العدالة الانتقالية تحديث 07 أذار 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
قرارات الإفراج في سوريا: البعد السياسي والمؤسساتي وتأثيرها على مسار العدالة الانتقالية/ معاذ الحمد
العفو الانتقالي في سوريا بين السياسة والعدالة: خبراء يحذرون من تجاوز السلطة التنفيذية واستهداف استقلال القضاء
2026-03-03
تشكل قرارات الإفراج في سوريا، وخصوصاً مرسوم العفو العام، محوراً حاسماً في المرحلة الانتقالية، حيث تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والمؤسساتية، لتتحول هذه القرارات من إجراءات قضائية روتينية إلى أدوات استراتيجية لإدارة البيئة السياسية والاجتماعية، وتخفيف الاحتقان الشعبي، وإعادة إدماج المعتقلين ضمن مسار السلم الأهلي الهش، في وقت لم يتم فيه تأسيس هياكل قضائية مستقلة وقادرة على محاسبة الجرائم الكبرى بكفاءة وشفافية. وتعكس هذه القرارات تداخلاً واضحاً بين الصلاحيات التنفيذية والقضائية، إذ تعتمد على المراسيم التنفيذية الصادرة عن السلطة الانتقالية مباشرة، مع إشراف محدود من وزارة العدل والمحاكم المحلية ولجان التدقيق، ما يثير تساؤلات حول استقلال القضاء وشرعية القرارات، ويضعف الفصل بين السلطات.
وفي الوقت نفسه، يُنظر إليها كأداة سياسية لإعادة تشكيل الثقة المجتمعية وكسب التأييد المحلي، سواء عبر الإفراج عن سجناء جرائم غير جسيمة أو موقوفين سياسيين، ما يعكس محاولة مزج بين مصالح الاستقرار السياسي ومتطلبات العدالة الانتقالية، لكن هذا التوازن الهش يثير مخاوف من أن الإفراج والتسويات قد تُستخدم لمصالح سياسية انتقائية، أو تؤخر مساءلة المتورطين في انتهاكات جسيمة، ما يضعف مصداقية المؤسسات الانتقالية ويهدد قدرة الدولة على تأسيس حكم قانوني مستدام، ويبرز التحدي الأساسي أمام الحكومة الانتقالية في تحقيق مزيج متوازن بين إعادة الإدماج الاجتماعي، الاستقرار المؤقت، وضمان العدالة والمساءلة الفعلية.
وتشهد سوريا، منذ إعلان الحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء أحمد الشرع، مرحلة دقيقة تجمع بين إعادة بناء الدولة، تحقيق الاستقرار الهش، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة. وقد أثار مرسوم العفو العام رقم 39 لعام 2026، الصادر في 18 فبراير من العام ذاته، جدلاً واسعًا حول طبيعة القرارات التنفيذية للإفراج عن السجناء، دور السلطة التنفيذية فيها، استقلال القضاء، وتأثيرها على مسار العدالة الانتقالية.
وينص المرسوم على الإفراج عن جرائم ارتكبت قبل 18 فبراير 2026، مع تحديد نطاق الجرائم المشمولة وشروط محددة للتمتع بالعفو، واستثناء الجرائم الجسيمة مثل التعذيب والاتجار بالبشر والانتهاكات الجسيمة بحق الشعب، إضافة إلى الإرهاب وبعض الجرائم العسكرية الخطيرة، والجرائم الأخلاقية مثل الدعارة، وجرائم سرقة البنية التحتية والغش الامتحاني والجرائم المعلوماتية. كما يتضمن المرسوم شروطاً وإعفاءات جزئية لبعض الجرائم، مثل الخطف وحيازة الأسلحة، والتي تتطلب إجراءات تصحيحية محددة كإطلاق المخطوف خلال فترة زمنية أو تسليم الأسلحة، وكذلك إعفاء كبار السن والمصابين بأمراض عضال بعد فحص لجان طبية.
الجهات المخوَّلة باتخاذ قرارات الإفراج
تشير المعلومات الرسمية إلى أن رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع هو الجهة المخوَّلة أساساً بإصدار المراسيم التنفيذية للإفراج عن السجناء، مستنداً إلى الإعلان الدستوري لعام 2025 الذي يمنحه صلاحيات واسعة في حالات “المصلحة الوطنية العليا”. ويقع على عاتق وزارة العدل مسؤولية تطبيق هذه القرارات، من خلال الإشراف على تنفيذ المرسوم، تشكيل لجان تدقيق ملفات في المحافظات، ولجان طبية لتقييم الحالات الصحية الخاصة، مع وضع مهلة زمنية محددة لتقديم طلبات الإفراج.
في هذا السياق، يرى المحامي والسياسي بسام العيسمي في تصريحات لـ”963+” أن هذا التفويض التنفيذي يشكل تجاوزاً واضحاً للدستور، ويعد خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات. إذ تنص المادة 30 من الإعلان الدستوري على أن مجلس الشعب هو الجهة الحصرية للتشريع، وأن غياب المجلس لا يبرر منح الرئيس الانتقالي صلاحيات استثنائية واسعة تشمل جرائم القتل والسرقة والاحتيال، مما قد يؤدي إلى إفلات مرتكبي مجازر الحق العام، بما في ذلك أحداث الساحل والسويداء، من العقاب.
ويضيف العيسمي أن هذا التداخل بين السلطة التنفيذية والقرارات القضائية يثير مخاوف جدية حول التزام السلطة الجديدة بالقانون والعدالة الانتقالية، ويدعو إلى إطلاق مسار مستقل للمحاسبة القضائية.
الأسس القانونية لقرارات الإفراج
تستند قرارات الإفراج إلى الإعلان الدستوري 2025، الذي يحدد نطاق صلاحيات الرئيس الانتقالي، ويتيح له إصدار مراسيم تنفيذية في حالات الضرورة بما يخدم “المصلحة الوطنية العليا”. ويغطي المرسوم جرائم محددة قبل 18 فبراير 2026، مع إعفاء بعض الفئات وفق شروط دقيقة، واستثناء الجرائم الجسيمة لضمان عدم المساس بمبدأ المساءلة عن الانتهاكات. ويشمل التنفيذ إشراف وزارة العدل والمحاكم المحلية، التي تضطلع بدور تدقيق الملفات ومراجعة طلبات الإفراج، مع الالتزام بالشروط القانونية المحددة لكل جريمة وحالة.
ويرى البروفيسور والكاتب والمحلل السياسي في بيرمنغهام كامل حواش في تصريحات لـ”963+” أن هذا الأساس القانوني يعكس محاولة الحكومة تحقيق توازن بين الاستقرار السياسي وإعادة الثقة المجتمعية.
ويشير إلى أن المرسوم يمثل أداة لتخفيف الاحتقان وبناء الثقة، لا سيما إذا شمل الإفراج عن سجناء معارضين سياسيين أو موقوفين من جماعات متعددة، لكنه في الوقت نفسه يعكس مركزية القرار بيد السلطة التنفيذية ويحد من إشراك البرلمان أو المؤسسات القضائية المستقلة في مراقبة التنفيذ، وهو ما قد يضعف مبدأ فصل السلطات.
العلاقة بين القرارات القضائية والسياسية
تتسم العلاقة بين السلطة القضائية والسياسية في المرحلة الانتقالية السورية بالتداخل الواضح، إذ تعتمد المحاكم على تنفيذ المراسيم التنفيذية الصادرة عن الرئيس، دون سلطة مستقلة لإعادة النظر في شمول الجرائم أو نطاق الإفراج.
ويؤكد العيسمي أن هذا التداخل يشكل تهديداً لاستقلال القضاء، ويحد من إمكانية المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق.
ويضيف حواش أن القرارات التنفيذية تسعى إلى الرد على الضغوط الاجتماعية والسياسية بسرعة، بما يقلل من الاحتقان الشعبي ويعزز الشعور بأن الدولة الانتقالية قادرة على إدارة المرحلة الحرجة، لكن هذا يأتي على حساب الفصل بين السلطات والمراجعة التشريعية التقليدية.
ويؤكد أن السلطة التنفيذية تتحكم في توقيت ومضمون العفو وربطه بخطاب المصالحة، ما يضمن لها التحكم في نتائج هذه الإجراءات، وهو ما يمكن أن يضعف العدالة إذا لم يتم وضع آليات واضحة للشفافية والمراجعة.
تأثير التسويات والمصالحات على مسار العدالة الانتقالية
يشكل البعد السياسي للتسويات والمصالحات أحد أهم التحديات أمام العدالة الانتقالية. فمرسوم العفو 39 يعكس محاولة الحكومة إعادة دمج السجناء غير الجسيمين وإرساء السلم الأهلي، ضمن إطار هيئة العدالة الانتقالية (مرسوم 149/2025)، التي تعمل على البحث عن المفقودين وجبر الضرر.
لكن هذا الأسلوب، وفق العيسمي، قد يؤدي إلى تقويض المساءلة القانونية، خصوصاً إذا تم الإفراج عن شخصيات متورطة في انتهاكات جسيمة عبر مسارات سياسية غير شفافة.
ويضيف حواش أن استخدام المراسيم التنفيذية يوفر مرونة سريعة لتحقيق الإفراج وتخفيف الاحتقان الاجتماعي، لكنه يزيد من خطر الإفلات من العقاب إذا لم تكن هناك معايير واضحة وآليات تظلم.
ويشدد على أن التسويات والمصالحات المرتبطة بالمراسيم يجب أن تكون شفافة ومعلنة لضمان ثقة المجتمع، وإلا فإنها قد تؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات الانتقالية، وهو ما يعكس هشاشة الدولة في هذه المرحلة.
المخاطر السياسية والمؤسساتية
يبرز في هذا السياق أن قرارات الإفراج تحمل تأثيراً مزدوجاً: فهي تهدف إلى تحسين الاستقرار والحد من الاحتقان الشعبي، لكنها في الوقت نفسه تمثل ضغطًا على استقلال القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات.
ويضيف العيسمي أن استمرار هذه التجاوزات مؤشر على تفلت السلطة الانتقالية من الالتزام بالقانون ومعايير الحكم الرشيد، ويؤكد أن الإفلات من العقاب قد يتكرر ما لم يتم إرساء مسار حقيقي للعدالة الانتقالية يشمل محاكمات واضحة ومستقلة، ويمكّن الضحايا من المشاركة بصفة الادعاء الشخصي ضمن إطار قانوني، دون تدخل سياسي.
ويشير حواش إلى أن الحكومة تحاول الموازنة بين السرعة في اتخاذ القرارات وأهمية إشراك البرلمان لضمان الشفافية، لكنه يحذر من أن الإفراج عن سجناء عبر مراسيم تنفيذية فقط قد يؤدي إلى مركزية القرار وتقليص الرقابة القضائية والتشريعية، بما قد يؤثر على ثقة المواطنين بالعدالة الانتقالية ويزيد من المخاطر المرتبطة بالمرحلة الانتقالية.
التحديات المستقبلية
ينتقل التحدي الأكبر إلى ضمان أن تسهم القرارات التنفيذية في تعزيز العدالة الانتقالية وليس مجرد تحسين الوضع السياسي أو الاجتماعي مؤقتاً. فالتوازن المطلوب بين إعادة الإدماج الاجتماعي، الإفراج عن السجناء، وحماية حقوق الضحايا يحتاج إلى آليات قانونية واضحة، وضمان استقلالية القضاء، ومراقبة مؤسساتية فعالة.
ويؤكد حواش أن النتائج الفعلية للمرسوم تعتمد على مدى شفافية تطبيقه، وضبطه بالمعايير القانونية، واشتراك المؤسسات الأخرى في مراجعته وتنفيذه، لضمان ألا يتحول الإفراج إلى أداة سياسية فحسب.
ويخلص المحللون إلى أن المرحلة الانتقالية السورية تحتاج إلى توازن دقيق بين الإفراج عن السجناء، المصالحات السياسية، والمسؤولية القضائية، لضمان أن تسهم التسويات في تعزيز السلم الأهلي دون المساس بمبادئ العدالة الانتقالية أو إفلات مرتكبي الجرائم الجسيمة من العقاب.
ويعتبر كل من العيسمي وحواش أن الشفافية، إشراك المؤسسات، واستقلال القضاء هي العوامل الأساسية التي تحدد مدى نجاح هذه القرارات في تعزيز الثقة العامة واستقرار المرحلة الانتقالية.
+963
—————————-
بين العفو والمحاسبة: إلى أين يمضي مسار العدالة في سوريا؟/ روز هلال
سوريا الجديدة.. بين التسويات السياسية ومسار العدالة الانتقالية الهش
2026-03-02
منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، دخلت سوريا مرحلة سياسية وقانونية معقّدة عنوانها الأبرز البحث عن العدالة دون تهديد الاستقرار الهش. فقد وجدت الحكومة الانتقالية نفسها أمام إرث ثقيل من الانتهاكات والصراعات، في وقتٍ تتصاعد فيه مطالب الضحايا بالمحاسبة، مقابل ضغوط داخلية وخارجية تدفع نحو المصالحة ومنع الانزلاق إلى موجات انتقام جديدة. وبين إصدار تشريعات انتقالية، وتأسيس هيئات للعدالة وكشف الحقيقة، وإجراءات أثارت جدلاً واسعاً مثل قرارات العفو وما عُرف بـ”التسويات الأمنية” مع شخصيات ارتبطت أسماؤها بأبشع صور القمع والانتهاكات، برز سؤال جوهري يواجه المرحلة الراهنة: ما مدى جدية السلطة الجديدة في الالتزام بمبادئ العدالة الانتقالية؟ وهل تسير البلاد نحو عدالة انتقالية حقيقية أم نحو تسوية سياسية تؤجل المحاسبة؟
وخلال الفترة الأخيرة عمدت الحكومة السورية إلى إجراء تسويات مع شخصيات عُرفت بأنها من أبرز الداعمين اقتصاديا للنظام السابق بقيادة بشار الأسد، إضافة إلى إطلاق سراح بعض قادة المليشيات بعد أشهر من توقيفهم، من دون محاكمات واضحة، رغم اتهامهم بدعم آلة الحرب حتى الأيام الأخيرة التي سبقت فرار الأسد إلى روسيا.
وأثارت هذه الخطوات موجة غضب شعبي متصاعدة، إذ اعتبرها كثير من السوريين مؤشراً على تراخٍ في ملاحقة المتورطين بجرائم حرب ارتُكبت خلال سنوات النزاع، ما عزّز شعوراً لدى شريحة واسعة بأن بعض المسؤولين عن الانتهاكات ما زالوا يفلتون من المساءلة القانونية، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإرساء مسار عدالة حقيقية يعيد الثقة بالمرحلة السياسية الجديدة.
بين النص الدستوري وهيمنة السلطة التنفيذية
يرى المحامي والباحث القانوني في دمشق أيمن أبو هاشم أن تقييم مدى استقلالية القضاء خلال المرحلة الانتقالية في سوريا يقتضي بداية فهم حجم المشكلات البنيوية التي تراكمت داخل المؤسسات القضائية خلال عقود الحكم الاستبدادي، إذ ورثت الدولة الجديدة جهازاً قضائياً يعاني ضعفاً واضحاً في استقلاليته نتيجة هيمنة السلطة التنفيذية عليه، الأمر الذي جعل الإصلاح القضائي أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة الانتقالية.
ويشير أبو هاشم لـ”963+” أن المادة (43) من الإعلان الدستوري نصّت صراحة على استقلال القضاء وعدم خضوع القضاة لأي سلطة سوى القانون، إلا أن المادة (47) المتعلقة بتشكيل المحكمة الدستورية العليا منحت رئيس السلطة التنفيذية صلاحية كاملة في تشكيلها، وهو ما يثير إشكاليات قانونية تتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات. ويؤكد أن الضمانة الأجدى لاستقلال المحكمة كانت تقتضي تشكيلها بالمثالثة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما يحقق حيادها واستقلالها الفعلي.
غياب المحكمة الدستورية العليا.. فراغ رقابي يهدد توازن السلطات
ويلفت إلى أن عدم تشكيل المحكمة الدستورية العليا حتى الآن خلق فراغاً رقابياً قضائياً في مرحلة حساسة، خصوصاً مع عدم اكتمال تشكيل مجلس الشعب، ما يضعف آليات الرقابة الدستورية المطلوبة خلال المرحلة الانتقالية.
وفي تقييمه لأداء وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى وعمل المحاكم، يوضح أبو هاشم أن الجهود المبذولة لإعادة هيكلة المؤسسات القضائية وعودة بعض القضاة المنشقين وعزل عدد من القضاة المتهمين بالفساد تمثل خطوات إيجابية، إضافة إلى استمرار عمل المحاكم رغم الضغوط الكبيرة. غير أنه يشير في المقابل إلى أن بعض التعيينات القضائية لم تراعِ قانون السلطة القضائية ولا المعايير الدولية المتعلقة بالكفاءة والخبرة، فضلاً عن تداخل مهام بعض اللجان الإدارية المشكلة من قبل المحافظين مع اختصاصات القضاء، خاصة في قضايا المنازعات العقارية وغصب الأملاك.
ويرى أن محاولات وزارة العدل اللاحقة لمعالجة هذا التداخل عبر تشكيل لجان قضائية وإحالة الدعاوى إلى المحاكم المختصة تبقى خطوات تصحيحية غير كافية.
وبحسب أبو هاشم، لا يمكن القول إن مسار استقلال القضاء يسير باتجاه واضح حتى الآن، إذ لا تزال السلطة التنفيذية تمسك بزمام المؤسسات القضائية بصورة ملحوظة، ما يستدعي إصلاحات بنيوية عميقة خلال المرحلة الانتقالية لضمان استقلال القضاء فعلياً.
أما فيما يتعلق بالمحاكمات التي جرت عقب الأحداث التي شهدها الساحل السوري ومناطق أخرى، فيرى أنها جاءت مدفوعة أساساً بمخاوف أمنية من انفلات الأوضاع أكثر من كونها جزءاً من مسار متكامل للعدالة الانتقالية، رغم ما حملته من رسالة رمزية حول جدية الدولة في محاسبة المتورطين. إلا أن تأثيرها، بحسب رأيه، بقي محدوداً نتيجة التأخر في إطلاق مسارات العدالة الانتقالية وتشكيل محاكم مختصة تراعي خصوصية الواقع السوري وتلتزم في الوقت نفسه بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة.
السياسة تتقدم على القانون
يحذر أبو هاشم من مخاطر الإفراج عن مسؤولين سابقين دون محاكمات، وكذلك من إبرام تسويات مع شخصيات متهمة بانتهاكات جسيمة خلال سنوات الثورة، معتبراً أن الاعتبارات السياسية ما تزال تطغى على الاعتبارات القانونية في هذا الملف، وهو ما انعكس في حالة تذمر شعبي متزايدة، خاصة داخل أوساط مجتمع الثورة.
ويختم بالقول إن تفعيل عمل هيئة العدالة الانتقالية وتنظيم تعاونها مع الوزارات المعنية، ولا سيما وزارة العدل، يمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الحكومة بتطبيق عدالة انتقالية شفافة وشاملة، قادرة على طمأنة المجتمع وإنصاف الضحايا، مؤكداً أن تحقيق السلم الأهلي والاستقرار الوطني في سوريا يبقى مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتحقيق العدالة وسيادة القانون.
سباق العدالة في ظل إرث ثقيل
يقول الناشط السوري محمد العايد لـ”963+” إن البلاد تقف اليوم أمام سباق مع الزمن في ظل إرث ثقيل تركه النظام السابق، موضحاً أن إصدار مذكرات التوقيف بحق رموزه يُعد خطوة تاريخية، كما أن العفو العام يعيد الأمل لمئات آلاف المواطنين، إلا أن المشكلة تكمن في أن المحاكمات ما تزال تُجرى ضمن القوانين القديمة ذاتها، إذ لم يُستبدل الإطار القانوني بعد.
ويرى أن إصلاح دولة وقضاء شكّلا لعقود أداة قمع يحتاج إلى وقت طويل، خاصة مع استمرار التهديدات الأمنية من تنظيم داعش والميليشيات، ما يجعل بعض الخطوات تبدو أقرب إلى حالة ارتباك منها إلى مسار منظم.
ويضيف العايد أن التسويات مع بعض المتورطين تؤلم السوريين وتجرح مشاعر الضحايا، فمشهد خروج شخصيات متهمة بإصدار أوامر القتل عبر تسويات يبقى صعب القبول أخلاقياً، لكنه يوضح أن الواقع يفرض أحياناً خيارات قاسية، إذ إن بناء دولة جديدة وسط حرب مفتوحة قد يدفع نحو مصالحات لا تعني إسقاط الحقوق، بل تأجيل المحاسبة أو استخدام نفوذ هؤلاء لتفكيك ما تبقى من بنية النظام السابق. ويؤكد أن الفارق اليوم يتمثل في وجود إعلان عن محاكمات قائمة، حتى وإن تأخرت.
ويتابع العايد بالقول إن العدالة الكاملة يصعب تحقيقها في ظروف غير طبيعية، فالمواطن يطالب بقصاص سريع بينما تمر البلاد بمرحلة إعادة بناء الجيش ومؤسسات الدولة والانتقال من حكم القمع إلى سيادة القانون، إلى جانب تحديات أمنية تستنزف الجهد الأكبر.
لذلك يعتبر أن ما يجري هو شكل من “العدالة الانتقالية في زمن الحرب”، حيث تُؤجَّل بعض الملفات وتُعجَّل أخرى، مشدداً على أن سوريا ليست دولة مستقرة يمكن قياس أدائها بمعايير مثالية، وأن الحزن على دماء الضحايا سيبقى حاضراً، لكن طريق المحاسبة أطول وأكثر تعقيداً مما يتخيله كثيرون.
بين العفو والمساءلة
من جانبه، يقول المحامي أنس دللو، المحامي السوري والمدير التنفيذي لمنظمة عائلات للحقيقة والعدالة، إن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تواجه استحقاقات قانونية معقدة مع دخول “مرسوم العفو رقم 39” حيز التنفيذ، في ظل محاولة بناء نموذج قضائي يوازن بين متطلبات الاستقرار المجتمعي وضرورة المحاسبة الجنائية.
ويوضح أن التحدي المركزي يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين ملاحقة الجرائم الكبرى وبين الآثار القانونية المترتبة على مرسوم العفو، بما يضمن عدم تحوّل العفو إلى أداة للإفلات من العقاب.
ويشير دللو إلى أن على الهيئة اعتماد مقاربة قانونية صارمة تقوم على مبدأ التفسير الضيق لنطاق العفو، بحيث تُراعى مقتضيات السلم الأهلي دون الإخلال بالالتزامات الدولية، ولا سيما تلك الناشئة عن نظام روما الأساسي والاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الإخفاء القسري. وبيّن أن تفعيل الاستثناءات الواردة في المادة 8/أ من مرسوم العفو، والتي تستبعد الانتهاكات الجسيمة كالمجازر والإخفاء القسري الممنهج، يشكّل ضمانة أساسية لمنع شمول هذه الجرائم بأي إعفاء قانوني، مع ضرورة الربط بمرسوم تجريم التعذيب رقم 16 لعام 2022 لضمان بقائها خارج إطار التسويات السياسية.
ويضيف لـ”963+” أن منع إفلات كبار المسؤولين من المساءلة يقتضي اعتماد مبدأ “المسؤولية القيادية”، الذي يكتفي بإثبات الولاية الإدارية والسيطرة الفعلية والعلم بالانتهاكات، دون اشتراط دليل مباشر على التنفيذ، وهو ما يسد الثغرات القانونية الناتجة عن غياب قانون متخصص لجرائم الحرب قبل فبراير/شباط 2026.
ويشدد على أهمية منح الضحايا وعائلاتهم دوراً محورياً، من خلال اشتراط إسقاط الحق الشخصي في الجنايات المخففة، بما يمنع استخدام العفو لتبييض سجلات القيادات العليا، ويعزز في الوقت ذاته التزام المحاكم بمعايير العدالة القضائية عبر الرقابة المستقلة وشفافية الإجراءات.
ويؤكد دللو أن ضمان توافق التحقيقات والمحاكمات مع معايير العدالة السليمة، رغم غياب نص وطني صريح لجرائم الحرب سابقاً، يستوجب تكييف الأفعال باعتبارها جرائم مجرّمة أصلاً بموجب القانون الدولي العرفي والاتفاقيات النافذة وقت ارتكابها، بما ينسجم مع نظام روما الأساسي ويحترم مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية.
كما يشدد على ضرورة تكريس ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يشمل قرينة البراءة وحق الدفاع واستقلال القضاء وعلنية الجلسات واستبعاد الأدلة المنتزعة تحت التعذيب وحق الطعن.
ويرى أن استكمال المنظومة القانونية يتطلب الإسراع في إقرار قانون العدالة الانتقالية بوصفه الإطار التشريعي الناظم، بحيث يحدد تعريف الجرائم الدولية والجسيمة واختصاص الدوائر القضائية وضمانات التقاضي، إضافة إلى إصدار قانون أصول محاكمات خاص بالعدالة الانتقالية وتعديل قانون البينات بما يواكب التطور القانوني والتقني في إثبات الجرائم.
ويشدد دللو على أن تحصين عمل الهيئة في مواجهة الضغوط السياسية أو الشعبية يقتضي اعتماد معايير قانونية موضوعية ومعلنة لاختيار القضايا، تستند إلى جسامة الجريمة وطابعها الممنهج ومستوى المسؤولية القيادية، لا إلى الاعتبارات الظرفية.
ويوضح أن أهالي الضحايا يجب أن يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب مصلحة أصيلين في مسار العدالة، عبر تمكينهم من التمثيل القانوني والمشاركة بصفة الادعاء الشخصي ضمن حدود القانون، دون المساس باستقلال القضاة أو التأثير على العقوبات، مشدداً على أهمية الفصل المؤسسي بين التحقيق والمحاكمة، وضمان عدم قابلية القضاة للعزل التعسفي، وتأمين ميزانية مستقلة للمحاكم، بما يحافظ على حياد القضاء ويمنع تسييس المحاكمات.
+963
—————————-
العدالة الانتقالية في سوريا.. ضغوط الضحايا وتعثر المسار/ عمار عبد اللطيف
العدالة الانتقالية في سوريا: بين محاسبة المسؤولين وضمان الاستقرار السياسي
2026-03-01
ما تزال مسألة العدالة الانتقالية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وإلحاحاً في سوريا، وسط مطالب متزايدة من الضحايا وذويهم بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر، وذلك رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام، وفي حين كانت التوقعات تشير إلى انطلاق مسار واضح للمساءلة بعد التغيير السياسي، فإن الحكومة السورية ما تزال تواجه انتقادات حقوقية وسياسية بسبب بطء الخطوات وغياب رؤية متكاملة للعدالة الانتقالية.
ويبدو أن هذا التعثر لا يرتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من العوائق البنيوية والسياسية المتشابكة التي حالت حتى الآن دون إطلاق مسار فعّال ومستدام، فمن الناحية البنيوية ما تزال مؤسسات الدولة تعاني من هشاشة واضحة، سواء على مستوى الجهاز القضائي أو البنية الأمنية والإدارية، وهو ما يحدّ من قدرة السلطات على إدارة عملية عدالة انتقالية معقّدة تتطلب استقلالاً قضائياً وكفاءة مؤسسية عالية.
كما يبرز انقسام المصالح الدولية كأحد أبرز العوامل المعرقلة، إذ لا تزال البلاد تعيش حالة استقطاب حاد بين قوى وتيارات مختلفة، ما يجعل أي خطوة في اتجاه المحاسبة عرضة للتسييس أو التوظيف في الصراع الداخلي، ويضاف إلى ذلك تعدد الجهات المسلحة وتباين مناطق السيطرة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يعقّد تحديد المسؤوليات القانونية ويجعل بناء سردية وطنية موحدة حول الانتهاكات مهمة شديدة الحساسية.
هدف العدالة الانتقالية
يقول أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، إسماعيل خلف الله، إن العدالة الانتقالية تُطرح عادةً لمعالجة فترات الانتهاكات الواسعة التي تمر بها الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة الاستبدادية، موضحاً أن الهدف الأسمى منها يتمثل في ترسيخ قواعد حكم ديموقراطية حقيقية يحترمها الجميع، بما يجنّب البلاد الوقوع في أزمات أو مطبات مستقبلية قد تعيد إنتاج العنف وعدم الاستقرار.
ويضيف خلف الله في حديث لـ”963+”، أن تطبيق العدالة الانتقالية ينبغي أن يتماشى مع الغاية الأساسية منها، سواء كان ذلك عبر تفعيل روح القانون، أو جبر الضرر الواقع على الضحايا، أو تحقيق الأمن والاستقرار، وصولاً إلى انتقال ديمقراطي قائم على قواعد صلبة ومستدامة، وأن نجاح هذا المسار يتطلب مقاربة متوازنة تراعي خصوصية كل دولة وسياقها السياسي والاجتماعي، ولا تعتمد نماذج جاهزة قد لا تنسجم مع الواقع المحلي.
ويوضح أن تجارب دولية عدة أظهرت أن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل منظومة متكاملة تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم التكرار، مشدداً على أن غياب هذا التكامل قد يفرغ العملية من مضمونها أو يحولها إلى أداة توتر سياسي بدلاً من كونها مدخلاً للاستقرار.
وفي إسقاطه على الحالة السورية، أشار خلف الله إلى أن تطبيق العدالة الانتقالية يتقاطع مع أولويات معقّدة تواجه مسار إعادة بناء الدولة، وأن المضي في هذا المسار بمفهومه القائم حصراً على المحاسبة وجبر الضرر قد يحمل مخاطر إضافية إذا لم يُدار بحذر، إذ يمكن أن يدفع نحو دوامة من عدم الاستقرار وردود الفعل الانتقامية، بما يهدد فرص التعافي السياسي.
ورأى خلف الله أن سوريا قد تكون بحاجة إلى مسار مصالحة وطنية متدرّج، يقوم على مبدأ الاعتراف بالانتهاكات وعدم تكرارها، ويترافق مع تقديم اعتذار ضمن منظومة قانونية واضحة تضمن الحقوق ولا تفتح الباب أمام الإفلات من العقاب، وأن مثل هذا النهج قد يساعد السلطة على تجنيب البلاد بعض الانزلاقات والحساسيات التي تعمل أطراف مختلفة على تأجيجها، خصوصاً في ظل تراكم مظالم السنوات الماضية.
وختم بالقول إن أي مقاربة ناجحة في سوريا يجب أن توازن بدقة بين متطلبات العدالة ومقتضيات الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأن تُبنى على حوار وطني واسع يشارك فيه الضحايا ومؤسسات الدولة والقوى المجتمعية، بما يؤسس لمرحلة انتقالية أكثر تماسكاً وقابلية للاستمرار.ش
مسار معقد وشائك
يؤكد الدكتور موسى بودهان، أستاذ جامعي وبرلماني سابق من الجزائر العاصمة، أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا يُعد من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في المرحلة الراهنة، نظراً لتداخل العوامل السياسية والأمنية والاجتماعية التي تحكم المشهد، مشيراً إلى أن نجاح هذا المسار يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات المدروسة التي تجمع بين المقاربة السياسية والأمنية وتعبئة الكفاءات الوطنية والاستفادة من الخبرات الدولية.
ويوضح بودهان أن تطبيق العدالة الانتقالية لا يمكن أن يتم بصورة شكلية أو جزئية، بل يحتاج إلى انتهاج سبل وطرائق واضحة المعالم تستند إلى رؤية وطنية جامعة، مبيناً أن توظيف القدرات الوطنية وتجنيد الكفاءات المتخصصة يمثلان ركيزة أساسية لأي عملية انتقال ناجحة تسعى إلى ترسيخ الأمن والاستقرار وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أنه من الضروري، قبل الشروع العملي في متطلبات تطبيق العدالة الانتقالية، العمل على كشف المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم وفق الأطر القانونية، بالتوازي مع تعويض الضحايا وجبر الضرر الواقع عليهم، مؤكداً أن مبدأ التعويض يشكل قاعدة قانونية وأخلاقية مفادها أن كل من تسبب بضرر للغير لا بد أن يتحمل مسؤولية تعويضه ضمن آليات عادلة وشفافة.
ويرى بودهان أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا يواجه عراقيل وصعوبات واضحة، نتيجة تراكم عوامل مركبة سياسية وأمنية واجتماعية، الأمر الذي يفرض مقاربة تدريجية واقعية تراعي خصوصية الحالة السورية وتعقيداتها، وتحول دون الانزلاق إلى حلول متسرعة قد تعمق الانقسامات بدلاً من معالجتها.
الاستفادة من التجارب
يلفت الدكتور موسى بودهان، إلى أن سوريا تستطيع الاستفادة من تجارب دولية نجحت نسبياً في تجاوز أزماتها، وفي مقدمتها التجربة الجزائرية في تسعينات القرن الماضي، حيث واجهت الجزائر أزمة أمنية عميقة وتمكنت من الخروج منها عبر سلسلة خطوات متدرجة.
ويشير بودهان إلى أن الخطوة الأولى في التجربة الجزائرية تمثلت في سن قانون الرحمة من قبل المجلس الوطني الانتقالي، وهو الإجراء الذي أتاح لآلاف المسلحين تسليم أنفسهم للسلطات ضمن شروط محددة، أبرزها عدم تورطهم في جرائم دم، الأمر الذي ساهم في تخفيف حدة العنف وفتح الباب أمام مسارات تهدئة أوسع.
ويضيف أن المرحلة الثانية تمثلت في سن قانون الوئام المدني، الذي عزز مسار المصالحات ووسّع قاعدة العائدين إلى الحياة المدنية، قبل أن تتوج هذه الإجراءات بإقرار قانون المصالحة الوطنية عبر استفتاء شعبي، ما منح العملية غطاءً مجتمعياً وسياسياً أوسع.
ويبين بودهان أن هذه الخطوات لم تكن معزولة، بل ترافقت مع إجراءات أخرى متتابعة سمحت للجزائر بالخروج تدريجياً من أزمتها الأمنية، مشدداً على أن أي محاولة سورية للاستفادة من هذه التجربة يجب أن تراعي الفوارق البنيوية بين الحالتين وأن تُكيَّف الأدوات بما يخدم الواقع السوري ويحقق العدالة للضحايا ويؤسس في الوقت نفسه لاستقرار مستدام.
وأكد وزير العدل السوري مظهر الويس في تصريح سابق لقناة “الجزيرة”، أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا يمضي وفق إطار قانوني يوازن بين تحقيق العدالة ومنع أي نزعة انتقامية، مشدداً على أن المحاسبة ستطال كل من يثبت تورطه في انتهاكات بحق السوريين.
وأوضح الويس أن المحاكمات المرتبطة بملفات الانتهاكات ستبدأ خلال فترة قريبة بعد استكمال الأدلة والوثائق القضائية، لافتاً إلى أن النهج المعتمد يقوم على تحقيق العدالة دون تجاوز الجرائم أو التغاضي عنها.
وأضاف أن الوزارة تعمل على استبعاد جميع العناصر المتورطة بانتهاكات حقوق الإنسان من المنظومة القضائية، ضمن إجراءات تتم وفق قانون السلطة القضائية وبصورة سرية، نظراً لحساسية المرحلة.
كما كشف أن وزارة العدل زودت هيئة المفقودين بكافة البيانات المتوفرة لديها بشأن حالات الإعدام أو الوفاة تحت التعذيب، مؤكداً أنه سيتم إبلاغ ذوي الضحايا بكل المستجدات المرتبطة بملفات أبنائهم.
وفي ما يتعلق بملاحقة المسؤولين، شدد الويس على أن الحكومة السورية طالبت بتسليم الرئيس المخلوع بشار الأسد وكل المتورطين معه، مؤكداً أن السلطات تركز على اتخاذ خطوات قانونية عملية لوضع الدول أمام التزاماتها القانونية والأخلاقية في هذا الملف.
+963
—————————-
العدالة الانتقالية خارج الحدود السورية: هل تنجح الآليات الدولية حيث تعثرت المحلية؟/ أحمد زكريّا
1 مارس 2026
في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ انهيار نظام بشار الأسد السابق، شهد المشهد الدبلوماسي والقانوني السوري تطورًا لافتًا قبل أيام قليلة، حين التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، توموكو أكاني.
لم يكن هذا اللقاء مجرد بروتوكول دبلوماسي روتيني، بل حمل في طياته رسائل واضحة حول رغبة الدولة السورية الجديدة في فتح ملفات الماضي المظلم، ومحاسبة رموز النظام البائد، وفي مقدمتهم الرئيس المخلوع بشار الأسد نفسه.
وفقًا لمصادر مطلعة في وزارة الخارجية السورية، فإن محور اللقاء دار حول “آليات العدالة الانتقالية” وسبل تفعيل المسارات القانونية الدولية لملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري على مدى أكثر من عقد ونصف العقد.
تأتي هذه الخطوة تتويجًا لمسار داخلي بدأ بوادره تظهر جليًا في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، عندما أصدر قاضي التحقيق في دمشق، توفيق العلي، مذكرة توقيف غيابية بحق بشار الأسد، تمهيدًا لرفعتها إلى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) لتعميمها دوليًا.
إلا أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة: ما هو الدور الفعلي للمحكمة الجنائية الدولية في هذا الملف الشائك؟ وهل تملك هذه المحكمة الأدوات القانونية للتحرك في سوريا التي لم تكن يومًا طرفًا في “نظام روما الأساسي” المنشئ لها؟ هنا تبرز آراء الخبراء القانونيين لتوضيح الصورة المعقدة.
يؤكد المحامي والباحث القانوني فراس حاج يحيى، في حديثه لـ “ألترا سوريا” أن العدالة الانتقالية ليست عملية محصورة داخل الحدود الجغرافية للدولة، بل هي بطبيعتها تمتد إلى الفضاء الدولي، خاصة عندما تكون الجرائم ذات طابع منهجي وعابر للحدود، أو عندما يكون المتهمون فروا إلى خارج البلاد.
وقال حاج يحيى: “العدالة الانتقالية لا تتحرك فقط داخل الحدود الوطنية، بل بطبيعتها تمتد إلى الفضاء الدولي عندما تكون الجرائم عابرة للحدود أو عندما يكون المتهمون خارج البلاد”.
ووصف لقاء وزير الخارجية السوري مع رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، بأنه مهم لأنه يفتح مسارًا قانونيًا دوليًا موازيًا للمسار الداخلي، حسب تعبيره.
وأوضح أنه “من الناحية القانونية، المحكمة الجنائية الدولية يمكن أن تلعب دورًا إذا توافرت شروط الاختصاص”، مبينا أن: “سوريا ليست طرفًا في نظام روما، وبالتالي لا تملك المحكمة ولاية تلقائية، لكن يمكن تفعيل اختصاصها عبر إحالة من مجلس الأمن، أو عبر قبول سوريا لاختصاص المحكمة بموجب إعلان خاص وفق المادة 12(3) من نظام روما الأساسي”.
وبيّن أنه “في حال تعذر ذلك، يبقى هناك مسار آخر مهم، وهو مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يسمح لمحاكم دول أوروبية بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة”.
وأكد على أن “التعاون الممكن مع المحكمة يتم عبر تبادل المعلومات، توثيق الأدلة، دعم فرق التحقيق الدولية، وتوحيد الملفات القضائية بحيث تكون قابلة للاستخدام أمام محاكم وطنية أو دولية”.
وختم بالقول: “أما بخصوص الانتقادات حول تطبيق العدالة في الداخل، فالعدالة الانتقالية عملية مركبة وطويلة، ونجاحها داخليًا يعزز صدقيتها خارجيًا، والعكس صحيح، في حين أن المحاسبة الدولية لا تعني تجاوز القضاء الوطني، بل تكمله عندما توجد عوائق قانونية أو سياسية داخلية، وفي النهاية، الهدف ليس فقط إصدار مذكرات توقيف، بل بناء مسار قانوني مستدام يمنع الإفلات من العقاب أينما وُجد المتهمون”.
من جهته، يقدم المحامي والباحث السياسي، باسم سالم، في حديثه لـ “ألترا سوريا”، قراءة أكثر تشكيكًا وتعقيدًا للواقع القانوني الحالي.
ويبدأ سالم بتذكير أساسي مفاده أن سوريا لم توقع على اتفاقية روما، وبالتالي فإن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية غير قائم تلقائيًا.
ويشرح سالم أن الخيار الوحيد لدخول سوريا تحت مظلة المحكمة هو انضمامها للاتفاقية مع قبول الاختصاص بأثر رجعي (كما فعلت أوكرانيا)، أو عبر قرار من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع.
لكنه يحذر من أن مسار مجلس الأمن محفوف بالمخاطر السياسية، حيث يمكن لأي دولة عضو استخدام حق “الفيتو” لعرقلة القرار، مشيرًا إلى تجربة محكمة القذافي في ليبيا عام 2011 كدرس مستفاد.
ويرفض سالم فكرة اعتبار المحكمة الجنائية الدولية “بديلًا” شاملًا للعدالة الانتقالية المحلية. ويوضح أن العدالة الانتقالية مفهوم أوسع بكثير يتضمن لجان الحقيقة، وجبر الضرر للضحايا، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم التكرار، وهي أمور تقع خارج صلاحيات المحكمة الجنائية التي تركز فقط على المسؤولية الجنائية الفردية.
ويشير سالم إلى أن اللجوء للمحكمة الدولية يكون عادةً ملاذًا أخيرًا عندما تفشل المحاكم الوطنية أو تكون غير قادرة على العمل، وهو وضع قد يتغير الآن مع بدء المحاكم السورية عملها.
وبدلًا من التركيز الحصري على لاهاي، يسلط سالم الضوء على نجاح “الولاية القضائية العالمية” في محاكم أوروبية (كالقضية الشهيرة لأنور رسلان في ألمانيا) كبديل عملي وفعال حاليًا، حيث يمكن محاكمة الجناة بناءً على أدلة موثقة دون الحاجة لانتظار قرارات أممية معقدة.
ولا يقتصر ملف المحاسبة الدولية على الأسد ورموز نظامه فحسب، بل امتد ليشمل الفاعلين الإقليميين. ففي نوفمبر الماضي، قدمت منظمة “ميزان” بلاغًا للمحكمة الجنائية الدولية يتهم مقاتلين أفغان مدعومين من إيران وحزب الله بارتكاب انتهاكات عبر “لواء فاطميون”، مستندة إلى جنسية الجناة، أفغانستان (عضو في النظام)، كمدخل قانوني ذكي لفتح تحقيق.
في الختام، يبدو أن الطريق نحو العدالة في سوريا سيكون طويلًا وشائكًا، مليئًا بالعقبات القانونية والسياسية التي أوضحها الخبراء.
لكنّ الخطوات الأولى، ممثلة في هذا اللقاء التاريخي، ترسم خريطة طريق جديدة تجمع بين القضاء الوطني، والآليات الدولية، ومحاكم الولاية العالمية، لضمان أن الإفلات من العقاب لن يكون الخيار الأخير لسفاحي النظام البائد، أينما وجدوا.
الترا سوريا
—————————-
العدالة الانتقالية في سوريا.. مسار طويل نحو سِلم أهلي مستدام/ عبد الناصر الجاسم
2026.02.28
لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي أو استعادة لكيان الدولة السورية دون الولوج في عمق مفهوم العدالة الانتقالية والإدراك إنها ليست مجرد ترف إعلامي وفكري أو حزمة من الإجراءات القانونية الجافة، بل هي مسار شاق وطويل، يمثل الجسر الوحيد للعبور من ضفاف النزاع المستمر والتمزق المجتمعي إلى بر الأمان والاستقرار، تتطلب هذه العملية تكاملاً دقيقاً بين الأدوار القضائية الصارمة والمسارات الاجتماعية المرنة لتشكل في مجموعها إطاراً وطنياً شاملاً يهدف إلى معالجة ندوب الماضي، وتوفير آليات فعالة للمحاسبة وجبر الضرر، وضمان قطيعة تامة مع الاستبداد لضمان عدم تكرار الجرائم.
ويخطئ من يظن أن العدالة الانتقالية تنحصر في إصدار الأحكام القضائية خلف الجدران المغلقة وفي قاعات المحاكم، بل إنها في جوهرها جهد مجتمعي شامل يتطلب تضافر قوى جميع الأطراف، سواء كانت ذات صلة مباشرة بالنزاع أو غير مباشرة، وهذا المسار هو عملية “تطهير” للذاكرة الوطنية وإعادة بناء للثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وبين المواطنين أنفسهم واستعادة لثقة المواطن بنفسه.
ويمكن تلخيص ركائز مسار العدالة الانتقالية في أربعة عناوين رئيسية وهي كشف الحقيقة والذي يمثل الخطوة الأولى لكسر حاجز الصمت بين المجتمع والضحايا، والمحاسبة لضمان إنهاء عصر الإفلات من العقاب، وجبر الضرر من أجل إعادة الاعتبار المعنوي والمادي للمتضررين والضحايا، والإصلاح المؤسسي لضمان عدم عودة آلة القمع مرة أخرى.
ولا شك أن كشف الحقيقة يرتبط ببناء السردية الوطنية الصحيحة، وتعتبر معركة “السردية” من أشرس المعارك في سياق النزاع السوري، لذا فإن العدالة الانتقالية تبدأ من توثيق الحقيقة وإشهارها، ولا يقتصر الأمر على تسجيل الوقائع، بل يتعداه إلى صياغة سردية وطنية صحيحة توثق الانتهاكات التي وقعت بحق السوريين من جميع الأطراف المرتكبة خلال سنوات النزاع.
وهنا يجب التأكيد بوضوح على دور “عصابات الأسد” كطرف رئيسي ومسؤول أول عن الجرائم المرتكبة، كما يجب التنويه بأن توثيق هذه الفظائع لا يهدف لنكىء الجراح، بل لحفظ الذاكرة الجماعية للسوريين، لتظل شاهداً حياً على تضحياتهم في مواجهة الاستبداد، وحصناً يمنع أي محاولة مستقبلية لتزييف التاريخ أو تبرير القمع.
إن استعادة هيبة القانون وسيادته تمر حتماً عبر محاسبة الجناة، أفراداً كانوا أو كيانات ممن تلطخت أيديهم بدماء السوريين أو ساهموا في هندسة القمع على امتداد الساحة السورية، ومع التأكيد أن المحاسبة وحدها لا تكفي لتضميد الجراح وجبر الكسور، ومن هنا تبرز أهمية عملية جبر الضرر والتي تتطلب ابتكار آليات خلاقة تتجاوز التعويض المادي التقليدي لتشمل التعويض المعنوي ورد الاعتبار، ويترافق ذلك مع ضرورة إجراء إصلاحات قانونية ومؤسسية جذرية، فالهياكل التي سمحت بوقوع الجرائم وأنتجت الانتهاكات يجب أن تفكك وتستبدل بمؤسسات قائمة على سيادة القانون و حقوق الانسان لضمان أن لا يكون المستقبل تكراراً مشوهاً للماضي.
وفي قلب هذا المسار المعقد للعدالة الانتقالية يقف الضحايا في محور الارتكاز والغاية النهائية للعملية تتمثل بإنصافهم من أجل دعم السلم الأهلي المستدام، وفي سورية اليوم يمكننا القول بأن المجتمع بأكمله وقع ضحية بشكل أو بآخر، فليس هناك عائلة سورية لم تذق مرارة الفقد، سواء كان فقداً مادياً بتدمير الممتلكات أو فقدان الأرواح بالقتل أو الغياب القسري خلف قضبان المعتقلات وذلك من خلال جميع قوى أمر الواقع التي كانت تسيطر على الجغرافية السورية، وبالتالي فإن نجاح أي مصالحة أو تسوية مرهون بالاعتراف الصريح بمعاناة هؤلاء الضحايا، وأي محاولة للقفز فوق الجراح أو تجاهل آلام المكلومين بدعوى الاستقرار السياسي لن يؤدي إلى استقرار دائم بل ما هي إلا انفجارات مجتمعية مستقبلية مؤجلة. والبداية الحقيقية تكون بالإنصات لصوت الضحايا والاعتراف بتضحياتهم ثم العمل على شق الطريق نحو السلم الأهلي المنشود، وهذا يفرض على هيئة العدالة الانتقالية أن تتحدث مع السوريين بصوت شفاف وواضح ولاسيما بعد القيام ببعض التسويات مع بعض المرتكبين والتي أوصلت إشارة سالبة فيما يتعلق بالثقة وحقوق الضحايا.
استراتيجيات تمكين الضحايا في مسار العدالة
من أجل تحويل الضحايا من “أرقام” في تقارير حقوقية وإعلامية إلى “فاعلين” في بناء المستقبل، يجب تبني استراتيجيات واضحة ومن هذه الاستراتيجيات:
الحوار المجتمعي المباشر: إطلاق منصات حوار مجتمعي تتيح للضحايا وأسرهم التعبير عن تجاربهم وتطلعاتهم، مما يعزز الفهم المجتمعي لحجم المأساة ويوثق السرديات الشخصية بعيداً عن القوالب الجاهزة والتنميط.
آليات التصنيف الرسمية: إن إنشاء نظام تصنيف دقيق للضحايا ليس مجرد إجراء إداري، بل هو وسيلة لتحديد الاحتياجات الخاصة لكل فئة من الضحايا، وتسهيل وصول التعويضات والمعونات، ودعم جهود منظمات المجتمع المدني في التأييد المناصرة.
التمثيل في الهيئات الوطنية: لا يمكن تقرير مصير الضحايا دون وجودهم في خطط وأهداف عملية العدالة الانتقالية، يجب أن يكون للضحايا تمثيل فعلي وصوت مسموع في الهيئات المعنية بالعدالة الانتقالية، مما يضمن واقعية وشفافية القرارات ومصداقيتها.
الدعم النفسي والاجتماعي: إن آثار النزاع عديدة و لم تكن مادية فقط بل تعدت ذلك إلى الجانب النفسي والوجداني لذلك لابد من العمل على توفير برامج متخصصة للتعافي النفسي هو شرط أساسي لتمكين الضحايا من المشاركة الفعالة في صياغة دورهم في مستقبل بلادهم، ولاسيما المعتقلين وعائلات المغيبين قسراً و سكان المخيمات.
الشفافية والاستقلالية
إن الثقة هي القيمة الأغلى والأعلى في مسار العدالة الانتقالية، وهذه الثقة لن تُبنى إلا من خلال الشفافية المطلقة في الإجراءات والقرارات بحيث يجب أن يشعر المواطن السوري، والضحية تحديداً، أن “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” هي كيان مستقل تماماً، لا يخضع لوصاية سياسية أو ضغوط حكومية.
استقلالية هذه الهيئة وتزويدها بالموارد البشرية والتقنية اللازمة والكافية هو ما يمنحها الشرعية والمصداقية، فبدون حصانة من التدخلات السياسية، ستتحول العدالة إلى أداة لتصفية الحسابات بدلاً من أن تكون وسيلة لبناء السلام.
وأخيراً وليس آخراً، إن العدالة الانتقالية في سورية ليست مجرد مطلب حقوقي، بل هي ضرورة وطنية ملحة لتحقيق التعافي والاستقرار المستدام. واليوم يتطلع السوريون بمختلف توجهاتهم إلى مستقبل يسوده الأمان والعدالة، حيث لا يُظلم أحد ولا يُغيب قانون وإن تحقيق هذا الحلم يتطلب إرادة سياسية حقيقية وجهداً جماعياً جباراً يضع حقوق الضحايا فوق كل اعتبار، لضمان بناء مجتمع سوري جديد، أكثر عدلاً، وتماسكاً، وأماناً.
تلفزيون سوريا
—————————-
=================



