الضحايا السوريون المنسيون/ سلوى زكزك

02 مارس 2026
لا تقتل الحروب الأعداء فقط، كما لا يموت من يقاتل ويحمل السلاح وحسب، حيث الموت هو اللغة الوحيدة، والأعلى صوتاً، في الحروب والثورات والاحتجاجات. وعادة، لا يكترث الطرف الأقوى بعدد الضحايا ولا بطريقة موتهم. وإن انتهت الحرب وتوقّف القتال، سيصرّح كلّ طرف للإعلام، وعلى الشاشات، وفي المحافل الدولية، ومنظّمات الإغاثة، بأنّ ضحاياهم كانوا الأكثر عدداً، أمّا في اجتماعاتهم المُغلقة فسيقولون بزهوٍ: لقد قتلنا منهم أكثر ممّا قتلوا منّا.
تغصّ الصفحات والسرديات بأسماء لا تُّعدّ ولا تُحصى لمن يعتبرونهم شهداء عسكريين، قضوا في المعارك وعمليات القصف التي طاولت المدنيين في مدنٍ بأكملها، أو في القرى والأحياء… وسيسمّونهم الشهداء، تقديراً وجلباً للتعاطف.
تطول القوائم وترسم مشهداً كئيباً وغارقاً في العبثية وفقدان الأمل، خاصّة بعد اليقين بأنَّ أحداً لن ينال الإنصاف أو التكريم، ولا حتى التعويض. ولن يعترف أحد بأنّه قد قضى أو أصيب في تلك المعارك والعمليات العسكرية، مدنيون من غير العسكريين أيضا، موتى أو أحياء، بإعاقات دائمة أو جزئية.. وسيبقى ملف العدالة الانتقالية مسماراً يذكّر دوما بعدم تحقّق العدالة وستبقى الأسماء مجرّد قوائم لن يقرأها أحد.
لكنّ ثمّة أطرافاً أخرى، مُغيّبة حتى عن الذكر، مُغيّبة حتى عن القوائم التي تشمل كافة المُستحقين للاعتراف والإنصاف والتعويض وجبر الضرر، وهم من ماتوا بصمت. والأصح أنّهم قتلوا بصمت، وحيدين، وربما قد سُجّلَ موتهم موتاً عادياً، إمّا لأسباب صحية أو لأسباب فضّل الجميع، حتى ذويهم كتمانها، كالانتحار مثلا، وكأنّ موتهم غير ذي شأن، لا عددياً ولا معنوياً ولا اعتبارياً.
ستغيب أسماء كلّ من قضى في البحار غرقاً، وإن ذكروها في ساعة الموت، وكلّ من تجاهلت سفن الإنقاذ وخفر السواحل أصوات استغاثتهم، فماتوا جوعاً أو برداً، وربّما قتلهم الخوف واشتداد الخيبة. أيضا، من مات وتُرك وحيداً في الغابات؛ غريباً ومجهول المصير. وحتى لو شهد مرافقوه موته، سيكونون مجبرين على متابعة الرحلة كي لا يكونوا الضحية القادمة. وهناك من مات مختنقاً في شاحنات تركها المهرّبون هرباً من شرطة الحدود، ومن مات مقتولاً برصاص دوريات الشرطة وحرس الحدود. وذاك الطفل الذي أَجبر المهرّب والدته على سقيه مُخدّرا بكميةٍ لم يتحمّلها جسده ووصل ميتاً وهي تهدهده ظنّاً منها أنّه غفا بعمق.
أيضاً، ستغيب عن القوائم أسماء الأمّهات اللاتي متنّ مطعوناتٍ في قلوبهن بعد موت أبنائهن في المعارك أو في مهاوي اللجوء والاختطاف والاحتجاز. وستغيب أسماء أمّهات الغائبين وزوجاتهم في مجاهل الصمت والابتزاز وصراع الأسئلة، وسيعلن الأطباء الوفاة بالسكتة القلبية، وسيقول المشيّعون قتلهنً الحزن وعبث الانتظار… أمّا القوائم الرسمية فلن تأخذ إلا بختم الرصاص والبارود سبباً واحداً للاعتراف بالموت.
ماذا عن الشباب الذين فرّوا من الخدمة الإلزامية كي لا يَقتلوا ولا يُقتلوا، فكان الموت نصيبهم في المُعتقلات أو على طرق الهروب والتخفّي؟ ماذا عن الشباب الذين بقوا في البيوت خوفاً من القبض عليهم وتحويلهم إلى الخدمة الإجبارية؟ سيقولون عنهم إنّهم جبناء، لأنّهم لم يعلنوا موقفاً صلباً وقبعوا في بيوتهم مغمورين بالخوف وبالريبة، وقد لا يصلي عليهم رجال الدين لأنّ قتل النفس محرّمٌ في الشرائع المُهلّلة للشهادة الرافضة للنجاة، ولو بصورة فردية. سيموت كلّ من يرفض الانصياع لسلطة القتل اليومي والشعارات الداعية للحتمية تلبيةً لنداء المشاركة في دحر الأعداء.
ماذا عن النساء اللاتي قهرهن السرطان لأنّ الطرق مقطوعة ولا مجال للوصول إلى المشافي المُختصّة بتوفير جرعات أدوية السرطان؟ ماذا عن الرجال الذين ماتوا قهراً بعد هدم بيوتهم ومنشآت أعمالهم وفقدوا أرزاقهم وأمانهم وهم المقتنعون بأنّ الرزق يعادل الأرواح؟ ماذا عن الشباب الذين ماتوا في المهاجر الجديدة اختناقاً بالغربة وبالخوف من رفض اللجوء أو العجز على تعلّم اللغة والاندماج؟
مُقصّرةٌ جداً كلُّ القوائم التي تقصرُ الموت على ضحايا الرصاص والبارود، على ضحايا فريق واحدٍ من المتقاتلين. جاحدةٌ جداً تلك القوائم التي تسبغ لقب الشهداء على من يتبع لمدوّنيها ويجعل من البقية قتلى منسيين، مَلعونين، أو مُنكَرين.



