ كتاب المراقبة والمعاقبة، وفشلت. الترجمة جدُّ سيئة يا عمر. والله.

        لكن الحقيقة أيضاً يا عمر أنني لم أكن مُستعداً للغوص في تلك الأفكار العميقة التي كنتَ تُلقيها ببساطة، وكأنها حكايا يومية. كنتَ تتحدث عن السجون كأنك زُرتها جميعاً، وعن الجنسانية كأنها مفتاحٌ لفهم العالم، وأنا كنتُ مشغولاً بمحاولة إدراك ما تقصده أصلاً.

        بدوتَ دائماً حالماً، حتى في مشاريعك التي كانت تبدو للبعض مستحيلة أو عبثية. خُذ مثلاً فكرتك في إعادة تشكيل «أبناؤنا في الجولان»؛ و تحويله من برنامجٍ تعليميّ مُخصَّص لأطفال سوريا المُتعَبة إلى جعله مادة درامية تَفتح لهم نوافذ جديدة على التعلُّم، فكرة أشبه بمشهد مأخوذ من لوحة سوريالية، يثير الدهشة وربما التردُّد. يبدو أن الحلم، يا صديقي، لم يكن مجرد خيار بالنسبة لك، بل كان ضرورة. أو هكذا سأعرف لاحقاً.

        أذكر أنني حاولت تحويل الحديث إلى الشعر، حقل أعرف فيه القليل على الأقل. كنتُ أظن أن الشعر سيكون أرضاً محايدة، لكن حتى هنا لم نكن على توافق. لم أكن أفهم ولعكَ بمحمود درويش وقتها، وكنت أجادلكَ بلا هوادة حول معاني قصائده. أذكر أنني قلت لك مرة إن قصيدة «حلمتُ بقصيدة زرقاء من سطرين» تبدو لي مُبهمَة حَدَّ الغموض، وسألتكَ ما الذي يمكن أن تعنيه «قصيدة زرقاء». ابتسمتَ حينها كعادتك. سيموت درويش ونحضر سويّة بثَّ جنازته من بيتي في الرياض. سأقول لك إن محمود درويش سيصبح عصياً على النقد كأي نبيّ، وأنني أُفضِّل نص أمجد ناصر أكثر. وستبتسم مجدداً. لم نتفق في الشعر إذن، ولم أكن مهتماً بالفلسفة حينها (ما زلت على موقفي الجاهل حتى الآن، حتى بعد قراءاتي في هذا الحقل الإنساني. سألوم الترجمة دائماً). أنقذتنا إيديث بياف من صمت غريب بيني وبين ابتسامتك. أيّ رِقّة هذه يا رجل كنتَ تحملها معك!

        لكأنَّ السماء تدخَّلت بعد ذلك لأجدك تسألني عن فايز، عمّي، ولتبدأ الرحلة الأكثر عمقاً في حياتي حتى اليوم. وكأن سؤالك هذا فتح الباب على شيء أكبر من مجرد حديث عابر. بدأت تلك الحوارات الدورية بيننا نحن الثلاثة، مكثفة وعميقة، كأنها طقس مُقدَّس يُعاد كل أسبوع. لم يكن الأمر مجرد كلمات تُقال، بل جلسات تفيض بالتفكير، وبأسئلةٍ تأخذنا بعيداً في عوالم لم نكن نعلم أنها تسكن داخلنا. وجدتُ نفسي بينكما كمن جلس تحت شجرة التين المُقدَّسة، التي احتضنت بوذا حتى وصل إلى استنارته. كان الحوار يتدفق بينكما، كساقية في جبل. كانت الكلمات تضرب جذورها كشجرة بودهي ذاتها. والحكمة ضالّة المؤمن يا صديقي.

        سيُضاف تدريجياً إلى قائمتنا رشا وإبراهيم، وفي مرحلة متأخرة معتصم، لتكتمل دائرة السهرات. سنستسلم لسحر السينما كما لو أنها طقسٌ من طقوس النجاة، نشاهد كيروساوا ونكتشف غودار سوية، نغرقُ في عوالمهم ونصنع منها عوالمنا الصغيرة. كانت السينما طريقتك، كما قلنا مرة، «لرشّ السكر على الموت»، ووسيلةً للهروب من المفاجآت القاسية التي كان يبدو أنك تعرف أنها ستأتي يوماً.

        سيتضح مع الوقت هوسكَ بالصور، بشكلياتها وجمالياتها، كأنك كنت تحاول تثبيت لحظاتٍ شعرتَ في أعماقك بأنها لن تدوم طويلاً. كنت تلتقط الصور بوعي غريب، كأنك تصنع ذاكرة مؤقتة، ليس لنا، بل ربما لك وحدك. لكن الغريب في الأمر أن كل هذه الصور اختفت بعد رحيلك، كأن هناك اتفاقاً سرّياً بينك وبين القدر، كأنكما قرَّرتما معاً أن لا تتركا لنا شيئاً يُحيلنا إلى نوستالجيا الفقد.

        بحثتُ بين صوري عن أثر لك، ولم أجد سوى صورتك في أميركا وصورة أخرى حين زُرتني في المشفى. هذا كل ما تبقى، صورتان فقط، كأنها تذكير بأنك لم تكن تعيش لتترك خلفك أرشيفاً من الذكريات، بل كنت تعيش اللحظة بكل امتلائها، ثم تدعها تتلاشى كما تريد. الصور التي تجمعنا الآن ليست إلا تلك التي ترسّبت في ذاكرتنا، تحمل ملامحك وكلماتك، ونوعاً من الحضور الذي لا تملكه أيّ صورة مادية.

        سنكتشف لاحقاً أن تلك السنوات الخمس لم تكن سوى بروفات، تمرينات أولية على الحياة التي ستأتي بعدها، حيث سنصبح جميعاً أسرى الانتظار. سنعيش وكأن حياتنا تجري مع وقف التنفيذ، كل يوم يمرّ كتحضير للحظة واحدة، لحظة العودة إلى سوريا، تلك اللحظة التي بدت لنا كأنها نقطة النهاية التي تستحق أن نبني حياتنا حولها.

        كلٌّ منّا كان مهووساً بزمنه الخاص؛ أحدهم يعيش في سباق مع الوقت لإنهاء التزاماته العائلية، وأنا وعُصبتي نَعدُّ الأيام لدفع بدل الجيش، كلُّ واحدٍ منا يربط مصيره بتلك اللحظة المجهولة. لم نكن نعلم أن انتظارنا سيأخذ أشكالاً أخرى، وأن تلك اللحظة ستأتي أخيراً، لكنها لن تشبه ما تخيلناه.

        بدأت القصة في تونس، حيث سقطت أول أحجار الدومينو، وصولاً إلى سوريا التي انتفضت فجأة، كأنها تستيقظ من حلم طويل، أو كابوس مديد. تلك اللحظة التي عشنا ننتظرها، جاءت، لكن ليس كما رسمناها في أذهاننا. لم تكن لحظة العودة البسيطة التي حلمنا بها، بل كانت لحظةً أعادت صياغة كل شيء: حياتنا، أفكارنا، وحتى تعريفنا للوطن.

        فاتَ أوانُ أن أخبركَ اليوم أنني كنت متشائماً عندما أوصلتكَ إلى المطار من كومباوند الفال، حيث كنتَ تسكن. لا زلت أذكر كل التفاصيل الصغيرة التي أحاطت بتلك اللحظة:

        رقم الأستوديو الضيّق A1205، الجدران التي بالكاد تتسع للكتب التي تَكدَّست فوق بعضها، معظمها بالفرنسية، كأنك كنت تبني قلعة من الورق في مساحة بالكاد تكفيك.

        كنتُ أحاول، بصمت، أن أتآمر مع الجغرافيا، آمِلاً أن يتباطأ كل شيء من حولنا:

        الطريق، الزمن، حتى إشارات المرور. ربما تمنيت أن تصل متأخراً وتفوتك الطائرة، كأن ذلك يمكن أن يُغيَّر شيئاً. لكنك كنت مختلفاً، دائماً ما ترى الطريق واضحاً، تسلكه بثقة كأنما تخطو فوق أرض تعرفها مسبقاً.

        لم تكن تلك الرحلة بالنسبة إليك مجرّدَ مغادرة أو انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت خطوة أخرى في مسارك الذي كنتَ ترسمه بثبات، حتى عندما لم يكن واضحاً لنا نحن من حولك. أما أنا، فقد كنتُ عاجزاً عن مجاراتك في رؤيتك، مُتردِّداً أمام قرارك، وكأنني أحاول أن أُمسكَ بالزمن لأوقفه، أو أُمسكَ بكَ لأُبقيكَ قريباً.

        ستُسمّي صفحتك الجديدة على فيسبوك «مبسوط راجع على بيتي»، وكأنك كنت تحتفل بانتصار صغير وسط بحر من الخسارات. ستبدأ العمل بحماس على مشروع المجالس المحلية، كنتَ تراها بديلاً مُحتملاً عن مؤسسات الدولة المتآكلة؛ كنتَ تؤمن بأنها خطوة أولى نحو مجتمع جديد. اختلفنا حينها كثيراً، كعادتنا. كنتُ أراه مشروعاً حالماً، رومانسياً، ومحدودَ الأفق. قلتُ لكَ إن السوريين بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، إلى رؤية أعمق من مُجرَّد تنسيقيات ومجالس محلية. لكنك كنت ترفض حتى فكرة «العقد الاجتماعي»، وكنت ترى في روسو مجرد مهرطق آخر لا يستحق التوقف عنده.

        هل أَغضبتُكَ تلك المرة يا أبا كامل؟ هل شعرتَ أنني أقل إيماناً منك؟ لا أدري. كل ما أدريه أنني كنتُ أبحث عن إجابات، وأنت كنتَ تعيش في يقينك، ذلك اليقين الذي لا يملكه إلا الأنبياء. كنت ترى هذه المجالس خطوة ضرورية، وأنا كنتُ أراها مجرد تكرار لخطاب معسول، نسخة محسّنة من تنظيرات حزب البعث التي استهلكها الزمن. أخبرتكَ بذلك مباشرة حين أرسلتَ لي مسودتكَ الأولى عن المجالس المحلية، وبدلاً من أن تغضب، أكملتَ بنقاشك المعتاد، ذلك النقاش الذي لا ينتهي إلّا بابتسامتك الواثقة وكأنك تقول لي: «يمكن غلط، بُكرا بنشوف».

        أما الآن، وبعد كل شيء، لا أملك إلّا أن أعترفَ أنكَ كنتَ أكثرنا وعياً بالضرورة التاريخية للتغيير. فاتك الكثير، نعم، لكن كل ما فاتك ليس سوى تفاصيل صغيرة في كتب التاريخ التي لا تعنيك ولا تعنيني. النتيجة الأهم، يا صديقي، أن سوريا حرّة كما أردت، كما حلمت، وكما تيقنتَ حتى في أحلك اللحظات. وكأنك كنت تعرف، قبلنا جميعاً، أن الأمل أيضاً كما الحلم ليس اختياراً بل ضرورة.

        تأريخٌ آخر أريد أن أخبرك عنه، يا أبو كامل. كنتَ آخر من بكيتُهُم. خسرتُ الكثير من أحبتي وأقربائي، لكني لم أذرف دمعة واحدة على أيٍّ منهم. بكيتُ بحرقة بعدها مرة واحدة فقط، عندما غادر آدم إلى كندا، لكنها كانت دموع الفقد المؤقت، وليست دموع الغياب الأبدي الذي تركه رحيلك. جفَّ الدمع تماماً منذ ذلك الحين، يا عمر، وكأن فقدكَ أغلق حنفية الحزن داخلي، أو ربما استنفدها بشكل كامل.

        لا أذكر التفاصيل بدقة، لا أذكر في أيّ شهر اعتُقلت، ولا في أيّ شهر فارقتَ الحياة، ولا حتى كم من الوقت قضيتَ في زنزانتك. الذاكرة تلاشت وكأنها تحاول حماية نفسها من عبء التفاصيل. لا أذكرُ إن كنتَ قد رحلتَ قبل فايز أو بعده.

        بالمناسبة، فايز أيضاً رحل. أعرف أنه عاش الثورة في أيامها الأولى، بكامل وعيه وحماسته، قبل أن تخونه ذاكرته وتبدأ الثورة في التلاشي داخل عقله كما تلاشت سوريا في أعيننا.

        زُرته في دار العجزة الباريسيّة، ذلك المكان الذي بدا وكأنه صُمِّمَ خصيصاً للموت:

        كان يقطن في حيّ غريب، حي تبدأ فيه محلات بيع التوابيت والزهور، ثم تمتد إلى دار العجزة، وفي النهاية توصلك إلى المقبرة.

        قاسية هي هذه الــ «باريس» يا عمر، قاسية بشكل يجعلني أتساءل عن علاقتنا بها. كأنها مدينة تتنفّسُ الحزن وتكتنزُ الرحيل، لكنها تمنحه طابعاً أنيقاً يُخفي قسوته خلف واجهات زجاجية وباقات من الزهور.

        فايز كان هناك، جسداً متعباً بدون ذاكرة، بلا أثر لذلك الحماس الذي كان يضيء وجهه في مكالمات السكايب. باريس لم ترحمه، كما لم ترحم بعده فدوى وميّ، وكأنها تخبرنا أننا مجرد عابرين في عواصم لا تُبالي إلا بتفاصيلها الصغيرة. أما أنا، فقد خرجتُ من تلك الزيارة وأنا أحمل إحساساً آخر بالفقد، إحساساً يُضاف إلى الخسارات التي تراكمت منذ أن غبت.

        ماذا عن البقية؟

        جميعهم بخير، على طريقتهم. هذه جردة سريعة يا أبو كامل. رشا وآدم في مونتريال، يعيشان حياة مختلفة تماماً. رشا، التي كانت دوماً تمشي على الحافة بين الواقع والحلم، أصبحت الآن في قلب الحلم الكندي، ولكنها، بشكل مفاجئ، تعيش الحلم السوري أيضاً، حتى إشعار آخر. يبدو أن نصائحك لها عن ضرورة استقلال المرأة اقتصادياً أثمرت. ماذا أقول لك؟ سامحكَ الله على نظريتك حول تمكين المرأة، خربت لنا بيتنا يا رجل.

        (أتخيّل ضحكتك اللطيفة الآن، تلك الضحكة التي كانت تحمل دائماً شيئاً من التهكُّم اللطيف، وكأنك كنت تعرف كل شيء مسبقاً).

        أما آدم، الذي رأيتَهُ رضيعاً ذات يوم، فقد أصبح الآن في الثالثة عشرة. تخيّل يا أبو كامل، لقد خطَّ شارباه! 

        إنه يتقن ثلاث لغات بطلاقة والرابعة في الطريق. مواطن كندي حقيقي، يعيش حياة لا تشبه شيئاً ممّا عرفناه نحن. لكنني، في زيارتي القادمة له، سأحاول أن أحقنه ببعض الجرعات السورية، علّه يشعر قليلاً بما كُنّا فيه وما وصلنا إليه. لا أريد له أن يفقد الرابط تماماً، أن يتحول إلى غريب عن تلك الأرض التي صنعت كل شيء فينا.

        وصلتني صورته مؤخراً، يقف إلى جانب العلم الجديد القديم، ذلك العلم الذي يحمل كل أحلامنا وكل جراحاتنا. ربما هناك بوادر خير هنا، بوادر صغيرة لكنها تكفي لتجعلني أبتسم، حتى وأنا أكتب لك، لأنه في النهاية، كل ما نعيشه الآن هو امتدادٌ لما كنت تؤمن به دائماً، ذلك الإيمان الذي لم يتزعزع، حتى حين كنا نحن جميعاً غارقين في الشك .

        إبراهيم، يا أبو كامل، صار مترجماً «أدّ الدنيا» في لندن. ذلك الشاعر الذي كانت كلماته تملأ الجلسات بروحها الخاصة، وجد اليوم مساراً جديداً. الترجمة بالنسبة له ليست مجرّد نقل للمعنى، بل هي فنٌّ في حد ذاته. رغم ذلك، لا أنكر أنني أفتقد شعره، ذلك العالم الذي كان يخلقه بكلماته. لي معه حسابٌ لاحقاً، لأنه منحنا فراغاً كبيراً بغياب قلمه، لكنه، في كل ما يفعله، لا يزال يحمل تلك الروح التي عرفناها فيه.

        أما عُديّ، الذي كنت تحبه جداً، فهو يكتب ويراجع، بل ويترجم. شابٌ مبدع حقاً، يا عمر. أتابع كل ما يكتبه بشغف، من النقد الذي يفتح العيون إلى القصص التي تأخذك إلى أماكن لا تعرفها. يدهشنا دائماً، وكأنَّ كتاباته نافذة صغيرة تطل منها سوريا التي نحلم بها.

        معتصم؟ إنه في بروكسل الآن، لكن ليس لوقت طويل، كما أظن. يبدو أنه عائدٌ إلى سوريا، ليصبح جزءاً من ذلك الحلم السوري الذي لطالما آمنتَ به. معتصم واقعي بشدة، لكنه يحمل دائماً لمسة حالمة، تلك اللمسة التي تجعل من الأحلام أمراً يمكن تحقيقه. يتحدث عن سوريا العلمانية التي أُدافع فيها عن حق أمي في ارتداء الحجاب، وعن حق صديقي في اختيار الإلحاد.

        أما عمر أبو سعدة ، فهو يكتب المسلسلات التي يُقال عنها إنها ناجحة جداً. لا أتابع التلفزيون منذ عقد كامل، لكنني لا أشكُّ أبداً في قدراته. نعلم علم اليقين أن عمر مُعلّمٌ حقيقي فيما يفعله. هو الآخر يحمل رؤيته الخاصة لسوريا، ويرويها بطريقته.

        لا أعرف الكثير عن عائلتك يا عمر، سامحني. لم يكن بيننا حديثٌ عنهم إلا القليل. تحدثت مع ندى لأطلب منها عنوان قبرك لأزوره ، لكنني لم أجرؤ على ذلك. منذ عودتي إلى سوريا في شتاء 2019، بعدما صحَّحتُ وضعي مع النظام السوري، بقيَتْ رهبةُ زيارة قبرك تُلاحقني . زرتُ فرع فلسطين ثلاث مرات يا عمر. كنتُ خائفاً، خائفاً حتى من زيارة قبرك. يا للبؤس. لكن، لحسن الحظ، زالَ هذا الكابوس الآن.

        لم أجرؤ على أن أُخبِرَ ندى أنّ جوازات سفرك القديمة لا تزال معي، أحتفظُ بها وكأنَّها كنز. لصٌّ أنا، يا عمر، لكن ليس على طريقتهم. كنتُ أبحث عن أيّ شيء يُبقيني متصلاً بك، وكأن هذه الوثائق التي عبرتَ بها العالم تحمل جزءاً من روحك. ما زال لدي أيضاً شالكَ الصوفي الجميل. هذا كل شيء. سامحني على هذا التعلُّق.

        وبالحديث عن القبور، يا أبو كامل، هل تعلم أنك محظوظ جداً لأن لك قبراً نزوره، مكاناً نعرف أنك انتهيت إليه؟ هذه نعمةٌ نادرةٌ في سوريا اليوم يا صديقي. نستطيع أن نأتي إلى هناك، أن نضع زهرة، أن نتحدث إليك. ميزة لم يحصل عليها كثيرون من أحبائنا الذين غُيِّبوا في سجون النظام، وابتلعتهم تلك الجدران إلى الأبد.

        رامي سليمان، صديقي النبيل من أيام المدرسة، اختفى كما لو أنه لم يَكُن. وإياس، ذلك الشاب الهادئ الذي لا يقل وداعة عن وداعتك،  اعتُقِلَ بلا سبب واضح. لا أعرف حتى لماذا أخذوه، ولماذا اختفى من حياتنا بهذا الشكل القاسي.

        ثم هناك المئات يا عمر، الذين لم يبقَ منهم إلا أسماؤهم، تُردِّدها الذكريات كأنها محاولة ضعيفة لإبقائهم على قيد الحياة. يا لهذا الكابوس الذي كُتِبَ علينا أن نحمله معنا حتى آخر أيامنا. نحن الذين بقينا هنا نحاول أن نتذكر، أن نحفظ الأسماء، كأننا نحارب النسيان الذي يحاول أن يبتلعنا جميعاً.

        مشتاقٌ لك يا أبو كامل كما لا تتخيل. مشتاقٌ لك يا صديقي، مشتاقٌ لابتسامتك ولروحك اللطيفة. هل رأى سجّانوكَ هذه الابتسامة. كيف استطاعوا أن يتغلَّبوا بحقدهم وكراهيتهم على هذه الوداعة.

        في مقال كتبه عباس بيضون عنك (حتى هذا أحبه أكثر من درويش) قال: «تَذكّروا هذا الاسم، لاحقوه، اسألوا عنه، اعرفوا في أيّ معتقل هو. رُعبي أن يكون اختفى واحتبس صوته إلى الأبد». كان بيضون مُحقّاً في بعض ما قاله. اختفيتَ يا عُمر، لكنّ صوتكَ لم يحتبس إلى الأبد ولن يحتبس. باقٍ هذا الصوت ما بقيَتْ سوريا.

        إلى اللقاء.

        عمّار

موقع الجمهورية

—————————-

عمر عزيز… ورحل المثقف السوري تحت التعذيب/ وسام كنعان

عندما دخل الطبيب والشاعر السوري الشاب عمرو كيلاني مبنى الـ «زيكو هاوس» في بيروت، كانت طاقته الإيجابية تملأ المكان، وبسمته المعتادة تسبق خطواته، لكن حالما فتح كمبيوتره الشخصي ودخل الشبكة العنكبوتية، تحوّلت البسمة إلى دهشة المصدوم بفاجعة: «لقد مات عمر عزيز في أقبية الاستبداد». قالها الشاعر المرهف وهو يحدق بأصدقائه قبل أن ينفجر بالبكاء مردداً «عمر خسارة. خسارة لكل سوريا».

الناشط والمثقف السوري المعروف عمر عزيز (1949ـــ 2013) آلم كل من عرفه برحيله أول من أمس، لأنه لم يعرف يوماً إلا أن يكون سهلاً ومرناً ومهذباً حتى مع أصدقائه الشباب الذين يجايلون أبناءه. وقد لفت الأنظار عندما عاد إلى سوريا مع بداية الأحداث للوقوف إلى جانب الحراك الشعبي السلمي يومها. لكن لقبضة الاستبداد دائماً رأي آخر! هكذا، أغلق المثقف السوري دفة كتاب حياته ورحل بعدما اعتقله فرع الأمن الجوي في دمشق في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي. وقبل ثلاثة أيام من وفاته، نُقل إلى سجن عدرا المركزي حيث وافته المنية بسبب أزمة قلبية وفق ما ذكرت بعض المصادر الرسمية. بينما أكد ناشطون سوريون في أكثر من منبر بأن عزيز استشهد تحت التعذيب، خصوصاً أنّه يعاني من أمراض مزمنة عدة. ورغم أنّ الموت هو السمة الظاهرة لعاصمة الأمويين هذه الأيام، إلا أنّ لمشهد رحيل المثقف وأستاذ الاقتصاد المجاز من جامعات فرنسا وقعاً خاصاً. لطالما تكرّر هذا المشهد منذ اندلاع الانتفاضة السورية مع عشرات الناشطين الذين تغصّ بهم سجون الاستبداد، فأزهقت أرواحهم هراوات السجّانين، كأن هؤلاء الناشطين وآخرهم الراحل عمر عزيز يسخرون من همجية التعذيب بتسليم أرواحهم ورحيلهم الأخير من دون يمحي موتهم أثر خطواتهم في هذه الحياة.

إذا، أضيف إلى قائمة الشهداء السوريين اسم جديد، وإن صارت أخبار الموت هي الأكثر تداولاً في سوريا، إلا أنّ الصدمة بدت واضحة من خلال الصفحات الإلكترونية للناشطين والمثقفين السوريين أمس. علّق الكاتب والمعارض السوري فايز سارة: «رغم كل معلوماتي ومعرفتي بوحشيتهم، أكاد لا أصدّق أنّهم قتلوا عمر عزيز. الرجل بجسده الرقيق الناعم، بعمره القريب من الشيخوخة، بأفكاره البسيطة السهلة، بكلماته الناعمة التي تأتي على بساط من حرير، بأخلاقه الرفيعة، بدماثته الإستثنائية، بإيمانه بالمساواة والعدالة وببعده عن أي روح وفكر وانتماء ما قبل الوطنية بعمقها الإنساني. أكاد لا أصدق أنّ وحشاً يمكن أن يقتل هذا الرجل. لكن ذلك حدث. وحش استثنائي قتل عمر عزيز. العار للقاتل واللعنة عليه، الرحمة لعمر». بينما احتلت صورة الراحل صفحة الممثلة مي سكاف والإعلامية والناشطة ميادة الخليل وصفحات عدد كبير من مرتادي الموقع الأزرق. وحتى الآن، لم يصل ترامواي الوجع السوري إلى محطته الأخيرة. دولة الحضارات لم يحكم عليها بخسارة آثارها وتراثها ومواقع الجمال فيها فقط بل هي على موعد شبه يومي بخسارة طاقاتها الفكرية والعلمية. وها هو عمر عزيز يترجّل تاركاً بلده المجروح ينزف إلى أجل غير مسمى.

———————————-

عمر عزيز (1949-2013) مفكر ولاسلطوي (أناركي) سوري، اشتهر بكتاباته ودوره في التنظير لـ

المجالس المحلية كبديل لإدارة الثورة السورية بعيداً عن السلطة المركزية، معتبراً إياها امتداداً للنضال الاجتماعي والعمل الجماعي. أبرز إسهاماته الفكرية كانت في “تشكيل المجالس المحلية” (2012)، داعياً لثورة يومية منظمة.

أهم كتابات وأفكار عمر عزيز عن سوريا:

    تشكيل المجالس المحلية: قدم عزيز رؤية مفصلة لكيفية عمل المجالس المحلية كأداة للتحرر وتنظيم الحياة المجتمعية في المناطق المحررة، مستلهماً أفكاراً تشابه تجارب الكومونات (مثل كومونة باريس).

    الثورة اليومية: لم ينظر للثورة كحدث سياسي فحسب، بل كعملية يومية لتنظيم المجتمع، وتأمين الاحتياجات، ومحاربة آليات النظام السوري.

    نقد السلطة: ركزت كتاباته على ضرورة بناء هياكل بديلة ومستقلة عن مؤسسات الدولة البوليسية.

    المثقف العضوي: عُرف بكونه مثقفاً نزل إلى الأرض ليساهم في التنظيم الفعلي، واصفاً صمود السوريين بأنه “لا يقل عن عمال كومونة باريس”.

اعتقل عزيز في نوفمبر 2012 وتوفي تحت التعذيب في فبراير 2013، ليصبح صوتاً ملهماً للتنظيم الذاتي السلمي في الثورة السورية.

—————————-

 عمر عزيز و نهاية المثقف/ مازن كم الماز

   لا يمكن تصنيف عمر عزيز ( ولد في دمشق 1949 و قضى في سجون الأسد في شباط 2013 ) بسهولة , فالرجل , الذي مرت ذكرى غيابه الأولى في شباط الماضي , لم يكن فقط خارجا على الأنماط التقليدية للفكر السياسي و الثقافي , لقد كانت حياته و موته تجسيدا لهذا النفي , و محاولة لممارسة ثقافة بديلة بالفعل عن ثقافة السلطة السائدة , عن الثقافة السائدة .. في مجتمع الفرجة , الاستعراض , الصورة , الإعلام المرئي و المكتوب , الخ , حيث رأس المال يحتل مركز كل شيء دون منافس , أصبحت “الثقافة السائدة” قادرة على احتواء أي خصم لها , أن تقطع صلته بالناس و بالشارع و أن تنفي عنه في نهاية المطاف صفة البديل التحرري و الجماهيري .. و عوضا عن التنافس الأولي مع المؤسسات السلطوية الأمنية و البيروقراطية , أصبح دور الفضائيات و المنظمات غير الحكومية يكمل دور تلك المؤسسات السلطوية في ابتذال و احتواء محاولات إنتاج بديل عن الثقافة السائدة , في بقرطته و رشوته و تحويله إلى صورة أخرى منفصلة عن المتلقي , صورة تخدم وظيفة الإبقاء على المتلقي في حالته السلبية المنفعلة , إنها نفس لعنة النيوليبرالية التي نقلت إلى “منظمات المجتمع المدني” ذلك الجزء المرهق و الأقل إقناعا من وظائف المؤسسات السلطوية , “الثقافية” هنا , و نفس لعنة مجتمع المشهد كما سماه غي ديبورد , حيث الصورة تحل مكان الحياة , و الاستهلاك مكان الإبداع .. لا شك أن المثقف الهامشي قد وجد من قبل , في الشارع , بين الناس , خارج أسوار المؤسسات التابعة للسلطة أو نقيضها الشبيه : المعارضة , لكن عمر عزيز يمثل نقلة جديدة في هذا “المثقف” اللامؤسساتي , الهامشي , المختلف , المسكون بمقاومة السائد و إنتاج البديل التحرري … عمر عزيز القادم من العالم الأول إلى غمار الثورة السورية , الذي حلم بالمجالس المحلية كبديل قاعدي أفقي عن مؤسسات النظام القمعية و الأمنية , الرجل الذي رفض تبرير قمع المجتمع على يد “النظام” بحالة الاستثناء , تحول هو نفسه إلى استثناء مهم ربما , لكل الأنماط أو التصنيفات الدارجة .. و كما هو عصي على التوصيف , فإن عمر عزيز عصي على الرثاء , فكما لا يمكن وصفه بأي من الأوصاف الدارجة للسياسيين أو المثقفين , لا يمكن أيضا رثاءه بعبارات الرثاء التقليدية , فعمر عزيز لم يكن قائدا و لا مرشدا و لا بطلا أو شهيدا بالمعنى التقليدي , كان باختصار إنسان حلم بحريته , و عاش و مات في سبيل ذلك ….

————————

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى