إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 07 أذار 2026

تابع مكونات الملف اتبع الرابط التالي:
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
تحديث 07 أذار 2026
الإنزال الإسرائيلي في البقاع.. رسائل أمنية تتجاوز الحدود واستنفار في دمشق/ نادين الكحيل
7 مارس 2026
شهدت منطقة البقاع اللبنانية خلال الساعات الماضية تطورًا أمنيًا خطيرًا، تمثّل في عملية إنزال نفذتها قوات إسرائيلية خاصة داخل الأراضي اللبنانية، تلتها محاولات تحرك إضافية في المنطقة، ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة الصراع الأمني المفتوح بين إسرائيل وحزب الله، وعلى الأبعاد الإقليمية التي تتجاوز الحدود اللبنانية.
ومع تواتر التقارير عن تعزيزات أمنية من الجانب السوري المقابل للبقاع، برزت تساؤلات حول أهداف العملية الإسرائيلية ودلالات التحرك العسكري السوري في هذا التوقيت، في ظل الحرب المشتعلة.
“عملية دقيقة” في قلب البقاع
تشير المعطيات الأولية إلى أن العملية الإسرائيلية كانت محدودة ومركزة، نفذتها وحدة كوماندوس خاصة، قبل أن تندلع اشتباكات مع عناصر من حزب الله في محيط بلدة النبي شيت.
وأسفرت العملية عن استشهاد 41 مواطنًا وإصابة 40 آخرين بعد سلسلة غارات شنها الطيران الحربي الإسرائيلي على بلدة النبي شيت، وفق بيان لوزارة الصحة اللبنانية.
من جهته، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن قوات خاصة من الجيش عملت الليلة الماضية في محاولة للعثور على أدلة تتعلق بالملاح الجوي المفقود رون أراد، الذي فقد أثره في لبنان عام 1986. وكانت تقارير أشارت إلى أن هدف العملية قد يكون البحث عن رفات أو عينات قد تساعد في كشف مصيره في منطقة البقاع.
وأشارت المعلومات إلى فشل عملية الإنزال الإسرائيلية، كما أفادت بعض التقارير الصحفية بأن القوة الإسرائيلية تعرضت لكمين خلال عملية الإنزال، ما أدى إلى وقوع إصابات بين الجنود، إضافة إلى صعوبات في إجلاء بعض المظليين العالقين والمصابين.
وتأتي عملية الإنزال هذه في إطار عمليات “الضربات الاستخبارية” التي تعتمدها إسرائيل منذ سنوات، وغالبًا ما تستهدف مواقع تخزين الأسلحة الدقيقة، أو شبكات نقل السلاح من سوريا إلى لبنان، أو شخصيات ميدانية مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ففي 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، نفذت وحدة الكوماندوس البحرية الإسرائيلية “شاييطت 13” التابعة للجيش الإسرائيلي عملية خطف عماد أمهز، حيث وصلت القوة عبر إنزال بحري قرب شاطئ البترون، قبل أن تنسحب القوة عبر البحر بزوارق سريعة.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، اختفى الضابط المتقاعد في الأمن العام اللبناني أحمد علي شكر في منطقة البقاع، حيث رجّحت التحقيقات أنه تعرض لعملية استدراج استخبارية نفذها عملاء مرتبطون بالموساد. وأوضحت التحقيقات أن سبب الاهتمام الإسرائيلي به يعود إلى ارتباط عائلي بملف الطيار الإسرائيلي المفقود.
ويتبيّن بصورة واضحة أن عمليات الخطف ليست جديدة، وهي تتم لأهداف استخبارية بالدرجة الأولى. واليوم تبرز الأهمية الجيوستراتيجية لمنطقة البقاع بوصفها عقدة جغرافية أساسية في شبكة الإمداد بين سوريا ولبنان، حيث تمر عبرها طرق تهريب المخدرات وتخزين الأسلحة عبر المعابر غير الشرعية التي تستخدمها إيران كجزء من “الممر الاستراتيجي” الذي يصل طهران بالبحر المتوسط.
تكتيك إسرائيلي جديد: العمليات البرية المحدودة
اعتمدت إسرائيل في الغالب على الضربات الجوية الدقيقة داخل سوريا ولبنان. لكن عملية الإنزال الأخيرة تعكس نمطًا تكتيكيًا مختلفًا، يقوم على عمليات برية سريعة ومحدودة.
فقد استخدمت ثلاث مروحيات إسرائيلية حاولت تنفيذ عملية إنزال في قرية النبي شيت. وذكرت منصات إعلامية عبرية أن وحدة المظليين “تزانحانيم” (Tzanhanim) تعثرت وفشلت في تنفيذ مهمة وصفت بالصعبة داخل العمق اللبناني، بعد تعرضها لقصف مكثف من مناطق بقاعية متعددة.
ورغم تعدد التحليلات، فإن هذه المحاولات المتكررة تشير إلى أن إسرائيل تسعى إما لاستكمال مهمة لم تكتمل، أو لاستغلال معلومات استخبارية فورية تم الحصول عليها.
تاريخ من العمليات الخاصة الإسرائيلية في لبنان
اعتمد الجيش الإسرائيلي منذ ثمانينيات القرن الماضي على تنفيذ عمليات إنزال كوماندوس محدودة داخل الأراضي اللبنانية، خصوصًا في المناطق الساحلية أو القريبة من الحدود، ضمن عقيدته العسكرية القائمة على “الضربات الخاصة الدقيقة”. وغالبًا ما كانت هذه العمليات تُنفذ بواسطة وحدات النخبة في الجيش، مثل وحدة “سييرت متكال” المتخصصة في العمليات الخاصة والاستخبارات الميدانية، والوحدة البحرية “شاييطت 13” التي تتولى التسلل عبر البحر وتنفيذ عمليات إنزال سرية على السواحل.
وقد استُخدمت هذه العمليات لتحقيق أهداف متعددة، أبرزها خطف شخصيات مرتبطة بفصائل المقاومة للحصول على معلومات استخبارية، أو تدمير منشآت ومخازن أسلحة حساسة يصعب استهدافها عبر الضربات الجوية، إضافة إلى جمع معلومات ميدانية مباشرة حول شبكات التسليح والاتصالات.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن هذا النمط من العمليات تكرر خلال سنوات الحرب في لبنان، خصوصًا بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حيث نفذت القوات الخاصة الإسرائيلية سلسلة عمليات إنزال واغتيال في مدن الساحل اللبناني، بينها عمليات في صيدا وصور استهدفت قيادات فلسطينية وبنى تنظيمية للمقاومة اللبنانية، فضلًا عن محاولات اختراق أمنية متعددة في الجنوب والبقاع بهدف جمع معلومات استخبارية عن البنية العسكرية للفصائل المسلحة.
التعزيزات الأمنية السورية على الحدود مع لبنان
اللافت في التطورات الأخيرة كان تعزيز الإجراءات الأمنية من الجانب السوري على طول الحدود مع لبنان، خصوصًا في المناطق المقابلة للبقاع. ويعود ذلك إلى حساسية الشريط الحدودي الذي يشكل عقدة لوجستية بين البلدين، إضافة إلى التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت لضبط المعابر غير الشرعية وعمليات التهريب.
كما يندرج هذا التحرك ضمن مخاوف من امتداد العمليات الإسرائيلية داخل البقاع نحو الأراضي السورية، خصوصًا أن الحدود في تلك المنطقة مفتوحة جغرافيًا وتشهد نشاطًا لوجستيًا كثيفًا بين الطرفين، ما يجعل هذه الخطوة مرتبطة بحسابات أمنية وعسكرية أوسع.
وتدرك السلطات السورية أن أي اختراق إسرائيلي قرب الحدود قد يستهدف شبكات الإمداد العسكرية التي تمر عبر الأراضي السورية إلى لبنان، وهو ما يفسر رفع مستوى المراقبة والانتشار العسكري في النقاط الحدودية.
أضف إلى ذلك أن التعزيز السوري قد يكون مرتبطًا أيضًا بمحاولة منع انتقال الاشتباك إلى الداخل السوري، خصوصًا في ظل الضربات الإسرائيلية المتكررة التي استهدفت خلال السنوات الماضية مواقع عسكرية ومخازن أسلحة داخل سوريا.
وبالتالي، فإن أي عملية إنزال أو تحرك إسرائيلي في البقاع قد يشكل مدخلًا لمحاولات اختراق أعمق نحو الأراضي السورية أو تنفيذ عمليات مشابهة داخلها.
البقاع… عقدة الصراع الإقليمي
تؤكد هذه التطورات أن البقاع لم يعد مجرد ساحة لبنانية داخلية، بل أصبح جزءًا من الجغرافيا الأمنية للصراع الإقليمي بين إسرائيل وإيران. فالممرات التي تربط سوريا بلبنان تُعد عنصرًا حيويًا في استراتيجية إيران لتعزيز قدرات حلفائها، في حين تعتبرها إسرائيل تهديدًا استراتيجيًا يجب تعطيله باستمرار.
ومن هنا، فإن التعزيزات السورية على الحدود مع لبنان لا تبدو خطوة معزولة، بل جزءًا من إدارة أمنية لمنطقة حساسة إقليميًا.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تحرك عسكري في هذه المنطقة يحمل أبعادًا تتجاوز الحسابات اللبنانية، ويدخل ضمن الصراع الأوسع على موازين القوى في الشرق الأوسط.
لبنان بين سيادة الدولة وصراع المحاور
تطرح العملية الإسرائيلية مجددًا إشكالية السيادة اللبنانية، في ضوء استخدام الأراضي اللبنانية كساحة لتبادل الرسائل والصراعات بين قوى إقليمية.
وفي ظل ضعف قدرة الدولة على فرض سيطرتها الكاملة على أراضيها، والتحديات التي تواجهها في تنفيذ القرارات الحكومية الأخيرة، يبقى لبنان عرضة لعمليات عسكرية أو أمنية قد تتكرر في أي وقت.
ويتضح أن طبيعة الصراع القائم على الحرب الاستخباراتية والعمليات الخاصة باتت أكثر خطورة من ذي قبل، إذ تتداخل فيها الرسائل السياسية والعسكرية، فيما يبقى لبنان الساحة الأضعف والأكثر هشاشة في المشهد الأمني الإقليمي.
ألترا صوت
=================
تحديث 06 أذار 2026
من الليطاني إلى جبل الشيخ: كيف تفكر إسرائيل بمسرح عمليات واحد في لبنان وسوريا؟
6 مارس 2026
لا تبدو الجغرافية السورية بعيدة عن مسار الحرب الدائرة في المنطقة، ولا سيما المواجهة المتصاعدة بين حزب الله وإسرائيل، إذ تتقاطع التطورات العسكرية على الجبهتين اللبنانية والسورية ضمن فضاء جغرافي واحد تتداخل فيه الحدود وخطوط الاشتباك. فالتصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، وما رافقه من أوامر بإخلاء مناطق واسعة جنوب نهر الليطاني، ينعكس مباشرة على الساحة السورية القريبة، خصوصًا في المناطق المحاذية للجولان السوري المحتل وجبل الشيخ ومحافظة القنيطرة وريف دمشق. وهي مناطق تشهد بدورها توغلات إسرائيلية متكررة وتحركات عسكرية مستمرة، فيما تشير التقديرات إلى أن إسرائيل سيطرت على ما يقارب 600 كلم مربع من الأراضي السورية منذ سقوط نظام الأسد.
هذا التشابك في الجغرافيا يجعل من سوريا محط أنظار فيما يتعلق بمنطقة جنوب الليطاني وامتدادها على الساحة السورية، خصوصًا في ظل ما يُنظر إليه بوصفه أطماعًا إسرائيلية توسعية، وما يروّج له رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول فكرة “إسرائيل الكبرى”، إلى جانب تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي الذي قال إن “الأمر سيكون مقبولًا لو أنهم أخذوها كلها”، في إشارة إلى سيطرة إسرائيل “من البحر إلى النهر”.
الجغرافيا المترابطة بين جنوب لبنان والجنوب السوري
في هذا السياق، قال الخبير في الشؤون العسكرية، العقيد مصطفى فرحات لموقع “الترا صوت” إن أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لكامل مناطق جنوب لبنان، ولا سيما الواقعة جنوب نهر الليطاني، لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة عسكرية تكتيكية معزولة عن السياق الجغرافي الأوسع في المنطقة. وأوضح أن التخوفات من هذه الإجراءات باتت حاضرة في الساحتين اللبنانية والسورية معًا، مشيرًا إلى أن الجغرافيا في هذه المنطقة لا تقوم على حدود منفصلة أو خطوط جامدة على الخريطة، بل على منظومة مترابطة تمتد من جنوب لبنان مرورًا بجبل الشيخ وصولًا إلى الجنوب السوري.
وأضاف فرحات أن أي تحرك عسكري واسع في هذا الشريط الحدودي يحمل بطبيعته أبعادًا تتجاوز الساحة اللبنانية، لافتًا إلى أن إسرائيل تدرك أن نهر الليطاني لا يشكّل مجرد حد فاصل، بل يمثل نقطة اتصال بين عدة مسارح عمليات.
وتحدث فرحات عن البعد الاستراتيجي المرتبط بالمرتفعات الجغرافية، وفي مقدمتها جبل الشيخ، موضحًا أن هذه المنطقة تمثل نقطة إشراف وسيطرة نارية واستخباراتية على مساحات واسعة من جنوب سوريا والبقاع اللبناني وشمال فلسطين المحتلة. واعتبر أن أي تصور لربط المجال العملياتي جنوب الليطاني بجبل الشيخ يعني عمليًا توحيد مسرح عمليات يمتد عبر الحدود اللبنانية – السورية، بحيث يصبح المجال الحيوي في هذه المنطقة واحدًا من منظور عسكري إسرائيلي.
من جهته قال الباحث في الشأن الإسرائيلي جعفر خضور لموقع “الترا صوت” إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن فصله عمّا يحدث في جنوب سوريا، موضحًا أن إسرائيل، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، انتقلت في فهمها للواقع الأمني إلى عقيدة جديدة تقوم على استبدال ما يُعرف بـ”حلقة النار” بحلقة من المناطق العازلة. وأوضح أن هذه العقيدة تهدف، إلى جانب تحقيق أفضلية تكتيكية ميدانية، إلى تمهيد الأرض للسيطرة على الموارد الحيوية، ولا سيما المياه ومصادر الطاقة.
وأشار خضور إلى أن الإنذارات التي صدرت اليوم تختلف عن تلك التي شهدتها جولات الحروب السابقة بعد عام 2000، إذ جاءت هذه المرة أكثر تنوعًا واتساعًا، وهو ما قد يشير إلى احتمال تنفيذ عملية عسكرية شاملة أو إلى تصعيد ميداني كبير. وأضاف أن مثل هذا السيناريو قد يصطدم بعوامل ميدانية معقدة، إلا أن إسرائيل تركز في استراتيجيتها الحالية على عاملين أساسيين: تحقيق أفضلية تكتيكية في منطقة جنوب الليطاني من جهة، والسعي إلى احتلال مساحة واسعة من الأراضي اللبنانية والسيطرة على الموارد المائية من جهة أخرى.
خطاب “حماية الدروز” في حسابات الجغرافية
لطالما تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون عن “حماية الدروز”، إذ شهدت أحداث تموز/يوليو الماضية هجومًا إسرائيليًا استهدف الجيش السوري ومبنى رئاسة الأركان السورية، في خطوة قالت تل أبيب إنها تهدف إلى منع دخول الجيش السوري إلى محافظة السويداء الواقعة في الجنوب السوري.
وما تزال السويداء، ذات الغالبية الدرزية، خارج سيطرة الحكومة السورية حتى الآن، في ظل تقارير تحدثت عن وجود تمويل وتسليح إسرائيلي لما يُعرف بـ”الحرس الوطني” الذي يقوده رئيس الطائفة الدرزية في السويداء حكمت الهجري. وكان الهجري قد ناشد في وقت سابق إسرائيل التدخل لحماية السويداء، كما أشار في أحد خطاباته إلى إمكانية انفصال المحافظة عن سوريا وتحولها إلى كيان مرتبط بإسرائيل. ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن مجريات الصراع الدائر في الجنوب السوري.
وفي هذا السياق، لفت الباحث في الشأن الإسرائيلي جعفر خضور إلى أن هذا التوجه يتقاطع مع التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا، حيث عززت إسرائيل سيطرتها على مناطق استراتيجية مثل جبل الشيخ وعلى موارد المياه في جنوب البلاد. كما أشار إلى أن الفهم الإسرائيلي الراهن قد يتجه إلى استغلال الظروف الحالية للتقدم نحو مناطق شمال الليطاني، وليس الاكتفاء بالتمركز جنوبه، وذلك عبر محاور شرقية تمتد من جبل الشيخ وقرى العرقوب وحاصبيا وصولًا إلى قضاء راشيا، مستفيدةً من المدرجات الغربية والشمالية لجبل الشيخ التي تتيح لها التقدم ميدانيًا.
وأضاف خضور أن هذا التوجه يعكس أيضًا سعي إسرائيل إلى تحقيق هدف سياسي إضافي يتمثل في توظيف خطاب “حماية الدروز”، إذ قد يسمح ذلك لها، سياسيًا وديمغرافيًا، ببسط نفوذها على غالبية القرى ذات الغالبية الدرزية في منطقة جبل الشيخ ووادي التيم. وختم بالقول إن ما يجري يعكس تحولًا في العقلية الإستراتيجية الإسرائيلية من مفهوم “الحزام الأمني” أو “حلقة النار” إلى فكرة إنشاء منطقة عازلة واسعة، يكون هدفها الأبعد تشكيل فضاء استراتيجي يتيح لإسرائيل السيطرة على مصادر الطاقة والموارد المائية بوصفها عنصرًا أساسيًا في بنية الأصول العسكرية والمادية في التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي.
وفي السياق ذاته، اعتبر الخبير العسكري مصطفى فرحات أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى إيجاد موطئ قدم في الجنوب السوري، مشيرًا إلى وجود مجموعات مسلحة في محافظة السويداء تحاول لعب دور حليف ميداني لإسرائيل في تلك المنطقة.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن ما يجري حتى الآن لا يتجاوز كونه تحركات عسكرية مرتبطة بسياق الحرب الدائرة، من دون وجود مؤشرات قاطعة على مشروع دائم لإعادة رسم الحدود أو إنشاء رابط جغرافي فعلي بين جنوب الليطاني وجبل الشيخ.
وخَلُص فرحات إلى أن الترابط الجغرافي بين جنوب لبنان والجنوب السوري قائم بحكم الطبيعة والتضاريس، وأن إسرائيل تفكر دائمًا بمنطق المسرح العملياتي الواحد الممتد عبر الحدود. غير أن تحويل هذا التصور إلى واقع إستراتيجي دائم سيصطدم بحسابات إقليمية معقدة، ولن يكون خطوة سهلة أو خالية من الكلفة، وهو ما يدركه نتنياهو جيدًا، خاصة في ظل المواجهة المفتوحة مع إيران.
الترا صوت
=================
تحديث 04 أذار 2026
لبنان بين نار الاحتلال الإسرائيلي والتحول السوري.. هل حزب الله بمواجهة بلا عمق؟/ صهيب جوهر
2026.03.04
لم يعد السؤال في بيروت ما إذا كان “حزب الله” سيدخل الحرب دعماً لإيران، بل ما الذي سيترتب على هذا الدخول داخلياً وإقليمياً. فإطلاق صواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه جنوب حيفا شكّل الإعلان العملي لانخراط الحزب في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، حتى وإن كان تأثير هذه الخطوة محدوداً عسكرياً في ميزان القوى العام.
المعطيات الميدانية تشير إلى أن الصواريخ أُطلقت من منطقة قريبة من بلدة الصرفند الساحلية، شمال نهر الليطاني. وهذه النقطة ليست تفصيلاً جغرافياً فحسب، بل تحمل دلالة سياسية وأمنية، إذ إن المنطقة الواقعة بين الليطاني والأولي كانت ضمن المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني الرامية إلى استكمال حصر السلاح بيد الدولة. ما يعني أن العملية لم تُحرج الدولة خارج نطاق سيطرتها المفترضة فحسب، بل وضعتها أمام اختبار مباشر لصدقية خطتها الأمنية.
سقوط تفاهم تشرين الثاني
بهذا التطور يمكن القول إن التفاهم الذي أعقب حرب الـ66 يوماً في تشرين الثاني 2024 دخل عملياً مرحلة الانهيار. فتل أبيب كانت، خلال الأشهر الماضية، تتعامل مع الاتفاق باعتباره محطة مؤقتة ريثما تتوافر ظروف فرض ترتيبات أوسع. وجاء إطلاق الصواريخ ليمنحها الذريعة التي كانت تنتظرها.
في حسابات الاحتلال الإسرائيلي، يفتح التصعيد الباب أمام جملة أهداف متداخلة:
أولاً، الانتقال من آلية التنسيق غير المباشر عبر اللجنة التقنية العسكرية واللجنة الخماسية إلى الضغط باتجاه مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، بما يعيد صياغة قواعد الاشتباك من جديد.
ثانياً، الدفع نحو اتفاق أمني يكرّس منطقة عازلة جنوباً، بعمق قد يتجاوز عشرة كيلومترات، وهو ما يفسر دعوات الإخلاء التي شملت عشرات البلدات في الجنوب.
ثالثاً، تعديل مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله وسائر الفصائل المسلحة، بما فيها التنظيمات الفلسطينية وامتداداتها العسكرية، ضمن رؤية إسرائيلية تعتبر أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تتضمن معالجة شاملة لهذا الملف.
رابعاً، استكمال استهداف البنية العسكرية للحزب، من جنوب الليطاني إلى البقاعين الشرقي والشمالي والسلسلتين الشرقية والغربية، مستفيدة من الغطاء الأميركي المباشر في هذه المرحلة.
من دعم إيران إلى إعادة رسم المشهد اللبناني
التحرك لم يكن معزولاً عن السياق الإيراني الأوسع. فطهران، بعد الضربات الأميركية – الإسرائيلية، اتجهت إلى توسيع دائرة النار لتشمل أهدافاً في الخليج، ولو بوتيرة فاجأت كثيرين من حيث السرعة. الرهان الإيراني بدا قائماً على تحويل المواجهة إلى صراع إقليمي شامل، ما يضع المصالح الغربية وممرات الطاقة في قلب المعادلة.
لكن هذا التوسيع حمل في طياته تناقضاً واضحاً. ففي حين تحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن أن إيران لا تحتاج إلى من يدافع عنها، بدت بعض الدوائر العسكرية أكثر ميلاً إلى إشراك الحلفاء في المواجهة. وفي هذا السياق جاء تحرك حزب الله، بالتوازي مع نشاط فصائل من الحشد الشعبي في العراق، ومعلومات عن استعداد الحوثيين لتصعيد عملياتهم.
التسريبات التي تحدثت عن احتمال استهداف قاعدة بريطانية في قبرص، إن صحت، تعكس خطورة انتقال المواجهة إلى مستويات تتجاوز الإطار الثنائي بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، لتلامس انخراطاً أوروبياً مباشراً، في لحظة تُطرح فيها أسماء دول كبرى كالمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا كأطراف قد تجد نفسها في قلب المعركة دفاعاً عن مصالحها وحلفائها.
المتغير السوري.. خسارة العمق الاستراتيجي
لا يمكن قراءة ما يجري في لبنان بمعزل عن التحول السوري العميق الذي أعقب سقوط نظام بشار الأسد وصعود السلطة الجديدة برئاسة أحمد الشرع. فـ“حزب الله” خسر عملياً الخلفية اللوجستية والسياسية التي كان يوفرها له النظام المخلوع، والتي شكلت طوال أكثر من عقد ممراً أساسياً للإمداد والتخزين وإعادة التموضع.
الحكومة السورية الجديدة اتخذت منذ الأشهر الأولى موقفاً واضحاً يقوم على تفكيك البنية غير النظامية التي كانت تعمل عبر الحدود، وأعادت انتشار وحدات عسكرية وأمنية بشكل مكثف على طول الحدود اللبنانية – السورية، خصوصاً في مناطق القصير والقلمون والريف الغربي لحمص، لمنع تهريب السلاح أو إعادة فتح خطوط الإمداد السابقة. هذا الانتشار لم يكن رمزياً، بل ترافق مع عمليات ضبط ومصادرة واعتقالات استهدفت شبكات تهريب ومخازن مرتبطة بمرحلة ما قبل سقوط الأسد.
بالنسبة إلى الحزب، مثّل ذلك ضربة استراتيجية مزدوجة: خسارة خط إمداد حيوي من جهة، وفقدان بيئة سياسية حليفة في دمشق من جهة أخرى. ومع انتقال سوريا إلى مرحلة إعادة تموضع إقليمي مختلف، لم يعد ممكناً التعويل على الأراضي السورية كعمق آمن في حال توسعت الحرب.
التوتر لم يبقَ سياسياً فحسب. فالعلاقة بين الحزب والحكومة السورية الجديدة شهدت احتكاكات أمنية متفرقة خلال الأشهر الماضية، على خلفية اتهامات لأنشطة غير منسقة داخل الأراضي السورية. ومع اتساع الحرب الحالية، تبدو دمشق حريصة على منع استخدام أراضيها كمنصة رسائل إيرانية أو كساحة رد متبادل، في محاولة لتفادي الانجرار مجدداً إلى صراع إقليمي واسع.
إرباك داخل الحزب.. وقرار حكومي حاسم
داخلياً، لم تمر العملية من دون أسئلة. فمعلومات متقاطعة تحدثت عن أن القرار العسكري لم يكن منسقاً بالكامل مع الهيكل السياسي للحزب، ما أعاد طرح مسألة الفصل بين المستويين العسكري والسياسي، على نحو يتقاطع مع ما أشار إليه عراقجي حول استقلالية القرار العسكري في طهران.
الاحتلال الإسرائيلي استغل اللحظة لتكثيف ضرباتها، بما في ذلك استهداف قيادات من الصفين السياسي والعسكري. وجرى التداول باستهداف رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد، الذي يشغل موقعاً متقدماً في إعادة تنظيم الحزب، قبل أن يصدر عنه تصريح يؤكد حضوره.
في المقابل، سارعت الحكومة اللبنانية إلى عقد اجتماع طارئ اتخذت فيه قراراً بتصنيف الجناح العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية، وطلبت من الجيش التحرك لتوقيف مطلقي الصواريخ وتسريع تنفيذ خطة حصر السلاح شمال الليطاني. الجلسة لم تخلُ من توتر، وبرز تباين واضح بين وزراء حزب الله الذين اعترضوا، ووزراء حركة أمل الذين أيدوا القرار أو لم يعترضوا عليه. وأكدت الحكومة رفضها لأي تهديد بالانزلاق إلى حرب أهلية، معتبرة أن تطبيق القرار مهمة الجيش وعلى الجميع الالتزام به.
التوغل البري.. وفرض معادلة جديدة
بالتوازي، بدأ الاحتلال الإسرائيلي توغلات برية محدودة في جنوبي لبنان، مع إخلاء الجيش اللبناني بعض النقاط الأمامية وإعادة التموضع في مواقع أكثر عمقاً. وتصر تل أبيب على عدم إعادة سكان مستوطناتها الشمالية قبل فرض ترتيبات أمنية جديدة، في مقابل توسيع نطاق إخلاء القرى اللبنانية الجنوبية التي تجاوز عددها المئة بلدة، بما في ذلك مناطق في عمق قضاء النبطية.
المؤشرات الميدانية تفيد بأن المسألة لا تقتصر على شريط حدودي ضيق. الحديث يدور عن عمليات أوسع قد تمتد إلى البقاع، حيث يشكل استهداف المخازن الصاروخية والبنية اللوجستية للحزب أولوية إسرائيلية، فضلاً عن أهمية السيطرة على نقاط استراتيجية مثل جبل الشيخ في إعادة رسم ميزان الانتشار العسكري.
لبنان بين الحرب والوصاية
الأخطر بالنسبة إلى لبنان لا يكمن فقط في المواجهة العسكرية الراهنة، بل فيما قد يليها. فإسرائيل تسعى إلى تكريس وقائع جديدة على الأرض تُترجم لاحقاً في ترتيبات سياسية وأمنية تمس سيادة الدولة: من يحق له الإقامة في الجنوب، طبيعة القوى المنتشرة هناك، نوعية السلاح المسموح به، بل وحتى حدود المشاركة السياسية لبعض الأطراف.
بهذا المعنى، يجد لبنان نفسه وقد انتقل من موقع المتأثر بالحرب إلى أحد ميادينها الرئيسية. وفي معركة تتداخل فيها الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، يبدو البلد الصغير مهدداً بأن يتحول إلى ساحة لإعادة رسم خرائط النفوذ، في انتظار اتضاح مآلات مواجهة إقليمية مفتوحة على احتمالات أكثر خطورة.
لقاءات أمنية رفيعة في واشنطن لبحث أمن الجنوب السوري وتعزيز مسار الاستقرار/ أحمد العكلة
4 مارس 2026
كشف المستشار السوري ــ الأميركي والمقرّب من دوائر صنع القرار في واشنطن، طارق نعمو، عن عقد لقاءات أمنية رفيعة المستوى في العاصمة الأميركية واشنطن، بحضور مدير الأمن الداخلي في السويداء سليمان عبد الباقي، وذلك بدعوة من فريق لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي برئاسة عضو الكونغرس براين ماست، وبمشاركة عدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، وبدعوة وتنسيق من الدكتور بكر غبيس.
وهدفت اللقاءات إلى بحث ملف أمن الجنوب السوري، وتوضيح مسار الدولة السورية في بسط القانون وفرض سيادتها على كامل الجغرافيا السورية.
وقال نعمو لـ”الترا سوريا” إن سلسلة الاجتماعات بدأت بلقاءات أمنية موسّعة مع مسؤولين في الكونغرس، تلتها اجتماعات مع مسؤولين في البيت الأبيض وفريق الأمن القومي التابع لنائب الرئيس جي دي فانس. وجرى خلال هذه الاجتماعات استعراض التطورات الميدانية والسياسية، إلى جانب مناقشة فرص التعاون بما يعزّز الاستقرار الإقليمي ويدعم جهود إعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة والمجتمع المدني في سوريا.
كما عُقد اجتماع مع فريق رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، النائب براين ماست، جرى خلاله بحث آليات التعاون بين سوريا والولايات المتحدة، ودعم مسار الاستقرار وإعادة البناء.
وحسب نعمو، كان الموقف الأميركي خلال مختلف اللقاءات واضحًا ومتكررًا، إذ أكدت الولايات المتحدة دعمها لسوريا موحّدة بقيادة واحدة، مع الحفاظ على سيادتها واستقرارها، معربةً عن استعدادها لدعم الجهود التي تسهم في إعادة الإعمار وتعزيز الأمن وإعادة بناء المجتمع المدني بما يخدم مستقبل الشعب السوري.
وفي السياق ذاته، جرى الترحيب بسلامة جميع المحجوزين الذين تم الإفراج عنهم بجهود الحكومة السورية وبوساطة الخارجية الأميركية، مع تثمين حسم ملف السويداء بشكل سلمي، بعيدًا عن أي نزاعات أو توترات قد تستهدف وحدة سوريا وأمن المواطن السوري، في خطوة تؤكد أن الحوار والمسار المؤسساتي هما الطريق الصحيح لحماية الاستقرار الوطني.
وتتطلب المرحلة الراهنة، بحسب نعمو، تضافر الجهود للحفاظ على وحدة البلاد، وتعزيز الأمن، وبناء مستقبل يليق بالسوريين جميعًا.
=================
تحديث 03 أذار 2026
هل تمهد إسرائيل لشن هجوم على سورية؟/ نايف زيداني
03 مارس 2026
يزعم مسؤولون في جيش الاحتلال الإسرائيلي أن سورية تُرسل قوات إلى مناطق استراتيجية في الجولان بخلاف التفاهمات معها، وهو ما يبدو كأنه محاولة منها لافتعال أزمة، تمهيداً ربما لشنّ هجمات ضدّ سورية، بذريعة أمنية، وتشكيكها في نيّات النظام السوري إزاءها.
وفيما تواصل إسرائيل احتلال مناطق سورية واسعة، بينها مناطق استراتيجية، وترفض الانسحاب حتى من تلك التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد، مثل قمة جبل الشيخ ومواقع أخرى، نقل موقع والاه العبري، اليوم الثلاثاء، قول مسؤولين في قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، إن “قوات تابعة للرئيس السوري أحمد الشرع تقوم بنقل أسلحة وقوات إلى منطقة التلال (مناطق مرتفعة ومُطلّة) في الجولان السوري (التعبير الإسرائيلي للجزء الواقع تحت السيادة السورية من هضبة الجولان السوري المحتل)”. وزعموا أن “هذا النشاط العسكري يجري خلافاً للتفاهمات السابقة التي تم التوصّل إليها بين إسرائيل وسورية بشأن انتشار القوات في منطقة الحدود”.
وبحسب هؤلاء المسؤولين، “يشكّل نقل القوات والعتاد العسكري إلى منطقة التلال خرقاً للتفاهمات الأمنية التي كان الهدف منها الحفاظ على الاستقرار في المنطقة”. وأضاف المسؤولون العسكريون أن جيش الاحتلال يراقب تحرّكات القوات ونقل المعدات العسكرية في هذه المنطقة الحساسة، التي تم الاتفاق فيها على قيود كبيرة على حركة القوات في الجانب السوري.
وذكر الموقع العبري أنه “في الفترة الأخيرة نُقلت رسائل إلى الرئيس السوري بعدم استغلال التطوّرات في المنطقة للإضرار بالدروز في جنوب سورية، كما حدث مع الأكراد في الشمال، وبأن يمنع مرور الميليشيات العراقية عبر أراضيه، وهي ميليشيات تهاجم حالياً القوات الأميركية في العراق”، وفق ادعاءات الموقع.
وتشكّل منطقة التلال في الجولان السوري، على حد وصف الموقع، محوراً استراتيجياً حاسماً يتيح مراقبة وسيطرة نارية على مساحات واسعة في المنطقة الشمالية. وأضاف الموقع أن “التفاهمات بين الدول، التي هدفت إلى منع احتكاك عسكري مباشر، تحدد قيوداً صارمة على حجم القوات ونوع العتاد العسكري المسموح به في المنطقة العازلة القريبة من الحدود. ويُنظر إلى نقل القوات الحالي من جانب نظام الشرع كخطوة تزعزع الوضع الأمني القائم، وتثير مخاوف من محاولة سورية لفرض وقائع جديدة على الأرض في النقاط الاستراتيجية على الجبهة”.
طريق مدينة السويداء/ علي البرغوث
2026.03.03
بين سقوط مشروع الإدارة الذاتية في الشرق السوري، وتراجع شهية واشنطن وتل أبيب للاستثمار في وكلاء محليين جدد، تبدو السويداء بعد 2026 متجهة إلى لحظة حسم هادئة أكثر منها درامية.
ما كان يُسمّى «ورقة قسد» يُطوى اليوم على الطريقة الأميركية المعهودة: دعم كثيف لسنوات، ثم انسحاب بارد يترك الحلفاء في مواجهة دولة مركزية تستعيد أنفاسها، وجوار إقليمي يستعد لاقتسام النفوذ. في هذا السياق، لا تعود السويداء مجرد محافظة مهمَّشة وغاضبة، بل تصبح جزءًا من سؤال أكبر: كيف ستعيد سوريا الممزقة إنتاج نفسها، ومن سيدفع ثمن هذه الإعادة؟
انهيار قسد أو تحجيمها إلى حدود بعيدة عن أي شكل من أشكال «شبه الدولة» يعني عمليًا أمرين خطيرين للسويداء.
الأول: أن دمشق ستستعيد موارد بشرية وجغرافية واقتصادية كانت خارج قبضتها المباشرة، ما يعزّز قدرتها على إعادة فرض نموذجها الأمني في الأطراف، وخصوصًا في الجنوب.
والثاني: أن الرسالة التي تصل إلى كل المكوّنات المحلية واضحة: لا أحد في هذه البلاد يملك ترف التعويل على حماية أميركية أو إسرائيلية دائمة، لأن الدعم الخارجي هنا مشروط بملفات أكبر من أحلام السوريين وآلامهم. من ظنّ أن تجربة قسد يمكن أن تتكرر في الجبل سيكتشف أن «الوقت الدولي» تحرّك في اتجاه آخر.
سكوت إسرائيل وأميركا عن مصير قسد، بعد استخدامها لسنوات قوةَ صدمة ضد تنظيم الدولة، ثم حاجزًا أمام تركيا وإيران، يطرح أمام السويداء معادلة قاسية. إسرائيل، التي كانت ترفع شعار «حماية الدروز» كلما احتاجت إلى تبرير ضربة جوية أو موقف سياسي، ستجد نفسها أكثر ارتياحًا في التعامل مع دمشق مباشرة، ما دامت تحصل على ضمانات أمنية في الجولان وحدود آمنة في الجنوب. أما واشنطن، فكل ما تريده في نهاية المطاف «دولة سورية موحّدة لا تشكّل صداعًا جديدًا»، ولو كانت هذه الدولة استمرارًا مشوَّهًا للنظام القديم بوجه جديد. في هذا المناخ، ستُعامل السويداء لا باعتبارها قضية خاصة، بل كملف أمني يجب إغلاقه بأقل قدر ممكن من الضجيج.
مع ذلك، لا يعني هذا أن الجبل محكوم باستسلام كامل. على العكس، قد تكون لحظة ما بعد قسد هي الفرصة الأخيرة للسويداء كي تفرض شروطها في تسوية داخلية أوسع. فالنظام الذي يخرج من معركة طويلة في الشرق، مثقلًا بالعقوبات والانهيار الاقتصادي والتعب الاجتماعي، لن يكون في وضع يسمح له بفتح حرب شاملة في الجنوب، لا سيما في منطقة حساسة طائفيًا وحدوديًا. وسيكتشف أن أفضل ما يمكن أن يطمح إليه هو «إعادة احتواء» السويداء، لا سحقها، عبر تفاهم مع شيخ العقل والقوى المحلية يضمن عودة علم الدولة ومؤسساتها، وشكلًا من أشكال السيادة المركزية، مقابل ترك هامش حقيقي للإدارة الذاتية المدنية والأمن المحلي. هنا تمامًا تصبح براعة النخب في السويداء حاسمة: هل تستخدم هذه اللحظة لتثبيت مكاسب، أم تهدرها في شعارات قصوى لا تملك أدوات فرضها؟
شيخ العقل حكمت الهجري سيجد نفسه في قلب هذه المعادلة. الرجل الذي راكم رصيدًا شعبيًا بخطابه الصدامي مع السلطة، سيدفع عاجلًا أم آجلًا إلى الانتقال من لغة «كسر القطيعة» إلى لغة «التفاوض على الكرامة». المجتمع الدولي الذي تخلى عن قسد لن يمنح السويداء ما لم يمنحه للأكراد، والنظام الذي صبر على تحدّي الجبل سنوات لن يقبل أن يرى نموذجًا شبه مستقل في حدوده الجنوبية يتغذّى من حدود الأردن ونظرات إسرائيل. أمام هذا الواقع، قد تكون ورقة الهجري الأهم هي القدرة على تحويل شعبيته إلى تفويض تفاوضي: لا توقيع على بياض لدمشق، ولا انتحار جماعي في مواجهة مفتوحة، بل صيغة وسط تضمن عدم تكرار تجربة التخلي والبيع التي عاشها الأكراد.
من جهة أخرى، سيمرّ المجتمع في السويداء نفسه باختبار صعب. جزء منه سيزداد اقتناعًا بأن الاعتماد على الذات يعني الحفاظ على السلاح المحلي ورفض عودة الأجهزة الأمنية بصيغتها القديمة، حتى لو كلّف ذلك سنوات إضافية من التوتر والعزلة. وجزء آخر، أنهكه الفقر والهجرة والخوف من الفراغ، سيقبل بتسوية «أقل سوءًا» تعيد بعض الاستقرار، ولو تحت سقف سلطة لا يثق بها بالكامل. الصراع بين هذين الاتجاهين لن يكون أقل خطورة من الصراع مع دمشق، لأنه يحدد هوية المحافظة لعقود: هل هي مجتمع يختار مقاومة طويلة بثمن باهظ، أم مجتمع يفضّل تسوية ناقصة مع أمل بإصلاح تدريجي؟
الخطر الحقيقي على السويداء في اليوم التالي لانتهاء ملف قسد ليس أن تُقصف أو تُقتحم فجأة، بل أن تُستنزف ببطء: استنزاف في السياسة، حيث تتحول انتفاضة الكرامة إلى مجرد ورقة تفاوض يستخدمها هذا الطرف أو ذاك؛ واستنزاف في المجتمع، حيث يهاجر الشباب القادرون على حمل عبء التغيير، ويُترك الجبل لشيخوخة مبكرة وخطابات بلا أذرع؛ واستنزاف في المعنى، حين يتحول الحلم بدولة عادلة إلى قناعة قاتمة بأن «هذا هو الممكن الوحيد».
مع ذلك، يبقى هامش الأمل قائمًا. فإذا تمكنت السويداء من بلورة رؤية سياسية واضحة لما تريده بعد 2026، لا مجرد ما ترفضه، وإذا استطاعت أن توحّد قواها الاجتماعية حول حد أدنى من المطالب الواقعية: إدارة محلية موسّعة، وضمانات بعدم الانتقام الأمني، وشراكة حقيقية في القرار داخل الدولة، فإن لحظة إعادة ترتيب الخريطة السورية قد تتحول من تهديد إلى فرصة. أما إذا دخلت هذه اللحظة بلا رؤية، وبلا وحدة داخلية، وبإيمان ساذج بأن العالم سيعاملها بشكل أفضل مما عامل الأكراد، فإنها تخاطر بأن تصحو ذات يوم على واقع شبيه بما واجهته قسد: نهاية حلم كيان مستقل، وبداية زمن طويل من التعايش القسري مع سلطة لم تتغير إلا بالقدر الذي يضمن استمرارها.
تلفزيون سوريا
مصادر تنفي تقارير عبرية: الشرع لم يستقدم قواته إلى جنوب سوريا
الثلاثاء 3 آذار 2026
نفت مصادر محلية في القنيطرة صحة ما أورده موقع «واللا» العبري بأنّ قوات الجيش السوري تنقل وسائل قتالية وأفراداً إلى تلال في الجولان.
وقالت المصادر لـ«الأخبار»، إنّ إسرائيل هي الطرف الذي يحشد جنوب سوريا لا قوات حكومة دمشق كما ورد في تقرير الإعلام العبري، حيث تم استقدام تعزيزات جديدة إلى الجنوب، بالتزامن مع اتساع رقعة التوغلات أكثر من 6 كيلومتر عن آخر نقاط مثبتة سابقاً في محيط جبل الشيخ والقنيطرة.
وعن طبيعة التعزيزات قالت المصادر إنّها تتبع للواء «غولاني» والفرقة 210 الإسرائيلية بالإضافة إلى كتيبة هندسة قتالية، مع استقدام لافت للدبابات وتثبيتها على تل الفرس وتل أبو الندى في القنيطرة باتجاه المنطقة العازلة.
وفي جبل الشيخ، لوحظ استنفار بمهبط المروحيات في قرية حضر بالتزامن مع استحداث نقطة طبية للطوارئ، بحسب المصادر.
وكان التقرير العبري قد أورد عن مصادر في القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي أن قواتٍ تابعةً للرئيس السوري أحمد الشرع تنقل أسلحةً ومعداتٍ قتاليةً وقواتٍ إلى منطقة التلال في هضبة الجولان السورية، في تحركٍ يعد مخالفةً كاملةً للاتفاقيات الأمنية التي تم التوصل إليها مع إسرائيل.
وقال الموقع أن هذا النقل للأسلحة والمعدات يأتي في توقيتٍ بالغ الحساسية، حيث تستغل دمشق انشغال المنطقة بالمعركة ضد إيران وحزب الله لتعزيز تموضعها العسكري في الجولان، ما دفع إسرائيل إلى إرسال رسائل تحذيرية مباشرةٍ إلى الرئيس السوري أحمد الشرع مفادها أنها لن تسمح بأي استغلالٍ للوضع الراهن للإضرار بالدروز في جنوب سوريا.
كما ذكر الموقع أن إسرائيل طالبت الشرع بمنع مرور تنظيمات عراقيةٍ عبر أراضيه، التي تهاجم حاليا قواتٍ أميركية في العراق.
اتهامات إسرائيلية بدفع الجيش السوري قوات ومعدات عسكرية إلى الجولان
3 مارس 2026
قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن الجيش السوري نقل معدات ووسائل قتالية إلى منطقة التلال في الجولان السوري، في ظل التصعيد العسكري القائم في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وذكر موقع “والا” الإسرائيلي، نقلًا عن مسؤولين في القيادة الشمالية بجيش الاحتلال، أن الجيش السوري دفع بقوات ووسائل قتالية إلى منطقة التلال في الجولان السوري، واصفين الخطوة بأنها تتعارض مع التفاهمات المبرمة بين إسرائيل والحكومة السورية، وتشكل خرقًا واضحًا لما وصفوه بـ”الترتيبات الأمنية” في المنطقة الحساسة المحاذية للحدود (المنطقة العازلة).
واعتبر المسؤولون أن نقل القوات والعتاد إلى المنطقة يمثل إخلالًا بالتفاهمات الأمنية التي تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار ومنع الاحتكاك العسكري المباشر على هذه الجبهة، مشيرين إلى أن الجهات العسكرية الإسرائيلية تتابع تطورات التحركات السورية في المنطقة التي فُرضت عليها قيود مشددة بموجب ترتيبات سابقة.
وأضاف الموقع أن إسرائيل نقلت رسائل إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، مفادها أنها لن تسمح باستغلال المواجهة الجارية ضد إيران و”حزب الله” لـ”الإضرار بالدروز” في جنوب سوريا، كما طلبت منه منع عبور ميليشيات عراقية عبر الأراضي السورية.
وبحسب الموقع، تُعد منطقة التلال في الجولان السوري نقطة استراتيجية تتيح قدرات رصد وسيطرة نارية على مساحات واسعة من شمال إسرائيل.
وأشار الموقع إلى أن التفاهمات السابقة بين الطرفين قد نصّت على قيود صارمة تتعلق بحجم القوات وأنواع الأسلحة المسموح بانتشارها في المنطقة العازلة، في إطار “منع التصعيد والحفاظ على الوضع الأمني القائم”، على حد قوله.
إسرائيل تتهم دمشق بخرق تفاهمات الجولان وتلوّح برسائل حازمة
توتر في هضبة الجولان.. تحركات عسكرية سورية تقابلها تحذيرات إسرائيلية مباشرة
2026-03-03
كشف مسؤولون في القيادة الشمالية الإسرائيلية أن الجيش السوري بدأ بنقل قوات ووسائل قتالية إلى منطقة التلال الاستراتيجية في هضبة الجولان، معتبرين أن هذه الخطوة تمثل خرقاً للتفاهمات الأمنية القائمة في المنطقة الحدودية الحساسة.
ونقل موقع والاه عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها إن التحركات السورية “تتناقض بشكل تام مع التفاهمات التي تم التوصل إليها”، وتشكل انتهاكاً لما وصفته بالقيود المفروضة على انتشار القوات ونوعية الأسلحة في منطقة الفصل المحاذية للحدود الشمالية.
وأوضح المسؤولون أن النشاط العسكري السوري يجري خلافاً للتفاهمات المسبقة بشأن ضبط الوجود العسكري في المنطقة، مشيرين إلى أن نقل القوات والمعدات إلى التلال الاستراتيجية يقوض الترتيبات التي هدفت إلى الحفاظ على الاستقرار ومنع الاحتكاك المباشر بين الجانبين.
وأكدت المصادر أن الأجهزة العسكرية الإسرائيلية تتابع عن كثب تطورات انتشار القوات السورية، في منطقة تمنح أفضلية مراقبة وسيطرة نارية على مساحات واسعة من شمال إسرائيل.
وعلى خلفية هذه التحركات، وجّهت إسرائيل رسائل وصفت بالحازمة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، أكدت فيها أنها “لن تسمح باستغلال المواجهة ضد إيران وحزب الله للمساس بالدروز في جنوب سوريا”، بحسب ما نقلته المصادر العسكرية.
كما أبلغت إسرائيل الجانب السوري بضرورة منع مرور ميليشيات عراقية عبر الأراضي السورية، في ظل اتهامات لهذه الفصائل بتنفيذ هجمات ضد القوات الأميركية في العراق.
وتعد منطقة التلال في الجولان من أكثر النقاط حساسية من الناحية العسكرية، إذ تخضع لترتيبات أمنية تهدف إلى فرض قيود صارمة على حجم القوات ونوعية التسليح، بما يحد من احتمالات التصعيد.
ويرى مراقبون أن التحرك السوري الأخير قد يفتح الباب أمام توتر أمني جديد في قطاع يعتبر من أكثر الجبهات حساسية في المنطقة.
=================
تحديث 02 أذار 2026
السويداء.. سيكولوجيا المناطق المغلقة/ أحمد عسيلي
خلال الأسبوع الماضي، جرى تبادل أسرى بين السلطة في دمشق وسلطة الشيخ حكمت الهجري في السويداء، جاءت هذه الخطوة بعد عدة أيام من انشقاق الأمير حسن الأطرش، وفي لحظة أخذ فيها المسار مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) شكلًا تفاوضيًا تصالحيًا يرضي الطرفين (باستثناء بعض معارضي الخارج)، كل ذلك أعاد السويداء إلى الواجهة، لا كمدينة تحتج فقط، بل ككيان سياسي يتشكل على نحو متسارع، وهنا تحديدًا تبرز المسؤولية الأخلاقية والفكرية: هل نحن أمام تجربة ثورية تسعى إلى صون كرامة أهلها، أم أمام بداية تشكل سلطة مغلقة قد تنتهي، دون قصد، إلى نموذج قاسٍ على أبنائها؟
هذا ليس سؤالًا عبثيًا أو سياسيًا، بل نطرحه من بوابة ذاكرتنا التاريخية وما تراكم لدينا من معارف في علم النفس السياسي والاجتماعي، ولأعترف أيضًا أن فيه جانبًا شخصيًا، فأنا أسكن في باريس، في حي ذي أغلبية سريلانكية، جميع المحال والمطاعم والمقاهي تقريبًا تعلق صورة قائد اسمه برابهاكاران، زعيم نمور التاميل، هذا القائد الكاريزمي، المصنف إرهابيًا حسب الاتحاد الأوربي لما ارتكبه من مجازر بحق أهله و أعدائه معًا، وعلى بعد نحو كيلومترين من هذا الحي، في ساحة الجمهورية الشهيرة، تُنظَّم بشكل شبه أسبوعي مظاهرات لمؤيدين أكراد يرفعون صور عبد الله أوجلان، لا أستحضر هذين المثالين لمساءلة مشاعر الشتات، ولا للتقليل من عدالة القضايا التي انطلقت منها تلك الحركات، بل لأنه لطالما كانت قصة ومسار هذين القائدين مصدر دراسة وبحث لي كطبيب نفسي عايش ويعيش التجربة السورية، ورأيت عن قرب كيف يمكن للقضايا المحقة أن تتحول مع الزمن إلى جحيم يحترق بها الضحايا أولًا.
في الحالتين (تاميل سريلانكا وأكراد تركيا) بدأت الحكاية بشعور جمعي بالاضطهاد، بتهديد وجودي حقيقي أو مُدرَك، وبحاجة إلى حماية الهوية والكرامة، في مثل هذه الظروف، تبيّن معظم الدراسات أن الجماعات تميل إلى التماسك الشديد، وإلى تقليص الخلافات الداخلية، والبحث عن قيادة قوية تختزل الإرادة العامة في شخص أو تنظيم، الخطر الخارجي يجعل الوحدة قيمة عليا، ويحوّل النقد الداخلي إلى شبهة، ومع الزمن، قد يتحول التمثيل إلى احتكار، والحماية إلى وصاية تامة.
التجربة السورية نفسها تقدّم شواهد عديدة، لا حاجة لذكر أسماء أو تفاصيل حساسة ما زالت عالقة في ذاكرتنا كسوريين، يكفي أن نتذكر كيف تحولت بعض “المناطق المحررة” مع الزمن إلى فضاءات ينخرها الفساد، والمحسوبيات، واقتتال الفصائل، وكيف صار أبناء البيئة ذاتها أول المتضررين، حتى الحالة الأكثر تطرفًا في منطقتنا، وهي تنظيم “داعش”، قدّمت نفسها بالبدايات كمدافع عن شريحة شعرت بالتهميش، ثم تحوّل التنظيم إلى آلة قمع كان أول ضحاياها من ادعى تمثيلهم، هنا لا يعود السؤال سياسيًا فقط، بل يتعلق بالبنية النفسية نفسها: كيف يتحول الشعور بالتهديد إلى ذريعة لإلغاء التعدد، وكيف تنتقل الجماعة من مقاومة السلطة إلى إعادة إنتاج سلطة جديدة أكثر قساوة؟
السويداء اليوم ظروفها العامة تكاد تتطابق مع شمال سريلانكا، مسارها يشبه ما حدث في جبل قنديل، وقريب نوعًا ما مع ما رأيناه في بعض مناطق المحرر، لكنها إلى اليوم تقف عند منعطف خطير جدًا، استمرار حالة الانغلاق، مهما كانت مبرراتها، يحمل في داخله احتمال تَشكُّل مركز قرار غير خاضع لمساءلة كافية، وتنامي نفوذ شبكات مصلحية تتغذى من الوضع الاستثنائي، خلال الأشهر الماضية شهدنا بالفعل تجاوزات خطيرة هنا وهناك، قد تبدو محدودة الآن، لكنها في بيئة مغلقة تميل إلى التعمق لا إلى الانحسار.
الخروج من هذا المسار لا يعني التراجع، ولا التخلي عن أشكال النضال المشروعة، بل يعني إدراك أن أفضل حماية لروح المدينة، يتحقق في الاندماج الكامل مع مجتمعها ومحيطها، مع الإصرار على إصلاحها وتحسين شروطها، فهذا أقل خطرًا بكثير من التحول إلى كيان شبه مستقل يعيش على منطق الحصار الدائم، فالتاريخ القريب، والبعيد، وجميع الدراسات الاجتماعية والنفسية، تعلّمنا أن المناطق التي تُغلق طويلًا باسم الحماية، قد تستيقظ يومًا لتجد أن السيف الذي رُفع دفاعًا عنها بات معلقًا فوق رقاب أبنائها.
لهذا تبدو الأولوية اليوم واضحة: إنهاء أي شكل من أشكال الحصار، سواء المفروض من سلطة شيخها الهجري أو من سلطة دمشق، وإعادة وصل المدينة بمحيطها الوطني، وإعطاء الحريات المدنية المكانة الأولى في أي ترتيب داخلي، فاستمرار الوضع الراهن، مهما بدا قابلًا للإدارة، يحمل في طياته خطرًا صامتًا يتعاظم مع الوقت، والتحذير هنا ليس موقفًا سياسيًا، بل قراءة نفسية محايدة، تستند إلى تجارب إنسانية كثيرة تقول ببساطة: الجرح إذا لم يتحول إلى عقد اجتماعي مفتوح، قد يتحول إلى سلطة مغلقة، والسلطة المغلقة نادرًا ما ترحم أبناءها.
=================
01 أذار 2026
حملة تشويه تستهدف المتطوع المختطف حمزة العمارين منذ أكثر من 225 يومًا
1 مارس 2026
شنت صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال اليومين الماضيين، حملة رقمية استهدفت تشويه صورة المتطوع حمزة العمارين، المختطف في مدينة السويداء، وذلك عبر نشر مقاطع مصورة وصور معدلة تزعم أنه كان مسلحًا خلال أحداث المنطقة.
وتداولت هذه الصفحات فيديوهات وصورًا مقتطعة تظهر العمارين وهو يحمل سلاحًا، يُعتقد أنها سُحبت من هاتفه بعد اختطافه. وفي تدقيق أجرته منصة “تأكد”، تبيّن أن الصورة الأبرز المتداولة للعمارين وهو يحمل سلاحًا مفبركة بشكل كامل.
وأظهر تحليل الصورة، بعد تحسين جودتها باستخدام أدوات تقنية، أن اللافتات الظاهرة في الخلفية تعود لمركزين طبيين يقعان في ساحة الساعة وسط مدينة حمص وليس في السويداء. كما أظهرت مطابقة المعالم ظهور ساعة حمص الشهيرة في الخلفية.
وأشار متابعون إلى ملاحظة لافتة تتعلق بالتوقيت والملابس الظاهرة في المواد المتداولة، إذ تظهر العناصر بلباس شتوي ثقيل، بينما وقعت أحداث السويداء التي فُقد خلالها العمارين في منتصف تموز/يوليو، أي في ذروة الصيف ودرجات الحرارة المرتفعة.
وكان العمارين، وهو رئيس مركز الاستجابة الطارئة في منظمة الدفاع المدني، قد كرّس أكثر من عشر سنوات من حياته في العمل الإنساني والاستجابة الطارئة، وشارك في عمليات إنقاذ خلال كوارث وأحداث جسيمة، من بينها زلزال شباط/فبراير 2023 في شمال غربي سوريا. وقد لاقت صورة له وهو ينقذ طفلة من تحت الأنقاض في قرية بسنيا بريف إدلب تفاعلًا واسعًا على المستويين المحلي والدولي.
وكان الدفاع المدني السوري قد أصدر في 26 شباط/فبراير 2026 بيانًا أكد فيه أن حمزة العمارين غائب منذ 225 يومًا بعد اختطافه من قبل مجموعات محلية مسلحة في مدينة السويداء أثناء تنفيذه مهمة إنسانية لإجلاء مدنيين وأحد فرق الأمم المتحدة.
وأثار عدم الإفراج عنه ضمن عملية التبادل التي جرت في 26 شباط/فبراير 2026 في محافظة السويداء، والتي شملت 86 شخصًا، مخاوف ناشطين ومقربين بشأن مصيره.
ويرى ناشطون أن نشر هذه المواد بحدّ ذاته يعزز فرضية تعرضه للاختطاف، إذ إن الوصول إلى محتويات هاتفه الشخصي لا يمكن تفسيره إلا بوقوعه تحت الاحتجاز.
وساطة أمريكية لـ”نصف حل” في السويداء/ موفق الخوجة
تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بوساطة بين الحكومة السورية من جهة، وجهات فاعلة في محافظة السويداء جنوبي سوريا، من جهة أخرى، على رأسها “الحرس الوطني” الكيان العسكري المسيطر على المدينة، والرئيس الروحي للطائفة الدرزية، حكمت الهجري، المرجعية الدينية والمجتمعية التي تمسك بقرار المحافظة السورية الجنوبية.
الوساطة الأمريكية جاءت لمنع انزلاق المنطقة إلى توتر أكبر، ومآلات غير معروفة أو مضمونة النتائج، وفي سبيل إيقاف أي اصطدام مسلح محتمل بين الحكومة والفصائل المحلية في السويداء، في ظل جو مشحون بالتجاذبات الطائفية، في حين أن واشنطن لا تسعى إلى حل الملف كليًا، على غرار ما يحدث في شرقي سوريا مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بل تنشد أنصاف الحلول.
وتأتي التحركات الأمريكية ضمن إطار ما عُرف إعلاميًا بـ”خارطة عمّان” التي جرى الاتفاق عليها في العاصمة الأردنية، بمشاركة كل من واشنطن ودمشق، لوضح حل لأزمة السويداء العالقة منذ تموز 2025.
تبادل: 61 من دمشق و25 من “الحرس”
أحدث ما حُرر في قضية الوساطة الأمريكية، عملية تبادل الموقوفين بين الحكومة و”الحرس الوطني” في 26 من شباط الماضي، بوساطة أمريكية بين دمشق ورئيس الطائفة الدرزية في السويداء، الهجري، وفق ما سربته سابقًا وكالة “فرانس برس”، التي أشارت، نقلًا عن مصدر لم تسمِّه، إلى أن المفاوضات بين الجانبين لم تتعدّ ملف التبادل.
وبحسب ما رشح حينها من معلومات، وما ذكرته وسائل إعلامية، من ضمنها حكومية، وأوضحه مصدر خاص لعنب بلدي، فإن من المفترض أن يفرج “الحرس الوطني” عن 30 شخصًا، في حين أن الذين خرجوا 25 موقوفًا، وبقي خمسة آخرون، على الأقل، لم يخرجوا ضمن هذه الصفقة.
بالمقابل، أفرجت الحكومة عن 61 شخصًا من الذين احتجزتهم خلال تموز 2025.
أحد أقارب المعتقلين لدى “الحرس” أوضح لعنب بلدي أن الفصائل لم تفرج عن عدد من المعتقلين بسبب صلة قرابة تجمعهم مع شخصيات نافذة في الحكومة السورية، وامتنعت عن إخراجهم في اللحظات الأخيرة، إلا أن الحكومة لم تعلق على هذه النقطة.
من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، إن “المجموعات الخارجة عن القانون” ويقصد بها فصائل “الحرس الوطني”، لا تريد الإفصاح عن حال المختطفين والمغيبين لديها، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن هناك جهودًا دولية من أجل كشف مصير المختطفين.
بالمقابل، أشار القيادي الدرزي، المقرب من الحكومة، ليث البلعوس، بمقابلة مع قناة “الإخبارية” الرسمية، إلى وجود عمليات تبادل مقبلة بين الحكومة والفصائل في السويداء، وهو ما أكده قائد في “الحرس” بتصريحات لوسائل إعلام محلية مقربة منه.
خطوة إنسانية- سياسية
الحكومة اعتبرت أن المبادلات هي خطوة تأتي في إطار استراتيجية قيادة الأمن الداخلي الرامية إلى ما وصفتها بتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ العدالة ودعم جهود المصالحة المجتمعية، بما يعزز الثقة المتبادلة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، إن عملية تبادل المعتقلين في السويداء تأتي في إطار حل وطني لملف السويداء بجهود دولية.
ويرى العضو في “التيار الثالث” وائل شجاع، أن عملية تبادل الموقوفين هي خطوة إنسانية أولًا، وسياسية بحكم الواقع.
“التيار الثالث” مبادرة أعلنت خارطة طريق تهدف إلى حماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، من خلال إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي هيئة مدنية.
ويرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”، الدكتور سمير العبد الله، أن عملية التبادل مؤشر مهم على وجود قنوات تواصل فعّالة بين الطرفين، وعلى اعتراف ضمني بوزن كل طرف وقدرته على التأثير.
كما تعكس هذه الخطوة سعيًا متبادلًا لخفض التصعيد وبناء قدر من الثقة، وامتصاص الاحتقان الشعبي الذي تراكم خلال الأشهر الماضية، وفق العبد الله.
أما عن دلالتها، فيعتقد شجاع أنها ليست تسوية سياسية، بل فتح قناة تواصل واختبار نيات وبناء حد أدنى من الثقة العملية، كما أنها معالجة لملف جزئي قبل الدخول في الملفات الكبرى.
الخطوة المقبلة، إن حصلت، ستكون خطوات تقنية تدريجية، وفق ما يراه شجاع، مثل ملفات إنسانية وترتيبات تهدئة وقضايا مدنية وآليات ضبط محلي، لا قفزة سياسية شاملة.
وقال العبد الله لعنب بلدي، إن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تُستكمل بتفاهمات أعمق.
ضمن “خارطة عمّان”
عملية تبادل الأسرى التي جرت على أبواب محافظة السويداء، تحديدًا على حاجز “المتونة” الذي تسيطر عليه الحكومة السورية، ويقابله حاجز “أم الزيتون” حيث يسيطر عناصر “الحرس الوطني”، جرت بإشراف مباشر من “اللجنة الوطنية للصليب الأحمر”.
أما عن دور واشنطن، فقد أكدته تصريحات أمريكية، وتلميحات حكومية، حيث قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، إن الولايات المتحدة تشرفت بالمساعدة في تسهيل عملية تبادل المعتقلين في السويداء بين الحكومة وفصائل محلية.
وأشار براك إلى دور لعضو الكونجرس عن الحزب “الجمهوري” أبراهام حمادة، حيث شكره على مبادرته، وما وصفه بـ”مثابرته الهادئة، ووضوحه الأخلاقي في المساعدة على إطلاق هذه العملية”.
بفضل المساعدة القيمة من “اللجنة الدولية للصليب الأحمر”، تم تبادل 25 مقاتلًا حكوميًا و61 مقاتلًا درزيًا، في عملية سلسة ومنظمة. عاد الأهالي إلى لمّ شمل عائلاتهم. خطوة بعيدة عن الانتقام، وخطوة نحو الاستقرار.
شرف الولايات المتحدة أن تساعد في تسهيل هذا الجهد. شكري الصادق للنائب أبراهام حمادة على مبادرته، وإصراره الهادئ، ووضوحه الأخلاقي في المساعدة على بدء هذه العملية. القيادة مهمة، خاصة عندما تعيد الناس إلى ديارهم.
بدوره، ذكر المتحدث باسم وزارة الداخلية، البابا، أن العملية جاءت في سياق اتفاق عمّان لخطوات تهدئة الوضع في السويداء وعودة الحل السلمي والسياسي ضمن نطاق الوحدة الوطنية السورية.
اتفاق عمّان، أو ما عُرف بخارطة الطريق للحل في السويداء، جرى في العاصمة الأردنية، في 16 من أيلول 2025، بحضور وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ونظيره الأردني، أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك.
وتضمنت الخارطة ست نقاط كان منها دعم جهود “الصليب الأحمر” للإفراج عن جميع المحتجزين والمخطوفين واستكمال عمليات التبادل.
المبادرة الأمريكية.. “إدارة الصراع”
الجهود الأمريكية الساعية إلى تحريك المياه الراكدة في السويداء، أثارت التساؤلات حول المدى التي تريد أن تصل إليه، إذ لا بوادر تلوح في الأفق لحلحلة الملف العالق منذ لحظة سقوط النظام السوري السابق.
الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”، العبد الله، قال إن المبادرات الأمريكية في السويداء تندرج ضمن إطار يهدف إلى منع انزلاق الأوضاع نحو انفجار أمني جديد، في ظل التوترات المتكررة بين الحكومة السورية والقوى المحلية في السويداء.
وعليه، فإن المقاربة الأمريكية تقوم على إدارة الأزمة واحتوائها، لا على حسمها بصورة نهائية، وفق ما يراه الباحث، العبد الله.
ويوافقه العضو في “التيار الثالث”، شجاع، إذ يرى أن المبادرات الأمريكية تتحرك بمنطق إدارة الصراع لا حله.
وقال إن الهدف الأساسي هو منع الانفجار وضبط التوتر وتخفيض المخاطر الأمنية، وليس إنتاج حل سياسي شامل، مضيفًا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعمل على مشروع سياسي خاص بالسويداء، بل على توازنات مؤقتة تمنع الفوضى.
“قسد” قضية مختلفة.. هل الدمج مطروح؟
بالرغم من أن بوادر الحل بعيدة المنال، وفق ما تشير إليه المعطيات، من حيث البعد بالرؤى بين أطراف الصراع، واللهجة الإعلامية العدائية، والتمسك بـ”حق تقرير المصير” الرامي إلى ما يشبه الحكم الذاتي في السويداء، ما زال الأمل معقودًا لعودة المحافظة إلى مكانها الطبيعي في الجغرافيا السياسية السورية، خاصة بعد اقتراب قضية الشرق من الحل.
لكن المقارنة مع “قسد” يراها العضو في “التيار الثالث”، شجاع، غير دقيقة، شارحًا ذلك بأن القوات هي نتاج مشروع دولي ومظلة حماية وتوازنات إقليمية، بينما “الحرس الوطني” و”اللجنة القانونية” (التي تدير الشؤون الإدارية في المدينة) هي نتاج حاجة محلية وفراغ أمني وظرف طارئ.
بالمقابل، يرى العبد الله أن مصير “الحرس الوطني” قد يتجه نحو صيغة دمج تدريجي ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على بعض الخصوصية التنظيمية، على غرار ما جرى في الحسكة.
وتبدو دمشق مائلة إلى خيار التفاهم بدلًا من المواجهة، كما يعتقد العبد الله، مشيرًا إلى أن الفاعلين المحليين يدركون أن هامش التحرك محدود، والولايات المتحدة تمارس تأثيرًا غير مباشر، والأردن حاضر أمنيًا في الخلفية، مع بقاء مصير السويداء مرتبطًا بالتفاهمات الإقليمية الأوسع، وبمسار التفاوض مع إسرائيل في المدى البعيد.
وقال إن خصوصية السويداء تفرض معالجة مختلفة، إذ يتطلب أي استقرار مستدام توافقًا محليًا داخليًا يحدد بوضوح طبيعة العلاقة مع الحكومة المركزية، ويعالج ملف السلاح المنتشر، لافتًا إلى أنه ملف “بالغ الحساسية” نظرًا إلى ارتباطه بالاعتبارات الاجتماعية والأمنية، ما يجعل مسألة تسليمه أو تنظيمه تحديًا حقيقيًا.
السيناريو الواقعي للحل في السويداء، برأي شجاع، ليس دمجًا مباشرًا ولا تفكيكًا قسريًا، بل تحييد تدريجي أو تنظيم وظيفي ضمن ترتيبات محلية أوسع، مشيرًا إلى أن المنطق الدولي يتجه نحو الاحتواء وتقليل الصدام، لا إنتاج نماذج جديدة على نمط “قسد”.
ويرى شجاع أنه ليست هناك “تسوية كبرى”، لأن شروطها غير موجودة أصلًا، وهي: توافق دولي، وتوازن قوى داخلي مستقر، ومشروع سياسي جامع.
عنب بلدي
=================



