سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

غرامشي زائداً كلمتين/ يعرب العيسى

05 مارس 2026

حين كتب غرامشي “دفاتر السجن”، كان يتحدّث عن وطنه إيطاليا، وعن ثلاثينيّاتها تحديداً، أو عن أوروبا الوسطى على أبعد تقدير، وفيها قال جملته الكثيفة والشهيرة: “الأزمة أن القديم يُحتَضر والجديد لا يستطيع أن يولد، وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية عديدة”.

كان يصف ما يراه في لحظة محدّدة من التاريخ، وقطعة محدّدة من الجغرافيا، لكنّها لاقَت صدىً على أجساد كثيرة، فانتُزعت من سياقها، وتوسّع استخدامها في الأدبيات السياسية إلى درجة أنها كادت أن تصبح منقطعة النسب، وأُجريت عليها تلوينات وتفريدات مختلفة، واستُخدمت لتمويهها عباراتٌ مثل “مفترق طرق”، و”يتآكل”، و”ترقّب حذِر”، و”شفير الهاوية”، و”حافّة الانفجار”، و”صفيح ساخن”، و”2254”.

استخدمها العشرات حين وصفوا روسيا منذ 1990 وحتى غزا بوتين الآخرين، فصاروا يستخدمونها لوصف الشيشان والأبخاز وأوكرانيا. استخدموها لوصف سورية بين عامَي 2011 و2024، وحين وصفوا العراق منذ 2003، يستخدمونها لوصف إيران منذ عامَين، وسيستمرّون في ذلك سنوات مقبلة.

جملة غرامشي، التي وصف فيها لحظةً سياسيةً عاشها وأحاطت به، هي في الحقيقة التاريخ البشري كلّه، وكل لحظة عاشها أيُّ بلد، إن لم نبالغ ونقول: كلُّ شخص. ولذلك جملة غرامشي، كي تصبح كاملة، ينقصها كلمتان توضعان في بدايتها لتكون: كما دائماً، القديم يحتضَر والجديد لا يستطيع أن يولد.

على مساحة إقليمنا، وعلى مدى الزمان، كان القديم يُحتضَر، والجديد يتعسّر مخاضه، وربّما تكون آخر مرّة وُلِد فيها جديدٌ معافى، سليم الأعضاء، مؤهّلاً ليعيش حياة طويلة كاملة، كانت قبل 14 قرناً حين تحوّل الإسلام من دينٍ إلى دولة. بعدها، لم تكتمل عملية ولادة، وتعاقبت علينا عمليات احتضار لا تتوقّف، ممّا يجعلنا نشكّ أنه احتضار واحد، مستمرّ منذ الأزل، وأن ولادةَ الجديد لن تحدث أبداً.

النظام الإيراني الذي يترنّح منذ عامَين لم يبدأ احتضاره الآن، بل منذ ماتت الشاهنشاهية، وبدا أنه الجديد الذي وُلِد. لكنّه منذ أيامه الأولى أمسك مجرفة وبدأ بحفر قبره بإعدام رفاق درب الخميني، وإبعاد الشباب الذين فجّروا الثورة، وخلال أشهر كان يتصرّف كمُحتضَر تامّ الرغبة بالموت، أشعل حرباً مع العراق، وقمع أكثر شعوب منطقتنا ثقافةً وحبّاً للحياة والجمال والفنّ. استخدم مقدرات دولة غنية الموارد لتحقيق فكرة غيبية، غير موجودة إلا في رؤوس مخفية تحت عمائم.

لا يختلف النظام الإيراني عن أيّ شيء آخر في إقليمنا، ليس أسوأ من أحد فينا، ولا أفضل، فكلّنا نعيش في دول محتضَرة، ونعتنق أفكاراً غير مؤهّلة لتولد، ونتبنّى مشاريعَ للمستقبل يلتفّ حبلها السُرّي حول عنقها. ولم تكتمل ولادة في هذا الجزء من العالم، منذ فتح مكّة.

يُحكى في موروثنا أن ابن فارس القزويني (القرن العاشر الميلادي) قال يوماً: “فسَد الزمان وتغيّر علينا البديع”، وكان يقصد تقصير تلميذه بديع الزمان الهمذاني في زيارته. فردّ عليه الهمذاني: “الشيخ الإمام يقول: فسَد الزمان، أفلا يقول: متى كان صالحاً؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها؟ أم في المدّة المروانية، وفي أخبارها لا تُكسعُ الشولُ بأغبارها؟ (أي لا تُحلب النوق لخلو ضروعها). أم في البيعة الهاشمية، وعليّ يقول: ليت العشرة منكم برأسٍ من بني فراس؟ أم الأيام الأموية والنفيرُ إلى الحجاز، والصدور إلى الأعجاز؟ أم الإمارة العدوية وصاحبها يقول: وهل بعد البُزول إلا النزول؟ أم في الخلافة التيمية وصاحبها يقول: طوبى لمن مات في نَأْنَأَة الإسلام؟ أم على عهد الرسالة ويوم الفتح، إذ قيل: اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأمانة؟ أم في الجاهلية ولبيد يقول: ذهب الذين يُعاش في أكنافهم…؟ أم قبل ذلك وأخو عاد يقول: بلادٌ بها كُنّا وكُنّا نحبّها إذ الناسُ ناسٌ والزمانُ زمان؟ أم قبلها إذ رُوي عن آدم: تغيّرت البلاد ومن عليها، فوجه الأرض مُغبرٌّ قبيح؟ أم قبل ذلك إذ قالت الملائكة: أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء؟ وما فسد الناسُ ولكن اطّرد القياس، وما أظلمت الأيامُ ولكن امتدّ الظلام”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى