تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريامحطات

المشهد الثقافي السوري بعد التحول السياسي.. صراع الهوية وبحثٌ عن ملامح جديدة/ عمار عبد اللطيف

سوريا بعد سقوط النظام: تحوّل ثقافي بين الفراغ المؤسسي وإعادة تشكيل الهوية

2026-03-05

 يشهد المشهد الثقافي في سوريا مرحلة تحوّل عميقة، تزامنت مع التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد عقب سقوط النظام، وهو تحول لم يقتصر على بنية السلطة فحسب، بل امتد ليطال بنية الحقل الثقافي ذاته، بما يحمله من أفكار واتجاهات ورموز ومؤسسات.

وبعد سنوات طويلة اتسمت خلالها الحياة الثقافية بدرجة عالية من المركزية والرقابة، دخلت الساحة الثقافية السورية اليوم طوراً جديداً يتسم بقدر من الانفتاح، لكنه في الوقت ذاته يواجه حالة من الارتباك وعدم الاستقرار، فالتغير السياسي فتح المجال أمام ظهور أصوات وتيارات فكرية وثقافية جديدة كانت غائبة عن الداخل السوري لعقود، سواء بسبب القيود الأمنية أو نتيجة الهجرة واللجوء الذي دفع بكثير من المثقفين إلى العمل خارج البلاد.

وأوجد هذا التحول حالة من التداخل بين رؤى ثقافية متعددة، بعضها يسعى إلى إعادة إحياء مفاهيم الهوية الوطنية الجامعة، بينما يركز بعضها الآخر على إبراز الهويات المحلية والدينية والإثنية التي ظلت مهمّشة أو غير مرئية في الخطاب الثقافي الرسمي لسنوات طويلة، وبين هذين الاتجاهين يقف المشهد الثقافي السوري أمام أسئلة عميقة تتعلق بطبيعة هويته ومستقبله.

ما يحدث اليوم في سوريا لا يمكن اعتباره مجرد تغير عابر في النشاط الثقافي، بل هو إعادة تشكيل تدريجية للحقل الثقافي بأكمله، فالمؤسسات الثقافية التي كانت تدير المشهد سابقاً فقدت جزءاً كبيراً من دورها التقليدي، في حين ظهرت مبادرات ومراكز ثقافية جديدة تحاول أن تملأ هذا الفراغ، لكنها لا تزال في طور التشكل ولم تنجح بعد في بناء إطار مؤسسي متماسك قادر على تنظيم العمل الثقافي على مستوى البلاد.

وفي هذا السياق، تبدو مسألة الهوية الثقافية السورية واحدة من أكثر القضايا حضوراً في النقاشات الدائرة بين المثقفين والباحثين، إذ أن السؤال لم يعد يدور فقط حول استعادة ما كان موجوداً قبل سنوات، بل حول إمكانية بناء تعريف جديد للهوية الثقافية السورية يأخذ في الاعتبار التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها البلاد خلال العقد الأخير.

الهوية الثقافية السورية

يقول الصحفي السوري المقيم في فرنسا نبيل شوفان إن الهوية الثقافية السورية قبل الحرب لم تكن هوية بسيطة أو موحّدة، بل كانت تعكس فسيفساء واسعة من اللغات والإثنيات والتقاليد، إذ ضمّت سوريا التاريخية مكونات عربية وكردية وأرمنية وشركسية وآشورية وغيرها.

ويشير شوفان في حديث لـ”963+”، إلى أن هذا التنوع كان يتجلى في الأدب والموسيقى والمسرح والفنون البصرية، غير أن المجال الثقافي ظلّ لعقود يعمل تحت رقابة الدولة الصارمة، حيث كانت المؤسسات الثقافية والمسارح والإنتاج الفني خاضعة لمراقبة النظام، الذي قيّد حرية التعبير وساهم في صياغة الرواية الرسمية للهوية السورية.

ويضيف أن اندلاع الثورة السورية عام 2011 ثم تحوّلها إلى حرب طويلة الأمد أدى إلى انهيار مفهوم الخضوع للرقابة، ومع نزوح ولجوء ملايين السوريين من البلاد، بينهم كتّاب وصنّاع أفلام وموسيقيون وأكاديميون، تغيّرت طبيعة الإنتاج الثقافي السوري بصورة جوهرية، وأن الهجرة الجماعية نقلت عدداً كبيراً من الفنانين إلى مدن مثل بيروت وبرلين وباريس ولندن، حيث تشكّلت ما يمكن تسميته بـ”ثقافة في المنفى” تحاول إعادة تفسير سوريا من خارج حدودها.

وفي السياق ذاته، يوضح شوفان أن الحرب دمّرت جزءاً كبيراً من التراث الثقافي المادي في البلاد، إذ تضررت مواقع أثرية، وتعرّضت متاحف للنهب، كما شهدت مدن تاريخية مثل حلب وتدمر دماراً شديداً على أيدي جماعات متطرفة، ويقول إن هذا الفقدان لم يكن مادياً فقط، بل كان أيضاً رمزياً، لأنه مسّ الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية للسوريين.

ويشير الصحفي السوري إلى أن سقوط نظام الأسد عام 2024 شكّل نقطة تحوّل أخرى، لأنه أنهى عقوداً من السلطة السياسية المركزية، لكنه فتح أيضاً مرحلة من عدم اليقين، وأن الحياة الثقافية بدأت تعود إلى الفضاء العام ولو بحذر، إذ عادت الحفلات الموسيقية إلى دار الأوبرا في دمشق، وظهرت ورشات فنية جديدة، كما بدأ فنانون عائدون من الخارج بإعادة التواصل مع المجتمعات المحلية.

ومع ذلك، يؤكد شوفان أن المشهد الثقافي لم يستعد شكله السابق، مشيراً إلى أن سوريا تعيش اليوم عملية إعادة اختراع لهويتها الثقافية، وأن هذا الأمر طبيعي في ظل وجود مجموعات سورية متعددة تحمل كل منها ذاكرة مختلفة عن البلاد ورؤية مختلفة لمستقبلها، بدءاً من السوريين الذين بقوا داخل البلاد خلال سنوات الحرب، مروراً بالسوريين الذين عاشوا في المنفى، خصوصاً في الغرب لسنوات طويلة، وصولاً إلى أجيال شابة نشأت بالكامل في ظل الصراع بعيداً عن الهوية الثقافية التي كانت موجودة سابقاً.

ويضيف أن الحرب وما رافقها من ألم تدفع إلى إعادة بناء الهوية الثقافية وفق ظروف جديدة أكثر تنوعاً وليبرالية تحيط بالإنسان السوري، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة تشكيل الهوية الثقافية الجماعية، مشيراً إلى أن المشهد الثقافي السوري قد لا يعود إلى ما كان عليه سابقاً، بل من المرجح أن يبتكر هوية جديدة تعترف بالإنسان السوري ضمن هذا التنوع الكبير.

وفي معرض حديثه عن الجهة التي تقرر ما يجب الحفاظ عليه من التراث الثقافي، يوضح شوفان أنه في الماضي لعبت الدولة السورية دوراً مركزياً في صياغة السياسة الثقافية، حيث كانت الوزارات والمتاحف الوطنية والمؤسسات الرسمية تحدد الروايات التاريخية التي ينبغي إبرازها وتلك التي ينبغي تهميشها، لكنه يشير إلى أن انهيار هذه السلطة المركزية بعد سقوط النظام فتح المجال أمام فاعلين ثقافيين متنوعين.

التجربة السورية خلال الحرب

يقول شوفان إن مستقبل الثقافة السورية قد يتأثر اليوم بشكل كبير بالكتّاب والشعراء والمسرحيين والنقاد والموسيقيين وصنّاع الأفلام والفنانين التشكيليين الذين يقودون عملية إعادة تعريف الهوية السورية، وأن كثيراً من هؤلاء أنتجوا في المنفى أعمالاً أدبية وسينمائية ومعارض فنية تتناول الصدمة والذاكرة والتهجير، مؤكداً أن هذه الأعمال أصبحت بمثابة أرشيف مهم للتجربة السورية خلال الحرب.

كما يشير إلى أن هؤلاء المبدعين يتفاعلون اليوم مع من هم داخل سوريا، ويحملون أفكاراً جديدة تشكلت ضمن شبكات ثقافية عالمية، وهو ما يمنح المشهد الثقافي السوري بعداً ليبرالياً فريداً.

ويضيف شوفان أن الدولة لم تعد تقود المشهد الثقافي الآخذ في التشكل، موضحاً أن كثيراً من المبادرات التي تهدف إلى حماية المواقع التراثية أو توثيق أضرار الحرب أو إعادة بناء الفضاءات الثقافية يقودها أفراد سوريون، لافتاً إلى أن الثقافة لم تعد تمارس فقط من خلال المؤسسات الرسمية، بل بات المجتمع المدني السوري يلعب دوراً أساسياً في هذا المجال.

ويؤكد الصحفي السوري أن الشتات السوري أصبح أحد أكثر الفاعلين الثقافيين تأثيراً، إذ يحافظ آلاف السوريين المقيمين في الخارج على شبكات ثقافية نشطة، مضيفاً أن موسيقيين عادوا للعزف مجدداً في دمشق، كما عاد فنانون للتمثيل داخل البلاد بعد تجاربهم العالمية، في حين يناقش مثقفون الهوية والذاكرة في الندوات والحوارات الثقافية.

ويشير أيضاً إلى أن سوريين ينظمون مهرجانات ثقافية ويشاركون في ندوات دولية، بينما يصدر آخرون كتباً في الشعر والرواية أو ينتجون أعمالاً فنية ويمولون مبادرات ثقافية مرتبطة بسوريا، ويقول إن هذه الأعمال تتحول في كثير من الحالات إلى وسيط بين الثقافة السورية والعالم الفني والثقافي العالمي.

ورغم ذلك، يوضح شوفان أن السلطات السياسية الجديدة ما زالت تؤثر في عملية إعادة اكتشاف الهوية الثقافية، سواء من خلال التمويل أو التنظيم أو الأطر الأيديولوجية، وأنه رغم تحسن مناخ حرية التعبير الثقافي، فإن الأنشطة الثقافية في سوريا بعد سقوط النظام تجد نفسها أحياناً مضطرة للتكيف مع معايير اجتماعية جديدة في ظل الحكومة الحالية التي يصفها بأنها محافظة، ما يجعل عملية إعادة تشكيل الحياة الثقافية عملية تفاوض مستمرة حول حدودها، وهي حدود يرى أنها قابلة للتوسع مستقبلاً.

ومن جهة أخرى، يشير شوفان إلى وجود عقبات كبيرة تعترض إعادة تشكل الهوية الثقافية السورية، تبدأ بالصعوبات الاقتصادية، مروراً بالبنية التحتية الثقافية شبه المدمرة، ولا تنتهي بالغموض السياسي الذي يحيط بالسلطات الجديدة في دمشق.

أما الباحث والأكاديمي الدكتور عرابي عرابي فيرى أن المشهد الثقافي السوري يشهد مرحلة تحوّل عميقة تتزامن مع التغيّر السياسي الذي شهدته البلاد، وهو ما أدى إلى إعادة توزيع الفاعلين داخل الحقل الثقافي.

ويشير في حديث لـ”963+”، إلى أنه وفق تصور المفكر ستيوارت هال فإن الهوية ليست جوهراً ثابتاً، بل هي عملية تشكّل مستمرة، كما أن الحقل الثقافي يتأثر بصورة مباشرة ببنية السلطة ورأس المال الرمزي. ويؤكد أن ما يحدث في سوريا اليوم لا يعني اختفاء الهوية الثقافية، بل يعكس صراعاً على تأويلها وإعادة صياغتها.

ويضيف عرابي أن التحولات السياسية في المجتمعات التي تمر بمرحلة ما بعد السلطوية غالباً ما تفتح المجال أمام تيارات كانت مهمّشة سابقاً، فتدخل هذه التيارات في حالة تنافس لإعادة تشكيل المجال العام. ويشير إلى أن هذا الواقع يطرح سؤال الهيمنة الثقافية بقوة، متسائلاً عمّن يملك أدوات إنتاج المعنى، ومن يمتلك القدرة على تحديد ما الذي يجب أن يبقى في الذاكرة الثقافية وما الذي قد يزول.

ويوضح الباحث أن المشهد الثقافي السوري يقف اليوم بين حالتين أساسيتين، هما الفراغ المؤسسي والاستقطاب الفكري. ويؤكد أن المقصود بالفراغ المؤسسي هو غياب السياسات الثقافية الواضحة، على الرغم من التعددية التي يمكن ملاحظتها في الحقل الثقافي حالياً، مشيراً إلى أن هذه التعددية، رغم حضورها، لم تسهم حتى الآن في تأسيس بنية ثقافية متماسكة قادرة على تنظيم هذا التنوع ضمن إطار مؤسسي واضح.

ويشدد عرابي على أنه إذا استمر الوضع على هذا النحو فمن المرجح أن يبقى المشهد الثقافي متذبذباً بين مبادرات متفرقة لا يجمعها مشروع ثقافي شامل، لكنه يوضح في الوقت ذاته أنه في حال توفرت إرادة حقيقية لبناء مشروع ثقافي وطني جامع، فإن هذا التحول يمكن أن ينتقل من كونه أزمة في تعريف الهوية إلى لحظة تأسيس لمرحلة ثقافية سورية جديدة.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى