تطور الاقتصاد السوري تحديث 07 أذار 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
تحديث 05 أذار 2026
اتفاق فيزا – سوريا.. بين الطموح الرقمي والتحدي الواقعي/ مازن الشاهين
سوريا توقع مع Visa: خطوة استراتيجية نحو اقتصاد رقمي… لكن الطريق أمام التحول طويل ومعقد
2026-03-05
وقّعت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية اتفاقية تعاون مع شركة “فيزا” العالمية لتطوير اقتصاد رقمي حديث في سوريا، تشمل إنشاء إطار تجريبي للتكنولوجيا المالية، تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من المدفوعات الرقمية، إطلاق مسابقة وطنية للابتكار، وتعزيز الأمن السيبراني وخدمات الحكومة الرقمية. الاتفاقية تهدف إلى بناء منظومة مدفوعات متطورة وتحسين كفاءة الخدمات الرقمية، مستفيدين من خبرة “فيزا” العالمية وربطها بالاستراتيجية الرقمية الوطنية.
ويُنظر إلى الاتفاقية كخطوة استراتيجية نحو التحول الرقمي رغم تحديات البنية التحتية والعقوبات، وسط تساؤلات حول قدرتها على تحقيق اقتصاد رقمي ناضج فعلياً. وتشير مصادر غربية إلى ضغوط أمريكية لمنع الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، ما يجعل الشراكة مع “فيزا” فرصة لتعزيز الروابط الاقتصادية المستدامة وتوسيع مسارات النمو والازدهار المشترك.
ماذا تعني الشراكة؟
الدكتورة لين قصار، الخبيرة الاقتصادية والمتخصصة في الشؤون الرقمية، ترى أن قراءة الاتفاقية يجب أن تكون دقيقة وواقعية، وتوضح في حديثها لـ”963+” : الطريق نحو التحول الرقمي ليس مفروشاً بالورود، وهذه الاتفاقية هي خطوة أولى في رحلة طويلة، ويجب أن تتبعها خطوات تشريعية وتنظيمية مهمة، وهذه الخطوة إيجابية بلا شك، لكن يجب عدم المبالغة في توقعاتها، وهي أشبه بوضع حجر الأساس لمنزل لم تُحدد معالمه بعد، فالشراكة تعني أن فيزا ستدعم تطوير البنية التحتية، وتقدم استشارات تقنية، وتساعد في بناء قدرات الكوادر المحلية.
وتضيف: لكن التطبيق الفعلي على أرض الواقع يحتاج إلى وقت وجهد وتشريعات مرنة، فهذه الاتفاقية قد تكون نقطة انطلاق حقيقية نحو تحديث القطاع المصرفي والمالي في سوريا، ووجود شركة بحجم فيزا يعني دخول خبرات وتقنيات متطورة، وفتح قنوات تواصل مع الأسواق العالمية، كما أنها ستدفع البنوك المحلية إلى تطوير خدماتها والمنافسة بشكل أفضل، والمرحلة القادمة يجب أن تشهد إصدار تشريعات جديدة تنظم قطاع المدفوعات الإلكترونية وتكنولوجيا المالية، القوانين الحالية قديمة ولا تواكب التطورات العالمية، نحتاج إلى قانون حديث لحماية البيانات، وقانون لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وتعديل القوانين المصرفية لتسمح بظهور مؤسسات مالية رقمية جديدة، وبدون هذه القوانين، ستبقى الاتفاقية حبراً على ورق.
وتختم قصار بالقول: لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو في هذا العصر دون منظومة مدفوعات إلكترونية قوية وآمنة، والاتفاق مع فيزا تمثل خطوة استراتيجية وتفتح الباب، إلا أن الاتفاق بذاته لا يغيّر الواقع، بل مدى قدرة المؤسسات السورية على تهيئة الأرضية التي تسمح بتطبيقه فعلياً، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد الرقمي.
أين تقف سوريا رقمياً اليوم؟
يقول المهندس عدنان الإبراهيم الخبير في التحول الرقمي في تصريحات لـ”963+” قبل تقييم الاتفاقية، لا بد من استحضار الواقع الرقمي السوري بأرقامه الحقيقية، فنسبة المعاملات النقدية تجاوز 90% مع المتوسط العالمي 40%، وانتشار الإنترنت ~35% من السكان والمتوسط الإقليمي 70%+، أما الشمول المالي (حيازة حساب مصرفي) فهو أقل من 25% بينما المتوسط العالمي 76%، ومنصات الدفع الإلكتروني النشطة محلياً أقل من 5 منصات بينما في مصر وحدها تضم 30+، أما حجم التجارة الإلكترونية شبه منعدم رسمياً وفي السوق السعودي 12 مليار دولار، تُظهر بيانات الاتحاد العربي للتجارة الإلكترونية (2025) أن نسبة التعاملات غير النقدية في سورية لا تتجاوز 6% فقط من إجمالي المعاملات التجارية، في حين تبلغ النسبة 72% في الإمارات و68% في الأردن.
كما تُظهر إحصاءات البنك الدولي أن أقل من 8% من البالغين في سورية يمتلكون حسابات مصرفية قابلة للمعاملات عبر الإنترنت، مقابل 67% في مصر و 83% في السعودية، هذه الأرقام لا تُقدَّم لإحباط التفاؤل، بل لتأطيره ونقطة البداية متأخرة جداً، لكن هذا يعني أيضاً أن أمامنا فرصة تجاوز مراحل وصول مباشرة إلى أحدث التقنيات، وتوقيع اتفاقية تعاون مع شركة “فيزا” العالمية للمدفوعات الرقمية، يمكن أن ترسّخ إطاراً مشتركاً للتعاون في مجالات تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الشمول المالي والابتكار في التكنولوجيا المالية.
بالإضافة إلى إنشاء بيئة تجريبية تنظيمية مخصّصة للاقتصاد الرقمي السوري، ويمكن الاستفادة من خدمات “فيزا” الاستشارية لدعم الخطط الوطنية الأوسع للتحول الرقمي، والأهم هو تمكين المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة من الانخراط في الاقتصاد الرقمي، عبر دعم تبنّي حلول المدفوعات الرقمية، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية، ورقمنة المعاملات اليومية بما يتوافق مع معايير التشغيل البيني والأمن العالمية.
ويضيف الإبراهيم أن الشركة تعتمد في عملياتها على شبكة “VisaNet” المتطورة التي توفر معالجة آمنة وموثوقة للمدفوعات عبر آلاف المعاملات في الثانية الواحدة، كما تسهم في تطوير حلول التكنولوجيا المالية لتمكين الأفراد والشركات من الانخراط في الاقتصاد العالمي عبر حلول دفع مبتكرة تضمن الأمان والمرونة وسهولة الوصول، مما يدعم التنمية الاقتصادية الشاملة في الأسواق الناشئة والواعدة ويعزز الكفاءة التشغيلية للمؤسسات المالية الكبرى والشركات الصغيرة على حد سواء.
ويلفت إلى أن اتفاقية “فيزا” تأتي ضمن سلسلة تحركات لربط سوريا بالمنظومة التقنية العالمية، إذ شهد شهر شباط الماضي نشاطاً مكثفاً بدأ بتوقيع اتفاقية مشروع “سيلك لينك” مع مجموعة “STC” السعودية، باستثمار قيمته مليار دولار لربط القارات رقمياً عبر الأراضي السورية من خلال مد 4500 كيلومتر من الكابلات وإنشاء 65 مركز بيانات، كما تم توقيع مذكرة تعاون مع شركة “ماستركارد” الدولية، لتطوير منظومة المدفوعات والشمول المالي.
الفرص الحقيقية والتحديات المقابلة
يؤكد الإبراهيم على أربعة محاور أساسية يجب التركيز عليها لما فيها من فرصة حقيقية، والمحور الأول هو البنية التحتية للمدفوعات إذ أن هناك فرصة لتطوير شبكة نقاط البيع (POS)، وبوابات الدفع الإلكتروني، وأنظمة المقاصة، بما يُتيح تداولاً رقمياً يُقلل الاعتماد على الكاش، إلا أن هناك مشكلة حيث تحتاج سوريا إلى ما يقدّر بـ “150,000-200,000 نقطة بيع” موزعة على المحافظات لتغطية الحد الأدنى من الاحتياج التجاري، فضلاً عن استقرار التيار الكهربائي والاتصالات الذي لا يزال متقطعاً في مناطق واسعة، فالتاجر مستعد لنقطة بيع، لكن كيف يعمل تنقطع الكهرباء 12 ساعة يومياً؟ فالزبون يدفع كاش لأنه الأضمن.
أما المحور الثاني فهو الشمول المالي، وهناك فرصة في ضم ملايين السوريين المُقصَين من المنظومة المصرفية – لأسباب جغرافية أو اجتماعية أو اقتصادية – إلى الدورة المالية الرسمية، مما يُقلل التهرب الضريبي ويُعزز قاعدة البيانات الاقتصادية، ولكن في الوقت نفسه الشمول المالي لا يبدأ بتطبيق، بل “بثقة” وبعد سنوات من سياسات تقييد الودائع وضبابية القرارات المصرفية، أصبح كثير من السوريين يُفضلون إخفاء أموالهم نقداً، فالمواطن الذي وضع مدخراته بالمصرف ولم يقدر على سحبها عند الحاجة ، كيف يمكن أن يضع أمواله مرة ثانية؟ ووفق تقديرات خبراء اقتصاديين، يُحتفظ بما يتراوح بين “3-5 مليارات دولار” خارج المنظومة المصرفية السورية في السوق غير الرسمية، إضافة إلى أن نسبة كبيرة من السوريين لا تتعامل مع البنوك أصلاً، إما لضعف الثقة أو لعدم وجود فروع مصرفية في مناطقهم، والتحول الرقمي قد يزيد الفجوة بين من يمتلكون القدرة على استخدام التكنولوجيا ومن لا يمتلكونها.
وفي المحور الثالث هناك فرصة لقطاع التكنولوجيا المالية وهو الأكثر إثارة للاهتمام، حيث يُعدّ قطاع الـ FinTech عالمياً الأسرع نمواً في القطاع المالي، إذ وصل حجم استثماراته العالمية إلى أكثر من “150 مليار دولار” وسوريا تملك مادتها الخام “كفاءات تقنية” هاجرت وتمتلك خبرات في الخارج، و”سوقاً بكراً” لم تُستثمر إمكاناته، ولو استقرت بيئة الأعمال ووُجدت تشريعات واضحة، هناك مئات من رجال الأعمال السوريين في الخليج مستعدون للعودة برأس مالهم وتجربتهم، إلا أن التحدي أن الـ FinTech يحتاج ثلاثة عناصر لا تقبل التفاوض وهي: تشريعات واضحة، بنية رقمية موثوقة، وانفتاح على الشبكة المالية الدولية، والثلاثة معاً ما زالوا في طور البناء.
ويختم الإبراهيم في المحور الرابع وهو بيئة الاستثمار الرقمي حيث يرى الفرصة في توقيع مع Visa يُعادل في دلالته الرمزية والعملية إشارة للمستثمرين بأن سوريا “دخلت الخريطة” كوجهة استثمارية محتملة في الاقتصاد الرقمي، ولكن التحدي هو أن الاستثمار الأجنبي يتطلب قبل أي شيء “القدرة على إخراج الأرباح بحرية” وما دامت قيود الصرف الأجنبي وتقييد التحويلات المالية قائمةً، يظل الاستثمار الأجنبي حبيس الإعلانات والنوايا، فهل ستنجح سوريا في استثمار هذه الفرصة لتحقيق قفزة نوعية في الاقتصاد الرقمي، أم ستبقى الاتفاقية مجرد حبر على ورق في انتظار ظروف أكثر ملاءمة؟
صوت رواد الأعمال: بين التفاؤل والحذر
وخلال حديث لـ”963+” مع عدد من رواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا السوري، فكانت الصورة متباينة:
المهندس علي القيم، رئيس إحدى شركات التكنولوجيا المالية الناشئة في دمشق، يرى في هذه الخطوة “نافذة أمل” لرواد الأعمال، ويقول لـ”963+”: “كنا نعاني من غياب منظومة مدفوعات رقمية متكاملة تسمح لنا بتوسيع أعمالنا. اليوم، هناك أمل في أن نتمكن قريباً من إطلاق منتجات مالية مبتكرة، وتقديم حلول دفع متطورة، والتوسع في التجارة الإلكترونية، فقطاع التكنولوجيا المالية عالمياً يشهد نمواً متسارعاً، وأي تطور في هذا المجال محلياً سيفتح آفاقاً جديدة أمام الشركات الناشئة، وقد يجذب استثمارات إقليمية في المستقبل”.
خالد النجار، مؤسس شركة ناشئة في مجال حلول الدفع بدمشق يقول: هذه الخطوة تُبدّل الخطاب، قبلها كنا نشرح للمستثمر لماذا سوريا، الآن نشرح كيف نبني، الفارق كبير نفسياً وعملياً، وجود شريك عالمي بحجم فيزا سيعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في السوق السورية، وقد نشهد خلال الفترة القادمة دخول صناديق استثمار إقليمية مهتمة بقطاع التكنولوجيا المالية، وهذا سيخلق فرص عمل ويحفز الابتكار، ولكن هذا يحتاج إلى تسهيل إجراءات تأسيس الشركات، وتوفير بيئة تشريعية مستقرة، وتقديم حوافض للشركات الناشئة في هذا المجال”.
بينما تقول لينا السعيد، مطورة تطبيقات مالية: “قد نكون بحاجة أولاً إلى بناء نظام مدفوعات محلي قوي، وتعزيز الثقة بالخدمات الرقمية، ثم التفكير في الشراكات الدولية، فالشراكة مع فيزا اليوم قد تكون سابقة لأوانها إذا لم تكن البنية التحتية والبيئة التشريعية جاهزة لاستيعابها والمشكلة الحقيقية ليست التوقيع، بل ما بعده، نحتاج sandbox تنظيمي يسمح للشركات الناشئة بالتجريب قبل التراخيص الكاملة، كما فعلت الأردن ومصر”.
ويشير عبدالرحمن حداد، صاحب متجر إلكتروني إلى أنه “أبيع عبر الإنترنت، لكن الدفع يتم بالتحويل المصرفي اليدوي أو الكاش عند التسليم، فيزا ستغير حياتي لو تجسّدت على أرض الواقع، لكن أنتظر وأرى”.
المواطن بين الواقع والطموح
في جولة ميدانية على عدد من المواطنين في دمشق، تباينت الآراء حول هذه الخطوة. ويقول جمال الحسين، صاحب محل تجاري في سوق الحميدية، لـ”963+”: “بالنسبة لنا، الموضوع ما زال نظرياً، نحن نتعامل بالكاش منذ سنوات، ومازلنا لا نستطيع استخدام البطاقات البنكية في معظم المحال. نتمنى أن تترجم هذه الاتفاقية إلى واقع نلمسه في حياتنا اليومية”.
أما رنا الموصللي، وهي موظفة في الثلاثينيات من عمرها، فترى في الخطوة تطوراً إيجابياً: “أنا أتسوق أونلاين من متاجر محلية، وأعاني دائماً من مشكلة الدفع، غالباً ما أضطر لتحويل المبلغ بشكل يدوي أو الدفع عند الاستلام، لو أصبح لدينا نظام دفع إلكتروني آمن وسلس، سيشجعني ذلك على التسوق أكثر ويدعم المتاجر المحلية”.
ويقول سمير علوش موظف مصرفي: لا يمكن الحديث عن مدفوعات رقمية بدون شبكات إنترنت سريعة ومستقرة، يجب أن تتزامن هذه الاتفاقية مع خطة وطنية لتطوير قطاع الاتصالات وتوسيع التغطية وزيادة السرعات.
تجارب إقليمية – ماذا نتعلم من الجيران؟
لا يمكن قراءة الاتفاقية السورية-Visa بمعزل عن تجارب المنطقة، هكذا يرى خبير التقانة والمعلومات الدكتور منذر حيدر في تصريحات لـ”٩٦٣+” فقد أطلقت مصر مبكراً “المجلس القومي للمدفوعات” في 2017، وفرضت رقمنة كاملة للمستحقات الحكومية، ونتيجة لذلك ارتفعت نسبة المدفوعات الإلكترونية إلى 56% عام 2025 مقارنة بـ 3% قبلها، وأطلاق استراتيجية وطنية للمدفوعات الرقمية عام 2019، والتجربة المصرية تظهر أهمية الدور الحكومي في فرض بيئة إلزامية للمواكبة، إلى جانب دعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية عبر حوافز ضريبية وتشريعات مرنة، أما الأردن فقد أطلق البنك المركزي مبادرة “JoMoPay” للمدفوعات عبر الهاتف المحمول، ما سمح بزيادة مستخدمي المحافظ الإلكترونية إلى 3.8 ملايين مستخدم خلال خمس سنوات، رغم صغر السوق.
ويضيف: هذه التجربة تعزز فكرة أن البنية القانونية والتوجه المركزي يمكن أن يسبق النضج التكنولوجي، ويهيّئ السوق تدريجياً للتحول، كما أسست “FinTech sandbox” عام 2020 مما سمح لأكثر من 40 شركة ناشئة بالتجريب، وجذب استثمارات بأكثر من 300 مليون دولار في خمس سنوات، وفي العراق الذي بدأ من نقطة مشابهة لسوريا، وأطلق عام 2021 منظومة دفع وطنية، ووصل اليوم إلى 15 مليون محفظة رقمية نشطة، وعلى النقيض، ما زالت سورية تفتقر إلى تشريعات حديثة في مجالات المعاملات الإلكترونية، حماية البيانات، والتوقيع الرقمي.
كما أن غياب الثقة بين المواطن والمصرف، بحسب حيدر، يشكل حاجزاً صلباً أمام أي مشروع رقمي، والدرس المشترك من هذه التجارب، أن النجاح لم يأتِ من التوقيع مع الشركات الكبرى، بل من الإرادة السياسية في إصلاح الإطار التشريعي والرقابي، فالتوقيع نقطة انطلاق والإصلاح هو المحرك، ونجاح الاتفاقية مشروط بتحولات موازية على ثلاثة مستويات: فعلى المستوى التشريعي، إصدار قانون حديث للمعاملات الإلكترونية، وإطار تنظيمي للـ FinTech يُحدد الصلاحيات والمسؤوليات، وقوانين حماية بيانات المستخدم تُوافق المعايير الدولية، وعلى المستوى المصرفي، يجب رفع تدريجي لقيود السحب لاستعادة ثقة المودع، وتحديث أنظمة المقاصة البنكية (Core Banking Systems)، والسماح للبنوك بالانفتاح على شبكات الدفع الدولية، أما على المستوى التقني، فهناك ضرورة لاستقرار شبكة الاتصالات وزيادة سرعة الإنترنت، وبنية تحتية للأمن السيبراني، وتعميم التوقيع الرقمي والهوية الرقمية.
ويوضح حيدر أن ما يميز هذه التجارب هو وجود إرادة سياسية قوية للتحول الرقمي، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتشريعات مرنة تشجع الابتكار وتجذب الاستثمارات، وسوريا بحاجة إلى تبني نموذج مماثل، لكن وفق إمكانياتها وظروفها.
ويختم حيدر بأن مذكرة التعاون مع Visa ليست سحراً يُحوّل الاقتصاد السوري بين ليلة وضحاها، لكنها ليست مجرد حبر على ورق أيضاً، إنها “رهان مزدوج”، رهان Visa على أن سوريا تسير فعلاً نحو الانفتاح الاقتصادي، ورهان سوريا على أن شركة بحجم Visa ستُسهم في تسريع هذا الانفتاح، وما يُحدد نتيجة هذا الرهان ليس التوقيع، بل ما يأتي بعده: هل ستُصاحبه إصلاحات مصرفية حقيقية؟ هل ستُعدّل السياسات النقدية؟ هل ستُسنّ تشريعات رقمية عصرية؟ الجواب لن تُعطيه Visa، بل سيُعطيه صاحب المحل الذي سيقبل أول دفعة إلكترونية بثقة، والمودع الذي سيسحب أمواله دون قيود، والمستثمر الذي سيُحوّل أرباحه بحرية، وحتى ذلك الحين، الاتفاقية بوابة، لكن البوابة لا تعني شيئاً إن ظلّ الطريق وراءها غير مُعبَّد.
+963
—————————-
الحسكة.. رفض فئات نقدية قديمة يربك التعاملات المالية
تشهد مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا حالة من الارتباك في التعاملات النقدية، مع اتساع ظاهرة رفض بعض المحال التجارية والأطباء ومعتمدي الخبز والغاز قبول العملة السورية القديمة من فئتي 500 و1000 ليرة، رغم استمرار تداولها رسميًا وتسليمها للمواطنين عبر معتمدي الرواتب ومكاتب الصرافة.
ويقول سكان في المدينة إن هذه الظاهرة بدأت بالظهور تدريجيًا خلال الأسابيع الماضية، لكنها اتسعت مؤخرًا لتشمل قطاعات خدمية متعددة، ما تسبب بإرباك واضح في المعاملات اليومية للمواطنين، خاصة في ظل غياب قنوات مصرفية رسمية لتنظيم عملية تبديل العملة أو ضبط تداولها.
إرباك في المعاملات اليومية
أفاد عدد من سكان الحسكة أن رفض بعض التجار لهذه الفئات النقدية يضع المواطنين في مواقف محرجة أثناء تسديد التزاماتهم اليومية، خصوصاً أن هذه الفئات ما تزال متداولة رسمياً ولم يصدر أي قرار يمنع التعامل بها.
وقال أحمد السالم، وهو موظف في إحدى المؤسسات الخدمية، إن جزءًا من راتبه الذي استلمه مؤخرًا كان من فئتي 500 و1000 ليرة، لكنه واجه صعوبة في استخدامها.
وأضاف لعنب بلدي أن بعض المحال التجارية رفضت قبول هذه الفئات، ما اضطره إلى البحث عن أشخاص يقبلون استبدالها مقابل فئات أخرى أو استخدامها في أماكن محدودة.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق بكمية قليلة من النقود، بل بمبالغ قد تشكل جزءًا كبيرًا من الدخل الشهري لبعض الموظفين، ما يزيد من تعقيد الموقف.
من جانبها، قالت عليا محمد، وهي ربة منزل من سكان حي غويران في الحسكة، إن رفض العملة القديمة يخلق توتراً خلال عمليات الشراء اليومية.
وأضافت أن بعض الباعة يرفضون استلام هذه الفئات بشكل مباشر، بينما يقبلها آخرون بشروط أو بعد جدال، ما يجعل عملية التسوق اليومية مرهقة.
وتابعت أن المشكلة تزداد تعقيداً عندما يتعلق الأمر بخدمات أساسية مثل شراء الخبز أو تعبئة الغاز المنزلي، إذ يرفض بعض المعتمدين التعامل بهذه الفئات بشكل كامل.
غياب القرار الرسمي
هذه الممارسات تتم دون وجود قرار رسمي يمنع تداول الفئات القديمة، الأمر الذي يزيد من حالة الغموض حول سبب انتشار الظاهرة.
ولا تزال مكاتب الصرافة تسلم المواطنين مبالغ نقدية تتضمن هذه الفئات، كما يحصل الموظفون على جزء من رواتبهم بها، ما يعني أن رفضها في الأسواق يخلق فجوة بين مصدر النقود ومكان استخدامها.
ويرى بعض المواطنين أن التجار يحاولون تفادي الخسارة المحتملة أو صعوبة تصريف هذه الفئات لاحقًا، خاصة مع بدء عملية استبدال العملة السورية القديمة بعملة جديدة خلال الأشهر الماضية.
مصارف مغلقة منذ 2024
تتزامن هذه المشكلة مع استمرار إغلاق فرع مصرف سوريا المركزي وفروع المصارف الحكومية الأخرى في محافظة الحسكة منذ أواخر عام 2024، ما أدى إلى غياب الجهة الرسمية القادرة على تنظيم التداول النقدي أو توفير خدمات استبدال العملة بشكل منتظم.
ويقول سكان إن غياب المصارف جعل مكاتب الصرافة وبعض المعتمدين المصدر الرئيسي للنقد في المدينة، وهو ما يساهم في ظهور اختلالات في حركة التداول.
كما أن عدم وجود قنوات مصرفية رسمية يحدّ من قدرة المواطنين على تبديل الفئات النقدية التي يواجهون صعوبة في استخدامها داخل الأسواق.
آراء اقتصادية
يرى متابعون للشأن الاقتصادي أن ظاهرة رفض بعض الفئات النقدية ليست جديدة في الاقتصادات التي تمر بمرحلة استبدال عملة أو تغيير نقدي، لكنها تصبح أكثر حدة في ظل غياب المؤسسات المالية المنظمة.
وقال المتابع للملف الاقتصادي في المنطقة سامر الحسن لعنب بلدي إن ما يحدث في الحسكة يمكن وصفه بـ”الفوضى النقدية المؤقتة”، الناتجة عن تداخل عدة عوامل في الوقت نفسه.
وأوضح أن من أبرز هذه العوامل بدء عملية استبدال العملة السورية، واستمرار تداول الفئات القديمة خلال الفترة الانتقالية، إضافة إلى غياب المصارف الرسمية التي عادة ما تضبط هذه العملية.
وأضاف أن التجار يخشون الاحتفاظ بكميات كبيرة من الفئات القديمة إذا كانت عملية استبدالها لاحقًا صعبة أو تحتاج إلى إجراءات معقدة، ما يدفع بعضهم إلى تجنب التعامل بها.
وأشار الحسن إلى أن المشكلة يمكن أن تتفاقم إذا لم تتوفر آلية واضحة وسريعة لتبديل العملة في الحسكة، لأن ذلك قد يدفع الأسواق إلى فرض قواعدها الخاصة بعيدًا عن الإطار الرسمي.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن الفئات القديمة تبقى قانونية التداول ما دامت الفترة المحددة للاستبدال لم تنتهِ، ما يعني أن رفضها بشكل كامل يخلق خللاً في السوق.
آمال بإعادة فتح المؤسسات
في المقابل، يعوّل كثير من سكان الحسكة على التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي يقولون إنها قد تفتح الباب أمام إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية المتوقفة في المدينة.
إعادة فتح المصارف ومكاتب البريد بشكل كامل يمكن أن تسهم في تنظيم عملية استبدال العملة وتخفيف الارتباك في الأسواق.
وقال شاهر العلي، وهو أحد التجار في سوق المدينة، إن عودة المصارف للعمل ستمنح التجار والمواطنين مكانًا واضحًا لتصريف الفئات القديمة، ما يقلل من المخاوف المرتبطة بالاحتفاظ بها.
وأضاف أن المشكلة الحالية لا تتعلق فقط بالعملة نفسها، بل بغياب الجهة التي يمكن أن تستقبل هذه الفئات وتعيد ضخها في السوق بشكل منظم وفق الفئات الجديدة.
سياق استبدال العملة
ودخلت العملة السورية الجديدة حيّز التداول مع بداية العام الحالي، في خطوة قالت الأوساط الاقتصادية والتجارية إنها تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي وتسهيل التعاملات اليومية.
وجاء إصدار العملة الجديدة عقب مرسوم رئاسي صدر، في 24 من كانون الأول 2025، يقضي باستبدال العملة المتداولة.
وبدأت عملية الاستبدال في الأول من كانون الثاني 2026، وتستمر لمدة 90 يومًا قابلة للتمديد، بحيث تعادل كل 100 ليرة سورية من العملة القديمة ليرة سورية واحدة من العملة الجديدة.
كما أعلنت المؤسسة السورية للبريد، في 11 من كانون الثاني، أنها ستبدأ تقديم خدمة استبدال العملة القديمة بعملة جديدة عبر المراكز البريدية المعتمدة في مختلف المحافظات.
لكن هذه الخدمة لم تكن متاحة في الحسكة لفترة طويلة بسبب توقف فرع المؤسسة هناك منذ أواخر عام 2024، قبل أن يعاد فتحه خلال اليومين الماضيين.
مرحلة انتقالية
ويعتقد المتابع للواقع الاقتصادي في المنطقة سامر الحسن أن الحسكة تمر حاليًا بمرحلة انتقالية في نظامها النقدي، حيث تتداخل العملة القديمة مع الجديدة في ظل بنية مالية غير مكتملة.
وفي مثل هذه الحالات، وفق الحسن، يلعب وجود المصارف والمؤسسات المالية دورًا أساسيًا في تنظيم التداول وضمان قبول جميع الفئات القانونية خلال فترة الاستبدال.
وفي انتظار عودة هذه المؤسسات إلى العمل بشكل كامل، يبقى سكان الحسكة مضطرين للتعامل مع واقع نقدي غير مستقر، حيث قد تقبل بعض المحال فئات معينة بينما ترفضها أخرى، ما يضيف عبئاً جديداً على الحياة اليومية في المدينة.
ويأمل كثير من الأهالي أن تنتهي هذه الحالة قريبًا مع استكمال عملية استبدال العملة وإعادة تشغيل المؤسسات المالية، بما يعيد قدراً من الاستقرار إلى التعاملات النقدية في المدينة.
———————–
=================
تحديث 04 أذار 2026
—————————-
الأمن الغذائي… تشخيص الهشاشة يدقّ جرس الخطر ويبيّن المسؤوليات/ جمعة حجازي
03 مارس 2026
يُمثل الإعلان المفصل والعلني لنتائج مسح الأمن الغذائي لعام 2025 نقلة نوعية في منهجية عمل المؤسسات الرسمية السورية، وتحديداً هيئة التخطيط والإحصاء. بعد عقود من سياسة التعتيم الإحصائي والخطاب المبهم الذي انتهجه النظام السابق، والذي أخفى تحت غطاء الأمن القومي والسيادي المعاناة الحقيقية للمواطنين.
نشر أرقام صادمة تُظهر أن 18.4% فقط من الأسر السورية آمنة غذائياً، بينما تنخفض النسبة إلى 4.2% في المخيمات، هو فعل ثقة بالمواطن وشريك أساسي في مستقبل البلاد. لم تعد المعرفة حكراً على نُخب ضيقة، بل أصبحت متاحة للباحثين وصناع القرار المحليين والدوليين ومنظمات المجتمع المدني، مما يخلق ساحة مشتركة للنقاش الموضوعي القائم على الأدلة. هذا التحوّل من ثقافة التكتّم إلى ثقافة الإفصاح ليس ترفاً إدارياً، بل هو الشرط الأساسي لإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع.
الدقّة العلمية أساساً للعدالة الاجتماعية
لا تكمن قيمة هذا المسح فقط في النتائج التي خرج بها، بل في المنهجية العلمية الصارمة والشفافة التي اتبعها، فشمولية العينة التي غطت 34,820 أسرة موزعة على 267 ناحية، مع إيلاء اهتمام خاص لأكثر الفئات تهميشاً عبر تضمين 2,429 أسرة من سكان المخيمات، تُظهر تصميمًا على رصد الحقيقة كاملةً بكل تعقيداتها، ورفضاً لأي رؤية مجتزأة أو مُجمّلة. استخدام منهجية CARI (النهم الموحد في الإبلاغ عن مؤشرات الأمن الغذائي) يرفع سقف التحليل من مجرد رصد “الجوع” إلى تشخيص متعدد الأبعاد لظاهرة “انعدام الأمن الغذائي”، مقيّساً القدرة الاقتصادية على الوصول للغذاء، واستقرار هذا الوصول عبر الزمن، وجودة الغذاء المتاح. هذه الدقة المنهجية تحوّل النقاش من مستوى الانطباعات والخطابات العامة إلى مستوى المؤشرات القابلة للقياس والمقارنة والتحليل السببي. إنها تضع أساساً متيناً لعدالة القرار، حيث تُبنى السياسات والبرامج على تشخيص دقيق لموقع كل مشكلة وحجمها، وتُوجّه الموارد الشحيحة إلى حيث الحاجة الأكثر إلحاحاً. في هذا الإطار، يصبح المسح ليس أداة رصد فحسب، بل أداة محاسبة ومراجعة لماضي السياسات واختباراً لمصداقية الحلول المستقبلية.
بين مؤشّرات الانتعاش وجذور الهشاشة الهيكلية
يقدّم تحليل المؤشرات الاقتصادية الكلية صورةً تحمل في طياتها بشرى وتحذيراً في آنٍ. فمن ناحية، تُعد الزيادة الكبيرة في وسطي دخل الأسر بنسبة 29.1%، والمدفوعة أساساً بزيادة الرواتب والأجور بنسبة 200%، إلى جانب الانخفاض اللافت في أسعار الغذاء بنسبة 51%، إنجازاتٍ ملموسةً في سياسة الدخل والأسعار لعام 2025. هذه المؤشّرات تُترجم إلى تحسّن فوري في القوة الشرائية لملايين الأسر. لكن الرواية لا تكتمل هنا. فالثبات النسبي في وسطي الإنفاق على الغذاء، الذي ارتفع بنسبة 1.3% فقط، يكشف عن قصة أعمق. إنه يشير إلى هشاشة وهُوية عميقة في الثقة الاقتصادية لم تُصلحها الزيادة النقدية وحدها. يُرجّح أن جزءاً كبيراً من الدخل الإضافي قد ذهب لسداد ديون متراكمة، أو لمواجهة احتياجات أساسية مُؤجلة في القطاع الصحي والتعليمي بعد سنوات من الإهمال، أو أنه تحوّل إلى مدخرات احترازية في ظل ذاكرة جماعية مليئة بالتقلبات الاقتصادية الحادة. هذا يُظهر أن التعافي الاقتصادي الحقيقي يتطلب أكثر من تعديلات نقدية؛ فهو يحتاج إلى إصلاحات هيكلية طويلة الأمد تعيد بناء القطاعات الإنتاجية، وتوفر فرص عمل مستدامة، وتستعيد ثقة المواطن بقدرة اقتصاده على المنافسة وتأمين مستقبل مستقر له ولأبنائه.
التفاوت الجغرافي: تشريح لسوء العدالة
يُجسّد التفاوت الجغرافي الحاد في مؤشّرات الأمن الغذائي أبشع صور الإرث المتراكم للسياسات المركزية والمُجحفة التي حكمت لسنوات. الفجوة السحيقة بين محافظة طرطوس (29.9% أمن غذائي)، حيث يتجاوز متوسط الدخل الوطني بـ 37.8%، ومحافظة الرقة (4.2% أمن غذائي)، حيث يقل الدخل عن الوطني بـ 46.9%، ليست حادثة عابرة. إنها محصلة منطقية لعقود من التوزيع غير العادل للاستثمارات التنموية والبنى التحتية والخدمات العامة، حيث تمت تغذية المركز ومدنه الكبرى على حساب تخوم البلاد وأريافها. هذه الهوة تتكرر، وإن بدرجات متفاوتة، عبر الخريطة السورية: الحسكة (4.6%)، السويداء (5.4%)، درعا (9.4%)، إدلب (8.2%)، حلب (8.2%). في المقابل، تحافظ المناطق ذات النمو الاقتصادي التقليدي أو القريبة من المركز على نسب أفضل: ريف دمشق (27.6%)، دمشق (21.9%)، يرتبط هذا التباين ارتباطاً عضوياً بمستوى الاستقرار الأمني والخدمي والاقتصادي، مما يخلق حلقة مفرغة: غياب الاستثمار يؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية، مما يغذي السخط وعدم الاستقرار، والذي بدوره يُستخدم مبرراً لاستمرار إهمال المنطقة. هذا التشريح يثبت أن معالجة انعدام الأمن الغذائي تستلزم، قبل أي شيء، سياسة تصالحية مع الجغرافيا، تعترف بهذا الظلم التاريخي وتعمل على تصحيحه من خلال خطط تنموية إقليمية ومحلية وعادلة.
مصادر الدخل: مفارقة الاستقرار الشكلي والمرونة الواقعية
يكشف تحليل مصادر الدخل عن مفارقة عميقة تتحدى المفاهيم الاقتصادية التقليدية، فمصدر الدخل الأكثر استقراراً وشيوعاً، الرواتب والأجور (27% من الأسر)، يرتبط بأدنى نسبة أمن غذائي بين المصادر الرئيسية عند 15.7%. في المقابل، تسجل الأسر التجارية أعلى نسبة (34%)، تليها الأسر الزراعية المنتجة (32%)، ثم الأسر المعتمدة على الحوالات (28%). هذه المفارقة تكشف حقيقةً قاسية في الاقتصاد السوري: أن الاستقرار الشكلي للوظيفة الحكومية أو شبه الحكومية لم يعد يضمن شيئاً في وجه غلاء المعيشة وتآكل القيمة الحقيقية للرواتب. بينما تمنح المرونة والاتصال بالسوق، كما في حالة التجارة، أو السيطرة على مورد إنتاجي، كما في الزراعة الكبيرة، أو الوصول إلى عملة صعبة، كما في الحوالات، هامش مناورة وقدرة على التأقلم مع التضخم وتقلبات السوق. كما أن ارتفاع نسبة الأسر المعتمدة على الحوالات من 6.9% إلى 8%، مع تلقي 21.8% من الأسر لتحويلات نقدية في 2025، يؤشر إلى تحول خطير في بنية الاقتصاد الوطني نحو التبعية للخارج، مما يجعله رهينة للظروف السياسية والاقتصادية في دول الاغتراب. هذه الديناميكية تفرض إعادة نظر جذرية في سياسات سوق العمل والدعم، والتحول من اقتصاد الرواتب والريع إلى اقتصاد الإنتاجية والتنافسية.
هُويات متعددة للاستبعاد المنظم
تعكس البيانات أنماطاً منهجية للاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي، حيث تتراكم عوامل الهشاشة لتشكل مصائر جماعية. الأسر التي تعيلها نساء (12% أمن غذائي) تواجه تمييزاً ثلاثياً: في فرص العمل، في الأجور، وفي الأعباء الاجتماعية غير المدفوعة الأجر. الأسر ذات الأفراد ذوي الإعاقة (10.5%) تُحاصر بين نظرة اجتماعية تقليدية وغياب شبه كامل لسياسات الإدماج والتمكين الحقيقي. النازحون داخلياً (11%) يعيشون حالة من اللاانتماء، مفقودي الممتلكات وشبكات الدعم التقليدية. حتى حجم الأسرة يصبح لعنة في اقتصاد مكتوف الأيدي، حيث تنخفض القدرة على الصمود مع زيادة عدد الأفراد. وفي ذروة هرم المعاناة، تقبع أسر المخيمات عند 4.2%، في حالة من العوز الشامل الذي يمس الغذاء والماء والصحة. هذه النسب ليست مجرد أرقام لأشخاص “عفا عليهم الزمن”، بل هي دليل على فشل نظامي في السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي كان ينتهجها النظام السابق. إنها تصرخ بحاجة إلى مقاربة إنسانية شاملة تنتقل من منطق “الإغاثة” المؤقتة إلى منطق “التمكين” والاندماج، عبر قوانين عمل عادلة، وخدمات صحية وتعليمية داعمة، وبرامج إسكان وسكن لائق، واعتراف كامل بحقوق هذه الفئات وكرامتها الإنسانية.
محرّكات التنمية المُعطلة وحقول الأمل الممكنة
يُظهر المسح بشكل لا لبس فيه أن رأس المال البشري هو العامل الحاسم في معركة الأمن الغذائي. الفجوة الهائلة بين 43% للأسر التي يرأسها خريج دراسات عليا و7.1% للأسر التي يرأسها أمي (نسبة تزيد عن 35 نقطة مئوية) ليست فجوة في المعرفة فحسب، بل هي فجوة في فرص البقاء والكرامة. لقد تحول النظام التعليمي من أداة للحراك الاجتماعي الصاعد إلى آلة فرز طبقي، تحدد مقدّراً ما إذا كانت الأسرة ستكون ضمن الخُمس الآمن أم ضمن الأغلبية المتصارعة من أجل لقمة العيش. وبالتوازي، فإن الفرق الصارخ بين 42.6% للأسر التي ربها متفرغ للدراسة و10.3% للأسر التي يعيلها عاطل عن العمل، يضع البطالة في قلب المشكلة ليس بوصفها ظاهرة اقتصادية، بل باعتبارها حالة من الاغتراب الاجتماعي واليأس التي تفتت الروابط الأسرية والمجتمعية. هذا يفرض أولوية مطلقة على صُنّاع السياسات: إصلاح النظام التعليمي ليرتبط باحتياجات سوق العمل المستقبلية ويمنح مهارات حقيقية، وخلق فرص عمل منتجة في القطاعات الإنتاجية، واستهداف الشباب في المناطق المهمّشة ببرامج تدريب وتشغيل طارئة.
الجوع الخفي وأجيال من الهشاشة
يتجاوز التحدّي في سورية اليوم مسألة “الجوع المطلق” إلى آفة أكثر خفاءً وتدميراً على المديين، المتوسّط والطويل: سوء التغذية ونقص التنوع الغذائي. حقيقة أن 39.6% فقط من الأسر تتمتع بتنوع غذائي جيد، بينما تنهار النسبة إلى 14% في المخيمات، هي جرس إنذار صحي وطني. إنها تعني أن أغلبية السوريين، خاصة الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، لا يحصلون على الفيتامينات والمعادن والبروتينات الكافية للنمو السليم والعقل السليم ومناعة قوية. ارتفاع نسبة التنوع الغذائي المنخفض إلى 26.8% في المخيمات يعني أننا أمام جيل كامل مُهدد بالتقزم الجسدي والفكري، وأمراض مزمنة ستثقل كاهل النظام الصحي لسنوات قادمة. هذه الأزمة “الهادئة” تتفاقم بسبب سياسات الدعم الغذائي التقليدية التي تركز على توفير السعرات الحرارية الرخيصة (كالطحين والسكر) على حساب المواد المغذية (كالبروتينات والخضراوات). إن معالجتها تتطلب ثورة في التفكير: التحول إلى دعم الإنتاج المحلي للخضار والفواكه والبقوليات والدواجن، وبرامج التوعية الغذائية، وإدماج مقاييس الجودة التغذوية في برامج المساعدات.
وعندما تلجأ 38% من الأسر إلى استراتيجيات تأقلم مرتبطة بالأزمات، و19.6% إلى تأقلم مجهد، فإنها لا “تتأقلم”، بل تبيع مستقبلها من أجل الحاضر. هذه الآليات – من بيع الأصول الإنتاجية (مثل الأدوات أو الحيوانات)، أو سحب الأطفال من المدارس للعمل، أو إنفاق المدخرات القليلة، أو الاعتماد على القروض بفوائد فاحشة – هي حلول سامة. إنها تحوّل الأزمة المؤقتة إلى فقرٍ مزمن. العلاقة العكسية الواضحة (حيث ترتفع نسبة الإنفاق على الغذاء من الدخل كلما ازداد انعدام الأمن الغذائي) تخلق حلقة مفرغة من التدهور: الأسرة الفقيرة تنفق كل دخلها على الطعام، فلا تستطيع الادخار أو الاستثمار في التعليم أو الصحة، مما يجعلها أكثر فقراً وضعفاً أمام الصدمة التالية. كسر هذه الحلقة يتطلب أكثر من المساعدات العينية. إنه يتطلب شبكات أمان اجتماعي فعّالة تحول دون اضطرار الأسرة إلى اتخاذ هذه القرارات المدمرة، مثل برامج التحويلات النقدية المشروطة بالحفاظ على الأطفال في المدارس، أو صناديق الائتمان الصغير للإنتاج، أو التأمين الصحّي المجتمعي. الحماية هنا لا تعني العطاء، بل تعني منع الانهيار.
من تشخيص الواقع إلى هندسة التغيير
ليست أرقام هذا المسح نهاية للمسار، بل هي نقاط انطلاق لإعادة هندسة السياسات. كل نسبة مئوية تحمل في ثناياها برنامجاً عملياً مطلوباً. فلننظر إلى هوة التفاوت الجغرافي بين محافظة كطرطوس (29.9%) وأخرى كالرقة (4.2%). هذا الفارق السُّباعي ليس حتمية جغرافية، بل هو نتيجة سياسات سابقة. وهو يفرض اليوم سياسة تعويضية مكانية طارئة. لا يمكن معالجة هذا الخلل ببرامج موحدة. يجب إطلاق حزمة استثمارية استثنائية للمحافظات الأقل حظاً (الرقة، الحسكة، السويداء، إدلب، درعا)، تركز على إعادة بناء البنى التحتية الزراعية والري، ودعم المشاريع الصغيرة المرتبطة بالموارد المحلية، وخلق مراكز لوجستية لتسويق المحاصيل. يجب أن تكون نسبة التمويل لهذه المناطق متناسبة عكسياً مع مؤشر الأمن الغذائي فيها، وفق مبدأ التمييز الإيجابي لتصحيح التفاوت التاريخي.
أما مفارقة مصادر الدخل، حيث أدنى نسبة أمن غذائي هي بين معتمدي الرواتب والأجور (15.7%)، فتطرح سؤالاً عن جدوى “الاستقرار الوظيفي” في اقتصاد منهار. هذا يستدعي إصلاحاً هيكلياً لسياسات الدخل والأجور. يجب ربط الزيادات بالأجور الحقيقية والقدرة الشرائية، وليس بمعدلات تضخم وهمية. في المقابل، النسب المرتفعة لدى الأسر التجارية (34%) والزراعية المنتجة (32%) تشير إلى أن مرونة الاقتصاد الحقيقي هي طريق النجاة. لذا، يجب تحويل السياسة الاقتصادية من دعم القطاعات الاستهلاكية والخدمية غير المنتجة، إلى دعم مُوجّه للإنتاجية في الزراعة والصناعات التحويلية الصغيرة والحرفية، مع تسهيل الحصول على القروض والإعفاءات الضريبية لهذه القطاعات.
وبالنظر إلى هشاشة الفئات المستضعفة – المخيمات (4.2%، الأسر التي تعيلها نساء (12%)، ذوو الإعاقة (10.5%) – نجد أن سياسات الدعم العام الشامل قد فشلت في الوصول إليهم. الحل هو استهداف ذكي متعدد الأبعاد. لمخيمات اللجوء والنزوح، لا بد من خطة وطنية ترتقي من “إدارة الأزمة” إلى “حلّها”، عبر برامج إسكان وسكن لائق مدعوم، وإدماج الخدمات في المجتمعات المضيفة. وللنساء المعيلات وذوي الإعاقة، يجب تطوير برامج تحويلات نقدية مشروطة أو غير مشروطة مُصممة خصيصاً، مقترنة بتدريب مهني وتسهيلات لإنشاء مشاريع صغيرة تتلاءم مع ظروفهنّ وقدراتهنّ.
إن الفجوة التعليمية الهائلة بين خريجي الدراسات العليا (43% أمن غذائي) والأميين (7.1%) تحدد أولوية قصوى: تحويل التعليم من أداة فرز طبقي إلى جسر للإنقاذ. هذا يتطلب إعادة توجيه الإنفاق لضمان جودة التعليم الأساسي والمجاني في كل المناطق، وتطوير برامج محو أمية للكبار مقترنة بتدريب مهني سريع يدر دخلاً. كما أن ربط البطالة (10.3% فقط أمن غذائي) بانعدام الأمن الغذائي يوجب تحويل برامج التشغيل المؤقتة إلى استثمار في مشاريع بنية تحتية عمالية كثيفة تُعيد إحياء القطاعات الاقتصادية وتوفر وظائف دائمة.
أزمة التنوع الغذائي المنخفض (11.6% وطنياً، 26.8% في المخيمات) تكشف عن خلل في سلة الدعم الغذائي. يجب إعادة هيكلة برامج الدعم والإعانات. بدلاً من التركيز على دقيق الخبز والمواد الأساسية فقط، يمكن توجيه جزء من الدعم نحو الإنتاج المحلي للخضار والبيض والدواجن، وإنشاء برامج “قسائم التغذية” التي تمكن الأسر من شراء أغذية طازجة ومتنوعة من الأسواق المحلية، مما ينشط الاقتصاد المحلي ويحسن الصحة العامة.
أخيراً، استراتيجيات التأقلم المدمرة التي تلجأ إليها 38% من الأسر، تُظهر أن النظام الوقائي الاجتماعي غير موجود. يجب بناء شبكة أمان اجتماعي فعالة تمنع الأسر من الانهيار. يمكن أن يشمل ذلك صناديق ادّخار وتأمين مجتمعية، وخطوط ائتمان صغير للطوارئ بدون فوائد، وبرامج “عمل مقابل غذاء” تركز على مشاريع تنموية تخدم المجتمع.
هذه السياسات ليست طموحات نظرية، بل هي استجابات إلزامية مُستخلصة مباشرة من لغة الأرقام. تحقيقها يتطلب إرادة سياسية تضع مؤشر الأمن الغذائي في صلب تقييم أداء كل محافظة وكل وزارة، وتجعل من تقرير المسح هذا خريطة طريق قابلة للمحاسبة، ومرجعاً سنوياً لقياس التقدم أو التراجع في أعقد ملف إنساني واجتماعي يواجه سورية اليوم.
الأمن الغذائي سؤالاً وجودياً
يظل الرقم الوطني البالغ 18.4% رقماً مجرداً، حتى نذكر الملايين التي تعيش في هوة الـ 81.6%. إنه الرقم الذي يجب أن يقودنا، ليس إلى الاطمئنان، بل إلى الاستفهام الأعمق: ماذا يعني أن تكون أسرة آمنة غذائياً في سورية اليوم؟ هل يعني ذلك أن طفلها لا ينام جائعاً في الرقة (4.2%)؟ أم أنها تستطيع في المخيمات (2%) تأمين وجبة متنوعة لا تقتصر على الخبز والشاي؟ لقد حوّل هذا المسح الواقع الملموس إلى بيانات قابلة للقياس، وأصبحت هذه البيانات لغة مشتركة يمكن أن تحاسب عليها الحكومات والمؤسسات، وتستند عليها المجتمعات في المطالبة بحقوقها.
إن قيمة هذه الوثيقة لا تنبع من دقة أرقامها فحسب، بل من قدرتها على رسم خريطة واضحة للمسؤولية. فهي تضع تقريراً بين يدي صانع القرار في العاصمة، يظهر له أن السياسات الموحدة لن تجدي ما دام الفارق بين طرطوس (29.9%) والحسكة (4.6%) يشبه الفارق بين عالمين. وهي تقدم للباحث والمنظم الإنساني أدلة ملموسة على أن التركيز على التعليم والعمل هو الاستثمار الأجدى، عندما نرى أن بطالة رب الأسرة تقترن بنسبة أمن غذائي لا تتجاوز 10.3%. وهي تذكر الجميع بأن الأزمة الأكثر خطورة قد تكون تلك الهادئة: أزمة جودة الغذاء، حيث يعاني أكثر من 60% من السوريين نقصاً في التنوع الغذائي، مما يهدد صحة أجيال قادمة.
لذا، يجب أن يكون الطريق الذي يبدأ من هذا التقرير طريقاً عملياً ومحاسَباً؛ طريقاً يعطي الأولوية القصوى لرفع النسبة في المحافظات الأكثر معاناة، من خلال استثمارات طارئة ومحددة، وطريقاً يعيد تعريف سياسات الدعم والزراعة والتشغيل، بحيث تصب مباشرة في زيادة إنتاجية الأسرة وقدرتها على الصمود، وطريقاً يضع في قلبه إنهاء مأساة الفئات الأكثر هشاشة، بدءاً من سكان المخيمات الذين تحولوا إلى رقم في إحصاء، إلى رقم في خريطة الأمل.
إن تحويل هذه الأرقام إلى واقع أفضل مهمة شاقة، لكنها ممكنة. وهي تبدأ، كما بدأ هذا التقرير، بالشجاعة في رؤية الواقع كما هو، وتستمر بالإصرار على أن يكون غد السوريين، في كل قرية ومدينة ومخيم، أفضل من يومهم. هذا هو التحدي، وهذه هي الفرصة التي تقدمها صفحات هذا المسح.
العربي الجديد
—————————-
على المدى القصير.. ما التداعيات الاقتصادية المحتملة للحرب ضد إيران بالنسبة لسوريا؟/ عبد العظيم المغربل
مارس 4, 2026
لا يحتاج الاقتصاد السوري إلى صدمة كبيرة كي يختلّ توازنه، لأن المشكلة لم تعد فقط في حجم الأزمات التي يواجهها، إنما في هشاشة القاعدة التي يستند إليها أصلاً، لذلك فإن التصعيد العسكري الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يُقرأ أيضاً كعامل اقتصادي مباشر يمكن أن ينتقل سريعاً إلى السوق المحلية عبر قطاعات الطاقة، والنقل، وسعر الصرف، والاستيراد، وسلوك التجار والمستهلكين.
في الاقتصادات الأكثر تماسكاً، قد تستغرق الصدمات الخارجية وقتاً قبل أن تنعكس على الداخل، أما في سوريا فإنها تميل إلى الظهور بسرعة أكبر، لأن الاعتماد على الاستيراد مرتفع، وهوامش الأمان المالية محدودة، والقدرة على امتصاص الارتفاع المفاجئ في الكلف ضعيفة، لذلك يمكن قياس أثر الحرب بما إذا كانت سوريا، لكونها على اتصال مباشر بسلاسل الطاقة والتجارة والتمويل، تتأثر فوراً بأي اضطراب إقليمي.
الطاقة أول من تأثر بالصدمة
أول ما يتأثر عادةً في أي مواجهة إقليمية واسعة هو ملف الطاقة، لأن النفط والغاز لا يتحركان فقط وفق العرض والطلب، بل أيضاً وفق تقديرات الخطر، وبالنسبة لسوريا، فإن هذا العامل أكثر حساسية من غيره، لأن الكهرباء والوقود ليسا قطاعاً عادياً يمكنه استيعاب تقلبات السوق بسهولة، بل نقطة اختناق يومية تمسّ النقل، والإنتاج، والتدفئة، والزراعة، والخدمات.
وقد ظهرت هذه الحساسية بالفعل مع إعلان وزارة الطاقة السورية، في 2 آذار 2026، خفض ساعات التغذية الكهربائية نتيجة تراجع واردات الغاز الطبيعي من الأردن، مع الإشارة إلى أن تدفقات الغاز توقفت أحياناً بسبب التصعيد الإقليمي، ما أدى إلى تعذر استمرار التوريد وفق الترتيبات السابقة، كما أن هذا التطور جاء بعد أسابيع فقط من توقيع اتفاق توريد الغاز بين سوريا والأردن في 26 كانون الثاني 2026 لدعم الشبكة الكهربائية السورية، ما يعني أن أي اضطراب في هذا المسار ينعكس سريعاً على التغذية الكهربائية.
وهنا لا يبقى أثر الحرب محصوراً في نقص الكهرباء نفسه، لأن تراجع التغذية يدفع الأسر والمنشآت إلى بدائل أعلى كلفة، مثل المولدات والوقود التجاري، ويزيد كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي، ومع أي ارتفاع موازٍ في أسعار النفط أو رسوم النقل، يصبح الضغط مضاعفاً من خلال كلفة أعلى للطاقة وتخديم أقل، وهو ما يخلق بيئة تدفع الأسعار إلى الصعود حتى قبل ظهور نقص فعلي في السلع.
حين ترتفع كلفة الطاقة، ينتقل الأثر إلى الاقتصاد كله؛ قطاع النقل يصبح أغلى، والتبريد والتخزين أغلى، وتشغيل الورش والمصانع أغلى، وتوزيع السلع بين المحافظات أكثر كلفة، وهذا ما يجعل الحرب الإقليمية في الحالة السورية مولداً سريعاً للتضخم، لا لأن كل السلع ستنقطع فوراً، بل لأن السوق ستعيد تسعير المخاطر قبل أن تعيد تسعير الكلفة الحقيقية، فالتاجر الذي يتوقع ارتفاع أجور الشحن، أو تأخر الشحنة، أو صعوبة تأمين الدولار، سيميل إلى رفع السعر مبكراً لحماية هامشه، والمستهلك الذي يتوقع موجة غلاء جديدة قد يندفع إلى الشراء المبكر، ما يضيف ضغطاً إضافياً على السوق.
وفي مثل هذا السياق، يتحول التضخم إلى موجة أوسع تمتد إلى الغذاء والدواء والمواد الأساسية، وتضغط أكثر على القدرة الشرائية، خاصة مع محدودية الدخل وتآكل الأجور، وهكذا تتحول الحرب الخارجية، حتى إن بقيت خارج الحدود السورية، إلى ضغط معيشي داخلي محسوس في تفاصيل الحياة اليومية.
سعر الصرف مرآة للقلق الاقتصادي
تنعكس الصدمات الإقليمية في سوريا بسرعة على سوق القطع، لأن سعر الصرف لا يتحرك فقط وفق المؤشرات الاقتصادية الصلبة، إنما أيضاً وفق مستوى الثقة والقلق والتوقعات، وفي أوقات التوتر، يرتفع الميل إلى الاحتفاظ بالدولار بوصفه ملاذاً أكثر أماناً، خصوصاً عندما تتزايد التوقعات بارتفاع فاتورة الاستيراد أو تعثر الإمدادات أو اضطراب التحويلات.
وتشير مؤشرات السوق المتداولة في مطلع آذار 2026 إلى تداولات قرب مستوى 11,760–11,800 ليرة للدولار في السوق الموازية، وهي مستويات تعكس أصلاً هشاشة سعر الصرف حتى قبل تبلور كامل آثار التصعيد، وعندما يُضاف إلى ذلك ارتفاع كلف الطاقة والشحن، يصبح الضغط على الليرة أقوى، لأن كل ضعف جديد في سعرها يرفع بدوره كلفة السلع المستوردة ويغذي التضخم مرة أخرى.
لهذا، فإن الخطر في المدى القصير لا يكمن فقط في انخفاض جديد محتمل في قيمة الليرة، إنما في الحلقة المتكررة التي تربط بين القلق، وارتفاع الطلب على الدولار، وارتفاع الأسعار، ثم تراجع إضافي في الثقة، وهذه الحلقة من أكثر ما يرهق الاقتصاد السوري، لأنها تنقل الصدمة من حدث إقليمي إلى سلوك يومي داخل الأسواق.
التجارة وسلاسل الإمداد
إذا كانت الطاقة هي القناة الأسرع للتأثر، فإن التجارة هي القناة الأوسع، فحتى لو لم تتوقف السلع مباشرة، فإن اضطراب الملاحة وارتفاع مخاطر الشحن يرفعان الكلفة، ويطيلان زمن الوصول، ويزيدان عدم اليقين بالنسبة للمستوردين، وسوريا، التي تعتمد على الاستيراد في جزء مهم من احتياجاتها، تتأثر هنا بأسعار السلع نفسها وبتكلفة إيصالها.
وأظهرت التطورات الأخيرة أن هذا الخطر لم يعد افتراضياً؛ إذ أفادت رويترز في 2 آذار 2026 بأن نحو 10 بالمئة من أسطول الحاويات العالمي كان عالقاً قرب مضيق هرمز بعد اضطرابات مرتبطة بالتصعيد، مع توقف حجوزات شحن إلى الشرق الأوسط وازدحام متزايد في الموانئ، فيما أشارت تقارير أخرى إلى تعليق أو تحويل مسارات سفن حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر المسارات المعتادة، وهذه التغيرات تعني كلفة شحن أعلى، وتأميناً أعلى، وتخطيطاً أكثر صعوبة للمستوردين.
وبالنسبة للسوق السورية، فإن ذلك ينعكس على مستويين: الأول في أسعار السلع المستوردة الجاهزة، والثاني في كلفة المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج الداخلة في الصناعة المحلية، وبذلك، حتى القطاعات التي تبدو محلية في ظاهرها قد تتأثر، لأنها تعتمد جزئياً على مدخلات أو قطع أو مواد قادمة من الخارج، ويُضاف إلى ذلك أن النقل البري مع الجوار، وخصوصاً عبر الأردن، كان أصلاً يمرّ بحساسية لوجستية وتنظيمية، وقد طالبت غرفة تجارة دمشق، عبر بيان، بإجراءات استثنائية بالفعل، ما يعني أن أي ضغط جديد على هذا المسار يزيد هشاشة حركة البضائع.
الرحلات الجوية وتعطّل الحركة الاقتصادية المرتبطة بها
لا تبدو الرحلات الجوية في الظاهر بنداً اقتصادياً يومياً مثل الوقود أو الخبز، لكنها في الواقع جزء من دورة أوسع تشمل السفر، والشحن الجوي، وحركة رجال الأعمال، والمرضى، والتحويلات المرتبطة بالتنقل، وحتى ثقة السوق نفسها، لذلك، فإن اضطراب الطيران يترك أثراً اقتصادياً غير مباشر، لكنه ملموس.
وقد أُعلن خلال الأيام الماضية عن تعليق رحلات الخطوط الجوية السورية حتى إشعار آخر، بالتوازي مع موجة أوسع من إلغاءات وتعليق رحلات في المنطقة، بما شمل شركات إقليمية ودولية ومسارات جوية متعددة، وهذا لا يعني فقط تعطيل السفر، إنما يضيف عنصراً جديداً من عدم اليقين، ويزيد كلفة التنقل، ويعقّد حركة الأفراد والبضائع التي تعتمد على المسار الجوي في بعض الحالات.
وفي اقتصاد متأثر أصلاً بضعف الربط المنتظم مع الخارج، يصبح أي تراجع إضافي في الاتصال الجوي عامل ضغط نفسي واقتصادي في آن واحد، لأنه يوسّع الإحساس بأن البلاد تعمل تحت كلفة أعلى، ومسارات أضيق، وهوامش حركة أقل.
التحويلات والمساعدات
لا يقوم الاقتصاد السوري على الإنتاج المحلي فقط، بل يعتمد بدرجة مهمة على التحويلات المالية من الخارج، وعلى تدفقات دعم ومساعدات متفاوتة الأشكال، في المدى القصير، قد لا تتوقف هذه التدفقات فوراً بسبب الحرب، لكنها قد تتأثر بفعل القلق، أو ارتفاع كلفة التحويل، أو إعادة ترتيب الأولويات المالية للأسر المقيمة في الخارج، أو انشغال الدول والجهات المانحة بملفات أمنية وعسكرية أكثر إلحاحاً.
ومن هنا، فإن أثر الحرب على هذا الجانب قد يكون أبطأ من أثرها على الوقود أو الشحن، لكنه يظل مهماً، لأن التحويلات بالنسبة لكثير من الأسر السورية جزء من التوازن المعيشي الأساسي، وأي تباطؤ فيها، حتى لو كان محدوداً، يعني ضعفاً إضافياً في القدرة على تحمّل الغلاء، وتراجعاً في قدرة السوق على امتصاص موجات الأسعار الجديدة.
بشكل عام، لا يُرجَّح أن يظهر أثر الحرب الإيرانية – الأميركية الإسرائيلية على الاقتصاد السوري في المدى القصير عبر انهيار مفاجئ أو تغيّر واحد منفصل، بل عبر سلسلة ضغوط متزامنة تبدأ بطاقة أقل استقراراً، وكلفة أعلى للوقود، وموجة تضخمية جديدة، وضغط متزايد على سعر الصرف، وشحن أبطأ وأغلى، وحركة جوية أكثر اضطراباً.
الخطر هنا ليس في كل عامل بمفرده، إنما في اجتماعها داخل اقتصاد محدود المناعة؛ فعندما تتراكم صدمة الطاقة مع صدمة النقل مع صدمة التوقعات، يصبح السوق أكثر قابلية لرفع الأسعار، وتصبح الليرة أكثر حساسية للقلق، وتصبح معيشة الأسر أكثر هشاشة في فترة قصيرة، لذلك، فإن الحرب، إذا استمرت أو اتسع أثرها الإقليمي، قد لا تحتاج إلى وقت طويل كي تُنتج أثراً سلبياً واضحاً داخل سوريا، لأن الاقتصاد السوري لا يواجه فقط أزمة طارئة، إنما يستقبلها من داخل بنية ضعيفة القدرة على امتصاص الصدمات.
الثورة السورية
————————-
سوريا تسابق الوقت: مجلس أزمة اقتصادي لمواجهة الحرب الإقليمية/ هناء غانم
الأربعاء 2026/03/04
في قلب الأزمة الإقليمية والحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تتصاعد المخاوف المتعلقة بالإمدادات والطاقة واستقرار الأسواق. وتبدو سوريا أمام اختبار اقتصادي دقيق، حيث تفرض التطورات المتسارعة قرارات استثنائية لا تحتمل التأجيل. فرغم الحاجة الملحة إلى إجراءات فورية، إلا أن فاعليتها تبقى مشروطة بإدارة ذكية للأزمة، قادرة على استشراف المخاطر قبل وقوعها.
ضرورة وطنية
هذه التطورات دفعت رجال أعمال وخبراء اقتصاد إلى توافق واضح على أن التحرك الاستباقي لم يعد خياراً، بل هو ضرورة وطنية، عبر تأسيس “مجلس أزمة اقتصادي” قادر على حماية الاقتصاد الوطني من الصدمات المحتملة.
وفي هذا السياق، لم تعد الحلول التقليدية كافية لمواجهة مشهد يتّسم بعدم اليقين، إذ يتطلب الواقع الراهن مجالس أزمة مرنة، وإجراءات عاجلة، وتحويطاً اقتصادياً استباقياً يضمن استمرارية الإنتاج واستقرار السوق.
تضاعف المخاطر
وبينما تتركز الأنظار عالميًا على التداعيات المحتملة لإغلاق مضيق هرمز وانعكاساته على الاقتصاد العالمي، تتضاعف المخاطر على الاقتصاد السوري بفعل اعتماده الكبير على الاستيراد وحساسية طرق الإمداد الإقليمية.
وفي هذا الإطار، دعا وزير المالية السابق عبد الحكيم المصري إلى تحصين الاقتصاد السوري من مخاطر لا تقتصر على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى اضطراب أو تأخر الإمدادات، لا سيما في حال توسع رقعة التوتر لتشمل الممرات البحرية أو البرية الحيوية أو تصاعد التوتر في أماكن اخرى .
في قراءة اقتصادية لهذا المشهد، ومن منظور أكاديمي، يرى المصري أن الحل يكمن في تحويط اقتصادي استباقي. فالتحرك المبكر أقل كلفة بكثير من معالجة أزمة بعد وقوعها. وتقوم أولويات التحصين الاقتصادي وفق المصري على:
– تعزيز المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية، القمح والحبوب، المواد الغذائية الأساسية والأدوية.
– تنويع الاستيراد عبر عدم الاعتماد على مسار واحد، مع تكثيف التوريد عبر المعابر الأكثر استقراراً، خصوصا من تركيا ودول بعيدة عن مناطق التوتر.
– دعم الإنتاج المحلي عبر تحفيز الزراعة والصناعات الغذائية والسلع الاستهلاكية.
– ضبط الأسواق ومنع الاحتكار عن طريق منع التخزين والمضاربة، وضمان توفر السلع وعدم انقطاعها.
ويشدد الوزير السابق على أن استمرارية تدفق المواد الأساسية أهم من تثبيت الأسعار، مؤكداً أن التحرك المبكر هو الضمان الفعلي لاستقرار الاقتصاد..
مجلس الأزمة لضمان تدفق الإمدادات
في حديث خاص لـ”المدن”، يضع عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق النقاط على الحروف، مشيراً إلى أن تأسيس مجلس أزمة اقتصادي مركزي ومرن يمثل خطوة أساسية في هذا الظرف الاستثنائي، فالحرب واضحة في بدايتها، لكن لا أحد يعرف متى تنتهي، لذلك علينا التفكير بسرعة وحسم لتحديد نقاط القوة والضعف في اقتصادنا.
بالتوازي، لا يكتمل المشهد من دون التشاركية مع قطاع الأعمال لتسهيل التوريد والتصدير وضمان استمرار الإنتاج، خصوصاً في القطاعات الغذائية والصحية، التي تشكل الأولوية القصوى لحياة المواطنين واستمرار الصناعات المحلية. فأي مادة مصنعة تعتمد على عدة مكونات، وأي خلل في أحدها يؤدي إلى توقف عجلة الإنتاج أو انخفاض جودة المنتج النهائي. وجود مجلس سريع الاستجابة أمر ضروري للحفاظ على استقرار السوق.
إجراءات عاجلة
وضمن إطار السعي للحفاظ على الإمدادات، يقترح الحلاق عدة إجراءات عملية، أبرزها وقف تصدير الأغنام مؤقتًا لتلبية الاحتياجات المحلية، وزيادة استيراد الدجاج لتغطية الطلب دون تعطيل الإنتاج المحلي، وإعادة تشغيل أساطيل النقل البري بسرعة أكبر لتسهيل حركة البضائع، بالإضافة إلى تطوير بدائل للنقل البري باستخدام سيارات ومعدات حديثة والبحث عن بدائل للموانئ التقليدية مثل اللاذقية ولبنان والعقبة لتجنب أي ضغوط إضافية وتأمين الغذاء والدواء في حال استمرار الحرب لفترة طويلة لضمان استمرار الإنتاج الصناعي.
ويؤكد الحلاق أن مجلس الأزمة الاقتصادي يجب أن يكون منصة لتلقي ومعالجة أي معوقات أو أفكار لتحسين أداء الاقتصاد وفق منهجية السوق والتفكير الاقتصادي الواقعي. وتسريع إعادة تشغيل أساطيل النقل البري، وتطوير بدائل حديثة للنقل، إضافة إلى البحث عن بدائل للموانئ التقليدية مثل اللاذقية ولبنان والعقبة، وتأمين الغذاء والدواء في حال استمرار الحرب لفترة طويلة.
ضمان المرونة الصناعية
على المقلب الآخر، يؤكد الصناعي باسم العلبي لـ”المدن” أن الظرف الراهن يتطلب حلولاً تتجاوز المبادرات الفردية، عبر تشكيل مجلس إدارة أزمة اقتصادي صناعي يضم الحكومة والصناعيين والتجار. ويرى أن هذا المجلس سيكون منصة لتنسيق القرارات السريعة وضمان مرونة تشغيل المصانع واستمرارية الإنتاج في القطاعات الحيوية.
ويحذر العلبي من أن أي نقص في المواد الأولية أو توقف في خطوط الإنتاج يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والصناعي، معتبراً أن وجود مجلس مركزي قادر على تنظيم الاستيراد وإعادة توزيع الموارد وتطوير بدائل النقل والموانئ يمثل الحل الأمثل لمواجهة الصدمات الاستثنائية بطريقة منظمة وفعالة.
توافق الرؤى… والضرورة الوطنية
وبناءً على قراءة تحليلية أوسع، يجمع خبراء الطاقة والمحللون الاقتصاديون على أن مجلس الأزمة الاقتصادي يجب أن يكون منصة مرنة وسريعة الاستجابة لتلبية احتياجات السوق والصناعة والتجارة، وقناة لمعالجة المعوقات وفق منهجية السوق والتفكير الاقتصادي الواقعي، مع ضمان استمرار تدفق المواد الأساسية.
في الخلاصة، لم يعد تشكيل مجلس إدارة أزمة اقتصادي مركزي وفعال خياراً قابلًا للنقاش، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية الأمن المعيشي واستقرار المجتمع في ظل ظروف إقليمية شديدة التقلب
—————————-
=================
تحديث 03 أذار 2026
—————————-
مخاضات التنمية المؤلمة من الفقر إلى الرفاه.. بين سنغافورة وسوريا/ أسامة القاضي
مارس 3, 2026
نهضة سنغافورة استغرقت نحو 30–35 سنة لتنتقل من دولة فقيرة خارجة من صدمة الانفصال (1965) إلى دولة متقدمة ذات دخل مرتفع في نهاية التسعينيات، ثم 25 سنة إضافية لترسّخ موقعها بين أقوى اقتصادات العالم.
فقد ارتفع ناتج دخلها القومي من 2 مليار دولار عام 1970 (نفس ناتج الدخل القومي لسوريا 2024) إلى 502 مليار دولار عام 2025، وكذلك حصة الفرد السنغافوري من ناتج الدخل القومي كان عام 1965 500 دولار فقد، وارتفع إلى 13 ألفاً عام 1990، وإلى 56 ألف عام 2015، والمتوقع أن يتجاوز 96 ألف دولار عام 2040.
كان مخاض ولادة سنغافورة مؤلماً، فالانفصال عن ماليزيا لم يعنِ فقدان سوق مشتركة فحسب، بل فقدان منطقة نفوذ رئيسية، وقد أدى الصراع الإندونيسي إلى قطع الاتصال مع المناطق الجنوبية لسنغافورة، مما زاد من تقويض دور الدولة الوليدة التقليدي كمركز تجاري حيوي للمنطقة، وهي بالمناسبة أصغر دولة في جنوب شرق آسيا، وهي تتكون من 63 جزيرة تبلغ مساحتها 697 كيلومتراً مربعاً.
لم تكن تملك في عام 1965 أي موارد طبيعية، ولا مناطق داخلية، ولا صناعة، بل كانت تعتمد على العالم الخارجي، ليس فقط في الغذاء والطاقة، بل حتى في الماء! ولعل في هذا ما يشبه الوضع في سوريا.
بخلاف وضع سوريا، في أول سنتين لم تقم سنغافورة بأي تغيير حقيقي؟ لقد استغرقت المرحلة الأولى من نهوض سنغافورة عشرة سنوات ما بين 1965 و1975 من أجل تأسيس دولة ناهضة على أسس متينة، حيث كانت دولة بلا موارد طبيعية، وذات بطالة مرتفعة، وفقر مدقع، وتوترات عرقية، وكأن وضعها يشبه وضع سوريا بعد التحرر من ربقة النظام البائد منذ 14 شهراً. كانت السنوات العشر الأولى ترّكز على بناء مؤسسات الدولة وفرض سيادة القانون، وجذب الصناعات الخفيفة، وإسكان الفقراء.
بحلول أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، شهدت سنغافورة ظهور تجمعات قوية في قطاعات الإلكترونيات ذات القيمة المضافة العالية، والبتروكيماويات، وهندسة المكونات والهندسة الدقيقة. وفي ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت سنغافورة المنتج الرائد عالمياً لمحركات الأقراص الصلبة، وهي شكل مبكر من أشكال تخزين الذاكرة المستخدمة في أجهزة الكمبيوتر آنذاك.
يمكن وصف العقدين الأولين من تاريخ سنغافورة الاقتصادي بمرحلة الانطلاق، فقد شهدت هذه الفترة ترسيخ الأسس الاقتصادية المتمثلة في إدارة مالية عامة رشيدة، وسياسات نقدية سليمة، وعلاقات صناعية تعاونية، وانفتاح على العالم، واستراتيجيات قائمة على السوق، ونما الاقتصاد بمعدل 10% سنوياً خلال هذه الفترة، وبرزت سنغافورة كدولة صناعية حديثة في طليعة الدول النامية.
سنغافورة نجحت لأنها جعلت الدولة آلة تنفيذ شفافة، وشجعت الادخار، وطورت سياساتها الخاصة بالإسكان، ونهضت بالطرقات واللوجستيات والموانئ والمطارات، وعملت على رفع سوية التعليم وتهيئة بيئة لاستقطاب الأعمال.
التنمية تشبه الموجة التي تأتي بشكل أفقي وليس بشكل نتوءات تنموية في قطاع واحد أو جهة واحدة، فكل جسد سنغافورة يكبر ويتطور معاً دون إهمال قطاع لحساب آخر، وسوريا بعد التحرير تحتاج نفس المنطق بعد تمكين الدولة والأمن والأمان. لابد من سيادة القانون ووضوح قواعد التحكيم وسرعة الفصل في النزاعات القانونية، والأهم سرعة إنفاذ العقود، وتحكيم مؤسسي، وتفعيل مؤشرات الحوكمة ومحاولة قياسها محلياً بشكل دوري للتأكد من التحسن الحاصل في أداء الحكومة، والتعاون مع منظمات عالمية للتقييم الدولي.
هذا يحتاج حرباً حقيقية ضد الفساد من خلال الرقابة والرقمنة والعقوبات الحاسمة، واللجوء لهيئة تدقيق مستقل، إضافة لهيكلية واضحة للحكومة. قانون الاستثمار 114 أشار لسياسة النافذة الواحدة، وهذا يجب ألا يكون شعاراً بل خطوات عملية في تسريع استصدار التراخيص والبيروقراطية الصفرية، وذلك يمكن أن يتم عبر فتح فروع لهيئة الاستثمار في 14 محافظة ويكون من ضمن الموظفين ممثلين عن مديرية التجارة الداخلية المسؤولة عن استصدار التراخيص، وتكون كل الطلبات مرقمنة عبر تطبيق الكتروني ببساطة وسهولة، ويضاف للموظفين ممثلين عن البنوك المعتمدة في مديريات الاستثمار في كل محافظة فلا يحتاج المستثمر مغادرة المبنى لدفع الرسوم.
في مرحلة لاحقة، عندما يصل راتب الموظف أو العامل إلى 300 دولار يمكن العمل على تشجيع الادخار الموجه للسكن بحيث تضع الدولة نفس مقدار المبلغ المدّخر في حساب الشخص. فلو ادّخر 1000 ليرة ستضع الحكومة مقابلها ألف ليرة أخرى، وذلك من أجل تأمين سكن مناسب، وهو بمثابة صندوق ادخار وطني يبدأ بقطاع الدولة والقطاع المنظّم، حيث تخلق سياسة السكن هذه نوعاً من الاستقرار، وننتهي من السكن العشوائي، وتنخفض أسعار المساكن المتضخمة بشكل غير معقول، ويصبح المجتمع السوري عام 2035 لا يقل عن ثلثيه يملك مسكناً لائقاً بناء على حجم الادخار، ويتم تسليمه المسكن، ولو بقي عليه دفعات تستقطع بشكل شهري لدفع ما تبقى من أقساط.
هذه السياسة التي اتبعتها سنغافورة، حيث وضعت سياسة ادخار إجباري، إلى أن وصل نسبة مالكي مساكنهم في سنغافورة 91 %، فهل نستطيع في سوريا عام 2035 أن يصل عدد ملّاك المساكن 75%؟
المناخ الاستثماري الرائع في سنغافورة جذب أنظار المستثمرين في العالم، وحافظت على المركز السابع في العالم منذ عام 2013 حسب تقرير “مؤشر جاذبية بلد الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي 2020″، وارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية من 5 مليارات دولار عام 1990 إلى 159 مليار دولار عام 2023، وشهد رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع الشركات بسنغافورة نمواً مطرداً خلال الفترة من 2020 إلى 2024، ليصل إلى 3.130 تريليون دولار.
علينا في سوريا أن نحذو حذو سنغافورة ليس فقط في تهيئة البيئة الاستثمارية، بل أيضاً في إدراك أهمية الجغرافيا، فقد كانت الجغرافيا في سنغافورة ميّزة لوجستية عالمية. علينا ربط المناطق الصناعية بالموانئ والمطارات، وتقليص زمن التخليص الجمركي عبر تطبيقات إلكترونية تنهي البيروقراطية وتقلل تكلفة الشحن الداخلي.
كل ما سبق يضاف إليه العناية بالثروات البشرية السورية، ورفع كفاءة التعليم الفني من أجل توفير عمالة ماهرة، والتي بدورها تجذب المستثمرين الصناعيين الذين يبحثون عن الكفاءة والإنتاجية، كما حدث في سنغافورة وفيتنام وغيرها من الدول الناهضة، خاصة إذا ترافقت مع قوانين حماية الملكية ومناطق صناعية وحرة في 14 محافظة وقوانين تحكيم شفافة وسهلة
مخاضات الولادة الصعبة لجمهورية سوريا الثالثة لا يمكن استعجالها، ولا شك أنها تأخذ أكثر من سنتين، وأخذت من سنغافورة أكثر من خمسة سنوات، وقديماً قالوا “من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه”. هي الفرصة الذهبية للأمة السورية التي ستفرح، بحول الله، بولادة مولودها الوازن اقتصادياً وبشرياً بعد ستة عقود من العذابات.
الثورة السورية
—————————-
سوريا تنفي وجود نقص في المشتقات النفطية
نفت وزارة الطاقة السورية وجود أي نقص في المشتقات النفطية حاليا، في ظل الحرب الإسرائيلية الروسية على إيران، وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وقالت الوزارة في بيان -اليوم الثلاثاء- إنه “لا يوجد في الوقت الحالي أي نقص في المشتقات النفطية داخل سوريا، سواء البنزين أو المازوت أو الغاز المنزلي”.
وأضافت أن المصافي مستمرة في أداء مهامها بشكل طبيعي، وأن عقود استيراد النفط الخام قائمة عبر القنوات المعتمدة، في حين يتم تكرير الكميات وفق البرامج المعتادة، والمخزون التشغيلي ضمن الحدود الآمنة.
وبينت الوزارة أن الازدحام الذي شهدته بعض محطات الوقود خلال الساعات الماضية ناتج عن ارتفاع غير مسبوق في حجم الطلب.
وبحسب الوزارة، تجاوزت نسبة المبيعات 300% مقارنة بالمعدل اليومي الطبيعي نتيجة التخوف من التطورات الإقليمية وانتشار الشائعات، وليس بسبب نقص فعلي في المادة.
وأكدت الوزارة أنها تتابع التطورات الإقليمية بشكل يومي واستباقي، وتتخذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرارية الخدمات الأساسية، ودعت المواطنين إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية وعدم الانجرار وراء الشائعات التي قد تؤدي إلى ضغط غير مبرر على منظومة التوزيع.
وكانت وزارة الطاقة أوضحت -أمس الاثنين- أن الانخفاض الحالي في ساعات التغذية الكهربائية يعزى إلى تراجع كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن جراء التصعيد في المنطقة.
المصدر: الصحافة السورية
—————————-
=================
تحديث 02 أذار 2026
—————————-
اقتصاديات المواطن الموازي ودور الجاليات السورية في التنمية المحلية/ خالد التركاوي
مارس 2, 2026
في 2014 بدأت مرحلة واضحة من تخلي مؤسسات الحكومة السورية عن دورها؛ خاصة مع توسع الأراضي التي خرجت عن سيطرة نظام الأسد، وتجنيد مؤسسات الدولة المركزية لصالح المعركة. هنا بدأت أعداد أكبر من السوريين تصل إلى دول الجوار هرباً من الواقع الأمني والعسكري الصعب، فتنخرط في أعمال تجارية واستثمارية، مستندين إلى خبراتهم المنقولة أو رؤوس أموال صغيرة استطاعوا النجاة بها.
لقد شكل الهاربون من جحيم النظام البائد بعد 2011 -إضافة لمن هم خارج البلاد أساساً- فاعلاً جيوسياسياً واقتصادياً في المشهد السوري، فصار لهم نشاطات وأعمال وقصص نجاح في الدول التي يسكنونها، خاصة مع زيادة عددهم الذي وصل إلى قرابة 10 ملايين نسمة، أو ما يقرب من 40% من سكان سوريا على أقل تقدير.
تُقدر التدفقات المالية للشتات السوري، وفقاً لبيانات غير رسمية متقاطعة مع تقديرات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة، بما يتراوح بين 1.6 إلى 2.2 مليار دولار سنوياً. ولتوضيح عمق هذا الرقم، فإنه يوازي أو يتجاوز في بعض السنوات قيمة الموازنات العامة للدولة عند احتسابها بسعر الصرف الحقيقي. ومع تحرير البلاد في أواخر 2024 بدأت حركة التحويلات ترتفع بشكل ملحوظ نظراً لحماس السوريين لخدمة بلدهم أو بدء الاستثمار فيها.
من الناحية الأكاديمية، لا تعمل هذه الأموال كمجرد وسيلة لتعزيز الاستهلاك الخاص، بل تعمل وفق “أثر المضاعف” (Multiplier Effect) في بيئة تفتقر إلى الإنتاج. إن الميل الحدي للاستهلاك (MPC) في سوريا يكاد يقترب من الواحد الصحيح (1.0)، مما يعني أن كل دولار يُضخ من الشتات يدور في السوق المحلية بمعدل وسيط مرتفع، محركاً قطاعات الخدمات الصغيرة، والمهن الحرفية، والتجارة البينية،
ولكي نبسط الأمر، فإن إرسال مئة دولار أميركي لأسرة في سوريا ستجعل هذه الأسرة تنفقها في السوق لشراء الغذائيات مثلاً، وهو ما يمكن صاحب المحل الغذائي من الدفع للمصنع، ويدفع صاحب المصنع للعمال الذين بدورهم يعودون للشراء من السوق وهكذا.
في حالة سوريا اليوم، تقترب الضرائب من الصفر بسبب اقتصاديات الظل وصعوبة تحصيل الضريبة فعلياً، هنا يصبح أثر الاستثمار المحلي الناتج عن التحويلات ليس فقط المحرك الرئيس لمنع الانهيار المعيشي الكلي، بل لتحسين المعيشة كلما ارتفعت التحويلات كرقم أو ارتفعت معدلات الدوران كنسبة.
غالباً تكون تحويلات المغتربين مرتبطة بمناطق سكنهم الأصلية، حيث يسعى ابن النبك إلى دعم النبك، وابن معرة النعمان لدعم معرة النعمان، وهذا أمر فطري ومنطقي كونه يريد للمكان الذي تربى وعاش فيه أن يكون أفضل، هي مسألة عاطفية من جهة، ولكنها من جهة أخرى مرتبطة بشبكته الاجتماعية والمعرفية التي غالباً ما تتركز في منطقة سكنه الأصلية.
منذ مطلع 2025 اختلفت التحويلات المتعلقة بالمغتربين من حيث الحجم، إذ يقدر أن زيادة طرأت على هذه التحويلات، ومن حيث الأسلوب، فقد باتت مساهمة جماعية لتمويل البنى التحتية أو إطلاق مشاريع محلية. إذاً نحن أمام نوع من ريادة الأعمال الخدمية يساهم فيها المغترب، وهو ما بدأنا نرى أثره بشكل واضح، فمثلاً:
الطاقة البديلة: في مناطق مثل ريف دمشق، السويداء، والشمال السوري، باتت الطاقة البديلة هي أحد السبل الرئيسية لتغطية الاحتياج من الكهرباء، ويقدر متوسط كلفة الطاقة المنزلية بحوالي 600 دولار تدفع لمرة واحدة، وهي مسألة لطالما تحملها السوري المقيم في الخارج لصالح أسرته.
كذلك موّل الشتات مشاريع طاقة شمسية متنوعة الحجم لتشغيل آبار المياه وإنارة الشوارع. هذا الانتقال من “السلع الخاصة” إلى “المنافع العامة” Public Goods يمثل إعلاناً ضمنياً عن ريادة الأعمال الخدمية التي يقوم بها السوري المقيم في الخارج.
المنظمات المدنية: تظهر التقديرات أن أكثر من نصف المبادرات التعليمية والصحية الصغيرة في الأرياف السورية تعتمد في تمويلها المستدام على صناديق اغترابية (أبناء القرية في الخارج)، مما خلق شبكة أمان اجتماعي موازية لشبكة التعليم والصحة التي انهارات نتيجة للسنوات الصعبة التي سبقت فترة التحرير.
المشاريع الجديدة: مع مطلع 2025 بدأنا نرى مشاريع صغيرة متعددة، وهي مشاريع نقلها القادمون من دول الجوار أو الدول الأوروبية، حيث بدأنا نرى مواقع انترنت وتطبيقات ومحلات تجارية صغيرة بأسماء توحي بذلك.
أعمال الترميم: إذا عبرت أحياء ريف دمشق التي دمرها نظام الأسد، أو كنت في حلب أو حمص أو دير الزور لن تخفى عليك حركة الورشات الظاهرة، والتي تقوم بأعمال الترميم في الأبنية.
اجتماعياً، تركز هذه التحويلات نحو المناطق التي يرتبط بها المغتربون راح ينشئ فاعلين جدد لديهم سلطات غير مستمدة من دور حكومي بل من قدرتهم على إنشاء وساطة آمنة وشفافة بين المواطن الذي يعيش في البلاد والمواطن الموازي الذي يعيش خارجها.
فنياً، لا تزال التحويلات الخارجية تواجه مشاكل هيكلية مثل كلفة التحويل ومخاطر الامتثال التي قد تأكل 10 إلى 15% من المبلغ، علاوة على ذلك، تعاني هذه التدفقات من “مفارقة السياسة النقدية”؛ فبينما يحتاج السوق المحلي لهذا القطع الأجنبي، فإن القنوات غير الرسمية تمنع المصرف المركزي من استثمار هذه التدفقات في ميزان المدفوعات أو في دعم العملة الوطنية، مما يبقي أثرها محصوراً في مستوى “الاقتصاد الجزئي” دون أن يتحول إلى استقرار “ماكرو-اقتصادي”.
أحد الأخطار الاقتصادية لدور الحوالات هو تعميق “اللامساواة المناطقية”. حيث يمكن أن تعتمد التنمية المحلية اليوم على “جودة الشتات” وليس على “جودة التخطيط”. فالبلدات التي يمتلك أبناؤها تاريخاً طويلاً من الهجرة نحو دول ذات دخل مرتفع (مثل ألمانيا، الخليج، أو أميركا) تشهد طفرة عمرانية وخدمية، بينما تغرق القرى المجاورة التي تفتقر لهذه الشبكات في ظلام خدمي واقتصادي كامل، هذا يظهر بشكل واضح في بعض قرى درعا قبل 2011، ويتوقع أن يظهر في مناطق أخرى بعد 2025.
إلا أن الحكومة -عبر مؤسساتها المتخصصة بالتعامل مع المغتربين- تستطيع التعامل مع مزايا التحويل وتتغلب على عيوبه أو تقللها من خلال مأسسة الدعم الاغترابي، أو تحويله من عطايا فردية وارتجالية إلى مشاريع تنموية ذات طابع قانوني بعيداً عن الطابع العاطفي. إن الاهتمام بالمواطن الموازي بات حاجة للحكومة والمواطنين، حيث يمكن أن يشكل الجزء الأكبر من الدعم الوطني الذي يسعى لخدمة سوريا بشكل حقيقي ومحايد ومستمر.
—————————-
الطاقة السورية تربط انخفاض التغذية الكهربائية بالتصعيد الإقليمي
وزارة الطاقة: ساعات التغذية الكهربائية تتأثر بانخفاض الغاز الطبيعي نتيجة الهجمات الإقليمية الأخيرة
2026-03-02
أعلنت وزارة الطاقة السورية اليوم الإثنين، أن ساعات التغذية الكهربائية شهدت انخفاضاً ملحوظاً، نتيجة تراجع كميات الغاز الطبيعي المستلمة عبر الأردن، والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، مع توقفها أحياناً بشكل مؤقت.
وأوضحت الوزارة في بيان رسمي أن هذا التوقف مرتبط بالتصعيد الإقليمي الأخير، وما نتج عنه من تعذر استمرار ضخ الغاز وفق الاتفاقيات السابقة، مؤكدة أن الظروف الراهنة خارجة عن السيطرة المحلية.
وذكرت الوزارة أن الفرق الفنية تعمل حالياً على إدارة الشبكة الكهربائية بالاعتماد على الإنتاج المحلي المتاح، وتنظيم ساعات التغذية وفق الإمكانات لضمان استقرار المنظومة واستمرار عملها. كما أشارت إلى جهود متواصلة لتعزيز الإنتاج المحلي من الغاز لدعم المنظومة وتحسين واقع التغذية خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضاً: وزارة الطاقة تعلن تشغيل محطة بانياس بكامل مجموعاتها – 963+
يشار إلى أن وزارة الطاقة كانت قد بدأت استلام الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء عبر الأردن بكمية 4 ملايين متر مكعب يومياً في 8 كانون الثاني الماضي، ضمن اتفاقية توريد تمتد لسوريا.
ويأتي هذا التراجع في أعقاب الهجوم العسكري الأميركي والإسرائيلي المستمر منذ يوم السبت على أهداف إيرانية، ما أدى إلى ردود إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت الأردن ودول الخليج، مسببة خسائر بشرية وأضراراً بالبنية التحتية.
—————————-
حاكم مصرف سورية المركزي يصدر قرارات جديدة بخصوص استبدال العملة
آذار 2, 2026
أصدر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، الإثنين 2 آذار، قرارات جديدة بخصوص استبدال العملة القديمة والفئات الصغيرة منها، وتمديد مهلة الاستبدال لمدة 60 يوماً إضافية.
ونص القرار (222/ح) الذي أصدره مصرف سوريا المركزي ونشره عبر معرفاته الرسمية، على تمديد مهلة الاستبدال المنصوص عليها في التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 293 لعام 2025 لمدة ستين يوماً، اعتباراً من تاريخ 2026/4/1.
وجاء في القرار رقم (215/ح) أنه تُستبدل فئات العملة القديمة: 500، و200، و100، و50 ليرة سورية قديمة من جميع الإصدارات، وذلك خلال مهل الاستبدال المنصوص عليها في المادة 3 من المرسوم رقم 293 لعام 2025، كما يُراعى عند تطبيق أحكام المادة /1/ ألا يقل عدد القطع المستبدلة من أي فئة من الفئات المحددة عن مئة قطعة نقدية من ذات الفئة.
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي، أصدر في 27 شباط الفائت، قراراً بتمديد فترة التعايش بين العملة القديمة والجديدة لمدة شهرين إضافيين، لضمان عملية سلسة ومنتظمة.
وأوضح للإخبارية حينها أنه تم استبدال 4 مليارات قطعة نقدية من العملة القديمة من أصل 14 مليار قطعة متداولة، مشيراً إلى أنه تم استبدال 35% من الكتلة النقدية خلال 8 أسابيع.
المصدر: الإخبارية
——————————
أزمة كهرباء في سوريا بسبب انقطاع الغاز
سوريا وقعت اتفاقية لشراء الغاز عبر الأردن بكمية 4 ملايين متر مكعب يومياً
الرياض – العربية Business
02 مارس ,2026
قالت وزارة الطاقة السورية إن انخفاض ساعات التغذية الكهربائية في الوقت الحالي يعود إلى تراجع كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن، والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء إضافة إلى توقف ضخها في بعض الأحيان.
وأوضحت وزارة الطاقة، في بيان اليوم الاثنين، أن هذا التوقف يأتي نتيجة التصعيد الإقليمي الراهن، وما ترتب عليه من تعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة.
وأكدت الوزارة أن هذه الظروف ناتجة عن معطيات خارجية، وأن الفرق الفنية تواصل إدارة المنظومة الكهربائية حالياً بالاعتماد على الإنتاج المحلي من الغاز المتاح، حيث تنظم ساعات التغذية وفق الإمكانات المتوفرة بما يضمن استقرار الشبكة الكهربائية واستمرارية عملها، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
مصرف سوريا يعلن عن تطور مفاجئ في استبدال الليرة.. سر الـ42 تريليوناً
اقتصاد اقتصاد سوريا مصرف سوريا يعلن عن تطور مفاجئ في استبدال الليرة.. سر الـ42 تريليوناً
وأشارت الوزارة إلى أنها تعمل بالتوازي على تعزيز وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز، بما يسهم في دعم المنظومة الكهربائية وتحسين واقع التغذية خلال المرحلة المقبلة.
وكانت وزارة الطاقة السورية أعلنت في 8 يناير الماضي بدء استلام الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء في سوريا، وذلك في إطار اتفاقية لشراء الغاز عبر الأردن بكمية 4 ملايين متر مكعب يومياً.
———————–
“السورية للبترول” تنفذ مشروعاً جديداً لزيادة إنتاج النفط
وتعزيز الاستدامة البيئية في مواقع العمل
الرياض – العربية
02 مارس ,2026
بدأت الشركة السورية للبترول تنفيذ مشروع بيئي لمعالجة المياه المرافقة للنفط في عدد من الحقول من بينها حقل التيم وحقل العزبة وحقل المزرعة، وذلك في إطار جهودها للحد من الأثر البيئي المرتبط بعمليات الإنتاج.
وقال مدير إدارة الاتصال المؤسسي في الشركة السورية للبترول، صفوان شيخ أحمد، إن المشروع يرتكز على معالجة هذه المياه وفق معايير فنية متخصصة ثم إعادة حقنها في الآبار لتعزيز الضغط الطبقي وزيادة كفاءة الإنتاج، وبذلك يجمع المشروع بين البعد البيئي والفني من خلال تقليل احتمالات التلوث والاستفادة من المياه المعالجة في دعم العملية الإنتاجية.
وأضاف شيخ أحمد أنه من المقرر استمرار تنفيذ المشروع لعدة أشهر ضمن خطة شاملة تهدف إلى تعزيز الاستدامة البيئية في مواقع العمل، وترسيخ مبدأ التوازن بين متطلبات الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
مصرف سوريا يعلن عن تطور مفاجئ في استبدال الليرة.. سر الـ42 تريليوناً
اقتصاد اقتصاد سوريا مصرف سوريا يعلن عن تطور مفاجئ في استبدال الليرة.. سر الـ42 تريليوناً
وتعد المياه المرافقة للنفط من التحديات البيئية في الحقول الإنتاجية نظراً لاحتوائها على بقايا مواد نفطية ومركبات قد تؤثر في التربة والمحيط البيئي في حال عدم معالجتها بالشكل الصحيح، حيث كانت هذه المياه تجمع في أحواض مخصصة ما استدعى اعتماد حل مستدام يعالج المشكلة من جذورها.
———————-
=================
تحديث 01 أذار 2026
—————————-
الركود الإنساني الكبير: التمويل المُختلط قد يفتح مخرجاً يتجاوز المنح والأوهام
يواجه القطاع الإنساني لحظة محاسبة حاسمة. فعلى مدى عقود، اعتمدت مساعدة الفئات الأشدّ عوزاً على آلية واحدة هشة: حشد المنح السنوية. غير أنّ هذا النموذج بات اليوم تحت ضغطٍ شديد؛ إذ انكمش التمويل الإنساني العالمي بنحو 35 في المئة خلال عام 2025، مع توقّعاتٍ بمزيدٍ من التراجع في 2026.
لقد كشفت الصدمات المتلاحقة هشاشة البنية التمويلية القائمة للقطاع الإنساني، وأظهرت حدود الاعتماد الحصري على المنح في تلبية احتياجات تتزايد حدّتها وتعقيدها. وفي ظلّ هذا الركود يبرز «التمويل المُختلط» «blended finance»، الذي يجمع بين الموارد المالية العامة والخاصة وأدوات تمويلية متعدّدة، بوصفه خياراً قد يوسّع هامش المناورة للقطاع الإنساني، من دون الوقوع في أوهام الحلول السهلة أو البديلة الكاملة عن العمل الإنساني التقليدي.
الركود الإنساني الكبير بات واقعاً لا لبس فيه. ولم يعد الأمر يتعلّق بتراجعات تمويلية مؤقّتة أو عجزٍ دوريّ عابر. فحجم رأس المال المتاح عبر المنح لن يعود، على الأرجح، قادراً على مجاراة مستوى الاحتياجات العالمية. وبعبارة أوضح، فإنّ عصر المساعدات المموّلة بالكامل بالمنح قد انتهى. وتبدو تداعيات هذا التحوّل قاسية على سوريا على وجه الخصوص. فقرابة 65 في المئة من متطلّبات التمويل الإنساني لعام 2025 لا تزال غير ملبّاة. ويعتمد نحو ثلثي السوريين على شكلٍ من أشكال المساعدات، فيما يواصل الملايين العيش في المخيمات والتجمّعات السكنية غير النظامية. وبالنسبة إلى كثيرين، يهدّد هذا الانحدار الحادّ في التمويل بقطع شرايين الحياة الأساسية برمّتها.
ينبغي دفع القطاع الإنساني في سوريا إلى التحول نحو مساحات جديدة. ولم يعد التحدّي محصوراً في كيفية ترتيب أولويات المنح المتقلّصة، بل بات يتمثّل في تحديد ما إذا كان لزاماً على أجزاء من المنظومة الانتقال من منطق المنح إلى منطق التمويل من أجل ضمان استدامة التدخّلات الضرورية. وقد يوفّر التمويل المُختلط أدوات تتيح توسيع نطاق تأثير العمل الإنساني وتعزيز ديمومته، لكنّ ذلك مشروط باستخدامه بواقعية كاملة، ومن دون أوهام بشأن ما يستطيع أن يحلّ محلّه، وما يعجز عن تعويضه.
قطرة في بحر.. ليست قليلة
ليس التمويل المُختلط وعاءً جديداً للأموال المجانية. بل هو أسلوب لتوظيف رأس المال العام أو الخيري لتحمّل مخاطر يعزف المستثمرون من القطاع الخاص عن تحمّلها. فمن خلال تقاسم الخسائر، أو تقديم الضمانات، أو خفض العوائد المتوقّعة، يتيح هذا النهج تنفيذ مشاريع كان محكوماً عليها بالفشل لو خضعت لشروط تجارية بحتة. وفي مثال مبسّط، قد يعمل المانحون مع منظّمات غير حكومية محلّية وشركات سورية متخصّصة بالطاقة الشمسية على تركيب أنظمة كهرباء خارج الشبكة في مجتمعات معزولة: تتكفّل المنح بتغطية جزء من كلفة البنية التحتية الأوّلية والخسائر المبكرة، فيما يستثمر المشغّلون من القطاع الخاص إلى جانبهم، مع التزام بتسعير ميسور. وعلى هذا النحو، يتحمّل رأس المال العام جزءاً من المخاطر، بما يتيح للقطاع الخاص الاستثمار في تقديم هذه الخدمات.
على الصعيد العالمي، تتراوح قيمة صفقات التمويل المُختلط بين 15 و18 مليار دولار سنوياً. ويقارن ذلك بالتزامات مجموعة البنك الدولي التي تتراوح بين 100 و120 مليار دولار سنوياً. وتتركّز غالبية هذه الصفقات في مشاريع التخفيف من آثار تغيّر المناخ والبنى التحتية الكبرى، وتقع في معظمها ضمن دول مستقرّة ذات دخل متوسط. في المقابل، لا تحصل البيئات الهشّة والمتأثّرة بالنزاعات على أكثر من نحو مليار دولار سنوياً، يذهب معظمها إلى مشاريع تقليدية مثل تطوير البنى التحتية. ولا يرتبط سوى جزء ضئيل جداً من هذا المبلغ بأهداف إنسانية بحتة. ويبرز الفارق أيضاً في نسبة رأس المال غير الميسّر التي يجري استقطابها مقابل كلّ دولار واحد من رأس المال الميسّر. وفي حين يتراوح المتوسط عالمياً بين دولارين وأربعة دولارات، تنخفض هذه النسبة في البيئات الهشّة إلى دولار مقابل دولار. وبصورة مبسّطة، يعني ذلك أنّ المشروع نفسه يمكن تنفيذه بنحو نصف الكلفة تقريباً.
هل هو قابل للتطبيق؟ وهل يخلو من المخاطر؟
التمويل المُختلط أداة معقّدة، غير أنّ التعقيد لا يجعلها غير ملائمة لبلدان مثل سوريا. بل على العكس، غالباً ما تتطلّب المشكلات المعقّدة أدوات مركّبة. وعلى الرغم من أنّ استخدام التمويل المُختلط لا يزال نادراً في البيئات الإنسانية، فإنّ الحالات التي جرى فيها اعتماده انصبّت في الغالب على دعم توفير الخدمات الأساسية. ففي مطلع العقد الثاني من الألفية، على سبيل المثال، استُخدم هذا النهج في الصومال وكينيا للحفاظ على خدمات المياه والكهرباء في مناطق منخفضة الدخل، في ظلّ انعدام الأمن وانهيار المرافق العامة. ولا يعني ذلك أنّ التمويل المُختلط محصورٌ بطبيعته في قطاع الخدمات الأساسية؛ بل يعكس، بالأحرى، محدوديةَ الاستكشاف والتجريب في القطاعات الأخرى.
وفي سوريا، بدأ هذا النوع من الاستكشاف بالفعل، وإن كان بحذر. ففي عام 2024، عقدت مجموعة من المنظّمات غير الحكومية السورية نقاشات وورش عمل تناولت سُبل تمويل قطاع الرعاية الصحية. وعلى الرغم من أنّ هذه النقاشات لم تُفضِ إلى مشاريع ملموسة، فإنّ إشراك القطاع الخاص والنظر في أدوات مثل التمويل المُختلط برزا بوصفهما من الأولويات. غير أنّ التحوّلات السياسية وطفرة المنح المؤقّتة أوقفت هذه النقاشات. إلّا أنّه، في ضوء المسارات الراهنة للتمويل، يُرجَّح أن تعود هذه السجالات في المستقبل القريب.
وكما هو الحال مع معظم الملفات في سوريا، فإنّ التمويل المُختلط لا يخلو من المخاطر. ففي البيئات التي تختلّ فيها الحوافز وتضعف آليات المساءلة، قد تنتهي الترتيبات التمويلية إلى تعميم الخسائر وخصخصة الأرباح. وفي السياق السوري، يثير ذلك شبح استفادة شخصيات نافذة من استثمارات محمية ضمن هياكل تمويل مختلط، وهو خطرٌ لا يقتصر على المشاريع التنموية فحسب، بل ينسحب بالقدر ذاته على المشاريع ذات الطابع الإنساني.
حتى في ظلّ فاعلين حسني النيّة وحوافز سليمة، يلوح مأزقٌ آخر يتمثّل في خفض مخاطر مشاريع كانت ستُنفَّذ أصلاً من دون دعمٍ إضافي. ولهذا السبب، تعرّض التمويل المُختلط لانتقاداتٍ واسعة خلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، بوصفه دعماً مقنّعاً للقطاع الخاص لا أكثر، حتى عندما كان موجَّهاً إلى «الجهات الصحيحة».
الاعتبارات الأخلاقية
لا مفرّ من التوتّرات الأخلاقية. فالعمل الإنساني يقوم في جوهره على الاحتياج، فيما يُدخل التمويل منطق القدرة على الدفع. وفي بيئاتٍ تآكلت فيها مداخيلُ الأسر إلى حدٍّ كبير، قد يُشكّل حتى الحدّ الأدنى من استرداد التكاليف عائقاً أمام الوصول إلى الخدمات. والتحدّي هو منع الجدوى المالية من التغوّل على الغاية الإنسانية.
كيف يمكن لأسرةٍ تعيش في مخيّم أو في حيٍّ مدمّر أن تتحمّل كلفة الخدمات؟ وبالمقابل، كيف يمكن إقناع مستثمر بالمخاطرة بأموالٍ لا يمكنه استردادها إلّا عبر الدعم؟ ويبرز سؤالٌ أخلاقيٌّ آخر حول معايير تحديد المستفيدين من الدعم: من يُدعَم ومن لا يُدعَم؟ ثم، على نحوٍ أعمّ، كيف يمكن صون المبادئ الإنسانية في بلدٍ له سجلٌّ في تسييس المساعدات وتسخيرها، وفي استغلال الفاعلين الإنسانيين؟
تُعدّ الحوكمة عاملاً حاسماً. فمثل هذه الترتيبات المعقّدة تتطلّب شروطاً واضحة، وتحديداً دقيقاً للأدوار والمسؤوليات، وتوزيعاً صريحاً للمخاطر. فمن الذي يتحمّل الخسائر؟ ومن الذي يجني العوائد؟ ومن يقرّر ماذا؟ ومن يضمن تنفيذ الاتفاقات؟ كلّها أسئلةٌ جوهرية لا غنى عن الإجابة عنها.
وأخيراً، لا تقلّ الثقافة المؤسسية أهمية. فالتكليفات الإنسانية تُعلي شأن الحياد والإجراءات، فيما يركّز الفاعلون من القطاع الخاص على السرعة وضبط التكاليف. ويضع التمويل المُختلط هاتين الثقافتين في مواجهةٍ مباشرة. ومع ذلك، يبقى العائق الأكبر أمام تبنّي أيّ شكلٍ من أشكال التمويل البديل هو الثقافة السائدة داخل المنظمات غير الحكومية، التي تقاوم أيّ تحوّلٍ بعيداً عن النداءات الإنسانية السنوية. ومع أنّ المبادئ الإنسانية غير قابلة للمساومة، فإنّ الأنظمة الداخلية للمنظمات غير الحكومية، وممارساتها، وهياكل شراكاتها، باتت بحاجةٍ إلى تغيير. فـالإلمام المالي لم يعد ترفاً.
التصميم على أساس العدالة
يجب أن تنطلق أيّ مناقشةٍ لاستخدام التمويل المُختلط كأداةٍ لتأمين الخدمات الأساسية ذات الطابع الإنساني في سوريا من الوقائع القائمة. فقدرة السكان على تحمّل كلفة الخدمات الأساسية محدودة للغاية. كما أنّ الاستثمار في البنى التحتية في المناطق التي تستضيف الفئات الأشدّ هشاشة، كالمخيّمات والمناطق الريفية والأحياء الحضرية الفقيرة أو المتضرّرة بشدّة، لا يُعدّ خياراً جاذباً لمزوّدي الخدمات، وغالباً ما يتجاوز قدرات الدولة نفسها.
وفي الوقت ذاته، فإنّ هيكلة صفقات التمويل المُختلط للمشاريع الكبرى في مجال البنية التحتية هي عملية مرتفعة الكلفة بحدّ ذاتها. إذ تتطلّب دراسات متقدّمة تشمل الجوانب الهندسية، وتقييم الأثر البيئي، والتخطيط الحضري والريفي، فضلاً عن هياكل مالية معقّدة تستلزم خبرات متخصّصةً عالية المستوى.
غير أنّ جدوى المقاربات المُختلطة باتت تعتمد، على نحوٍ متزايد، على الجهات المنخرطة فيها. ومن هنا، ينبغي النظر إليها بوصفها جزءاً من جهدٍ أوسع لإعادة إشراك القطاع الخاص بأساليب مختلفة. ويقع في صلب هذا الجهد رجال الأعمال السوريون وأصحاب الثروات الكبيرة، سواء داخل البلاد أو في الشتات. فكثيرون منهم لا تحرّكهم اعتبارات الربح أو العائد المالي وحدها؛ إذ يجلبون معهم شعوراً بالانتماء والمسؤولية، واستعداداً حقيقياً للمساهمة.
ومنذ سقوط الأسد، موّل فاعلون اقتصاديون سوريون إعادة تأهيل مئات المدارس والمشافي، وصيانة آبار المياه، وتوفير أنظمة طاقة شمسية، ودعم طيفٍ واسع من التدخّلات الأساسية الأخرى. ولو نُفِّذت هذه الأنشطة نفسها عبر منظماتٍ غير حكومية، لأسفرت عن عشرات الصفحات من تقارير الأثر والوثائق. غير أنّ اختزال هذا الانخراط في إطار العمل الخيري يُعدّ خطأً؛ فهو، في جوهره، يعكس اهتماماً فعلياً بالاستثمار وبِردّ الجميل للبلاد.
وعليه، لا ينبغي للمنظمات الإنسانية أن تتعامل مع هؤلاء الفاعلين كمصادر تمويل فحسب، بل كشركاء. وقد يشكّل التمويل المُختلط الوسيلة الأنسب لتنظيم مثل هذه الشراكات بمسؤولية وعلى نطاقٍ واسع.
لا يُشكّل التمويل المُختلط حلّاً لأزمة شحّ المساعدات، ولا يمكن أن يكون بديلاً عنها. إذ تتوقّف جدواه على حسن التصميم، واختيار الفاعلين المناسبين، وترتيبات حوكمة لا تُقنِّع الدعم ولا تعفي المستثمرين كلّياً من تحمّل المخاطر. وعندما يُستخدم كاختصارٍ يتجاوز الوقائع البنيوية في سوريا، فإنّه سيخفق في خدمة الفئات التي وُجد العمل الإنساني أساساً من أجلها. أمّا حين يُوظَّف على نحوٍ محدودٍ ومقصود، فقد يسهم في إنقاذ خدماتٍ أساسية كانت مهدّدة بالانهيار.
هذا التحليل حصري من «التحالف السوري للمشاريع» Syrian Ventures Alliance وهي منصّة متخصّصة بالاستشارات الاستثمارية والاقتصادية.
—————————-
المدن الصناعية في سوريا تستقطب 11 ألف مستثمر
بينهم 294 مستثمراً أجنبياً
الرياض – العربية Business
01 مارس ,2026
بلغ عدد المستثمرين في المدن الصناعية في سوريا نحو 11 ألف مستثمر، بينهم 294 مستثمراً أجنبياً، في مؤشر على ما تشكله من بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي المحلي والأجنبي.
وأكد مدير المدن والمناطق الصناعية السورية، مؤيد البنا، اليوم الأحد، أن مرحلة التحرير شهدت زيارات واهتماماً متزايداً من مستثمرين عرب وأجانب.
وأشار إلى أن ذلك تجلى بوضوح خلال المشاركة في معرض دمشق الدولي، حيث أبدى العديد منهم رغبتهم في نقل وفتح استثمارات في المدن الصناعية السورية، بانتظار صدور سياسات وتعديلات قانونية جديدة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
مصرف سوريا يعلن عن تطور جديد في علاقته مع الفيدرالي الأميركي
اقتصاد اقتصاد سوريا مصرف سوريا يعلن عن تطور جديد في علاقته مع الفيدرالي الأميركي
وأضاف البنا أن أبرز التسهيلات المقدمة للمصنعين المحليين والخارجيين تتمثل في إصدار نظام استثمار جديد خاص بالمدن الصناعية بقرار من وزارة الصناعة، والذي يضم 26 مادة تتضمن حوافز وتسهيلات مشجعة لعملية الاستثمار في الحواضن الصناعية في سوريا.
وقال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، مازن ديروان، إن المدن الصناعية تتميز بتوافر الخدمات الأساسية للمصانع من طاقة وصرف صحي وصناعي، ما يجعل البيئة الصناعية أكثر جذباً لإقامة منشآت جديدة.
وأضاف أن إقامة مصانع جديدة في البلاد تسهم في خلق فرص عمل وتخفيض معدلات البطالة، وتابع: “أي خطوة لتحرير المصنعين من القيود البيروقراطية وتسهيل وصولهم إلى مصادر الطاقة والموانئ وأي إجراء ييسر العمل الصناعي، سينعكس إيجاباً على توسع الصناعة السورية وانتشارها عالمياً”.
—————————-
المركزي السوري يعيد فتح حسابه لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك
2026.03.01
أنهى مصرف سوريا المركزي إجراءات تسوية علاقاته المصرفية مع بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، وإعادة تفعيل حسابه لديه، في خطوة تهدف إلى تعزيز اندماج البلاد في النظام المالي العالمي.
وأوضح المصرف، في بيان نشرته وكالة “سانا”، مساء السبت، أن إعادة فتح الحساب ستدعم قدرته على إدارة الاحتياطيات الخارجية بفاعلية أكبر، وتوفير قنوات رسمية لتنفيذ التحويلات وتسوية المدفوعات الدولية، بما يسهم في دعم الاستقرارين النقدي والمالي، ويعزز معايير الشفافية والامتثال المؤسسي.
وأضاف المصرف أن هذه الخطوة جاءت ثمرة جهود مكثفة بُذلت خلال الأشهر الماضية، بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية والاحتياطي الفدرالي، وعبر سلسلة اجتماعات وورش عمل فنية شاركت فيها فرق متخصصة، من بينها فريق سفير الولايات المتحدة لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، بهدف استكمال المتطلبات الفنية وتعزيز قنوات التواصل المصرفي وفق الأطر القانونية المعتمدة.
تطوير منظومة الامتثال ومكافحة الجريمة المالية
بيّن المصرف أنه عمل بالتوازي على تطوير آليات الامتثال، وتعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحديث الأطر التنظيمية المرتبطة بمكافحة الجرائم المالية، بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وأكد المصرف أن الاقتصاد السوري يسير في منحى تصاعدي مدفوعاً بتنامي النشاط الاقتصادي وتحسن مؤشرات الثقة، مستشهداً بما أورده صندوق النقد الدولي في تقاريره الأخيرة حول تحسن المؤشرات الكلية وعودة الحيوية إلى قطاعات رئيسية من الاقتصاد.
إعادة فتح الحساب محطة استراتيجية
من جهته، أكد حاكم المصرف عبد القادر حصرية أن استكمال تسوية العلاقات المصرفية وإعادة فتح الحساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يشكلان محطة استراتيجية في مسار إعادة دمج سوريا في المنظومة الماالية الدولية.
وأشار حصرية إلى أن هذه الخطوة تعزز ثقة المؤسسات المالية العالمية بالقطاع المصرفي السوري، وترسخ في الوقت ذاته ثقة المواطنين بسلامة السياسات النقدية واستقرار النظام المالي.
يُعدّ الاحتياطي الفيدرالي البنك المركزي للولايات المتحدة الأميركية، وأبرز مؤسسة مالية عالمياً من حيث تأثيره في السياسات النقدية والمالية، ويضطلع بدور محوري في إدارة السياسة النقدية داخل الولايات المتحدة، بما يهدف إلى الحفاظ على استقرار الأسعار، وضبط معدلات الفائدة طويلة الأجل عند مستويات معتدلة تدعم النمو الاقتصادي.
——————————
=================



