حوار مع محمد سيدا (سيدا): “كن حراً، حاول أن تكون حراً، فلا أحد يريدك حرّاً”

محمد سيدا (سيدا): فنان تشكيلي وكاريكاتير سوري-كردي متعدد الوسائط، يوظّف الكاريكاتير بوصفه أداةً أخلاقية-نقدية منحازة للضحايا في مواجهة السلطويات، ويزاوج في أعماله بين الحسّ الجمالي الفردي والانشغال الجمعي الإنساني، جامعاً بين تفكيك رموز العنف وبناء أفقٍ بصريّ قائم على الحرية والتعدد، حاوره فاضل متين…
*السؤال الأول.
ف.م: الفنان محمد سيدا، أو «سيدا» كما يحلو لك أن تُنادى، تعمل في مجال الفن منذ أكثر من عقدين وتمارس عدة أجناس فنية: النحت والتصميم والرسم التشكيلي. غير أنك تُعرَف على نطاق واسع بوصفك كاريكاتيرياً لاذعاً. ولعل هذه إحدى محن الفنان متعدد الاهتمامات؛ إذ يُقدَّم من زاوية إبداعية واحدة ولا سيما في مجتمعاتنا. فهل ترى في ذلك مؤشراً إلى كسلٍ في البحث وضعفٍ في القراءة لدى المتلقي، أم أنّ الكاريكاتير هو الأقرب إلى الاستيعاب والفهم، بحكم ميل الناس إلى ما هو أبسط؟ (ولا أقصد هنا أن الكاريكاتير فنٌّ سطحي، بل أقل تعقيداً قياساً بسواه).
س: لقد دفعني الطغاة العسكريون وأولو الأمر من أدواتهم، إلى الوقوف مبكراً إلى جانب أهالي الضحايا؛ إذ لا بدّ، في رأيي، من الامتثال للواجب الأخلاقي والفكري والثقافي والإنساني. فالفرد، في آرائه المتضامنة مع هموم الناس وفي انتقاداته للسلطات، ينبغي أن يكون واضحاً، واثقاً، غير مرتبك. ولكي أفعل ذلك بلا مواربة، اخترت الكاريكاتير أولاً. فلا غرابة، إذن، أن يروني أو يتذكروني من خلال كلمتي الأولى وموقفي الأول.
أمّا التصميم والتشكيل فهما عوالمي الفنية الخاصة وهمومي التي تقوم على الفردانية ذاتاً وفكراً وتنفيذاً؛ في حين أنّ الكاريكاتير همٌّ جماعي عميق، مكثف الدلالة، يشبه في ماهيته الحِكَم والأمثال التي لا ترضى العيش إلا بين الناس ومعهم.

*السؤال الثاني.
ف.م: عندما شاهدت لوحتك «سيرة الجنرال» — وهي لوحة عبقرية بحق — شعرت كأنني أقرأ قصيدة الشاعر الكردي الراحل شيرگو بيكس عن الجنرال ولكن بلغة الفن؛ بلغة مرسومة لا مكتوبة. وكذلك في لوحتك «الحاكمون باسمه»، التي تصوّر فيها سلاح الكلاشينكوف أداةً للقتل باسم الله، لمست أصداء قصيدته الطويلة «مقبرة القناديل». وثمّة أمثلة كثيرة أخرى. إلى أي مدى يمكن أن نرى العلاقة التعبيرية بين الأدب والفن والعلاقة التأثرية التناغمية بينهما، بوصفهما أداتين جماليتين في مواجهة الظلام والقبح؟
س:إنّ المبدعين عموماً، ولا سيما أولئك الذين يسكنون مجتمعاتهم وتسكنهم همومها، يتشابهون مهما اختلفت انتماءاتهم وثقافاتهم وأدواتهم التعبيرية. فالأجناس الإبداعية تتكئ بعضها على بعض في بناءٍ تراكمي يؤسس لموقف فكري وثقافي وإنساني، بوصفه نتاجاً بشرياً مشتركاً، قائماً على حيوات فردية مبدعة.
لقد مُنعت لوحتي «سيرة الجنرال» من العرض في معرضي الفردي الثالث، الذي أُقيم في دمشق عام 2000، ولم يُكتب لها أن تلتقي بالجمهور، بل حُظرت حتى من الوجود. حاولت إزالة الغبار عنها في معرضي المشترك مع زميلي السويدي، الصحفي والكاتب ورسام الكاريكاتير Ulf Ivar Nilsson، في تركيا عام 2024، غير أن الأبواب أُغلقت في وجهها هناك أيضاً، ومُنعت للمرة الثانية.
وبعد ربع قرن، عُرضت أخيراً عام 2025 في المتحف السويدي للسجون تحت عنوان: «لوحات الكاريكاتير التي مُنعت من العرض»، حيث التقت جمهورها للمرة الأولى. نعم، أتفق معك في أنّها صدى مرسوم لقصيدة الشاعر والمفكر شيرگو بيكس «الجنرال»، وأنّ لوحتي «الحاكمون باسمه» تمثل تكثيفاً بصرياً عالياً لقصيدته الطويلة «مقبرة القناديل»، الحافلة بالموت والألم والحنين.
لقد وُلدنا معاً من الثقافة الأم ذاتها ومن الألم ذاته وعشنا في ظل الشموليات نفسها؛ فلا عجب أن تتماهى ردود أفعالنا وإن اختلفت أدوات التعبير.
وقد كُتب إلى جانب لوحة «سيرة الجنرال» في المتحف السويدي:
«لا تحمل أكتاف الجنرال الرتبة فحسب، بل تحمل أيضاً الجماجم. كل رتبة، كل نجمة، هي حياة أُطفئت. اللوحة لا تُحصي الميداليات، بل تُحصي الضحايا. إنها سيرته، قصته، برهانه. وربما لهذا السبب يجب إسكاتها».
*السؤال الثالث.
ف. م: المتابع لخطك الكاريكاتيري يدرك في الحال أنك تُخفي داخل لوحاتك مطرقة نيتشه، تقف بها في وجه كل أشكال السلطة القمعية، وكأنّك تريد أن تُحطِّم جميع رموز العنف والهيمنة التي تُقيِّد الفكر والحرية. في لوحة الجنرال ولوحة السلاح ولوحة الذراعين المقيدتين، وأخيراً — وليس آخراً — لوحتك التي تُصوِّر رأس شاه إيران في موضع مقبض خنجرٍ مُدمّى، لا يمكننا إلا أن نقرأك متمرِّداً، بل متهوِّراً. هذا يدفعنا إلى الإقرار، من خلالك، بأنّ وظيفة الفنان هي امتهان الجنون الخلّاق والتحطيم والسطو على كل أشكال القيد وعدم الالتزام بالمكرَّس والسلطات على اختلاف تجلّياتها.

س: إنّ استحضار (مطرقة) الفيلسوف المتمرِّد نيتشه هنا ينمّ عن فهمٍ عميقٍ جداً لما أقوم به في مجمل أعمالي، ويسعدني التقاطك لهذه الإشارة. نقد الدين والمجتمع والسلطات والدفاع عن حرية الفرد في مواجهة الجماهيرية والعادات المقيِّدة، هي موضوعات مشتركة بيننا ومتكررة الحضور في أعمالي التي تحاول أن تقول: كُن حراً، حاول أن تكون حراً، فلا أحد يريدك حراً. فالحرية سعيٌ دائمٌ يُكتسب بالعقل، ولا نولد أحراراً. أريدها حريةً واعية، تُبصر وتحترم حدود الآخرين، ولا ترى في الاختلاف — ديناً كان أو عِرقاً أو ثقافة — إلا إضافةً فكرية نستحقها معاً. كما أتفق معك في أن هذا التوجّه، وإن بدا متهوِّراً، يُغلق أبواب الرزق والوظائف والجوائز، لكنه في الوقت ذاته يفتح شهية السلطات، الدينية منها والعسكرية، لإسكاتك واستهدافك. إنه جنون قد لا يفهمه إلا المجانين الساعون، مثلي، على خطى العقل الناقد الواعي وضرورته، إلى العيش أحراراً قدر المستطاع، لا كما يُراد لنا، في هذا البؤس، أن نكون.

*السؤال الرابع.
ف.م- في لوحتك المشرقة التي سميتها «الفراشة»، تظهر خريطة سوريا وهي تُنسَج بألوان الطبيعة على يد فراشة. هنا تُظهر وجهاً آخر للفن، هو البناء؛ فعلى خلاف بقية لوحاتك التي تميل إلى التحطيم، نتبيّن أنك ترمي في هذا العمل إلى النسج والتكامل. يبدو أننا أمام خطٍّ فلسفي آخر للفن بالنسبة لك. ومن هذا السؤال ينسحب سؤالٌ آخر: أنت ترسم سوريا بألوانٍ زاهية ومتنوعة، في دلالةٍ على رفضك لكل أشكال الواحدية؛ فهل هكذا ترى سوريا مستقبلاً، أم أنك تريدها وتتمنّاها كذلك؟
س: (الفراشة… الثورة… سوريا التي أحب) هكذا رسمتها وقدّمتها للسوريين في بدايات الثورة في مواجهة الطاغية بشار الأسد. أحببتها ثورةً واعيةً بجمالها، لا حراكاً طائفياً أحاديَّ اللون، منغلق الفكر والتوجّه. أردتها ثورةً طبيعية نغادر من خلالها شرنقتنا وسوريتنا المعتمة، إلى فضاءٍ أرحب وإلى حريةٍ تتجاوز حدود انغلاقنا. شبَّهتُنا وانتماءاتنا بالألوان الزاهية على جناح فراشة ورسمت حدودنا — خريطة سوريا — جناحاً مجاوراً للزهر والسماء. نعم، كما تفضّلت، بعض أعمالي تحمل الأمل بوصفه طوق نجاة. أمّا عن سؤالك المكمِّل، فأنا أؤمن بأن سوريا التي نملكها اليوم ملوَّنة وأريدها كذلك وأتمنى أن تبقى، أبداً، ملوَّنة.

*السؤال الخامس.
ف.م: في اللهجة السورانية الكردية، تحمل كلمة “هۆنراوە” معنيين متقاربين: الشعر أو القصيدة، والجديلة. وهو تقارب ذكي ورمزي يوحي بأنّ القصيدة الجميلة تُجدَّل كما تُجدَّل الضفيرة وأن الجديلة بدورها قصيدة شعرية حيّة. للجديلة في الثقافة الكردية دلالات تراثية واجتماعية وميثولوجية عميقة، ترتبط بالشرف والكرامة والوفاء والجمال الأنثوي. وقد رأينا ما حدث في الشارع الكردي حين ظهر أحد المرتزقة في مقطع مصوّر يلوّح بجديلة مقاتلة كردية متشفّياً بها.
وأنت، بوصفك فناناً يواكب الأحداث ويعبّر عن موقفه بطريقته الخاصة، رأيناك ترسم جديلة كردية تنبثق من جذور الموسيقى، في إشارة واضحة إلى مشاركتك أبناء جلدتك معاناتهم، كلٌّ بأسلوبه. وهنا يمكن القول إنك تضيف صورة جمالية جديدة إلى الدلالة الكردية: الجديلة كموسيقى، أو الموسيقى كجديلة؛ موسقةُ الجديلة، وجديلةُ الموسيقى.
س: الكاكائيون، أهل الحق من الكرد، يقدّسون الطنبور. في حلقات دعائهم، يتشارك النساء والرجال العزف المقدّس، فيعيدون معاً إنتاج صوت الله، المسموع نغماً ولحناً مجرداً كما الحياة. المرأة الكردية لحنٌ حيّ وضفيرتها امتدادٌ للسلم الموسيقي الذي ينظّم حياتنا نحن الكرد.
جميلٌ ما أشرتَ إليه من تقاربٍ كتابيّ وروحيّ بين القصيدة والشعر والضفيرة في اللهجة السورانية المبدعة؛ فهذا التناغم اللغوي والعقلي والروحي يشكّل معاً كينونة الكردي ومجتمعه.
في لوحتي «لحن الحياة… ضفائر بناتنا» رسمتُ الضفائر نغماً مقاوماً للفناء ولحناً خالقاً للاستمرارية. نعم، قد تبدو الفكرة مبتكرة من حيث الشكل، لكنها تعبّر في جوهرها عن ماهية دور المرأة في ميثولوجيا الكرد ولسان حال حاضرهم. حاولت، قدر المستطاع، أن أكون مخلصاً في إظهار دورها البهي في حياتنا. ولا أخفي أن سعادتي كانت غامرة حين رأيتها مرفوعة إلى جانب العلم الكردي في عدد من الساحات الأوروبية ومدن كردستان، بين أهلها وناسها. ذلك الحب كان جميلاً وأنا ممتن له كثيراً.

*السؤال السادس.
-ف.م: في لوحتك المعنونة «دائرة الشر»، نرى مسدسين يملأ كلٌّ منهما ذخيرة الآخر، وكأنك تقول إنّ الشر يتغذّى من نفسه وعلى نفسه. لكن ماذا لو توقّف أحدهما عن تغذية الآخر بالذخيرة؟ هل سيتوقّف الشر؟ ما الذي يضمن أن يتوقّف الآخر أيضاً؟ وماذا لو لم يفعل؟ ألن يبدو حينها أنّ الأول قد قرر الانتحار بتخلّيه عن الرد؟ أليس خوض هذه الدائرة، في بعض الأحيان، أداةً للبقاء؟
أعلم أنّ الشر لا يقود إلا إلى الفناء، لكن الواقع لا يتيح لنا دائماً رفاهية المثالية. هل تتفق معي؟
س:«دائرة الشر» حلقةٌ قوامها الدم واللوحة دعوةٌ إلى كسرها معاً. هي لا تخاطب جهةً بعينها دون أخرى، بل تكشف ماهية الدائرة كما يراها كلُّ عاقل. إنها دعوة إلى إسكات السلاح وتفعيل الحوار العقلاني الإنساني الجامع. فالمسدس هو ذاته، والطلقات هي ذاتها، واستخدامه من أي جهة كان يشرعن الرد بالمثل، في استمرارٍ عبثيّ للدائرة.
سؤال «من بدأ أولاً؟» لا يجد جواباً حقيقياً في بلادنا البائسة؛ لأن المتهم دائماً هو الآخر، ولأننا نفتقد مفهوم الآخر فكراً وممارسةً، فلا يرى كلٌّ منا إلا مظلوميته وحقّه “المشروع” في القتل أو الدفاع عن النفس.
هذه اللوحة وقفة مع الضحايا وحقّهم في الحياة، بعيداً عن صراعات لا تتغذّى إلا على أرواح الأبرياء، خدمةً لأجندات لا ترى فينا سوى عتادٍ لحروبها المصطنعة وهوياتها المتنازعة.
فالحروب، عبر التاريخ البشري حتى يومنا هذا، لا تنتهي إلا بعد فوات الأوان.

*السؤال السابع.
ف.م: في الأدب نقرأ غالباً النصَّ بمعزلٍ عن الكاتب؛ أي إن الكاتب ليس بالضرورة أن يكون نصَّه، لكن لا يمكننا التعامل بالتوجّه نفسه مع الفن؛ إذ يصعب قراءة اللوحة وتجاهل الفنان وهذه نقطة ألمه؛ لأنّه لا يستطيع ببساطة أن يتجرّد بسهولة من لوحةٍ قديمةٍ له تغيّر موقفه منها لاحقاً وقد تكون ورقة ضغطٍ ضده ومصدراً لإحراجه. من هذا المنطلق، يتعامل المتلقي مع لوحاتك كأنها أنت؛ كلُّ لوحةٍ هي وجهك.
س: فصلُ اللوحة، وفصلُ النص بوصفه كياناً قائماً بذاته، عن خالقه ومبدعه، أو عن ناقله، أمرٌ ممكنٌ في الأدب والفن معاً. وربما كان السبب في شعورك بأننا ولوحاتنا وجهٌ لبعضنا البعض، بصورةٍ أوضح منه في الأدب، أننا عادةً ما نظهر سويةً مع نتاجنا؛ فالكتاب قد تقرؤه وأنت في بيتك أو في المكتبة، لكنك ترى اللوحة بصحبة أصحابها. أقول: ربما؛ إذ إن ردّات الفعل، الجماهيرية والنخبوية، المحقّة وعكسها، في قراءة وتأويل اللوحة/النص، سواء بمعزلٍ عن كاتبه أو معه، أمرٌ متعلقٌ، إلى حدٍّ بعيد، بمزاج الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العامة في البلد المعني والعالم.
فإذا عدنا إلى التاريخ وقصصه وأحداثه، رأينا أنّ الجمهور كان حيادياً معهم أحياناً وظالماً عنيفاً أحياناً أخرى. ورأيناه أيضاً مسامحاً كريماً مع الأدباء والفنانين والمبدعين عموماً، في أحيانٍ أخرى. والأهم، بحسب وجهة نظري، أن نظل أوفياء صادقين فيما نطرحه من آراءٍ ومواقف. وقد يكون لبعضنا آراءٌ متباينة في الأمر ذاته خلال فتراتٍ مختلفة ومن الممكن أيضاً أن نكتشف أخطاءنا بعد فترةٍ من العناد والدفاع المستميت عن صوابيتها. يحدث الأمر ذاته للجماهير وللمؤسسات وللدول وسياساتها. إنّ تغيير الآراء وتبدّل زوايا النظر وإعادة صياغة المواقف والأفكار، أمرٌ محمودٌ إذا جاء سعياً إلى تصويب الأخطاء وإيجاد الحلول الممكنة؛ لكن إن أتت التغييرات بعيدةً عن الفكر والعقل، وقريبةً من الأيديولوجيات الحاكمة وسلطة المال، فحينها يفقد الفنان والكاتب والمثقف دوره ووجهه ومصداقيته. هنا يصبح الفرق واضحاً بين من يحاول حراسة القيم ومن يصبح مجرد كلب حراسة.
*السؤال الثامن.
ف.م: أنت كرديٌّ من عامودا، ولوحاتك لا تُخفي تعاطفك القومي مع الكرد، كلوحتك التي تُبيّن جمهوراً من الشمع يردّدون بالكردية: «نحن باقون»، لكن أغلب لوحاتك تحاكي القضايا الإنسانية، أو لنقل الكونية؛ أي إنك لست من الذين يتجذّرون في المركز ويبقون فيه. وبالطبع، فإن لوحاتك وإن كانت تحاكي قضايا الحاضر، يمكن استعمالها في المستقبل أو الماضي: لوحة الجنرال، ولوحة الفراشة، ولوحة دائرة الشر.
هل ترى أنّ الفن عليه أن يخرج من مركزيته ليصبح عالمياً، أم العكس؟
س: نعم، أنا من عامودا المنفتحة على الآخرين وأهلها فناً وأدباً وثقافةً. شخصياً، لا أؤمن بـ«المحليّة» بصيغتها المتقوقعة، ولا أؤمن كذلك بـ«العالميّة» بصيغتها الشعبوية المنفلتة. أرى الفن أداةً بشريةً مهذّبةً لصناعة عالمٍ أجمل، خالٍ من التمييز والعنصرية والأسلحة. في الفن والأدب، التنوع ضرورة، وكلما اتسعت مشاهداتنا وتجاربنا الثقافية والمعرفية اتسع أفق خيالنا وتنوّعت أدواتنا. من المفيد هنا ألا نخاطب قريتنا وحدها؛ ففي الإبداع علينا مخاطبة العالم، لكن من المفيد أيضاً ألا ننسى قريتنا ونحن نخاطب العالم.
لوحتي (Em her hene… نحن باقون دوماً) رسمتها عام 2004، أثناء انتفاضة قامشلو/القامشلي في 12 آذار. كانت صرخةً، وستظل، في وجه الطغاة، مفادها أن الأرواح الطاهرة التي خسرناها، ونخسرها اليوم، حيّةٌ بيننا وتنير درب مستقبلنا. أجل، أحب أهلي الكرد وأدافع عن حقوقهم وأحلامهم في عالمٍ لا ظلم فيه ولا خوف. كردستان ضرورة وليست ترفاً.
*السؤال التاسع.
ف م :دائماً ما كنت أقول إنّ حمل الفنان أكبر من حمل الأديب؛ فالأخير ليس بالضرورة أن يقرأ في شتى المجالات الفنية والفكرية، لكن هذه الرفاهية لا تتوفر لدى الفنان المسكين. من الصعب جداً أن ترى فناناً حقيقياً لا يقرأ الأدب والشعر والسياسة، بل إن ذلك واجب عليه.
أقرأ دائماً على فيسبوك لزملائك الكرد (خليل عبدالقادر، وعنايت عطار، ومحيي الدين ملك، وديلاور عمر، وأنت منهم). لديكم حس أدبي رفيع المستوى. ربما هذه ضريبة أن تختار أن تكون فناناً. هل أنا على حق؟
س: ربما “المسكين” هو الذي لا يرسم وليس الفنان. لا أعتقد بأنّ الفن بمجمله يمكن أن يكون ضريبةً لشيءٍ ما؛ فالفن جواب. الزملاء والأصدقاء الذين ذكرتهم أحبهم وأحب نتاجهم، وأتفق معك في علو حسهم الأدبي أيضاً. شخصياً، لا أرى أنني جيد في الكتابة مثلهم. أشكرك على لطفك، لكن بالمجمل هناك عدد ليس بالقليل من التشكيليين الأدباء، ومن الأدباء التشكيليين أيضاً. أليست الكتابة رسماً؟ كلنا كهنة في المعبد ذاته، كما يقال ومحظوظ من ملك ومارس أكثر من جنس أدبي وفني.
Seyda Page
————————————-
شكراً الجميل Faddil Metîn على الأسئلة هذه 🌷
وشكراً العزيزة Mithal Sileman ومجلة رواق الأدب
لتحميل المجلة اتبع الرابط التالي



