محطات

ترويض الوحش/ ثائر الزعزوع

مارس 1, 2026

في الفيلم الأميركي المتميز، (State of play) يسأل “راسل كرو”، الذي يقوم بدور صحفي تحقيقات، صديقه “بين أفليك” الذي يلعب دور عضو في الكونغرس: كيف تتعامل مع الوحش، ويقصد “المنصب الذي يتولاه”؟ استوقفني هذا التشبيه كثيراً، فالوحش، أي وحش، إن لم تحسن قيادته وترويضه، فسوف يلتهمك.

منذ أيام اتصلت بأحد الأصدقاء، الذي تولى منصباً حكومياً، فبدا من صوته مرهقاً، فاستعرت عبارة راسل كرو وسألته كيف تتعامل مع الوحش؟ فجاء رده مؤكداً لهذه الفكرة لا نافياً لها، إذ قال: سوف يهلكني، ولا أكاد أنام ليلة بهدوء.

في شكواهم الدائمة من نجوميتهم، يشكو بعض الفنانين و الرياضيين، من أنهم لا يستطيعون أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي، فالعيون وعدسات المصورين تلاحقهم حيثما توجهوا، وهذه الضريبة تسمى “محبة الناس”، لكنها أيضاً قد تصير وحشاً يلتهم صاحبه، فقد أدت الملاحقات المستمرة من قبل المعجبين بأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل مارادونا إلى الخروج على الصحفيين مهدداً إياهم ببندقية صيد، كما دفعت المغنية بريتني سبيرز إلى حالات هستيريا وغضب، وصرخت بالملاحقين: دعوني أعش حياتي.

لكن وحش المنصب الحكومي في سوريا هو سلاح ذو حدين، ففي حين اعتبرت تلقائية بعض وزراء الحكومة، أو مسؤوليها البارزين نوعاً من “التمثيل”، كما كتب معلقون على وسائل التواصل الاجتماعي، كذلك فإن المبالغة في إظهار “ميزات” المنصب هي الأخرى سوف تجد من يلاحقها، ويدقق عليها، ولن أتوقف كثيراً حول ما أثير عن موكب وزير الأوقاف، والردود الرسمية والخاصة التي تناولته، ولكن، كيف يمكن ترويض الوحش حقاً؟ وهل تشكل الرقابة الشعبية، والنقد الدؤوب، نوعاً من أنواع السيطرة على ذلك الوحش، والمساهمة في عدم تغوله وتوحشه أكثر؟

على مدى عقود، ظل المنصب الحكومي بمثابة مكافأة تمنحها السلطة لمن تعتبرهم “رجالها”، وكان الانتقال إلى ذلك المنصب، لا يُحمّل صاحبه أي عبء، فهو يعلم سلفاً أنه لن يكون خاضعاً للمساءلة، وأن الصحافة لن تتناوله بالنقد، و بمقدار قربه من السلطة، فإن درجة حصانته تزداد، وطبعاً لن يكون عزله من منصبه وارداً طالما أنه ينفذ التعليمات بعناية، بل إنه قد يكافأ لاحقاً بمنصب أفضل.

ولذلك، لم يكن المسؤول في حاجة للتعامل مع وحش المنصب الحكومي، فهو لن يهتم كثيراً بترويضه، بل يمكنه بسهولة أن ينقض به على الآخرين، فيمزقهم إرباً مستفيداً من شبكة علاقاته التي يوفرها له ذلك الوحش، و طبعاً رضى السلطة الدائم عنه. فهل تغيرت طبيعة ذلك “الوحش” الآن؟

بعد مرور سنة على تولي المسؤولين الحكوميين مناصبهم، لا تكف وسائل التواصل الاجتماعي النشطة جداً، عن ملاحقتهم، من أعلى المناصب حتى أدناها، ماذا قالوا، ماذا فعلوا، تناقضات تصريحاتهم، سلوكهم اليومي، وطبعاً النبش في تاريخ كل واحد منهم، وشبكات علاقاته، وكل هذا يضع “المسؤول” تحت ضغط كبير، يلزمه بأن يراقب سلوكه، ولكن من دون محاسبة حقيقية.

كل هذا قبل أن يكتمل نصاب البرلمان، ويعقد أولى جلساته، وهو البرلمان الذي يتمنى المواطنون أن يمثلهم، ويكون صوتاً لهم، لا أن يمثل عليهم، ويكون سوطاً عليهم، كما كان حاله على مدى عقود.

أخيراً، كان محمد الحلو (1928-1984) يعتبر أشهر مروض للوحوش في السيرك المصري، ولكن حياته انتهت حين انقضّ عليه أحد الأسود، وهاجمه. فحذار عزيزي المسؤول الحكومي أن ينقض عليك الوحش، ويلتهمك.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى