منوعاتموسيقا

زجل بلاد الشام… حياة الناس بلغة بيضاء/ بيتي فرح

03 مارس 2026

عكس شعر الزجل وجدان الناس، ووثّق التحولات الاجتماعية والسياسية بلغة بيضاء، لتمتزج البلاغة الشعبية بالإيقاع الحي، في مبارزة كلامية أشعلت السهرات واختبرت بديهة الزجّال.

تعود جذور الزجل إلى القرن الثالث الميلادي، للقديس مار أفرام السرياني، الذي أوجد الوزن الأفرامي في الزجل (القرّادي) وأنشده، وأخذ عن مار يعقوب الوزن اليعقوبي (المعنّى). وقد أشار الباحث التاريخي، أسامة حسّون، إلى نشوء شعر الزجل في منطقة القلمون بريف دمشق، حيث أدى انتشار اللغة العربية وقافيتها في بلاد الشام إلى تداخلها مع الآرامية. وتعود معظم مفردات الزجل، لأصول سريانية أو آرامية، فيما استمد أوزانه من اللحن السرياني، ولاسيما ما يعرف “بالمعنّى”، وهي أناشيد ومزامير سريانية، ككلمة دلعونا وتعني طلب المساعدة.

يقول الشاعر إياد قحوش، ابن مرمريتا المقيم في كندا: “يُكتب الشعر الزجلي عمودياً ويغنى، فالإنسان تكلم قبل أن يكتب، فكانت اللغة المحكية سابقة للفصحى، وقد واكبت تطور عقل الانسان، واحتوت مفرداته، وعماد اللغة المحكية في سورية هو انصهار الكنعانية بالسريانية، مع اقتباسات من لغات مجاورة كالفارسية والتركية وغيرها. ويؤكد قحوش أن المنافسة بين الشعر المحكي وشعر الفصحى محسومة لصالح الناس، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، حيث تتقارب اللهجات، لتشكل لغة بيضاء مفهومة من الجميع، وبرأيه أنه مع مرور الزمن، قد تقترب الفصحى من المحكية، لتنشأ صيغة فصحى جديدة تجمع بينهما. وعلى الشعراء كتابة زجل يلامس مختلف الشرائح الثقافية، ليبقى قريباً من الذائقة الشعبية، مشيراً إلى دور المغتربات في نشر الزجل من خلال اللقاءات الاجتماعية ومواقع التواصل الاجتماعي، ودعوة الجيل الجديد إلى التعرّف إلى ثقافة بلدهم بلغة سلسة. ويتذكّر قحوش للشاعر الراحل ألبير حرب:  صلّي شِعر/ يا بطرك الملكوت/ افتاح السما/ وعالمنبر تجلّى/ وفوت ع سابع سما.. تعلّى.

ومن مشتى الحلو برز الشاعر الزجلي حسان بسطاطي، الذي اعتبر الزجل من ألوان الفلكلور الشعبي، وقد دخل مشتى الحلو مع شاكر سليمان، سمعان الجبيلي، نسيم النبع، فاضل يوسف وميخائيل العيد. ويرى أن الزجل يقوم على سرعة البديهة وثقافة الشاعر الشخصية، وقد تباينت الآراء حول دخوله إلى سورية، فالبعض قال إنه جاء من الأندلس، وآخرون رأوا أنه انتقل إليها من بلاد ما بين النهرين، ولكن الأهم برأيه من أسهم في تطويره، ويؤكد أن تطوره نابع من تأثره باللحن السرياني الكنسي، ومن هنا جاء شحرور الوادي، وتأسس المنبر والجوقة الزجلية.

وبرأيه يكمن الفرق بين زجل الأمس واليوم، في ثقافة الشاعر، فسابقاً كان الشاعر أميّاً، يعتمد على بساطة الكلمة والعفوية والصنعة، أما اليوم، فقد اقتحم العلم واللغة والمنطق الزجل، ويرى أن ضعف الإعلام المحلي والظروف المعيشية الصعبة يعيقان انتشاره حالياً.

القرّادي وأخوتها

يشير بسطاطي إلى أنواع الزجل، منها المعنَّى، مثال: “تبقى بلدنا بالحمام مسيّجي.. وتضحك عَ هل علوات غيم بنفسجي”. وهناك القرّادي مثال: “راحوا ليّ حبّو راحوا.. ول عاشئ ضم جناحو” … كما اشتهر نوع القلاّب، مثال: “باب ل بوّابي ببابين.. ئفولي ومفاتيح جداد..عل بوّابي في عبدين.. ل ليل وعنتر بن شدّاد “، إضافة للعتابا والميجنا والشروقي والموشح.

كاتب ردّة مارسيل خليفة لم يعد مجهولا

الشاعر الزجلي نسيم النبع (1910 – 1977)، اسمه نسيم مسوح سمعان، اختار لقبه نسبة إلى قريته نبع كركر التابعة لمدينة صافيتا، النبع الذي عاش طفولة قاسية كأبناء جيله في تلك الحقبة، استمد موهبته من الطبيعة التي أحاطت به، لحين هجرته إلى البرازيل عام 1955. ويشير ابنه إبراهيم، إلى أن والده كتب العتابا والميجنا والزجل، إضافة إلى القرّادي والشروقي، وكانت تُغنّى بلحن شعبي خاص قريب من الناس، فوثّق يومياتهم ببساطة وصدق.

تعرّف في البرازيل إلى شعراء مرموقين من الجالية اللبنانية، منهم إيليا أبو ماضي، وكان رفعت مبارك والسبعلي من أصدقائه المقربين، كما جمعته صداقة مع الشاعرين شاكر سليمان ونبيه سلامة.

تميزت لقاءاته بأصدقائه بحوارات شعرية مفعمة بالود والحماس والتحدي، كهذا الحوار الشعري بينه وبين رفعت مبارك الذي قال: تركتْ الأرز و دموعي معرّاي/ وغصني عن ورق عمري معرّاي/ عرفنا بالغرب تاني معرّاي/ بشِعرو يجدد ليالي العرب

ليرد عليه نسيم النبع: إذا برأيي ولاد الفن قِبْلوا/ فرحتْ فيهم لناح الدار قَبلوا/ المعرّي لو أنت خلقان قَبْلو/ ما كان النابغة بعكاظ جاب

ذاع صيت نسيم النبع عند كبار الشعراء، لشهرته وذكائه الحاد واعتماده على الفطرة في الارتجال، وأكد كثيرون تفوقه على أسماء لامعة آنذاك، وهذا ما جعله موضع تقدير من قبلهم، حتى إن الشاعر المعروف طليع حمدان ذكره في أمسياته.

ولأن أشعاره عبرت الحدود شفهياً، وصلت بطريقة ما للفنان اللبناني مارسيل خليفة، الذي استهل بداية أغنيته “الليلة بدي خلّي الكاس يفزّ يبوس القنينة”، وهذه الردّة من كلمات نسيم النبع.

يروي الشاعر سمير سارة أن بداياته الشعرية انطلقت في سنوات المراهقة، من خلال عشقه للزجل ومشاركته في حفلات الأعراس، حيث تعلّم العزف على العود والبزق وصقل مفرداته في الأداء الجماعي مع الأصدقاء. ولد سارة في قرية مشتى عازار عام 1948، التي تركت بصمات واضحة على صوره الشعرية ولغته، فالمكان بينابيعه وأشجاره، شكل مخزوناً حسياً تحوّل إلى صور ومفردات شعرية، وقد فضّل الزجل لقدرته على مخاطبة الناس بلغة بسيطة ومباشرة، واعتباره وسيلة لسرد هموم المجتمع وحفظ الذاكرة الشعبية، مع تنويع في أشكاله مثل العتابا والميجنا والشروقي.

يستحوذ الوطن والشهادة والتمسك بالأرض على معظم إنتاجه، إلى جانب غزل رقيق يستحضر المرأة بأدوار متعددة، وأجمل صورها في هيئة الأم، حيث قال فيها:

“يا أم يلي الكون بوجودك بدي.. يا من ببحر العاطفي متعمدي

أنتي يا شمعة شاعلي وموقدي.. دبتي بحنينك تا ولادك تسعدي

ومن وقت ما انتي خلقتي بتعبدي.. الله الكريم وبالفضيلة مزودي

أنتي بصدى الأيام شعلة عاطفي.. ومن طول عمرو الحب عندك سرمدي” 

بدأ تدوين شعره بعد عودته من دمشق عام 1990، وشارك في برامج تلفزيونية وأمسيات ثقافية، وأسّس مع زملائه جوقة المحبّة للزجل عام 2013، يرى النقاد أن تجربته تجسّد صلة وصل بين الأدب الشعبي والهوية المحلية.

 يبقى الزجل بكلماته العفوية ولحنه، صوت الأرض وحكايتها التي لا تشيخ، ليظل جسراً ثقافياً يربط ماضينا الأصيل بالحاضر والمستقبل.

 العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى