التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعلاقات السورية-الأميركيةالعلاقات السورية-الروسيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة-

تحديث 07 أذار 2026

تداعيات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية الأمريكية على الملف السوري:مقاربة عسكرية وأمنية شاملة/ نوار شعبان

6 آذار/مارس ,2026

تبحث هذه الورقة الصادرة عن مركز العربي لدراسات سورية المعاصرة في التداعيات العسكرية والأمنية للحرب الإيرانية-الإسرائيلية-الأمريكية التي اندلعت مطلع عام 2026، وتأثيراتها المحتملة على المشهد السوري في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.

تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن هذه الحرب تمثل تحولًا استراتيجيًا في بنية التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، وأن ارتداداتها لا تقتصر على الجغرافيا الإيرانية أو الإسرائيلية، بل تمتد بقوة إلى الساحة السورية التي تشكل إحدى أكثر ساحات التفاعل الجيوسياسي حساسية في المنطقة.

وتحلل الورقة هذه التداعيات عبر مجموعة من المحاور المترابطة. يتمثل أولها في تأثير الضربات التي استهدفت البنية القيادية للحرس الثوري الإيراني على شبكات الميليشيات المرتبطة بطهران داخل سوريا، حيث قد يؤدي تراجع الدعم السياسي والمالي الإيراني إلى تفكك هذه التشكيلات أو تحول بعضها إلى شبكات جريمة منظمة تعمل في اقتصاد الظل، خاصة في المناطق الحدودية الهشة.

أما المحور الثاني فيتناول احتمالات عودة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، في ظل الانشغال الاستراتيجي الدولي بالحرب مع إيران، وما قد ينتج عنه من فراغ أمني نسبي في بعض المناطق السورية، بالتوازي مع تعقيدات عملية إعادة هيكلة القوى العسكرية المحلية ودمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة.

وفي المقابل، تشير الدراسة إلى أن تراجع النفوذ الإيراني قد يفتح أمام دمشق فرصة لإعادة تموضعها في النظام الإقليمي، عبر تقديم نفسها بوصفها دولة عازلة تسعى إلى الحد من التصعيد بين القوى المتنافسة، مع تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب والانفتاح الدبلوماسي على الدول العربية والغربية.

غير أن هذه الفرصة تترافق مع تحديات سيادية وقانونية كبيرة، أبرزها الاستخدام المتزايد للأجواء والأراضي السورية في العمليات العسكرية بين أطراف الصراع، وما يثيره ذلك من إشكاليات تتعلق بمفهوم السيادة وحياد الدولة وفق قواعد القانون الدولي.

وتخلص الورقة إلى أن مستقبل الاستقرار في سوريا سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدولة السورية على تحويل هذه اللحظة الجيوسياسية المضطربة إلى فرصة لإعادة بناء الدولة المركزية، وتعزيز مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وترسيخ عقد اجتماعي جامع يضمن الاستقرار السياسي والاجتماعي في المرحلة المقبلة.

تحميل البحث كاملا من الرابط التالي

المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة

—————————-

بين العراق 2003 وإيران 2026/ زياد ماجد

6 آذار 2026

تشنّ إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية حرباً شاملة على إيران منذ أيام. وتردّ الأخيرة بما تملك من صواريخ و«درون»، وحلفاء إقليميين في لبنان والعراق. وتردّ أيضاً عبر تعميم الفوضى في الخليج حيث النفط والغاز وإمكانيات التأثير في السوق العالمي للطاقة.

ويفيد إذ نراقب ما يجري أن نعقد بعض المقارنات بين هذه الحرب والحرب الكبرى الأخيرة التي سبقتها، واستُخدمت فيها ذرائع غير بعيدة عن الذرائع المستخدمة اليوم، ولَو في ظروف دولية وإقليمية مختلفة. ونعني بالطبع حرب العراق العام 2003.

أوجه التشابه

على صعيد المعطيات المتماثلة أو عناصر التشابه، ثمة في الحالتين انتهاك صريح للقانون الدولي. ذلك أن الحربين تمّتا من دون الشرطين الوحيدين اللذَين يجيزان استخدام العنف بين الدول: قرار من مجلس الأمن، أو تصرّف وفق مقتضيات البند الثاني من شرعة الأمم المتحدة المرتبط بالحقّ في الدفاع عن النفس عند التعرّض لهجوم أو لاعتداء. وإذ لا مكان في القانون لما يُسمّى الحرب الاحترازية أو الاستباقية، لا مكان فيه أيضاً للتذرّع بوجود أسلحة دمار شامل بمعزل عن صحتها من عدمه، لتبرير أي عمل عسكري من خارج المؤسسة الأممية. وفي العراق، كما في إيران أصلاً، لا أسلحة كيماوية ادّعى الأميركيون وجودها مرّة ثم اعترفوا بعدمه بعد سنوات من حربهم، ولا أسلحة نووية زعموا قُرب وصول طهران الى إنتاجها– بعد أن كانوا قد أكدّوا صيف العام 2025 تدمير البرنامج النووي الإيراني بأكمله.

وعلى صعيد التشابه أيضاً، ثمة حكي عن تغيير النظام كهدف للحرب، ولَو أنه ملتبس هذه المرة، إذ تريده إسرائيل لكنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يوضح إن كان التغيير هو مقصده الرئيسي، إذ يترك على الدوام باب السيناريو الفنزويلي مفتوحاً، أي الانقلاب من داخل بنية النظام على السياسة السابقة والامتثال لشروط التعاون الأميركي.

ويمكن أن نضيف الى ما ورد عنصر تشابه ثالثاً، يقوم على تأييد جزء غير قليل من الإيرانيين للهجوم على بلادهم، كما سبق أن أيّد عراقيون كثر الأمر ذاته، بسبب كراهيتهم للنظام الحاكم منذ عقود، لتسلّطه ودمويّته وفساد نخبه. والأرجح أنّ نسبة التأييد ترتفع بين الإيرانيين في الخارج، منفيّين أو من جيل مهاجر ثانٍ، كما ارتفعت في السابق بين المنفيّين العراقيين. وليس من الواضح بعد كيف ستتطوّر مفاعيل هذا الأمر إن طالت الحرب وتوسّع معها حجم التدمير والقتل في إيران ونجح النظام في التفاوض مع واشنطن على «حلول وسطى» تمنح ترامب ما يسعه اعتباره مكاسب فيوقف هجماته كما أوقفها قبل ثمانية أشهر.

اختلاف الحرب الراهنة

في المقابل، ثمة اختلافات عديدة بين الحرب على إيران اليوم وحرب العراق الثانية قبل عقدين من الزمن.

فإسرائيل تشارك في هذه الحرب إن لم نقل تقود بعض عملياتها، في حين أنها كانت محرِّضاَ عليها العام 2003 من دون انخراط فيها أو تأثير ميداني على مجرياتها.

وإيران، على خلاف العراق، فتحت جبهات عديدة لتوسيع نطاق الصدام العسكري، وهي الإمبريالية المحافِظة (رغم تراجع سطوتها) على حلفاء يقاتلون دفاعاً عنها، إن في لبنان أو العراق أو ربما في اليمن لاحقاً. وهي تهاجم داخل العراق والكويت والبحرين وقطر والسعودية والإمارات وعمان، وتسعى لإقفال مضيق هرمز، لابتزاز دول المنطقة النفطية، وتحويل قضية الطاقة إلى عنصر ضغط اقتصادي على الإدارة الأميركية لدفعها للتفاوض. 

سيناريوهات مستقبلية أم ماضوية تُستعاد؟

على أنه لا إمكانية لتوقّع ما سيجري بوضوح، بمعزل عن التشابهات والاختلافات. فعدم سقوط النظام الإيراني وارد، ويمكن لترامب أن يعلن انتصاراً ليبرّر إنهاء الحرب دون سقوط كهذا، على اعتبار أن قتل المرشد علي خامنئي والعشرات من القيادات السياسية والعسكرية والدينية قد أتاح تغييراً من الداخل، وأن النخبة الجديدة ستكون مطواعة للأميركيين الذين دمّروا معظم المخزون الصاروخي لإيران، إضافة الى برنامجها النووي، وأنهوا قدرتها على الحشد في المنطقة.

لكن يمكن أيضاً أن يتهاوى النظام الإيراني تحت حجم الضرب والاستهداف والخسائر الكبيرة وتقطيع أوصال البلد، وأن يلي الأمر حال من الفوضى المعمّمة والمؤدّية الى التفكّك– ولو لفترة- لا سيما على الأطراف والحدود مع أذربيجان وتركيا وباكستان، حيث تقطن جماعات أذرية وكردية وبلوشية إيرانية.

ويمكن كذلك أن تنجح إسرائيل في إقناع ترامب بجدوى الاتكال على رضا بهلوي، كشخص قادر على قيادة مرحلية، تواليه فيها قطاعات من الجيش والشرطة ممّن ينبغي دعمهم كي يطيحوا بمن سيتبقى من الباسيج والباسدران. ولن يكون مضموناً نجاح بهلوي في مهامه، لكنّ إبقاءه إسرائيلياً كسيناريو وارد جداً.

ويمكن أخيراً أن تتوقف الحرب في إيران وتستمر في لبنان، حيث فتح انخراط حزب الله فيها الباب أمام تصعيد إسرائيلي غير مسبوق في ضراوته، أو في اليمن إن انخرط الحوثيون فيها أو قرّر الأميركيون والإسرائيليون الخلاص من تهديدهم لباب المندب ولخطوط النقل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

نحن إذاً أمام مشهد شرق أوسطي (وعالمي) جديد، ولَو أنّ بعض معالمه واحتمالاته تبدو قديمة. ويصعب الجزم بتقدّم أي سيناريو اليوم على سواه. ما يمكن الجزم به، في المقابل، هو أن هذا المقدار من العنف المسلّط على مجتمعات وبلدان، بعد أن خبرته غزة أضعافاً مضاعفة خلال أكثر من سنتين، لن يؤدّي لا إلى استقرار مديد ولا الى سلام يفرضه فائض القوة الإسرائيلي– الأميركي. بل العكس هو المرجّح، ولنا في تجارب أفغانستان والعراق ولبنان وغزة ذاتها أكثر من مرة، خير دليل.

نيغافون

—————————-

 العدوان على إيران: رهان إسرائيلي على نهاية العالم

7 آذار 2026

ليس سرّاً أنّ هناك من يراهن، في لبنان والعالم العربي، على نتائج الحرب على إيران، معتبرًا إيّاها «آخِر» مرحلة في عملية إعادة رسم معالم المنطقة، ولذلك هي حرب ضرورية مهما كان ثمنها. كما أنّه ليس سرّاً أنّ إيران شكّلت على مدار العقود الأخيرة مصدر تدخلات إقليمية، أدّت إلى قتل ودمار، من العراق إلى سوريا ولبنان، بالإضافة إلى فرض نظام قمعي داخليًا، قام على قتل وسجن وتعذيب معارضيه.

لكنّ الحقيقة الثانية لا تبرّر الموقف الأولّ.

فالمراهنة على هذه الحرب لا تنمّ عن رغبةٍ في تحرير الشعب الإيراني، أو عن رفض لطابع الجمهورية الإسلامية القمعي.

هي مراهنة نابعة إمّا عن تماشٍ أيديولوجي مع التحالف الإسرائيلي- الأميركي، وإمّا عن قناعة بألّا مفرّ من الخضوع للنظام الأحادي الصاعد في الشرق الأوسط، أو من يأس حيال أي خيار سياسي، بعد عقود من الحروب والأزمات والإبادات. فإذا كانت هذه هي «الحرب الأخيرة»، يقول البعض، فلا بدّ منها إذاً لإنهاء الكابوس العربي الطويل.

مهما كانت أسباب رهان البعض على هذه الحرب، لا بد من الانتباه أنّنا أمام نوع جديد من الحروب، ينذر بحقبة جديدة من التدخّلات والتوسّع الأميركي-الإسرائيلي. نحن لسنا أمام «آخر حرب» في الشرق الأوسط، بل في وسط دوامة من العنف، ما من أفق لها غير المزيد من العنف، أو الرضوخ لمن يملك الطائرة الحربية الأقوى.

حروب أبوكاليبتيّة

هناك إسم لتلك الحروب التي لا تشبه الحروب التقليدية.

إنّها حروب أبوكاليبتية، بمعنى أنّها تخاض من أجل تغيير طبيعة العالم كما نعرفه. فهذه الحرب تدور، في وقت واحد، حول نزاع حدوديّ وسيطرة على موارد وإضعاف لعدوّ، كما تتجاوز بهدفها ذلك كلّه، وتنحو في اتّجاه «تغيير وجه منطقة»، كما قيل صراحةً. أهدافها في توسُّع دائم، ووسيلة تحقيق هذه الأهداف بعيدة كل البعد عن الدبلوماسية والمفاوضات. هي العنف والمزيد من العنف.

فمنذ الإبادة في غزّة، أقحمت إسرائيل العالم كلّه في دوّامة جديدة من العنف المتزايد، تشكّل كل مرحلة منه تبريرًا للمرحلة التالية. فالعدو، أو العائق أمام «العالم الجديد» دائمًا موجود، حتى ولو كان خفيًا. فبعد غزة، الضفة، وبعدها لبنان، واليمن، واليوم إيران. وبعد إيران، ؟ وها هو نتنياهو، بعدما شنّ حروبه تحت عنوان مواجهة الخطر الشيعي من إيران وحزب الله، ها هو يكشف عن «محور جديد ضدّ المحورين الشيعي المنهار والسني المتشكل». كلّما انهار عدو، شكّلت آلة القتل عدواً آخر.

ما من أفق زمني لهذه الحروب، مثلها مثل «»، عدوها موجود أبداً، عدوّ متخيَّل، يجب ضربه استباقيًا، فالماكينة العسكرية تحتاج إلى أعدائها. إنّها حروب لا تستطيع أن تنتصر لكونها لا تستطيع العودة إلى عالم من السلام.

من يراهن على هذه الحرب كـ«آخر» حرب قبل السلام، عليه الانتباه أنّ حروباً كهذه لا تنتهي،  بعدها سيكون هناك عدوّ جديد، تهديد ضمني، بقع جديدة من الاعتراض التي يجب قمعها. الحروب الأبوكاليبتيّة هي حروب بلا أفق زمني، تحتاج دائمًا إلى إنتاج أعداء جدد لتبرير منظومتها الأمنية والعسكرية. «هم لا يريدون حروباً ينتصرون بها، بل حروباً لا تنتهي».

حروب قطيعة مع السياسة

إننا أمام حروب لا تستطيع أن تنتصر لكونها لا تستطيع العودة إلى عالم من السلام.

للتذكير، هي حرب اشتعلت بسبب نجاح المفاوضات، وليس جراء فشلها كالحروب التقليدية التي سبقتها. فقبل ساعات من بدء العدوان الإسرائيلي- الأميركي على إيران، وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، أنّ اتفاقاً سلمياً بات بمتناول اليد، ذلك أنّ إيران وافقت على وقف تخزين اليورانيوم المخصّب. وكان الوزير العُماني أشدّ وضوحاً حين ربط تفاؤله بالهدف من المفاوضات: إذا كان الهدف النهائي للمفاوضات هو ضمان عدم قدرة إيران على امتلاك قنبلة نووية أبداً، أعتقد أنّنا عالجنا هذه المشكلة. حتى ترامب نفسه أقرّ، أمس، في مع كبير مراسلي الآي.بي.سي. نيوز في واشنطن، جوناثان كارل، أنّه كان ليقبل قبل سنة بالتنازلات الإيرانية في المفاوضات، لكنّ النجاح في فنزويلا «أفسدَنا».

هي حرب إذن، كان طرفها الأساسي حاصلاً على ما يريده قبل خوضها.

الحروب الأبوكاليبتية ليست «استمرارًا للسياسة بوسائلَ أخرى»، كما كتب كلاوزفيتز. هي قطيعة مع السياسة. فالتفاوض، حتى ولو نجح، يفترض قبول الآخر، حتى ولو مهزومًا. هذا ما لا يستطيع مَن وراء هذه الحرب القبول به، مفضِّلاً استمرار العنف على أي مساومة.

مَن يراهن على هذه الحرب كضربة قاضية، عليه الانتباه أنّ منطق هذه الحرب «إلغائي»، لا يستقيم مع عودة السياسة، أي أنّ هذه الحرب لا يمكن أن تنتهي إلّا بمرحلة جديدة من العنف. الفوضى وعدم الاستقرار ليسا فشل هذه الحروب، هما شرط استمرارها.

أطراف أبوكاليبتيّة

تقف وراء هذه الحرب أطراف أبوكاليبتية، لم تعد تجد في السياسة، كما عرفناها، منفذاً لتحقيق غاياتها. العنف الدائم أصبح شرط وجودها الوحيد.

فالطرف الذي أعلن الحرب هو طرفٌ بات يحتاج إلى «تغيير وجه المنطقة» للبقاء. إسرائيل التي تحكمها نظرة دينية متطرفة، تدرك أنّها في صدد فرصتها الوحيدة لتغيير المعادلة، وانزلقت في طريق عنف تطهيري، بدأ مع الإبادة، واستمر مع حروب متنقلة، قبل أن يصل إلى مرحلة عنف عالمي. القيادة الإسرائيلية مدركة أنّ أي وقف للعمل القتالي، أو حتى أيّ تخفيف للعملية العنفية، قبل تحقيق هدف تغيير وجهة العالم، سيفرض إعادة تفاوض. وهذا ما لا يمكن أن يدخل في الذهنية الأبوكاليبتية الحاكمة.

فرضت إسرائيل على إيران طبيعة هذه الحرب، وأعلنت منذ بدء العمليات العسكرية أنّ الهدف هو تدمير النظام، مغلقة أي إمكانية للتفاوض أو حتى الاستسلام. بهذا المعنى، فرضت إسرائيل على إيران هوية أبوكاليبتية مضادة، باتت ترى في توسيع دائرة العنف المَخرج الوحيد المتاح لها.

إذا قرّرت إسرائيل أنّ لا خيار لها إلّا التصعيد، باتت إيران أمام خيار التصعيد بلا رادع كالدفاع الوحيد المتاح.

من يراهن على هذه الحرب كحرب محدودة بين طرفين عليه الانتباه أنّنا أمام أطراف قررت أن لا خيار أمامها إلّا توسيع رقعة العمليات العسكرية، كما بات واضحًا في لبنان والخليج والدول المجاورة. إنها حروب بلا أفق زمني ولا حدود مكانية، التوسّع في طبيعتها.

جنون الولايات المتّحدة

شكّل دخول الولايات المتّحدة المفاجئ في هذه الحرب إشارة إلى ضياع قيادتها وميلها المتزايد نحو الحلول المجنونة، إمّا لأسباب أيديولوجية أو جراء ضعفها الداخلي المتزايد. فبخلاف الحروب الأميركية السابقة في الشرق الأوسط، لم تتطلّب الحرب الحالية جهداً لتبريرها أو لادّعاء تواؤمها مع القانون الدولي.

في شباط 2003، أي قبل ثلاثة وعشرين عاماً، شهد وزير الخارجية الأميركي كولن باول أمام مجلس الأمن، حاملاً صور أقمار صناعيّة زاعماً أنّها تُظهر وجود أسلحة دمار شامل لدى صدّام حسين. بعد عامَين، قال باول إنّه لم يكذب، لكنّه ردّد معلومات لم يكن يعرف أنّها خاطئة. نبدو، اليوم، بعيدين حتى عن مسرحيّة تراجيديّة كهذه. فلم يجد أيّ مسؤول أميركي حاجةً أصلاً لإعطاء شهادته أمام مجلس الأمن الدولي، أو لحشد دعمٍ دوليّ للعدوان على إيران. وقف دونالد ترامب، وحده، معتمراً قبّعةً طُبعت عليها ثلاثة أحرف U.S.A. ليُعلن شنّ العدوان.

لم يكن ترامب معنيّاً لا بالأمم المتحدة، ولا بالقانون الدولي، ولا برأي الحلفاء. حتى تبريره للعدوان جاء بكذب مفضوح، إذ تحدّث عن «تهديد وشيك» من إيران للولايات المتحدة. وحاول عبثاً ربط العدوان بأمن الشعب الأميركي. فعاد بالماضي إلى الهجوم على السفارة الأميركية في طهران عام 1979 وصولاً إلى تحميل إيران مسؤولية هجوم 7 أكتوبر، قبل أن يصل إلى الكذبة الرديفة لأسلحة الدمار الشامل بقوله إنّ إيران حاولت إعادة بناء برنامجها النووي بعد الضربة الأميركية لمفاعلاتها في حزيران الماضي، والتي أخبرنا ترامب نفسه آنذاك أنّها دمّرت البرنامج النووي الإيراني. 

التخبّط والضيعان ليسا خطأ أو سوء تقدير، بل إشارة إلى اعتبار أيّ تماشٍ مع القانون، أكان قانوناً دولياً أو قانون التخاطب البسيط، هو دليل ضعف لمن يريد فرض مشيئته. فليس للولايات المتّحدة ما تجنيه من هذه الحرب، بعدما كانت قد حققت أهدافها عبر التفاوض، غير فرض صورتها كماكينة قتل بلا رادع. حرب الولايات المتّحدة ليست على إيران، هي على العالم، حرب استباقية للقول إنّ لا رادع بعد اليوم أمام استعمال كافة إمكانيات العنف في وجه أي تهديد، مهما كان بعيدًا.

من يراهن على هذه الحرب كمدخل للسلام عليه وضعها في سياقها الاستباقي الأميركي، والذي بات يتّجه عالميًا نحو تصاعد للعنف، بلا أي رادع. فهذه ليست حرباً تخاض قبل فرض تسوية، إنّها حرب تخاض تحضيرًا لأخرى أكبر.

اليوم التالي

ما من «يوم تالي» في منطق الحروب الأبوكاليبتية، فهذا خارج عن أدبياتها. نحن لم نعد في صدد حروب لفرض ديمقراطية أو حتى لتغيير نظام. نحن أمام حروب، يومها التالي هو حروب أخرى.

لمّح ترامب إلى أنّ اليوم التالي سيكون انتفاضة شعبية، عندما توجّه إلى الشعب الإيراني بنداء: عندما ننتهي، أسقطوا حكومتكم. سيكون إسقاطها بمتناول يدكم. وأضاف أمامكم الآن رئيس يعطيكم ما تريدونه. فلنرَ كيف ستتجاوبون، قبل أن يتراجع عن هدف تغيير النظام، في سعيه إلى حلّ فنزويلي للمسألة الإيرانية. ثمّ دعا عناصر الحرس الثوري والجيش والشرطة الإيرانية لإلقاء السلاح للحصول على «حصانة» و«معاملة عادلة»، ما أشار إلى إمكانية تدخل برّي قد يحسم الوضع. هذا قبل أن تنفي الإدارة الأميركية إمكانية إرسال عسكر إلى إيران.

كذلك بدا الضياع حيال اليوم التالي في ما يخص عملية اغتيال المرشد الإيراني على خامنئي. فبعد اغتيال المرشد، صرّح ترامب أنّ لديه «فكرة واضحة جدّاً» عمّن سيتولّى الحكم في إيران في المرحلة المقبلة. لكن ما كادت تمرّ 24 ساعة على هذا التصريح حتى جوناثان كارل عن ترامب قوله إنّ الولايات المتحدة حدّدت مرشّحين محتملين لقيادة إيران، لكنّهم قُتِلوا في الهجوم الأوّل.

من يراهن على هذه الحرب عليه أن يدرك أنّ لا تصوّرَ لأيّ يومٍ تالٍ لمن يخوضها، أي أنّ لا هدف واضحاً لها غير عنفها. إنّها حرب تخاض بلا خطة، مفتوحة، بلا أي معيار للنجاح غير عنتريات بعض المسؤولين الأميركيين.

لبنان في الحرب

تعلّمت إيران دروسها من حرب الأيام الـ12، وقرّرت لعب كامل أوراقها بالردّ على العدوان، ومن بينها ورقة حزب الله. بيد أنّ العلاقة لا تسري بالاتّجاهين. معضلة حزب الله أنّه يخوض الحرب نفسها، ولكن في مسارَين: مسار التفاوض على النظام الإيراني المستقبلي، ومسار حضور حزب الله نفسه على مستوى الداخل اللبناني، وكذلك على مستوى العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان منذ سنتَين. ضمن هذا المسار، لا يملك حزب الله نفس كمّ ونوع الأوراق التي تملكها إيران لمّا اختارت خوض حربها إلى النهاية ورفض المفاوضات.

وإذ اختار حزب الله أن يدخل الحرب هذه «ثأراً لدماء الخامنئي» كما أقرّ بنفسه، فليس من الأكيد أنّ إيران، وعند انتهائها من حربها، ستشمل لبنان وحزب الله في اتّفاقها النهائي. أحد السيناريوهات المطروحة، هو انتهاء حرب إيران فيما يُترَك لبنان ليرزح تحت عبء توغّلٍ جديد وحربٍ تنتهي بشروطٍ أقسى من «حرب الستين يوماً».

أمام هذا الواقع، علت الأصوات التي لم تكن تريد لحزب الله أن ينخرط في هذه الحرب، أكان من معارضيه التقليديين الذين ما زالوا يعلكون سرديات «الاحتلال الإيراني»، أو حتّى من مناصريه وبيئته التي تجد نفسها اليوم في وضعٍ أصعب مما كانت عليه قبل حرب الإسناد. وإن كان الامتعاض مشروعًا والتشكيك بخطوة حزب الله بمحله، فما ليس مفهومًا هو مراهنة البعض على الحرب الحالية كمدخل للحل. وهذا ليس نابعاً فقط من الخوف من التداعيات الداخلية لرهان كهذا، بل من طبيعة الحرب التي تُخاض اليوم في المنطقة، حيث أنّ حرب لبنان لا ترقى لتكون أكثر من ساحة أو أرض محروقة فيها، مع أو بدون حزب الله.

فمن يراهن على هذه الحرب يراهن على حرب بلا أفق زمني أو مكاني، بلا رادع أو ضوابط، تقطع مع السياسة من أجل إطلاق دوامة من العنف اللامتناهي. ومن ليس مقتنعًا، عليه النظر إلى نصف بلاده تتهجر ليفهم طبيعة ما دخلنا فيه.

ميغافون

——————————-

إيران والخليج… غداً/ بيار عقيقي

07 مارس 2026

ستولَد إيرانُ جديدةٌ بعد الحرب الدائرة حالياً، سواء كان شكلها تصحيحاً من داخل النظام أو بقيام نظام آخر أو الفوضى. في كل الأحوال، لن تبقى إيران ـ ثورة 1979 قائمة. هذه ليست تمنّيات، إنها واقع ينمو بتسارع مع تقدّم الأيام. ولكنْ أيّاً تكن إيران الجديدة، فإنها لن تحتمل عداءً مستداماً (متفاوتاً) مع الدول الخليجية العربية، منذ العصور الأخمينية والساسانية والصفوية والشاهانية والإسلامية. في تلك المحطّات كلّها كانت هذه المنطقة، بمسمّاها الإيراني أو الفارسي أو الإمبراطوري، تتطلّع إلى دول جوارها كتطلّع الولايات المتحدة إلى أميركا الوسطى والكاريبي، أو تطلّع الصين إلى تايوان وبحر الصين الجنوبي، أو تطلّع روسيا، بنسختها السوفييتية أيضاً، إلى دول جوارها القريب.

على إيران الجديدة واجب الابتعاد عن التمدّد والسعي إلى الهيمنة على قرارات الدول الخليجية، وترك مساحة تعاونية فعلية لا ترهيبية. أيُّ إيران أخرى متمسّكة بمساعي التوسّع، تعني أن الخلافات التي تجددت بصورة دموية في الأيام الماضية، عبر استهداف إيران للدول الخليجية السبع من دون استثناء، ستتكرر مستقبلاً ما لم يُصر إلى رسم الحدود السياسية من اليوم الأول. في المنطق السياسي، ما فعلته إيران بحق الدول الخليجية، التي كانت حتى الأمس القريب معارضة أي هجوم أميركي على طهران إفساحاً للمجال للتفاوض، يؤكّد (ربما للمرة المليار) أن وجودها نظاماً أكثر خطورةً مما روّج له على ألسنة خصومها.

ينبغي لتلك العلاقة بين إيران وجيرانها أن تتغيّر، لأن ما تجلّى في الاعتداء على الدول الخليجية أظهر أن النظام الإيراني خدع الجميع. تكفي الإشارة إلى أن الاستهدافات التي طاولت منشآت مدنية وبنى تحتية للدول الخليجية، أكثر مما طاولت قواعد ومواقع أميركية، تدلّ على أن الصواريخ والمسيّرات كانت موجّهة بالأساس إلى تلك الدول، منذ ما قبل العدوان الإسرائيلي على إيران حالياً وفي يونيو/ حزيران الماضي. يكفي هذا الدليل لفهم أمرَين. الأول، كيف يُمكن تصديق إيران (طالما “فاخرت” بعلاقاتها الطيبة مع الدول الخليجية) فيما يتعلق بملفها النووي، في حين أنها كذبت وأظهرت حقيقتها في استهداف الدول الخليجية؟ من لم يكن صادقاً في القليل، فكيف ينبغي للعالم تصديقه في الكثير؟

وسط هذا كلّه، يأتي من يحاول إقناع البشر بأن إيران “صديقة” و”تريد الخير” للعالم. إذاً، لماذا استعان النظام بمفردات مذهبية ودينية، حسبما جاء في بيان للرئيس الإيراني “الإصلاحي” مسعود بزشكيان، حين قال إن اغتيال المرشد علي خامنئي “حرب مفتوحة على المسلمين، خصوصاً الشيعة”، من أجل استنهاض مذهبي للمنتسبين إلى تلك الطائفة؟ هناك أمر يجب إدراكه، أن النظام الإيراني لا يرى العرب مساوين له، شيعة كانوا أم لا. بلغ النظام الإيراني حداً من الفوقية إلى درجة أنه أسبغ القداسة على كل من ينتسب إليه، كأنه زرادشت بنسخة رديئة بُعث حيّاً بين حنايا النظام.

لا يُمكن لأي إيران مستقبلية، من دون تحميلها وزر النظام المتهاوي، أن تواصل اعتماد السياسة نفسها مع دول الجوار. هناك حاجة لمسار متجدّد من العلاقات الصحّية مع طهران والرياض والدوحة وأبوظبي والكويت وبغداد ومسقط والمنامة، يُدرَك أنه لم (ولن) يحصل مع نظام الثورة. مسار يبدأ أولاً بتفكيك الخلافات الحدودية البحرية من الجزر الإماراتية إلى حقول الغاز والنفط على امتداد الخليج. وثانياً، إسقاط مفاهيم “تصدير الثورة” وذيولها، التي ساهمت مع أقران لها، في تدمير الشرق الأوسط فوق رؤوس قاطنيه. أما الأمر الثالث والأهم، فيتمحور حول قدرة إيران على المزج بين قوتها الجيوبوليتيكية من جهة، وقدرتها على احترام العرب أنداداً معادلين لها، من دون الاعتقاد أن “الاحترام” يُمنح لكل دول الجوار الإيراني، إلا العرب. مثل هذه النظرة الاستعلائية لا يُمكن لها أن تستمر في إيران المولودة من رحم الحرب الجارية. هناك عصر إيراني آتٍ، واللحظة التاريخية لبناء علاقات صحّية مع دول الجوار الخليجي في متناول اليد.

العربي الجديد

——————————

الحرب على إيران وكراهة ترامب لإعادة بناء الأمم/ وسام سعادة

يكاد يمحو الأسبوع الأول للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما جرته على المنطقة من مناخ حرب إقليمية شاملة مشاهد انتفاضة شباب وشابات إيران في أكثر من وثبة ضد النظام الثيوقراطي – الحرسي كانت آخرها من أسابيع وقمعت بالبطش وسفك الدماء.

في الأسبوع الأول من هذه الحرب ظهر النظام الثيوقراطي مقطوع الرأس، إنما بجسم حرسي متماسك حتى الآن وقادر على التهديف في غير اتجاه. ولا ينفي هذا ما أحدثته الهجمات المعادية له من أضرار لا سيما بالنسبة لقياداته من ناحية وقطعه البحرية ودفاعاته من ناحية ثانية.

لكن، أين ذهب مشهد الانقسام المجتمعي الحاد وبالذات الجزء الرافض بالكلية لاستمرار هذا النظام من داخل إيران؟ هل هو مشهد يتحين الفرصة للانقضاض مجددا؟ هل يسعه ذلك قبل نهاية الحرب؟ هل في الوسع انتهاء الحرب من دون هذا المشهد؟

وما يسري في إيران ينطبق الى حد كبير على لبنان أيضا. سوى أن الانقسام في حالة البلد الصغير وصل الى أقصى حد من الوضوح واللارجعة في الأيام الأخيرة. حزب الله يأخذ الدولة اللبنانية رهينة، يقدم على ما يقدم ضاربا عرض الحائط رأي معظم اللبنانيين وكل الطوائف الأخرى من دون استثناء بل ويثير صدمة حتى ضمن البيئة الشيعية بدخوله الحرب “ثأرا” للمرشد الإيراني. والدولة تعلن الحزب خارجا عن القانون، والانقسام حول الحزب يتخفى وراءه الجميع بالتتابع، الحزب نفسه، وأخصامه، والدولة اللبنانية، وإسرائيل. كيف لا تجد الدولة اللبنانية نفسها في حرب إسرائيلية مباشرة على مؤسساتها ومرافقها بجريرة حزب الله؟ وكيف تجد نفسها قادرة على التفلت من المتحاربين ليس فقط على أرضها ولكن أيضا من داخل مفهومها كدولة؟

في وضع كهذا، لا يظهر حتى الآن ما الذي يستشرفه الأمريكيون لكل من إيران ولبنان، ولسائر بلدان المنطقة. يردد مسؤولون إسرائيليون بين الفينة والفينة المانترا حول تغيير وجه المنطقة. لكن هنا أيضا حتى الآن لا يظهر من كل هذا الكلام إلا شهوة لديهم لفرض هرمية متغطرسة بين دول المنطقة هم على رأسها، وشهوة “خرائطية” جديدة تتفق مع هذا. لكن كيف تحكم كل هذه الكيانات الباقية منها في حدودها، أو المعاد تخييطها من جديد؟ ما موقع ناسها من الإعراب؟

هل يمكن أن تنتهي الحرب من دون سقوط نظام الملالي الإيراني من دون أن يعتبر أن الأخير رابح؟ هل يمكن لهذا النظام – في المقابل – اختيار مرشد جديد أصلا؟ “تغيير النظام” ليس مع ذلك بالموضوعة المحببة عند ترامب. إذ يعفي الرئيس الأكثر صخبا وخطورة في تاريخ الولايات المتحدة نفسه وإدارته تماماً من موضوع تصدير أو نشر أو حتى حماية الديمقراطية عبر العالم.في الداخل الأمريكي، يلعب على سردية تجسيد أبناء الشعب من البيض بوجه النخبة و”الدولة العميقة” من ناحية وبوجه الملونين والمهمشين من ناحية ثانية، ويفهم الديمقراطية على أنها كذلك، حكم الأكثرية المختارة. لكن القيم الأمريكية غير معدة للنشر في الخارج. العالم خارج الولايات المتحدة كأنه معد من عناصر طبيعية أخرى.

ترامب هو الداعية الأول للتعامل بواقعية مع النظم التسلطية بل والنهل منها. التخفف من المؤسساتية، تقديم الولاءات على الكفاءات داخل الإدارة، التشكيك بالأجهزة الرقابية والقانونية، ليست بمظاهر عارضة هنا.

كذلك، يفرق ترامب بين الديكتاتور الطيب والطريف وبين الديكتاتور الشرير. الأول هو من يتوصل معه لتفاهم ويرضى بالمكانة المعطاة له في الهرمية العالمية. هو الديكتاتور الذي يعرف حجمه. أما الثاني فطاغية شرير لأنه نمرود ولم يعرف قدره فلزم تلقينه الدرس.

مهتم ترامب بتخفيض تمويل الصناديق والمنظمات التي تهدف لتعزيز الديمقراطية في الخارج، بما في ذلك برامج مراقبة الانتخابات ودعم المجتمع المدني. وهو لا يسعى لتسويغ دعمه لإسرائيل وصولا الى أول تشارك أمريكي معها في حرب تخوضها الولايات المتحدة الى جانب الدولة العبرية ومن دون مشاركة أي عضو آخر في حلف شمالي الأطلسي – حتى الآن، انطلاقا من معزوفة أن إسرائيل هي “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. أبدا، لا يبدو معنياً بكل هذا اللغو. هو يؤيد إسرائيل لأنها نموذج متقدم من التطرف اليميني في العالم.

أما جماعته، الترامبيون، فتراهم يتوزعون بين “محابي السامية” من غلاة الإنجيليين، الذين لن يهنأ لهم بال قبل رؤية اعادة بناء هيكل سليمان في أورشليم، وبين “لا ساميين جدد” على خلفية أن أمريكا أولا، وإسرائيل ثانياً في الحلف بين الدولتين، كما لو كان هناك مجال أصلا لأن تكون الأمور على غير هذا النحو.

في عرف دونالد ترامب، ليست أوكرانيا طليعة ديمقراطية متقدمة في وجه روسيا الأوتوقراطية، ولا تايوان جزيرة تداول على السلطة في وجه الحزب الشيوعي الصيني. يرى الى تايوان على أنها “نشال” صناعة الرقائق الإلكترونية، وتنال حماية مجانية مستنكرة. وأوكرانيا عبء مالي وعنجهية غير مريحة لا يمكن البحث عن صفقة مع روسيا إلا على حسابها في نهاية الأمر.

الكابوس الذي يمكن أن يجد ترامب نفسه وقد زُجَّ فيه هو أن يرى نفسه ينشر الديمقراطية رغما عنه. مع ذلك حين يباشر الأعمال الهجومية في أول أيام العام باختطاف الرئيس الفنزويلي، ثم يمضي، بمعية إسرائيل، الى قتل المرشد الإيراني “ولي الفقيه”، ويتوعد كوبا بأن دورها آت حتماً، فإنه يصنف من يحاربهم على أنهم أشرار وطغاة، ولا يبدو في المقابل مرتاحا من تولية ليبراليين مكانهم.

ليست هذه بمفارقة عرضية. ليس لأن ترامب يفتح مكانا للديمقراطيين والليبراليين رغما عنه، وبحيلة من حيل التاريخ، حين ينقض على فنزويلا وإيران وكوبا، أو حين يمكن أن تؤدي سياساته الاقتصادية الى زعزعة نظامي الصين أو روسيا. لكن هذا التناقض بين الدفع لضرب رؤوس على أنظمة مع عدم الحماسة لتغيير الأنظمة بحد ذاته هو تناقض ترامبي داخلي الى حد كبير. ترامب يريد أن يحلها بأن يقول: أنا أدمر ما أريد تدميره، ولست معنيا كيف سيعاد إعمار الأنظمة بعد أن أدمر ما أدمر إن تم ذلك بشكل لا يناقض إملاءاتي. منطقه يقلب الطاولة على إرث المحافظين الجدد، أيام بوش الابن، الذين كانوا يؤمنون بأن الهدم يجب أن يتبعه “بناء أمم” في دار الحضانة الإمبريالية. لسان حال ترامب يمكن تأويله في المقابل هكذا : أنا لست متعهداً لبناء ما انكسر”. الـ Nation-building هو ما لا يريده ترامب لا في فنزويلا ولا في إيران ولا في لبنان ولا في كوبا. المفارقة أن الكثير من الفنزويليين والإيرانيين واللبنانيين ومن كوبيي ميامي لا يصدقون ذلك. كراهة ترامب لإعادة بناء الأمم في البلدان التي يتدخل فيها ليست بتفصيل عارض.

معنى هذا أيضا، أنه ليس فقط ليس هناك معنى لمفردة ديمقراطية خارج الولايات المتحدة في عرف ترامب، بل ليس هناك حتى معنى لمفردة دولة خارجها، إلا بشكل تقريبي ومجازي. حجم التفاوت يزداد يوما بعد يوم بين القدرة الأمريكية الفائقة على صناعة وتحطيم الأخصام وبين انسداد الأفق أمام أي إمكانية لصياغة نظام دولي له الحد الأدنى من المعيارية والمأسسة.

كاتب من لبنان

القدس العربي

—————————–

 تركيا بين الحرب الإيرانية والتحدي الكردي.. لماذا تتحرك أنقرة الآن؟/ علي أسمر

2026.03.07

في السياسة لا تتحرك الدول الكبرى وفق ردود الفعل فقط، بل وفق قراءة مبكرة لمسارات الأحداث. وعند النظر إلى الخطوات التي اتخذتها أنقرة خلال العام الأخير، يتضح أن الحكومة التركية لم تكن تتعامل مع التطورات الإقليمية بوصفها أحداثا منفصلة، بل كجزء من مسار استراتيجي طويل يتطلب استشرافًا سياسيًا مبكرًا. وهذا ما يفسر إطلاق مسار “تركيا بلا إرهاب” قبل نحو عام، وهو مسار لم يكن موجّهًا فقط لمعالجة الملف الكردي داخل تركيا، بل كان في جوهره محاولة استباقية لتحييد أحد أخطر الملفات التي قد تُستخدم لاحقًا في الصراعات الإقليمية.

لقد علمت التجربة التركية خلال العقود الماضية صُنّاع القرار في أنقرة أن الجماعات المسلحة الكردية كثيرًا ما تتحول إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى في المنطقة. فبعد أن استُخدمت هذه الجماعات في سوريا والعراق ضمن سياقات متعددة، كان واضحًا بالنسبة إلى صُنّاع القرار الأتراك أن السيناريو نفسه قد يتكرر في إيران إذا ما تصاعدت المواجهة بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا يمكن فهم الحساسية التركية المتزايدة تجاه تحركات جماعة حزب الحياة الحرة الكردستاني المعروفة باسم بيجاك، والتي تُعد فرعًا إيرانيًا مرتبطًا تنظيميًا وفكريًا بـ حزب العمال الكردستاني.

التقارير الأمنية والإخبارية التي تحدثت عن متابعة تركيا لتحركات هذه الجماعة لم تأتِ من فراغ. فأنقرة تنظر إلى بيجاك ليس كتنظيم محلي داخل إيران فحسب، بل كامتداد لشبكة تنظيمية عابرة للحدود تمتد من جبال قنديل إلى سوريا والعراق. ومن هذا المنطلق أعربت وزارة الدفاع التركية عن قلقها من أنشطة هذا التنظيم، معتبرة أن تحركاته لا تشكل تهديدًا لإيران وحدها، بل قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. ويعكس هذا الموقف إدراكًا تركيًا بأن أي انفجار جديد في الملف الكردي داخل إيران قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى الحدود التركية.

السياق الإقليمي يزيد من حساسية هذا الملف. فالتقارير التي تحدثت عن مشاورات بين فصائل كردية إيرانية والولايات المتحدة حول إمكانية تنفيذ هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في المناطق الغربية من إيران تعكس احتمال دخول الملف الكردي الإيراني إلى لعبة التوازنات الدولية. وإذا صح هذا السيناريو، فإن المنطقة قد تشهد تكرارًا لنموذج استُخدم سابقًا في سوريا، حيث تحولت بعض الفصائل الكردية إلى شريك ميداني للقوى الغربية في صراعاتها الإقليمية.

هذا الاحتمال هو ما يقلق تركيا بالدرجة الأولى. فتركيا تدرك أن أي دعم غربي للمجموعات الكردية المسلحة داخل إيران لن يبقى محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية، بل قد ينعكس مباشرة على التوازنات في العراق وسوريا وحتى داخل تركيا نفسها. ولهذا ترى أنقرة أن منع تحول الملف الكردي الإيراني إلى ورقة صراع دولي هو جزء أساسي من حماية استقرارها الداخلي ومنع انتقال عدوى النزاعات المسلحة إلى حدودها.

التحركات الميدانية الأخيرة تزيد من هذه المخاوف. فالتقارير التي تحدثت عن تحرك مقاتلي بيجاك وفصائل كردية أخرى نحو مواقع استراتيجية في جبال زاغروس وعلى الحدود الإيرانية العراقية تشير إلى أن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من التصعيد. كما أن الأنباء عن ضربات إيرانية استهدفت مواقع لهذه المجموعات تؤكد أن طهران نفسها تتعامل مع هذه التحركات بوصفها تهديدًا أمنيًا مباشرًا. وفي حال تحول هذا التصعيد إلى مواجهة أوسع، فإن تداعياته لن تبقى داخل إيران وحدها.

في هذا السياق تحاول تركيا أن تلعب دورًا مزدوجًا يجمع بين الأمن والدبلوماسية. فمن جهة تعمل أنقرة على تعزيز التنسيق الأمني والاستخباري مع الجهات المعنية داخل إيران لمراقبة تحركات الجماعات المسلحة ومنعها من تحويل المناطق الحدودية إلى منصات صراع إقليمي. ومن جهة أخرى تسعى تركيا إلى تقصير مدة الحرب الدائرة في المنطقة عبر فتح قنوات سياسية قد تقود إلى تسوية قبل اتساع نطاق المواجهة.

وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي أشار إلى أن أي قيادة إيرانية جديدة قد تظهر خلال المرحلة المقبلة يمكن أن تشكل فرصة لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كلام فيدان لا يعكس مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل يعبّر عن رؤية تركية أوسع ترى أن استمرار الحرب سيؤدي إلى فوضى إقليمية قد تستغلها أطراف متعددة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة.

ومن هنا تحاول أنقرة طرح نفسها كوسيط محتمل قادر على استضافة مفاوضات بين الولايات المتحدة وبعض الشخصيات الإيرانية التي قد تلعب دورًا في المرحلة السياسية المقبلة داخل إيران. والهدف التركي من هذه المبادرة ليس فقط إنهاء الحرب، بل أيضًا منع تفكك الدولة الإيرانية أو تحولها إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية. فمثل هذا السيناريو سيؤدي حتمًا إلى انفجار ملفات قومية وطائفية جديدة، وعلى رأسها الملف الكردي.

وفي الوقت نفسه تعمل تركيا على عرقلة أي محاولة لجر الفاعلين الأكراد في العراق أو سوريا أو حتى داخل تركيا إلى المشاركة في أي مسار عسكري داخل إيران. فأنقرة تدرك أن مشاركة أطراف كردية مثل قوات سوريا الديمقراطية أو بعض القوى في أربيل في أي صراع داخل إيران قد تفتح الباب أمام إعادة إنتاج مشروع كردي مسلح عابر للحدود. ولذلك فإن السياسة التركية الحالية تقوم على مبدأ احتواء هذا الاحتمال قبل أن يتحول إلى واقع.

في المحصلة تبدو الاستراتيجية التركية في هذه المرحلة قائمة على معادلة دقيقة تجمع بين الاستباق الأمني والحراك الدبلوماسي. فأنقرة تحاول من جهة منع استخدام الورقة الكردية في الصراع الإيراني الغربي، ومن جهة أخرى تسعى إلى لعب دور سياسي يساهم في تقليص مدة الحرب ومنع تحولها إلى حرب إقليمية طويلة. وتعكس هذه المقاربة إدراكًا عميقًا لدى صُنّاع القرار في تركيا بأن استقرار المنطقة لا يتحدد فقط بنتائج المعارك العسكرية، بل أيضًا بكيفية إدارة التوازنات السياسية قبل أن تنفجر الأزمات.

تلفزيون سوريا

—————————-

 بين التوتر الإقليمي والتعافي.. كيف تتأثر سوريا بالصراع الإيراني الأميركي؟/ وفاء عبيدو

2026.03.07

تشهد المنطقة تصعيداً جديداً على وقع التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في تطورات تعيد طرح تساؤلات قديمة حول انعكاسات الصراعات الإقليمية على دول المنطقة وخاصة سوريا.

وفي وقت تحاول فيه سوريا الدخول في مرحلة مختلفة عنوانها الاستقرار النسبي وفتح الباب أمام فرص التعافي الاقتصادي، يبرز القلق من أن تؤثر هذه التوترات على مسار الاستثمارات المرتقبة، خصوصاً الخليجية، وعلى توقعات السوريين بتحسن أوضاعهم المعيشية بعد سنوات طويلة من الأزمات.

سوريا تحت تأثير توتر المنطقة

بين مخاوف الشارع وتحليلات الخبراء يبرز سؤال أساسي، إلى أي مدى يمكن أن ينعكس التصعيد الإيراني الأميركي على واقع سوريا الاقتصادي وفرص الاستقرار في المرحلة المقبلة.

يرى يعرب سوادي أن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة سيترك انعكاسات حتمية على المنطقة، مشيراً إلى أن بوادر ذلك بدأت تظهر بالفعل من خلال ارتفاع أسعار النفط، وهو ما قد يتبعه لاحقاً ارتفاع في كلفة الشحن، ومن ثم انعكاسات على أسعار السلع الأساسية كالغذاء والشراب.

ويؤكد سوادي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن المخاوف تتركز أيضاً على ملف الاستثمارات، موضحاً أن رأس المال بطبيعته “جبان”، ويبحث دائماً عن بيئة مستقرة أمنياً ونفسياً، وهو شرط أساسي لأي مستثمر يفكر في دخول السوق.

وفيما يتعلق بموقع سوريا ضمن هذه التطورات، يلفت سوادي إلى أنه لا يعلم إن كان مطلوباً من سوريا القيام بدور معين في هذه المرحلة، لكنه يصفها بأنها “مختبر التاريخ”، مستشهداً بوصف يُنسب إلى ونستون تشرشل بأنها “مفتاح الشرق الأوسط”، ما يعني أن أي تطور في المنطقة سينعكس بشكل أو بآخر على الداخل السوري.

ويرجّح سوادي أن يكون التأثير الاقتصادي المباشر محدوداً نسبياً، إلا أن أكبر المخاوف تتمثل في احتمال ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على حياة السوريين، خاصة أن المجتمع السوري ما يزال في بداية مرحلة التقاط أنفاسه بعد سنوات طويلة من الأزمات.

التوتر الإقليمي يهدد التعافي السوري

مع تصاعد التوتر في المنطقة، تتزايد المخاوف من انعكاسات اقتصادية قد تطول دولاً عدة، خصوصاً تلك التي ما تزال تحاول التعافي من آثار الحروب والأزمات، مثل سوريا.

في هذا السياق يرى أحمد عليان أن الحرب الدائرة تنذر بأزمة اقتصادية قد تمتد آثارها إلى العالم كله بما في ذلك سوريا، مشيراً إلى أن المؤشرات بدأت بالظهور مع ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنحو 50% بعد توقف قطر عن الإنتاج، لافتاً إلى أن سوريا ليست كأوروبا حتى تتمكن من استيعاب تداعيات مثل هذه الأزمات.

ويضيف أن سوريا التي لا تزال تحاول ترميم آثار الدمار وفتح أبوابها أمام الاستثمارات لإطلاق مسار التعافي، قد تجد صعوبة في جذب شركات أجنبية في ظل منطقة إقليمية مضطربة، كما يشير إلى أن تداعيات الحرب باتت ملموسة، مع سقوط صواريخ ومضادات في الأجواء السورية وتضرر بعض المنازل والأراضي الزراعية.

ويحذر عليان أيضاً من تأثير الحرب على طرق التوريد وإمدادات الطاقة، سواء عبر انقطاعها أو ارتفاع أسعارها، ما سينعكس مباشرة على حياة المواطنين، مؤكدًا أن اتساع الصراع ليشمل دول الخليج يمثل مصدر قلق إضافي، خاصة أنها تُعد من أبرز الداعمين المحتملين لمسار التعافي في سوريا.

المخاطر الجيوسياسية

أوضحت سوزان، التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة قد ينعكس على الوضع المعيشي في سوريا بشكل غير مباشر، مشيرة إلى أن أي توتر إقليمي يرفع مستوى المخاطر الأمنية والاقتصادية في المنطقة.

فزيادة التوتر قد تؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع كلفة النقل والتأمين والتجارة، إضافة إلى تأثيره المحتمل على استقرار الأسواق وتدفق المساعدات والاستثمارات.

وأضافت أن استمرار التوتر قد يدفع المستثمرين، ولا سيما من دول الخليج، إلى التريث قبل الدخول في مشاريع جديدة، لأن قرارات الاستثمار تعتمد إلى حد كبير على توفر بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً على المدى الطويل، وبالتالي فإن أي تصعيد واسع في المنطقة قد يعرقل مؤقتاً فرص تحسن الاقتصاد أو يؤخر إطلاق بعض المشاريع الاستثمارية إلى حين اتضاح المشهد الإقليمي.

ورغم أن سوريا تحاول حالياً التركيز على مرحلة التعافي والانفتاح الاقتصادي، إلا أن موقعها الجيوسياسي وتشابك الملفات الإقليمية يجعل من الصعب أن تبقى بعيدة تماماً عن تداعيات أي صراع كبير في المنطقة، مؤكدُة أن الخشية الأكبر تكمن في أن يؤدي توسع التوتر إلى حالة عدم استقرار أوسع في الإقليم، ما قد يؤثر على مسار التعافي الاقتصادي وفرص تحسين الظروف المعيشية للسوريين.

الحرب تربك الأسواق وتضرب مواسم البيع

تشهد بعض الأسواق السورية حالة من الترقب مع تصاعد التوترات في المنطقة، إذ يقول أصحاب المحال إن حركة البيع وتأمين البضائع بدأت تتأثر تدريجيًا، ما يهدد مواسمهم التجارية.

في هذا السياق أوضحت رانيا بعير صاحبة محل ألبسة، في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أن التوترات في المنطقة أثّرت بشكل مباشر على حركة الاستيراد، ما انعكس سلبًا على عملها، خاصة أن معظم البضائع التي تبيعها مستوردة وتعتمد على وصول الشحنات في مواعيد محددة.

وأشارت إلى أن الفترة الحالية تُعد من أهم مواسم البيع مع اقتراب العيد، إلا أن تأخر وصول البضائع وضعها أمام خسارة محتملة للموسم، موضحًة أن دفعة واحدة فقط من البضائع وصلت إلى متجرها، بينما لم تصل الدفعة الثانية حتى الآن بسبب الظروف الحالية وتعطل الشحن.

وقالت إن غياب جزء كبير من البضائع عن المحل يعني خسارة فرصة موسم كامل كانت تعوّل عليه لتعويض جزء من التراجع الذي شهدته الأسواق في الفترات الماضية.

وفي ذات الشأن، قال يوسف إبراهيم، صاحب محل لمواد الإنشاءات، إن الحرب ألقت بظلالها أيضاً على قطاع البناء، موضحًا أن حركة العمل تراجعت بشكل واضح خلال الأيام الأخيرة.

وأضاف أن حالة الترقب والقلق دفعت كثيرين إلى تأجيل مشاريع البناء أو الترميم، ما انعكس مباشرة على أصحاب المحال والعمال في هذا القطاع، مشيرًا إلى أن الحركة في السوق شبه متوقفة حالياً، قائلاً “ماضل شغل”، وإن أصحاب المحال يعانون من تراجع كبير في الدخل بسبب توقف المشاريع وتأثر الأسواق بالتوترات الجارية في المنطقة.

الطاقة أكثر القطاعات عرضة للتأثر

مع تصاعد التوترات في المنطقة، تتجه الأنظار إلى مدى تأثيرها على الاقتصاد السوري، خاصة في ظل الحديث عن استثمارات مرتقبة واتفاقيات اقتصادية تسعى البلاد من خلالها إلى دعم مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وفي هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن باب الاستثمارات في سوريا ما يزال مفتوحًا أمام الدول الخليجية وغيرها، إلا أن القنوات الرسمية والمؤسسات المعنية لم تجهز بعد لاستقبال استثمارات بالحجم الذي تم الإعلان عنه في الاتفاقيات الأخيرة.

مشيرًا إلى أن البنية التحتية ما تزال في طور التطوير، خصوصًا على صعيد الأنظمة والقوانين المتعلقة بالاستثمار، إضافة إلى البنية المؤسسية الداعمة لهذه المشاريع.

وأضاف قضيماتي أن التوتر الإقليمي الحالي لا يمكن اعتباره عاملًا محوريًا في تأخر دخول الاستثمارات إلى سوريا، موضحًا أن معظم الاتفاقيات الموقعة لم تدخل حيز التنفيذ حتى قبل اندلاع التصعيد الأخير، ما يعني أن التأخير مرتبط بعوامل داخلية تتعلق بالجاهزية الاقتصادية والإدارية أكثر من ارتباطه بالأحداث السياسية الطارئة، خاصة أن التصعيد الحالي ما يزال محدودًا زمنياً.

وحول القطاعات الأكثر عرضة للتأثر، أشار إلى أن قطاع الطاقة قد يكون الأكثر حساسية، في ظل تأثر الإمدادات النفطية في المنطقة، خصوصًا أن سوريا تستورد جزءًا من احتياجاتها من المشتقات النفطية من دول إقليمية، لافتًا إلى أن الحكومة قد تتجه إلى وضع خطط بديلة لإدارة الأزمة في حال توسع الصراع جغرافيًا أو طال أمده.

كما توقع أن يطول التأثير بعض القطاعات الأخرى مثل الطيران والسياحة، نتيجة تراجع حركة الطيران أو تغيير مساراته فوق أجواء المنطقة، إضافة إلى احتمال حدوث اضطرابات في حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وهو ما قد ينعكس ليس فقط على سوريا بل على دول الإقليم عمومًا.

وفيما يتعلق بالليرة السورية، اعتبر قضيماتي أن التذبذب الحاصل في سعرها يرتبط أساسًا بواقع الاقتصاد السوري والمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، أكثر من ارتباطه المباشر بالتوتر الإقليمي.

لكنه أشار في المقابل إلى احتمال ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة كلفة الطاقة عالميًا، وختم بالقول إن حجم الضرر الاقتصادي المحتمل على سوريا قد يبقى محدودًا نسبياً.

————————–

 من يخرج إيران من ورطتها؟/ سمير صالحة

2026.03.07

ليست الورطة مجرد كلمة عابرة، بل حالة شاملة تجمع الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. تحليل مصطلح الورطة الإيرانية اليوم يجب أن يشمل خيارات مركز القرار الإيراني في رسم السياسات، وحدود القوة العسكرية والسياسية، وأثر التحديات في تحديد استراتيجيات التحرك. كما يجب النظر أيضا إلى مدى استعدادها لتجاوز المحنة والالتفاف على الطموحات للخروج من حالة التخبط المصيري التي تعيشها البلاد اليوم.

استخدمت إيران على مدى عقود أدوات سياسية وأمنية واجتماعية ودينية في تحديد معالم سياستها الداخلية والخارجية، لكن مفاهيمها التقليدية تواجه اليوم صعوبات وعراقيل كثيرة. الورطة التي تعيشها إيران ليست مفاجئة، بل نتيجة تراكم خيارات ومواقف تبنّتها، وكان فيها الكثير من الأخطاء وسوء التقدير، والتحديات التي تحولت إلى عبء يهدد وحدة البلاد وتماسكها.

يعلّمنا التاريخ السياسي أن الورطات لا تتولد دائمًا من الأعداء في الداخل والخارج، بل من الاختيارات الاستراتيجية الخاطئة أيضًا. إيران اليوم تشبه دولًا أخرى واجهت حالات مشابهة؛ فسقطت في مصيدتها أو نجحت في الخروج منها. إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية قبل فوات الأوان أصبحت ضرورة.

تقف إيران اليوم أمام ما يمكن تسميته بـ”ورطة استراتيجية” معقدة الأبعاد ومتشعبة الخيوط، تولدت نتيجة تراكمات مزمنة من الأخطاء. سارت إيران منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وإعلان الجمهورية الإسلامية على طريق التوغل الإقليمي وصناعة الوكلاء، لكن الطريق لم يكن سهلًا. كل خطوة خارج حدودها حملت معها مخاطر ومصائد جديدة.

تواجه طهران اليوم، وبعد احتدام المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومع تضاؤل نفوذ بعض حلفائها، تحديًا استراتيجيًا لم تعرف له مثيلًا منذ عقود. فمن الثورة الإيرانية قبل عقود إلى الحروب بالوكالة في لبنان وسوريا واليمن والعراق، وصولًا إلى برنامجها النووي والصاروخي، تراكمت الأخطاء والتحالفات المشوشة لتضعها في موقف مصيري أمام الولايات المتحدة، بل وحتى أمام شركائها التقليديين مثل روسيا والصين.

ليست هذه الورطة مجرد انعكاس لضغط خارجي، بل تشمل أيضًا تناقضات داخلية متفاقمة وأزمات اقتصادية وانقسامات سياسية تجعل القدرة على المناورة محدودة للغاية. الورطة الإيرانية اليوم ليست مجرد أزمة لحظية، بل اختبار لقدرة النظام على البقاء والتكيف في عالم يزداد صعوبة وتعقيدًا.

فهل إيران ضحية مصيدة دولية؟ أم صنعت ورطتها بنفسها؟ أم أن هذه الورطة جزء من صراع إقليمي ودولي أكبر؟ من المسؤول عن الورطة؟ إيران أم التوازنات الإقليمية والدولية التي وجدت مصالحها تتضارب مع الطموحات والمخططات الإيرانية؟ وما السيناريوهات المحتملة للخروج؟

ليست الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام على الصمود، بعدما تحول المشهد إلى معركة مصير قد تقرر مستقبل الجمهورية بأكملها. تجد طهران، التي اعتادت استغلال ضعف الآخرين وتخبطهم، نفسها بين مطرقة الضغوط الخارجية وسندان الأزمات الداخلية. وكلما حاولت استعراض قوتها للرد، واجهت مزيدًا من الضغوط التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم.

تتضاءل قدرة إيران على المناورة يومًا بعد يوم. وأي خطوة قادمة ستُقاس ليس فقط بمدى قدرتها على حماية مصالحها، بل أيضًا بمدى امتلاكها فرص المواجهة وسط كل هذه الضغوط العسكرية التي تتعرض لها.

غير أن هذه البيئة بدأت تتغير بشكل ملحوظ. فإسرائيل باتت أكثر استعدادًا للانتقال من سياسة الاحتواء إلى الضربات المباشرة. والولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى تشديد الضغوط وإعادة رسم خطوط الردع. بينما تتجه بعض دول المنطقة نحو قدر أكبر من التنسيق في مواجهة التمدد الإيراني. ومع هذا التحول، تضيق مساحات المناورة التي اعتمدت عليها طهران طويلًا في إدارة نفوذها الإقليمي.

شكّلت سياسات إيران الداخلية والخارجية المحرك الأساسي لتشابكها مع ورطات متعددة، بعضها من صنعها وبعضها نتيجة صراعات إقليمية ودولية تفوق حجمها. يقف النظام الإيراني اليوم أمام تقاطع طرق استراتيجي: مراجعة جذور وأسباب الورطة ومحاولة استشراف فرص ومسارات الخروج منها.

لا يمكن اختزال الورطة الإيرانية في عامل واحد، فهي في الواقع نتاج تداخل ثلاث أزمات متشابكة: ورطة التمدد الإقليمي، الذي تحوّل مع الوقت إلى عبء مالي وعسكري متزايد؛ ورطة الاقتصاد الذي يرزح تحت نظام العقوبات، مما يجعل القدرة على تمويل الطموح الإقليمي أكثر صعوبة؛ وورطة الضغوط المعيشية والاجتماعية الداخلية التي تسهم في اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع.

يظهر في الوقت نفسه سيناريو حدوث تنسيق إقليمي محتمل بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان، سواء على المستوى الاستخباري أو العسكري. ومن بين الأهداف تقليص قدرة إيران على استغلال الفراغات الإقليمية كما فعلت خلال العقود الماضية، وهو ما يقيد خياراتها التقليدية ويزيد من صعوبة إدامة تمددها.

في المقابل، هناك روسيا والصين اللتان لا تتخليان عن إيران بالكامل، لكنهما لا تريدان ربط مصالحهما الاستراتيجية بمغامرات طهران. فروسيا ترى إيران ورقة تكتيكية في صراعها مع الغرب، بينما ترى الصين إيران شريكًا في الطاقة لكنها تفضّل الاستقرار الإقليمي. وكلاهما لا يريد مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة من أجل إيران.

تكمن المشكلة في الاستراتيجية الإيرانية في أنها خلطت بين النفوذ والقدرة. فقد استطاعت بناء نفوذ واسع عبر الوكلاء، لكنها لم تمتلك القدرة الكافية لحمايته. المشهد الحالي يذكّر بما حدث مع الاتحاد السوفيتي في سنواته الأخيرة، عندما أصبحت كلفة النفوذ الخارجي أكبر من قدرة الاقتصاد والسياسة على التحمل.

تقف طهران أمام ثلاثة خيارات: إما الاستمرار في نهج التصعيد والمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل عبر ساحات الإقليم ووكلائها، وإما الذهاب نحو إعادة تموضع تدريجي يخفف من كلفة التمدد الإقليمي ويركز على معالجة الضغوط الداخلية، وإن كان ذلك على حساب جزء من النفوذ والهيبة التي بنتها خلال العقود الماضية، أو الخيار الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، ويتمثل في محاولة فتح مسار تفاهمات أوسع مع الغرب حول البرنامج النووي وحدود الدور الإقليمي. هذا السيناريو قد يخفف من العزلة المفروضة على طهران، لكنه يستدعي تحولات سياسية صعبة ربما داخل النظام نفسه.

يصل الصديق الأكاديمي خطار أبو دياب إلى استنتاج مهم حول مستقبل إيران، حيث يتساءل عمّن “سيغيّر وجه إيران”. يبدو المستقبل الإيراني غامضًا، إلا إذا حصلت مفاجأة من نوع انقلاب يشبه نسبيًا التحول داخل نظام فنزويلا، على الرغم من الفوارق بين طبيعة النظامين. ولا يمكن استبعاد سيناريو الفوضى أو انفراط وحدة إيران، بيد أنه في حال تمكن النظام بصيغته الحالية من النجاة، فلن تسترجع طهران دورها الإقليمي، وستبقى طويلًا تحت المجهر.

يعلّمنا التاريخ أن كل ورطة استراتيجية تحمل معها فرصة للتصحيح، لكن فرصة إيران مشروطة بقدرتها على موازنة توازناتها الداخلية وطموحاتها الإقليمية. منذ هجمات 7 أكتوبر أصبح التصعيد الأميركي والإسرائيلي مباشرًا ضد إيران، ما يدفعها إلى إجراء جردة موازنة للمخاطر والتهديدات: فالتصعيد قد يقود نحو ضربة استراتيجية كبيرة، والتراجع سيؤثر في الهيبة الإقليمية. هذه هي معركة الورطة التي تحولت إلى اختبار حقيقي للقدرة على المناورة لتجنب الانزلاق نحو أزمة أشد.

تواجه إيران اليوم التحدي نفسه الذي واجهته قوى أخرى في التاريخ: طموحات إقليمية واسعة تصطدم بواقع الأدوات والموارد والقبول الدولي، وتتفاقم الورطة عندما يتحول الحليف إلى متفرج والمنافس إلى مستفيد. فالطموح الإقليمي بلا استراتيجيات واقعية يتحول إلى عبء سياسي وأمني لا يُحتمل، والقدرة على إدارة هذه الورطة ستحدد ما إذا كانت إيران ستتمكن من تجاوزها أم ستدخل في مسار طويل من التراجع التدريجي وفقدان النفوذ.

تلفزيون سوريا

———————-

هل تنتهي الحرب بتصحيح أغلاط استراتيجية؟/ رفيق خوري

السؤال المطروح في أميركا خصوصاً هو: هل لدى ترمب استراتيجية خروج؟

السبت 7 مارس 2026

أميركا ارتكبت خطأين استراتيجيين، أولهما غزو العراق بقرار من الرئيس جورج بوش الابن وإسقاط النظام الذي كان يفاخر بأنه “حارس البوابة الشرقية للأمة العربية”، وكسر السد القوي أمام الطوفان الإيراني. وثانيهما استقتال الرئيس باراك أوباما من أجل اتفاق نووي مع إيران سمح لها بممارسة أكبر عملية غش في مجال التخصيب والوصول إلى “العتبة النووية”، والأخطر هو رهانه على “الإخوان للمسلمين” في ثورات ما سمي “الربيع العربي” والعمل لقيام توازن بين قوتين إقليميتين، شيعية بقيادة الولي الفقيه علي خامنئي، وسنية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان. وهو رهان أسقطه الجيش المصري في إطار ثورة شعبية أطاحت حكم “الإخوان” في مصر، ثم جاء سقوط “الإخوان” في تونس.

على طريقة المثل الكردي القائل “لا صديق للكرد سوى الجبال”، يمكن أن يُقال اليوم “لا حليف لإيران سوى الصواريخ والمسيرات”، لكن الصواريخ حليف ضعيف في مواجهة حرب أميركية وإسرائيلية مشتركة، وسط اكتفاء الصين وروسيا بالإدانة اللفظية للحرب إلى جانب إدانتهما للاعتداء الإيراني على دول الخليج، وخسارة تعاطف أوروبا، والأخطر خسارة تركيا ودول الخليج ومصر وباكستان التي عملت كوسيط للحيلولة دون وقوع الحرب وترتيب تسوية.

ليس أمراً قليل الدلالات أن تسارع إيران العاجزة عن الرد على الهجوم المدمر في الداخل إلى قصف مراكز اقتصادية ومدنية في السعودية والإمارات العربية والكويت والبحرين وقطر وحتى مسقط، الوسيط في المفاوضات، وصولاً إلى قصف تركيا. لا بل أن ترشق دول الخليج بـ500 صاروخ و2000 مسيرة، في حين اقتصر قصفها لإسرائيل على 200 صاروخ و100 مسيرة.

هذا دليل على الوصول إلى ما سمته سوزان مالوني من مؤسسة بروكنغز قبل الحرب “يأس إيران الخطر”، بحيث أصبحت “أكثر عزلة مما كانت عليه في الماضي، ولا تستطيع فرض إرادتها على المنطقة ولا حتى الدفاع عن حدودها وشعبها”.

ذلك إن ما سماه ريتشارد فونتين وأندريا تايلور “محور الاضطراب” الذي يضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية “ليس محوراً بالمعنى الفعلي بل يجمعه الاعتراض على النظام العالمي الذي لا يراعي مكانته”.

وما فعلته إيران هو دفع المنطقة كلها إلى الاضطراب والفوضى، في رهان على توسيع دائرة الحرب لدفع دول المنطقة والعالم إلى الضغط على الرئيس دونالد ترمب لوقف الحرب بقوة الخوف على الاقتصاد والنفط وحرية الملاحة.

هذا رهان خاطئ. وأقل ما قاله وزير الخارجية التركي حقان فيدان الذي أقنع ترمب بقبول التفاوض على مطالبه الأربعة بالتقسيط، لكن طهران لم تقدم سوى قليل في المفاوضات لنجاحها، هو أن إيران ارتكبت بهجومها على دول الخليج “خطأً استراتيجياً لا يصدق”.

لكن الخطأ الاستراتيجي كان “فرعاً لخطأ استراتيجي أكبر من البداية، تحويل الإمام الخميني ثورة شعبية من أجل الحرية والديمقراطية إلى جمهورية إسلامية قمعية لديها مشروع مرتبط بالغيب ليس لها وحدها، ولا حتى لمحيطها القريب، ولا كان تأسيس أذرعها المسلحة في العراق وسوريا ولبنان ودعم الحوثيين في اليمن و’حماس‘ و’الجهاد الإسلامي‘” في غزة هو لمواجهة إسرائيل بمقدار ما هو لمقاومة الأنظمة العربية والوجود الأميركي في الإقليم.

في المقابل، فإن أميركا ارتكبت خطأين استراتيجيين، أولهما غزو العراق بقرار من الرئيس جورج بوش الابن وإسقاط النظام الذي كان يفاخر بأنه “حارس البوابة الشرقية للأمة العربية”، وكسر السد القوي أمام الطوفان الإيراني. وثانيهما استقتال الرئيس باراك أوباما من أجل اتفاق نووي مع إيران سمح لها بممارسة أكبر عملية غش في مجال التخصيب والوصول إلى “العتبة النووية”. والأخطر هو رهانه على “الإخوان للمسلمين” في ثورات ما سمي “الربيع العربي” والعمل لقيام توازن بين قوتين إقليميتين، شيعية بقيادة الولي الفقيه علي خامنئي، وسنية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان. وهو رهان أسقطه الجيش المصري في إطار ثورة شعبية أطاحت حكم “الإخوان” في مصر، ثم جاء سقوط “الإخوان” في تونس.

من المفارقات أن يحتج على الحرب الأميركية ضد إيران من رقصوا على طبول الغزو الأميركي للعراق، ومن يدافعون عن الغزو الروسي لأوكرانيا، ويتحمسون لاستعادة الصين لتايوان بكل الطرق. فما يفعله ترمب، بصرف النظر عن المواقف من أسلوبه ومقاصده، هو عملياً “تصحيح” ما فعله بوش الابن وأوباما، إسقاط نظام الملالي المصمم عبر “تصدير الثورة” لخدمة “ولاية الفقيه” ومشروعها لغرب آسيا، الذي يرى في الوجود الأميرکي ثم في “مشروع ترمب للسلام في الشرق الأوسط” أكبر عقبة على طريقه، لكن العقبة الكبرى في الواقع هي العالم العربي وأكثريته التي يستحيل أن تطوعها “ولاية الفقيه” بقوة الحرس الثوري وأذرعه والغيب.

السؤال هو هل ما يشهده العالم على يد ترمب، من فنزويلا إلى إيران، هو ما رأته “النيوزويك” الأميركية بداية “الدومينو للسلطويين”؟ الواقع أن ترمب يتصرف كسلطوي، وهو معجب بسلطويين مثل بوتين وشي جينبينغ وأردوغان وأوربان. ويقول بصراحة إن “التفاهم مع السلطويين أسهل من التفاهم مع الديمقراطيين وأفضل”، لكن اللعبة هي ضد السلطويين في دول صغیرة أو متوسطة لها أدوار إقليمية من الذين يعرقلون مشاريع السلطويين الكبار.

والسؤال المطروح في أميركا خصوصاً هو هل لدى ترمب استراتيجية خروج؟ والجواب بلسان ترمب هو أنه يعرف من سيتولى السلطة بعد سقوط الملالي. أما الجواب المضمر، فهو التصور أن أميركا بقيادة ترمب تخوض بالشراكة مع إسرائيل للمرة الأولى منذ عام 1948 المعركة الأخيرة في حرب إيران والشرق الأوسط، والنهاية هي التي تقدم استراتيجية خروج.

فهل يتحقق ما سماه المتخصص الأميركي من أصل إيراني كريم سادجاد بور ضمن مقالة نشرتها “فورين أفيرز” قبل الحرب واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي “لا غورباتشوف إيرانياً، ولكن يمكن أن يظهر بوتين إيراني”. وأي ولي فقيه، مهما يكن اسمه، معرض للاغتيال في حرب إسقاط النظام.

————————-

 سوريا وحرب الخليج الرابعة.. هل تنأى بنفسها؟/ أنس وهيب الكردي

الجمعة 2026/03/06

القاسم المشترك بين حروب الخليج الثلاثة: العراقية-الإيرانية بين عامي 1980 و1988، تحرير الكويت عام 1991، والغزو الأميركي للعراق في عام 2003، أن دمشق كانت على تحالف مع نظام الثورة الإسلامية في إيران.

والآن، في لحظة الحقيقة أمام أقسى تحدٍ وجودي يتعرض له النظام الإيراني: الحرب الأميركيةالإسرائيلية، يجد نفسه عارياً من تحالفه السوري، ركيزة نفوذ طهران الإقليمي لعقود خلت.

أما دمشق فإنها تقف أمام معضلات جيوسياسية، يزيدها تعقيداً، وضع البلاد الجغرافي، وطبيعة العملية الانتقالية الدائرة في البلاد، وشراسة هذه النسخة الرابعة من سلسلة حروب الخليج، وما حملته من تطورات مفاجئة، وما قد يرتّب عليها من تداعيات على المديين المتوسط والبعيد.

واشنطن جهزت مسرح الحرب

لم تأخذ الحرب على إيران السلطات السورية على حين غرة، إلا من حيث توقيت اندلاعها؛ فالحشود الأميركية في المنطقة والتحضيرات الإسرائيلية كادت تصم الآذان. في طريقها إلى هذه الحرب، كانت واشنطن في عجلة من أمرها، لتهدئة الأوضاع في المنطقة بما يمكّنها من تركيز طاقاتها على الجهد الحربي لهزيمة إيران. على سبيل المثال، أشرفت الإدارة الأميركية على مفاوضات باريس بين السوريين والإسرائيليين في كانون الثاني/يناير الماضي، والتي أسفرت عن “ربط نزاع” بين الجانبين. كما واكبت واشنطن هجوم دمشق على قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لانتزاع ما بأيديها من مناطق تحديداً في شمال شرق سوريا بالتوازي مع بذلها مساعي حميدة لكسر الجمود حول محافظة السويداء. دلّت التسوية التي اجترحها مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توم براك، لإنهاء القتال الدائر بين قوات الحكومة السورية وقسد، على وجود رغبة أميركية بالمحافظة على مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” وإعادة توجيههم لاحقاً إلى مسرح جديد.

نجاح تل أبيب في اغتيال المرشد علي خامنئي، ورد طهران بسلسلة من الهجمات الصاروخية وبالمسيرات ضد دول مجلس التعاون الخليجي، حوّلا الحرب إلى صراع إقليمي يمس أمن كافة دول المنطقة، بما فيها سوريا. جاءت مشاركة حزب الله في الحرب وموقف الحكومة اللبنانية الرافض لها إلى جانب إقدام الفصائل الولائية العراقية على استهداف دول الخليج العربي، لتعقّد المشهد أمام صناع القرار السوريين. وكأن ذلك لم يكن كافياً، زادت محاولات واشنطن الصريحة الرامية إلى نقل الحرب لداخل إيران عبر دعم التنظيمات المسلحة التابعة للأقلية الكردية، ليس فقط في الجغرافيا الإيرانية بل في إقليم كردستان العراق أيضاً، المخاطر أمام سوريا. أخيراً، أدى اغتيال خامنئي إلى حالة من الغليان في أوساط شيعة لبنان والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، ومن شأن تلاقي تلك الحالة مع سيطرة تيارات متشددة داخل الحرس الثوري على مقاليد الأمور في طهران، أن يفجر موجة عنف في الخارج سواء هُزمت إيران أم صمدت.

المعارك على جنبات سوريا

تواجه دمشق تعقيدات مرتبطة بالطرف الآخر في معادلة الحرب. اشتراك الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب ضد إيران، سيعزز ثقل الشخصيات والتيارات الصهيونية في واشنطن، الذين أمكن بصعوبة احتواء تحريضهم ضد الحكم السوري الجديد خلال أزمات الساحل والسويداء والمعارك مع “قسد”. تتكثف الأخطار في ظل سيناريوهات الحرب التي تعدها إسرائيل ضد حزب الله، إذ الأرجح أن تلتف الفرق العسكرية الإسرائيلية حول وجود الحزب الشبحي جنوبي الليطاني، وتحصيناته بين نهري الأولي والليطاني عبر الأراضي السورية ضعيفة التسليح، بما يمكنها من ضرب الحزب من مؤخرته وقطع التواصل بين مناطق سيطرته في: البقاع، وجنوب نهر الليطاني، وبينه وبين نهر الأولي، والضاحية الجنوبية لبيروت)، بما يسهّل عليها حصارها وعزلها عن بعضها البعض.

سيكون على الحكومة السورية التي تحكم بلاد مدمرة بعد سنوات من حرب النظام على الثورة، التعامل مع أكبر حرب تشهدها المنطقة، والخروج سالمة منها بالرغم من أن الكثير من تطورات الحرب وتداعياتها تطال سوريا بشكل أو آخر؛ إذ أن هذه الدولة محشورة بين المعارك التي تجري على جنبيها في لبنان والعراق، وفي أجوائها، بين أطراف ذات ثقل لا يستهان به في المشهد السوري. قد تلجأ الأطراف التي تشعر أن هزيمتها تقترب، إلى توسيع دائرة الحرب بما يشمل الأراضي السورية.

وليس من المستبعد أن تزيد الأطراف المتحاربة ضغوطها على الحكومة السورية لجرها إلى الانخراط في المعارك الدائرة لترجيح كفة إحدى القوى المتصارعة، تحديداً في لبنان والعراق. في هذا السياق تحديداً، سارعت الحكومة الإسرائيلية إلى تنبيه دمشق من مغبة استغلال انشغالها في الحرب لتهديد الوضع القائم في السويداء، كما حذرتها من تعزيز وجودها العسكري في محافظة القنيطرة التي قد تغزوها الفرق الإسرائيلية في طريقها لتطويق حزب الله. كما امتنعت طهران وحلفاؤها، إلى الآن، عن استهداف سوريا، على الرغم من أنهم لم يمانعوا الإيحاء بأن لديهم بنك أهداف على الأراضي السورية، وقد يستهدفوها إذ ما طرأ تغيير على الموقف السوري الحالي. أما دمشق فقد اتخذت خطوة حذرة، قد تتفهمها الأطراف المتحاربة في هذه المرحلة وإن لم ترحب بها، حيث نشرت المزيد من القوات العسكرية على الحدود مع لبنان والعراق.

سيناريوهات الحرب.. ولحظة القرار

وبينما تجتهد الأطراف المتحاربة في توسيع ساحة مناورتها، تسعى دمشق إلى تأكيد استقلاليتها وتوسيع خياراتها على المستوى الإقليمي، والتحوط لسيناريوهات الحرب المحتملة. فقد تتمكن إيران من الصمود أمام الحرب الأميركية الإسرائيلية كما صمد حزب الله في حرب تموز عام 2006، لكنها قد تمنى بهزيمة أمام التحالف الإسرائيلي الأميركي بما يجعلها تواجه احتمالات عديدة. في هذه الحالة، ربما فرضت واشنطن على طهران وقف إطلاق نار مشروط بمنع الجيش والحرس الثوري من دخول عدد من المناطق على الحدود الإيرانية الطويلة مع جوارها وتطبيق حظر طيران فوق أجوائها، أسوةً بما حدث للعراق بعد “عاصفة الصحراء” عام 1991. وربما دفعت واشنطن وراء إدخال إيران في طور من التفكك كما حصل في يوغوسلافيا، أو العراق ما بعد صدام حسين، أو أن تتركها فريسة للنزاعات الداخلية كما حصل في سوريا عام 2011.

في الوقت الحالي، تراهن إسرائيل وإيران على تحقيق أهدافهما من الحرب، من دون الحاجة إلى مشاركة أطراف أخرى، لتستأثرا بثمار النصر وحدهما. ووفقاً لنظرتهما، فإن ثمن النصر يمكن أن يُجبا من دول المنطقة وتحديداً بلاد الشام. وعلى الرغم من ذلك هنالك احتمال أن يطول أمد الحرب، وتحصل حالة من الاستعصاء. سيدفع مأزق من هذا النوع الأطراف المتحاربة نحو ممارسة المزيد من الضغوط على دمشق لتنحاز إلى إحداها.

هكذا، وبينما يحمى وطيس المعارك من حول سوريا، يتشكل إدراك عميق أن هامش المناورة أمام الحكومة السورية يضيق باطراد، وأن لحظة اتخاذ القرارات المصيرية تقترب، لمواجهة حرب الخليج الرابعة واستحقاقاتها وتداعياتها. ومن المرجح أن تتخذ قرارها واضعةً في عين اعتبارها حقيقة جيوسياسية أساسية تتمثل في أن واشنطن تمضي في توغلها بعيداً عن خط السويس-الخليج باتجاه خط طهران-تبريز، وذلك في سياق تحضيرها للعبة الكبرى المقبلة حول آسيا الوسطى على الحائط الغربي للصين..

فهل تبقى دمشق بعيدة عن هذه الحرب الدائرة في جوارها، بخلاف انخراطها بشكل أو آخر في نسخها الثلاث السابقة؟

المدن

———————–

هل ورطت إسرائيل أمريكا في حرب إيران فعلاً؟/ د. فيصل القاسم

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر أو تندلع حرب في الشرق الأوسط، يعود سؤال قديم إلى الواجهة: هل تتحرك الولايات المتحدة في المنطقة بدافع مصالحها الخاصة، أم أنها تتحرك خدمةً لإسرائيل؟ هذا السؤال يُطرح غالباً بطريقة ثنائية مبسّطة: إما أن واشنطن تقود وإسرائيل تتبع، أو أن إسرائيل تضغط والولايات المتحدة تنفذ. لكن الواقع السياسي عادة أكثر تعقيداً من هذه الصيغة الاختزالية.

العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليست علاقة عادية بين دولتين حليفتين فحسب، بل هي واحدة من أكثر العلاقات الاستراتيجية عمقاً في السياسة الدولية الحديثة. فمنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، تطورت علاقاتها مع الولايات المتحدة تدريجياً لتصبح شراكة أمنية وسياسية وعسكرية وثيقة، خصوصاً بعد حرب عام 1967. واليوم تُعد إسرائيل أحد أهم الحلفاء الإقليميين لواشنطن في الشرق الأوسط، كما أنها أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية في العالم.

لكن وصف هذه العلاقة بأنها مجرد تبعية أمريكية لإسرائيل لا ينسجم مع طبيعة النظام السياسي الأمريكي ولا مع تاريخ قراراته الاستراتيجية. فالولايات المتحدة دولة عظمى تقود شبكة واسعة من التحالفات حول العالم، وتملك مؤسسات سياسية وعسكرية وأمنية معقدة. اتخاذ قرار كبير مثل الدخول في حرب أو توجيه ضربة عسكرية ليس أمراً يمكن أن يحدث فقط نتيجة ضغط دولة أخرى، مهما كانت قريبة.

عندما يُطرح موضوع المواجهة مع إيران، تتقاطع بالفعل مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، لكن ليس بالضرورة للأسباب نفسها تماماً. إسرائيل ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وقد عبّر قادتها مراراً عن رفضهم السماح لطهران بامتلاك سلاح نووي. أما الولايات المتحدة فتنظر إلى إيران من زاوية أوسع: توازن القوى في الشرق الأوسط، أمن حلفائها، استقرار طرق الطاقة العالمية، ومنع انتشار السلاح النووي.لذلك فإن فكرة أن إسرائيل “تجرّ” الولايات المتحدة إلى صراع لا يخدم مصالحها هي فكرة مبالغ فيها. فلو كان صانع القرار الأمريكي يرى أن أي مواجهة عسكرية مع إيران ستضر بالمصالح الأمريكية بشكل كبير، فمن غير المرجح أن يقدم عليها فقط بسبب ضغوط حليف. تاريخ السياسة الأمريكية يظهر أن واشنطن تتخذ قراراتها وفق حسابات معقدة تشمل الاقتصاد، الرأي العام، التوازن العسكري، والعلاقات الدولية.

في المقابل، من الخطأ أيضاً إنكار تأثير إسرائيل داخل السياسة الأمريكية. فهناك تحالف سياسي وثقافي قوي بين البلدين، إضافة إلى تأثير مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. هذه العوامل يمكن أن تؤثر في النقاش السياسي وصنع القرار، لكنها تبقى جزءاً من منظومة أوسع تضم مصالح شركات الطاقة، والمؤسسة العسكرية، والرأي العام، وحسابات الأمن القومي.

قد يكون التشبيه الذي يقارن العلاقة بين البلدين بـ”شركة عائلية” جذاباً من الناحية البلاغية، لكنه لا يعكس بدقة طبيعة السياسة الدولية. العلاقات بين الدول لا تقوم على العاطفة العائلية، بل على مزيج من المصالح المتبادلة والقوة والنفوذ. أحياناً تتطابق المصالح بشكل كبير، وأحياناً تظهر خلافات واضحة.فعلى سبيل المثال، شهدت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية توترات حقيقية في عدة مراحل تاريخية. إدارة باراك أوباما دخلت في خلافات حادة مع حكومة بنيامين نتنياهو حول الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة. في ذلك الوقت، دعمت واشنطن الاتفاق بينما عارضته إسرائيل بشدة. هذا المثال يوضح أن المصالح ليست دائماً متطابقة.

كما أن الولايات المتحدة كثيراً ما اتخذت قرارات في الشرق الأوسط لم تكن إسرائيل طرفاً رئيسياً فيها، مثل تدخلاتها العسكرية في أفغانستان. هذه القرارات ارتبطت بحسابات أمريكية أوسع تتعلق بالإرهاب، والنفوذ الإقليمي، والسياسة الداخلية الأمريكية.

إذاً، ربما يكون التفسير الأقرب للواقع هو أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تقوم على تلاقي مصالح استراتيجية في كثير من الملفات، وليس على تبعية أحد الطرفين للآخر. إسرائيل تستفيد من الدعم العسكري والسياسي الأمريكي، بينما تستفيد الولايات المتحدة من وجود حليف قوي ومستقر نسبياً في منطقة مضطربة.

لكن هذا التلاقي في المصالح لا يعني أن كل خطوة عسكرية أو سياسية هي مشروع مشترك بالكامل، ولا يعني أيضاً أن أي طرف قادر على فرض قراراته الكبرى على الطرف الآخر. السياسة الدولية شبكة معقدة من الحسابات، وليست علاقة عائلية بسيطة حيث يقرر الأب والابن إدارة مشروع مشترك.

في النهاية، السؤال الحقيقي ربما لا يكون: من يقود ومن يتبع؟ بل: ما هي المصالح التي تجعل هذا التحالف يستمر بهذه القوة؟ فهم هذه المصالح – الأمنية والاقتصادية والسياسية – قد يكون أكثر فائدة من البحث عن سردية بسيطة تلقي المسؤولية بالكامل على طرف واحد. لكن مع ذلك مازال هناك من يعتقد أن التمييز بين المصالح الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة تمييز سخيف، فالمصلحة من الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران مصلحة مشتركة. وحتى لو لم تكن مشتركة، فهي أشبه بعلاقة بزنس عائلية، فعندما يريد الابن في العائلة مثلاً أن يقدم على مشروع تجاري ويضغط على الأب كي يساعده، فلا شك أن الأب سيساعد الابن، لأنه يدرك في نهاية المطاف أن الخسائر أو المرابح ستكون مشتركة للشركة العائلية كلها، ولا بأس أن تكون العائلة يداً واحدة وتتحمل النتائج في السراء والضراء.

٭ كاتب واعلامي سوري

القدس العربي

———————————–

هذا العدوان الإيراني على دول الخليج العربية/ بشير البكر

07 مارس 2026

جاء مفاجئاً عدوان إيران على دول مجلس التعاون الخليجي. وبرّرته طهران بتوجيه ضربات إلى القواعد الأميركية في هذه البلدان، لكن الواقع يكذّب هذه الحجّة، فقد سقط كثيرٌ من الصواريخ والمسيَّرات على مناطق مأهولة، وأصاب بعضها مؤسّسات مدنية مثل المطارات والموانئ والمناطق الصناعية والمصافي ومنصّات إنتاج النفط والغاز، ولم تفرّق إيران بين مَن كانت تعدّه صديقاً لها ومَن يقف في صفّ أعدائها. حتى سلطنة عُمان التي استضافت مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، وقامت بدور وساطة استمر حتى قبل ساعات من بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي، لم تسلم من الضربات، وتعرّض أحد موانئها لاعتداء في اليوم الثاني، وكذلك الأمر في ما يخص دولة قطر، التي سبق لطهران أنْ قصفتها في حرب الـ12 يوماً الصيف الماضي، من دون مراعاة ما بذلته الدوحة من جهد لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب لتبريد الموقف، وفتح قنوات حوار، وقد لعبت دبلوماسيتها دوراً مهماً في نقل رسائل بين طهران وواشنطن، ونجحت في أكثر من مناسبة في نزع فتيل التوتر. ثم إن ما قامت به السعودية من أجل المصالحة مع إيران يشكّل درساً في الحرص على العلاقات الثنائية، وتجاوز الخلافات، والتعالي على الحساسيات لتجنيب المنطقة نزاعات تضر بدولها وشعوبها، وما بدر من إيران من أعمال عدائية لم يأخذ في الحسبان تلك المواقف كلّها القائمة على احترام قواعد حسن الجوار. وعلاوة على ذلك، يُعدّ التصرّف الإيراني انتهازياً واستنسابياً، لأنه فرَّق بين الدول التي تستقبل قواعد أميركية، فركّز على بلدان الخليج، ولم يركّز على استهداف دول أخرى تستقبل قواعد أميركية مثل تركيا وبعض دول آسيا الوسطى، ومنها أذربيجان التي لا تخفي تعاونها العسكري والسياسي مع إسرائيل. وتزعم طهران أن هدفها من الاعتداءات على المرافق الخليجية رفع كلفة الحرب، والضغط بالنار على هذه الدول، للتدخّل لدى إدارة ترامب من أجل وقف الحرب، في وقت زرعت خلايا تجسّس وتخريب داخل بعضها كما حصل في الدوحة.

لو أن القواعد الأميركية الموجودة في بعض دول الخليج كانت منطلقاً للحرب على إيران، لأصبح قبول الحجج الإيرانية أسهل، ولكن الضربات العسكرية انطلقت من إسرائيل ومن حاملات الطائرات الأميركية المنتشرة في أعالي البحار. وقد راعت دول المجلس هذا الاعتبار، وكثّفت اتصالاتها مع واشنطن لتحييد أراضيها ومياهها، وكانت منتبهة إلى أن هناك أطرافاً، غير إيران، لها مصلحة في جرّ دول الخليج إلى الانخراط في الحرب، ومنها إسرائيل. ولا يبدو مجلس التعاون الخليجي غافلاً عن ذلك، ولذلك تجنّب التصعيد، ولم يردّ على الاستفزازات، وأبدى وحدةً في الموقف بدعم من مصر وسورية والأردن لتجاوز هذا التحدّي الكبير الذي يواجه منطقة الخليج، والمرشَّح أن يشهد تطوّرات خطيرة جداً في المرحلة المقبلة.

تقع على قادة الخليج مسؤولية تاريخية في ألا يتصرّفوا من موقع ردّات الفعل العاطفية القصيرة النفس، فينجرّوا إلى الردّ على الصواريخ بالصواريخ، لأن من شأن هذا أن يزيد المنطقة اشتعالاً، ولن يقف عند حدود النزاع الحالي، ويمكنه أن يتّسع ويطول أمده، ليستهلك قدرات الطرفين معاً، وسيجد أطرافاً خارجيةً تغذّيه كي تستثمره في سبيل مصالحها، كما حصل خلال الحرب العراقية الإيرانية التي تحوّلت إلى سوق دولي للسلاح، استهلك ثروات المنطقة قرابة عقد، وانتهى إلى إضعاف البلدَين. والمطلوب من قادة دول مجلس التعاون أن يتحلّوا بالحكمة، وتعزيز الموقف الداخلي، وتصليب الجبهة الداخلية، للحدّ من أخطار هذه الحرب على بلدانهم، وتجنيبها الانجرار إليها، مهما كانت الأسباب، فهي ليست حربهم تحت أي ظرف كان.

العربي الجديد

———————

هل من حدود للعدوان الأميركي الصهيوني على إيران؟/ عمار ديوب

07 مارس 2026

تجاوزت الإدارة الأميركية والصهيونية قضايا الخلاف مع السلطة الإيرانية (إنهاء الملف النووي وإنتاج الصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية)، فقد أصبحتا تتحدثان عن تغيير النظام، وليس تعديل سلوكه. وهذا يعني أن ما قيل إنهما استخدمتا التفاوض من أجل الإعداد للحرب سليم للغاية؛ وها هي الحرب تطاول مرتكزات النظام الأمنية والعسكرية كلّها، وكذلك الشرطية والدينية وسواهما، وليس ما ذكرناه فقط. وضمناً، قطعت الدولة الصهيونية، منذ “7 أكتوبر” (2023) “أذرع” إيران الخارجية، ويبدو أنها تتجه نحو حربٍ برية واسعة على لبنان، للانتهاء من حزب الله، وفرض وصاية مستمرّة عليه؛ هذا ما تطمح إليه. هل تنجح، هل تخفق؟… هذا موضوع آخر، ولكن إمكانية تهميش حزب الله أكثر فأكثر تبدو ممكنة. ومن ثم، كان قرار حزب الله الدخول في أتون الحرب للدفاع عن إيران خاطئاً كلياً، وقد بدأ التهجير الكامل لحاضنته من جنوب لبنان؛ ويزيد عدد المهجرين والنازحين على 85 ألف شخص، عدا عن عشرات القتلى ومئات الجرحى، والدمار واسع للغاية؛ وفي الأثناء أصبحت الحكومة اللبنانية تعتبر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية محظورة.

صار واضحاً لدى النظام الإيراني، الذي فقد مرشده وكثيرين من قادته، أن العدوان عليه تجاوز ما جرى في يونيو/ حزيران الماضي، “حرب محدودة”، والدولة الصهيونية لن تقبل بأقل من الإجهاز عليه. قام بتوسيع عملياته، راغباً في التفاوض من جديد، فاستهدف كل دول الخليج، وكذلك سلطنة عُمان (الوسيط)، وأصابت صواريخه ومسيّراته منشآت اقتصادية ومدناً، ولم تقتصر على القواعد الأميركية في هذه البلدان. لم تطمئن اتصالات الدبلوماسية الإيرانية دول الخليج بأن إيران لا تشنّ عدواناً ضدها، والصواريخ التي تصيب تلك الدول قد تدفعها إلى التصعيد ضد إيران، وإن لم يصل إلى إمكانية إعلان الحرب ضدها، ولكن ربما تعلنها بعضها.

لم تعد الدولة الصهيونية تهتم بالاتفاقات الإبراهيمية، ولا باتفاقات السلام، وتبدو في طريقها إلى فرض نوع من السيطرة الكاملة على المنطقة، ولهذا نجد تخوّفاً تركياً وسعودياً ومصرياً من نتائج العدوان على إيران، وهناك أفكار تقول إن الحرب ستطاولها بعد الإجهاز على إيران؛ هل هذا خاطئ؟ لا. تتّجه هذه الدولة إلى فرض سيطرتها “سلماً أو حرباً”، ولكن هل هي قادرة على ذلك؟ لمواجهة هذا الطموح، تتطلّب القضية تحالفات إقليمية واسعة، وهناك تحرّكات إقليمية في هذا الاتجاه بالتنسيق مع الأميركيين، وربما هذا ما سيلجم الدولة الصهيونية عن التفكير في مهاجمة تركيا أو مصر أو السعودية، ولكن ما ستدعمه الإدارة الأميركية هو تحالف مع الدولة الصهيونية، وليس بالضد منها أو بموازاتها، ولهذا تبدو هذه الإدارة تمسك العصا من المنتصف بخصوص الدول أعلاه، وبخصوص تحالف آخر تعمل لأجله الدولة الصهيونية مع الهند والإمارات واليونان وقبرص، وسيكون تغيير النظام في إيران ضرورياً لتحقيق هذا التحالف كذلك. إذن، هناك ضغوط صهيونية مقبلة على الدول الإقليمية، والأميركيون يفضلون التنسيق معها ومع الدولة الصهيونية، ولكن هل يسقط النظام الإيراني قبل ذلك؟ تتجه تطوّرات الحرب في هذا الاتجاه، ولا سيّما أن طرفَي العدوان الرئيسَين بدآ كلاماً عن إمكانية غزوٍ بري لإيران، أو دعم جماعات مسلحة إيرانية، وبدأت الجماعات الكردية بالتحرّك (؟).

تخشى دول المنطقة كثيراً هذه الحرب التي تقسّم إيران، وسينعكس ذلك عليها جميعاً بصيغةٍ ما؛ فالمنظومة الخليجية هي الأقوى عربياً، فهل ستستطيع إدارة ملف الأمن القومي العربي، ومواجهة الطرفَين أعلاه بخصوص القضية الفلسطينية، والتطوّرات في غزّة أو الضفة؟ لدينا مشكلة هنا، أن هناك “خلافات” بين دول هذه المنظومة. الخشية الآن من تغييرات داخل هذه الدول ذاتها؛ للتوضيح، الإدارة الأميركية بعدوانها ضد إيران ستفرض هيمنةً كاملةً على المنطقة، ولا سيّما على الدول الأكثر ثراءً، وهو ما فعله ترامب من خلال ابتزاز هذه الدول بصفقات الأسلحة ومنذ فترة رئاسته الأولى، ويبدو أنه يتجه نحو الهيمنة “الكاملة” عليها في إطار التنافس الدولي على الموارد والمعادن وخطوط التجارة الدولية. فكرة التغيير بقوة السلام أصبحت خلف ظهر ترامب، فالسلام الآن عبر العدوان وتقاسم العالم؛ المثال ما جرى في غزّة.

كان خيار إيران بالمواجهة خاطئاً، وسيظل كذلك ما لم تتجه نحو صفقة كبرى، تتضمّن تغيير النظام ذاته، وإيقاف الدمار. تبدو الخيارات صفرية لدى كل من النظام وطرفي العدوان. ومن ثم، هناك تطوّرات خطيرة على المنطقة بأكملها، ولن تستفيد منها جميعاً، كما قد يسود بعض الفهم القاصر؛ العدوان يهدف إلى فرض الهيمنة الأميركية والسيطرة الصهيونية على المنطقة، وليس إيران فقط، فهل هذا ممكن؟

تتجه الدول الكبرى، والأكثر نفوذاً، نحو إعادة تقاسم العالم، وما ساد من نظرية تؤكّد أن العالم يتجه نحو تحالفات إقليمية، وأن العولمة تتراجع بعد أن قال بعضهم إنها ستؤنسن العالم، يبدو خاطئاً بشكل هائل؛ لقد كانت العولمة (وما زالت)، والأميركية منها بالتحديد، لمزيد من الهيمنة الإمبريالية على العالم وتفكيكه، وستتجه الصين نحو سياساتٍ كهذه، وتفرض هيمنتها على العديد من دول العالم، وهذا قد ينذر بالأسوأ، وبإمكانية حرب عالمية، ولكنها الآن ليست في جدول كل من الصين وأميركا.

تبدو إيران وحيدةً في مواجهة العدوان، ولم تبدِ الصين دعماً حقيقياً، والروس أيضاً غارقون في قضية أوكرانيا، ويتجه ترامب إلى عقد صفقة بخصوصها، فيتقاسمها مع بوتين؛ ولن يستفيد الاتحاد الأوروبي منها، وتتكاثف الانتقادات الأميركية ضد مواقفه من الحرب على إيران، وبسبب ذلك تتحرّك بعض الدول الأوروبية بشكل خجول لتشترك في الحرب التي تراها حرباً لتعزيز الهيمنة الأميركية على العالم، وستنعكس تعزيزاً للهيمنة الأميركية على أوروبا ذاتها؛ ومن ثم تتحرّك لعلّها تنال بعض ثروات العالم في ظل المعركة على تقاسم العالم، التي بدأها بوتين في أوكرانيا، والآن يكمل مسارها ترامب بالعدوان على إيران، فهل تتجه الصين نحو تايوان؟

العدوان على إيران هو نهاية مرحلة التمدّد الإيراني لما بعد احتلال العراق 2005، ولكنه كذلك نهاية التدخّلين، الروسي والصيني، في المنطقة الذي فشلت فيه روسيا، ولا سيّما في سورية، ولم تنجح به الصين في الخليج أو العراق. الإدارة الأميركية، وبعد أن تبنّت استراتيجيةً أمنية أكثر من عقد لمواجهة الصين، أعادت تمركزها في المنطقة، ويبدو أن إدارة ترامب تفضل التهام دول عديدة قبل التفرّغ للحرب مع الصين، وها هي تتمركز في أميركا اللاتينية وفي منطقتنا ومناطق أخرى.

أخطأت إيران حينما لم تستجب للانتفاضات المتتالية داخلها. السؤال الآن، هل ستستطيع كل الأطراف الإيرانية الوصول إلى تحالف واسع يعي خطورة ما يحدث من تطوّرات عالمية تستهدف إيران التي قد تُحتلَّ، والاهتداء إلى مشروع وطني لإيقاف الحرب، والوصول إلى صفقة مع طرفي العدوان ومع المنظومة الخليجية، وبما يغيّر من سياسات هذا البلد نحو سياسات تصالحية مع العرب عامة؟… لا تبدو الأمور تتجه نحو خيارٍ طوباويٍّ كهذا نوعاً ما، ولكنه الأكثر واقعية لإنقاذ هذا البلد؛ تبدو إيران، سلطةً ومعارضاتٍ، تتجه نحو التفكّك، وربما إلى التقسيم، وربما إلى الحرب الداخلية؛ هل هناك سيناريو آخر؟… ربما، وهذا يفترض أن يظهر من خلال شخصيات إصلاحية وعسكرية ودينية بارزة من النظام الحالي والمعارضة، وبما يخفّف من آلام المرحلة الانتقالية، وتتجه نحو نظام يليق بتضحيات الإيرانيين عبر انتفاضاتهم المتكرّرة منذ 1979، ولتشكيل نظام ديمقراطي.

هل بالغنا في تحليلاتنا “الطوباوية” هنا؟… ربما، وهنا الخطورة. الخلاصة أن إيران تتجه لتصبح مثل عراق ما بعد 2003.

العربي الجديد

—————————–

 القصف الجوي لا يسقط الأنظمة/ شفيق طاهر

الجمعة 2026/03/06

في كل حرب حديثة تقريباً، يعود السؤال نفسه، هل يكفي القصف الجوي لإخضاع الخصم سياسياً؟ هل يمكن للطائرات، وحدها، أن تنهي حرباً، أو أن تسقط نظاماً، أو أن تكسر مجتمعاً حتى يثور على حكامه؟ تتكرر مشاهد المدن المهدمة والليل المضاء بحرائق الانفجارات كأنها لغة سياسية بديلة، رسالة بالنار تريد أن تختصر مسافات السياسة، وتختصر تعقيد المجتمعات، وتختصر كلفة الحرب البرية.

لكن التاريخ، ومعه أدبيات الحرب الجوية، يقدم جواباً أقل درامية بكثير، القصف قد يدمر، وقد يؤلم، وقد يبدل ميزانا عسكريا، لكنه نادراَ ما يُترجم وحده إلى حسم سياسي. بل كثيراً ما ينتج عنه مفاعيل معاكسة لما يريده من يشنه، خصوصاً حين يراهن عليه لتفكيك مجتمع أو دفعه للتمرد على سلطته تحت ضغط الخوف.

أسطورة الحسم من السماء

في عشرينيات القرن الماضي، صاغ الجنرال الإيطالي جوليو دوهيه خرافة الحرب التي تربح من الجو. الفكرة بسيطة، إضرب المدن، روّع السكان، وسيقع انهيار معنوي سريع، تحت ضغط الخوف والخسائر، سيجبر المواطنون حكوماتهم على الاستسلام أو سيقلبونها من الداخل. منذ ذلك الوقت، لم تمُت هذه الفكرة، رغم أنها تعثرت في كل اختبار كبير تقريباً. ومع ذلك تُستعاد، لأن التكنولوجيا تغري الساسة. صور الأقمار الصناعية، ذخائر الاختراق ودقة الإصابة، تمنح القصف الجوي هيئة حل نظيف لا يحتاج إلى احتلال ولا إلى جنائز جماعية لجنود المهاجم.

ولأن القصف ليس برنامجاً سياسياً، ولا يمكنه وحده تصنيع جماهير مطواعة. هنا تأتي مساهمة الباحث الأميركي روبرت بابي، الذي وضع إطارا اصبح اليوم من أكثر الاطر تفسيرا لجدل الإكراه الجوي. يميز بابي بين ثلاث مقاربات:

– العقاب: قصف المدنيين أو بيئاتهم لخلق ضغط داخلي على السلطة.

– التصعيد التدريجي: رفع وتيرة الضربات على مراحل لصناعة رعب من القادم.

– الحرمان والمنع: ضرب القدرات العسكرية واللوجستية لمنع الخصم من تحقيق أهدافه.

غزة.. حين يتحول العقاب إلى وقود سياسي

إسرائيل طبّقت ذلك في غزة، حيث تقاطعت الاستراتيجية العسكرية مع هدف معلن بتفكيك بنية حركة “حماس” وإضعاف قدرتها، لكن الواقع الميداني يشي أيضا باستراتيجية ردع عبر الرعب، قصف واسع، نزوح، تدمير عمراني واجتماعي ورسالة تقول إن ثمن البيئة الحاضنة سيكون شاملاً. هذه أقرب ما تكون إلى العقاب بالمعنى الذي يحذر منه بابي. محاولة صناعة ضغط داخلي عبر الألم.

المفارقة أن هذا النمط قد يفضي إلى نتيجة معاكسة، بدل أن يخلق شرخاً بين المجتمع والفاعل المسلح، قد يعمق الاعتماد عليه، أو يرفع منسوب التعاطف معه، أو يوسع دائرة من يرى الصراع وجودياً لا سياسياً.

والأخطر أن منطق العقاب لا يُضعف خصماً محدداً بقدر ما يعيد تشكيل المجتمع كله. خسارة البيت، المدرسة، المستشفى وذاكرة المكان، تصنع رأياً عاماً يعيش داخل صدمة طويلة، قد ينجح القصف في تدمير جغرافيا، لكنه يخلق في الوقت نفسه زمناً سياسياً أطول للصراع، ثأر يتراكم، وأجيال تتربى على أن الحرب ليست حدثاَ بل قدراَ.

إيران.. ضربة للقدرات أم حلم بتغيير النظام؟

في الحالة الإيرانية، يختلط المنع بالحلم السياسي. ضرب منشآت نووية وعسكرية يمكن فهمه ضمن منطق الحرمان، تعطيل برنامج، إبطاء قدرات، تدمير بنية تحتية استراتيجية. هذا هدف يمكن قياسه ًعسكريا على المدى القصير. لكن ما يلمح إليه عادة في الخطاب السياسي المرافق، خصوصاً حين تُذكر فرصة تغيير النظام، يقفز إلى منطق آخر، افتراض أن الضغط الخارجي سيحوّل التململ الداخلي إلى انفجار.

الأنظمة السلطوية لا تسقط لأن الناس تألمت فقط، تسقط عندما تتشقق نخبها، أو تتعطل أدوات القمع، أو تظهر بدائل تنظيمية قادرة على التقاط لحظة الغضب. أما القصف الجوي، في كثير من الحالات، فيمنح السلطة ذريعة تعبئة قومية، ويعيد ترتيب الصفوف حول شعار الدفاع عن الدولة حتى لدى فئات ناقمة عليها، أو يرفع كلفة الاعتراض الداخلي تحت عنوان الطابور الخامس. أي أن الضربة قد تضعف قدرة عسكرية، لكنها قد تقوي مناعة النظام سياسياً في المدى القصير، عبر تحويل الصراع إلى معركة سيادة لا معركة حكم.

لماذا يستمر هذا الرهان إذن؟

لأن القصف يقدم للسياسي وعداً مغرياً. نتائج بلا احتلال. ضغط بلا خسائر برية كبيرة، وصورة قوة يمكن عرضها على الشاشات.

من دوهيه إلى بابي، من الواضح أن القصف الجوي ليس عديم الجدوى، بل أن جدواه مشروطة، ينجح حين يكون منعاً لقدرات الخصم ضمن مسار سياسي وعسكري متكامل، ويفشل حين يُقدم بوصفه بديلاً عن السياسة أو عن الأرض. من هنا، فإن السؤال الحقيقي في إيران الآن، وكما كان في غزة، ليس كم ضربة ستقع؟ بل ما هو المخرج الذي سيحول الضغط العسكري الجوي إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار؟

من دون مسار يوقف هذا الانحدار، ستبقى القنابل تؤدي وظيفتها الوحيدة المضمونة، إنتاج المزيد من الركام، وأسباباً إضافية لإطالة أمد الحرب بدل إنهائها.

المدن

———————

فرصة خطرة لكرد إيران/ محمد أ. صالح

لا يمكن للجماعات الكردية والمعارضة الإيرانية رسم مستقبل أفضل إلا بالعمل معا

06 مارس 2026

مع احتدام الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أفادت تقارير بأن واشنطن قررت التعويل على دعم الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية. وتعتمد هذه الخطة، على ما يبدو، على أن تؤدي تلك الجماعات دور قوات برية داخل المنطقة الكردية في إيران، المعروفة لدى الكرد باسم روزهلات. واكتسبت هذه التقارير قدرا أكبر من المصداقية عقب اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومصطفى هجري، رئيس ائتلاف من أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية تشكل في أواخر فبراير/شباط. وعزز هذا الاتصال مكانة الكرد في إيران، ورفع مستوى حضورهم على نحو غير مسبوق، إذ بدا أن هجري القائد الوحيد لجماعة معارضة إيرانية الذي أجرى حديثا مباشرا مع ترمب خلال الصراع.

بالتوازي مع هذه التطورات، صعّدت الحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية ضرباتها على أهداف للنظام في مختلف أنحاء كردستان إيران. ويوحي اتساع هذه الضربات بأنها تستند إلى خطة مدروسة ترمي إلى تفكيك البنية الأمنية للنظام في المنطقة الكردية برمتها، بما يشمل منشآت الحرس الثوري، والجيش النظامي، وقيادات حرس الحدود، ومراكز الاستخبارات، وحتى مراكز الشرطة. ويبدو أن المقصود هو تقويض قدرة النظام على المواجهة إذا اندلعت انتفاضة شعبية، أو إذا دخلت قوات المعارضة الكردية الأراضي الإيرانية انطلاقا من إقليم كردستان العراق المجاور.

وتفيد متابعة ردود الفعل في الإعلام الكردي وفضاءات التواصل الاجتماعي، إلى جانب أحاديث مع مراقبين كرد في أنحاء المنطقة، بأن كثيرين من الكرد ينظرون إلى احتمال المشاركة في الصراع باعتباره مجازفة خطرة وفرصة تاريخية في الوقت نفسه. فإذا نجحت هذه المشاركة، فقد تفتح أمام الكرد آفاقا سياسية أفضل داخل إيران وتعزز موقعهم فيها. أما إذا أخفقت، فقد تكون كلفتها باهظة، إذ تلقي بأعباء كبيرة على المجتمعات الكردية في إيران والعراق معا. وفي هذه اللحظة المشحونة، فإن أفضل ما يمكن أن يفعله كرد إيران، وما يمكن أن يخدم أيضا قيام دولة ديمقراطية، هو أن تتعاون جماعات الأقليات العرقية مع المعارضة الإيرانية الأوسع.

لكي ينجح أي تدخل مسلح تنفذه الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية، على الأقل من المنظور الكردي، فلا بد من أن يحظى بغطاء عسكري أميركي-إسرائيلي مستدام. ولا يقل عن ذلك أهمية أن يتوافر له دعم سياسي لا يقتصر على المرحلة الراهنة من الصراع، بل يمتد إلى ما بعدها أيضا، سواء انهارت الجمهورية الإسلامية، أو بقيت قائمة وهي أكثر ضعفا، أو دخلت مرحلة تحول. وإذا رفع صناع القرار في واشنطن هذا الدعم بعد أن شجعوا الكرد على الانخراط ميدانيا، فقد تكون العواقب كارثية، إذ قد يترك ذلك المجتمعات الكردية في أنحاء المنطقة عرضة لعمليات انتقام واسعة تنفذها الدولة الإيرانية. وهذا الاحتمال ليس بعيدا، إذ سبق أن شهدت المنطقة حالة مشابهة في أعقاب حرب الخليج عامي 1990 و1991. ففي تلك المرحلة، انتفض الكرد على الرئيس العراقي صدام حسين بعدما حضهم الرئيس الأميركي آنذاك جورج إتش دبليو بوش على ذلك، لكنهم بقوا في مواجهة العمليات العسكرية التي شنها نظام حسين. ولم يتحرك المجتمع الدولي لوقف حملته الوحشية إلا بعد مشاهد النزوح الجماعي للمدنيين الكرد، وأطفال يموتون من البرد في الجبال.

ولا تزال صدمة الحرب السورية ماثلة بقوة في وعي الكرد في أنحاء المنطقة. ففي سوريا، بدا في أكثر من مرة أن القوى الدولية توشك أن تترك القوات الكردية تواجه وحدها هجمات شنتها قوات الحكومة السورية وميليشيات حليفة لها في يناير/كانون الثاني الماضي. ومن هنا، يتزايد تشكك المراقبين الكرد فيما إذا كان الدعم الأميركي في الحالة الإيرانية سيصمد فعلا، أم إنه لن يكون سوى دعم عابر تحكمه حسابات اللحظة. ومن دون التزام طويل الأمد من الولايات المتحدة وحلفائها بدعم المجتمعات الكردية في إيران والعراق، يبدو الانخراط في هذا الصراع، في نظر كثير من الكرد، محفوفا بعواقب بالغة الخطورة.

في الواقع، لا يهدد هذا المسار كرد إيران وحدهم. فانخراط الجماعات الكردية الإيرانية في الصراع الحالي قد يفضي إلى تداعيات إقليمية واسعة، وقد يدفع كرد العراق أيضا ثمنه إذا اتسعت رقعة المواجهة. ولا تزال منطقة كردستان العراق تواجه ضغوطا وهجمات من إيران، ومن ميليشيات شيعية عراقية متحالفة مع طهران. وتدل تصريحات قيادة كردستان العراق على أن قدرتها على التأثير في القرارات الاستراتيجية الكبرى التي تتخذ في واشنطن تظل محدودة. كذلك، يبدو أن التعاون بين القوات الأميركية وجماعات المعارضة الكردية الإيرانية سيستمر بصرف النظر عن موقف سلطات أربيل. كما أن منطقة كردستان، التي يعيش فيها أكثر من ستة ملايين نسمة، شديدة الاعتماد على الولايات المتحدة في الأمن والإسناد السياسي، وهو ما يحد من قدرتها على معارضة المبادرات الأميركية علنا. ومنذ 28 فبراير/شباط، مع بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، تعرضت كردستان العراق بالفعل لهجمات متصاعدة نفذتها إيران وميليشيات عراقية حليفة لها. ويرجح أن يتسع نطاق هذه الهجمات وتشتد إذا دخلت قوات المعارضة الكردية الإيرانية على خط المواجهة.

ومن المرجح أن يثير هذا التطور قلق تركيا، بما يضيف مزيدا من التعقيد إلى المشهد. فأنقرة تنظر منذ وقت طويل بعين الريبة إلى أي مكاسب سياسية تحرزها الجماعات الكردية في المنطقة، لأنها تربطها على الدوام بمسألتها الكردية في الداخل. ومن هذا المنطلق، يرجح أن يعارض صناع القرار الأتراك اتساع الدور السياسي الكردي في إيران. كذلك، فإن احتمال انخراط جماعات بلوشية في جنوب شرق إيران قد يفتح الباب أمام دخول باكستان على الخط أيضا، لأن إسلام آباد تتحسب بدورها من أي حراك قومي بلوشي.

ومع ذلك، تنطوي لحظة التعاون الراهنة مع واشنطن على جاذبية كبيرة لدى كرد إيران. فبالنسبة إلى مجتمع عانى طويلا من التهميش السياسي، ومن القيود المفروضة على حقوقه الثقافية واللغوية، ومن التهميش الاقتصادي، تمثل هذه اللحظة فرصة نادرة للمطالبة بحقوق سياسية استعصت على التحقيق طوال قرن من تاريخ إيران الحديث.

في حين تصور بعض التعليقات في الإعلام الغربي ودوائر صنع القرار، على نحو مضلل، الحراك الكردي وغيره من حركات الأقليات العرقية على أنه نزعة انفصالية، أو تلمح إلى أنه مجرد أداة في يد قوى خارجية، فإن انخراط الكرد في الحرب الدائرة يعكس دينامية سياسية أعمق داخل إيران لا يستقيم فهمها من منظور عسكري صرف. ويتعامل الكرد مع هذه اللحظة في سياق تاريخهم ومظالمهم المشروعة.

وخلال العقد الماضي على وجه الخصوص، تزايدت أهمية الانتماء العرقي بوصفه عاملا مؤثرا في السياسة الداخلية الإيرانية. وبرز هذا التحول في موجات الاحتجاج المتعاقبة منذ عام 2017، إذ غدت المناطق ذات الغالبية غير الفارسية، ولا سيما الكردية والبلوشية والعربية، من أبرز ساحات الحراك. ومع أن إيران لا تنشر إحصاءات رسمية عن تركيبتها العرقية، فإن تقديرات كثيرة تشير إلى أن ما يقارب نصف سكان البلاد ينتمون إلى جماعات غير فارسية، مثل الأتراك الأذريين والكرد واللور والعرب والبلوش والتركمان وغيرهم. وتتركز هذه الجماعات إلى حد كبير في المناطق الحدودية، فتطوق جغرافيا قلب البلاد. أما الفرس، ومعظمهم من الشيعة، فما زالوا يشكلون الجماعة المهيمنة سياسيا داخل مؤسسات الدولة.

إن تصوير الكرد وغيرهم من الجماعات العرقية المعارضة الأخرى على أنهم انفصاليون يعملون لحساب قوى أجنبية يتجاهل البنية الأعمق التي أفرزت هذه الجماعات وحددت مسارها. فكثير من هذه القوى نشأ في الأصل ردا على عقود من السياسات التمييزية الممنهجة والراسخة التي انتهجتها الدولة. ومع امتداد سنوات الحراك من دون أن تفضي إلى تغيير يذكر، ترسخ لدى كثيرين داخل هذه المجتمعات شعور بأن فرص الإصلاح الجاد من داخل النظام السياسي الإيراني القائم باتت محدودة.

ويتجلى ذلك بوضوح أكبر حين لا تبدي حتى أبرز شخصيات المعارضة خارج إيران استعدادا جديا للتجاوب مع المطالب السياسية والثقافية للأقليات العرقية. فولي العهد السابق رضا بهلوي، مثلا، لم يقدم ما يدل على مرونة سياسية أو خطابية حقيقية في ما يخص حقوق الأقليات. كذلك، دأب مسؤولو الجمهورية الإسلامية، ومعهم قطاعات من المعارضة في المنفى، على وصم نشطاء الأقليات بالانفصال، وهي تهمة ثقيلة العواقب داخل إيران. وعلى مر السنين، أعدمت الدولة في عهدَي ملكية بهلوي والجمهورية الإسلامية أعدادا كبيرة من الناشطين السياسيين الكرد وغيرهم من أبناء الأقليات العرقية تحت هذه التهمة.

ومن المرجح أن يقتضي أي انتقال سياسي مستدام في إيران إعادة تصور الهوية الوطنية على أسس جديدة. فالسردية الرسمية السائدة ما زالت تمنح اللغة والثقافة الفارسيتين، إلى جانب الإسلام الشيعي، موقع الصدارة في تعريف الهوية الإيرانية. لكن إيران، في واقعها الاجتماعي، بلد تتداخل فيه جماعات عرقية ودينية متعددة، الأمر الذي يجعل ترسيخ تصور أكثر شمولا وتعددا للهوية الوطنية شرطا ضروريا لاستقرار طويل الأمد. ومن دون إطار سياسي جامع يعكس هذا التنوع، سيصعب على هذه المجتمعات أن ترى نفسها ممثلة بحق في مستقبل الدولة الإيرانية.

وحتى إذا اتجهت واشنطن وحلفاؤها إلى إضعاف النظام الحالي أو إزاحته في نهاية المطاف، فلن يكون في مقدور الجماعات الكردية وحدها أن تحدد مستقبل إيران السياسي. ففاعلية هذه التنظيمات تبقى متركزة أساسا في الإقليم الكردي، في حين أن أي تحول أوسع في النظام الإيراني يحتاج إلى تعاون بين طيف واسع من قوى المعارضة. لذلك، فإن دفع التنسيق بين جماعات المعارضة العرقية والقوى السياسية الإيرانية الأكثر حضورا يظل شرطا ضروريا لأي انتقال سياسي مقبل. وأبدى الكرد مرارا استعدادهم للحوار مع سائر قوى المعارضة، وأعلنوا دعمهم لإطار سياسي يقوم على الديمقراطية والتعددية والشمول.

ويبدو أن الفاعلين الكرد يدركون جيدا حجم المخاطر التي ينطوي عليها الانخراط في الصراع الحالي، ولذلك يرجح أن يتصرفوا بحذر. لكن العامل الأعمق وراء عدم الاستقرار في إيران، وفي جزء واسع من الشرق الأوسط، يظل متمثلا في بنى الدولة السلطوية العنيفة شديدة المركزية، التي حرمت شرائح واسعة من السكان، على امتداد عقود، حقوقا سياسية وثقافية فعلية. وأي نقاش عن مستقبل هذه الدول ومسألة الأقليات، من دون مواجهة هذه الحقائق البنيوية، لن يفضي إلا إلى تكرار دوامات القمع وعدم الاستقرار والمغامرات السياسية اليائسة التي أنهكت المنطقة على مدى عقود.

ينشر بموجب اتفاق مع مجلة “فورين بوليسي”

المجلة

—————————-

المعارضة الكردية: التمرد كأداة ضغط على إيران/ مهيب الرفاعي

6 مارس 2026

أنتجت الحرب الدائرة حول إيران ديناميكية ميدانية جديدة تتمثل في نشوء جبهة برية كردية في المحافظات الغربية للبلاد بعد انتقال جماعات المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة على طول الحدود العراقية-الإيرانية إلى مرحلة الحشد العملياتي، وتحرك آلاف المقاتلين نحو مواقع متقدمة داخل الشريط الحدودي الممتد بين إقليم كردستان العراق وغرب إيران.

تُركّز هذه التحركات في القطاع الجبلي الممتد بين شمال محافظة السليمانية العراقية وصولًا إلى محافظة أذربيجان الغربية الإيرانية؛ و تشارك فيها 6 أحزاب  أهمها فصائل مرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب الحرية  (PAK)، وفصائل حزب كومالا، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، حيث دفعت هذه التنظيمات مجموعات مقاتلة إلى مواقع قريبة من مدن حدودية مثل بيرانشهر وسردشت وبانه. وتشير هذه التطورات إلى انتقال الصراع من نمط المواجهة غير المباشرة الذي اعتمد خلال السنوات الماضية على الضربات الجوية والحرب السيبرانية والصواريخ إلى نمط اشتباك بري محدود يعتمد على عمليات تسلل وتموضع قتالي في العمق الحدودي الإيراني ، وهو أمر غير مسبوق في أي عملية مضت.

تُبرز الجغرافيا العسكرية للمحافظات الغربية الإيرانية أهمية هذه الجبهة الناشئة؛ إذ تمتد محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية على طول سلسلة جبال زاغروس التي يبلغ طولها نحو 1500 كيلومتر وتشكل حاجزًا طبيعيًا بين الهضبة الإيرانية وبلاد الرافدين. تُغطي هذه الجبال مناطق واسعة وتحتضن عددًا كبيرًا من الممرات الجبلية والوديان التي توفر بيئة مناسبة لحرب العصابات والتحركات الصغيرة عالية المرونة؛ بينما تقدر الكتلة السكانية الكردية في هذه المحافظات بين 8 و10 ملايين نسمة موزعين على مدن رئيسية مثل سنندج وكرمانشاه ومهاباد، وهو ما يخلق عمقًا اجتماعيًا محتملًا لأي نشاط مسلح في المنطقة. تُنتج هذه البيئة الجغرافية-الاجتماعية شبكة اتصال طبيعية بين المجتمعات الكردية على جانبي الحدود، حيث تمتد خطوط الحركة بين السليمانية وأربيل في العراق ومهاباد وسنندج داخل إيران عبر ممرات جبلية تاريخية استخدمتها الحركات الكردية المسلحة منذ عقود لتأمين خطوط امداد وتهريب بين العراق وإيران.

تفسر الجماعات الكردية المعارضة هذه اللحظة الإقليمية بوصفها فرصة استراتيجية تسعى فيها إلى توسيع نفوذها في المناطق الكردية غرب البلاد وتعزيز حضورها العسكري والسياسي داخل المحافظات الكردية؛ كما تهدف إلى إعادة طرح قضية الحكم الذاتي والحقوق السياسية للأكراد على جدول السياسة الإيرانية، مستفيدة من الضغط العسكري والإقليمي الذي تواجهه إيران لفتح جبهة داخلية جديدة. ويسعى هذا التحرك أيضًا إلى تعزيز موقع الأكراد داخل معادلة المعارضة الإيرانية وإظهارهم كقوة فاعلة في أي تحول سياسي محتمل. وفي الوقت نفسه يمكن أن يساعد التصعيد العسكري في جذب دعم سياسي أو لوجستي خارجي، إضافة إلى السيطرة أو التأثير في الممرات الحدودية الجبلية بين إيران والعراق التي تسهّل حركة المقاتلين والإمدادات.

دفع أميركي-إسرائيلي للجبهة الكردية

يُظهر تاريخ العلاقة بين الأكراد وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل شبكة دعم متعددة المستويات شملت التمويل والتسليح والدعم السياسي في إقليم كردستان العراق وسوريا؛ حيث موّلت الولايات المتحدة تدريب وتسليح القوات الكردية ضمن إطار الحرب على تنظيم “داعش”، حيث بلغ صندوق تدريب وتجهيز العراق نحو 1.618 مليار دولار في موازنة 2015 مع السماح بتقديم الدعم لقوات الأمن العراقية بما فيها القوات الكردية. شملت البرامج مراكز تدريب في أربيل وتسليم أسلحة خفيفة ومعدات اتصال وعربات مدرعة لدعم عشرات الآلاف من المقاتلين، إضافة إلى اتفاق دعم مباشر للبيشمركة بقيمة نحو 415 مليون دولار لتغطية الرواتب والإمدادات العسكرية. واستمر الدعم لاحقًا ضمن برامج مكافحة الإرهاب، بينما خصصت واشنطن في سوريا تمويلاً لبرنامج الشراكة الأمنية مع القوات المحلية بلغ 160 مليون دولار في 2023 و186.2 مليون في 2024 و147.9 مليون في طلب 2025 لتجهيز القوات بالأسلحة والذخائر والمركبات ومعدات الاتصالات إضافة إلى مخصصات تشغيلية ورواتب.

في المقابل يمتد الدعم الإسرائيلي للأكراد إلى عقود سابقة، حيث قدمت إسرائيل منذ السبعينيات أسلحة خفيفة ومعدات عسكرية ودعمًا استخباريًا للحركات الكردية في شمال العراق ضمن استراتيجية بناء علاقات مع قوى إقليمية غير عربية ودعم حركات التمرد في المنطقة. كما ظهر دعم سياسي إسرائيلي واضح لإقليم كردستان خلال استفتاء الاستقلال عام 2017، وترافقت العلاقة مع تعاون اقتصادي مرتبط بالنفط، حيث استوردت إسرائيل نحو 19 مليون برميل من نفط إقليم كردستان بين أيار/مايو وآب/أغسطس 2015، ما وفر موردًا ماليًا مهمًا للإقليم وساهم في دعم قدراته الأمنية.

يربط الحراك الكردي المتصاعد في غرب إيران بالبيئة الجيوسياسية الأوسع التي تشكل مسرح الحرب حول الجمهورية الإسلامية؛ إذ تقود الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عدة أشهر ( ربما سنوات) نقاشات داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية حول استخدام الفواعل غير الحكومية داخل إيران كأدوات ضغط استراتيجية على النظام بتصور قائم على دفع حركات المعارضة المسلحة إلى استغلال لحظات الضغط الخارجي على الدولة الإيرانية من أجل فتح جبهات داخلية متزامنة مع الضربات العسكرية الخارجية. يدفع هذا النموذج إلى خلق معادلة حرب متعددة الطبقات ضد طهران، حيث تتزامن العمليات الجوية والصاروخية والعمليات السيبرانية مع نشاط ميداني داخلي في الأرياف البعيدة؛ إذ يهدف هذا التصميم إلى توزيع القدرات العسكرية الإيرانية على عدة مسارح عمليات في وقت واحد، وإجبار طهران على تخصيص جزء كبير من قواتها البرية والأمنية لحماية العمق الداخلي.

تعتمد هذه المقاربة على الموقع الجغرافي والعسكري لجماعات المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة في إقليم كردستان العراق؛ حيث تنتشر قواعد هذه الجماعات في مناطق جبلية قريبة من الحدود الإيرانية، خاصة في محيط السليمانية وقلعة دزة وكويسنجق، وتدير الأحزاب الكردية المعارضة لطهران في هذه المناطق شبكات تدريب ومراكز لوجستية ومعسكرات صغيرة تستوعب آلاف المقاتلين، وتستفيد من التضاريس الجبلية لسلسلة زاغروس التي تمتد على طول الحدود بين العراق وإيران لمسافة تقارب 1500 كيلومتر. تسمح هذه الجغرافيا ببناء خطوط إمداد مرنة بين قواعد المعارضة في العراق والمدن الكردية داخل إيران مثل مهاباد وسنندج وبانه وتنتج هذه البيئة الجغرافية العسكرية بنية ميدانية مناسبة لعمليات تسلل صغيرة ووحدات قتال خفيفة قادرة على العمل في مناطق جبلية معقدة.

يدفع هذا المخطط الاستراتيجي الفصائل الكردية إلى التحرك في لحظات الضغط على الدولة الإيرانية، حيث يسمح تشتت القوات الإيرانية بين عدة جبهات إقليمية بخلق فجوات أمنية في المناطق الحدودية؛ بهدف تشجيع هذه الجماعات على توسيع نشاطها داخل المحافظات الكردية الإيرانيةو إجبار طهران على إعادة نشر وحدات كبيرة من الحرس الثوري الإيراني وقوات الأمن الداخلي من مسارح أخرى نحو الغرب. يؤدي هذا التحول إلى تقليص القدرة العملياتية الإيرانية في الجبهات الخارجية ويعيد توجيه الموارد العسكرية نحو إدارة الأمن الداخلي.

ينظر الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي منذ عقود إلى الأطراف العرقية والجغرافية لإيران باعتبارها مساحات قابلة للتحول إلى نقاط ضغط داخلية؛ إذ يركز هذا التصور على مناطق مثل كردستان إيران في الغرب وبلوشستان في الجنوب الشرقي بوصفها مناطق ذات حساسية سياسية وأمنية عالية؛ بينما يقود تفعيل الحركات الكردية خلال مرحلة الصراع الإقليمي إلى تحويل شبكات المعارضة المحلية إلى أدوات قادرة على التأثير في توازن الأمن الداخلي الإيراني. يسمح هذا النموذج لواشنطن وتل أبيب بزيادة مستوى الضغط على طهران عبر دعم ديناميكيات الصراع داخل الحدود الإيرانية، ويدفع إلى تحقيق تأثيرات استراتيجية على بنية النظام الأمني الإيراني دون الحاجة إلى نشر قوات برية تقليدية كبيرة في مسرح العمليات.

فرصة تاريخية

تمثل الأزمة الإقليمية الراهنة، في نظر حركات المعارضة الكردية الإيرانية، لحظة سياسية نادرة تتقاطع فيها التحولات العسكرية الإقليمية مع التاريخ الطويل للصراع الكردي مع الدولة الإيرانية؛ حيث تنظر هذه الحركات إلى الوضع الحالي بوصفه نافذة استراتيجية قد تسمح بإعادة طرح مطالب الحكم الذاتي والتمثيل السياسي والحقوق الثقافية في سياق إقليمي مختلف عما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية. يمتد هذا الصراع إلى بدايات القرن العشرين، عندما ظهرت الحركات القومية الكردية الأولى في إيران وبدأت في صياغة مشروع سياسي يهدف إلى تحقيق قدر من الحكم الذاتي داخل الدولة؛ لا سيما وأن هذا الطموح تجسد بصورة واضحة في تجربة جمهورية مهاباد عام 1946 التي شكلت أول محاولة معاصرة لإنشاء كيان سياسي كردي داخل إيران، وقد تركت هذه التجربة، رغم قصر عمرها، أثرًا عميقاً في الذاكرة السياسية الكردية وأصبحت مرجعًا رمزيًا للمطالبة بالحقوق السياسية والهوية القومية.

عاد هذا التوتر التاريخي إلى الواجهة بصورة أكثر حدة بعد الثورة الإيرانية عام 1979، عندما دخلت المناطق الكردية في مواجهة مفتوحة مع الجمهورية الإسلامية الجديدة، ودفعت الأحزاب الكردية آنذاك نحو مشروع سياسي يقوم على توسيع الحكم المحلي والمشاركة في السلطة، بينما اتجهت الدولة المركزية إلى استخدام القوة العسكرية لاستعادة السيطرة على المحافظات الغربية. أسفرت هذه المواجهات عن خسائر بشرية كبيرة وأدت إلى نزوح آلاف المقاتلين والنشطاء السياسيين نحو العراق المجاور، حيث تشكلت هناك نواة المعارضة الكردية الإيرانية في المنفى؛  ومنذ تلك المرحلة حافظت التنظيمات الكردية على بنية مزدوجة تجمع بين النشاط السياسي والتنظيم العسكري، حيث احتفظت بأجنحة مسلحة تعمل انطلاقاً من قواعد داخل إقليم كردستان العراق وتنفذ عمليات حرب عصابات محدودة عبر الحدود بين الحين والآخر.

تملك هذه التنظيمات اليوم خبرة عسكرية تراكمت عبر عقود من النزاعات في المنطقة، كما تضم آلاف المقاتلين الذين تلقى كثير منهم تدريبات مكثفة في حرب العصابات والقتال الجبلي؛ حيث اكتسب جزء مهم من هذه الخبرة خلال العقد الماضي نتيجة مشاركة بعض المقاتلين الأكراد في الصراعات التي شهدها العراق وسوريا، بما في ذلك المعارك ضد تنظيم “داعش” والانخراط في شبكات أمنية وعسكرية إقليمية. يمنح هذا التراكم القتالي الفصائل الكردية قدرة على العمل في بيئات جبلية معقدة وعلى تنظيم وحدات صغيرة سريعة الحركة تستطيع تنفيذ عمليات محدودة ثم إعادة الانتشار بسرعة، كما يوفر انتشار هذه الجماعات على طول الحدود الإيرانية العراقية عمقًا عملياتيًا يسمح بتأمين خطوط إمداد وإعادة تنظيم القوات بعيدًا عن الضغط المباشر للقوات الحكومية.

شهد عام 2026 تطورًا سياسيًا مهمًا داخل صفوف المعارضة الكردية الإيرانية مع إعلان تشكيل ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران، وهو إطار تنسيقي يهدف إلى توحيد الخطاب السياسي لهذه الأحزاب وتعزيز قدرتها على العمل المشترك في مواجهة الدولة الإيرانية؛ حيث يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه مظلة سياسية قادرة على جمع القوى الكردية المتعددة حول برنامج موحد يربط بين المطالب القومية الكردية والتحولات السياسية التي قد تشهدها إيران في المستقبل. دعا قادة هذا الائتلاف بشكل علني أفراد القوات الأمنية الإيرانية المنتشرين في المناطق الكردية إلى الانشقاق عن النظام، كما شجعوا المجتمعات المحلية على الاستعداد لمرحلة سياسية جديدة قد تعيد طرح مسألة الحكم المحلي في غرب البلاد.

تتزامن هذه التحركات السياسية والعسكرية مع بيئة جغرافية تمنح الحركات الكردية مجالاً واسعاً للمناورة؛ حيث يشكل غرب إيران أحد أكثر الأقاليم تعقيداً من الناحية العملياتية داخل البلاد، إذ تهيمن سلسلة جبال زاغروس الممتدة عبر إيران والعراق على المشهد الجغرافي وتشكل حاجزاً طبيعياً بين الهضبة الإيرانية وسهول بلاد الرافدين؛ وتوفر هذه التضاريس الوعرة، التي تتكون من سلاسل جبلية مرتفعة ووديان عميقة وقرى معزولة، بيئة مناسبة لنشاط الجماعات المسلحة التي تمتلك معرفة دقيقة بطبيعة الأرض ومسارات الحركة داخلها. تسمح هذه الجغرافيا لوحدات صغيرة بالتسلل إلى داخل الأراضي الإيرانية وتنفيذ هجمات محدودة ثم الانسحاب بسرعة إلى المناطق الجبلية أو إلى الجانب العراقي من الحدود قبل أن تتمكن القوات الحكومية الأكبر حجماً من تنظيم رد فعال.

يزداد تعقيد هذا المشهد بوجود معسكرات تدريب وشبكات لوجستية للمعارضة الكردية داخل إقليم كردستان العراق، حيث تعمل هذه القواعد كعمق خلفي يوفر التدريب والسلاح والدعم التنظيمي للمقاتلين؛ كما تتيح الروابط الاجتماعية والسياسية بين المجتمعات الكردية على جانبي الحدود استمرار حركة الأفراد والإمدادات عبر الممرات الجبلية، الأمر الذي يمنح هذه الجماعات درجة من المرونة العملياتية يصعب على الجيوش التقليدية احتواؤها بالكامل. ولهذا السبب نفذت السلطات الإيرانية خلال السنوات الماضية عدة ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع المعارضة الكردية داخل الإقليم العراقي في محاولة لإضعاف هذه الشبكات وتعطيل قدرتها على العمل عبر الحدود.

في الوقت نفسه ينخرط الجيش الإيراني وقوات الباسيج (إلى جانب الحرس الثوري ) في إدارة مجموعة واسعة من التحديات المرتبطة بالحرب الإقليمية الأوسع، بما في ذلك حماية البنية التحتية الحيوية ومواجهة الضغوط العسكرية الخارجية؛ لا سيما وأن هذا التزامن بين التهديدات الخارجية والاضطرابات الداخلية يخلق بيئة أمنية أكثر سيولة في المناطق الطرفية للدولة، خاصة في المحافظات الجبلية الريفية البعيدة عن المركز.

فرص الرد الإيراني وأدوات احتواء العملية

تكشف العملية البرية التي أطلقتها هذه الجماعات الكردية عن بيئة ميدانية مركبة تتشكل عند تقاطع الضربات العسكرية الخارجية مع التحركات المسلحة المحلية داخل المناطق الحدودي؛ إذ تنتج الضربات الأميركية التي تستهدف مراكز الشرطة والمقار الأمنية والمفارز العسكرية تأثيرًا مباشرًا على بنية السيطرة اليومية التي تعتمد عليها الدولة في إدارة المدن الحدودية، حيث تمثل هذه المؤسسات العمود الفقري لشبكة الحواجز والدوريات ونقاط القيادة الميدانية. يؤدي استهداف هذه البنية إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة المجال الأمني في مدن شمالية غربية، ويخلق في الوقت نفسه مساحات حركة أوسع أمام وحدات المعارضة الكردية التي تتحرك في البيئة الجبلية المحيطة بهذه المدن؛ بحيث تتيح هذه المساحات للفصائل المسلحة زيادة وتيرة عملياتها والانتقال من نمط الهجمات المحدودة إلى محاولات تثبيت مواضع قتالية في القرى الجبلية والممرات الحدودية التي تربط الداخل الإيراني بالمناطق الكردية في العراق.

تضع هذه المسارات منظومة الأمن في إيران أمام ضغط مركب يتشكل من عامل تقويض البنية الأمنية المحلية بفعل الضربات الخارجية، وعامل استغلال الجماعات الكردية للفجوات التي تظهر داخل هذه الشبكة الأمنية؛ إذ يؤدي تزامن هذين العاملين إلى خلق بيئة عملياتية تسمح للفصائل المسلحة بمحاولة توسيع نطاق نشاطها خاصة مع وجود كتلة سكانية كردية كبيرة غرب إيران، الأمر الذي يضيف بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا للصراع ويجعل السيطرة الأمنية أكثر تعقيدًا خلال فترات الاضطراب العسكري.

هنا تلجأ طهران إلى مزيج من الأدوات العسكرية والأمنية التي تهدف إلى إعادة بناء شبكة السيطرة في المناطق المتضررة؛ حيث تنتشر قوات الباسيج وقوات العمليات الخاصة وقوات التعبئة الاستخباراتية في المحافظات الغربية، وتدفع بعناصر إضافية إلى المدن الرئيسية لتأمين المؤسسات الحكومية والطرق الحيوية؛ إذ تعتمد هذه الوحدات على خبرة طويلة في القتال الجبلي ومكافحة التمرد، كما تشرف على إدارة العمليات الميدانية بالتنسيق مع قوات الأمن الداخلي المنتشرة في المدن والبلدات. يمنح هذا الانتشار الدولة قدرة على تثبيت وجودها الإداري في المراكز الحضرية حتى في ظل استمرار العمليات المسلحة في المناطق الجبلية المحيطة.

تركز الاستراتيجية الإيرانية في المعارك البرية على تأمين المدن والمحاور الحيوية التي تمثل مركز الثقل السياسي والإداري في المنطقة؛ بحيث تفرض سيطرة مشددة على الطرق التي تربط بين المدن الرئيسة، لأن الحفاظ على التواصل بين هذه المراكز يمنع الجماعات المسلحة من تحويل عملياتها إلى وجود دائم داخل المدن. يسمح هذا النموذج للدولة بالحفاظ على إدارة المؤسسات والخدمات العامة في المناطق الحضرية، بينما تستمر الاشتباكات في الأطراف الجبلية والقرى الحدودية حيث يصعب فرض سيطرة كاملة ومستقرة.

تنفذ القوات الإيرانية ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة مدعومة بجهد استخباري يستهدف معسكرات التدريب ومستودعات السلاح ومراكز القيادة، الأمر الذي يقلص القدرة العملياتية للفصائل ويحد من قدرتها على تحويل محاولات التسلل الحدودية إلى وجود عسكري مستقر داخل الأراضي الإيرانية؛ وتعزز بذلك مقاربة الرد العسكري والاحتواء عبر تركيز عملياتها على قطع خطوط الإمداد التي تعتمد عليها الجماعات الكردية عبر الحدود العراقية؛ لا سيما وأن القواعد الخلفية في إقليم كردستان العراق هي مركز التموين الرئيسي لهذه الفصائل من حيث التدريب والذخيرة والتنظيم، لذلك توجه طهران جزءاً مهماً من عملياتها نحو تعطيل هذه الشبكات.

تتجمع هذه الأدوات في استراتيجية تقوم على إدارة الصراع كحرب استنزاف منخفضة الشدة؛ ويرتبط هذا الجهد العسكري بعمل استخباري مكثف داخل المدن والقرى الكردية في غرب إيران، حيث تعتمد الدولة على شبكات محلية لرصد تحركات المجموعات المسلحة ومساراتها الجبلية وتحديد قياداتها الميدانية. ترافق هذه الإجراءات أدوات اجتماعية وسياسية تهدف إلى تقليص البيئة الحاضنة لأي نشاط مسلح واسع، وهو ما يسمح للدولة بإعادة تثبيت السيطرة في المراكز الحضرية.

مقاربة داخلية-خارجية

عمومًا، تفتح مسارات تشكل جبهة تمرد كردية في غرب إيران مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، حيث يتداخل الضغط العسكري الخارجي مع ديناميكيات التمرد الداخلي داخل المجال الإيراني نفسه؛ إذ يدفع تثبيت وجود كردي مسلح في المحافظات الغربية نحو معادلة حرب متعددة الجبهات، ومحاولات انفصالية على الأقل، تتزامن فيها الضربات الجوية والضغوط الإقليمية مع نشاط مسلح محلي قادر على إرباك شبكة السيطرة الأمنية للدولة. ترفع هذه المعادلة مستوى التعقيد في البيئة الأمنية الإيرانية وتفرض على طهران إعادة توزيع مواردها العسكرية بين حماية العمق الداخلي وإدارة المواجهات الإقليمية الممتدة عبر الخليج والشرق الأوسط.

ينتج هذا الوضع ضغطًا مركبًا على الدولة الإيرانية، إذ يؤدي توسع النشاط الكردي إلى استنزاف الموارد الأمنية والعسكرية المخصصة للاستقرار الداخلي، في وقت تستمر فيه التحديات العسكرية الإقليمية؛ كما يفتح هذا المسار المجال أمام تحفيز حركات معارضة أخرى داخل إيران على زيادة نشاطها، الأمر الذي قد يحوّل بعض المناطق الطرفية إلى بؤر توتر مستمرة.

ينسجم هذا التطور مع رؤية استراتيجية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل تقوم على زيادة الضغط على النظام الإيراني عبر تفعيل عوامل الاضطراب الداخلي بالتوازي مع المواجهة العسكرية الخارجية. يندرج ذلك ضمن نموذج الحرب الهجينة الذي يجمع بين الضربات العسكرية المباشرة وتنشيط الفاعلين المحليين داخل الدولة المستهدفة، بما يسمح بتعميق الاستنزاف الداخلي دون تدخل بري واسع. وفي المقابل ترى الحركات الكردية في هذه اللحظة فرصة لإعادة طرح مطالبها السياسية، ما يجعل الجبهة الغربية لإيران مرشحة للتحول إلى ساحة ضغط استراتيجي يعيد تشكيل توازنات الصراع في المنطقة.

ألترا صوت

————————-

الورقة الكردية في حرب إيران: ضغط تكتيكي أم جبهة جديدة؟/ خليل حسين

مارس 6, 2026

في الحروب الكبرى، لا تُفتح الجبهات دفعة واحدة، بل تُختبر تدريجيًا عبر ما يشبه جسّ النبض الاستراتيجي. وما يجري اليوم في المناطق الحدودية بين إيران والعراق يندرج في هذا الإطار: محاولة استكشاف ما إذا كان بالإمكان تحويل الجغرافيا الكردية إلى مساحة ضغط إضافية على طهران، أو إلى ساحة استنزاف موازية تُربك حساباتها الأمنية والعسكرية.

هذا الاحتمال، إن تطوّر، قد يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة الصراع. فالمناطق الكردية في غرب إيران تمثّل تقاطعًا جغرافيًا حساسًا بين الداخل الإيراني وامتداداته الإقليمية، كما أنها تحمل تاريخًا طويلًا من التوتر السياسي مع السلطة المركزية. لذلك، فإن فتح هذا المسار لا يعني مجرد تحرك عسكري محدود، بل يحمل في طياته أبعادًا سياسية وأمنية أوسع، قد تعيد إدخال “العامل الكردي” إلى قلب التوازنات الإقليمية.

لكن في المقابل، فإن تحويل هذا الاحتمال إلى واقع ليس مسألة بسيطة. فالمعادلة الكردية نفسها شديدة التعقيد، وتخضع لتوازنات دقيقة تتجاوز حدود إيران. فإقليم كردستان العراق، الذي يُنظر إليه جغرافيًا بوصفه البوابة الطبيعية لأي تحرك من هذا النوع، يتعامل مع المسألة بحذر واضح. فالقيادة الكردية في أربيل تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد يضع الإقليم في قلب صراع إقليمي لا يملك ترف خوضه، خصوصًا في ظل شبكة العلاقات الحساسة التي تربطه بكل من واشنطن وطهران وأنقرة.

في المقابل، تتحرك طهران وفق منطق الردع الاستباقي. فالغارات التي تستهدف جماعات كردية مسلحة والرسائل العسكرية المتكررة تعكس محاولة واضحة لمنع تشكّل أي بنية ميدانية قد تتحول لاحقًا إلى جبهة نشطة. بالنسبة للنظام الإيراني، فإن أخطر ما في هذا السيناريو ليس حجم القوة الكردية بحد ذاته، بل احتمال تحوّلها إلى شرارة يمكن أن تتقاطع مع اضطرابات داخلية أو ضغوط خارجية أوسع.

أما أنقرة، فهي الطرف الثالث الذي لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة. فتركيا تنظر تقليديًا إلى أي تصعيد مرتبط بالحركات الكردية المسلحة من زاوية أمنها القومي، وهي تراقب عن كثب نشاط حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) وغيره من التنظيمات المرتبطة بالحركات الكردية الإقليمية. ولذلك، فإن أي محاولة لتحويل المناطق الكردية إلى جبهة نشطة ضد إيران قد تضع تركيا أمام معادلة صعبة بين حساباتها الإقليمية ومخاوفها الأمنية.

عند هذا التقاطع المعقّد من المصالح والمخاوف، يتحدد المسار الحقيقي للأحداث. فالمسألة لا تتعلق فقط بإمكانية فتح جبهة جديدة، بل بطبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه “الورقة الكردية” في المرحلة المقبلة: هل ستبقى أداة ضغط محدودة تُستخدم ضمن لعبة التوازنات الإقليمية، أم أن تطورات الصراع قد تدفع بها تدريجيًا نحو التحول إلى جبهة كاملة في حرب تتسع دوائرها يومًا بعد يوم؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تتوقف فقط على إرادة القوى الكردية أو حسابات طهران، بل على شبكة أوسع من التوازنات الدولية والإقليمية. وفي الحروب الكبرى، غالبًا ما تتحول الأوراق التي تبدأ كوسائل ضغط تكتيكية إلى عناصر حاسمة في إعادة رسم خرائط الصراع. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تظل الجغرافيا الكردية مجرد مساحة اختبار، أم أنها تقف على أعتاب لحظة قد تغيّر موقعها في معادلات المنطقة بأسرها؟

السفينة

—————————

أكراد إيران ولعبة الأمم/ توفيق شومان

07 مارس 2026

لم تَحِدْ وسائل الإعلام الكردية (ومنها شبكة روداو) عن جادة الإشهار بالاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقياديَّين الكرديَّين العراقيَّين مسعود البارزاني وبافل الطالباني، وتمحور حول “الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران والخطوات المستقبلية لهذا الصراع”، وفقاً للنص والحرف في منصة “روداو” في الثالث من مارس/ آذار الجاري. ومنذ شيوع المعلومات المرتبطة بذاك الاتصال، الذي تسابقت صحف ومواقع إعلامية أميركية رصينة في نقل تفاصيله، تحفل التقديرات والتحليلات العربية والإقليمية (بما فيها الكردية) والأجنبية بالحديث عن احتمالات توريط الأكراد الإيرانيين في لعبة الأمم من جديد. وإذ تنبذ تركيا تحويل حدودها جسراً لتسليح أكراد إيران لأسبابها المعروفة، وكذلك ترفض باكستان إمداد القوميين البلوش الإيرانيين بالعدّة والعتاد خشيةً على أمنها القومي، ولأن البلوش جزءٌ من كيانها الوطني، تتجه الأنظار نحو حدود إيران مع شمالي العراق، تلك الحدود الرخوة أمنياً، وحيث الأكراد في جانبي الجغرافيا من هنا وهناك.

وفقاً لما بات مأثوراً ومتواتراً، يأبى الأكراد العراقيون الاستجابة لرهان أميركي على إشغال إيران بجبهة داخلية قوامها حركة كردية مسلحة. وفي أعداد “العربي الجديد” في الأيام القليلة الماضية ما ينطوي على تصوّرات ورهانات أميركية على سلوك هذا المسلك، وذلك كلّه يستدعي إلى الذاكرة ثمانية عقود مضت، علّق فيها الأكراد أحلامهم على حبال الصراعات الدولية، فوقعوا بين شدائدها الخانقة.

أول نموذج كردي صارخ أسند ظهره إلى قوة دولية كبرى تمثل في “جمهورية مهاباد” التي أعلنها قاضي محمّد في يناير/ كانون الثاني 1946، وبالتنسيق مع الاتحاد السوفييتي الذي كان جيشه الأحمر قد اجتاح قسماً من الأراضي الإيرانية من جهة، وكان الجيش البريطاني قد اكتسح قسماً آخر من جهة ثانية، إلا أن تسويات وتفاهمات دولية أفضت إلى انسحاب الجيوش الأجنبية من إيران، ومن ضمنها الجيش الأحمر، فغدت “مهاباد” من دون دروع حماية، فدخلتها القوات الإيرانية (17/12/1946) واعتقلت قاضي محمّد، وحُكم عليه بالإعدام في مارس/ آذار 1947، فيما فرّ رئيس أركان جيش “مهاباد” مصطفى البارزاني إلى الاتحاد السوفييتي ليعود إلى العراق بعد الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم في 14 يوليو/ تموز 1958.

كان من تشعّبات القاعدة النظرية التي تأسّست عليها سياسات الحزب الديمقراطي الكردستاني أنها استُمدّت من معاداة النظام الملكي في العراق ذي الميول الغربية، على ما كانت تقاليد الاتهام في تلك المرحلة. ولذلك اتجه البارزاني شرقاً، وعاد إلى العراق بعد اصطباغ نظامه الجديد بالسياسات المستشرقة، ولم يطل الأمر حتى وقعت الواقعة بين الطرفَين، وراح البارزاني وأنصاره يشنّون حرب عصابات على “الجيش الجمهوري” في العراق. عن تلك الفترة يتحدّث مسعود البارزاني عن والده في كتابه الضخم “البارزاني والحركة التحرّرية الكردية”، فيقصّ ويسرد أسباب الخلاف مع عبد الكريم قاسم عام 1961، وفي ذلك يقول: “أخذت العلاقة تسوء بين عبد الكريم قاسم والبارزاني (الأب)، وبنوع أخصّ بعد عودة البارزاني من موسكو إلى بغداد في يناير/ كانون الثاني 1961، وحاول البارزاني تبديد شكوكه وإقناعه بأنه والبارتي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) لا يضمران أي سوء”. وعلى ما يظهر، فإن ظنون عبد الكريم قاسم لم تنفرط ولم تتشتّت، نظراً إلى العلاقة العميقة بين البارزاني والاتحاد السوفييتي، فالرجل يقرّ في كتابه بأنه “شرح لقادة الكرملين الأوضاع العراقية المتأزمة بصورة عامة، وأوضاع كردستان بنوع خاص، وعن احتمال قيام انتفاضة ضد نظام قاسم، كما ناشدهم مدّ يد العون إلى الشعب الكردي في جميع النواحي، وقد أخذ عهداً بذلك منهم، ومما وعدوا به مبدئياً إرسال عتاد وأسلحة كافية بالطائرات وإنزالها في موضع يعيّنه البارزاني”.

يكشف مصطفى البارزاني في هذا السرد رهاناً كردياً كبيراً على مساعدة الاتحاد السوفييتي للأكراد العراقيين، وفي الوقت نفسه يؤكّد العلاقة الوثيقة مع موسكو خلال النصف الأول من عقد الستينيّات من القرن الماضي الذي شهد ما يسمّيها البارزاني “ثورة 1961” في مواجهة الحكومة المركزية في العراق، واستمرت إلى سنوات لاحقة، إلى أن كانت اتفاقية مارس 1970 بين أحمد حسن البكر – صدّام حسين، والحزب الديمقراطي الكردستاني، ذات الأفق المفتوح على الحكم الذاتي. وبما يخالف الآمال الكردية مرّة أخرى، اتجهت العلاقة بين نظام “البعث” في العراق والجماعة الكردية إلى التشقّق والصراع، فكان من تداعياتها مساندة الاتحاد السوفييتي حكومة بغداد. وفي تلك اللحظة دارت العجلة البارزانية نحو الغرب، وانقلبت التحالفات رأساً على عقب، وغدا شاه إيران محمّد رضا بهلوي داعماً للعمل العسكري الكردي ضد بغداد، فيما كانت مخصّصات مالية تأتي من الولايات المتحدة. ولا يخفي هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأميركي الأسبق) في كتابه “سنوات التجديد” التفاصيل الدقيقة عن الدعم الخارجي لمصطفى البارزاني، ومما يقوله: “بحلول عام 1971 وصلت العلاقة بين بغداد والأكراد إلى نقطة الانهيار مرّة أخرى، فاستأنفوا حرب العصابات بدعم من إيران وإسرائيل، وفي مارس/ آذار 1972 ناشد الشاه نيكسون (الرئيس الأميركي) التعاون معه في مساعدة البارزاني، وخصّصت الولايات المتحدة 250 ألف دولار في الشهر معونة مباشرة، وفي خريف عام 1974 تلقينا طلبات كردية عاجلة لتقديم معونات إضافية، ويبلغ إجمالي مساعدتنا للبارزاني خلال سنوات 1973 و1974 و1975 مقدار 20 مليون دولار”.

ولكن ما إن حل عام 1975 حتى انكشفت المفاوضات السرّية بين شاه إيران وصدّام حسين، وكما يروي كيسنجر أن الشاه أبلغه في فبراير/ شباط من ذلك العام أنه “يستكشف” إمكانية إجراء مفاوضات مع حكومة بغداد، وهذا ما أظهرته الوقائع بعد ذلك حين أدت المفاوضات بين بغداد وطهران إلى اتفاقية الجزائر، التي كان من نتائجها إيقاف دعم الشاه للعمل الكردي المسلح في العراق. وحيال ذلك يعلّق كيسنجر قائلاً: “لم تبتسم الأقدار في ربيع عام 1975 لأصدقاء أميركا، ففي الوقت الذي تخلى فيه الكونغرس عن شعوب الهند الصينية لترزح تحت نير الشيوعية، ترك شاه إيران أكراد العراق عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم في وجه النظام الراديكالي في بغداد”.

هل من الضروري أن يعاد التذكير بطموحات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في سورية، وحيث رنين وطنين موقف المبعوث الأميركي توم برّاك ما زال يصمُّ الآذان حين قال: “دور قسد انتهى”؟

العربي الجديد

————————–

 رغم التنوع العرقي.. هذه الأسباب تجعل سيناريو تفكك إيران ضعيفا

الحركات الانفصالية غير قادرة على فرض واقع سياسي جديد في ظل تماسك المؤسسات

واشنطن: د ب أ

07 مارس ,2026

رغم الضغوط العسكرية والتوترات الداخلية والتنوع العرقي الواسع، يرى محللون أن سيناريو تفكك إيران على غرار دول البلقان يظل احتمالا ضعيفا، في ظل تماسك مؤسسات الدولة وضعف قدرة الحركات الانفصالية على فرض واقع سياسي جديد.

هذا ما أكدته الباحثة سمر خضر، المحللة المستقلة والصحفية المتخصصة في الجغرافيا السياسية وقضايا الأمن في الشرق الأوسط، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية.

وتقول خضر إنه مع دخول إيران يوما جديدا من الضربات المتصاعدة التي تنفذها إسرائيل والولايات المتحدة، أثار حجم العملية العسكرية وكثافتها تساؤلات بشأن النهاية الاستراتيجية المحتملة لهذا الصراع. فإلى جانب تفكيك البرامج النووية والبالستية الإيرانية، جرى طرح الهدف النهائي في إطار تغيير النظام.

ويرى محللون أن تحقيق هذا الهدف الأساسي يظل أمرا غير مرجح باستخدام القوة الجوية وحدها. فالجهاز الأمني الإيراني، الذي يقوده الحرس الثوري الإسلامي وقوات الباسيج شبه العسكرية التابعة له، يتمتع ببنية لا مركزية ومتجذرة على المستويين الوطني والمحلي، ما يجعل الانهيار الكامل للدفاعات الإيرانية أمرا غير مرجح.

ومع ذلك، يلوح سيناريو آخر مزعزع للاستقرار، إذ قد يؤدي الضغط العسكري المستمر واضطراب القيادة إلى إضعاف السلطة المركزية بدرجة تسمح بظهور جماعات مسلحة غير حكومية ذات طابع عرقي في أشكال أكثر تنظيما، لتؤدي دورا بديلا عن نشر قوات أميركية على الأرض، وهو ما لا تستطيع القوة الجوية وحدها تحقيقه.

ويبلغ عدد سكان إيران أكثر من 90 مليون نسمة، وهي دولة متعددة الأعراق. فبينما يشكل الفرس الأغلبية، تتركز أقليات مثل الأكراد والأذريين والعرب والبلوش وغيرها في الأقاليم الطرفية، وقد شكل كثير منها حركات مسلحة ونفذ هجمات متقطعة ضد القوات الإيرانية على مر السنين، بحسب ما ذكرته الباحثة.

وكانت الجماعات الكردية المسلحة الأكثر نشاطا وتنظيما من الناحية العملياتية، وتشكل أخطر تهديد مسلح للنظام الإيراني.

وقبل أيام من اندلاع الصراع، شكلت خمس جماعات كردية إيرانية متمركزة في إقليم كردستان العراق ائتلافا يهدف إلى الإطاحة بالنظام الديني في إيران. ويجمع هذا الائتلاف بين حزب حرية كردستان، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب الحياة الحرة الكردستاني، ومنظمة نضال كردستان إيران، ومنظمة كادحي كردستان (كومالا).

وبينما دعا بعض هذه الجماعات إلى قدر أكبر من الحكم الذاتي داخل إيران، وطالب آخرون بالانفصال، فقد وضعت هذه الفصائل خلافاتها جانبا “من أجل بناء إطار سياسي منسق وفعال”.

ومن اللافت أن حزب كومالا الكردستاني الإيراني رفض الانضمام إلى الائتلاف، إذ قال زعيمه عبد الله مهتدي إن الائتلاف يفتقر إلى إطار واضح للعمل العملي وآليات تنفيذية للمرحلة الانتقالية، وذلك رغم مشاركته في الاجتماعات التمهيدية.

ويبدو أن طهران تعاملت مع هذا التنسيق باعتباره تهديدا جديا، إذ بادرت خلال الأيام القليلة الماضية إلى استهداف موقعي حزب حرية كردستان والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في إقليم كردستان العراق.

وتسعى إيران إلى حصر نشاط هذه الجماعات داخل الإقليم العراقي ومنع انتقالها إلى داخل الأراضي الإيرانية، غير أن هذا المسعى قد يصبح أكثر صعوبة مع تصاعد الصراع.

وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع ميليشيات كردية إيرانية بشأن ما إذا كان ينبغي، ومتى، مهاجمة قوات الأمن الإيرانية في غرب البلاد. وكان الرئيس دونالد ترامب قد قال إنه منفتح على دعم جماعات مسلحة داخل إيران ل “إزاحة” النظام، بعد أن أجرى، بحسب تقارير، اتصالات مع قادة في بغداد وأربيل.

ورغم أن الأكراد يتصدرون المشهد بوصفهم الأكثر ترجيحا لحمل السلاح ضد النظام الإيراني، فإنهم ليسوا الأقلية الوحيدة التي تستعد لاحتمال المواجهة. فقد انضم التنظيم البلوشي الانفصالي “جيش العدل” إلى جماعات بلوشية أصغر لتشكيل تحالف جديد باسم “جبهة المقاومة الشعبية”.

ومن اللافت أن هذا التحالف لم يشر إلى جدول أعمال انفصالي صريح، بل يسعى إلى إعادة تقديم نفسه كمظلة تضم مختلف أقليات إيران وطوائفها الدينية بهدف إسقاط النظام.

وتقول الباحثة إنه يبقى أن نرى ما إذا كان هذا التوجه الواسع سيستمر، أم أن الجماعة ستعود إلى مطالب انفصالية حصرية. وقد أعلن التحالف الجديد تنفيذ أول هجوم له منذ بدء الصراع يوم الثلاثاء، مستهدفا، بحسب التقارير، قائدا في موقع عسكري.

وعلى عكس التحالف الكردي، من غير المرجح أن يحظى هذا التحالف بدعم غربي في الوقت الراهن، إذ صنفت الولايات المتحدة “جيش العدل” منظمة إرهابية أجنبية عام 2019. ومن غير المتوقع أن يلعب المتمردون البلوش دورا كبيرا في أي انهيار محتمل للجهاز الأمني الإيراني، لكنهم قد يستغلون أي فراغ أمني. كما أن أقاليم البلوش في إيران تعد من بين الأفقر، ما يخلق بيئة مواتية لظهور حركات مسلحة جديدة.

وإلى جانب الأكراد والبلوش، يمكن للأقليات الأذرية والعربية، في الشمال الغربي والجنوب الغربي على التوالي، استغلال حالة عدم الاستقرار. إلا أن النشاط المسلح لهاتين الطائفتين كان محدودا إلى حد بعيد. ولا توجد حاليا جماعات أذرية تشكل تهديدا مباشرا لطهران، غير أن قرب المنطقة من تركيا وأذربيجان قد يسمح باضطرابات محلية أو تنسيق مع أطراف خارجية.

كما تشير تقارير إلى أن طهران استهدفت أذريين خلال حملتها ضد “المنشقين” بعد الحرب التي استمرت 12 يوما مع إسرائيل في يونيو الماضي، متهمة باكو بتقديم معلومات استخباراتية. وقد تظهر اضطرابات محلية مشابهة داخل المجتمعات العربية، بدلا من تمرد مسلح منسق.

غير أن تعزيز قوة الميليشيات داخل إيران لن يخلو من ردود فعل إقليمية، خصوصا من جانب تركيا إذا لعب الأكراد دورا أكبر في الصراع. فارتباط حزب الحياة الحرة الكردستاني بحزب العمال الكردستاني قد يدفع أنقرة إلى معارضة ذلك، وربما يثير توترات مع الولايات المتحدة إذا قررت واشنطن دعم التحالف الكردي. ومن المرجح أن تعزز تركيا وجودها على الحدود، وربما تستخدم مشاركة الأكراد ذريعة للانخراط عسكرياً في الصراع.

وبالمثل، تواجه باكستان تمردا بلوشيا داخل أراضيها، ما يجعلها حذرة من أي تداعيات عابرة للحدود في ظل تصاعد عدم الاستقرار. فقد تعاونت طهران وإسلام آباد تاريخيا في عمليات تأمين الحدود ومكافحة التمرد. وتخشى إسلام آباد من أنه إذا ملأ المتمردون البلوش فراغا أمنيا على الحدود، فقد تتحول المنطقة إلى نقطة انطلاق لهجمات داخل إقليم بلوشستان الباكستاني.

وتقول الباحثة إنه رغم الضغوط المتزايدة، فإن تفكك إيران إقليميا أو “بلقنتها” يظل أمرا غير مرجح. فعلى الرغم من تمركز الجماعات العرقية المختلفة في مناطق محددة، فإنها متداخلة اجتماعيا ضمن بنية الدولة الأوسع. وحتى بين الأقليات العرقية، يتجاوز الشعور بالقومية الفارسية العديد من الانقسامات.

وإذا كان لأي جماعة أن تنفصل، فإن الأكراد سيكونون المرشح الأكثر احتمالا. غير أن ذلك سيواجه معارضة شديدة من تركيا وإيران، بغض النظر عن شكل الحكومة الإيرانية بعد انتهاء الصراع.

وعلاوة على ذلك، لا تمتلك أي من الفصائل المسلحة القائمة حاليا ما يكفي من العدد البشري أو الرؤية الموحدة أو الهيكل القيادي أو التمويل أو الدعم الخارجي للحفاظ على مشروع انفصالي دائم.

أما السيناريو الأكثر ترجيحا، في حال تآكل السلطة المركزية في إيران، فيتمثل في ظهور تمردات محلية في ظل فراغات أمنية، وتصاعد التوترات عبر الحدود، واحتمال اندلاع صراع أهلي، بحسب الباحثة.

—————————

القصة الكاملة لاغتيال “المرشد” الإيراني… هرب من “فخ الأنفاق” فقُتل في “وضح النهار”/ مايكل هوروفيتز

الاختراقات الإسرائيلية المتكررة لا تعود إلى ضربة استخبارية واحدة، بقدر ما تعكس ثمرة حملة اختراق مؤسسية تراكمت عبر عقود

آخر تحديث 05 مارس 2026

في صباح 28 فبراير/شباط 2026، وبينما اجتمع مسؤولون إيرانيون كبار في لقاء أمني في قلب طهران، لم يخطر ببالهم أن صواريخ كانت قد شقت طريقها إليهم، وأن من كان يستطيع تحذيرهم لن يتمكن من الوصول إليهم. وخلال دقائق من الانفجارات الأولى، أصاب ثلاثون صاروخا مجمع شارع باستور التابع لـ”المرشد الأعلى” علي خامنئي.

وبحسب تفاصيل كشفتها صحيفة “فايننشيال تايمز” ومعلومات “المجلة”، تعطلت أبراج الهاتف الخلوي في الأحياء المحيطة على نحو انتقائي، ولم يعد بإمكان عناصر الأمن توجيه أي تحذير. وبثت معظم كاميرات المراقبة المرورية في طهران لقطات مشفرة إلى خوادم في تل أبيب. وفي مكان ما في واشنطن. كان دونالد ترمب على متن طائرة الرئاسة الأميركية، بعدما أصدر الأمر قبل عشر ساعات.

وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن الهجوم قتل، خلال خمس دقائق فقط بين الساعة 8:10 صباحا و8:15 صباحا، ما لا يقل عن 40 مسؤولا إيرانيا رفيع المستوى. واستهدف الجزء الرئيس من الهجوم مجمعا كبيرا يستخدمه “المرشد الأعلى” خامنئي في شارع باستور، وهي منطقة شديدة التحصين في طهران.

وفي ظل مفاوضات متجددة، استهل المسؤولون الإيرانيون أسبوعهم، الذي يبدأ يوم السبت في إيران، باجتماع صباحي في مقر إقامة “المرشد”. وقبل الضربة بدقائق، أكدت إسرائيل والولايات المتحدة أن جميع الأهداف عالية القيمة كانت قد توجهت بالفعل إلى الاجتماع.

وبعد الضربة التي استهدفت تصفية القيادة، هاجمت الموجة الثانية من المقاتلات الدفاعات الجوية الإيرانية محلية الصنع من مسافات بعيدة، ففتحت ممرا للموجة الثالثة.

ونسقت الولايات المتحدة وإسرائيل توزيع المهام، فركزت إسرائيل على غرب إيران، بينما ركزت الولايات المتحدة على الشرق، بدعم من طائرات أميركية للتزويد بالوقود. واستهدفت الموجة الثالثة، التي ضمت 200 طائرة، مئات المواقع المخطط لها سلفا، وفي مقدمتها صوامع الصواريخ الباليستية ومنشآت الإنتاج ومنصات الإطلاق.

وشكلت الضربة الإسرائيلية-الأميركية المشتركة على إيران- التي أطلقت عليها إسرائيل اسم عملية “زئير الأسد” وأطلقت عليها وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) اسم عملية “الغضب الملحمي”- أجرأ ضربة استهلالية في حروب القرن الحادي والعشرين. غير أن القضية لا تتعلق بالصواريخ ولا القاذفات، بل بما كشفته الضربة عن مدى عمق اختراق إسرائيل للنظام الإيراني، وما يكشفه ذلك الاختراق عن مستقبل حرب تقودها الاستخبارات.

كيف نفذت الضربة الصباحية؟

جاء قرار تنفيذ الهجوم صباحا كخطوة مدروسة. فقد نفذت جميع الضربات الإسرائيلية السابقة لإيران ليلا، بينما أفضى هجوم السبت- الذي وقع في وقت كان فيه كبار المسؤولين داخل مكاتبهم لا في مساكن آمنة متفرقة- إلى إرباك المنظومة الدفاعية لطهران وقلبها رأسا على عقب.

أطلق سلاح الجو الإسرائيلي نحو 200 طائرة مقاتلة في عملية حملت الاسم الرمزي “سفر التكوين” في أكبر طلعة جوية قتالية في تاريخ إسرائيل. وحشد سلاح الجو تقريبا كامل أسطوله من المقاتلات المتقدمة، مستندا إلى ما لا يقل عن تسع طائرات أميركية للتزويد بالوقود، ما مكنه من مواصلة العمليات ضد إيران لفترات ممتدة.

وخلال الساعات الأربع والعشرين الأولى، ألقت القوات أكثر من 1200 قنبلة على 500 هدف في غرب إيران ووسطها، شملت دفاعات جوية ومنصات إطلاق صواريخ ومراكز قيادة. وأصابت الضربات منصات وقواعد كانت مهيأة لرد انتقامي، بما في ذلك موقع رئيس في مدينة تبريز غرب إيران. وأسهمت الولايات المتحدة بقاذفات الشبح “بي-2” التي ضربت مواقع صواريخ باليستية محصنة، وبصواريخ كروز “توماهوك” أطلقتها سفن حربية، وبمنصات الإطلاق البرية “هيمارس” وبطائرات مسيرة هجومية أحادية الاتجاه منخفضة الكلفة تابعة لقوة المهام المستحدثة “سكوربيون سترايك”، والتي تستخدم للمرة الأولى في القتال.

كما أدخلت إسرائيل صاروخ “بلاك سبارو” الباليستي، الذي يطلق من الجو، إلى الخدمة العملياتية، فأطلقته من مقاتلات “إف-15″، ولاحقا عثر في غرب العراق على حطام يتسق مع محركات معززة من سلسلة “سبارو” على امتداد مسار الطيران المرجح للصاروخ، ما عزز ما اشتبه به محللو الدفاع منذ زمن، وهو أن إسرائيل حولت بهدوء منصات اختبار منظومات الدفاع الصاروخي إلى أسلحة ضرب عملياتية. وكانت إسرائيل قد استخدمت النسخ السابقة من الصاروخ، ولا سيما “بلو سبارو” على نطاق واسع خلال جولات القتال السابقة مع إيران في عامي 2024 و2025. وتمنح هذه الأسلحة ميزة مسافة الأمان، إذ تصيب الأهداف من دون دخول المجال الجوي الإيراني، وتتيح توجيه الضربة الأولى من مدى أبعد قبل الاقتراب.

لكن القوة النارية الحركية لم تكن سوى الوجه الظاهر. إذ أسهم في نجاح إسرائيل عامل حاسم تمثل في تصورات إيران المسبقة، ولا سيما اعتقادها أن أي ضربة كبرى ستقع ليلا. وكان ذلك التوقع منطقيا، ذلك أن الجيوش المتقدمة تميل إلى التفوق في العمليات الليلية، إذ توظف المستشعرات وأنظمة التوجيه الدقيقة لخوض القتال في الظلام بكفاءة عالية، في حين يفقد الطرف المدافع الأقل تطورا قدرته على الإحاطة بالمشهد الميداني. كما تقلل العمليات الليلية حركة المدنيين، وتجعل الأصول العسكرية المتحركة أسهل في التتبع، وغالبا ما تحصر كبار الشخصيات في مواقع يمكن توقعها.

غير أن إسرائيل والولايات المتحدة قلبتا تلك المعادلة، فجاءت الضربة في وضح النهار أشد إرباكا لأنها خالفت افتراضات إيران بشأن التوقيت ورفعت احتمالات المفاجأة. ومنح الحجم الهائل للقوى المتاحة- أي القوة الجوية الإسرائيلية إلى جانب “أرمادا” ترمب- الحلفاء مرونة عملياتية أكبر، ما مكنهم من المناورة على نحو هجومي وتقبل مخاطر كانوا سيتجنبونها في ظروف أخرى.

الاستخبارات وراء القتل ودور “الوحدة 8200”

جاء اغتيال “المرشد الأعلى” علي خامنئي حصيلة عمل امتد لسنوات. ووفقا لتحقيق أجرته صحيفة “فايننشيال تايمز”، اخترقت الاستخبارات الإسرائيلية معظم كاميرات المراقبة المرورية في طهران قبل الضربة بسنوات. وكانت هذه الكاميرات قد نشرت في الأصل ضمن منظومة المراقبة الإيرانية لتعقب المعارضين، ثم ارتد استخدامها على النظام. وتمتلك طهران شبكة كثيفة من الكاميرات تتدفق بياناتها مباشرة إلى مقر إقليمي رئيس يدمج تدفقات مختلفة من المعلومات لتعقب الأفراد، من النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب إلى المحتجين.

وخلال السنوات الأخيرة، عززت “الجمهورية الإسلامية” هذا الاستثمار، واتجهت إلى الصين لتوسيعه، بما في ذلك عبر برنامج طموح لـ”المدينة الذكية” يهدف إلى نشر 15 ألف كاميرا تعمل بالذكاء الاصطناعي. ومن دون أن يدرك النظام، أدى ذلك إلى توسيع الصورة الاستخبارية لدى إسرائيل، حتى عندما انقطع الإنترنت.

التقطت كاميرا واحدة، موضوعة بزاوية مثالية، المكان الذي اعتاد أفراد طاقم حماية خامنئي إيقاف سياراتهم فيه. ومن هذه اللقطات بنى “الموساد” ملفات مفصلة لكل حارس شخصي، شملت عناوين المنازل وجداول العمل ومهام الحماية، واستعان بالذكاء الاصطناعي لتحليل كم هائل من البيانات المتصلة بروتين “المرشد الأعلى” اليومي. وفي البداية، اعتمدت إسرائيل على تعقب هواتف الحراس المحمولة لتحديد مواقع الشخصيات المهمة، لكن هذه الطريقة انكشفت بعد حرب يونيو/حزيران العام الماضي، فاضطرت الاستخبارات الإسرائيلية إلى ابتكار أدواتها من جديد. وركزت إسرائيل على نمط بسيط، هو أن بعض الحراس يرافقون عادة شخصيات بعينها، فتحولت هذه العادة، التي يفترض أن تعزز الحماية، إلى ثغرة استخدمت فعلا ضد “الجمهورية الإسلامية”.

تولت “الوحدة 8200” الجانب الأكبر من هذا المسعى. وتحظى هذه الوحدة بهالة واسعة داخل إسرائيل، وتعد النظير الأقرب لوكالة الأمن القومي الأميركية. وتصدرت الوحدة حرب الاستخبارات الواسعة التي تخوضها إسرائيل ضد إيران، وتكفلت بالمحافظة على صورة “حية” للأهداف الرئيسة التي يمكن استهدافها، أو سبق تصنيفها كأهداف للتصفية.

وكانت “الوحدة 8200” أيضا من أوائل الجهات التي تبنت الذكاء الاصطناعي، حتى قبل أن يجعل “تشات جي بي تي” هذه التقنية ذائعة الصيت، إذ استخدمت التعلم الآلي لفرز ما يمكن الوصول إليه من بيانات عبر الكاميرات والهواتف المحمولة. وبذلك وفرت الوحدة لإسرائيل خريطة “تنبؤية” تساعد على التقاط نوافذ الفرص وتحديدها بدقة، وهي النوافذ التي انفتحت يوم السبت.

كما اخترقت “الوحدة 8200” شبكات الهاتف المحمول في طهران. ففي صباح الضربة، عبثت بالخدمة الخلوية في شارع باستور على نحو انتقائي، فلم تنقطع الهواتف، لكنها كانت ترد بإشارة الانشغال عند الاتصال، ما حال دون وصول أي تحذير إلى فريق خامنئي بأن الصواريخ في طريقها إليهم. واخترقت “الوحدة 8200” أكثر من 12 هوائيا خلويا، ما منح إسرائيل سيطرة مؤقتة على الاتصالات.

ومن خلال جمع البيانات بصورة متواصلة، تمكنت الوحدة أيضا من التقاط أنماط قد تشير إلى وقوع أحداث بعينها، مثل اجتماع رفيع المستوى تسبقه سلسلة اتصالات بين مسؤولين محددين، ما أتاح رسم خريطة لشبكة العلاقات بين عقد مختلفة وكيف تتفاعل يوميا. وتخدم هذه الخريطة غرضا محتملا آخر يتمثل في تعقب الاستجابة الإيرانية لمثل هذا الحدث الكبير وتعطيلها، بغية مراقبة أهداف لاحقة، وإشاعة الذعر والارتباك، وكبح قدرة الجمهورية الإسلامية على الرد، سواء ضد إسرائيل أو عبر تعزيز حماية كبار شخصياتها.

ولاحقا استغلت الولايات المتحدة الصورة الاستخبارية التي وفرتها سنوات من الاختراق الإسرائيلي لإطلاق هجماتها السيبرانية الخاصة، في مسعى إلى تضخيم الأثر الأولي للهجوم على سلسلة القيادة في إيران.

أضافت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) عنصر الحسم الأخير. فقد أكد مصدر استخبارات بشرية أن علي خامنئي سيكون في المجمع ذلك الصباح، وحدد أسماء من سينضمون إليه. وحين التقطت المجسات الإسرائيلية إشارات تؤكد أن الاجتماع يمضي وفق الخطة، نفذت الضربة. كما منحت مشاركة الوكالة الهجوم مسارا ثانيا مستقلا للتحقق، فخفضت احتمالات خطأ كارثي وسهلت اتخاذ قرار المضي في تصعيد لا رجعة فيه.

لكن محاولات الاغتيال لا تنجح كلها، كما اكتشفت إسرائيل في الدوحة العام الماضي. وكان من الممكن أن يدفع بدء الحرب بضربة فاشلة “الجمهورية الإسلامية” إلى التماسك والاندفاع. وتقتضي العقيدة الإسرائيلية أن يؤكد ما لا يقل عن ضابطين استخباريين منفصلين، من مجالين مختلفين لجمع المعلومات، موقع الشخص قبل أن تغدو الضربة خيارا مطروحا. وتحتاج العمليات العابرة للحدود إلى مستوى إضافي من التأكيد، وهو ما وفره مصدر “وكالة الاستخبارات المركزية” في الوقت المناسب.

أصاب ثلاثون صاروخا المجمع، وعثر على جثمان خامنئي تحت الأنقاض. وقتل في الموجة الافتتاحية أيضا وزير الدفاع عزيز نصير زاده، وقائد “الحرس الثوري” محمد باكبور، ورئيس هيئة الأركان عبد الرحيم موسوي، والأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني. وإلى جانب مجمع خامنئي، يبدو أن إسرائيل شنت هجمات أوسع استهدفت فيها مجتبى نجل خامنئي، وكذلك الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. وبذلك، يرجح أن إسرائيل والولايات المتحدة سعتا إلى تصفية خلفاء محتملين، إذ تتوقع بعض المصادر الآن أن يخلف مجتبى والده، كما استهدفتا إبعاد شخصيات من خارج الدائرة قد تسهم في إعادة تنظيم النظام على نحو أكثر تعقيدا وأقل وضوحا.

ما تكشفه العملية

يكشف هذا الهجوم، قبل أي شيء، عجزا إيرانيا مستمرا عن حماية الأهداف عالية القيمة. فقد زعمت تقارير مبكرة أن علي خامنئي لم يكن في مجمع القيادة، قبل أن تشير تأكيدات لاحقة إلى العكس، أي إنه كان في أكثر موقع يمكن توقع وجوده فيه.

وحاولت وسائل إعلام إيرانية وأصوات موالية للنظام تحويل هذا الانكشاف إلى مكسب دعائي. فصورت هدوء خامنئي في العلن، وعدم اكتراثه الظاهر باتخاذ احتياطات إضافية، دليلا على أنه لا يضع بقاءه الشخصي في المقام الأول. ومفاد الرسالة أن “الجمهورية الإسلامية” صلبة وقادرة على الصمود حتى لو مات خامنئي. وفي ذلك قدر من الحقيقة، إذ لن يكون موته، حتى لو جاء لأسباب طبيعية، صدمة كاملة في ضوء سنه ومشكلاته الصحية المتكررة، وقد ناقش النظام مسألة الخلافة لسنوات في داخله. غير أن ذلك لا يعني أن الصراعات الداخلية حسمت، ولا أن خامنئي كان ببساطة “ينتظر الموت”.

على الصعيد التكتيكي، يبرز تساؤل بديهي: لماذا لم يكن خامنئي في أحد المخابئ التي يقال إنه صار يمضي فيها فترات أطول؟ غير أن آخر ضربة إسرائيلية كبرى استهدفت القيادة، وهي الضربة الافتتاحية لحرب الأيام الاثني عشر العام الماضي، استهدفت مخبأ أيضا. وكذلك فإن الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله اغتيل في مخبئه في بيروت. وربما بدا أن العيش في المخابئ ثم الموت فيها أشبه بفخ لا يوفر حماية حقيقية، فاختار خامنئي المجازفة بالبقاء فوق الأرض.

كما تبرز معضلة أخرى ترتبط بإصرار طهران على عقد الاجتماعات حضوريا. ويبدو هذا الخيار مفهوما إلى حد ما، لأن اختراق إسرائيل لاتصالات إيران، واتصالات “محور المقاومة” على نطاق أوسع، جعل التنسيق عن بُعد هشا وسهل الاختراق. وقد دفع ذلك القادة إلى تفضيل التواصل المباشر، حتى حين يضاعف هذا الخيار احتمال تعرضهم لمخاطر شخصية.

لم تتأخر إيران في الرد الفوري. فقد أتاحت مسارات قيادة احتياطية إطلاق صواريخ بسرعة عقب الضربة، لكن هذا النجاح اقتصر على سرعة الرد. إذ أخفقت مرارا محاولات إطلاق رشقات كبيرة ومتزامنة (30-50 صاروخا)، بعدما تضرر عدد كبير من منصات الإطلاق بفعل مسيّرات إسرائيلية من طراز “هنتر” كانت تنشط فوق الأراضي الإيرانية.

وفي أعقاب الضربة الأولى التي استهدفت القيادات، استمرت لساعات عمليات مطاردة الصواريخ الباليستية، وهو ما ساعد عليه جزئيا تموضع طائرات التزويد بالوقود على مسافة قريبة تكفي لإدامة العمليات الجوية.

أما الخلاصة الأوسع، فهي أن النجاحات الإسرائيلية المتكررة لا تعود إلى ضربة استخبارية واحدة، بقدر ما تعكس ثمرة حملة اختراق مؤسسية تراكمت عبر عقود. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، نظرت إسرائيل إلى “الجمهورية الإسلامية” باعتبارها تحديها الاستراتيجي الأبرز، وبنت استثماراتها على هذا الأساس.

ومن منظور أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، تبدو هذه الحرب حصيلة إعداد طويل النفس، شمل تجنيدا صبورا، ورصدا منهجيا، ورسم خرائط، وبناء قدرات عملياتية صممت لتهيئة فرصة ضربة حاسمة تستهدف الركيزة الأساسية للقوة الإقليمية الإيرانية.

المجلة

———————–

=================

تحديث 06 أذار 2026

—————————-

سورية في ظل المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران: المخاطر الارتدادية وحدود الانخراط/ سمير العبد الله

5 آذار/مارس ,2026

تبحث هذه الدراسة في تداعيات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على الأوضاع في سورية، في ظل تحولات إقليمية تعيد تشكيل قواعد الردع والتوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، وتركّز الدراسة على تحليل موقع سورية ضمن هذا الصراع بوصفها دولة تقع في المجال الجغرافي والعملياتي للمواجهة، رغم عدم مشاركتها المباشرة فيها. وتستعرض الورقة أبرز التأثيرات المحتملة للحرب على سورية، بما يشمل الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، مع إبراز طبيعة المخاطر الارتدادية التي قد تنتج عن عبور المقذوفات أو توسع العمليات في الإقليم. كما تقدم الدراسة مجموعة من السيناريوهات المحتملة لتطور الصراع وتأثيره على سورية، بهدف فهم حدود قدرة الدولة على إدارة التداعيات وتجنب التحول إلى ساحة صراع مباشر ضمن المواجهة الإقليمية.

سورية في ظل المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران:

آذار /مارس 2026

المخاطر الارتدادية وحدود الانخراط

تنزيل

—————————–

“الغضب الملحمي”: تناقض أهداف واشنطن في الحرب العدوانية على إيران

​ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في 28 شباط/ فبراير 2026، عن إطلاق عملية عسكرية مشتركة مع إسرائيل، تحت اسم “الغضب الملحمي”، استهدفت إيران. وأسفر الهجوم في يومه الأول عن اغتيال المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، وعدد من كبار مساعديه، واستهداف قواعد ومنشآت عسكرية وأمنية عديدة. وردّت إيران وحلفاؤها في العراق ولبنان بسلسلة من الضربات استهدفت إسرائيل وقواعد ومصالح أميركية في المنطقة، إضافة إلى منشآت لإنتاج النفط والغاز في دول الخليج. وعلى الرغم من أن الهدف المعلن للهجوم المشترك الأميركي – الاسرائيلي هو تدمير البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، فإن ترمب ألمح في خطاب مسجّل مع بدء العملية إلى أن هدفها الأوسع هو تغيير النظام الإيراني، من دون أن يحدد الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك. ومع حديثه عن أن العملية قد تستمر ما بين أربعة وخمسة أسابيع، وربما تتطلب نشر قوات برية أميركية، تتزايد احتمالات الانزلاق إلى حرب طويلة، بما قد يقود التصعيد الحالي إلى دفع المنطقة نحو حالة من الفوضى الشاملة. وفي هذه الأثناء، يجري تنفيذ عملية تدمير منهجي للمرافق العسكرية والمدنية في إيران على مرأى ومسمع من العالم أجمع، في إعلان صريح عن سيادة منطق القوة​​.

أهداف أميركية غير واضحة

في حين تبدو أهداف إسرائيل من الحرب على إيران أكثر وضوحًا، في سعيها لإسقاط النظام، وإدخال إيران في حالة من الفوضى، وعدم الاكتفاء بتدمير برنامجها النووي أو كبح قدراتها على تصنيع الصواريخ الباليستية وتفكيك تحالفاتها الإقليمية، فإن الأهداف الأميركية تبدو أقلّ تحديدًا وأكثر اضطرابًا. ويعود ذلك أساسًا إلى التناقض في تصريحات ترمب؛ فمع إعلانه بدء الضربات العسكرية ضد إيران، حدّد هدفها المعلن بـ “الدفاع عن الشعب الأميركي عبر القضاء على تهديدات وشيكة صادرة عن النظام الإيراني”، من دون أن يحدد طبيعة هذه التهديدات. وأكد أن الولايات المتحدة الأميركية لن تسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية، وأنها ستدمّر قدراتها الصاروخية وتفكك “أذرع الإرهاب” التابعة لها في المنطقة التي تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها. وعلى الرغم من أن هذه الأهداف الثلاثة بدت واضحة في خطابه، فإنه ألمح أيضًا إلى رغبته في تغيير النظام، حين دعا الشعب الإيراني إلى السيطرة على مؤسساته، معتبرًا أن هذه “قد تكون فرصتكم الوحيدة لأجيال”[1]. لكنّ الشكوك المحيطة بإمكانية إسقاط النظام الإيراني عبر هجمات جوية فقط أثارت تساؤلات حول جدّية هذا الطرح. وازداد المشهد ارتباكًا عندما أعلن ترمب في اليوم التالي أنه وافق على إجراء حوار مع “القيادة الإيرانية الجديدة” التي قد تُعيَّن قريبًا، من دون تقديم تفاصيل إضافية. وفي مقابلة مع مجلة ذي أتلانتيك، وكذلك مع أحد صحافيي إيه بي سي نيوز، قال ترمب إنه لا يستطيع تحديد موعد محتمل للمحادثات، مشيرًا إلى أن بعض الإيرانيين المرشحين لكي يكونوا بدائل قد قضوا في القصف[2].

وعلاوة على ذلك، برز خلاف داخل الإدارة الأميركية بشأن الجدول الزمني للعمليات العسكرية. ففي حين تحدّث ترمب عن حرب قد تستمر أربعة إلى خمسة أسابيع، عاد ليقول إنه “أيًّا كان الوقت الذي ستستغرقه، فهو مناسب”[3]. ويتناقض هذا الموقف مع تصريحات وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، الذي أكّد قبل ذلك بساعات فقط أن الحرب على إيران “لن تكون مثل الحرب على العراق”، وأنها “ليست حربًا بلا نهاية”[4]. وزاد الالتباس حين ألمح ترمب إلى احتمال نشر قوات أميركية داخل إيران[5]، مع أنه انتقد مرارًا أسلافه بسبب التورط في حروب طويلة، وتعهّد خلال حملتيه الانتخابيتين عامَي 2016 و2024 بإنهاء “عصر الحروب التي لا تنتهي”.

وعلى الرغم من نفي هيغسيث أن تكون الولايات المتحدة قد هاجمت إيران بهدف إسقاط النظام، فإن ترمب ناقش هاتفيًا مع قادة أكراد في العراق مسار الحرب على إيران وأهدافها، في محاولة تبدو أنها تهدف إلى استخدام قوات كردية في عمليات عسكرية برية في إيران. ويملك الأكراد آلاف المقاتلين المنتشرين على طول الحدود الإيرانية – العراقية، ويسيطرون على مناطق استراتيجية قد تكتسب أهمية متزايدة مع تطور العمليات العسكرية[6]. وبحسب تقارير إعلامية أميركية، جاءت هذه المناقشات تتويجًا لأشهر من الاتصالات التي أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع قادة أكراد في المنطقة؛ إذ إنه يأمل أن تمهّد الضربات الجوية الأميركية – الإسرائيلية الطريق لعبور آلاف المقاتلين الأكراد الإيرانيين المعارضين من العراق إلى إيران، بما يضعف سيطرة النظام على أراضيه ويفتح الباب أمام انتفاضات شعبية قد تقود إلى سقوطه. غير أن موقف تركيا، الحليف الرئيس للولايات المتحدة، وشعور الأكراد بأن الولايات المتحدة تستخدمهم ثم لا تلبث أن تتخلى عنهم عند أول منعطف، يشكّلان تحديًا لهذا المسار. وقد أكدت مصادر أميركية حدوث هذه الاتصالات بالقول إن “الرئيس يتحدّث مع الجميع. يتحدّث مع القادة الأكراد. وتحدّث مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان”[7].

ذرائع الحرب وتبريراتها المتغيرة

تبدّلت ذرائع الحرب وتبريراتها أميركيًا على نحو لافت، ليس بسبب الكذب فحسب، بل أيضًا نتيجة استخفاف الإدارة الأميركية بالرأي العام وقناعتها أن ما يمرّ شعبيًا ليس التبرير العقلاني، حتى لو كان كاذبًا، بل مخاطبة الغرائز. فإيران، على الرغم من خطابها المعادي للولايات المتحدة، لا تمثل تهديدًا فعليًا لها من حيث قدراتها العسكرية، ولهذا عملت واشنطن، على مدى عقود وتحت إدارات ديمقراطية وجمهورية متعاقبة، على احتوائها ومحاولة تغيير سياساتها، بدلًا من إسقاط نظامها. وفي حالات معينة، حصل تعاون محدود بين الطرفين عند تقاطع المصالح، كما حدث خلال الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001، واجتياح العراق عام 2003، ولاحقًا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” في الفترة 2014-2017. وعلى الرغم من أن العلاقات بين الطرفين شهدت احتكاكات عسكرية محدودة، مثل عملية تحرير الرهائن الفاشلة في السفارة الأميركية عام 1980، و”حرب الناقلات” في الثمانينيات، فإن هذه العلاقة بقيت محكومة بسقف يمنع الانزلاق إلى صراع عسكري واسع مع دولة يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة. وعندما أقدمت إدارة ترمب الأولى على اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في غارة قرب مطار بغداد عام 2020، جاء الرد الإيراني محسوبًا ومحدودًا. وحتى عندما انسحب ترمب من الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أبرمته إدارة الرئيس باراك أوباما مع إيران، تركزت محاولاته على إبرام اتفاق نووي أكثر صرامة، ولم يلجأ إلى الخيار العسكري إلا عام 2025 عندما شاركت الولايات المتحدة إسرائيل في هجومها على إيران وقصفت منشآت نووية في فوردو ونطنز وأصفهان.

لكن إعلان ترمب الأخير عن حملة عسكرية أميركية ضد إيران، ودعوته الإيرانيين إلى التخلص من نظامهم والسيطرة على مؤسسات الدولة، يشيران إلى تبدّل كبير في مقاربته تجاهها في ولايته الثانية[8]. وقد يكون هذا التحول مدفوعًا بما اعتبره نجاحًا في تغيير توجهات النظام الفنزويلي بعد أن اختطفت قوات خاصة أميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من وسط كراكاس مطلع عام 2026. غير أن إيران تختلف جذريًا عن فنزويلا، والمواجهة معها تنطوي على مخاطر جيوسياسية أكبر كثيرًا، وسيكون على ترمب تحمّل تبعات رهاناته على أن عملية عسكرية كبرى تُنفّذ من الجو يمكن أن تحقق أهدافًا سياسية على الأرض[9]. وسيتحمّل أيضًا المسؤولية المباشرة عن أيّ خسائر أميركية في هذه الحرب، فضلًا عن التبعات الاقتصادية المتمثلة في الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة وما يفرضه ذلك من أعباء على المواطنين الأميركيين الذين يعانون أصلًا ضغوط التضخم وارتفاع الأسعار.

قدّم ترمب، إزاء هذه التحديات، سلسلة من المبررات المتناقضة لتبرير إعلانه الحرب على إيران، مدّعيًا أنها تهدف إلى منعها من “تهديد أميركا ومصالحنا الأساسية في الأمن القومي”. واعتبر أنها “رفضت كل فرصة للتخلي عن طموحاتها النووية”، وأن الولايات المتحدة “لم تعد قادرة على تحمّل ذلك”، علمًا أن إيران قدّمت تنازلات كبيرة خلال المفاوضات، بما في ذلك موافقتها على نقل كل اليورانيوم المخصب خارج أراضيها والقبول برقابة مشددة على برنامجها النووي. وركّز كذلك على ترسانتها الصاروخية ودعمها “المزعزع للاستقرار” لجماعات إقليمية مثل حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، مقدّمًا هذه العناصر بوصفها تهديدات مباشرة تتطلب ردًا عسكريًا حاسمًا. واستدعى، لتعزيز منطقه، التاريخ المتوتر بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مقدّمًا الهجمات الحالية بوصفها امتدادًا لصراع طويل وثأرًا عن عقود من المواجهة. واستشهد باحتجاز 52 أميركيًا رهائن بعد اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، وبمقتل 241 جنديًا أميركيًا في تفجير ثكناتهم في بيروت عام 1983، وبالهجوم على المدمرة الأميركية “يو إس إس كول” عام 2000 في اليمن، الذي قال إن إيران “ربما” كانت متورطة فيه، على الرغم من أن الولايات المتحدة تنسب الهجوم منذ زمن بعيد إلى تنظيم القاعدة. وأشار إلى دعم إيران للهجمات التي استهدفت القوات الأميركية في العراق بعد الاحتلال، مقدّمًا ذلك دليلًا إضافيًا على أنها تشكّل تهديدًا مستمرًا للمصالح الأميركية[10].

تمثّل الجديد في خطاب ترمب في ثلاثة ادعاءات لا تؤيدها التقديرات الاستخباراتية الأميركية. الأول أن إيران تحاول إعادة بناء برنامجها النووي. والثاني أنها مستمرة في “تطوير صواريخ بعيدة المدى يمكنها تهديد أوروبا والقوات الأميركية في الخارج، وقد تصل قريبًا إلى الأراضي الأميركية”. والثالث أن إيران كانت تخطط لشنّ هجوم استباقي على القوات الأميركية في المنطقة. وبالنسبة إلى الادعاء الأول، فإن ترمب نفسه أكد مرارًا أن الولايات المتحدة دمرت تمامًا البرنامج النووي الإيراني بضربات جوية صيف 2025. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عدم وجود أيّ دليل على أن إيران أعادت تشغيل برنامج التخصيب، أو أنها تعمل على تصنيع قنبلة نووية، وهو ما تؤكده أيضًا التقييمات الاستخباراتية الأميركية. وينطبق الأمر ذاته على الادعاء الثاني؛ إذ أكدت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية في تقييم صدر عام 2025 أنه لا توجد مؤشرات على أن إيران بدأت تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، وأن مثل هذا المشروع، إذا بدأ، سيستغرق عقدًا كاملًا[11]. أما الادعاء الثالث، المتعلق بنيّة إيران شنّ هجوم استباقي على القوات الأميركية، فقد اعترفت وزارة الدفاع الأميركية في إحاطة لأعضاء في الكونغرس في اليوم الثاني للحرب (1 آذار/ مارس) بأنه لا توجد معلومات استخباراتية تشير إلى ذلك[12].

وثمة أساس للاعتقاد أن المفاوضات لم تكن سوى محاولة لكسب الوقت لإتمام الاستعدادات للحرب، في حال رفضت إيران الاستسلام لكافة المطالب الأميركية. ويعزز هذه الفرضية توافر معلومات الآن عن أن واشنطن وتل أبيب كانتا تخططان لشنّ الهجوم على إيران قبل أسبوع من تنفيذه فعليًا، غير أن العملية تأجّلت لأسباب عملياتية واستخباراتية. وقد أتاح هذا التأجيل لترمب أسبوعًا إضافيًا ليبدو أنه يستنفد كل الفرص قبل الهجوم على إيران. وبعد انتهاء الجولة الثانية من المحادثات الأميركية – الإيرانية في 17 شباط/ فبراير من دون اتفاق، كان المخططون العسكريون الأميركيون والإسرائيليون يستعدون لتنفيذ الضربات بعد أربعة أيام؛ أي في 21 شباط/ فبراير. لكن الموافقة استغرقت أسبوعًا إضافيًا، نتيجة سوء الأحوال الجوية في المنطقة، ما عرقل تنفيذ الخطة في موعدها الأصلي[13].

وعلى الرغم من أن ترمب زعم أنه اتخذ قرار توجيه ضربة إلى إيران “بعد المحادثات الأخيرة” في جنيف، وتلقّيه معلومات استخباراتية تفيد أنها استأنفت العمل سرًا على مشاريع نووية، فإن تسريبات مختلفة تؤكد أن الجولة الأخيرة من المفاوضات لم تكن سوى عملية تضليل أميركية متعمّدة لكسب الوقت حتى تحديد موعد الهجوم ومفاجأة إيران، في إطار استراتيجية تهدف إلى إيهامها بأن المسار الدبلوماسي لا يزال قائمًا، في حين كانت الاستعدادات العسكرية في مراحلها النهائية[14].

وامتد التناقض في تقديم الذرائع الأميركية لتبرير شنّ حرب على إيران إلى الدور الإسرائيلي فيها. فقد صرّح وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في 2 آذار/ مارس، بأن الولايات المتحدة نفّذت ضربتها ضد إيران “استباقيًا” بعدما تبيّن لها أنّ إسرائيل كانت تستعد للتحرك منفردة، الأمر الذي كان سيستجلب ردًا إيرانيًا يستهدف القوات الأميركية ويوقع خسائر أكبر. غير أنّ رواية روبيو تتناقض مع ما قدّمه في إحاطة سرّية أمام مجموعة من كبار المشرّعين من الحزبين في الكونغرس قبل ذلك، وتسربت أجزاء منها إلى وسائل الإعلام؛ إذ لم يشر فيها إلى أنّ إيران كانت تخطّط لمهاجمة الولايات المتحدة من دون استفزاز، بل عرض سيناريو مفاده أنّ ضربة إسرائيلية منفردة قد تدفع إيران إلى استهداف مواقع أميركية في المنطقة، ما قد يضع واشنطن أمام خيار توجيه ضربة استباقية، وهو ما يعني أن قرار الحرب كان إسرائيليًا. وناقش روبيو أيضًا احتمال تنفيذ ضربات أميركية وإسرائيلية متزامنة، لكنه لم يطرح خيار محاولة ثني إسرائيل عن المضي في خططها[15].

أثار تصريح روبيو العلني موجة انتقادات كبيرة، خاصة داخل قاعدة “ماغا” (لنجعل أميركا عظيمة مجددًا MAGA) التي تُبدي حساسية تجاه الانخراط في حروب خارجية وتخشى من دور إسرائيلي في جرّ الولايات المتحدة إلى حروبها، ما اضطر ترمب إلى نفي أن تكون الخطط الإسرائيلية هي التي دفعته إلى شنّ الضربات، مؤكدًا أنّه ربما كان هو من “أجبرهم” على التحرك، لا العكس. وأضاف أنّ إيران كانت ستهاجم أولًا لو لم تبادر واشنطن، وأنه كان “مقتنعًا بذلك تمامًا”[16].

خاتمة

لا يمكن الجزم باتجاهات الحرب الراهنة التي اتسعت رقعتها لتشمل أجزاء واسعة من منطقة الخليج والشرق الأوسط، لكن المؤكد أن قرار ترمب شنّ الحرب على إيران أدخل المنطقة والعالم في واحدة من أخطر الأزمات منذ غزو العراق عام 2003، بما تحمله من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة. ويزيد من خطورة هذه الأزمة غياب رؤية محددة لمستقبل إيران؛ إذ تراوح الاحتمالات بين اندلاع فوضى داخلية وإقليمية شاملة في حال سقوط النظام وغياب بديل واضح لملء الفراغ، وصعود تيار أكثر تشددًا داخل النظام يسعى للثأر والانتقام، مع استبعاد إمكانية تكرار سيناريو التغيير الذي حدث في فنزويلا بعد عملية اختطاف مادورو.

[1] “Read Trump’s Full Statement on Iran Attacks,” PBS, 28/2/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba7y

[2] Michael Scherer, “‘I have Agreed to Talk’,” The Atlantic, 1/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba9L

[3] Daniel Bush, “Trump’s Iran Endgame Unclear after Mixed Messaging on War Aims,” BBC, 2/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Balq

[4] “Trump on ‘Operation Epic Fury’; Won’t Rule out Sending U.S. Troops into Iran if ‘Necessary’,” NBC News, 2/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9KV

[5] Tara Copp & Alex Horton, “U.S. won’t Rule out Sending Ground Troops into Iran,” The Washington Post, 2/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba78

[6] Barak Ravid & Marc Caputo, “Scoop: Trump Calls Kurdish Leaders in Iran War Effort,” Axios, 2/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9VN

[7] Ibid.

[8] Kevin Liptak, “Trump Deliberated on Iran for Weeks. His ‘Massive and Ongoing’ Operation Comes with Acknowledgment US Lives could be Lost,” CNN, 28/2/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Baiw

[9] Michael Birnbaum et al., “Push from Saudis, Israel Helped Move Trump to Attack Iran,” The Washington Post, 28/2/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9iw

[10] “Read Trump’s Full Statement on Iran Attacks.”

[11] Ibid.

[12] Phil Stewart & Humeyra Pamuk, “Pentagon Tells Congress No Sign that Iran was Going to Attack US First, Sources Say,” Reuters, 1/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9O5

[13]Barak Ravid & Marc Caputo, “U.S. and Israel Delayed Original Iran Strike by a Week, Officials Say,” Axios, 1/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9I0

[14] Ibid.

[15] Tara Copp et al., “In Surprise Daytime Attack, U.S., Israel Take out Iranian Leadership,” The Washington Post, 2/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba8P

[16] Alexandra Koch, “Trump Says he might have ‘Forced Israel’s Hand’ in Iran Strike Decision as Critics Question War Powers,” Fox News, 3/3/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba5x

حدة الدراسات السياسية

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

—————————-

تركيا والحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران/ عماد قدورة

​​ فرضت الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران تحديات على توازن القوى الإقليمي في الشرق الأوسط عمومًا. ومع أن دول الخليج العربية من بين الأشد تأثرًا بهذه الحرب، فإن تركيا أيضًا وجدت نفسها في وضع حرج ومعقد؛ إذ إن الأطراف التي فرضت منطق الحرب الشاملة لم ترغب في تغيير نظام الجمهورية الإسلامية فحسب، وإنما أرادت أيضًا إعادة بناء النظام الإقليمي في المنطقة على أسس جديدة وغير مسبوقة. فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترغب، من بين أهداف أخرى، في بسط السيطرة المطلقة على المنطقة ونفطها وثرواتها، ضمانًا لتكريس نفوذ إقليمي أوحد ركنه الأساس إسرائيل، ومنعًا للصعود التدريجي للنفوذين الصيني والروسي في المنطقة، واللذين يشكلان أبرز تحديين لهيمنتها العالمية. أما إسرائيل، فتسابق من أجل فرض نظامها الإقليمي الخاص والمهيمن، بإيجاد حليف إيراني، يمارس مزيدًا من الضغط على الدول العربية، ويشكل رافعة مركزية لها في موازاة تركيا.

تدرك تركيا أنها أحد الأطراف المستهدفة بتداعي الوضع القائم، لذا تسعى إلى تثبيته بوصفه يخدم تنامي قوتها تدريجيًا، وترفض تعديله أو إعادة هندسة المنطقة لمصلحة إسرائيل. فما موقفها من الحرب الراهنة؟ وما تداعيات الحرب عليها؟ وما الذي يمكنها فعله إزاء حرب فرضها طرف إقليمي منافس لها؟ وهل يرقى الخطاب والموقف التركي إلى خطورة المتغيرات المحتملة؟ وهل دور الوساطة أو المراقبة كافيين بالنسبة إلى تركيا التي تعرّف نفسها بدولة محورية فاعلة؟ وما الذي يمكنها فعله أبعد من ذلك؟

تركيا والحرب: الخطاب والموقف

انتقى الخطاب التركي التصريحات بعناية ليعبّر عن موقف أنقرة من الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران؛ فهذه الحرب ليست من اختيارها، ولا هي طرف فيها كي تتحكم في مسارها أو نتائجها. وسواء حققت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية أهدافهما أو فشلتا في ذلك، فإن تداعيات الحرب سوف تنعكس على تركيا ومصالحها ومكانتها في المنطقة. لذا، اختارت ردود فعلٍ أولية تجنّبها الاصطفاف إلى جانب أي طرف، تمهيدًا لتأدية دور، قد تعتقد أنه يحافظ على مكانتها الإقليمية في ترتيبات ما بعد الحرب، ويخفف التداعيات السلبية المحتملة عليها، فضلًا عن إمكانية تقديم نفسها مجددًا طرفًا وسيطًا في الأزمات.

في هذا السياق، رفضت تركيا مبدأ التصعيد والحرب عمومًا، وأكدت على احترام سيادة إيران، ورفضت استهداف الأخيرة لدول الخليج، وحذرت من توسع الصراع الإقليمي، حتى بما يشملها. فقد دعت وزارة الخارجية التركية جميع الأطراف (الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران) إلى “وقف الأعمال العدائية فورًا”، محذّرة من أن التطورات “تُخاطر بمستقبل المنطقة وبالاستقرار العالمي”. ورفضت استهداف إيران “دولًا ثالثة”، مع الاستعداد لتقديم دعم “لأي جهود وساطة”[1]. ووصف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الهجمات الإسرائيلية الأميركية بأنها “تنتهك سيادة إيران” وتهدد “سلام الشعب الإيراني الصديق والشقيق”، وربط بدايتها بـ “استفزازات” إسرائيلية، محذرًا من أن غياب الدبلوماسية قد يجر المنطقة إلى “حلقة من نار”. واعتبر أن هجمات إيران بالصواريخ والطائرات المسيّرة على “دول شقيقة في الخليج” غير مقبولة[2]. أما وزير الخارجية، هاكان فيدان، فقد ركز على خطأ إيران في توسيع الهجمات، والخشية من آثار الحرب، وعلى استعداد تركيا لدور الوسيط؛ إذ أكد أن “استراتيجية إيران المتمثلة في مهاجمة دول الخليج ⁠خاطئة للغاية” وتزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة، وأن طهران تتبنى ‌استراتيجية “إذا ⁠غرقتُ، فسأُغرق المنطقة أيضًا”[3]. وأضاف: “عندما ننظر إلى آثار هذه الحرب، نجد أنها لا تقتصر على إيران فحسب، بل كما توقعنا منذ زمن طويل، فإنها تمتد إلى المنطقة بأسرها”. أما بالنسبة إلى جهود الوساطة، فأشار إلى أن “إيران تبدو أكثر انفتاحًا على وقف إطلاق النار، لكن ينبغي بلورة حزمة حجج تقنع الولايات المتحدة”، ومع افتراض أن “القيادة الجديدة في إيران قد تشكل فرصة لوقف الحرب”، فإن “إدارتها عبر وسيط مناسبٌ بطريقة لا تُظهر أي طرف بمظهر المهزوم”. وأشار إلى أن “تركيا تجري العديد من الاتصالات حاليًا بحثًا عن سبل الوصول إلى وقف إطلاق النار”[4].

يتركز موقف تركيا على صياغة موقف يتلخص في منع تفاقم الأزمة، مع تجنّب الإجابة عن تساؤل: أنقف مع الجار الإيراني أم الحليف الغربي؟ كما تجنبت في تصريحاتها تقييم شرعية مطالب إسقاط النظام في إيران أو الدفاع عنه، مع إشارة إلى قيادة جديدة؛ ما يجعل الباب مفتوحًا للاستعداد للتعامل مع وضع ما بعد الحرب؛ أي بما تؤدي إليه من نتائج على أرض الواقع. من الواضح، إذًا، أن تركيا تستعد لكل السيناريوهات؛ أي التعامل مع الواقع الجديد في حال تحقق هدف الحرب بإسقاط النظام الإيراني، أو الوساطة لإيجاد مخرج مقبول لأطراف الحرب، أو السعي لتعزيز علاقاتها أكثر بمنطقة الخليج عبر الإدانة المستمرة للاستهداف الإيراني لدوله.

لكن، في كل الأحوال، تبقى هذه المواقف بعيدة عن الانخراط في الحرب أو أي جهود مادية ملموسة لمصلحة أي طرف حتى الآن، ما لم تطرأ تطورات تجرّها إليها، من قبيل استمرار إيران بمحاولة قصف القواعد الغربية في تركيا، التي تستضيف ثلاث قواعد؛ هي قاعدة إنجرليك الجوية في أضنة، ومحطة رادار كوريجيك في ملاطية، ومقر لقوات حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أزمير، حيث جرى اعتراض صاروخ إيراني باليستي باتجاه الأراضي التركية في 4 آذار/ مارس[5]، رغم أن أنقرة نفت انطلاق أي هجمات على إيران من تلك القواعد[6]. وابتعد الخطاب التركي عن الإشارة إلى احتمال الانخراط العملي بالحرب إلى جانب بعض دول الخليج العربية إن شاركت في الحرب، أو في حال امتداد آثار الحرب إلى تركيا عن طريق الاستهداف الإيراني المباشر لها أو في حال تنفيذ تصريحات إسرائيلية أشارت إلى أن تركيا هي التهديد الإقليمي القادم[7]. فمثلما أن آفاق هذه الحرب مفتوحة على احتمالات كثيرة، فإن تركيا، ذات الحدود المباشرة مع إيران، والتي تربطها علاقاتها بها وبدول الخليج العربية، وهي حليف الولايات المتحدة، وعضو الناتو، ستكون معرضة لكل الاحتمالات، بما فيها الوساطة أو جهود السلام، أو حتى الانخراط في الحرب، حمايةً لأراضيها ومصالحها ومكانتها في أي ترتيبات إقليمية جديدة. وربما يصعب في الوقت الراهن تحديد الاصطفافات المحتملة وإعادة تشكّل التحالفات، ومن ثمّ تحديد موقع تركيا فيها؛ لأن ذلك كله رهن بتطورات الحرب نفسها والنتائج التي ستتمخض عنها.

تركيا وإيران وإسرائيل ما بعد الحرب

تعتمد مقاربة تركيا للعلاقات بإيران على النتائج التي ستسفر عنها هذه الحرب. فعلى الرغم من استقرار العلاقات نسبيًا منذ معاهدة قصر شيرين في عام 1629، والتي رسمت الحدود القائمة حاليًا بين الطرفين، فإن الحرب الراهنة تبدو آثارها مختلفة على العلاقات الثنائية الإيرانية – التركية، وربما على حدودهما التي قد تشهد بعض الاضطرابات الإثنية. فالمستقبل يتعلق بمحاولة طرف إقليمي منافس، وهو إسرائيل، تحويل ثقل إيران الاستراتيجي وموقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية الهائلة؛ لمصلحة مشروعٍ معادٍ لمصالح تركيا، وكذلك للعرب والمسلمين في هذه المنطقة عمومًا. فما الذي يترتب على هذه المتغيرات المحتملة؟

في حال انتهت الحرب الإسرائيلية الأميركية بإضعاف النظام الإيراني من دون إسقاطه، فقد تستفيد تركيا جزئيًا من إبقاء الوضع الراهن قائمًا عبر علاقات ثنائية متوازنة، مع احتمال الاستفادة من تراجع النفوذ الإيراني في العراق لمصلحتها، فضلًا عن تزايد اعتماد إيران عليها في الاقتصاد والتجارة، سواء أكانت فترة من التعافي أم استمرار الضغوط الغربية عليها. وفي المقابل، قد يدفع الضعف الإيراني إلى لجوء طهران إلى سياسات تصعيدية وأكثر مخاطرة، بما يعقّد البيئة الأمنية، وبخاصة أن الحدود المشتركة مع تركيا تمتد مسافات طويلة. لذا، قد تفضّل الأخيرة إدارة التوازن مع إيران ضعيفة، بدلًا من مواجهة فراغ كامل أو فوضى ممتدة غير معلومة التداعيات.

أما في حال سقوط نظام الجمهورية الإسلامية وصعود نظام إيراني قريب من إسرائيل والولايات المتحدة، فإن ميزان القوى الإقليمي سيتعرض لتحول جذري؛ قد يشمل:

    احتمال تشكل محور إقليمي جديد يضم إسرائيل وإيران ما بعد الثورة؛ ودول أخرى، ما قد يؤثر في أهمية تركيا بوصفها دولة محورية بالنسبة إلى الغرب.

    قد تخرج إسرائيل من الحرب بوصفها مركز الثقل العسكري والسياسي في الشرق الأوسط؛ ما يضعف القدرة التركية على الحفاظ على دور كبير في المنطقة أو يحدّ من تعزيز مصالحها.

    تمثل المسألة الكردية هاجسًا أساسيًا، فإذا أعيدت هندسة الداخل الإيراني بطريقة تمنح الأكراد ترتيبات حكم ذاتي موسعة بدعم غربي – إسرائيلي، فإن ذلك قد يعيد إحياء مطالب أعمق وأوسع لحزب العمال الكردستاني وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، اللذين يسيران بعملية سلام وتصالح مع الحكومة التركية؛ ما قد يمسّ الأمن القومي التركي مباشرة مرة أخرى. وفضلًا عن ذلك، تتحسب تركيا لمخاطر حزب الحياة الحرة الكردستاني، الذي ينشط أساسًا ضد الدولة الإيرانية، لكنه يرتبط بشكل وثيق بالبيئة التنظيمية لحزب العمال الكردستاني. لذلك، تنظر إليه تركيا بوصفه جزءًا من شبكة تنظيمية كردية مسلحة عابرة للحدود تشكل تهديدًا لأمنها القومي.

    إذا أدى سقوط النظام الإيراني إلى فوضى داخلية، فإن خطر النزوح والاضطراب الحدودي قد يتحول إلى مشكلة لجوء كبرى جديدة لتركيا. فالحدود بين البلدين تمتد على نحو 534 كيلومترًا. وقد أشار فيدان ضمنيًا إلى هذا الاحتمال، حين قال: “جرى تشييد جدران على طول الحدود مع إيران خلال السنوات الماضية، مستفيدين من دروس الأحداث في سورية”، وأشار إلى أن “إيران احتجت على ذلك عدة مرات متسائلة عن سبب بناء الجدار”[8]. والمشكلة في حالة اللجوء الإيراني الكثيف أنها ستتضمن مخاطر إثنية وأمنية واجتماعية على مناطق جنوب شرق تركيا.

    إذا أعيد دمج حكومة إيرانية قريبة من إسرائيل والغرب في الاقتصاد العالمي، فقد تحصل إيران على تفضيلات تجارية استراتيجية، تجعلها منافسًا لتركيا في مسارات الطاقة والعبور التجاري، في عصرٍ يتميز بمنافسة اقتصادية ذات أبعاد جيوسياسية.

الاستنتاجات

يفرض تحالف تركيا مع الولايات المتحدة وعضويتها في الناتو عليها التنسيق السياسي والعسكري، لكنها لا تلغي حساباتها المستقلة، وخاصة عندما ترى تحركات أميركية لمصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع أنقرة الاصطفاف مع إيران ضد الولايات المتحدة، لكنها لا ترغب أيضًا في انتصار إسرائيلي كاسح يعيد تشكيل الإقليم ضد مصالحها.

لذا تتبنى أنقرة خطابًا يدعم الاستقرار، ويرفض التصعيد، ويؤكد على الدبلوماسية، وعلى احترام السيادة والقانون الدولي، ليس دفاعًا عن النظام الإيراني بالضرورة، وإنما رفضًا لسابقة تغيير الأنظمة بالقوة، لما قد يحمله ذلك من تداعيات على المنطقة. ثم إن حديث تركيا عن تهديد النظام الإقليمي، يخدمها من جهتين: أولًا، يمنحها شرعية للحديث باسم الاستقرار الشامل ويقدمها وسيطًا مقبولًا من الأطراف المتصارعة، وثانيًا، يمنحها الحق في تعزيز قوتها للدفاع عن أمنها القومي ومصالحها.

لكن هل دور الوساطة بناء على طلب أطراف الحرب، أو دور المراقب لما ستسفر عنه نتائجها، كافيين بالنسبة إلى تركيا، التي تعرّف نفسها على أنها دولة محورية، ومركزية، وصانعة للسياسات في الشرق الأوسط؟

في الواقع، تضع إعادة تشكيل المنطقة لعقود مقبلة، كما ترغب إسرائيل في ذلك، تحديات لا سابق لها بالنسبة إلى تركيا المعاصرة. فتقدُّم إسرائيل في إيران والخليج، يعني خسارةً لتركيا. كما أن سيادة مفهوم “السلام بالقوة” الذي يطبّقه دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو، يعني أن الضعيف سيدفع ثمن ضعفه، حتى لو كان حليفًا. لذا، قد يتطلب الدور الفاعل لتركيا أن تسرّع في برامج بناء قدراتها المادية، مثلما يتطلب صنع الأحداث لمصلحتها، وكذلك مصالح الدول التي تربطها بها شراكات استراتيجية، وتعزيز هذه الشراكات في المجالات كافة على المدى القريب. لكن، حاليًا، لا مفر من الانخراط بقوة بممارسة الضغوط الحقيقية على جميع الأطراف لإنهاء الحرب عاجلًا؛ لأن استمرارها سيولد نتائج كارثية، سوف تنال من الجميع، حكومات وشعوبًا، بمن فيهم تركيا وأمنها وشعبها ومكانتها ومصالحها.

[1] “Türkiye Calls on US, Israel and Iran to Cease Hostilities Immediately,” AA, 28/2/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://cutt.ly/etRme2N2

[2] “President Erdogan Warns Middle East Faces ‘Ring of Fire’ after Joint US-Israeli Attacks on Iran,” Anadolu Agency, 28/2/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://cutt.ly/ZtRmfInU

[3] “وزير الخارجية التركي: قصف إيران دول الخليج العربية استراتيجية خاطئة”، رويترز، 3/3/2026، شوهد في 5/3/ 2026، في: https://cutt.ly/mtRmfBaz

[4] “فيدان: قصف إيران دول الخليج استراتيجية خاطئة للغاية”، وكالة الأناضول، 3/3/2026، شوهد في 5/3/2026، في: https://cutt.ly/ktRmgiId

[5] “تركيا تستدعي سفير إيران بعد اعتراض الناتو صاروخا بهاتاي”، الجزيرة نت، 4/3/2026، شوهد في 5/3/2026، في: https://cutt.ly/5tRmgP92

[6] “Turkey Denies Claims of Use of its Territory, Airspace for US, Israeli Strikes on Iran,” Turkish Minute, 28/2/2026, accessed on 5/3/2026, at: https://cutt.ly/7tRmgNtb

[7] ينظر مثلًا:“Former Israeli PM Bennett Warns Turkey Poses a New Threat,” i24News, 17/2/2026, accessed on 3/3/2026, at: https://acr.ps/1L9BaiA; “Turkey as Israel’s “next Iran”? A strategic Rivalry Reconsidered,” Middle East Monitor, 22/2/2026, accessed on 3/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9j4

[8] “فيدان: قصف إيران دول الخليج استراتيجية خاطئة للغاية”.​

مدير قسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط، وعلى الماجستير في الدراسات الاستراتيجية والدفاعية. تتركز اهتماماته البحثية حول الجيوبولتكس، والعلاقات الدولية، والدراسات التركية. نُشرت له كتب ودراسات عديدة، آخرها كتاب: السياسة الخارجية التركية: الاتجاهات، التحالفات المرنة، سياسة القوة” (المركز العربي للأبحاث، 2021)؛ وكتاب:

The Rise of the GCC and Turkey: Convergent and Divergent Regional Agendas (New Castle: Cambridge Scholars Publishing, 2021).

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

—————————-

الحرب على إيران: “ولاية الفقيه” ليست بعدُ ضحية!/ صبحي حديدي

ما لا تتداوله وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة خصوصاً ومراكز الشركات العملاقة العابرة للقارات في الغرب عموماً، أو تمتنع عن تناوله حتى في الحدود الإخبارية الدنيا، أو تتعمد إغفاله تماماً؛ هو هذا الجانب من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران: الأرباح الخرافية التي حصدتها للتوّ، أو سوف تجنيها تباعاً مع استمرار العدوان، شركاتُ النفط والغاز الطبيعي المسال الأمريكية، بمعدّل يبلغ 20 مليار دولار أمريكي شهرياً، في سنة قياس كانت تعد بأرقام أقلّ مغنماً بكثير، وأقرب إلى انكماش وانحسار وتقلّص.

ذلك لأنها، في استطراد منطقي أوّل، حرب إمبريالية تقودها واشنطن من موقعها الجيو ــ سياسي والصناعي/ العسكري/ التجاري؛ وتنخرط فيها دولة الاحتلال الإسرائيلي، وحكومة بنيامين نتنياهو تحديداً بوصفها الأشدّ يمينية وعنصرية وفاشية على امتداد تاريخ الكيان الصهيوني، والأعلى خضوعاً لإرادة هذا الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تحديداً. وهي، في استطراد ثانٍ لا يقلّ منطقاً، حلقة شرق ــ أوسطية، إيرانية في المقام الأوّل وخليجية في التداعيات والأضرار الجانبية، لأقسام ذات صلة نصّت عليها “ستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة”، التي أصدرها البيت الأبيض أواخر العام المنصرم 2025.

هي، في استطراد منطقي ثالث، حرب ضدّ الشعب الإيراني وبناه التحتية ومشافيه ومدارسه ومواقعه الحضارية والأثرية، استكمالاً لعقوبات اقتصادية بربرية تخنق المواطن الإيراني وتُقعد البلد، قبل أن تكون معركة تستهدف علوّ شأن محلي في التكنولوجيا النووية والصناعات العسكرية. وهي بالتالي لا تستهدف، إلا في مراتب لاحقة، نظامَ الملالي وآيات الله وأرواحه وحججه، ومنظومات عسكرية وأمنية وميليشياتية مثل “الباسيج” و”الحرس الثوري” و”فيلق القدس” وما يقترن بها من تنظيرات حول قمع احتجاجات الداخل و”تصدير الثورة” إلى الخارج عن طريق تشكيل أذرع الفصائل والحشود الموالية.

ولا يُستثنى استطراد منطقي رابع، حول بنود ثلاثة على طاولة جولات “التفاوض” الأمريكية ــ الإيرانية في مسقط وجنيف؛ بصدد برنامج طهران النووي، وتصنيع الصواريخ البالستية مختلفة الأمدية والرؤوس، والنفوذ الإيراني في المنطقة إجمالاً والعراق ولبنان واليمن خصوصاً. فهذه، وسواها مما خفي في ميادين الطاقة والأمن الإقليمي ومضيق هرمز والجوار الخليجي، ظلت محطّ أخذ وردّ خصامي/ تفاوضي في آن معاً، بين نموذج رئيس أمريكي من طراز باراك أوباما اختار تسهيل اتفاق “خطة العمل الشاملة المشتركة” لعام 2015، وآخر أمريكي على غرار ترامب شاء الانسحاب من الاتفاق بعد 3 سنوات فقط وأعاد فرض المزيد من العقوبات وصولاً إلى شنّ حرب مشتركة مع تابعه نتنياهو.

وفي سجلات تاريخ العلاقات بين واشنطن وطهران، حول البرنامج النووي تحديداً إذا أغفل المرء فصول الرهائن بعد ظفر الثورة الخمينية الإسلامية سنة 1979، وقبلها الإطاحة بحكومة محمد مصدق سنة 1953 بشراكة بين الاستخبارات الأمريكية والبريطانية؛ فإنّ أولى أحجار الأساس في المشاريع النووية الإيرانية شاركت في إرسائها الحكومة الأمريكية ذاتها، وعدد من الحكومات الأوروبية، تحت مسمى برنامج “الذرّة من أجل السلام”!

ومن حلّ الأبحاث النووية إلى استئنافها، بفتوى من الخميني في الحالتين؛ وتوسيع نطاقات تخصيب اليورانيوم، بعد وفاة الخميني سنة 1989 في ظلّ تشدد الولي الفقيه الجديد علي خامنئي؛ تحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى مصدر قلق أمريكي وأوروبي، تغذّيه رهابياً دولةُ الاحتلال الإسرائيلي، ذاتها التي يحدث أنها القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. وانقلب الشدّ والجذب في التفاوض حول مستويات التخصيب وآفاق بلوغ مرحلة إنتاج القنبلة النووية، إلى مهاد مواجهات عسكرية متعاقبة، كانت أحدث فصولها حرب الـ12 يوماً في حزيران (يونيو) الماضي، والحرب الراهنة المستعرة اليوم، مع ثبات في طرفَي العدوان الأمريكي والإسرائيلي، ورسوخ لطبيعته الإيديولوجية الإمبريالية ــ الصهيونية.

وأمّا من جانب سلطة الملالي الثيوقراطية الحاكمة في إيران، فإنّ للنظام حصته غير الضئيلة في توفير الذرائع أمام هذه الحرب، حتى إذا كانت لا تحتاج أصلاً إلى ذريعة؛ وليس في الجانب الخاصّ ببنود “التفاوض” الثلاثة إياها فقط، بل كذلك لأنّ هيمنة التيارات المتشددة والمحافظة في أعلى هرم منظومة الحكم قهرت مطامح الشارع الشعبي، وخنقت التطلعات المشروعة إلى الإصلاح، وبددت ثروات الشعب الإيراني على هستيريا تشكيل أذرعة الولاء والتبعية في لبنان والعراق وسوريا واليمن. وهكذا، في اختصار جائز، كانت معارك الاستبداد في الداخل بمثابة وقود لاشتغال حروب الخارج.

ولعلّ المفردة المركزية هنا، التي تعمل بما يشبه كلمة السرّ العظمى، هي مبدأ “ولاية الفقيه” التي يتمتع بها المرشد الأعلى، وتنطوي على صلاحيات استثنائية خرافية، لا أصل لها في الفقه الشيعي ذاته، ولا في أيّ من مذاهب الإسلام على اختلافها وتنوّعها. ومع اغتيال علي خامنئي (خلال الساعات القليلة الأولى لابتداء الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية الأخيرة!)، وما سبقه من قرارات المرشد الأعلى ذاته حول تكليف أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني بمسؤوليات قصوى في إدارة البلاد، وتأخّر (أو هو تعثّر؟) انتخاب مرشد يخلف خامنئي؛ يصحّ طرح التساؤل عن مآلات مبدأ ولي الفقيه، لجهة الإبقاء أو تخفيف الصلاحيات أو حتى الطيّ التدريجي.

وهذا، في أوّل المطاف كما في نهايته، مبدأ صاغه الإمام الخميني على استعجال سنة 1971، حين كان منفياً في مدينة النجف العراقية، وخضع منذ البدء لنقاشات وسجالات شارك فيها واتفق أو اختلف عليها عدد كبير من فقهاء الشيعة. الثابت، مع ذلك، أنّ خامنئي هو الذي كان أشدّ المدافعين عن المبدأ، وأبرز المتمسكين بالنصّ عليه في الدستور، بل وتشديد صلاحيات الوليّ الفقيه المنصوص عنها حالياً، وتوسيع ميادين تطبيقها؛ لأسباب لم تكن تخصّ الفقه والشريعة، بقدر ما تُبقي على ميزان القوّة في صفّ السلطة الدينية، على حساب السلطات المدنية.

فكيف يمكن الحديث عن صلاحيات ملموسة لهذه السلطات الأخيرة، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ذاتها، إذا كان في يد الوليّ الفقيه تسمية أعضاء مجلس المرشدين، ومجلس القضاء الأعلى، ورئاسة القيادة العليا للقوات المسلحة (وضمن هذه الصلاحية ما يلي: تعيين أو عزل رئيس الأركان، وقائد الحرس الثوري، وأعضاء مجلس الدفاع الأعلى، وقادة صنوف الأسلحة)، وإعلان الحرب والسلام والتعبئة، وإقرار أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية أو استبعاد هذا أو ذاك، وإدانة وعزل الرئيس الجمهورية بموجب أسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية، وإصدار مختلف أنواع العفو؟

بل لقد حدث مراراً أن بعض الفقهاء، أو رجال الحكم المسخّرين في خدمة سلطات الوليّ الفقيه، ذهبوا أبعد مما ينبغي في تفسير المبدأ؛ كما حدث حين اعتبر آية الله أحمد أزاري ــ قمّي، وكان واحداً من كبار شارحي فكر الخميني، أنّ بين صلاحيات الوليّ الفقيه إصدار “منع مؤقت” لأداء فرائض دينية، وفي وسعه أن يأمر بهدم بيت المسلم، أو أن يأمره بتطليق زوجته. وكتب يقول، بالحرف: “ليس لدى الولي الفقيه أية مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم الإسلامي، حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتاً عن الصلاة والصيام والحج، أو حتى الإيمان بالتوحيد”!

وبينما يسقط مئات الإيرانيين الأبرياء ضحايا العدوان الأمريكي ــ الإسرائيلي، وتواصل شركات الطاقة الأمريكية تكديس مليارات إضافية من أرباح مضرّجة بالدماء، يواصل مبدأ ولاية الفقيه تعطيل الإصلاح وتحرير الاقتصاد وانتشال الإيراني من غائلة التشدد والمسغبة والحصار والقصف؛ لأنه ليس بعدّ ضحية العدوان، بل لعله شريك ضمني فيه!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

—————————-

عن الشعوب التي تخسر الحرب وإسرائيل التي تربح/ ماجد كيالي

التصرف وكأن الصراع يتحدد ويحسم بالصراع العسكري

06 مارس 2026

لم تكن الحرب الإسرائيلية-الأميركية-الإيرانية مفاجئة لأي طرف، فكل المعطيات كانت تؤكد الولوج إليها أو الوقوع في شراكها، خاصة بعد عملية “طوفان الأقصى” (أواخر 2023)، التي أنهت حقبة الاستثمار الأميركي (والإسرائيلي) بالسياسات التي انتهجها النظام الإيراني في الشرق الأوسط، التي جعلته الطرف الأكثر فعالية في الإقليم لعقدين من الزمن. وللتذكير فقد حصل ذلك منذ الغزو الأميركي للعراق (2003)، وتسليمه للميليشيات العراقية، التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران، ما نجم عنه في المحصلة، تصدع بنى الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، في العراق وسوريا ولبنان (مع اليمن)، وإبقاء دول الخليج تحت طائلة الابتزاز والتهديد، ما خدم إسرائيل أكثر مما أضر بها في كلتا الحالتين.

مشكلة النظام في إيران، الذي هيمن على البلد منذ قرابة خمسة عقود، أنه يتصرف بوصفه سلطة وميليشيا، وليس بوصفه دولة، باعتبار أن على رأس أولوياته الدفاع عن سلطته وأيديولوجيته وشعاراته أو ادعاءاته، وليس الدفاع عن البلد، وصون مصالح الشعب والاقتصاد والعمران والتاريخ، والعلاقة مع دول الجوار والعالم، وهذا ديدن الأنظمة التسلطية، التي لا تبالي بأي شيء آخر سوى سلطتها، أو تماهي وتختصر الشعب والدولة في ذاتها. لنلاحظ مثلا أن النظام الإيراني ذهب إلى الحرب مع لاءاته الثلاث، أن لا تنازل عن حيازة قوة نووية، ولا عن الترسانة من الأسلحة الباليستية، ولا عن استمرار الدعم للميليشيات التابعة له، ولا سيما “حزب الله” في لبنان.

الأمر هنا لا يتعلق بحق إيران في امتلاك ما يمكّنها من الدفاع عن نفسها، فهذا شأن آخر، وإنما في أن النظام الإيراني لم يكن بريئا إذ فعل كل شيء، طوال العقدين السابقين، لإثارة الشبهة حول سياساته، وعزل ذاته، واستعداء من يفترض أنهم جواره، أو عمقه التاريخي والحضاري، ما أدى إلى زعزعة الاستقرار السياسي والمجتمعي والأمني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، من دون أن يؤثر ولو بذات الدرجة على إسرائيل. ما تقدم لم يعد مجرد تحليل، ولا محاولة لإسباغ رؤية ذاتية، إذ البيّنة أن تلك السياسات أضعفت وحدة تلك البلدان، المجتمعية والسياسية، وجعلتها أضعف من أي فترة مضت إزاء إسرائيل، التي باتت بمثابة قوة عظمى وحيدة في المشرق العربي، وصولا لإيران.

ملاحظة أخرى بالمقارنة مع روسيا، التي غزت أجزاء من أرض أوكرانيا، فقد ظلت طوال ثلاثة أعوام تحافظ على وتيرة معينة في حربها مع أوكرانيا، وحتى الصين لم تتحدّ الولايات المتحدة في مسألة تايوان، وهذان الأمران لم تلاحظهما القيادة الإيرانية في عنجهيتها.

ففي تلك الحرب قام النظام الإيراني منذ اليوم الأول، باستهداف البلدان العربية المجاورة بالقصف (المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعمان)، مع مضيق هرمز، الحيوي للتجارة العالمية، بل وورط “حزب الله” بالقصف، بدلا من أن تركز استهدافها على الطرفين الإسرائيلي والأميركي (الموجود في قواعده البحرية والعائمة)، الأمر الذي وسع دائرة الحرب، وأسبغ مزيدا من التغطية على السياسات الحربية الإسرائيلية والأميركية.

القصد أن النظام الإيراني في تلك الحرب تصرف كميليشيا بعقلية انتحارية، تنبع من روح قدرية، وعاطفية وإرادوية، كأنه يكرر تجربة “حماس” في يوم “الطوفان”، الذي تحول معه قطاع غزة إلى جحيم ثم إلى خرابة، وتجربة “حزب الله”، التي نجم عنها اليوم نزوح مئات الألوف من جنوبي لبنان، مع محاولة إسرائيل تحويل أجزاء من الجنوب إلى منطقة عازلة، وكل ذلك لا صلة له بالمقاومة، ولا بتعزيز صمود الشعب اللبناني أو الفلسطيني. ذلك أن النتيجة، أي نتيجة الحرب كجيش لجيش، والذهاب إلى المربع الذي تتفوق فيه إسرائيل، المدعومة من الولايات المتحدة، يجر مزيدا من التدمير والقتل والتشريد، وإشاعة الإحباط واليأس.

الحرب الانتحارية التي ذهب أو استدرج، إليها النظام الإيراني الذي فضل ذاته على شعبه وبلده، لم تثبت الشعارات، أو الادعاءات، أو الأوهام التي روّج لها طوال العقدين الماضيين، فقد بينت خواءها أولا، فيما يخص مقولات انهيار إسرائيل والولايات المتحدة، التي تكشفت عن مجرد مبالغة بالذات، واستخفاف بالعدو، وانفصام عن الواقع، مع مقولات مثل أن إسرائيل أوهن من خيوط العنكبوت، وبالإمكان محوها في ساعات أو في أيام أو بكبسة زر.

ثانيا، انكشاف عدم واقعية الحديث عن قوة تجمع “بريكس”، وتراجع مكانة الولايات المتحدة إزاء الأقطاب الآخرين، إذ لا الصين ولا روسيا فعلت شيئا عمليا للحد من الهجمة الحربية على إيران (ولا إزاء ما حصل في فنزويلا).

ثالثا، ظهر أن المعطيات الدولية والإقليمية اليوم، وتبعا لوقائع الحرب، قد نقلت مطالب الولايات المتحدة من مجرد تخلي إيران عن أسلحتها وتقليم أظافرها، وتحجيم نفوذها الإقليمي، إلى العمل من أجل إسقاط النظام القائم فيها جملة وتفصيلا، أي إن النظام بات مهددا ليس بخسارة نفوذه في الإقليم فقط، وإنما بخسارة وجوده كسلطة في إيران أيضا، ومشكلة قادة إيران أنهم لم يدرسوا نتائج حرب الـ12 يوما (في يونيو/حزيران الماضي)، مع ادعائهم بالانتصار، على غرار انتصارات “حماس” في غزة، و”حزب الله” في لبنان.

أخيرا، مشكلة النظام الإيراني وبعض الفصائل، التصرف وكأن الصراع مع إسرائيل يتحدد ويحسم، وفقا للمعطيات الدولية والإقليمية الراهنة بالصراع العسكري، وهي نظرة سطحية وخائبة، أولا، لأن هذه القوى لا تمتلك وسائل وأدوات الحسم العسكري أساسا. وثانيا، لأن إسرائيل تتفوق في هذا المربع بالذات، بالتسليح والتكنولوجيا وبالقدرة الاقتصادية والدعم الأميركي غير المحدود. وثالثا، بسبب عدم إدراك حقيقة أن إسرائيل، الصغيرة لا تتفوق، ولا تكسب فقط بالحرب، وإنما هي تتفوق بطريقة إدارتها لأوضاعها، أي بنمط إدارتها للدولة والمجتمع والموارد، وبسبب تقدمها الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي ونظامها السياسي، وهي الأمور التي ظلت تفتقد لها القوى الدولتية والميليشياوية، التي امتطت فكرة الصراع العسكري ضد إسرائيل. وهذا يفسر، بين مسائل أخرى، أننا كشعوب نخسر، وأن إسرائيل الصغيرة- المصطنعة والاستعمارية والعنصرية والعدوانية- تربح.

المجلة

—————————-

إيران محطّة في مخطّط إعادة صياغة الشرق الأوسط/ أسامة أبو ارشيد

06 مارس 2026

لا يُخفي الإسرائيليون هدفهم الأسمى من الحرب العدوانية على إيران: “لقد وعدتُكم: سَنُغَيِّرُ وجه الشرق الأوسط. لقد فعلنا ذلك في عملية الأسد الصاعد، ونفعله الآن بقوة أكبر في عملية زئير الأسد”. هكذا قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 28 من الشهر الماضي (فبراير/ شباط) معلناً بدء الضربات الجوية ضد إيران. وبعد أيام، في 4 من مارس/ آذار الجاري، كرّر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الغاية نفسها في مقابلة مع محطّة سي بي إس الأميركية، مؤكّداً أن تغيير النظام الإيراني ليس “بالضرورة” هدف الحرب، بل “تغيير الشرق الأوسط” بأكمله. ولم يعد هناك شكّ في أن الولايات المتحدة شريك كامل (قولاً وفعلاً) لإسرائيل في مسعى إعادة تشكيل “الشرق الأوسط” وصياغته بنيوياً. وليس من قبيل المصادفة أن يمثّل العدوان الأميركي – الإسرائيلي الحالي على إيران، الذي تسمّيه واشنطن “الغضب الملحمي” بينما تسميه إسرائيل “زئير الأسد”، أول عملية عسكرية مشتركة بالكامل بين الطرفين على مستوى التخطيط والأهداف والتعاون الاستخباري وتوزيع الأدوار العسكرية، وهو مستوى من التنسيق يتجاوز بكثير ما جرى خلال عدوان الأيام الـ12 على إيران في يونيو/ حزيران الماضي.

يمكن هنا استحضار سلسلة طويلة من المساعي الأميركية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، مروراً بمبادرة “الشرق الأوسط الكبير” في عهد جورج بوش (الابن)، ثم الاتفاقات الإبراهيمية عام 2020 خلال رئاسة دونالد ترامب الأولى، التي نصّت على الطموح “إلى تحقيق رؤية شرق أوسط مستقر وسلمي ومزدهر، يعود بالنفع على جميع الدول والشعوب في المنطقة”، بما يشمل إسرائيل بطبيعة الحال. وقد زعم ترامب حينها أنه “على مدى أجيال، أُعيقت شعوب الشرق الأوسط بسبب صراعات قديمة، وعداوات، وأكاذيب، وخيانات… من بين تلك الأكاذيب: أن اليهود والعرب أعداء… (لكن) لن يَسمح شعوب الشرق الأوسط بعد اليوم بأن يُستغل التحريض ضد إسرائيل ذريعةً للتطرف أو التشدد”. واليوم، تُستكمل هذه المساعي بمحاولة إسقاط النظام الإيراني بالقوة، في محطة جديدة لن تكون الأخيرة، كما أوضح هرتسوغ. وبين هذه المحطات، برزت مبادرات أميركية أخرى، مثل سعي إدارة باراك أوباما إلى إدماج الأنظمة الدفاعية الجوية لعدد من الحلفاء العرب مع إسرائيل بذريعة “التهديد الإيراني”، ثم محاولة إدارة جو بايدن تحقيق اندماج اقتصادي عربي – إسرائيلي – هندي لكسر الاحتكار الصيني في سلاسل التوريد.

يتجاوز التصور الأميركي – الإسرائيلي لإعادة صياغة الشرق الأوسط الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى صميم البنية الثقافية للمنطقة. فالمسعى لا يقتصر على عزل القضية الفلسطينية وتحييدها عن أي تطبيع عربي – إسلامي مع إسرائيل، بل يشمل إعادة تشكيل وعي شعوب المنطقة وتمييع هويتها العربية والإسلامية عبر الإحالة إليها بـ”شعوب الشرق الأوسط”، في محاولة لتهيئة البيئة لاندماج إسرائيل، تحت ذريعة مكافحة “التطرّف” و”التشدد” و”الإرهاب”. ومن هنا لم يكن غريباً أن ينصّ البند الأول من خطّة ترامب لوقف إطلاق النار في غزّة على أن يصبح القطاع “منطقة خالية من التطرّف والإرهاب ولا تشكل أي تهديد لدول الجوار”، فيما نصّ البند الثامن عشر على “إطلاق عملية حوار بين الأديان قائمة على قيم التسامح والتعايش السلمي… بهدف تغيير المفاهيم والمواقف السائدة لدى الفلسطينيين والإسرائيليين”.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى بُعد آخر في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، يشمل إعادة رسم خرائطه الجغرافية. وقد رأينا هذا واقعاً في التشظي الذي أصاب دولاً، مثل العراق وسورية، وإذا وسّعنا نطاق النظر قليلاً فسنجد أمثلة مشابهة في السودان وليبيا واليمن. ولا تخفى الأيادي الإسرائيلية في ما يجري في سورية والعراق والسودان. ولا تزال تصريحات نتنياهو الصيف الماضي عن “إسرائيل التوراتية الكبرى” التي تشمل أراضي ست دول عربية (سورية ولبنان والأردن والعراق وأجزاء من مصر والسعودية) حاضرة، وقد كرّرها السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي الشهر الماضي. كما قال السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسورية ولبنان توماس برّاك في سبتمبر/ أيلول الماضي: “لا يوجد شيء اسمه الشرق الأوسط. هناك قبائل وقرى. أمّا الدول القومية فقد أنشأها البريطانيون والفرنسيون عام 1916″، في إشارة إلى أن “الخطأ” ليس في تقسيم العرب، بل في تحويلهم إلى دول قومية، وفق زعمه، ما يستدعي “تصحيح” ذلك.

ونعود إلى الغاية الحقيقية من العدوان على إيران: إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فالأمر لا يقتصر على إسقاط النظام الإيراني واستبداله بآخر أكثر ودّية مع إسرائيل، ولا على الدفع نحو تقسيم إيران إثنياً وعرقياً وجغرافياً، ولا حتى على إغراقها في الفوضى، بل إن هذه مجرّد محطّة ضمن سلسلة محطات تشمل العراق ولبنان وسورية وغزّة واليمن، وتمتد إلى المنطقة بأكملها. ألم يقل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت في 17 الشهر الماضي (فبراير) إن “تركيا هي إيران الجديدة”، مضيفاً: “أردوغان ذكي، وخطير، ويسعى إلى تطويق إسرائيل”، ومتهماً تركيا بأنها “تحاول قلب السعودية ضدّنا وتأسيس محور سنّي معادٍ بمساندة باكستان النووية”، وبأنها “تسعى إلى خلق طوق خنق جديد” عبر سورية وغزّة؟ وقبل ذلك بأيام، حذّر نتنياهو من “تعاظم قوة الجيش المصري”، داعياً إلى مراقبة الوضع و”منع أي زيادة كبيرة” في قوته.

أتفهم شماتة بعض العرب بالعدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، فإيران ارتكبت جرائم كثيرة بحقنا، خصوصاً في العراق وسورية، وهي جرائم لا تتقادم. لكن واشنطن وتل أبيب لا تستهدفان الانتقام لتلك الدماء الطاهرة، بقدر ما تسعيان إلى إزالة عقبة تعترض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، تمهيداً للتفرغ لعقبات أخرى قادمة في تركيا ومصر وغيرهما، وتحديداً في الأردن، الذي يُراد له أن يكون “الإسفنجة” التي تمتص اللاجئين الفلسطينيين من الضفة الغربية، وسورية ولبنان. ونذكّر هنا بالعدوان الإسرائيلي المستمر على سورية، وبمشروع “ممر داود” الذي يمتد من شمال فلسطين المحتلة مروراً بالجولان المحتل ودرعا والسويداء والبادية السورية وصولاً إلى شرق الفرات ثم كردستان العراق. بمعنى آخر، لسنا في مقام “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”؛ فالقضاء على إيران، سواء شمتنا أم تعاطفنا، سيعني التفرغ لنا جميعاً. والسؤال: هل هناك بوادر مشروع عربي خالص، أو متحالف مع تركيا، للتصدّي للبلطجة الأميركية – الإسرائيلية المقبلة، ولو بعد حين؟

العربي الجديد

——————–

حرب إعادة تشكيل الخرائط في الشرق الأوسط/ عبد الحميد صيام

الحروب نوعان: حرب شرعية مبررة مستندة إلى القانون الدولي، الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة في البند 51 المخصص لحق الدفاع عن النفس. ويندرج تحت هذا البند أي حرب يشرعنها مجلس الأمن الدولي، عندما يعتمد قرارا واضحا يخول الدولة، أو جهة معينة بشن حرب بعد فشل وسائل الردع الأخرى، كما حدث في حرب تحرير الكويت حيث اعتمد مجلس الأمن القرار 678 بتاريخ 29 نوفمبر 1990، الذي أعطى فرصة للعراق مدتها 45 يوما للانسحاب من الكويت، وإلا يجوز استعمال الوسائل كافة لإخراج القوات العراقية من الكويت. وهذا القرار الذي شرعن الحرب شجع أكثر من 30 دولة للانضمام إلى تحالف حفر الباطن، والانخراط في عملية «عاصفة الصحراء» لتحرير الكويت.

أما الحروب الأخرى التي تشنها دولة أو مجموعة من الدول، من غير أن تكون دفاعا عن النفس، أو مشرعنة من مجلس الأمن تكون حروبا غير شرعية. وتندرج تحت هذا البند حرب الولايات المتحدة وحلفائها القليلين ضد العراق عام 2003 وحرب الاتحاد السوفييتي ضد أفغانستان عام 1979 وحرب روسيا ضد أوكرانيا 2022 وحرب الولايات المتحدة ضد غرانادا وبنما وأخيرا فنزويلا.

إذن يجب أن نقر أولا ودون تردد أن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يوم 28 فبراير حرب غير شرعية، وتندرج تحت جريمة العدوان، التي تعتبر إحدى الجرائم الأربع التي قامت عليها المحكمة الجنائية الدولية. إن إطلاق حرب شاملة بناء على النوايا غير مقبول في القانون الدولي، كما أن الحروب لا تشن إلا بعد استنفاد الوسائل السلمية كافة مثل المفاوضات والوساطة والتحكيم والاحتكام للقانون الدولي، ومحكمة العدل الدولية، وآليات الأمم المتحدة مثل المساعي الحميدة للأمين العام والمنظمات الإقليمية.

لقد بدأ العدوان على إيران قبل أن تستكمل المفاوضات، ولا أحد يشك بأن إيران كانت جادة في موضوع التوصل لاتفاق شامل حول برنامجها النووي. وقد فعلت ذلك من قبل عام 2015، عندما وقعت اتفاقية «خطة العمل الشاملة المشتركة» مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا والاتحاد الأوروبي. وهذه هي المرة الثانية التي تخدع الولايات المتحدة إيران بقبول فكرة المفاوضات، وتحديد موعد للجلسة القادمة، ثم تقوم بشن حرب دون أي اعتبار لمبدأ احترام الوسيط، أو الالتزام بمبدأ المفاوضات، إلى أن يعلن الوسيط، وليس طرفي النزاع، فشل المفاوضات.

يجب أن ننظر إلى هذه الحرب من منظور أوسع من كونها حربا بين طرفين فقط: أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. إنها أقرب إلى حرب عالمية، أو على وشك أن تصبح حربا عالمية. فقد انضمت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليونان وقبرص إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. كما شملت ساحة المعركة منطقة شاسعة تمتد من كردستان العراق وجنوب شرق تركيا إلى خليج عدن وشواطئ البحر الأحمر وطالت 11 دولة عربية دون إرادتها. ففي هذه الدول 19 قاعدة عسكرية أمريكية تشارك في الحرب. وقد أعلنت إيران سلفا أن أي هجوم تتعرض له البلاد ستكون هذه القواعد أهدافا للهجوم الإيراني المضاد. من غير المقبول قانونا أن تستهدف الصواريخ والمسيرات الإيرانية المعالم والمواقع المدنية في الدول المستضيفة للقواعد الأمريكية، ويجب أن تنحصر عملياتها العسكرية في القواعد العسكرية، والمقرات الأمريكية ذاتها، حتى لا تنقلب جماهير هذه الدول من مناهضة العدوان الأمريكي الصهيوني ضد إيران، إلى التعاطف مع العدوان وهذا ما يريده الكيان الصهيوني، الذي يريد أن تتحول المعركة بين إيران من جهة وإسرائيل والدول العربية وأمريكا من جهة أخرى، ما يسهل طريق التطبيع للدول التي لم تلج أبواب التطبيع بعد.

المحاور الجديدة وأهداف الحرب

وقعت المملكة العربية السعودية وباكستان اتفاقية دفاع مشترك في سبتمبر 2025، وبدأ التقارب التركي السعودي المصري يتجه نحو تشكيل محور عربي- تركي ـ باكستاني قوي مدعوم من قطر وإيران. انفجرت التخوفات لدى الجانبين الصهيوني والأمريكي. تحركت الهند لضرب هذا التوجه، خاصة أنها دخلت في مواجهة مسلحة مع باكستان في شهر مايو 2025 ومنيت بهزيمة مذلة. قامت الهند بتحريض حكومة طالبان في أفغانستان وافتعلت المعارك مع باكستان. وتطورت المواجهات إلى ما يشبه الحرب. بدأ يتشكل حلف جديد أعلن عنه رئيس وزراء الكيان الصهيوني وسماه محور الست دول. وذكر منها أربع دول وتحفظ على ذكر العضوين الآخرين. والدول الأربع المذكورة هي إسرائيل والهند واليونان وقبرض. أما الدولتان الأخريان فهما الإمارات العربية وإثيوبيا. والمقصود في هذا الحلف تطويق مصر والسعودية وتركيا وباكستان. وحلف الشر السداسي هذا المدعوم أمريكيا يتمدد عبر البحر الأحمر والخليج والبحر المتوسط. هيرتسوغ رئيس الكيان، زار إثيوبيا، ومودي رئيس وزراء الهند، حل ضيفا عزيزا غاليا لدى الكيان، وكان قد زار الإمارات في ديسمبر الماضي، ووزير خارحية الكيان حل ضيفا على «أرض الصومال» حيث اعترفت إسرائيل بهذا الإقليم دون دول العالم. ولا ننسى تحالف محور الشر هذا مع «قوات الدعم السريع» في السودان، التي ترتكب حرب إبادة في دارفور وغيرها. كما أن هناك وجودا في شرق ليبيا عبر خليفة حفتر وفي جنوب اليمن وجزيرة سوقطرى، التي احتلتها الإمارات منذ عام 2018. هدف تحالف الشر واضح: السيطرة على خطوط التجارة في مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، وقطع شريان حياة مصر المتمثل في قناة السويس وتدمير خطوط الإمداد التجارية الصينية، وإلغاء طريق الحرير وتفكيك باكستان، وفتح طريق بري للبضائع الهندية عبر الإمارات وصولا إلى الأردن وإسرائيل.

لكن لماذا انضمت اليونان وقبرص إلى تحالف الشر؟ الجواب واضح: استهداف تركيا. فبعد تدمير إيران وإلهاء باكستان في حربها مع ملالي أفغانستان، وإشغال مصر في إثيوبيا والسودان وليبيا، ستكون تركيا هي الهدف الثاني للحرب الكونية، التي يشعلها ترامب وشريكه نتنياهو، من البوابة القبرصية. يبدو أن كثيرين نسوا أو تناسوا، أن شمال قبرص المعروفة بجمهورية شمال قبرص التركية، تشكل ثلث الجزيرة. واليونان تعتبر تركيا عدوها الاستراتيجي ونقطة التماس بينهما قبرص. وقد حدثت اشتباكات من قبل عام 1964 وعام 1974. ستظهر القضية القبرصية إلى الواجهة وستحدث عدة انفجارات ومناوشات تتهم فيها تركيا وتبدأ مسلسلات التصعيد والشيطنة والتهديد، فتضطر تركيا لأن تهدد اليونان فتقف أمريكا ودول أوروبا المنافقة مع اليونان، ويتم تصعيد الأمور ويقوم الأكراد بدور في زعزة الأمن التركي وتصل التوترات حدّ المواجهة.

هذه الحرب خطط لها تماما ولم تأت نتيجة تعنت إيراني، أو لأن إيران على وشك إنتاج قنابل نووية. ألم يعلن ترامب مرارا أنه دمر بالكامل برنامج إيران النووي. هذه حرب إسرائيل للسيطرة على منطقة الشرق بكاملها وحرب أمريكا للسيطرة على موارد أغنى منطقة في العالم، والسيطرة على خطوط التجارة العالمية لضرب الصين وروسيا وحصرهما في حدود بلديهما. لا نعتقد أن هذا المخطط سينجح، إذا صمدت إيران وأوقعت خسائر في صفوف أعدائها، وهو ما يبدو للعيان الآن. وليس غريبا أن نجد أصواتا بدأت تعلو للعودة للمفاوضات. كنت أتمنى على دول مجلس التعاون الخليجي، لو أنها عقدت مؤتمرا قبل الحرب وأصدرت بيانا قويا متماسكا لرفض مبدأ الحرب بالإطلاق، وأصرت على طريق الدبلوماسية، ووقفت مع عُمان بكل ثقلها وشكلت وفدا مشتركا للتفاوض.. لو حدث ذلك لربما تغيرت المعادلة. نقول أخيرا إذا سقطت إيران وجاء نظام عميل متصهين على طريقة شاه بهلوي سيندم القوم أيما ندم، ويتذكرون حكاية عبد الله بن المقفع «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».

 كاتب من فلسطين

القدس العربي

 ————————-

الحرب على إيران والمأزق العربي!

عقب اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مع دول مجلس التعاون الخليجي أصدر الطرفان بيانا مشتركا طالبا فيه إيران بأن توقف “هجماتها غير المبررة” في الشرق الأوسط والتي تهدد الأمن العالمي، وأدانا “بشدة” هذه الهجمات، وكان قد سبقه بيان مشترك لهذه الدول (إضافة إلى الأردن) أدان الهجمات الإيرانية “المتهورة في أنحاء المنطقة”.

ما تزال دول الخليج العربي تتلقّى ضربات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية منذ بدء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية، وعكست ردود الفعل العنيفة لهذه الدول غضبا متصاعدا من الهجمات عليها وإنذارا بالرد، كما فعلت قطر، التي قالت في تصريح باسم المتحدث باسم خارجيتها، ماجد الأنصاري، “أن مثل هذه الهجمات لا يمكن أن تمر دون رد”، فيما أعلنت السعودية أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن نفسها “بما فيها خيار الرد على العدوان”، وهو يشبه ما قالته الكويت والبحرين والإمارات، التي أعلنت تعرضها لأكثر من ألف هجمة، لكنها قالت إنها لم تتخذ قرارا بـ”تغيير موقفها الدفاعي”.

أثارت الضربات الإيرانية على دول الخليج العربي والأردن وصولا إلى قبرص وتركيا وأذربيجان تساؤلات كبيرة حول استراتيجية طهران لتوسيع قائمة المتضررين من صواريخها ومسيّراتها وعملياتها، في الوقت الذي تمتعت فيه طهران بعلاقات سياسية وثيقة مع بعضها لعقود، وأن هذه الدول، بشكل عام، سعت إلى منع شن حرب على إيران.

ظهرت في الآن نفسه، آراء لافتة لشخصيات معروفة، تنتقد القرار الأمريكي بالحرب، كما فعل رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، الذي وجّه رسالة مفتوحة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تساءل فيها إن كان تأثر برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قراره بالحرب، وشكك بمحاولته جر منطقة الخليج والشرق الأوسط إلى الصراع العسكري مع إيران. حسب الرسالة شديدة اللهجة فقد رأى رجل الأعمال أن ترامب وضع دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية “في قلب خطر لم تختره”، سائلا إياه: من أعطاك الإذن لتحويل منطقتنا إلى ساحة معركة؟

بدت الحرب، في نظر مراقبين خليجيين، وكأنها تُدار بمنطقٍ يقدّم أمن إسرائيل على أي اعتبار آخر، فيما تُترك دول الخليج لتواجه وحدها تبعات الصواريخ والمسيّرات وما تخلّفه من تهديد مباشر للأمن والاقتصاد والبنى التحتية. والبعض رأى خلف عناوين “إغلاق ملف نووي” أو “كسر الصواريخ” و”تجفيف الأذرع”، طبقة أعمق تتصل بمحاولة إعادة هندسة المجال الجيوسياسي في المنطقة، وتبديل قواعد اللعبة بما يضع العرب مرة أخرى أمام خيارات ضيقة: إمّا الانخراط في صراع لم يختاروه، أو دفع كلفة الوقوف على الحياد.

وضعت الضربات الإيرانية الدول العربية في موقع شديد الصعوبة، فهي لن تقبل المساس بسياداتها، وتعريض اقتصاداتها وبناها التحتية ومواطنيها للخطر، ولكنها تشعر، في الوقت نفسه، أن أمريكا، التي تعتبر الحليف العسكريّ والسياسي لهذه الدول، اختارت الحلول المتطرّفة المناسبة لإسرائيل وحكومة نتنياهو، ووضعت أمن ومصالح الدولة العبرية فوق كل شيء آخر، وبأن إسرائيل، فوق كل ذلك، تسعى، عبر القضاء على النظام الإيراني، إلى دفن القضية الفلسطينية، وإلى إخضاع الدول العربية، والانتقال من ثم إلى حروب جديدة لتثبيت سيادتها المطلقة ليس على الفرات والنيل وحده، كما اقترح سفير أمريكا في إسرائيل، بل إلى أبعد من ذلك بكثير.

القدس العربي

—————————–

سورية وإيران: من شراكة المقاومة إلى جرح الحرب/ محمد حسام حافظ

06 مارس 2026

لا يمكن فهم العلاقة المعقّدة بين السوريين وإيران اليوم من دون النظر إليها بوصفها نتاجَ طبقاتٍ متراكمةٍ من الخبرة التاريخية والسياسية، فقد تشكّلت هذه العلاقة، من جهة، على خلفية تضامن عميق في مواجهة إسرائيل، ومن جهة أخرى تحت وطأة الجرح العميق الذي خلّفه التدخّل الإيراني في سورية بعد عام 2011، إضافة إلى ما تفرضه حسابات الجيوسياسة الإقليمية من توازنات قاسية تحدّ من خيارات الدول والشعوب على حد سواء. وبين هذه المستويات المتداخلة، تتكوّن صورة مركّبة لا يمكن اختزالها في ثنائية الولاء أو العداء، بل تستدعي قراءةً أكثر عمقاً لمسار العلاقة بين البلدَين، قراءة تراعي تعقيدات التاريخ وحدود السياسة في آن واحد.

عشتُ في طهران ردحاً من الزمن دبلوماسياً وقنصلاً لبلادي سورية. لم تطل إقامتي فيها كثيراً، إذ نُقلت لاحقاً إلى السفارة السورية في لندن، حيث أمضيت سنوات طويلة مسؤولاً عن الشؤون السياسية، غير أن الفترة التي قضيتها في طهران كانت كافيةً لأتعرّف إلى البلاد وأهلها ولغتهم عن قرب، وأن تتكوّن لديّ مشاعر احترام حقيقي للشعب الإيراني وثقافته العريقة. خرجتُ من تلك التجربة بانطباع إنساني صادق: أنني لا أتمنى لهذه البلاد إلا الخير والاستقرار. بعد ذلك بوقت قصير، اندلعت حرب تموز عام 2006، وكان المشهد آنذاك جديداً ومفعماً بشحنة عاطفية عربية وإسلامية نادرة. وقفنا (نحن السوريين) إلى جانب حزب الله بوضوح، سياسياً ولوجستياً. ورغم أن الحزب كان معروفاً بعلاقته الوثيقة بإيران، لم تكن هذه الحقيقة حاجزاً أمام المشاعر السورية الصادقة في دعم لبنان ومقاومته في مواجهة العدوان الصهيوني السافر. وقدّمت سورية دعماً كبيراً في تلك الحرب، حتى إن قوافل الإمداد تعرّضت لغارات إسرائيلية سقط فيها شهداء سوريون كثر، كانوا جنوداً مجهولين في تلك المعركة.

في تلك الأيام، بدا وكأن لحظة تاريخية نادرة تتشكّل: لحظة التقاء بين السنّة والشيعة حول مشروع مقاومة واحد في مواجهة الأطماع الصهيونية. لكن تلك اللحظة المضيئة لم تعش طويلاً؛ فمع اندلاع الثورة السورية، أصرّ رأس النظام المخلوع على مقاربة بائسة للتحرّك الشعبي العارم. وبدلاً من التعامل مع مطالب شعبه بوصفها لحظة إصلاح تاريخية، اختار طريق القمع الدموي. وسرعان ما تحوّل النظام إلى وحش سياسي وأمني أعاد إنتاج سيرة قمع الثمانينيات بصورة أشدّ قسوة واتساعاً، وأقحم الدولة ومؤسّساتها في آلة قمع رهيبة، وأدخل الجيش في حرب مدنٍ ضدّ شعبه. عند تلك اللحظة، ارتكبت إيران خطأً استراتيجياً فادحاً عندما قرّرت الاصطفاف الكامل إلى جانب النظام الذي لم يكن ليستحق هذا الدعم استراتيجياً، وأدّى الوقوف إلى جانبه وهو يقاتل شعبه إلى خسارة أخلاقية وسياسية فادحة لإيران. أما حزب الله، فقد حوّله تدخّله في سورية من حركة مقاومة إلى قوة تدخّل عسكري، بل إلى قوة احتلال في المناطق التي حوصرت وجُوِّعت.

ومن الصعب على كثيرين ممَّن لم يعيشوا التجربة السورية أن يفهموا حجم الصدمة التي خلّفها توحّش المليشيات الشيعية المتدخّلة في سورية، والمشحونة طائفياً حتى العظم. فلم يكن ما حدث بعد عام 2011 مجرّد خلاف سياسي حول نظام أو ثورة؛ لقد أدّى التدخّل العسكري الإيراني واندفاع المليشيات الطائفية إلى تفكيك أحد أهم التحوّلات الرمزية التي عرفتها المنطقة بعد حرب تموز 2006: لحظة التقارب الشعبي بين السنّة والشيعة حول فكرة مقاومة إسرائيل.

كانت تلك اللحظة قد فتحت أفقاً نادراً لتجاوز الانقسامات المذهبية في الوعي العربي، لكن الحرب السورية أعادت استدعاء أكثر أشكال الانقسام الطائفي حدّة. وهكذا تحوّل صراع سياسي في جوهره إلى صراعٍ مشحونٍ بالذاكرة المذهبية، وهو تحوّل كانت كلفته السياسية والمعنوية باهظة على الجميع، وعلى إيران نفسها بدرجةٍ خاصة. اللافت أن بعض السياسيين والباحثين الإيرانيين قالوا بصراحة إن القرار اتخذه المرشد الأعلى، وإن مناقشته داخل النظام السياسي الإيراني لم تكن ممكنة عملياً، رغم أن أركاناً في الدولة لم يكونوا مقتنعين به. وكانت الحجّة التي يكرّرها بعض الساسة الإيرانيين أن التدخّل أصبح ضرورةً لحماية خطّ إمداد حزب الله وما يُسمّى “محور المقاومة”، ولمنع سقوط النظام السوري. فبحسب هذا التصّور، ربما فتح سقوط النظام الباب أمام نظام جديد مطبّع ومدجَّن مع الغرب وإسرائيل. وقيل إن مسؤولين إيرانيين كثيرين، بمن فيهم المرشد نفسه، لم يكونوا معجبين بشخص رأس النظام السوري ولا بطريقة إدارته الحكم، لكنهم كانوا يرون أن التفريط به في تلك اللحظة سيعني خسارة استراتيجية أكبر لا يمكن تعويضها. لذلك فضّلوا حمايته واستعماله سياسياً في الوقت نفسه.

ومع الوقت، تحوّل هذا القرار إلى ما يشبه العقيدة القتالية في سورية. ومع نجاح التدخّل الإيراني، ولاحقاً التدخّل الروسي الذي أعاد ترجيح ميزان القوة لصالح النظام، نشأ شعور واضح بالثقة المفرطة، بل وبالغرور الأيديولوجي لدى بعض الدوائر السياسية في طهران. وقد تعزّز هذا الشعور مع اتساع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات الإقليمية، من لبنان إلى العراق واليمن، إلى الحدّ الذي دفع ساسة إيرانيين إلى التباهي علناً بأن بلدهم بات يؤثّر في أربع عواصم عربية. وكان رأي كثيرين من النُّخب السورية أن الإصرار على دعم نظام الأسد دعماً أعمى ودموياً سيجعل الإيرانيين أول من يدفع ثمن هذه السياسة. فالنظام المذكور كان قد بلغ آنذاك مرحلةً متقدّمةً من التعفّن السياسي، ولم يعد معنيّاً إلا بالبقاء بأي ثمن، ولو على حساب أقرب حلفائه. وكنا نقول إن نظاماً يصل إلى هذا المستوى من الانغلاق لن يتردّد في التضحية بحلفائه، بل وربما خيانتهم متى رأى في ذلك مصلحةً مباشرةً لبقائه. وقد حصلت لاحقاً تطوّرات دراماتيكية في هذا الاتجاه، ليس هذا مقام سرد تفاصيلها، ويرتبط جزء منها بحكاية سقوط النظام السوري نفسه.

ليست مقاربة سياسات إيران مسألةً بسيطةً بالتأكيد، لكنها في الوقت نفسه ليست عصيّة؛ فليس مطلوباً من السوري أن ينسى جراحه، ولا أن يكون معجباً بكل ما في صندوق السياسات الإيرانية، لكن في وسعه، في الوقت نفسه، أن يرى في مواجهة إيران المشروع الصهيوني أمراً يستحق الاعتراف. فالصراع الإيراني – الإسرائيلي أيديولوجي عميق لا يمكن إنكاره، وقد بنى كل من النظامين جزءاً مهماً من سردية وجوده على العداء للآخر. وكان يفترض بهذا العامل أن يشكّل، في لحظات مختلفة، نقطة التقاء موضوعية بين العرب وإيران في مواجهة المشروع الصهيوني. فهم الديناميات الإيرانية، كما فهم ديناميات أي دولة في المنطقة، شرط أساس لأي سياسة واقعية لدى السوريين. غير أن جزءاً من العقل السياسي الشعبوي في منطقتنا لم يكن قادراً على التعامل مع معادلات متعدّدة المستويات؛ فهو يبحث دائماً عن صورة مبسّطة: صديق مطلق أو عدو مطلق، مع أن السياسة لا تعمل بهذه البساطة.

وعلى الرغم من كل الجروح السورية العميقة المرتبطة بالتدخل الإيراني في بلادنا، لا أجد حرجاً في القول إنني أشعر بالارتياح عندما أرى الصواريخ الإيرانية تُطلق لردع العدو الصهيوني. ليس لأنني أتفق مع مجمل السياسات الإيرانية، بل لأنني أعرف طبيعة المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وأدرك أن غياب أي قوة ردع حقيقية أمامه سيجعل الإقليم كلّه أكثر عرضة للهيمنة والابتلاع. في المقابل، ينبغي الاعتراف بأن إيران ارتكبت (ولا تزال) أخطاء استراتيجية جسيمة. فكما كان تدخّلها العسكري ومليشياتها الطائفية في سورية خطأً فادحاً ترك جروحاً عميقة في الذاكرة السورية، فإن توسيع المواجهة مع دول الخليج العربي اليوم يحمل القدر نفسه من سوء التقدير، فهي تدخل في صدامٍ مع دول كان يمكن أن تكون (في سياق مختلف) جزءاً من معادلة تخفيف الضغط عنها، لا طرفاً إضافياً في استنزافها.

ما يجري اليوم يتجاوز كثيراً “ضرب الظالمين بالظالمين”، فإيران، مهما اختلفنا مع سياساتها، تمثل إحدى آخر القوى الإقليمية التي تشكّل معادلاً ردعياً جدياً أمام التفوق الإسرائيلي في المنطقة. وإذا تعرّضت هذه القوة لانهيار أو إضعاف جذري، فسنشهد اختلالاً أوسع في توازنات الإقليم، في لحظة تتحرّك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل بثقة وغرور وغطرسة متزايدة، بينما ينشغل الروس في حرب أوكرانيا، وتواصل الصين حذرها الاستراتيجي، وتقترب قوى أخرى كالهند من الفلك الإسرائيلي. في هذا السياق، تصبح المنطقة أكثر انكشافاً من أي وقت مضى. وقد يثير هذا الكلام اعتراضات أو اتهامات بالتعاطف السياسي مع إيران، غير أن المسألة في جوهرها ليست تعاطفاً، بل قراءة باردة لواقع التوازنات في منطقة مضطربة، فالحقيقة التي كثيراً ما يجرى تهميشها في مناخ الشعبوية السياسية أن السياسة لا تختزل في ثنائية الأبيض والأسود، بل تقوم على شبكة معقّدة من المصالح والأخطاء والرهانات التاريخية. ومن لا يرى هذه التعقيدات، سيبقى أسير الشعارات والعواطف، لا فاعلاً في فهم الحاضر أو المساهمة في صناعة المستقبل.

———————————

“لغز البديل الرابع”.. خطة إيران للصمود في حرب طويلة ضد أمريكا وإسرائيل/ شادي إبراهيم

“درست إيران الحروب الأمريكية على مدى عقدين من الزمن لبناء نظام يوزع هياكل القيادة والأسلحة والوحدات، بحيث لا يؤثر قصف عاصمتنا في قدرتنا على خوض الحرب”.

بهذه العبارة لخص وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي جوهر الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية، في تصريح أدلى به مع بداية الحرب الأخيرة والاستهداف العسكري الأمريكي الإسرائيلي لمراكز القيادة في طهران. إذ أراد عراقجي التأكيد على أن بنية النظام الدفاعي في بلاده صممت لتحييد أثر الضربة القاصمة التي راهنت عليها الاستراتيجية العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.

لفت الأنظار في تصريح عراقجي وصفه للاستراتيجية الإيرانية بـ “الدفاع الفسيفسائي اللامركزي”، وهو مصطلح عسكري إيراني يعبر عن جوهر عقيدتها الدفاعية. ويشير هذا المصطلح إلى أن الفكرة المركزية في الدفاع الإيراني ليست حماية العاصمة أو حتى القيادة العليا، بل ضمان استمرارية القرار والقدرة القتالية حتى في حال استهدفت القيادات العليا أو المنشآت الحيوية. وبذلك كشف عراقجي صراحة أن إيران أعدت بنيتها العسكرية من أجل صراع طويل، تدار فيه الحرب بوصفها استنزافا ممتدا، لا معركة خاطفة تحسم بضربة جوية مركزة كما تطلعت أمريكا وإسرائيل.

الحرب الخاطفة والحرب الممتدة

لقد وضعت دول عديدة استراتيجياتها العسكرية الحديثة وفق مبدأ النصر السريع والاستسلام السريع، وهو من المبادئ الرئيسية في العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ تأسيسها، وتكشفت في أكثر من مناسبة لعل أوضحها حرب الأيام الستة (يونيو/حزيران 1967). أما مبدأ الحرب الممتدة فهو نقيض الحرب الخاطفة، وتتبناه إيران في إدارة صراعاتها في المنطقة منذ تأسس النظام الإسلامي فيها، حيث يعتمد الحرس الثوري الإيراني على مبدأ الحرب الهجينة وغير المتماثلة، مما يدفع نحو إطالة أمد الصراعات وزيادة تكاليفها على الخصم الأقوى.

إعلان

ولعل أحد الأمثلة التطبيقية على فاعلية تلك الاستراتيجية هو تكلفة صناعة مسيرة شاهد في إيران، التي تبلغ نحو 35 ألف دولار في المتوسط، في حين تبلغ تكلفة إسقاطها على أمريكا نحو 4 ملايين دولار أو أكثر من الصواريخ الاعتراضية وغيرها، مما يجعل عامل الوقت أمرا حيويا في حسم نتيجة الصراع، خاصة إذا ما أضفنا السعة التخزينية والقدرة على الصمود لفترات أطول.

يعد حسن عباسي أحد أبرز منظري الحرس الثوري الإسلامي، وهو من عمل على صياغة مبدأ الحروب الممتدة وغير المتكافئة في الفكر العسكري والاستراتيجي الإيراني. ويستمد عباسي نفوذه من دوره المزدوج بوصفه كاتبا عقائديا داخل دوائر الحرس الثوري الإيراني، مما يجعله حلقة وصل بين التفكير الاستراتيجي لمبدأ الصراع غير المتماثل والممتد، والسردية الأيديولوجية التي تروج في صفوف جنود الحرس الثوري والمؤمنين بمشروع الثورة الإسلامية في إيران والمنطقة.

حسن عباسي أحد أبرز منظري الحرس الثوري الإسلامي، وهو من عمل على صياغة مبدأ الحروب الممتدة وغير المتكافئة في الفكر العسكري والاستراتيجي الإيراني (شترستوك)

كان أحد أول من طبقوا هذه العقيدة عمليا هو اللواء محمد علي جعفري، القائد العام السابق للحرس الثوري (2007-2019)، وقد عمل على ترسيخها داخل العقل الاستراتيجي والقيادي للحرس الثوري. وقد أشرف جعفري على التطوير المؤسسي لمفاهيم الدفاع غير المتماثل و”الفسيفسائي”، مع التركيز على الوحدات اللامركزية والمرنة، واستخدام الوكلاء، والصواريخ، والتكتيكات غير النظامية لمواجهة الخصوم المتفوقين تكنولوجيا، وفي مقدمتهم إسرائيل والولايات المتحدة.

يعد اللواء محمد جعفري من أوائل من استخدموا مصطلح “الدفاع الفسيفسائي”، الذي يمكن تعريفه بأنه تنظيم وحدات الحرس الثوري وقوات الباسيج وقوات أخرى ضمن وحدات إقليمية عديدة شبه مستقلة؛ بهدف إنشاء خطوط دفاع مرنة وغير متماثلة ومتعددة المستويات وقادرة على الصمود في وجه تغير القيادة لأي سبب، ومقاومة الاحتلال عبر حرب العصابات وحرب الاستنزاف، بما يمكنها من خوض صراع طويل الأمد في مواجهة خصم متفوق.

لذلك يعتمد جوهر عقيدة الفسيفساء على بعدين رئيسيين: الأول صعوبة تفكيك نظام القيادة الإيراني من قبل أي قوة معادية، وجعل اللامركزية أحد سماته التي تضمن استمرار العمليات، والثاني بناء دفاع مرن ومتعدد الطبقات يجعل من الصعب على أي قوة تحقيق اختراقات كاملة، وذلك عبر تبني نمط الحرب غير المتماثلة والهجينة، الذي توظف فيه القوات الإيرانية النظامية وغير النظامية معا ضمن نظام مرن موحد.

اللواء محمد علي جعفري، القائد العام السابق للحرس الثوري الإسلامي (الأوروبية)

بدأت إيران في تبني هذا النموذج الدفاعي الفريد استجابة للتغيرات والتهديدات الأمنية التي أعقبت التدخل الأمريكي في أفغانستان عام 2001 وغزو العراق عام 2003، إذ استشعرت طهران ضرورة تغيير استراتيجيتها الأمنية لمواجهة احتمال تعرض نظامها للإطاحة به عبر القوة العسكرية أو تحريك احتجاجات من الداخل. ولذلك أتى تطوير العقيدة العسكرية عبر التفاعل مع مسار العراق بعد الإطاحة السريعة بنظام صدام حسين على يد الأمريكيين.

وتفترض عقيدة الفسيفساء أن القوات الغازية لإيران ستمتلك تكنولوجيا وقدرات تقليدية تفوق بكثير قدرات إيران، ولذلك وضع مفهوم التمرد طويل الأمد كي يوازن التقدم التكنولوجي والعسكري للقوات المعادية. وتعمل العقيدة على تفكيك مركزية الحرب وإعادة توزيع وظائف القتال بين الجيش النظامي والقوى شبه العسكرية، بما يضمن استمرارية وديمومة القتال، ليس فقط في حال انهيار القيادة العليا حال مقتلها، بل وحتى إذا تعطلت منظومات الاتصال والسيطرة.

إعلان

تكمن أهمية تلك العقيدة في توظيف المجتمع المنظم ذاته خطا للدفاع الرئيسي في مواجهة القوة الغازية، بحيث يكون المجتمع قادرا على التكيف مع المتغيرات والتهديدات، وإعادة تنظيم نفسه لا مركزيا. ولذلك وزعت المهام الدفاعية على الوحدات العسكرية وفق عقيدة الفسيفساء. في البداية، يأتي الجيش النظامي للجمهورية “أرتش” وتتمثل مهمته في صد الضربة الأولى عبر وحداته المدرعة والميكانيكية والمشاة، باعتبارها خط الدفاع النظامي المسؤول عن تثبيت الجبهة وإبطاء التقدم المعادي. وفي الجو، تسعى منظومة الدفاع الجوي القائمة على تقنيات التمويه والخداع والاختباء لتحييد الهيمنة الجوية المعادية قدر الإمكان. وبشكل عام، تسعى العقيدة هنا إلى تعويض الفجوة التقليدية في موازين القوة عبر استراتيجيات تقوم على تعطيل تفوق العدو لا مواجهته مباشرة.

ثم يأتي دور الحرس الثوري وقوات الباسيج، ومهمتها إدارة المرحلة التالية من الصراع عبر تسلم العبء القتالي تدريجيا من الجيش النظامي، ومن ثم إدارة عمليات الاستنزاف والهجمات غير المنتظمة داخل العمق الجغرافي الإيراني، بينما تتحول قوات الباسيج إلى قوة انتشار محلية قادرة على القتال اللامركزي في المدن والجبال والمناطق الوعرة، عبر الكمائن وضرب خطوط الإمداد.

لذلك، أخضعت قوات الباسيج -المنظمة التي تأسست بأمر من الخميني نفسه- للحرس الثوري بعد عام 2007 ضمن هيكلة لبنية الجيش وفق تلك العقيدة. وجرى دمج وحداتها ضمن 31 مركز قيادة إقليمي بواقع مركز لكل محافظة، بما يمنح القادة المحليين صلاحيات واسعة لإدارة حرب غير متماثلة وفق خصوصية البيئة الجغرافية لكل منطقة، وذلك لتمكين القوات البرية من الانتشار بسرعة في النقاط الساخنة والمناطق الحضرية في أوقات الاضطرابات كهدف تكتيكي في سياق المعارك الميدانية.

بعد ذلك يأتي دور القوات البحرية، التي تتمحور مهمتها حول مفهوم منع الوصول وحرمان العدو من حرية الحركة عن طريق التهديد بإغلاق مضيق هرمز والممرات المائية، واستخدام أسراب القوارب السريعة، وزراعة الألغام البحرية، إلى جانب الصواريخ المضادة للسفن، بما يحول الممرات الحيوية إلى ساحات استنزاف عالية الكلفة. تليها ترسانة الصواريخ الباليستية التي يديرها الحرس الثوري بوصفها أداة ردع وضرب عميق بهدف تحييد أهداف تكتيكية أو تعميق حجم الخسائر. وأخيرا يأتي دور وكلاء إيران الإقليميين، ووظيفتهم توسيع نطاق المعركة إقليميا في عدة جبهات، بما يحول أي مواجهة محتملة إلى حرب استنزاف متعددة المسارات تتجاوز حدود إيران.

عقيدة ماو.. الحرب الشعبية الممتدة

تتقاطع عقيدة الفسيفساء مع استراتيجيات المقاومة التي تتبنى في الغالب خططا طويلة الأمد. وتتشابه عقيدة الفسيفساء مع ما نظر له ماو تسي تونغ مؤسس جمهورية الصين الشعبية. ويعد ماو أحد أبرز منظري الحرب الممتدة أو الشعبية، بوصفها استراتيجية لقلب اختلال ميزان القوى عبر الزمن الممتد لا عبر الصدمة الخاطفة.

ففي خضم الغزو الياباني للصين، بلور ماو أطروحته في محاضراته التي تحولت إلى كتاب لاحقا بعنوان “حول الحرب الممتدة” (On Protracted War) صدر عام 1938، مجادلا بأن الرهان على تحقيق نصر سريع وخاطف أو التسليم بحتمية الهزيمة كلاهما وهم استراتيجي. وطرح ماو تصورا مختلفا يستند إلى استنزاف الخصم الأقوى تدريجيا عبر إطالة أمد الصراع وتحويل التفوق المادي للعدو إلى عبء لوجستي وسياسي، بحيث تصبح الحرب اختبارا للإرادة والقدرة على الاحتمال.

وقسَّم ماو نظريته في الحرب الممتدة إلى ثلاث مراحل متتابعة تشرح كيف يستطيع الطرف الأضعف تحويل عامل الزمن إلى أداة استراتيجية تقلب موازين الصراع. أولها الدفاع الاستراتيجي، التي يصف فيها العدو بأنه متفوق عسكريا ويمتلك زمام المبادرة، ولذا يتجنب الطرف الأضعف المواجهات الحاسمة، بل ويتراجع تكتيكيا عند الضرورة، معتمدا على أساليب حرب العصابات، مع بناء قواعد ارتكاز في المناطق الريفية، وتعزيز الحاضنة الشعبية وشبكات الإمداد، بحيث يكون الصمود واستنزاف القوة الهجومية للخصم هو الهدف، لا الدفاع عن كل شبر من الأرض.

تأتي بعد ذلك المرحلة الثانية التي أسماها ماو مرحلة الجمود الاستراتيجي، وهي مرحلة تتآكل فيها قدرة العدو بفعل الخسائر وامتداد خطوطه اللوجستية وارتفاع كلفة الحرب سياسيا ونفسيا، بينما تتوسع مناطق نفوذ الحركة المقاومة وتزداد عملياتها بشكل منسق وفعال. والهدف من هذه المرحلة هو جعل العدو عاجزا عن حسم الحرب لصالحه، فالطرف الضعيف يستحيل عليه تحقيق نصر سريع، لكنه يستطيع تحويل الحرب إلى معركة إرادة طويلة الأمد، وهو العنصر الجوهري في الصراع بين الشعوب والاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين. وقد وصف ماو تسي تونغ تلك المرحلة بأنها الأطول والأصعب.

أما المرحلة الثالثة فهي الهجوم الاستراتيجي، وتتغير فيها موازين القوى تدريجيا بحيث تنتقل فيها الوحدات المقاتلة من حرب العصابات إلى عمليات أوسع وأكثر تنظيما، حتى تصل إلى نمط شبه تقليدي يهدف إلى تدمير القوة الرئيسية للعدو، والسيطرة على المراكز الاستراتيجية، وحسم الصراع بشروط سياسية وعسكرية مواتية.

اعتمد ماو في هذه المقاربة على تعبئة الريف الضخم في الصين، واستنزاف خطوط الإمداد، وكسب الوقت بدل الأرض، بما يعيد تعريف معادلة القوة ذاتها. ولم تبق أفكار ماو حبيسة التجربة الصينية، بل تحولت إلى مرجعية لكثير من حركات التحرر في آسيا وأمريكا اللاتينية طيلة القرن الماضي، وأبرزها جيش الفيت كونغ في شمال فيتنام الذين اعتمدوا نمط حرب العصابات وضرب خطوط الإمداد واستنزاف الإرادة السياسية الأمريكية، قبل الانتقال تدريجيا إلى عمليات أوسع أنهت الوجود العسكري الأمريكي وأجبرته على التفاوض.

وفي الثورة الكوبية أيضا انطلقت الحركة التحررية بقيادة فيدل كاسترو وتشي غيفارا من بؤر جبلية في سييرا مايسترا، ثم توسعت عسكريا وسياسيا حتى أسقطت نظام باتيستا. كما مثلت الحرب السوفيتية في أفغانستان نموذجا لاستنزاف قوة عظمى عبر حرب جبال طويلة رفعت كلفة الاحتلال إلى مستوى غير محتمل، وكذلك الحرب التي خاضتها حركة طالبان أمام قوات الاحتلال الأمريكي ودول حلف الناتو، والتي استمرت قرابة عشرين عاما. وبالمثل حرب الاستقلال الجزائرية أمام قوات الاحتلال الفرنسي، حيث مزجت جبهة التحرير بين الكفاح المسلح والتعبئة الشعبية لإرهاق فرنسا عسكريا وسياسيا.

ورغم أن أكثر من نصف سكان العالم باتوا يعيشون في المدن منذ عام 2007، مما أفرز تحولاً في طبيعة الحرب غير المتماثلة انتقلت معه الإمكانيات الثورية إلى المدينة، وخلق أنماط مقاومة جديدة في المدن، وأكسب أدبيات الحرب غير المتماثلة والتمرد تعريفات ونظريات جديدة؛ فإنها لا تزال تستحضر أفكار الحرب الممتدة عند تفسير إمكانية صمود طرف ضعيف أو جماعة مسلحة في مواجهة الجيوش التقليدية المتفوقة تكنولوجياً، والدور المهم الذي يلعبه عنصر الزمن والوقت في تغيير موازين القوة.

لغز البديل الرابع

تتطلب هذه الحرب الممتدة نوعاً من المرونة القيادية العالية. وقد وجه المرشد الأعلى علي خامنئي -قبل مقتله- القيادات العليا الإيرانية بضرورة وضع نظام خاص يعمل على تسمية قيادات بديلة أثناء سير الحرب، حيث أمر بتسمية ما يصل إلى أربعة بدلاء محددين مسبقاً لكل منصب عسكري أو حكومي رفيع لتجنب فراغ السلطة في حال اغتياله أو انقطاع الاتصال به. على أن يطبق ذلك التوجيه ويعمم أفقياً ورأسياً، وألا يقتصر على قمة السلطة، وذلك بهدف خلق طبقات متعاقبة من البدائل داخل كل مستوى قيادي. وبدوره منح المرشد دائرة داخلية ضيقة صلاحية اتخاذ القرار إذا تعذر التواصل معه، لضمان استمرارية الدولة في حال وقعت أسوأ السيناريوهات، وهي توجيهات نابعة من مبدأ “الدفاع الفسيفسائي”.

لم تستنسخ إيران مفهوم الحرب الممتدة من دول وتجارب أخرى، بقدر ما طورته عبر تجربتها الخاصة وما مرت به من تحديات مصيرية. فبعد سقوط نظام الشاه، فرضت الثورة عليها أن تطور من عقيدتها الأمنية والدفاعية، إذ تشكلت مساحة مفتوحة لصراع الإرادات في السنوات الأولى للثورة بين النظام الوليد والتنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق التي كانت تمتلك جماعات عسكرية كبيرة في طهران وعدد من المدن. وقد أعلنت منظمة مجاهدي خلق القطيعة مع النظام بعد نحو 3 سنوات، وشرعت في حملة اغتيالات للقيادات العليا والمقربة من روح الله الخميني، ونفذت عدداً من التفجيرات التي أسفرت عن مقتل نحو 70 مسؤولاً إيرانياً من النظام وقتها.

انطلقت تلك العمليات من تصور مفاده أن إسقاط النظام الجديد ممكن من خلال ضربة مركزة للقيادة العليا. وبرغم ما أثبتته تلك العمليات من أن المنظومة الأمنية للنظام كانت هشة ولا تمتلك بنية استخبارية متينة، فإنها سرعان ما تعلمت الدرس وأخذت تبني أجهزتها الأمنية وتؤسس لمفهوم اللامركزية داخل منظومة الدولة حتى لا يكون النظام مركزياً ومعتمداً على عدة أشخاص مهما كانوا. ومع دخول إيران حربها الطويلة مع العراق، فإنها استطاعت أن تكتسب قوة تنظيمية وتعبوية، وخبرة بإدارة الحروب الممتدة.

بنت إيران في خضم حربها مع العراق وما بعدها منظومة حكم معقدة تتناسب مع طبيعة ثورتها وأيديولوجيتها، وطبيعة القوى المعادية لطهران حينها، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ووضع النظام الجديد الطلائع الثورية المنظمة والحوزات الشيعية في موقع خط الدفاع الداخلي الذي يحميه. وأصبحت تلك الطليعة الثورية على هيئة جهاز حزبي شبه عسكري يعمل على تغذية منظومته بشكل لا مركزي تتوزع فيه المسؤوليات، وتجعله قادراً على التكيف مع أي تهديدات تستأصل منظومة القيادة. وبذلك نشأت منظومة قيادة في مواجهة التهديدات الإسرائيلية والأمريكية ووفقاً لمبدأ دفاع الفسيفساء.

كل تلك الأوراق تتيح لطهران فاعلية مركبة في الصراع مع واشنطن، وتجعلها قادرة على موازنة المجهود الحربي الأمريكي رغم تفوقه التكنولوجي، وفتح المجال للمناورة الدبلوماسية والاقتصادية طيلة الحرب، التي لا يبدو أنها ستكون حربا خاطفة كما أريد لها في واشنطن وتل أبيب، بل تخاطر بالتحول إلى حرب ممتدة أعدت لها إيران العدة، ولن يثنيها عنها رحيل آية الله علي خامنئي الذي شكل صدمة في اليوم الأول للحرب، سرعان ما تجاوزتها إيران بفضل عقيدتها الدفاعية الراسخة التي صممت لتجاوز ذلك النوع من الصدمات في المقام الأول.

المصدر: الجزيرة

————————–

الحرب والسيناريوهات الارتجالية/ حسام كنفاني

06 مارس 2026

اقترب العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران من إتمام أسبوعه الأول. وكما كان متوقّعاً، لم تعد رقعة الحرب المفتوحة محصورة في الأراضي الإيرانية أو إسرائيل، بعد الاعتداءات التي تشنها طهران على دول الخليج، بذريعة مهاجمة القواعد الأميركية، إضافة إلى دخول حزب الله على خط المعركة، ومعه أصبح لبنان جزءاً أساسياً من ساحات القتال في هذه الحرب.

في اليوم السابع من هذا العدوان، لا أفق واضحاً لآلية الخروج، خصوصاً مع الرفع الأميركي والإسرائيلي سقف الأهداف، مترافقاً مع الحسابات الخاطئة لقدرات إيران وحلفائها على الصمود تحت وطأة الضربات الأميركية والإسرائيلية. فمع إعلانه انطلاق “العملية العسكرية” ضد إيران، وضع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قائمة من الأهداف لهذه الحرب، كلها تؤدّي إلى تغيير النظام في طهران، وهو ما استمرّ ترامب في ترديده، وجاراه فيه زعماء غربيون، إضافة طبعاً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. غير أن مسار المعركة أوضح أن الأمر لن يكون بهذه السهولة، ولا يمكن أن يحصل بالغارات الجوية على المواقع الإيرانية، أو حتى اغتيال القيادات في الجمهورية الإسلامية.

الرهان الأميركي الإسرائيلي، منذ اليوم الأول، كان خاطئاً، وهو ما أثبتته لاحقاً مجريات المعركة، فحسابات ترامب ونتنياهو كانت تفترض أن من شأن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي من الضربة الأولى أن يزعزع أسس النظام والقوات العسكرية، وتؤدّي بها إلى مسار انهيار متسارع، يؤدّي في النهاية إلى انقلاب، سواء من داخل النظام أو من محيطه، يمكن البناء على أساسه لإنهاء الحرب وتدجين إيران. غير أن الوقائع الميدانية أسقطت هذا الرهان، وأظهر النظام تماسكاً، على الرغم من اغتيال المرشد، بل سعى إلى التأكيد على استمرارية العمل المؤسّساتي رغم الضربات المتلاحقة، مع الإشارة المستمرّة إلى أن العمل جار على اختيار خليفة للمرشد، وهو ما يؤكد المسؤولون الإيرانيون أنه بات قريباً.

ومن الواضح أن لا خطط بديلة جاهزة كانت لدى الطرفين الأميركي والإسرائيلي لإسقاط النظام، فبدأت مرحلة ارتجال خططٍ مبنيةٍ على تجارب سابقة في إسقاط الأنظمة بالطرق العسكرية. الاستلهام الأساسي كان من آخر تجربتين شاركت فيهما الولايات المتحدة، أفغانستان والعراق. ومن متابعة التطورات السياسية والعسكرية في الأيام الماضية، بات جلياً أن هناك محاولة لخلط عناصر من التجربتين ومحاولة تطبيقها على الساحة الإيرانية. بدايةً، كانت الحاجة إلى توسيع تحالف الحرب وإدخال أطراف إضافية إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. نسبياً، نجح الطرفان في إقناع بعض الدول الأوروبية بالمشاركة في الحرب، وإنْ بمهام دفاعية، خصوصاً بعدما أُدخلت قبرص إلى قائمة أهداف إيران وحزب الله، وهو ما سهّل دخول أطراف أوروبية في المعركة.

من هنا، انطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل لمحاولة استنساخ تجربةٍ أخرى، طُبقت في أفغانستان والعراق، عبر تجنيد أطراف في الداخل الإيراني، لتكون القوة الضاربة على الأرض، لتحقيق هدف تغيير النظام. نجح الأمر في أفغانستان عبر استخدام ما كان يسمى حينها “تحالف الشمال”، إضافة إلى قوة الهزارة، وهو ما حدث أيضاً في العراق بالاستعانة بالقوات الكردية في الشمال وعناصر المعارضة العراقية التي سلّحتها الولايات المتحدة في الجنوب.

وبالفعل، التفتت الولايات المتحدة إلى التركيز على ما يمكن تسميتها المناطق المتمرّدة في الجغرافيا الإيرانية، وكان الهدف الأول الطرف الكردي، مع محاولة الاستعانة بالأذرع العسكرية الكردية في المحيطين العراقي والسوري. ورغم نفي أربيل نيتها دخول الحرب، سارعت القيادة العسكرية الإيرانية  إلى توجيه ضربات استباقية للمناطق الكردية، خصوصاً مع توالي التقارير الصحافية عن استعدادات لتحركات كردية على الأرض.

انتقل الارتجال الاستراتيجي أيضاً إلى محاولة زجِّ دول محيطة في الحرب على إيران، وجاءت أذربيجان في مقدّمة الدول المرشحة لذلك، وهو ما ترافق مع ضربة عسكرية وُجهت إلى الدولة، نفت إيران مسؤوليتها عنها، وهو ما يطرح علامات استفهام حول السعي إلى إيجاد ذرائع تبرّر تورّط أطراف أخرى في الصراع. ومن غير المرجّح أن تكون أذربيجان آخر الدول التي ستحاول واشنطن استقطابها للحرب، فباكستان أيضاً تأتي على لائحة المرشّحين.

معطيات كثيرة تؤشّر إلى أن العدوان على إيران يسير في منحى تصاعدي، وأن نهايته لا تبدو قريبة، بل قد تشهد الأيام المقبلة تطوراتٍ توسّع دائرته الجغرافية أكثر.

العربي الجديد

—————————

القواعد الأميركيّة في مرمى النار: كيف وسّعت الحرب على إيران ساحات المواجهة في الخليج؟/ جنى بركات

05.03.2026

على رغم أن إيران استهدفت قواعد أميركية في المنطقة خلال حرب الـ12 يوماً العام الماضي، إلا أن الهجمات الأخيرة تختلف من حيث النطاق والتزامن، إذ طاولت دولاً خليجية عدة في وقت واحد، ما يشير إلى محاولة إيرانية لفرض معادلة ردع جديدة تتجاوز المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

شنّت إيران ضربات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت مواقع في سلطنة عمان كجزء من ردّها على العمليات الأميركية – الإسرائيلية التي بدأت أواخر شباط/ فبراير 2026، واستهدفت في المقام الأول الموانئ وناقلات النفط بدلاً من القواعد الأميركية.

واعتُبرت هذه الخطوة متقدّمة ولافتة باعتبار أن عُمان الدولة المستضيفة للمفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. بدورها، أدانت السلطنة، الوسيط المحايد في المحادثات الأميركية – الإيرانية، الهجمات باعتبارها انتهاكات؛ وسلّط وزير خارجية قطر الضوء على التهديدات التي تواجه الدبلوماسية. وردت الولايات المتحدة بتدمير سفن حربية إيرانية في خليج عُمان.

في المقابل، نفت إيران رسمياً شنّ ضربات على الأراضي العمانية، وتحديداً على موانئ مثل الدقم وصلالة، وذلك عبر بيانات صادرة عن هيئة الأركان العامة للقوات المسلّحة.

جاءت هذه الضربات رداً على عملية عسكرية مشتركة بين واشنطن وتل أبيب، استهدفت مواقع داخل إيران أدت إلى اغتيال أبرز قادة الحرس الثوري، أهمهم المرشد آية الله الخامنئي، في إطار تصعيد مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران.

لكن اللافت، كان استهداف الحرس الثوري الإيراني السفارة الأميركية في الرياض، عاصمة السعودية، وكذلك القنصلية الأميركية في دبي الإماراتية، ومدينة الكويت، ما أدى إلى إقفال هذه السفارات بشكل كامل، حتى إشعار آخر.

نتيجة لذلك، أعلنت طهران أن القواعد الأميركية في الشرق الأوسط باتت أهدافاً مشروعة، وهدّدت أنه في حال استهداف إسرائيل سفارتها في بيروت، ستقصف بدورها السفارات الأميركية في الشرق الأوسط.

السؤال المطروح اليوم: كيف ستؤثر هذه الضربات المستمرة على العلاقة بين الخليج وإيران؟

التغييرات الإقليمية

بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أصبح وجود القواعد الأميركية في الخليج بمثابة موقع متقدم لاحتواء إيران، كما عززت الولايات المتحدة علاقاتها التجارية الهجومية هناك، وهذا ما أكدته جينيفر سكولتي، البروفيسورة في العلوم السياسية ومديرة مكتب معايير المجتمع في الجامعة اللبنانية – الأميركية.

على رغم أن إيران استهدفت قواعد أميركية في المنطقة خلال حرب الـ12 يوماً العام الماضي، إلا أن الهجمات الأخيرة تختلف من حيث النطاق والتزامن، إذ طاولت دولاً خليجية عدة في وقت واحد، ما يشير إلى محاولة إيرانية لفرض معادلة ردع جديدة تتجاوز المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

يُظهر التصعيد الأخير أن شبكة القواعد الأميركية في الخليج لم تعد مجرد بنية دفاعية، بل أصبحت جزءاً مباشراً من معادلة الصراع. ومع استمرار الضربات والردود المتبادلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة قد تتحوّل فيها القواعد العسكرية إلى خطوط مواجهة أولى، لا مجرد مواقع خلفية للدعم اللوجستي.

لذلك، يعتقد مكرم عويس، المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات ومحلّل سياسي، في حديثه لـ”درج”، أن إيران تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها “الضامن الأساسي لأمن إسرائيل والداعم الرئيسي لها عسكرياً وسياسياً”، لذلك فإن الرد الإيراني لا يقتصر على إسرائيل وحدها بل يشمل الوجود الأميركي في المنطقة.

وأضاف أن طهران تعتبر أن الهجوم عليها هو “هجوم مشترك أميركي – إسرائيلي”، ما يفسّر استهداف القواعد الأميركية بالتوازي مع الضربات على إسرائيل. كما أشار إلى أن دول الخليج تعتمد على الوجود العسكري الأميركي كضمانة أمنية، لكن هذا الوجود نفسه قد يجعلها عرضة للرد الإيراني، خصوصاً إذا توسّعت المواجهة أو طلبت واشنطن استخداماً أكبر للقواعد والمنشآت العسكرية.

العلاقات الخليجية – الإيرانية على حافة القطيعة مجدداً

قبل اندلاع التصعيد العسكري الأميركي – الإيراني في أواخر شباط/ فبراير 2026، شهدت العلاقات السعودية – الإيرانية تقارباً دبلوماسياً مستمراً منذ اتفاق 2023 برعاية صينية، مع لقاءات في 2025 وأوائل 2026 لتجنب التصعيد الإقليمي والتركيز على الاستقرار الاقتصادي والأمن.

وصدر بيان ثلاثي سعودي – إيراني – صيني نصّ على إعادة العلاقات الدبلوماسية، تفعيل اتفاقيات أمنية واقتصادية قديمة، وقف التدخل في الشؤون الداخلية، والقيام بجهود لإنهاء الحرب في اليمن.

لكن استهداف إيران قواعد أميركية في الخليج وخرق سيادة البلاد قد يؤديان إلى تضرّر العلاقة مجدّداً بين دول الخليج وإيران، بحسب نائب مديرة المركز لشؤون الأبحاث في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، مهند الحاج علي، وربما تعود إلى مستوى القطيعة الذي ساد في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، خصوصاً في حال استمرار استهداف منشآت مدنية ونفطية.

وقد يبدو ذلك واضحا أيضاً مع اعتراض دول الخليج الصواريخ الإيرانية، وهذا ما أكّده عويس أيضاً، إذ يعتبر التصدّي لهذه الصواريخ رداً صارخا ضد الجانب الإيراني.

هنا، يرجّح الحاج علي أن دول الخليج ستُطالب بتعويضات من إيران، وستُحاول فرضها من خلال مجلس الأمن، كما حصل مع العراق غداة غزو الكويت.

التصريحات التصاعديّة

بعد بيانات الاستنكار بداية الحرب، أعلن مجلس التعاون الخليجي الذي يضم الإمارات، والسعودية، والبحرين، وقطر، والكويت، وسلطنة عمان، أن الضربات الإيرانية على المناطق المدنية/ السكنية “انتهاك خطير للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، على الرغم من ضمانات مجلس التعاون الخليجي بعدم استخدام أراضيه لشنّ هجمات معادية على إيران.

وفي 4 آذار/ مارس، صعّدت قطر خطابها تجاه طهران، إذ قال وزير الخارجية القطري إن الاعتداء الإيراني على دولة قطر لا يمكن قبوله تحت أي مبرر أو ذريعة.

أما في 2 آذار، فانضمت قطر والسعودية إلى بيان مشترك مع دول الخليج والأردن وأميركا، يصف الهجمات بـ”غير المنضبطة والمتهورة”، مؤكدة حق الرد على “انتهاكات إيران لميثاق الأمم المتحدة”.

القواعد الجوية التي تعرضت للقصف الإيراني

في إطار الرد الإيراني على الضربات الأميركية – الإسرائيلية منذ 28 شباط/ فبراير 2026، استهدفت طهران قواعد جوية أميركية في الخليج، ما أثار مخاوف من تصعيد إقليمي.

قاعدة العديد (قطر): تعرضت لهجمات صاروخية وطائرات بدون طيار في 28 شباط و1 آذار، مع اعتراض معظمها وأضرار طفيفة.

قاعدة الظفرة (الإمارات): أصيبت بصواريخ إيرانية، مع إسقاط بعضها وإصابات مدنية بسبب الحطام.

قاعدة علي السالم الجوية (الكويت): هدف لصواريخ إيرانية، إلى جانب معسكر عريفجان الذي وقع فيه قتلى أميركيون.

أما مقر الأسطول الخامس في البحرين فقد تعرض لضربات مباشرة أيضاً، على رغم تركيزه البحري.

ما هي أبرز القواعد الأميركية في الخليج؟

في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، تبرز القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج كعناصر حاسمة في استراتيجية واشنطن للردع والسيطرة على المنطقة، حيث تستضيف آلاف الجنود والمعدات المتطورة لتنسيق العمليات الجوية والبحرية وحماية خطوط الطاقة، وهنا أبرزها:

السعودية: قاعدة الأمير سلطان الجوية

تعززت في 2020 بعد انسحاب جزئي عام 2003، وتقع قرب الرياض كمركز دفاع جوي رئيسي يدعم عمليات القوات الجوية ضد التهديدات الإيرانية، مع تركيز على الدفاع الصاروخي والطائرات المقاتلة.

الإمارات: قاعدة الظفرة الجوية

أبرز مرفق جوي في أبو ظبي، تستضيف الجناح الجوي الاستكشافي 380 مع طائرات إف-15 وإف-16 وطائرات بدون طيار مثل MQ-9، وتلعب دوراً في اعتراض الصواريخ والعمليات الإقليمية.

الكويت: معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية

عريفجان (جنوب الكويت) مركز لوجستي يضم أكثر من 13 ألف جندي، بينما تدعم قاعدة علي السالم (شمال غربي العاصمة) الفرقة الجوية 386 للنقل والدعم الجوي، كما في حروب الخليج السابقة.

البحرين: مقر الأسطول الخامس في المنامة

في قاعدة الدعم البحري بجفير، يدير الأسطول عمليات الخليج والبحر الأحمر وخليج عمان، مع نحو 9 آلاف عسكري لحماية مضيق هرمز وتدفّق النفط.

قطر: قاعدة العديد الجوية

أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط جنوب غربي الدوحة، تضم 11 ألف جندي ومقر القيادة المركزية (CENTCOM) لتنسيق الهجمات الجوية من مصر إلى كازاخستان.

درجة

—————————–

للصبر حدود فعلاً يا شيخ… للصبر حدود!/ جهاد بزّي

06.03.2026

كنتم تعلمون يا مولانا وهذا بالتحديد ما كان مطلوباً منكم بدقة، أن تصعدوا إلى أعلى نقطة وتقفزون منها، حاملين طائفتكم وبلدكم معها، فداء لنظام سلاحه الوحيد لمواجهة أميركا حالياً هو قدرته على ابتزازها بإشعال الشرق الأوسط من لبنان إلى فلسطين إلى الخليج إلى آخره.

لديَّ هرٌّ أسميته شكيب، تيمناً بابن ثريّا وزكريّا في مسرحية “بالنسبة لبكرا شو”.

شكيب القط البرتقالي الأرعن مشغول البال بطعامه. أشرح له أحياناً ما الذي يحدث في لبنان، لكن، ولأن البلد خارج دائرة اهتمامه، ينظر إلي بعينين تتقصدان أن أرى فيهما حزناً، علّني أغشّ وأمرر له وجبات إضافية بين تلك التي حُددت له مسبقاً.

شكيب فوجئ بشدة حين علم بصلية الصواريخ الستة. لم يقل شيئاً بالطبع، والأرجح أنه لم يفاجأ. وهذه السطور لن تجرب طرق كليلة ودمنة لتمرير رسالتها وحكمتها. شكيب مجرد هرّ كما بتنا نعلم، ولا دخل له من قريب أو بعيد بالأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، إلا إذا كان الشيخ نفسه فوجئ، معي ومع شكيب، ومع لبنان والمنطقة والشمس والقمر والمجرات القريبة، بصلية الصواريخ الستة.

أقول إن الشيخ لم يكن يعلم بأمر الصواريخ، وقد بدا عليه، في خطابه الأخير، وعنوانه “للصبر حدود”، أنه غير مقتنع بما يقوله.

والشيخ تنقصه صفات كثيرة كانت في السيد الأمين العام السابق، الطبيعية منها، كالكاريزما والمهارة في الخطابة وفنون الإقناع، والمكتسبة، كالقدرات القيادية والقدسية والخبرة السياسية والعسكرية. نقص هذه الصفات في الشيخ، كنت أظنّ، لا تقلل من قيمته، لا سمح الله، بل تجعل وجوده على رأس الحزب بنسخته المتبقية، أفضل للجميع، بخاصة أن الشيخ وصل إلى منصبه من دون أوهام كبرى، بل بقوة البقاء وحدها، وبفعل الأقدمية وانتفاء البديل.

وهو إذ يصل في سن متقدم نسبياً، وبعد الهزيمة التي مُني بها الحزب في الحرب السابقة، فقد أبدى نضوجاً ما ومرونة سياسية مقبولة، وأظهر حكمة مملّة، لكن نافعة ومُحتاجة. حكمة مضجرة تميّز شيوخ القرى حين ينكبون على حلّ المشاكل الصغيرة بين رجل وزوجته أو بين مزارعين يختلفان على الأرض، أو خلافه مما يحلم أبناء القرى العاديون أن يكون أكبر همومهم، وهي عزّ الطلب بعد حرب الإسناد الكارثية.

لكن الشيخ خلال خطاب للصبر حدود الذي عانيت حتى صمدت إلى نهايته، خيّب أملي فيه، لأسباب لا أعرف عددها لكنني سأورد تباعاً ما يأتي على ذهني منها حالياً، وفي بالي أن لصبر القارئ حدوداً أيضاً، وأنا طامع بسعة صدر القارئ وشكيب الذي يحوم حولي، معاً.

لم يقنعني الشيخ، بداية، بأن هذه الصلية يمكن اعتبارها ثأراً لرجل بحجم السيد علي خامنئي. حتى لو ادعيت أنني اقتنعت، كيف أقنع القط شكيب بأن ستة صواريخ لا نعرف ما الذي حلّ بها، وأين وقعت، وماذا دمرت، هي الانتقام العادل، ولو بالمشهدية، لاغتيال الولي الفقيه، نائب الإمام الحجة، ظله على الأرض الذي يحضر لظهوره من دون انقطاع من العام 1989. الثأر للسيد المرشد من المفترض ألا يكون أقل من إشعال سماء فلسطين بالأضواء، ولو لمرة واحدة وأخيرة، ولو كانت مفرقعات تبهج قلوب الناس وهم يهرولون بثياب النوم إلى الساحات العامة والكورنيش. على الأقل كي يشعروا أن فزعهم من النوم وهربهم من بيوتهم إلى العراء يرافقهما مهرجان مسلّ في السماء يخفف عنهم ساعات السجن الطويلة في السيارات وساعات الصيام الطويلة مع آذان الفجر وما بعده.

كما أن شكيب وأنا لم نقتنع أيضاً بأن الصلية كانت لتحذير إسرائيل من مغبة التمادي في خروقاتها المستمرة منذ 15 شهراً، وألا دخل لحركة الفجر الطائشة هذه بالحرب المفتوحة في إيران.

كما أن حجة “للصبر حدود” لا أهمية لها، مع ملاحظة أن الشيخ استخدم تعبيراً من القاموس الخالد للست أم كلثوم. إذا عدنا بالزمن قليلاً، نرى أن السيد الراحل كان مدرسة في كيفية توجيه قاعدته الشعبية والتسويق للقرارات ذات المصلحة الإيرانية البحتة. حين كان ينضم إلى حروب خارجية تماماً، مثل الحرب السورية وإسناد غزة، كان يسوق تحليلاً متماسكاً يخلط فيه الاستراتيجيا بالأخلاق بتراث الطائفة الديني ويقدم حزمة متكاملة من الحجج التي يمكن للصغير قبل الكبير في البيئة استخدامها، على الشاشات وفي الجرائد ووسائل التواصل، وبين بعضهم بعضاً ومع خصومهم. حزمة متكاملة فيها الكثير من الاحترام لعقولهم ولخساراتهم الفادحة في أرضهم ورزقهم ودمهم وأمنهم وحاضرهم ومستقبلهم. هذه التي بينما تتحول هباء منثوراً، يعودون إلى الأمل الأخير لديهم بأن “السيد قال والسيد وعد والسيد سيفعل”. لكن السيد راح كما تعلم يا شيخ. والآن، بينما السيد الأكبر يرحل في الثواني الأولى من حرب عظمى تعد لها إيران العدة منذ 47 سنة، لا يمكنك، وأنت الذي تنوب عن السيدين حالياً، أن تكتفي بضم إبهامك إلى سبابتك للدلالة على صغر حجم صلية وتقول إن الصواريخ الستة ليست ذريعة للحرب التي باشرتها إسرائيل. القط شكيب يا مولانا كان يعلم أن حجم الرد الإسرائيلي لن يكون أقل مما تفعله هذه الدولة الكريهة حالياً. حتى شكيب القط يعلم يا مولانا أن بنيامين نتانياهو حقير، بل وكلب، وجميعنا نعرف أن بين القطط والكلاب ما صنعه الحدّاد. شكيب لم يقتنع، وأنا لم أقتنع، والطائفة لم تقتنع، ولبنان يا مولانا، وحتى نتانياهو لم يقتنع بأنك، ومن أخذ القرار عنك أو معك، لم تكونوا تعلمون بأن الرد سيكون بالحجم الذي تراه ونراه حالياً.

كنتم تعلمون يا مولانا وهذا بالتحديد ما كان مطلوباً منكم بدقة، أن تصعدوا إلى أعلى نقطة وتقفزون منها، حاملين طائفتكم وبلدكم معها، فداء لنظام سلاحه الوحيد لمواجهة أميركا حالياً هو قدرته على ابتزازها بإشعال الشرق الأوسط من لبنان إلى فلسطين إلى الخليج إلى آخره.

هذا حقّه كنظام يسعى الى الخروج من الجحيم. لن ننتظر منه غير مراعاة مصالحه، حتى لو كانت على حساب قاعدته العسكرية الدائمة في لبنان. وحزب الله وُلد على يد المرشد الأول وترعرع على يد الثاني وكبر وسمن ونفخ في بوقه لفجر مثل هذا، يقدم فيه الإبن نفسه وناسه وبلده قرباناً على مذبح الأب، ينقذه بالتضيحة بنفسه، يعطيه كي يرضى.

لدي أسباب أخرى أسوقها لتبرير عدم اقتناعي بخطابك الذي قد ينفع كندوة دراسية مثلاً، أو لبودكاست، لكن ليس لتبرير هذه الحرب التي كانت ستقع حتماً بسبب صلية الصواريخ، وبسبب عناد الحزب في عدم تسليم أمره للدولة اللبنانية وتمسكه بسلاحه حتى الاستماتة كما قلت يا مولانا، ليس ذوداً عن المقاومة، أو العقيدة، أو البلد، بل بانتظار ما سيقرره الأب في شأن هذا السلاح، وهذا الحزب، وهذه الطائفة التائهة تيه شعب موسى في صحراء سيناء.

النتيجة التي لم يصل إليها خطابك يا مولانا هو أن الأب يلتهم أبناءه ليحيا. لو أنك قلتها مباشرة لكنت وافقتك. أما مسألة أن للصبر حدوداً، فأنت محق تماماً. للصبر حدود، فعلاً يا شيخ، للصبر حدود  لنا جميعاً، لشكيب ولقارئ هذي السطور وكاتبها، ولشكيب الذي يغني معي منهياً هذا المقال من الأغنية نفسها التي أجادت فيها الست: “ما تصبرنيش ما خلاص أنا فاض بييَّ ومليت”.

درج

———————-

 الإمبراطورية الأميركية في أول حروبها/ بلال خبيز

الجمعة 2026/03/06

الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وأذرعها هي أول اختبار فعلي لشكل العالم وتوازاناته المقبلة. حصتنا في الشرق الأوسط من هذه التغييرات وازنة بكل المقاييس، وخطيرة أيضا بكل المقاييس. لكن استقراء هذه المخاطر لا يصح، ولا يجب أن نغامر في استقرائه قبل تحديد الملامح الكبرى لهذا التحول الجذري في العلاقات الدولية.

لنبدأ من تصريح وزير الدفاع الأميركي: نحن نخوض هذه الحرب لننتصر. لم يقل هيغسيث إن بلاده تخوض هذه الحرب لتصل إلى تسوية، حتى لو على أساس هزيمة الطرف الآخر. ما قاله أن بلاده تريد أن تنتصر. والنصر يعني في مثل هذه الحرب التي افتتحت بقتل من يفترض به أن يوقع صك الاستسلام في حال هزيمته، أي المرشد الأعلى الإيراني وقادة إيران الأساسيين، قتلاً لحق إيران بأن تقرر سياساتها بنفسها الآن وفي المستقبل.

تبدأ أميركا حربها من افتراض أنه لا يحق لإيران أن تقرر في سياساتها الخارجية، ولا في سياساتها الدفاعية. وعليها أن تخضع للإملاءات الأميركية. ما تقوله أميركا علنا: ليس كل أمة ولا كل دولة يحق لها ان تتصرف كدولة. بعضها يجدر به أن يجتهد ليصبح ولايات، وبعضها الآخر ما زال قادرا على تقرير بعض ملامح سياساته الخارجية، لكن الغالبية الساحقة من هذه الدول على امتداد العالم، لم تعد تملك القدرة أن تتصرف بجيشها على النحو الذي يجعله خاضعا لحساباتها الخاصة، ومتماشيا مع ما تراه في مصلحتها. الجيوش اليوم ليست كلها على سوية واحدة. معظمها على الأرجح تحول إلى مجرد قوى أمنية محلية يجدر بها أن تبقي الميدان آمنا للسيد الذي يقيم في البيت الأبيض، وفي مقار الشركات الكبرى.

ماذا عن إيران التي تحارب من دون رأس قادر على رعاية الاتفاقيات الدولية؟

إيران اليوم تدرك، أو هي على الأقل تحدس، أن المطلوب من نظامها أن ينحر نفسه. شعاراته، أفكاره، آماله العريضة والمبالغ بها، سيادته على قراراته. هذه كلها في مرمى النار. والأهم، المقاتل الإيراني ليس جنديا يخضع لمعايير وأعراف العلاقات بين الجيوش المتحاربة. إنه مجرد قاطع طريق مدان سلفا، وعليه أن يموت أو يستسلم ويترك أمر تقرير مصيره لمن يقصفه بالطائرات.

لهذا، لا يبدو أن قادة إيران قادرون على الاستسلام، وطبعا لم تترك لهم أميركا فرصة أن يكونوا قادرين على صناعة تسوية. إنهم يقاتلون لأن لا أمل لهم بعد. وطبيعة القتال التي يخوضونها بالغة التعبير عن هذه الحال التي بات العالم عليها. هو قتال يريد الإعلان إنني لم أمت بعد، وأن اأاميركي لم يحقق نصره بدليل أن ثمة صاروخ ما، في مكان ما، ما زال مجهزا للإطلاق. على ماذا وما هو هدفه؟ ليس مهما، بوسعه أن يقع على رؤوس حلفائه وينفجر في بيوتهم، المهم أن مصدره إيران. وهذا بالضبط ما تريد إيران التصريح به علنا: لم تقتلونا جميعا، وما زلنا قادرين على تخريب ما تسمح به إمكاناتنا. ليس مهما أن نقتل المهاجمين. فهؤلاء يمكلون من التحصينات ما نعجز عن اختراقه. إذا فلنقتل من كان حتى الأمس القريب يحاول فك الخناق الذي يضيق علينا. (دول الخليج).

إنه قتال من يشعر أن العالم تواطأ على إعدامه، ويريد الانتقام من أي كان وأي شيء.

تكثر التحليلات التي تقول إن إيران تراهن على نفاد الاحتياطيات الأميركية والإسرائيلية من الذخيرة. في هذه الحال، ستجد الجيوش المهاجمة نفسها في موقع من سيوقف النار مرغما. وهذا يحسبه هؤلاء المحللون انتصارا إيرانيا. لكن واقع الحال يقول غير ذلك. لم تعد إيران منذ أن بدأت هذه الحرب دولة يحسب لمصالحها حساب. حتى المتحمسين لحرية الشعب الإيراني باتوا يغلفون خطابهم بنغمة المنظمات غير الحكومية. هذا الخطاب الذي يتضامن مع الضحية بوصفها لم تعد تملك أن تكون صاحبة خطاب أصلا. الشعب الإيراني هو الغائب الأكبر الآن. قد تصمد إيران في هذه الحرب وتستمر بإطلاق الصواريخ رمزيا. لكنها لن تعود أبدا إلى موقع الدولة، وستبقى في موقع القرصان.

لنلق نظرة على حلفائها من الصين إلى روسيا إلى بريكس. رد الفعل الروسي لا يتحول إلى فعل. رد فعل خافت ولا يرقى إلى مستوى التنديد. يعلم بوتين الغارق في حرب أوكرانيا أنه سيفقد مورد أسلحة كان يعتمد عليه كثيرا أو قليلا، لكنه لا يملك القدرة على تغيير المعادلة أو المسارات. الصين التي تعتمد كثيرا على النفط الإيراني، لم تجد نفسها ملزمة في وضع كل بيضها في سلة النفط الإيراني. تراقب وتنتظر، وتأمل أن تتعثر أميركا في مسعاها الذي بات واضحا أنه لا يقيم وزنا للدول السيدة. بريكس لم يرفع صوته أيضا، ولا الأمم المتحدة. مناصرو إيران ليسوا اليوم أكثر من دعاة لا يملكون من مصادر القوة ما يمكنّهم من التأثير في المعادلة.

والخلاصة؟ لو صمدت إيران واحتفظت بعد دمار كبير ببعض منصات إطلاق الصواريخ، فإنها ستتحول إلى بلد شاسع المساحة لا سلطة مركزية فيه، وتعيث فيه خرابا عصابات قاطعي طرق، كانوا حتى الأمس القريب حكامه. ولو انتصرت أميركا وفرضت شروطها، فإننا سنكون أمام مشهد غير مسبوق في التاريخ الحديث. أميركا الإمبراطورية تولد الآن، وتحول الدول السيدة إلى مجرد ولايات، تعزل منهم من تشاء حين تشاء، وتثبت من تشاء حين تشاء. وهذا ينسحب تقريبا على مجمل منطقتنا، وفي طريقه للاختبار في سائر أصقاع العالم.

المدن

————————-

الحدود السورية تحت اختبار الحرب الإقليمية

الجمعة 2026/03/06

مع اتساع المواجهة الإقليمية بين إسرائيل وإيران ودخول “حزب الله” على خط التصعيد، عادت الحدود السورية اللبنانية إلى واجهة القلق الأمني والسياسي بوصفها ممراً حساساً تتقاطع فيه حركة عبور مدنية متزايدة مع روايات عن تهريب وتسلل وخشية من انتقال الاشتباك إلى الداخل السوري.

وانتشرت في مواقع التواصل مقاطع فيديو وصُور، بعضها يظهر صفوفاً من عناصر مسلحين في تشكيل شبه استعراضي، وبعضها يظهر حشوداً من دراجات نارية ومركبات عسكرية تتحرك على طريق عام، ورافقها نص متداول يتحدث عن “انطلاق فرق القوات الخاصة التابعة لوزارة الدفاع إلى الحدود السورية اللبنانية”، تحت عنوان منع التسلل عبر المعابر غير الشرعية.

من جهتها، قدمت وكالة “رويترز” رواية تفصيلية قالت فيها إن سوريا عززت حدودها مع لبنان بوحدات صاروخية وآلاف الجنود، ناقلة عن ثمانية مصادر سورية ولبنانية، بينهم ضباط ومسؤولون أمنيون، أن الانتشار شمل مشاة وآليات مدرعة ومنظومات قصيرة المدى، مع ربط التحرك بمحاولات منع تهريب السلاح والمخدرات، ومنع تسلل مسلحين، بينهم عناصر من “حزب الله”، إلى داخل سوريا، بينما أكد بيان من وزارة الدفاع السورية للوكالة أن التعزيز يشمل أيضا الحدود مع العراق ضمن إجراءات حماية وضبط الحدود.

وقال رئيس الحكومة نواف سلام، في جلسة مجلس الوزراء، الخميس، إنه تلقّى اتصالاً، قبل يومين، من وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، “كما زارني القائم بالأعمال السوري، اليوم، لإبلاغي بأن الأمر لا يتعدى الإجراءات لتعزيز ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي السوري، وهي إجراءات مماثلة لتلك المتخَذة على الحدود السورية مع العراق”.

وقال سلام: “أكد المسؤولان السوريان حرص بلادهما على أفضل العلاقات مع لبنان، ومِن جهتي شكرت مبادرة الإخوة السوريين وأكدت لهم حرص لبنان على إقامة علاقات جديدة مع سوريا تقوم على الثقة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، لذلك يقتضي عدم التوقف عند ما يروَّج من الأخبار المضلّلة التي تهدف إلى التخويف وحرف الأنظار عن التحديات الحقيقية التي تواجه البلاد”.

————————

واشنطن بوست: النظام الإيراني متماسك ومصصم على البقاء ولن يرحل بهدوء

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته سوزانا جورج وجوليا ليدور، قالتا فيه إن النظام الإيراني لا يزال مسيطرا على الأمور، رغم الخسائر المدمرة التي لحقت به. فرغم استهداف القيادة العليا إلا أن بنية النظام الحاكم في طهران لا تزال مستمرة بشكل أثار دهشة الخبراء والمسؤولين.

فرغم الحرب المكثفة التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن القيادة الإيرانية في طهران لا تزال متماسكة، وهذه الظروف وإن منعت تشييع جنازة المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، وأجّلت التصويت على اختيار خلف له، إلا أن الحرب التي امتدت على 12 دولة في الشرق الأوسط، لم تؤثر على قبضة النظام الإيراني على السلطة، وفقا لمسؤولين أوروبيين وعرب مطلعين على تقييمات وضع النظام منذ بدء الصراع.

ويقول المسؤولون هؤلاء إن إيران جهزت نفسها لهذا الصراع. ويبدو أن هياكل القيادة التي بنيت لتحمل ضربة استهدافية لا تزال إلى حد كبير، سليمة، مما يسمح لإيران بشن ضربات انتقامية ضد إسرائيل وقطر والبحرين في غضون ساعات من الهجمات الأولية.

ومنذ بدء الصراع، أفاد الإيرانيون داخل البلاد بوجود أمني مكثف في شوارع المدن، حيث تقوم قوات الباسيج شبه العسكرية بدوريات على الدراجات النارية.

وقد أكدت التقييمات الأمريكية للحرب الجارية أنها نجحت في قتل القيادات العليا، فقد تحدث وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في إحاطة صحافية يوم الأربعاء، متفاخرا بالنجاحات التي تحققت أثناء شرحه لكيفية توسيع نطاق العمليات: “لقي كبار قادة إيران حتفهم وما يسمى بمجلس الحكم، الذي كان من الممكن أن يختار خليفةً له إما قتلوا أو فقدوا أو اختبأوا في ملاجئ، خائفين جدا من البقاء في غرفة واحدة”.

وكان هيغسيث يردد إلى حد كبير ما قاله يوم الثلاثاء، الرئيس دونالد ترامب بأن الضربات الجوية أسفرت عن مقتل “معظم الأشخاص” الذين كانت الولايات المتحدة تفضلهم لخلافة أعضاء النظام الذين قتلوا في بداية الحرب.

لكن على الرغم من شدة الضربات ونطاق الدمار الواسع، لم ترد حتى الآن أي تقارير عن انشقاقات كبيرة داخل صفوف النظام أو عن انتفاضات شعبية، وفقا لتقييمات أوروبية وعربية نقلها مسؤولون من تلك الدول إلى صحيفة “واشنطن بوست”.

كما لم ترصد الاستخبارات الأمريكية أي مؤشرات على انتفاضات أو انشقاقات في الأيام الأولى للحملة، حسب شخص مطلع على الوضع تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.

وقال مسؤول أوروبي بارز: “لا يوجد أي مؤشر على انهيار أي شيء في النظام، لا شيء، صفر”، وأضاف أن: “السيطرة كاملة”. كما أوضح المسؤول أنه على علم بتقارير تفيد بتغيب قوات الأمن التابعة للنظام عن أداء واجبها، لكنه يعتقد أن ذلك قد يكون بسبب أوامر بعدم التجمع في الثكنات خشية استهدافها.

وقال مسؤولون إن القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية أثبتت متانتها بفضل “النظام متعدد المستويات” الذي بناه النظام لمواجهة الأزمات، والذي يوزع القيادة بتعيين عدة أفراد ليحلوا محل أي شخصية رئيسية قد تقتل على الفور.

وبعد مقتل وزير الدفاع الإيراني عزيز ناصر زاده في غارات يوم السبت، عين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي ترددت شائعات بأنه كان هدفا في الموجات الأولى من الهجوم، ماجد بن رضا وزيرا لتصريف الأعمال يوم الاثنين. ومنذ ذلك الحين، تكهنت تقارير إعلامية بمقتل ابن رضا في هجمات لاحقة، لكن وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية لم ترد على هذه الادعاءات.

وتقول “واشنطن بوست” نقلا عن مسؤول عربي بارز قوله قبل اندلاع الحرب، إن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي اعتقدوا أن إيران ستكون أكثر عرضة للضغوط العسكرية الخارجية وأن احتمال اغتيال المرشد الأعلى سيكون نقطة تحول مبكرة، تشعل انتفاضة جماهيرية ضد النظام. وقال: “كنا نبحث عن المظاهرات في الشوارع، لكننا فوجئنا بوحدتهم”.

وأشارت الصحيفة إلى أن النظام الذي واجه في كانون الثاني/يناير احتجاجات حاشدة رد عليها بقوة، كان في أضعف حالاته، إلى جانب الترهل العميق في هياكل القيادة السياسية والأمنية.

إلا أن هيكل الحكم ظل سليما وسط عمليات القصف الجوي المستمرة ويواصل ممارسة سيطرته، الأمر الذي أثار دهشة المراقبين المخضرمين للشأن الإيراني في المنطقة.

وحذر المسؤولون الأوروبيون والعرب من أن النظام الإيراني لا يزال غامضا، وأن التنبؤ بانهياره من الخارج يكاد يكون مستحيلا. ولا توجد إلا معلومات قليلة حول تأثير الهجمات الأمريكية والإسرائيلية فيما تعاني البلاد من انقطاع شبه تام للإنترنت.

لكن التحليل البصري الأولي الذي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” كشف عن أضرار جسيمة لحقت بأهداف عسكرية ومبان حكومية وهياكل أمنية داخلية. كما أعلنت إسرائيل مؤخرا مسؤوليتها عن ضربات استهدفت المؤسسة الدينية الإيرانية. وفي المجمل، تقول القيادة المركزية الأمريكية إنها استهدفت أكثر من 2000 هدف داخل إيران خلال أكثر من أربعة أيام. فيما أعلن الجيش الإسرائيلي عن إلقاء طائراته أكثر من من 4000 قنبلة على إيران منذ يوم السبت.

وعلق غريغوري برو، المحل المختص في الشؤون الإيرانية، بمجموعة أوراسيا: “لا شك أن إيران قد أُضعفت بشكل كبير”، مضيفا أنه بالنظر إلى الخسائر العسكرية الإيرانية وحدها، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل دمرتا معظم أسطولها البحري، وجزءا كبيرا من مخزونها الصاروخي ووسائل إنتاج المزيد من الصواريخ. وتابع برو: “إنهم يفجرون الكثير من المباني لكن معظمها على الأرجح خال، إنهم يدمرون البنية المادية للجمهورية الإسلامية”.

في غضون ذلك، ووفقا لإيرانيين داخل البلاد، قال المسؤول الأوروبي إن قوات الشرطة الإيرانية وقوات الباسيج استمرت في العمل. وأوضح برو أن ذلك يعود إلى أن هذه القوات لا تستخدم أسلحة ثقيلة، ويمكنها الانتشار بسرعة من المباني التي يسهل استهدافها جوا، ثم العودة للظهور بمجرد توقف القتال.

وبعد حرب العام الماضي في حزيران/يونيو ، أعادت إيران تنظيم قواتها المسلحة تحسبا لمزيد من الضربات العسكرية. أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع قناة “الجزيرة” يوم الأحد، إلى إعادة تنظيم القوات، واصفا الوحدات العسكرية الإيرانية بأنها “معزولة” وتعمل وفقا “لتعليمات عامة مسبقة”.

وبناء عليه، فلا أحد يعرف إلى متى ستظل إيران صامدة في وجه الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، انخفضت وتيرة الردود الإيرانية، مما يوحي بنقص الذخيرة لدى إيران أو عجزها عن الوصول إلى مخزوناتها المدفونة. إلا أن يوم الخميس شهد تصاعدا حادا في الهجمات الإيرانية الانتقامية ضد البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة.

ومع استمرار الصراع واضطرار القوات المسلحة الإيرانية إلى التكيف ووضع خطط جديدة، قد تتفاقم خسائر القيادة في البلاد. إلا أن المسؤولين الإيرانيين أشاروا إلى استعدادهم لخوض معركة طويلة ضد خصوم متفوقين عسكريا. وتعتقد طهران أن السبيل الوحيد لتحقيق النصر هو الصمود لفترة أطول من الولايات المتحدة وإسرائيل، حسب قول مسؤول أوروبي ثان على اطلاع بتقييمات قوة النظام الإيراني منذ بداية الحرب، قال: “إنهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من هزيمة أقوى جيش في العالم، لكن من خلال الحرب غير المتكافئة، يمكنهم محاولة إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر، لإجبار الولايات المتحدة على السعي لخفض التصعيد”.

ولهذا السبب، أعطت إيران الأولوية للرد على دول الخليج العربي والدول التي قد تبدأ بالضغط على الولايات المتحدة للبحث عن مخرج، بحسب المسؤول.

وأضاف المسؤول أن إيران راهنت على أن نظامها وشعبها أكثر قدرة على تحمل المصاعب المطولة من دول الخليج العربي والولايات المتحدة، لكنه حذر من أنه كلما طال أمد الصراع، زادت احتمالية تفاقمه وتحوله إلى صراع أكثر دموية على جميع الأطراف. وقال: “هذا النظام مصمم للبقاء، ولن يرحل بهدوء”.

————————-

أكراد إيران والتجربة السورية/ فارس الخطاب

06 مارس 2026

نقل موقع إكسيوس عن مسؤول أميركي رفيع قوله إن مسلحين إيرانيين أكراد دخلوا إلى شمال غرب إيران، وبدأوا هجوماً برّياً هناك. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط السياسية والعسكرية على طهران، فإن الحديث عن الدور الكردي بدعم أميركي في بعض الدوائر التحليلية يذهب باتجاه دفع الأكراد الإيرانيين إلى تحريك جبهة داخلية ضد نظام الجمهورية الإسلامية. غير أن هذا الطرح يصطدم بسؤال أساسي في الوعي السياسي الكردي: لماذا ينبغي للأكراد أن يثقوا مجدّداً بواشنطن بعد تجارب انتهت غالباً بالتخلي عنهم عندما تتغيّر الحسابات الدولية؟

معلوم أن ملايين الأكراد يعيشون في غرب إيران، ضمن مناطق تمتد بمحاذاة الحدود مع العراق وتركيا. وهم جزء من شعب كردي موزع بين عدة دول في الشرق الأوسط، ما جعل القضية الكردية مرتبطة تاريخيّاً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة. وفي أحيانٍ كثيرة، تحولت هذه القضية إلى ورقة في صراعاتٍ أكبر من حدودها المحلية.

التاريخ الكردي مع القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة، يحمل دروساً قاسية. ففي سبعينيات القرن الماضي، دعمت واشنطن التمرّد الكردي في العراق، بقيادة مصطفى البارزاني، لكن هذا الدعم انتهى فجأة بعد اتفاقية الجزائر 1975 بين صدّام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، ما أدّى إلى انهيار التمرّد الكردي آنذاك. منذ ذلك الحين، ترسخت لدى أكراد كثيرين قناعة بأن التحالفات الدولية قد تكون مؤقتة بقدر ما تمليه المصالح الاستراتيجية.

لكن التجربة الأحدث والأكثر تأثيراً جاءت في سورية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي، حيث اعتمدت واشنطن، بشكل كبير، على القوات الكردية، خصوصاً قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي لعبت دوراً رئيسيّاً في هزيمة التنظيم في شمال شرق سورية. وقد بدا في تلك المرحلة أن الشراكة العسكرية بين الطرفين يمكن أن تتحوّل إلى ترتيبات سياسية طويلة الأمد. غير أن التطورات التي حدثت في دمشق وسقوط نظام بشار الأسد وما أعقبه من تغير أميركي في طريقة التعامل مع النظام الجديد على حساب “قسد”، والذي تُوج مطلع عام 2026 بسيطرة القوات الحكومية على جميع مناطق سيطرة الأكراد ونفوذهم في مناطق الإدارة الذاتية شمال شرق سورية، رافقه تراجع الدور العسكري الأميركي المباشر في هذه المناطق، وظهور ترتيبات سياسية وأمنية أعادت ملف تلك المناطق إلى التفاوض مع السلطة المركزية في دمشق بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. هذا الذي جرى بالنسبة لأكراد كثيرين لم يكن مجرّد تحولٍ أميركي تكتيكي، بل مثالاً جديداً على حدود الالتزام الأميركي تجاه أي طرف عندما تتغيّر أولويات السياسة الدولية.

أعادت هذه التجربة طرح الأسئلة القديمة، وتركت أثراً مباشراً في النقاش الدائر حول أكراد إيران، فإذا كانت القوى الكردية في سورية، التي خاضت حرباً طويلة ضد تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب الولايات المتحدة، قد وجدت نفسها في النهاية أمام واقع سياسي مختلف عما كانت تتوقع، فإن الرهان على دعم خارجي لإطلاق مواجهة داخلية مع دولة قوية مثل إيران يبدو خياراً محفوفاً بالمخاطر. كما أن الظروف داخل إيران تختلف جذريّاً عن الحالة السورية، فالدولة الإيرانية لا تزال تحتفظ ببنية مؤسساتية وأمنية قوية، ولم تشهد الانهيار السياسي أو العسكري الذي سمح بظهور كيانات محلية شبه مستقلة، كما في سورية، خلال سنوات الحرب. ولذلك أي سيناريو لانتفاضة كردية واسعة داخل إيران سيواجه تحدّيات كبيرة على المستويين السياسي والأمني.

إضافة إلى ذلك، يدرك كثيرون من الفاعلين الأكراد أن القوى الدولية غالباً ما تتعامل مع المسألة الكردية باعتبارها أداة تكتيكية ضمن صراعات أوسع، فعندما تتقاطع المصالح يظهر الدعم، وعندما تتغيّر الأولويات يتراجع هذا الدعم سريعاً. وقد أثبتت التجارب من العراق إلى سورية أن التحالفات الدولية مع الأكراد نادراً ما تتحوّل إلى التزام سياسي دائم. من هنا، يمكن القول إن التجربة السورية لم تكن مجرّد محطة عسكرية في الحرب على الإرهاب، بل تحولت أيضاً إلى درس سياسي عميق في حدود الاعتماد على القوى الكبرى. فهي أظهرت أن الدعم الخارجي قد يمنح قوة عسكرية أو نفوذاً مؤقتاً، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق مشروع سياسي طويل الأمد.

ولهذا السبب، أي حديث عن دفع أكراد إيران إلى مواجهة مباشرة مع النظام الإيراني تحت مظلة دعم أميركي أو إقليمي سيظل موضع شك كبير داخل الوعي السياسي الكردي، فالتاريخ القريب يطرح سؤالاً يصعب تجاهله: إذا كانت واشنطن قد غيّرت حساباتها مع حلفائها في سورية، فما الذي يضمن ألا يتكرّر المشهد نفسه في إيران، إلا إن كان لكردستان الجامعة مكان في خريطة الشرق الأوسط الجديد.

العربي الجديد

—————————-

مخلفات التصعيد الإسرائيلي- الإيراني تصيب 18 نقطة في سوريا

حذرت دائرة الإعلام في مديرية الكوارث والطوارئ، جميع السكان في سوريا من خطر الأجسام الحربية الساقطة جراء التصعيد الإقليمي المستمر، واصفة إياها بأنها “قنابل موقوتة” قابلة للانفجار في أي لحظة.

ودعت الدائرة، في تصريح لعنب بلدي، اليوم الخميس 5 من آذار، المواطنين للالتزام الصارم بـ”القاعدة الذهبية”: لا تلمس، لا تقترب، بلّغ فورًا.

وأكدت الدائرة أن أغلب الاستجابات الميدانية لفرقها خلال الأيام الستة الماضية تركزت في محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق، مع تسجيل حالات سقوط في السويداء، دير الزور، القامشلي، وريف جبلة باللاذقية، نتيجة الاعتراضات الجوية في سماء سوريا.

 خارطة السقوط

وفق ما رصده مراسلو عنب بلدي ميدانيًا وبيانات الدفاع المدني، سجلت سوريا سقوط حطام واستهدافات مباشرة في 18 نقطة منذ بدء المواجهات بين إسرائيل وإيران في 28 من شباط الماضي.

في الجنوب السوري، وثقت عنب بلدي مقتل خمسة أشخاص في السويداء (وسط تضارب في الروايات بشأن مسبب الانفجار)، وسقوط مسيرة في “العجمي” بدرعا.

كما وثقت حطامًا في المسيفرة ونوى ودير العدس، وإنخل، وصنع الحمام، وشبرق.

إضافة إلى ذلك، تم تسجيل سقوط حطام في مدينة السلام والرفيد بالقنيطرة.

وفي دمشق وريفها، خرجت محطة العتيبة عن الخدمة إثر استهداف مباشر. كذلك، تساقطت شظايا في محيط بيت جن وصيدنايا وعين ترما.

أما في الشمال والشرق والساحل، فقد سقط صاروخ باليستي في قرية قزلجة جنوب القامشلي، واستُهدفت قاعدة “خراب الجير” برميلان، وسجل سقوط مقذوف في قرية “الفتيخ” بريف جبلة.

توصيات وإرشادات السلامة

وسعت مديرية الكوارث والطوارئ من دائرة تحذيراتها عبر عنب بلدي، داعية المدنيين إلى اتباع الإجراءات التالية لتقليل الخسائر البشرية:

    التعامل مع الأجسام الغريبة: عدم الاقتراب نهائيًا من أي حطام أو أجسام معدنية مجهولة، ومنع الأطفال من التجمهر حول مواقع السقوط.

     الاحتماء الآمن: الاحتماء داخل المباني في الطوابق السفلية عند سماع أصوات الانفجارات، والابتعاد عن النوافذ والأسطح المكشوفة والواجهات الزجاجية.

     الإبلاغ والتوثيق: ضرورة الإبلاغ الفوري للجهات المختصة عن أي جسم مشبوه أو حرائق ناتجة عن السقوط، وعدم محاولة نقل أو تحريك الحطام تحت أي ظرف.

    مخاطر “الخردة”: حذرت الوزارة من محاولة جمع الحطام لبيعه، مؤكدة أن هذه المخلفات تحتوي على صواعق ومواد شديدة الانفجار قد تنفجر نتيجة الحرارة أو اللمس.

مواجهة مفتوحة

يأتي هذا الخطر المحدق بالسوريين وسط تصعيد غير مسبوق في المنطقة.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية استهداف أكثر من 1000 هدف إيراني ضمن حملة “زئير الأسد” التي انطلقت السبت الماضي.

وأكد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، استمرار العمليات حتى تحقيق أهدافها. كما كشف عن مقتل  جنود أمريكيين في المعركة.

في المقابل، أعلن “الحرس الثوري” الإيراني بدء الموجة التاسعة من هجماته. وقد طالت هذه الهجمات أهدافًا إسرائيلية وقواعد أمريكية في دول الخليج، لا سيما في دبي والبحرين والكويت.

—————————-

=============

تحديث 05 أذار 2026

—————————-

 سوريا خارج الاستهداف الإيراني…لحماية الحزب؟/ منهل باريش*

2026-03-05

مع اتّساع دائرة التصعيد الإقليميّ، يبرز سؤال متكرّر في الأوساط السياسيّة والعسكريّة: هل يمكن أن تنخرط سوريا في الحرب الدائرة ضدّ إيران؟ لماذا لم تستهدفها طهران حتّى الآن، على الرغم من اتّساع رقعة الضربات التي طالت عدّة دول عربيّة؟

توسّع نطاق الهجمات الإيرانيّة ليشمل ثماني دول عربيّة هي: المملكة السعوديّة والإمارات والكويت والبحرين وعمان  وقطر والأردن والعراق. وفق بيان القيادة المركزيّة الأميركيّة، أطلقت طهران حتّى فجر الأربعاء نحو 500 صاروخ بالستيّ وأكثر من 2,000 مسيّرة انتحاريّة ثابتة الجناح ضمن عمليّاتها العسكريّة في المنطقة.

مع ذلك، وعلى الرغم من القصف المتبادل والتصعيد العسكريّ المتسارع، بقيت سوريا خارج دائرة الاستهداف الإيرانيّ المباشر. باستثناء محاولة قصف قاعدة خراب الجير الأميركيّة في  محافظة الحسكة، شمال شرقيّ سوريا عبر فصائل عراقيّة موالية لإيران، لم تُسجّل أيّ هجمات مباشرة على المصالح الأميركيّة داخل سوريا أو ضدّ الحكومة السوريّة. أُحبطت تلك المحاولة بعدما تمكّنت الدفاعات الأميركيّة من إسقاط الطائرة المسيّرة الانتحاريّة قبل وصولها إلى القاعدة، التي تُعدّ من أهمّ القواعد اللوجستيّة الباقية للولايات المتّحدة في سوريا.

خارج بنك الأهداف

يعود عدم إدراج سوريا ضمن بنك الأهداف الإيرانيّة، إلى جانب دول عربيّة أخرى، إلى جملة من الاعتبارات الاستراتيجيّة. من جهة، تحرص طهران على تجنّب دفع الحكومة السوريّة إلى مواجهة مباشرة مع “الحزب”، لا سيما في ظلّ التطوّرات الأمنيّة الأخيرة وتصاعد الضربات الجوّيّة الإسرائيليّة ضدّ مواقع “الحزب” في لبنان. من جهة أخرى، ما تزال إيران تعتمد، ولو جزئيّاً، على شبكاتها القديمة لتهريب السلاح من العراق عبر الأراضي السوريّة باتّجاه لبنان، الأمر الذي يجعل الحفاظ على هذا المسار اللوجستيّ ذا أهميّة استراتيجيّة بالنسبة لها.

يعود عدم إدراج سوريا ضمن بنك الأهداف الإيرانيّة، إلى جانب دول عربيّة أخرى، إلى جملة من الاعتبارات الاستراتيجيّة

في المقابل، لم تقف الإدارة السوريّة مكتوفة الأيدي إزاء هذا التصعيد الإقليميّ، بل تبنّت ما يمكن وصفه باستراتيجية “التحصين الصامت”، إذ عملت على تعزيز انتشار الجيش على طول الحدود مع لبنان والعراق بهدف ضبط الحدود ومنع أيّ اختراقات محتملة في ظلّ الحرب الإقليميّة الدائرة. في هذا السياق، أوضح الجيش في بيان رسميّ أنّ الوحدات المنتشرة تتبع لقوّات حرس الحدود وكتائب الاستطلاع، وأنّ مهمّتها تتركّز على مراقبة الأنشطة الحدوديّة ومكافحة عمليّات التهريب.

سوريا

إلى جانب ذلك، تدرك القيادة السوريّة أنّها تدير بلداً منهكاً ومُدمّراً سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً واجتماعيّاً بعد 14 عاماً من الحرب. وبالتالي أيّ انخراط جديد في صراع إقليميّ قد يعيد البلاد إلى دائرة الاستنزاف، ويعرّض ما بقي من بنيتها ومجتمعها لموجة جديدة من التدهور. من منظور استراتيجيّ، لن يحقّق إدخال سوريا في هذه المعادلة الصراعيّة مكاسب سياديّة أو أمنيّة حقيقيّة لها، بل قد يضعها في موقع الحلقة الأضعف ضمن صراع يتجاوز قدراتها وإمكاناتها.

انطلاقاً من ذلك، تبدو المصلحة الوطنيّة السوريّة اليوم مرتبطة بسياسة تحييد مدروسة تقوم على رفض استخدام الأراضي السوريّة ساحةً للحرب، وتجنّب الانخراط في صراعات المحاور، مع التركيز في الوقت ذاته على استعادة الحدّ الأدنى من الاستقرار وفتح مسارات سياسيّة واقتصاديّة تمكّن البلاد من الخروج تدريجاً من حالة الانهيار والعزلة.

احتمالات الانضمام إلى الصّراع 

لا يمكن استبعاد احتمال انخراط سوريا في الصراع في ظلّ استمرار التصعيد الإقليميّ. فقد أعلنت المملكة السعوديّة والإمارات اتّخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنهما وحماية أراضيهما ومصالحهما، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل مواقف وتحالفات إقليميّة جديدة.

بقيت سوريا خارج دائرة الاستهداف الإيرانيّ المباشر. باستثناء محاولة قصف قاعدة خراب الجير الأميركيّة

صحيح أنّ سوريا لا تمتلك في الوقت الراهن قدرات عسكريّة دفاعيّة ولا صاروخيّة كبيرة تمكّنها من ردع إيران بصورة مباشرة، إلّا أنّها تتمتّع بموقع جيوسياسيّ بالغ الأهميّة. تمثّل الجغرافيا السوريّة حلقة وصل حيويّة بين إيران وحلفائها في المنطقة، ويمكن أن يعزل التحكّم بهذه الجغرافيا “الحزب” في لبنان عن الفصائل العراقيّة الموالية لطهران، وهو ما قد يضعف شبكة النفوذ الإقليميّة لإيران ويحدّ من قدرتها على التأثير خارج حدودها.

غير أنّ هذا السيناريو يبقى مرهوناً ببلورة موقف عربيّ مشترك تقوده دول الخليج والأردن، بدعم من مصر بطبيعة الحال. في حال تشكّل مثل هذا التحالف، قد تجد سوريا نفسها أقرب إلى محيطها العربيّ، لا سيما أنّ قطاعات واسعة من السوريّين ما تزال تحمل مشاعر سلبيّة تجاه الدور الإيرانيّ في الصراع السوريّ، وترى في طهران طرفاً ساهم في إطالة أمد الحرب ودعم النظام السابق.

التّضامن وردّ الجميل

علاوة على ذلك، قد تلعب اعتبارات التضامن السياسيّ وردّ الجميل دوراً في تحديد موقف دمشق، خاصّة تجاه الدول العربيّة التي وقفت إلى جانب السوريّين خلال السنوات الأخيرة، وساهمت في دعم مسار إعادة الانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ، وفي مقدَّمها المملكة العربيّة السعوديّة.

لا يمكن إغفال عامل آخر محتمل يتمثّل في الدور الأميركيّ. في حال طلبت واشنطن من القيادة السوريّة الانضمام إلى تحالف إقليميّ يهدف إلى إضعاف نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة، فقد يشكّل ذلك فرصة لتعزيز العلاقات السوريّة – الأميركيّة، خصوصاً في ظلّ مؤشّرات الانفتاح السياسيّ الأخيرة والتعاون القائم ضمن إطار التحالف الدوليّ لمحاربة تنظيم داعش.

إقرأ أيضاً: سوريا في عين العاصفة: الشّرع يراهن على الدّولة

بناءً على ما سبق، تبدو سوريا اليوم أمام معادلة دقيقة: من جهة تسعى إلى الحفاظ على سياسة التحييد وتجنّب الانجرار إلى صراع إقليميّ واسع، ومن جهة أخرى تراقب عن كثب التحوّلات في موازين القوى والتحالفات الإقليميّة، بما قد يفرض عليها في مرحلة لاحقة إعادة تقويم موقعها ضمن هذه المعادلة المعقّدة.

أساس ميديا

—————————-

هل تنجو سوريا من الحرب الإيرانية؟/ غسان المفلح

مارس 5, 2026

منذ اليوم الأول للحرب بدأ انعكاسها على دول المنطقة. سوريا والأردن والعراق ودول الخليج وكردستان العراق نالها القصف الإيراني. من الواضح أن السلطة في إيران تسير نحو مزيد من المواجهة، وتضرب كل ما تصل إليه أسلحتها. حتى دول كانت صديقة ومقربة من طهران. كعُمان والإمارات مثلاً.

لكن أمام هذه اللوحة، التي يصر ترامب على الخروج منها منتصراً بشكل واضح، تكون سوريا -رغم ما يظهر- هي الحلقة الأضعف. ببساطة لأنها تعيش وضعاً انتقالياً صعباً. وضع نجد فيه بعض الأطراف السورية تريد للبلد أن يذهب للجحيم، وهي مستعدة لأن تكون أداة في يد أي طرف خارجي يكلفها بذلك. هذه الأطراف لا تزال تملك سلاحاً ومقاتلين وحشود مؤدلجة، كلها تنتظر فرصة الانقضاض على الخراب الذي خلفته الأسدية، من أجل المزيد منه.

في هذه اللحظة الماكرة من لحظات التاريخ السوري، يختلط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح. من له موقف مناقض للسلطة، يصدر مقولاته وتحريضه وتجييشه على السلطة والبلد. بالمقابل من يؤيد السلطة يحاول أن يبرز قوتها وحضورها ببلاغة متهافتة. التعامل مع ما يجري من قبل الجميع تقريباً، يعتمد على انحيازات مسبقة.

السلطة تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن التصريحات الإعلامية المفصلة بخصوص ما يجري في المنطقة. أرى أن هذا أمر جيد، لأن سوريا ليست طرفاً فاعلاً في اللوحة، بل دولة تحتاج لرعاية دولية، وستبقى إلى حين التعافي. مهما حاولنا أن نتحدث عن هذه الحرب إيجاباً أو سلباً، لا يمكن أن تبقى سوريا بمنأى عنها أو عن نتائجها المباشرة وغير المباشرة.

منذ اليوم الأول بدأت تبرز أزمة الطاقة والغاز، وهذا أمر ليس بإمكان سوريا مواجهته الآن. لا تمتلك المخزون كما لا تمتلك الموارد، ولا تزال آليات رفع العقوبات الدولية تسير بخطوات بطيئة. سنجد مزيداً من ارتفاع الأسعار مما يخلق حالة من الخوف عند الناس على تأمين احتياجاتهم الضرورية. من جهة أخرى، الخطر الأكثر بروزاً هو داعش من جهة، وإذا أرادت طهران أن تحرك بعضاً من فلولها من جهة أخرى، كما حركت حزب الله اللبناني الذي شارك بالحرب، والآن لبنان على كف عفريت.

هنالك مصفوفات بلاغية من المزايدة على سوريا في موقفها من الحرب. سوريا لا تستطيع إلا أن تكون في الطرف الأميركي. ليس فقط لاعتبارات تتعلق بجريمة الملالي في سوريا خلال سنوات الثورة، بل لاعتبارات تخص مستقبل البلد برمته. وأي كلام آخر يصدر عن السلطة بخلاف ذلك هو نوع من الانتحار المؤجل. أيضاً هنالك من يتشاطر بمقولات مثل”اللهم اضرب الظالمين بالظالمين واخرجنا منها سالمين”. هذه ومثلها مقولات أخرى لا تفيد.

في التاريخ السياسي للدول، هنالك خيارات لا تحتمل التلاعب والتشاطر. خيارات تضع مصير هذه الدول على كف عفريت، وهي دول مستقرة! فما بالكم بدولة تعيش ما تعيشه سوريا الآن. حتى اللحظة، خيار السلطة والناطقين البارزين باسمها، هو خيار مقبول سورياً. لا يوجد أية حمولة تحررية في هذه الحرب، سوى عنوان واحد: هو تحرر الشعب الإيراني وشعوب المنطقة من نظام الإرهاب والجريمة الإيراني. حتى هذه غير مضمونة حتى الآن، ولا يمكننا الاعتماد على تصريحات بعض الساسة الأميركيين، في أنهم يريدون إسقاط نظام الملالي.

إضافة لما سبق، هنالك خطر آخر في حال استمر حزب الله في جر إسرائيل لحرب موسعة برية وجوية على لبنان، وبالتأكيد لن تكون سوريا بمنأى عنها وعن نتائجها. أو في المقلب الآخر، إذا تحرك الحشد الشعبي في العراق كما تحرك حزب الله. بذلك تكون سوريا بين كارثتين إضافيتين. أكتب هذا لأن الواضح في الخيار الإيراني هو إشعال المنطقة برمتها، إذا أمكنه ذلك.

حتى لحظة كتابة هذه المادة كل الدلائل تشير إلى أن إيران ذاهبة نحو التصعيد، وهنالك دول تدعمها في ذلك، بشكل مباشر أو غير مباشر، تريد تعقيد المشهد على الخيار الأميركي. من جهة أخرى، من الواضح أن الرئيس ترامب لا يريد شركاء في الحرب، بل يريد مواقف داعمة فقط من دول العالم. لأنه يعتبر هذه الحرب حربه الخاصة، وليست حرباً أميركية فقط.

انطلاقا من هذه اللوحة السريعة، على السلطة في سوريا الاستمرار في هذا الموقف أولاً وأخيراً. ثانياً، الالتفات أكثر للوضع الداخلي ومحاولة الاستفادة قدر الإمكان من ابتعاد سوريا عن لوحة الإعلام الدولي. الوضع الداخلي في ظل وجود سلطة هجينة بين تيارات عدة. لم تستطع حتى اللحظة أن تظهر للسوريين صورتها الحقيقية. سواء كانت متشددة أم ديمقراطية مثلاً. رغم أن مؤشرات إيجابية موجودة، يقابلها مؤشرات سلبية. لا أريد الدخول في تفاصيلها الآن.

إضافة إلى ذلك، عليها التركيز على الوضع الأمني في حمص ودرعا والجزيرة، من أجل لم السلاح المنفلت. السلاح المنفلت يحتاج لمزيد من الإجراءات القانونية والأمنية المتشددة، خاصة أن الوضع الاقتصادي للبلد، يشكل أرضية للجريمة. هذه إجراءات أولية يجب أن تكون وغيرها عنواناً للعمل بموازاة موقف السلطة من هذه الحرب المدمرة.

الثورة السورية

————————-

حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم/ ياسين الحاج صالح

تسارع إيران إلى استهداف بلدان الخليج العربي من باب توسيع دائرة المتضررين من الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، بما قد يرفع الضغط على الطرفين المعتديين لوقف حربهما. لكن تفعل ذلك من باب عدم الخشية من العواقب من جهة الأطراف العربية المستهدفة، ومن اللامبالاة بمصائرها، دولاً ومجتمعات. الحكم الإيراني أظهر عدائية وقلة احترام مستمرة حيال أي قوى عربية، وهو ما لا يعود إلى أسباب سياسية ومصلحية عقلانية حصراً. الأمر أقرب إلى مستمر ثقافي قومي، لا يتأثر إلا قليلاً جداً بتغير النظم الحاكمة في طهران.

ومن جهتها، الدول العربية متضررة إذا انتهت الحرب بسرعة بهزيمة إيرانية لأنها ستكون في موقع نسبي أضعف حيال المنتصرين، الإسرائيليين والأمريكيين، وغير قادرة على التأثير على سير الأمور في إيران ما بعد حكم الملالي. وبالعكس من شأن قيام نظام موال للحليفين العنيفين المتطرفين أن يكون قوة عدم استقرار في إيران نفسها وفي المنطقة لسنوات طويلة، وسيكون إن استقر قوة ضغط على البلدان العربية أكثر من غيرها. وبالمقابل، إذا تطاول أمد الحرب تعرضت البلدان العربية للقصف الإيراني وتعطلت حياتها الاقتصادية، وتزايدت الضغوط عليها للانخراط في الحرب أو لمساهمة أوسع في تمويلها. ليس هناك خيارات عربية جيدة، وإن لم يكن هذا جديداً. في الجذر أننا نفتقر إلى دول وطنية عقلانية، حساسة حيال مصالح مجتمعاتها ومطالب تماسكها وتحسن مقدراتها وترقيها حضارياً من جهة، وحيال هويتها وتطلعاتها وروابطها المعنوية والتاريخية من جهة ثانية. وهو ما حرم دولنا من أن يكون لها خطاب معقول يمكن الأخذ والعطاء معه من قبل سكانها أولاً، كما من قبل القوى الدولية. القوى المتحكمة بمصير مجتمعاتها، الدول، تبدو بلا أطروحة، أو بلا قضية متماسكة تدافع عنها، حين تعرض أزمة جديدة، وتاريخ منطقتنا منذ قيام إسرائيل شهد أزمة كبيرة كل عشر سنوات، وفيما انقضى من هذا القرن كل ثلاث سنوات أو أربع. بالمقابل هناك أطروحة واضحة ظاهرياً، تنحاز إلى ما يفترض أنها قضية “الأمة”، الوقوف ضد المعتدين الإسرائيليين والأمريكيين، ومساندة من يواجهونهم من الإيرانيين وأتباعهم في بلداننا. لكن هذه القضية تمر فوق رؤوس الدول والمجتمعات ذاتها، أو لا تبالي بواقعها وأوضاعها وقدراتها، ولا بدور إيران العدواني والممزِّق في عدد منها. وضوح القضية هنا ظاهري، ولا يعني أنها تحيل إلى قوى اجتماعية محددة أو تيار فكري سياسي واضح، الأمر يتعلق بغريزة، مزاج، لم يعد يستطيع حتى أن يصوغ قضيته بصورة معقولة، أي في خطاب. هذا الانفصام بين قوى منظمة بلا خطاب، وقضية عائمة بلا قوى منظمة، ولا خطاب كذلك، هو واقع بنيوي مديد، يحيل على تخارج الدولة والأمة، أو القيمة والواقع مثلما كان عبد الله العروي قد قال بخصوص ما سماها الدولة السلطانية في تاريخنا. سياساتنا اليوم تمر تحت الخطاب، لا تستطيع أن تتشكل في تفكير واضح من حيث التحليل النظري والبرنامج العملي والرموز الجامعة. وبينما يفكر كثيرون بيننا بأن دولنا ثرثارة بالأحرى، فإنها في واقع الأمر عيية، تفتقر إلى الكلام الوجيه السديد. ومعها في ذلك أكثر المجموعات المشتغلة في الشؤون العامة. هذه واقعة لا تحظى بما تستحق من عناية.

هل يملك أي كان أن يقول شيئاً معقولاً عن المحور الإسرائيلي الأمريكي، الأجدر بأن يوصف بمحور الشر؟ أول ما يمكن أن ينسب بعدل لهذا المحور هو التطرف الشديد والاستهتار بالقانون والمؤسسات الدولية، بل ومؤسسات الدولة الأمريكية ذاتها بخصوص ترامب. الشيء الثاني هو تصورات العظمة والمجد الامبراطوري المشتركة بين الاثنين. الشيء الثالث هو التعويل الكلي على القوة المسلحة في حيازة موقع الأسبقية في العالم وازدراء الدبلوماسية وعدم المبالاة بالشركاء التقليديين. ومحصلة العظمة الإمبراطورية والتعويل على القوة المسلحة هي شكل فاحش من الإمبريالية، أكثر سوقية وفجوراً من الإمبرياليات الغربية في القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب البادرة. والشيء الرابع هو العنصرية الصريحة لكليهما والإسفاف في التعبير عنها. انتصار قوتي هذا المحور المتطرف لا يؤول إلى نظام دولي جديد أو متجدد بل إلى نظام استعماري متجدد، أصوات دعاته مسموعة اليوم سلفاً في أمريكا.

وقد نضيف شيئا خامساً بأن عدوانية هذا المحور الجديد لا تبدو شيئاً عارضاً يتصل بشخصي نتنياهو وترامب، بل هو ترجمة لتحول نحو اليمين العنصري والاستعماري في البلدين المعنيين وصعود النزعات العنصرية والحضاروية فيهما، وفي الغرب بعامة، وبالتحول إلى الرأسمالية الرقمية أو “الإقطاعية المتطورة تقنياً” بعبارة يانيس فاروفاكيس. تشترك أمريكا ترامب وإسرائيل نتنياهو في تصور الذات كقلعة مسلحة، محصنة، بالغة التطور التكنولوجي، تضرب حولها متى عن لها. إقطاعيتان طليعيتان في استخدام الذكاء الصناعي برنامجاً لقتل من يقف في وجههما. لذلك يُرجح أننا نسير نحو عالم جديد، مختلف عما عرفنا بين الحرب العالمية الثانية واليوم. عالم حربي، تتأهب فيه الدول التي ترقب ما يجري مثل الصين وروسيا والهند لتعزيز قواها، أو مثل أوروبا إلى التحالف مع المنتصرين وربما المشاركة في الحرب إذا طالت، أو الاستكانة تجنباً لأذى المعتدين.

بلداننا لا تملك أياً من هذه الخيارات، ولا حتى الاستكانة. إسرائيل لا ترضى بهذا من العرب خلافاً لغيرهم، وإيران لم ترض. اليوم يبدو المجال العربي من جديد ساحة تحكم قانون الجيوسياسة الحديدي. لقد ظهر فعل هذه القانون مراراً منذ ما قبل قيام إسرائيل عبر المصادفة النفطية، وتعزز بظهور الكيان الإسرائيلي، حتى ليبدو قدراً مقدوراً. ومن أوجه هذا القانون ما تقدم ذكره من حرب كبيرة أو أزمة تنفجر كل بضع سنوات، فيخسر فيها العرب دماء وثروات واستقراراً ومعنويات.

النقاش السوري مغاير للمألوف عربيا. قطاع واسع من السوريين متشفٍ بإيران التي كانت قوة احتلال مثل غيرها في البلد، وأسوأ من غيرها من حيث تلاعبها بالنسيج الاجتماعي من حيث توافق سطوتها مع ميْلشة الدولة، وهذا دون أن تنعطف أو تحاول ترطيب الأجواء مع أكثرية السوريين بعد سقوط الحكم الأسدي. العتو الإمبراطوري الإيراني يحول دون أي تراجع. هذا مسلك عدمي، يكمن بصورة ما وراء وضع إيران الانتحاري اليوم.

ومثل الدول العربية الأخرى، يجد الحكم السوري الجديد نفسه بلا خطاب، لكن لا يكاد يوجد خطاب باسم “الأمة” يزايد عليه، أو يدعوه لفعل غير ما يفعل: التجنب و”النأي بالنفس”. يعترض على الحكم الجديد طيف متنوع، يمتد من داعش، إلى تعبيرات أهلية، إلى أصوات ديمقراطية، لكن لا أحد في سوريا يعترض عليه من موقع ممانع. فقد هذا الموقع كل قيمة مع سقوط الحكم الأسدي، وهو قبل ذلك أظهر عجزاً متفاقماً عن تطوير خطاب بالحد الأدنى من الاتساق والصدقية حول قضيته. لذلك لا يعتمد عليه من أجل قول مفيد عن العدو، أمريكا وإسرائيل في الطور الحالي. وتابعيته الإيرانية حالت بينه وبين قول شيء عن دور إيران وتوابعها في سوريا، فلم يقم بالحد الأدنى من المراجعة والنقد الذاتي.

وإنما لذلك، ليس صحيحاً تفسير مواقف قطاعات واسعة من السوريين من إيران بالعامل الطائفي، بخاصة حين يأتي ممن ينكرون دور هذا العامل في سياسات إيران وتوابعها، والحكم الأسدي من قبل. أقرب إلى المعقول تفسير الأمر بدور إيران في دعم نظام إبادي. الطائفية ليست الأساس، لا هنا ولا في أي شأن آخر. هي عنصر معزز لمواقف لا تنبع حصراً ولا أساساً منها.

لا يستطيع أي كان أن يمد نظره إلى ما بعد أشهر أو أسابيع، أو حتى أيام، ويرى ما سيحدث في إيران والمنطقة والعالم. ربما تعيش الجمهورية الإسلامية آخر أيامها. ماذا بعدها؟ على الأرجح عدم استقرار مديد يفوق ما أعقب الاحتلال الأمريكي للعراق.

كاتب  سوري

القدس العربي

—————————–

 عن سوريا الجديدة والحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران/ ماجد عزام

2026.03.05

جيدٌ أن نأتْ سوريا الجديدة بنفسها عن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. ورغم المزاج الشعبي، وحتى الرسمي العام، الذي لم ينسَ انخراط إيران وميليشياتها الطائفية مع نظام بشار الأسد في جرائمه ضد الشعب الثائر، وتأخير طهران السقوط “الحتمي” للنظام في دمشق، فإن القيادة الجديدة تصرّفت بمسؤولية عندما نأت بنفسها، ولم تذهب إلى تأييد الحرب ودعم إسقاط النظام الإيراني، رغم المزاج الشعبي المؤيد لذلك إلى حدٍّ كبير، في تجسيدٍ للمقولة التاريخية الصحيحة: إن القيادة المسؤولة تفعل ما يحتاجه الشعب لا ما يريده.

ولا يقلّ أهميةً عن ذلك، بالطبع، رفضُ المشاركة في الحرب بأي حال من الأحوال، لا سياسياً ولا إعلامياً ولا لوجستياً، مع رفض دعوات استخدام الأراضي السورية وفتح جبهة الجولان ضد إسرائيل لما لذلك من تبعات كارثية، وهو ما لم تفعله أصلاً إيران وميليشياتها، كما لم يفعله نظام الأسد الساقط طوال عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.

كما لا ينبغي الانتباه أو التركيز على الشائعات غير الصحيحة التي زعمت الموافقة على انتهاك الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية أثناء الحرب الراهنة، وحتى في السابقة، حيث استُخدمت الأجواء الأردنية والعراقية بشكل أساسي لتدمير الدفاعات الجوية في طهران ومحيطها، بينما انتهكت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية الأجواء السورية، وتعمدت إسرائيل إسقاطها بعيداً عن مستعمراتها، وتحديداً في المثلث الحدودي بين محافظة درعا والأردن وفلسطين المحتلة.

إذن، نأتْ سوريا الجديدة بنفسها عن التصعيد السياسي والإعلامي، ثم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وهو موقف صحيح ومسؤول، إذ لا مصلحة لها في الانخراط في الحرب ولا حتى إبداء موقف منها، كونها ليست مضطرة إلى ذلك. وينطلق هذا من المصلحة الوطنية العليا، مع الانشغال بسيرورة البناء والتنمية وحلّ المشكلات والأزمات العديدة والمتفاقمة التي تعانيها البلاد على مختلف المستويات، بعدما تركها الأسد مدمّرة ومحروقة.

وعلى صلةٍ بالمعطى نفسه، يُحسَب للقيادة السورية أنها لم تنخرط في التحريض على الحرب والخيار العسكري ضد إيران وملفاتها المعقدة الثلاثة: المشروعان النووي والصاروخي، والأذرع الإقليمية، ولا في دعوات إسقاط النظام في طهران، مع فهمها لتبعات هذا الخيار الكارثية على المنطقة ككل، بما فيها سوريا بالطبع.

إضافةً إلى ما سبق، ثمة تنبّه لدى سوريا الجديدة إلى البعد الإسرائيلي في التحريض على الحرب وإشاعة أجواء الفوضى في المنطقة، لصرف الانتباه عن احتلالها لفلسطين والأراضي العربية في سوريا ولبنان، وتبرير سياستها العدوانية في المنطقة، والسعي إلى فرض هيمنتها بحجة مواجهة النظام الإيراني وحلفائه والدفاع عن أمنها ومصالحها.

وعليه، لم تقع القيادة السورية في الفخ السهل للانتقام من النظام الإيراني ودعم توجيه ضربة له أو حتى إسقاطه، مع الانتباه كذلك إلى حقيقة أنه بات ضعيفاً ومحاصَراً ومعزولاً، ولا يستطيع، حتى لو أراد، التشويش أو عرقلة سيرورة النهوض بسوريا الجديدة.

وبناءً على ما سبق، فليس صحيحاً البتة الحديث عن موافقة سوريا الجديدة على عبور الطائرات الإسرائيلية والأميركية أجواءها، ولا عن استغلال واشنطن الأراضي السورية في الحرب ضد إيران، إذ لم تعد تملك قواعد أو معسكرات كبرى، ولا حتى صغرى، صالحة ومناسبة لذلك.

والموافقة المزعومة وردت ضمن الشائعات الممنهجة التي جرى ترويجها لتشويه أو التشويش على سيرورة نهوض وبناء سوريا الجديدة، علماً بأن الأمر غير مطروح بتاتاً في مفاوضات تحديث الاتفاق الأمني “فك الاشتباك 1974″، التي لم تتنازل فيها الدولة السورية عن مصالحها وحقوقها وسيادتها ووحدة وسلامة أراضيها، مع الإصرار على الجوهر الأمني للاتفاق، وتحديثه تقنياً بما يكفل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى خطوط 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع رفض التفريط أو المقايضة بهضبة الجولان السورية المحتلة.

هنا لا بدّ من التذكير بالحرب قبل الأخيرة –حزيران/يونيو الماضي– حيث استخدمت إسرائيل بشكل مركزي الأجواء الأردنية والعراقية لتدمير منظومات الدفاع الجوي في طهران والمدن الكبرى في وسط وغرب البلاد خلال ثلاثة أيام، لفرض السيطرة الكاملة على الأجواء الإيرانية، وهو ما تكرر حرفياً تقريباً في الحرب الراهنة.

بالعموم، تقوم سوريا الجديدة بمسؤولياتها للدفاع عن مصالحها وأمنها واستقرارها، ومن الجهة المقابلة ترفض استخدام أراضيها لفتح جبهة ضد إسرائيل من أي طرف كان، وهو ما لم تفعله إيران وميليشياتها ولا نظام الأسد، رغم التشدّق بوحدة الساحات لسنوات، حيث تُركت غزة وحيدة في مواجهة آلة القتل والإبادة الإسرائيلية.

أما الحديث عن تحريك ونشر قوات في الجنوب والحدود الشرقية والغربية، فهو إجراء احترازي لمنع أي طرف، أياً كان، من استخدام الأراضي السورية لتوجيه رسائل أو خدمة أجندات أجنبية.

وفي الموقف العام من الحرب، تجب الإشارة كذلك إلى إدانة سوريا الهجمات الإيرانية العدوانية وغير المبررة ضد دول الخليج العربي والعراق والأردن، وهذا يندرج ضمن الموقف العربي العام الرافض للحرب أصلاً، والداعم للخيارات السياسية والدبلوماسية تجاه إيران، مع تحييد العامل الإسرائيلي المؤذي والضار بالمنطقة وأمنها واستقرارها.

أخيراً، وفيما يخص تداعيات الحرب، فالمسألة مبكرة وقصة أخرى. لكن مبدئياً، لا شك في أن سوريا الجديدة ستستفيد إيجاباً من انشغال إيران بنفسها لسنوات طويلة، مع تغليب احتمال بقاء النظام شبه منهار، ضعيفاً ومثخناً ومعزولاً. كما سقطت عملياً قصة الأذرع والوكلاء، مع قرار الحكومة اللبنانية إخراج الجناح العسكري لحزب الله عن القانون، وترسيخ فكرة حلّ الميليشيات في العراق، وعزل جماعة الحوثي في اليمن، وربما حتى سقوطها تاريخياً وفكرياً وسياسياً مع سقوط نظام الأسد.

وبالتالي، على سوريا الانشغال بنفسها والانكباب على تحدي التنمية والبناء وإعادة الإعمار على كافة المستويات، ليس العمرانية فقط على أهميتها، وإنما الوطنية والدستورية والمؤسساتية كذلك. أما الحديث عن هيمنة إسرائيلية بعد الحرب فليس دقيقاً ولا حتمياً، ويبدو حتى الآن أقرب إلى الدعاية، في وقت يتشكل فيه محور، أو على الأقل تفاهم عربي–إسلامي واسع، لا مكان لإسرائيل فيه، للدفاع عن أمن واستقرار المنطقة، على قاعدة رفض المشاريع والخطط الانفصالية والخيارات الحربية التي تدعمها تل أبيب سراً وعلانية، وترسيخ مظلة حماية واسعة لسوريا الجديدة.

تلفزيون سوريا

—————————-

راهن سورية والحرب على إيران/ مالك ونوس

05 مارس 2026

آخر ما كانت تنتظره سورية وسلطة الرئيس أحمد الشرع، هذه الأيام، أن تندلع حرب إقليمية كبيرة قريبة من حدودها، تشنّها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي ضدّ إيران، وتنشغل بها الدول العربية إلى أبعد الدرجات، وربّما تنخرط فيها انخراطاً كاملاً، فتدير ظهرها للملفّات السورية وتضعها في آخر سلّم أولوياتها. يحدث هذا الأمر وسورية لم تدخل بعد طور التعافي، على الرغم من مرور سنة وأربعة أشهر على إسقاط نظام الأسد، وتولّي حكومة قوية ومتجانسة إدارة البلاد. وبينما كانت هذه الحكومة تعوِّل على هذه الدول، وعلى الطرف الأميركي، أن يأخذوا بيدها من أجل تحقيق النهوض الاقتصادي، وحلّ العديد من مشكلات البلاد، وجدت نفسها تقف وحيدةً أمام هذه المشكلات، بعد تحييدها الداخل وقواه السياسية والاجتماعية عن أيّ دور يمكن أن يساهم به في ذلك السياق.

وقد كان واضحاً من الأيام الأولى لتولّي سلطة الشرع مقاليد الحكم في دمشق، توجّهها إلى الخارج لطمأنته بدايةً حول توجّهاتها الجديدة المغايرة لتوجّهات هيئة تحرير الشام السابقة، وثانياً للحصول على الشرعية، خصوصاً عبر التقرّب من دول الخليج العربي والولايات المتحدة ودول الغرب. وعوَّلت على هذا الخارج في تعزيز حكمها، وفي حلّ بعض مشكلاتها المالية آنياً، كذلك على وساطة الدول العربية لرفع العقوبات الأميركية عنها. وقد ساعدتها تلك السياسة في إنهاء عزلة البلاد عن الخارج، وفي الاندماج في النظام الدولي شيئاً فشيئاً، والتفاوض مع الصناديق الدولية والمموّلين للحصول على القروض والمساعدات، وجلب الاستثمارات من أجل عملية النهوض، بعد 14 عاماً من الحرب والدمار وضعضعة بنية المجتمع السوري.

وفي المقابل، عانى الداخل إهمالاً واضحاً لمصلحة الاهتمام بالخارج، ولم تستطع السلطة التوفيق بين المسارَين، من أجل تسويق نفسها خارجياً، وحلّ المشكلات الداخلية، والبتّ في الملفاّت العالقة. ومن تلك الملفّات ما يتعلّق بالقضايا المصيرية من قَبيل موضوع التسوية السياسية لتحقيق الاستقرار الأمني عبر الانتهاء من ظاهرة السلاح المتفلت، والانتهاء من ملفّ اندماج الفصائل المسلّحة في الجيش وقوى الأمن الداخلي. كذلك ملفّ العدالة الانتقالية لحلّ مشكلة السجناء والمعتقلين والمغيّبين، ووقف الانتهاكات بحقّ الأقليات والتحريض الطائفي والعنصري، وتدعيمه بالعمل على ملفّ المصالحة الوطنية. ولا تقلّ عن تلك المهمات ضرورةً مهمة إكمال تأسيس مجلس النواب، والتحضير لصياغة دستور دائم، والشروع بقضية الإصلاح الإداري والاقتصادي ومكافحة الفساد.

لقد أجَّلت السلطة موضوع تأسيس جيشٍ قويٍّ ومحترف طوال الفترة الماضية، يكفل انخراط جميع أبناء الشعب السوري، من كافة الأطياف الدينية والقوميات فيه، ويتبنّى استراتيجية دفاعية واضحة تستجيب للتحّديات. ولم تستغل السلطة فرصة الاحتضان الكبير الذي تلقته من الدول العربية، فلم تسارع في إنهاء مهمة حلّ الفصائل المسلحّة لإدماجها في ذلك الجيش، ليكون بإمكان تلك الدول تقديم المشورة والمساعدة في إعادة تأسيسه. وقد جاء اليوم الذي ظهر فيه مدى خطأ التأخّر في إتمام هذه المهمة، مع هذه الحرب المتوقّع لها أن تستمرّ فترة أطول، وأن تتّسع أكثر فتنخرط فيها دول عربية، وربّما قوى إقليمية. وإذا حصل هذا الأمر، فلا يمكن استبعاد حصول قلاقل في دول الجوار السوري، العراق ولبنان، وبالتالي التأثير في الداخل السوري، وربّما عودة الحركات التي كانت تنادي بالانفصال، في شرقي البلاد وجنوبها، وأيضاً في الساحل، إلى محاولة العمل على تحقيق حلمها، مستغلّةً الانشغال الأميركي والدول العربية بالحرب، وحال الفوضى التي يمكن أن تسود في إيران خصوصاً.

أهملت السلطة الملفّ الاقتصادي لدرجة كبيرة وغير متوقّعة، وفي هذا السياق لم تتبنَ سياسةً واضحةً لإصلاح هذا القطاع وإعادة بناء مقوّماته من صناعة وتجارة وزراعة. كما لم تعتمد نهجاً اقتصادياً واضحاً لإدارته، فهي تعمل تارّةً في تعزيز القطاع العام وتزيد نسبة العاملين عبر تعيينات جديدة بلا مسابقات أو إعلانات توظيف. ما يعطي انطباعاً أنها ستستمرّ في تبنّي خيار القطاع العام، قطاعاً أساسياً في البلاد. وتارّةً أخرى تعمل في إيقاف عدة مؤسّسات إنتاجية عن العمل وتسريح عمالها، عملاً بنهج اقتصاد السوق وبيع قطاع الدولة. وكانت قد أظهرت مُبكِّراً وبالممارسة سعيها لتبنّي هذا النهج عبر رفع الدعم عن السلع الأساسية والخبز والمحروقات، إضافة إلى رفع تعرفة الكهرباء عشرات الأضعاف.

وإذا كانت ستظهر بعض التداعيات بسبب إهمال تلك الملفّات، خصوصاً الملفّ الاقتصادي، فإنّ تلك التداعيات ستتضاعف مع الحرب الجارية، وستتفاقم أكثر إذا ما تفاقمت الحرب وتوسّعت واستمرّت فترةً طويلة. فالحكومة التي لم تبدأ في مشروع الإصلاح الاقتصادي، ستجد نفسها وحيدةً تواجه التحديات المعيشية نتيجة إهمال هذه القضية أولاً، وإمكانية انقطاع المساعدات من الدول العربية ودول أخرى بسبب الحرب. وسط هذه المخاوف، تكوَّن إحساسٌ لدى فئة واسعة من أبناء الشعب أن الحكومة تسعى لوقف المؤسّسات الإنتاجية، ربّما بسبب العجز عن إصلاحها، واللجوء إلى البديل المتمثّل في الاستيراد. وتكرَّس هذا الشعور مع انتشار الأنباء على نطاق واسع حول إيقاف معمل تاميكو عن العمل وإغلاقه، وهو المؤسّسة الكبيرة التي كان يقع على عاتقها مهمة صناعة النسبة الأكبر من الدواء في البلاد. وكانت قبل ذلك أوقفت معمل الغزل والنسيج في جبلة وسرّحت عماله، وهي خطوة اتسمت بالغموض وغياب المبرّرات.

في ظلّ هذه المعطيات، وما يمكن أن يستجدّ من معطيات أخرى غير متوقّعة بسبب الحرب، تحتاج السلطة في دمشق لأن تراجع خياراتها كافّة، وأن تبتّ في جميع الملفّات التي يمكنها البتّ بها. فهي لا تمتلك رفاهية الوقت، كما أن التحدّيات تحتّم عليها سرعة اتخاذ القرار والبدء أولاً بالتصالح مع شعبها الذي أهملت قضاياه فظهرت طوابير الخبز والغاز في مختلف المدن، على سبيل المثال، نتيجة ذلك الإهمال. فخطوة تحصين الداخل تبدأ بالإنسان، ولأنّ دول كثيرة، أهملتها نتيجة رفضها تحقيق مطالب أبناء شعبها، أصابتها الهشاشة وبدت ضعيفةً وقابلةً للانكسار عند أول عاصفة، أقلّ قوةً من العاصفة التي تضرب منطقتنا هذه الأيام.

العربي الجديد

—————————

سوريا والحرب في إيران… تضامن عربي صريح وإجراءات فورية لحماية الحدود/ صبحي فرنجية

مواجهة مباشرة مع أذرع إيران في المنطقة

04 مارس 2026

تتعامل الحكومة السورية بحذر شديد مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي انطلقت يوم السبت 28 فبراير/شباط الفائت، هذا الحذر تُرجم بإجراءات أمنية مكثفة في المناطق الحدودية مع العراق ولبنان، وعبر اتصالات مكثفة أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني مع قادة الدول العربية ودول الجوار.

الحكومة السورية سمعت أكثر من مرّة رسائل حول تصعيد كبير في المنطقة من جانب المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، هذه الرسائل كانت في سياق ضرورة التوصل مع “قسد” إلى اتفاق وإنهاء حالة التشرذم الجغرافي شرق الفرات. الجانب الأميركي أكد عدّة مرات للحكومة السورية وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي أن المنطقة مقبلة على حرب كبيرة، وأن واشنطن لا تريد لسوريا أن تكون منطلق فوضى تعقّد تلك الحرب أو تؤثر على سرعة واشنطن في تحقيق أهدافها.

وبحسب معلومات “المجلة”، فإن قادة في الحكومة السورية استشعروا قرب الحرب مع انسحاب القوات الأميركية من سوريا نحو العراق، ونقل مساجين “داعش” من السجون السورية إلى سجون في العراق. الإجراءات السريعة التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية تعكس قلق واشنطن من أن تتعرض قواعدها في سوريا لهجمات توقع في صفوف قواتها ضحايا وأن تسبب حالة الفوضى فراغاً أمنياً يسمح للميليشيات الإيرانية أو “داعش” بالتمدد أكثر في المنطقة، وذلك في ظل الضعف العسكري الجوي (القدرة على الاعتراض) لدى الحكومة السورية، التي فقدت غالبية قدراتها العسكرية نتيجة مئات الغارات الإسرائيلية على المواقع العسكرية السورية خلال الأيام الأولى من سقوط نظام الأسد.

إضافة إلى أن سوريا لم تكن تملك أي قدرات متقدمة قادرة على اعتراض الصواريخ والهجمات الإيرانية، كما أن إمكانية وجود خلايا تابعة لإيران في الأراضي السورية زاد مخاوف واشنطن من تعرض قواتها لهجمات من داخل الأراضي السورية ومن مسافة قريبة.

ومع قيام إيران توسيع ساحة الحرب، من خلال دفع الميليشيات التابعة لها في العراق للمشاركة في تنفيذ هجمات ضد القواعد الأميركية في العراق وأربيل، وبدء طهران استهداف دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، قامت الحكومة السورية بإجراءات احترازية في المناطق الحدودية فورا، إضافة إلى إعلانها الوقوف مع الدول العربية وإدانة الهجمات الإيرانية لهم، وجاء ذلك بشكل صريح في بيان وزارة الخارجية السورية يوم السبت 28 فبراير/شباط الماضي، الذي أكدت فيه إدانتها الشديدة “الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت سيادة وأمن كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودلة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية”، مضيفة أن سوريا “تعرب عن تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات”.

معلومات “المجلة” تقول إن الحكومة السورية أكدت لكل من العراق، ولبنان، وكردستان العراق، أن الحكومة السورية أرسلت تعزيزات إلى المناطق الحدودية مع العراق ولبنان لضبط الأمن، وأن سوريا لن تدخر أي جهد لوقف أي عملية نقل سلاح أو مقاتلين عبر أراضيها، وشددت الحكومة السورية أن سوريا لا تريد أن يتم استخدام أراضيها لتنفيذ أي اعتداءات.

تحشيدات على الحدود لمنع تحولها لممر دعم

بدأت الحكومة السورية يوم السبت 28 فبراير/شباط إرسال تعزيزات إلى الحدود السورية-اللبنانية، والحدود السورية-العراقية، التعزيزات بدأت بإرسال مجموعات من وزارتي الدفاع والداخلية إلى الحدود مع لبنان، والتعليمات كانت واضحة، ضبط الحدود، ومنع أي عملية تهريب للسلاح أو الأشخاص من سوريا إلى لبنان والعكس.

المخاوف السورية تأتي من إمكانية وصول أسلحة مخبأة في سوريا لـ”حزب الله” اللبناني عبر الحدود، أو أسلحة من “الحزب” إلى مجموعات تعمل معه في سوريا بهدف شن هجمات من الأراضي السورية نحو إسرائيل أو القواعد الأميركية. كما تجلت المخاوف السورية من تهريب سوريين يتعاملون مع “حزب الله” إلى لبنان للانضمام إلى “الحزب” في عمليات قتالية محتملة في حال تطورت الحرب في لبنان بين “حزب الله” اللبناني وإسرائيل.

رويترز رويترز

سوريون مقيمون في لبنان ينتظرون أمام إدارة الهجرة والجوازات التابعة لوزارة الداخلية، على الحدود السورية اللبنانية، أثناء عودتهم إلى سوريا بعد بدء الحرب بين حزب الله واسرائيل، في 3 مارس 2026

مصادر أمنية أكدت لـ”المجلة” أنه على الرغم من صعوبة ضبط الحدود، فإن الحكومة السورية خلال الأيام الثلاثة الأولى أرسلت آلاف العناصر إلى المناطق الحدودية، وأسلحة دفاعية لمنع أي محاولات لـ”حزب الله” باستخدام الحدود لزعزعة الأمن وزج سوريا في دوامة الحرب القائمة. كما فعّلت وزارتي الدفاع والداخلية الجاهزية القصوى، وعززت وجودها في الجنوب السوري من الناحية الأمنية والاستخباراتية لمنع استغلال المنطقة القريبة من إسرائيل لشن هجمات من شأنها إدخال سوريا في حالة من الحرب والفوضى التي لا تخدم سعي الحكومة لضبط الأمن والاستقرار.

على الحدود العراقية كانت وتيرة وصول التعزيزات أقل خلال الأيام الماضية، وذلك لأن المنطقة في الأصل تكتظ بقوات الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التي تم استقدامها في سياق ضبط الأمن ومحاربة خلايا “داعش”، مهمة هذه القوات اليوم مركبة، هي تتابع وتواجه خلايا “داعش” وتفكك قدراته، وتحرس الحدود السورية-العراقية لمنع تسلل الميليشيات العراقية التابعة لإيران، أو محاولة إدخال أسلحة للخلايا في سوريا أو محاولة تمريرها إلى “حزب الله” اللبناني. وبحسب معلومات “المجلة” فإن التنسيق الأمني تم تكثيفه بين الحكومات السورية والعراقية واللبنانية، كما أن عمليات التبادل الاستخباراتي بين الأطراف زادت خلال الأيام الماضية في محاولة لمنع التصعيد أكثر في المنطقة، خصوصا وأن إيران تعتمد على الفوضى للضغط على المجتمع الدولي لإنهاء الهجمات الأميركية-الإسرائيلية عليها.

مجموعة “المقاومة الإسلامية في سوريا-أولي البأس”، التي تنشط في الجنوب السوري بشكل رئيس، أعلنت يوم السبت 28 فبراير/شباط أنها لن تقف مكتوفة الأيدي، ودعت “المقاومين والشرفاء في كل مكان إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية… كل وفق موقعه وإمكاناته، وباجتهاد شخصي وواع، والتنسيق مع الفعاليات والمرجعيات العليا حين توفر الإمكانية”، هذا الإعلان والدعوة يدلان على رغبة المجموعات التابعة لإيران في خلق فوضى كبيرة من خلال ترك الأمر وطبيعة التحرك للأفراد والمجموعات. المجموعة نفسها تبنّت يوم الاثنين 2  مارس/آذار هجوما على قاعدة الشدادي التي أخلتها القوات الأميركية قبل أسابيع، الهجوم رغم أنه لم يكن استهدافا مباشرا للمصالح الأميركية، فإنه يأتي في سياق محاولة المجموعة تشجيع أي شخص أو مجموعة تعمل وتخدم المصالح الإيرانية في سوريا للتحرك.

عامل آخر يشير إلى أن الميليشيات التابعة لإيران تريد زجّ المنطقة في حالة فوضى، وهو عودة اسم “المقاومة الإسلامية في العراق” إلى الواجهة بعد خمود لأكثر من عام، هذه المجموعة يغلب الظن أنها مظلّة وهمية أو غرفة عمليات وهمية، الهدف منها تبنى أي هجوم يتم من قبل المجموعات المنظمة وغير المنظمة في العراق، وذلك في سبيل عدم تعريض هذه المجموعات للخطر في حال تبنّت الهجمات باسمها الحقيقي. في سوريا خلال السنوات الماضية كانت هناك غرفتان لتبني الهجمات ضد قواعد التحالف الدولي و”قسد”، المجموعتان هما “المقاومة الشعبية” و”المقاومة الإسلامية”، ونشطت بياناتها في الفترة التي شهدت توترا واشتباكات بين العشائر العربية و”قسد” والتي اندلعت بعد اعتقال “قسد” لرئيس مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل (أبو خولة) في أغسطس/آب عام 2023. وقد تكون مجموعة “المقاومة الإسلامية في سويا-أولي البأس” هي المظلة الجديدة لتبني أي هجمات قد ينفذها الأفراد الذين ما زالوا على تواصل مع الميليشيات الإيرانية في العراق ولبنان، إضافة إلى الهجمات التي يمكن أن تنفذها المجموعة نفسها.  

الحكومة السورية تدرك المرحلة الصعبة التي تمر بالمنطقة، وتتعامل بحذر معها ميدانيا، وتقف مع الدول العربية سياسيا في مواجهة العدوان الإيراني عليها، إلا أنه وفي الوقت نفسه تدرس كل الخيارات العسكرية والأمنية في حال تعقدت الحرب أكثر، وبدأت أذرع إيران بتشكيل تهديد مباشر على سوريا وأمنها في محاولة لزجّ سوريا في نار الحرب الحاصلة. ويبقى السؤال الأبرز في المرحلة القادمة هو هل ستبقى مهمة التحشيدات السورية على الحدود السورية العراقية واللبنانية محصورة في حفظ الحدود، أم إنها قد تتحول في مرحلة ما إلى مهمة الدفاع عن أمن سوريا في مواجهة مباشرة مع أذرع إيران في المنطقة؟

المجلة

——————————

 ما بعد إيران.. هندسة الهيمنة الإسرائيلية وصراع التوازن على مستقبل الشرق الأوسط/ عدي محمد الضاهر

2026.03.05

مع تصاعد المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران، لم يعد المشهد الإقليمي كما كان خلال العقدين الماضيين. الحرب الجديدة لا يمكن فهمها باعتبارها جولة عسكرية منفصلة، بل بوصفها محطة مفصلية في مشروع أوسع لإعادة صياغة البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط. فعندما يتحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن شرق أوسط جديد، فهو لا يشير إلى ترتيبات أمنية ظرفية أو محددة المدة، بل إلى تصور استراتيجي طويل المدى يهدف إلى تثبيت إسرائيل كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية.

وفي هذا السياق، فإن إضعاف إيران أو تحييدها لا يمثل الهدف النهائي بقدر ما يشكل خطوة تأسيسية في مسار أوسع عنوانه: إدارة الإقليم من موقع التفوق.

العقيدة الأمنية للكيان الإسرائيلي

طوال السنوات الماضية، شكّلت إيران العمود الفقري لخطاب التهديد في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. البرنامج النووي، شبكة الحلفاء الممتدة من العراق إلى لبنان، والتموضع في سوريا، كلها عناصر صيغت باعتبارها خطراً وجودياً. لكن في حال انتهت الحرب الحالية في تفكيك هذا النفوذ بالكامل، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام واقع استراتيجي جديد: غياب المنافس الإقليمي المباشر يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المنطقة على أسس مختلفة. فهنا لن يكون السؤال: كيف نردع إيران أو دولة معينة بل كيف نمنع ظهور قوة بديلة تعلمت كيف تبني محوراً وتملأ الفراغ؟ لأن وفق نظرية التوازن في العلاقات الدولية يجب أن يكون هناك دوماً قوى متوازنة تمنع هيمنة كاملة لأحد الأطراف على حساب الإقليم ، وهنا يبقى سؤال العقيدة الأمنية الجديدة في كيف نرسّخ واقعاً تصبح فيه إسرائيل المرجعية الأمنية والاقتصادية شبه الوحيدة أو القوة التي تدير زمام الأمور في المنطقة.

في هذا الإطار، يمكن فهم الاستراتيجية الإسرائيلية بوصفها قائمة على معادلة مزدوجة: التهديد بالعصا وإظهار إرادة التقارب في الوقت نفسه، العصا تتمثل في تكريس صورة التفوق العسكري المطلق، والقدرة على الوصول إلى العمق الاستراتيجي والقيادي للخصوم ، والعمل بحرية في المجالات الجوية والسيبرانية والاستخباراتية، الرسالة الضمنية الان لن تكون موجهة لإيران فقط، بل إلى كل دولة قد تفكر مستقبلاً في بناء مشروع قوة إقليمي مستقل؛ سواء كانت تركيا، أو مصر، أو حتى أي قوة خليجية تتغير حساباتها، فهي تحاول تثبيت قناعة بأن كلفة التحدي ستكون أعلى من أي مكسب محتمل.

لكن العصا وحدها لا تكفي لبناء نظام إقليمي مستقر. لذلك ترافقها سياسة الجزرة، أي توسيع شبكة الشراكات الاقتصادية والأمنية. منذ توقيع ما عُرف بـ اتفاقات أبراهام ، دخلت إسرائيل في مرحلة جديدة من العلاقات مع عدد من الدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة البحرين والمغرب ، هذه الاتفاقيات لم تكن مجرد اعتراف دبلوماسي، بل كانت بداية لبناء شبكة اعتماد متبادل في مجالات التكنولوجيا والأمن والطاقة والاستثمار. ومع الحديث عن مشاريع كبرى مثل ممر” الهند _الشرق الأوسط _أوروبا “، يتضح أن الرؤية تتجاوز السياسة إلى هندسة اقتصادية تعيد ربط الممرات التجارية واللوجستية بطريقة تجعل إسرائيل عقدة مركزية فيها.

الدور الإيراني

إذا انتهت إيران كقوة إقليمية مؤثرة، فإن إسرائيل قد تسعى إلى ملء الفراغ عبر ثلاثة مسارات متوازية. أولها منع أي محور بديل من التشكل، خصوصاً إذا كان قائماً على شراكة عربية–تركية يمكن أن تعيد إنتاج توازن قوى جديد. ثانيها تحييد الجغرافيا السورية نهائياً ومنع تحولها إلى نقطة وصل استراتيجية بين أنقرة والعالم العربي. وثالثها إعادة تعريف مفهوم الاستقرار في المنطقة بحيث يصبح مرادفاً للانخراط في المنظومة التي تقودها إسرائيل، لا لمعادلتها أو منازعتها.

لكن الشاهد أن إيران على امتداد ما يقارب خمسة عقود منذ عام 1979، بَنت سياستها الإقليمية على منطق التمدد عبر الهويات الطائفية أكثر من بنائها على تحالفات وطنية عابرة للانقسامات. فشبكات النفوذ التي تشكلت في كل من سوريا والعراق، اليمن ولبنان لم تقم على مشروع تحرري جامع، بل على هندسة توازنات داخلية قائمة على الولاءات المذهبية، ما أدى في كثير من الحالات إلى تعميق الانقسامات المجتمعية وإضعاف بنية الدولة الوطنية، ورغم الخطاب الرسمي الذي قدّم القضية الفلسطينية بوصفها محوراً مركزياً في السياسة الخارجية الإيرانية، فإن اللافت بأن طهران لم تخض مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، في حين أن الحروب التقليدية الكبرى ضد إسرائيل كانت بقيادة دول عربية.

هذا لا يعني غياب التوتر أو الصراع غير المباشر بين الطرفين، لكنه يشير إلى أن العلاقة اتخذت في جوهرها طابع صراع مصالح وتوازن نفوذ أكثر من كونها مواجهة مبدئية شاملة. وبناءً على ذلك، فإن توظيف القضية الفلسطينية في سياق صراعات إقليمية أوسع أسهم في تحويلها إلى أداة ضمن لعبة توازنات أو كسب تعاطف الشعوب المقهورة . إن قراءة هذه الوقائع بعين عقلانية تقتضي الفصل بين الشعارات والنتائج الفعلية، وتقديم مصالح الدول العربية واستقرارها ووحدة مجتمعاتها على أي اصطفاف أيديولوجي أو طائفي، لأن استمرار الحروب بالوكالة واستدعاء الانقسامات المذهبية لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من التفكك، في حين أن بناء مشروع عربي قائم على السيادة والتنمية والتكامل الإقليمي يظل الخيار الأكثر انسجاماً مع متطلبات الأمن والاستقرار طويلَي المدى.

محاولة بناء النظام الجديد

في السياق الأمني الإسرائيلي قد تتحول السياسة الإسرائيلية من التركيز على العدو الواضح إلى إدارة شبكة معقدة من التوازنات الدقيقة. من ينخرط في النظام الجديد يحصل على التكنولوجيا والاستثمار والدعم الأمني، ومن يخرج عنه يجد نفسه معزولاً أو موصوماً بتهديد الاستقرار. هذا النوع من الردع البنيوي أخطر من الردع العسكري المباشر، لأنه يغيّر قواعد اللعبة من جذورها ويجعل المعارضة مكلفة اقتصادياً وسياسياً قبل أن تكون مكلفة عسكرياً.

غير أن هذا السيناريو يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمستقبل التوازن الإقليمي. فاختفاء إيران أو تراجعها لا يعني تلقائياً استقراراً دائماً، بل قد يؤدي إلى اختلال عميق في موازين القوى إذا تحولت إسرائيل إلى القوة شبه الوحيدة المتفوقة عسكرياً وتكنولوجياً بلا موازن فعلي. التاريخ الإقليمي في النظام الدولي يبين أن الأحادية المفرطة نادراً ما تنتج استقراراً طويل الأمد، بل غالباً ما تخلق ردود فعل مؤجلة تتخذ أشكالاً غير تقليدية أي حروب جديدة مؤجلة.

من هنا تبرز فكرة محور عربي–تركي قوي، لا باعتباره مشروع مواجهة أيديولوجية، بل كإطار توازن استراتيجي يحول دون انزلاق المنطقة إلى نظام أحادي. هذا المحور، إذا قام على أسس براغماتية، يمكن أن يجمع بين العمق العربي الديمغرافي والاقتصادي وبين القدرات العسكرية والصناعية التركية، ليشكل كتلة توازن تمنع احتكار تعريف الأمن والاستقرار من طرف واحد. كما يمكن أن يعيد الاعتبار لمفهوم الاستقلالية الاستراتيجية، بحيث لا تكون خيارات المنطقة محصورة بين الانخراط الكامل في منظومة تقودها إسرائيل أو البقاء في حالة عزلة وهشاشة وتشتت.

في النهاية، ما بعد الحرب مع إيران قد يكون أخطر من الحرب نفسها. فإذا كانت المواجهة العسكرية تحدد موازين القوة الظاهرة، فإن المرحلة اللاحقة ستحدد شكل النظام الإقليمي لعقود قادمة. إسرائيل تسعى، وفق هذا المنظور، إلى تثبيت معادلة تقول إن من يقترب يربح ومن يعارض يخسر، وإن الأمن الإقليمي يمر عبر بوابتها. والسؤال المطروح أمام الدول العربية وتركيا ليس فقط كيف تتعامل مع نتائج الحرب، بل كيف تبني توازناً يمنع الهيمنة من دون أن يدفع المنطقة إلى فوضى جديدة. لأن الشرق الأوسط، في لحظات التحول الكبرى، لا يعاقب المترددين فقط، بل يعيد تشكيلهم وفق إرادة الأقوى إن لم يملكوا مشروعاً موازناً وواضح المعالم.

تلفزيون سوريا

—————————-

إيران بين زلزال الاغتيال وهندسة الخلافة/ حسن فحص

05 مارس ,2026

عملية اغتيال المرشد الأعلى للنظام الإيراني علي خامنئي السبت الماضي، 28 فبراير (شباط)، لم تطرح فقط إشكال الشخصية التي ستتولى هذا الموقع لتكون خليفته والزعيم الثالث للنظام والثورة، بل طرحت أيضاً مستقبل النظام واستمراره، بخاصة مع الحرب التي بدأت بين النظام من جهة والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، مع هدف واضح ومعلن وهو القضاء على النظام، بغض النظر عن النتائج التي قد تنتهي إليها هذه العملية بتفكيك إيران أو بقائها موحدة تحت قيادة جديدة ومختلفة وأكثر تعاوناً مع رغبات وإرادة واشنطن وشروط تل أبيب.

وعلى رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها منظومة السلطة التي تقود وتسيطر على المشهد السياسي لأكثر من أربعة عقود، وحجم التهديد الذي تعيشه جراء الحرب الأميركية – الإسرائيلية المفتوحة على كل الاحتمالات السيئة والخطرة، لكنها تحاول الإيحاء بأنها لا تزال قادرة على السيطرة والتحكم باتجاهات الأمور والأحداث والتطورات نحو الهدف الذي تريده أو تخطط له، ولا تزال تمارس قبضة حديدية على الداخل والشارع السياسي في ما يشبه آليات عمل حكومة الطوارئ أو الأحكام العرفية، من دون أن تعلن ذلك.

الاستنفار الداخلي الذي فرضته السلطة والمؤسسة الأمنية والعسكرية، والإجراءات والتحركات التي تقوم بها أو تعمل على توجيهها بين قواعدها الشعبية، تكشف عن عمق الأزمة التي تعيش فيها وحجم التهديد الذي تشعر به، وأن أي تساهل في الداخل قد يرتد عليها ويضعها في موقف يفرض عليها التراجع وتقديم تنازلات لا تريدها أو تقبل بها، ولعل رد الفعل الأول الذي يعبّر عن هذه المخاوف هو الإجراءات الميدانية التي لجأت إليها ما بعد إعلان مقتل المرشد الأعلى فجر يوم الأحد، أي بعد مرور نحو 20 ساعة على اغتياله، فعمدت إلى استغلال الحال العاطفية ذات المنطلقات الوطنية والإيرانية المحضة، وفتحت المجال أمام هذه الجماعات للخروج إلى الشارع للتعبير عن غضبتهم ضد الاغتيال، لكن الخطوة التالية كانت الأهم من خلال دفع الجماعات المؤيدة لها إلى النزول يومياً وفي الليل إلى الساحات والبقاء فيها حتى الصباح، بهدف قطع الطريق على الشرائح والجماعات المعارضة أو الرافضة للنظام والمنظومة الحاكمة، التي أظهرت حالاً من الفرح بمقتل المرشد، من السيطرة على أي من الساحات في العاصمة طهران أو المدن الرئيسة والكبيرة، وكي لا تتحول إلى مركز اعتراض قد يجبرها على توزيع وتقسيم اهتماماتها بين المعركة التي تخوضها مع واشنطن وتل أبيب، وبين الخطر الداخلي الذي قد يتحول إلى موجة عارمة تهدد وجوده، لتتضافر مع الضغوط العسكرية وتؤدي إلى الإطاحة بكل المنظومة.

وعلى خط مواز لجأت المؤسسة الأمنية والعسكرية، ضمن الخطة الإستراتيجية التي سبق أن أشرف على وضعها المرشد بعد حرب يونيو (حزيران) 2025، وأعطى فيها حرية العمل لكل المجموعات للعمل بما يتناسب مع الأوضاع التي تواجهها في مناطق سيطرتها، عمدت هذه المؤسسة إلى تقسيم إيران لبؤر تعمل على تنفيذ هذه الإستراتيجية في كل المدن والمحافظات الإيرانية، من أجل التصدي لأي حراك شعبي أو أمني قد يخرج هذه المدن من سيطرة النظام ويفتح الطريق أمام فوضى أمنية وسياسية، فقد تتحول إلى مدخل لضرب النظام وإضعاف سيطرته وبالتالي القضاء عليه.

وقد يكون تفعيل العمل بهذه الخطة نجح إلى حد ما في المناطق الداخلية، في ظل ما تقوم به الطائرات الأميركية والإسرائيلية من استهداف منظم ومدروس لكل مراكز الشرطة والمقار والثكنات العسكرية، لكن الأمور في بعض المحافظات الحدودية لا تسير كما تريد هذه المنظومة، في ظل ما يجري الحديث عنه من خروج المحافظات الغربية ذات الغالبية الكردية عن السيطرة نتيجة التحرك الذي تقوم بها الأحزاب الكردية الانفصالية، مدعومة من واشنطن وتل أبيب.

وقد لا يكون الهدف الأميركي الدفع باتجاه تجزئة إيران أو تفكيكها بعد انهيار النظام كما ترغب تل أبيب، بل تحويل إيران وجغرافيتها إلى ساحة من الصراعات والقتال وانعدام الأمن والاستقرار، مما يعني أن واشنطن قد لا تدعم الذهاب إلى إنشاء كيان كردي مستقل داخل الجغرافيا الإيرانية، على غرار ما هو موجود في العراق وإقليم كردستان، ومن المرجح أن يكون السبب في استبعاد هذا الخيار رغبة واشنطن في عدم استفزاز صديقها التركي، وأيضاً من أجل الحفاظ على وحدة الأراضي السورية التي تدار الآن من قبل سلطة لا تعارض إرادتها، وسبق أن قدمت لها ولأنقرة هدية ثمينة بتخليها عن جماعات “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية (قسد).

وأمام هذه التعقيدات وما يكمن أن تقود إليه من تحديات وجودية للنظام، والتي يضاف إليها التردي الحاصل في علاقات النظام الإقليمية وبخاصة مع الجوار العربي – الخليجي، بعد أن ذهبت المؤسسة العسكرية نحو توسيع دائرة المواجهة لتشمل مصالح وأمن واستقرار هذه الدول، فإن التحدي الأكثر خطورة والذي قد يشكل مؤشراً على مستقبل النظام، يكمن في قدرته على تجاوز استحقاق انتخاب مرشد جديد يتولى عملية إخراج النظام من النفق الذي أدخل نفسه فيه، ويكون قادراً على ترميم علاقات إيران بمحيطها أولاً، ثم يعمل على إعادة فتح حوار مع واشنطن بما يساعده في الحفاظ على إيران من جهة، ويكون باستطاعته تقديم صورة جديدة للشارع الشعبي الداخلي، وتهدئته كمدخل لاستعادة الاستقرار من جهة أخرى.

*نقلاً عن “إندبندنت” عربية.

———————————–

تداعيات سقوط إيران وتغول إسرئيل أخطر من الحرب/ إبراهيم مصطفى

الشرق الأوسط يترقب مجريات ونتائج الصراع والسيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات

الخميس 5 مارس 2026

التوترات التي تتصاعد في كل لحظة فتحت باب التساؤل حول تداعيات الحرب على الشرق الأوسط، وشكل المنطقة بعد الحرب… فماذا ينتظر الشرق الأوسط؟

على جمر الحرب في إيران تسير منطقة الشرق الأوسط، وسط ضبابية المشهد المتوتر الذي يختلف المراقبون حول مداه وموعد نهايته، لكن يتفق الكل على أن نتائج المعركة الصاروخية الحالية “ستعيد رسم الخريطة السياسية للإقليم”، بخاصة إذا أسقطت صواريخ إسرائيل والولايات المتحدة النظام الإيراني، الذي يرتبط بشبكة من الجماعات المسلحة المؤثرة في دول أخرى بالمنطقة العربية.

وعلى رغم تسارع الأحداث في اليوم الأول للحرب، التي بلغت ذروتها بالاغتيال السريع والصادم للمرشد الإيراني علي خامنئي، فإن الهدف الأميركي النهائي للحرب يبدو غير واضح حتى الآن، ففي الساعات الأولى للحرب قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن العمليات قد تمتد أياماً، لكنه في اليوم الثالث توقع أن تمتد 4 أو 5 أسابيع وربما أكثر، ولم يستبعد الاستعانة بقوات برية.

وبينما حمل الخطاب الأميركي في بداية الضربات حديثاً عن “لحظة الحرية” للشعب الإيراني ودعوة الحرس الثوري لإلقاء السلاح، في ما بدا أنه عزم على تغيير النظام، لكن وزير الدفاع بيت هيغسيث قال لاحقاً إن الحرب ليست لتغيير النظام، وهو ما بدا أنه تضارب في الرواية الأميركية أو على الأقل إبقاء لكل الاحتمالات مفتوحة.

أما إيران فتبنت سردية الثأر لدماء المرشد، وأعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أن طهران استعدت لحرب طويلة، وستواصل القتال مهما كانت الكلفة، وذلك على رغم تواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية، التي لم تصل إلى ذروتها بعد، وفق ترمب الذي أنذر إيران في تصريحات صحافية بأن “الضربة الكبيرة قادمة قريباً”.

على الصعيد الإقليمي، جاء دخول “حزب الله” على خط الأزمة ليضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد، إذ لم تتأخر إسرائيل في الرد على الصواريخ التي أطلقها من جنوب لبنان “ثأراً” للمرشد الإيراني، بحسب بيان الحزب، وهو ما وسّع نطاق الصراع وما تبعه من حدوث تدخل بري إسرائيلي في الأراضي اللبنانية، على رغم محاولة حكومة نواف سلام احتواء التداعيات وسد ذرائع إسرائيل بإقرار حظر أنشطة “حزب الله” العسكرية. كذلك، توسّعت الحرب بإعلان فصائل عراقية تنفيذ 28 عملية استهداف للقواعد الأميركية في العراق والمنطقة.

هل تتحول إيران إلى “ثقب أسود” للفوضى؟

التوترات التي تتصاعد في كل لحظة فتحت باب التساؤل حول تداعيات الحرب على الشرق الأوسط، وشكل المنطقة بعد الحرب، إذ يرى مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير أيمن زين الدين أن الإجابة تعتمد كلياً على سيناريو نهاية الصراع في إيران، وما إذا كان سيؤدي إلى تفكك الدولة وانهيارها أم بقائها ككيان متماسك قادر على إدارة شؤونه.

وقال زين الدين لـ”اندبندنت عربية” إن بقاء الدولة الإيرانية يطرح تساؤلاً حول طبيعة مشروعها السياسي المقبل، وهل سيكون استمراراً للصيغة الحالية أم نموذجاً جديداً مشتقاً عنها؟ محذراً من أن تحوّل إيران إلى حالة من الفوضى سيخلق “ثقباً أسود” يؤثر بقوة في محيطه الإقليمي نظراً إلى مساحتها ونفوذها. مؤكداً أن طهران بعد أحداث السابع من أكتوبر، وانهيار جبهات حلفائها وسقوط نظام الأسد لم تعد كما كانت، وستضطر للتركيز على ترتيب أوضاعها الداخلية وأزماتها الاقتصادية.

ومع تأرجح مصير النظام الإيراني بين احتمالات البقاء أو السقوط، يبرز السؤال حول السيناريو الذي يفيد الدول العربية، وهنا يشير الدبلوماسي المصري السابق إلى وجود انقسام في تقدير الموقف، فبينما يرى البعض في سقوط النظام الإيراني “مصلحة عربية لإنهاء طموحاته”، يرى آخرون أن إيران مثلت “عنصراً في توازن القوى حدّ من الاندفاع الإسرائيلي”. وأعرب زين الدين عن قناعته الشخصية بأن إسرائيل تمثل الخطر الأكبر على الأمن القومي العربي، وأن غياب التحديات أمامها قد يضاعف أطماعها في الأراضي والموارد العربية، مؤكداً أن الوضع الأمثل للدول العربية حالياً هو العمل على امتلاك قدرة ذاتية لحماية أمنها القومي في مواجهة إيران وإسرائيل معاً، بخاصة أن المؤشرات الحالية لا تدعو إلى التفاؤل تجاه إسرائيل.

وعلى رغم ميل موازين القوة بشدة لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن إيران تراهن على “النفس الطويل”، بينما لا يبدو أن ترمب يملك الصبر على خوض معركة طويلة الأمد، فيما يبدو بنيامين نتنياهو معنياً أكثر بالاستمرار حتى تغيير النظام وتغيير وجه المنطقة، بحسب رأي رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، خالد شنيكات.

ويطرح الأكاديمي الأردني، في تصريحاته لـ”اندبندنت عربية”، سيناريو انتهاء الحرب بتسوية ما تضمن بعض المصالح الإيرانية من دون تغيير النظام في طهران، وفي هذه الحالة سيبقى الإقليم على حاله، بوجود قوى مثل إيران وتركيا وهو ما يحد من التغول الإسرائيلي.

أما في حال هزيمة إيران في الحرب الحالية، فيتوقع شنيكات أن تقع المنطقة تحت السيطرة المطلقة للأجندة الإسرائيلية، معتبراً أن وجود قوى مثل إيران وتركيا يؤدي إلى حالة من توازن القوى المطلوب في الإقليم، لأن رؤية تل أبيب لما يسمّى بإسرائيل الكبرى أصبح يتكرر، ليس على لسان متطرفين خارج الحكومة، بل من صناع القرار مثل نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، وحتى زعيم المعارضة نفتالي بينيت الذي تحدث عن إقامة إسرائيل الكبرى على أراضي مصر والأردن ولبنان وسوريا والسعودية والعراق والكويت، بالتالي لدى إسرائيل الرغبة في التوسّع متى أتيحت لها الفرصة.

هل إسرائيل المستفيد؟

لا يتفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة موري ستايت الأميركية، إحسان الخطيب، مع القول بأن ضرب إيران وأذرعها في المنطقة يقوّي إسرائيل. وقال الخطيب لـ”اندبندنت عربية” إن إسرائيل دولة مهيمنة في المنطقة، ولا أحد يستطيع ردعها إلا أميركا، موضحاً أن إسرائيل دائماً كانت أقوى من أعدائها، لكنها كانت تعتبر أن لهم دوراً ما مفيداً أو يمكن تحملهم وتحجيمهم في سبيل المحافظة على الاستقرار، مشيراً إلى أن تل أبيب الآن “لا تتبنى تلك السياسة”. مرجعاً التغول الإسرائيلي في المنطقة إلى تفوقها العسكري والاستخباراتي والتقني، فيما الحل الوحيد لمواجهة ذلك التفوق هو التحالف مع الولايات المتحدة. بحسب تعبيره.

واعتبر الخطيب أن الضربات الصاروخية الإيرانية على دول الخليج دليلاً إضافياً على أن إيران تعد تهديداً لجيرانها العرب، حيث كانت السبب في أن تعيش المنطقة إمّا حرب أو أجواء حرب لعقود، مضيفاً أن من مصلحة العرب أن تكون إيران “دولة طبيعية” من خلال الطلبات الأميركية بالتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دعم الجماعات المسلحة، إضافة إلى التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي.

وانخرطت الولايات المتحدة وإيران في 3 جولات تفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، كان آخرها قبل أقل من يومين من شنّ أميركا وإسرائيل هجماتهما المشتركة على طهران.

ويرهن الباحث السعودي في العلوم الاستراتيجية والعسكرية، اللواء محمد بن صالح الحربي، سيناريوهات المنطقة بنتائج المواجهة العسكرية الحالية وتأثيرها الهيكلي في منظومة صنع القرار في طهران. مشيراً إلى أن الأنباء حول نجاح اغتيال كبار القادة الروحيين والسياسيين والعسكريين وخبراء البرنامج النووي في إيران، تعكس تحولاً جذرياً في مسار الصراع، بخاصة مع تصريحات الرئيس دونالد ترمب التي أكد فيها أن أهداف الحرب تحققت بسرعة مذهلة تجاوزت التوقعات، وهو ما يفتح الباب أمام فرضية المفاوضات التي أبدت إيران رغبة صريحة في الانخراط بها وفقاً للتواصل المباشر مع الجانب الأميركي.

وأوضح الحربي لـ”اندبندنت عربية” أن النظام الإيراني الذي بُني عقائدياً وأمنياً على مدى عقود بالولاء المطلق للمرشد، يواجه اليوم استحقاقاً تاريخياً يتمثل في حتمية التغيير، إذ إن أي انتقال من “الحرس القديم” إلى “الحرس الجديد” سيجبر طهران على تقديم تنازلات مؤلمة واتخاذ منحى أكثر براغماتية وتطوراً، بخاصة أن خيارات “رفاهية الوقت” باتت محدودة جداً أمام القادة الإيرانيين الذين يجدون أنفسهم أمام مفترق طرق حاسم، فإما العودة إلى منطق الدولة والانخراط في التنمية الشاملة للشرق الأوسط الجديد، أو مواجهة خطر الانهيار المتسارع، نظراً إلى كون النظام الراديكالي الصلب لا يحتمل التفكك الجزئي الذي سيؤدي تلقائياً إلى تلاشيه.

ويرى الباحث السعودي أن إيران يمكنها في العهد الجديد بعد الحرب أن تكون فاعلاً إيجابياً بالمنطقة، بامتلاكها كل المقومات الاقتصادية والجيوسياسية مثل ثاني أكبر احتياطي غاز وسادس أكبر احتياطي نفط عالمياً، كما تتمتع بموقع استراتيجي مطل على بحرين ومساحة شاسعة وقاعدة صناعية وزراعية خصبة، مما يؤهلها للتقدم والازدهار بدلاً من الاستمرار في نهج “تصدير الثورة” الذي أثبت فشله الذريع في دعم الأذرع والميليشيات، لا سيما بعد أن تحوّلت سوريا إلى حاجز يمنع التواصل بين تلك الميليشيات من العراق إلى لبنان، ودخول قوى إقليمية كتركيا وباكستان في المعادلة، وهو ما يفرض على طهران واقعاً جديداً يتطلب التخلي عن الأيديولوجيا الصدامية لمصلحة الاندماج في محيطها الإقليمي والدولي.

إعادة هندسة الإقليم

فتح اغتيال المرشد خامنئي الباب أمام التوقعات بتولي قيادة إيرانية أقل تشدداً وأكثر مرونة مع المطالب الدولية والإقليمية بالتوقف عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، والتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي، بخاصة بعد تصريحات ترمب بأنه يعتبر “سيناريو فنزويلا” الأفضل لنقل السلطة في طهران، في إشارة إلى تبني الرئيسة ديلسي روديغيز سياسة منفتحة تجاه واشنطن بعد إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في عملية عسكرية أميركية خاطفة مطلع العام الحالي.

ويتشكك كثيرون في إمكانية إزاحة إيران من معادلة السياسة الإقليمية، حتى في ظل الضغط العسكري الحالي، إذ يرى المحلل السياسي السوري ميلاد الأطرش أن أي مواجهة عسكرية مرتقبة مع إيران لن تمحو أثرها كفاعل مركزي في المنطقة، بل ستفضي بالضرورة إلى عملية “إعادة هندسة” شاملة للنظام الإقليمي برمته، مستنداً في ذلك إلى بنية الدولة الإيرانية العميقة وقدرة مؤسساتها، وفي مقدمتها الحرس الثوري، على التكيف مع سيناريوهات الحصار والحروب القاسية.

وفي قراءته لمسارات الصراع، قال الأطرش لـ”اندبندنت عربية” إن المشهد يتأرجح بين بقاء النظام مع تقليص قدراته العسكرية للدخول في مرحلة ردع متبادل، أو الانزلاق نحو التفكك الجزئي وما يتبعه من سيولة أمنية تهدد ممرات الطاقة والملاحة الدولية، وصولاً إلى فرضية التحول البراغماتي التي قد تنتج قيادة قومية تتخلى عن تصدير الثورة مقابل الانفتاح الاقتصادي.

ويؤكد الأطرش أن المصلحة العربية الحقيقية لا تكمن في سقوط النظام الإيراني إذا كان الثمن هو الفوضى الممتدة، بل في تغيير سلوك الدولة ودفعها نحو الاندماج في النظام العالمي وتفكيك منظومة الحروب بالوكالة، وهو ما سيفرض تحولات جوهرية في خريطة التحالفات، حيث ستتجه دول الخليج نحو تنويع شراكاتها بعيداً من الاعتماد الأحادي على الموقف الأميركي، بينما سيتحول العراق إلى نقطة ارتكاز حاسمة في التوازن الإقليمي.

“اندبندنت عربية”

———————————-

لا قانونيّة الهجمات الإيرانية على دول الخليج/ فضل عبد الغني

05 مارس 2026

بعد عملية عسكرية أميركية إسرائيلية مشتركة واسعة النطاق ضدّ إيران في الـ 28 من الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وتدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية العسكرية والنووية في عدة محافظات إيرانية، شنّ الحرس الثوري الإيراني حملةً انتقاميةً واسعةً لم تستهدف إسرائيل فحسب، بل ركّزت أيضاً، على نحوٍ أشدّ دلالة، على أراضي الإمارات والبحرين وقطر والكويت والسعودية وعُمان. وللمرّة الأولى، تعرّضت جميع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لهجوم مسلّح متزامن من جهة واحدة في 24 ساعة.

لم يصدر أيّ تفويض من مجلس الأمن لعملية 28 فبراير، ولم تقدّم الولايات المتحدة أو إسرائيل ما يثبت وقوع هجوم مسلّح على أراضيهما أو مواطنيهما يبرّر اللجوء إلى الدفاع عن النفس. والأكثر أهميةً أنّ الضربات نُفّذت في ظلّ مسار تفاوضي قائم بوساطة عُمانية، كانت إيران قد أعلنت ضمنه قبولها بالتخلّي عن تطوير مواد تصلح لصناعة سلاح نووي.

من ناحية المبدأ، تملك إيران حقّ الدفاع عن النفس بموجب المادة الـ 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مع اشتراط استيفاء الردّ الإيراني لمعايير القانون الدولي. لقد وجّهت إيران مئات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة نحو منشآت عسكرية أميركية في أراضي دول ذات سيادة لم تكن طرفاً في الهجوم على إيران. وأكّد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، أن دول المجلس أوضحت مراراً لطهران، في اجتماعات ومناسبات مختلفة، أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في أيّ عمليات عسكرية ضدّ الجمهورية الإسلامية. وتبقى مسألة ما إذا كانت الدولة التي تستضيف قواعد عسكرية أجنبية تصبح هدفاً مشروعاً بمجرّد استخدام هذه القواعد في عمليات ضدّ دولة ثالثة، من أكثر المسائل جدلاً في الكتابات القانونية المعاصرة المتّصلة بقانون استخدام القوة وقانون النزاعات المسلّحة. غير أن الرأي السائد، المؤسَّس على مبدأ المساواة في السيادة وحظر استخدام القوة، يميل إلى أن مجرّد وجود منشآت عسكرية أجنبية لا يحوّل الدولة المضيفة طرفاً مشاركاً في الحرب، ولا سيّما إذا لم تُصرّح الدولة المضيفة بالعمليات العسكرية المعنية أو تُسهّلها فعلاً.

التوصيف الإيراني الشامل لجميع القواعد الأميركية في المنطقة بأنها أهداف مشروعة يمحو هذا الفارق القانوني، ويُعامل الدول المضيفة عملياً امتداداً للقوة العسكرية الأميركية، بما يقوّض مضمون سيادتها التي يكفلها القانون الدولي. وقد رفض مجلس التعاون الخليجي، عبر سفير البحرين لدى مجلس الأمن، هذا المنطق رفضاً قاطعاً، محمّلاً إيران المسؤولية الكاملة عن الهجمات، ومؤكّداً أن أيَّ تبرير أو تأويل متعسّف للقانون الدولي ليس له أن يضفي الشرعية على هذا السلوك.

حتى عندما تمتلك الدولة أساساً قانونياً لاستخدام القوة، يفرض القانون الدولي الإنساني قيوداً صارمةً على طريقة إدارة الأعمال العدائية. ففي دول الخليج، قُتل أربعة أشخاص على الأقلّ وأُصيب أكثر من مائة، ولحقت أضرار بمطارات مدنية في دبي وأبوظبي والكويت. كذلك استُهدفت مبانٍ سكنية في البحرين بصورة مباشرة، وأصابت طائرة مسيّرة مساكن في الدقم عُمان، واشتعلت النيران في برج العرب في دبي نتيجة حطام صواريخ اعتراضية، وتعرّضت بنى تجارية حيوية، بما فيها ميناء جبل علي في دبي، للقصف. وفي البحرين، أجلت وزارة الداخلية السكّان من منطقة الجفير بعد تصاعد دخان كثيف من محيط مقرّ الأسطول الخامس الأميركي، وهو مقرّ يقع داخل حي سكني مكتظّ بالسكّان.

استهداف إيران لدول الخليج يعكس حسابات تقوم على إخراج الصراع إلى الخارج بدلاً من تلقّي الضربات بصمت. فمن منظور طهران، إذا كان بقاء النظام على المحكّ، فإن حوافز ضبط نطاق المواجهة جغرافياً تتضاءل إلى حدّ بعيد. والتوسّع في مسرح العمليات يرفع الكلفة على شركاء الولايات المتحدة، ويوجّه رسالةً، أنّ أيَّ محاولة لتفكيك النظام الإيراني ستنتج ارتدادات واسعة عبر المنطقة.

كذلك فإن سرعة الردّ الإيراني، الذي وقع خلال نحو أربع ساعات من الضربات الأولية، توحي بوجود استعداد وتنسيق مسبقَين، ما يدلّل على أنه رغم تراجع القدرات الإيرانية خلال المواجهة في يونيو/ حزيران 2025، فإن إيران احتفظت بقدرة معتبرة على تنفيذ ضربات صاروخية وباستخدام الطائرات المسيّرة. وفوق ذلك، أدّى اضطراب حركة مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره ما يقارب 13 مليون برميل من النفط الخام يومياً، إلى تهديد مباشر لسلسلة إمدادات الطاقة العالمية. فقد تعرّضت بعض السفن لهجمات، وتوقّفت حركة ناقلات النفط، وارتفعت أسعار النفط بنحو 10%، وأُغلقت الأجواء في ثماني دول على الأقلّ. ويعتمد تحوّل هذه الأزمة إلى نقطة تحوّل نحو خفض التصعيد أو بوابة إلى حرب إقليمية أوسع نطاقاً على خيارات لا تزال غير محسومة.

العربي الجديد

—————————

 استراتيجية البقاء الإيرانية: كيف تراهن طهران على إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها للحفاظ على النظام الحالي؟

عربي بوست

2026/03/04

بعد أسابيع من التكهنات المتصاعدة بشأن احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، تحولت التهديدات إلى واقع ميداني مع بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المنسقة ضد إيران، بالتزامن مع مسار تفاوضي كان لا يزال قائماً بين الطرفين.

الضربات الأولى استهدفت، وفق مصادر متعددة صرحت لـ”عربي بوست”، مواقع حساسة وقيادات عسكرية وسياسية بارزة، من بينها استهداف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في تطور اعتُبر الأخطر منذ سنوات في مسار الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران.

واشنطن وتل أبيب بررتا العملية العسكرية ضد إيران بأنها “دفاع عن النفس” في مواجهة ما وصفتاه بتهديدات إيرانية وشيكة، معتبرتين أن الهدف يتجاوز الردع التكتيكي إلى إزالة “الخطر الوجودي” الذي تمثله الجمهورية الإسلامية ونظامها، وفق توصيف مسؤولين أميركيين وإسرائيليين.

في المقابل، تكشف المعطيات الواردة من داخل دوائر القرار في طهران أن المقاربة الإيرانية لهذه الحرب تختلف عن جولات سابقة، وأن العنوان الأبرز في حسابات القيادة ليس تحقيق انتصار ميداني مباشر، بل ضمان بقاء النظام ومنع إسقاطه، حتى لو استدعى ذلك إطالة أمد الصراع ورفع كلفته الإقليمية والدولية.

استراتيجية إيران الجديدة

على عكس ما حدث في حرب يونيو/ حزيران 2025، جاء الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية هذه المرة سريعاً ومختلفاً، فبدلاً من تأخر الرد سعياً لفرض هيمنة سريعة على مسار التصعيد، تمحورت الاستراتيجية الإيرانية حول الصمود وإدارة التوازن.

يقول محلل سياسي إيراني مقرب من الأجهزة الأمنية الإيرانية لـ”عربي بوست”: “القادة الإيرانيون كانوا يعلمون أن حرب يونيو لم تكن النهاية، بل كانت البداية، وكانوا ينتظرون الحرب الحالية كامتداد لحرب 12 يوماً، وقد عملوا على تغيير استراتيجيتها العسكرية والسياسية”.

وحسب المحلل السياسي الإيراني الذي تحدث لـ”عربي بوست”، مفضلاً عدم الإسناد: “الآن هم يتعاملون مع الحرب الحالية على أنها ليست حرب انتصارات ميدانية يجب كسبها بشكل مباشر، بل كصراع سياسي وجودي يلعب فيه الوقت والتكاليف الدور الأبرز”.

يوافقه الرأي مصدر سياسي مقرب من الحرس الثوري قائلاً لـ”عربي بوست”: “في الماضي كانت إيران تسعى دائماً للسيطرة على الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وضبط النفس لإدارة الصراع ومنعه من التصاعد، ولكن هذه النظرية أثبتت فشلها”.

أما الآن، يوضح المصدر السياسي: “ترى القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية أنه من الأفضل تصعيد الصراع لرفع تكاليفه السياسية والعسكرية لكلا من إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة”.

كانت القيادات الإيرانية قد اتخذت قراراً غير مسبوقاً في اليوم الأول للحرب بإطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل والمصالح والقواعد العسكرية الأميركية في الخليج بشكل محدود نسبياً ومتحكم به، بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست”. لكن مسار العمليات تغير في الأيام التالية، مع توسع نطاق الردود وتكثيفها.

قرارات ما قبيل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية

قالت المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست” إن القيادة الإيرانية اتخذت قبل اندلاع الحرب إجراءات سياسية وعملياتية لضمان العمل بشكل لامركزي بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية.

مصدر مقرب من مكتب المرشد الأعلى قال لـ”عربي بوست”: “من أهم الدروس المستفادة من حرب يونيو هي توسيع مسألة العمل باللامركزية لضمان استمرار النظام، فبعد حرب يونيو مباشرة قام خامنئي بتوزيع صلاحياته بين المجلس الأعلى للأمن القومي ومجلس الدفاع الذي تم تأسيسه في ذلك الوقت”.

وأضاف المصدر ذاته، مفضلاً عدم الإسناد، قائلاً: “حتى سلطة اتخاذ القرارات في أوقات الحرب أو وقت اغتيال المرشد تم توزيعها أيضاً بين عدد من المؤسسات السياسية والأمنية لضمان عمل كل مؤسسة بشكل كامل في حال استهداف الأخرى أو اغتيال المرشد والقيادات السياسية”.

فعلى سبيل المثال، يوضح مصدر “عربي بوست”، القوة الصاروخية الإيرانية “تعمل الآن بشكل منفصل عن القوة البحرية ضمن خطط مسبقة تمت مناقشتها وتنسيقها مع كافة المؤسسات قبل أشهر من الحرب الحالية”.

هذه المقاربة تعكس إدراكاً إيرانياً مبكراً لاحتمال استهداف رأس الهرم القيادي، ومحاولة بناء “شبكة أمان مؤسساتية” تمنع شلل الدولة في حال توجيه ضربات نوعية.

زيادة التكاليف الخارجية

في جولات سابقة من الصراع، تجنبت طهران الانزلاق إلى مواجهة شاملة، واختارت ردوداً مدروسة ومحدودة، كما حدث عقب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020، أو بعد استهداف منشآت نووية إيرانية في يونيو/ حزيران 2025، حيث اقتصر الرد على ضرب قواعد أميركية في الخليج بشكل محدود ومنسق مسبقاً.

غير أن هذا النهج تغير في الحرب الحالية، إذ شنت إيران هجمات مكثفة ومستمرة على دول مجلس التعاون الخليجي منذ بدايتها.

ويعلق مصدر سياسي مقرب من الحرس الثوري قائلاً لـ”عربي بوست”: “ترى القيادة الإيرانية أن الحرب الحالية هي حرب وجودية، والتهديد الأميركي بإسقاط النظام الإيراني دفع القادة العسكريين والسياسيين في إيران إلى اتباع استراتيجيات جديدة لاستعادة الردع والحفاظ على النظام”.

ومن أهم أدوات هذه الاستراتيجية التي تحدث عنها المصدر المقرب من الحرس الثوري “رفع التكاليف الخارجية للحرب وتغيير الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وحلفائها في المنطقة”.

وأضاف المصدر ذاته قائلاً: “القيادة الإيرانية تعلم جيداً فرق التفوق العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وأن هذه الحرب ليست حرب انتصارات ميدانية، بل حرب بقاء واستنزاف طويل الأمد”.

كما شدد على أن استهداف دول الخليج وإغلاق الممرات البحرية الحيوية “سيؤثر سلباً على المنطقة والعالم بأثره، إيران لن تحارب وحيدة، ويجب على ترامب أن يدرك حجم الأضرار التي تسبب بها قراره بشن الحرب على إيران”.

الاستقرار الداخلي أهم من الانتصار

قالت المصادر الإيرانية السياسية التي تحدثت لـ”عربي بوست” إن مجلس القيادة الحالي اتخذ في اليوم الثالث للحرب قراراً بتوسيع العمل باللامركزية في جميع وزارات الحكومة ومؤسسات الطوارئ لضمان استمرار العمل في أصعب الظروف. كما وُضعت خطط أمنية مشددة لاحتواء أي احتجاجات داخلية محتملة.

المصدر المقرب من الحرس الثوري الإيراني قال لـ”عربي بوست”: “الاستقرار الداخلي أهم من الانتصار الميداني. الآن تعمل القيادات الإيرانية على تحقيق هذه المسألة الصعبة في الحقيقة، فإن ضمان الاستقرار الداخلي عامل أهم من تحقيق أي انتصارات عسكرية خارجية”.

لذلك، يوضح المتحدث: “تم نشر قوات الأمن الداخلي في الحرس الثوري وقوات الباسيج في جميع أنحاء إيران لغرض واحد فقط: ردع أي تعبئة جماهيرية مناهضة للنظام. الاحتجاجات الآن هي نقطة ضعف كبيرة”.

وأضاف المصدر ذاته قائلاً: “بعبارة أوضح: اندلاع أي احتجاجات يعني خسارة إيران لحربها الحالية، وليست الخسائر الميدانية”.

دخول تدريجي للحلفاء

خلال اليومين الماضيين، أعلنت فصائل عراقية موالية لإيران استهداف مصالح وقوات أميركية في سوريا والعراق، فيما دخل حزب الله اللبناني بشكل أقل على خط المواجهات بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل.

في هذا الصدد قالت المصادر الإيرانية المقربة من الحرس الثوري لـ”عربي بوست”: “قبل الحرب بأسابيع قليلة قام فيلق القدس بالتنسيق مع الحلفاء في المنطقة والعمل بخطة الدخول المتدرج إلى أي صراع محتمل بين إيران والولايات المتحدة”.

والآن محور المقاومة “يعمل بشكل تدريجي وليس متزامناً من أجل ضمان إطالة أمد الصراع، لاستنزاف القوات الأميركية والإسرائيلية، وعدم تعرض قدرات محور المقاومة للاستنزاف المبكر”، وفق ما صرح به المصدر المقرب من الحرس الثوري.

استمرار إطلاق الصواريخ

بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست”، فإن الاستراتيجية الحالية تقوم على استمرار إطلاق الصواريخ على إسرائيل والمصالح الأميركية بهدف إبقاء الضغط النفسي والمادي، لا سيما على إسرائيل، في حالة استنزاف ممتد.

وفي الوقت نفسه، يواجه القادة معادلة معقدة: إطالة أمد إطلاق النار لشهر إلى 3 أشهر تتطلب الحفاظ على منصات الإطلاق والقدرات الصاروخية.

يقول مستشار عسكري مقرب من الحرس الثوري الإيراني لـ”عربي بوست”: “في كل عملية إطلاق لهجمة صاروخية، بالتأكيد يزداد خطر انكشاف القوات الصاروخية ومنصات الإطلاق لأنظمة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية، لذلك اعتمدت القيادة العسكرية الإيرانية حتى الوقت الحالي على استراتيجية منصات إطلاق متنقلة ومواقع متفرقة ومنشآت تحت الأرض لإطلاق الصواريخ”.

لكن حتى مع هذه الاستراتيجية في مواجهة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، يقول المصدر ذاته، فإن معضلة الحفاظ على القدرات الصاروخية والمخزونات الاستراتيجية من الصواريخ “تمثل نقطة ضعف لإيران في حال استمرار الحرب إلى وقت طويل”.

الهدف النهائي لإيران

مع استمرار التصعيد، يبقى السؤال المركزي: ما الذي تريده طهران فعلياً من هذه المواجهة؟ إذ أجمعت المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست” على أن الانتصار الميداني ليس الهدف، وأن القيادة لا تتوقع حسماً عسكرياً لصالحها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويقول المحلل السياسي الإيراني والمطلع على تفكير القيادة الإيرانية باباك حميديان: “الصراع الحالي ليس صراعاً عسكرياً بالنسبة لإيران، ولا تريد القيادات الإيرانية نصراً عسكرياً، بل هي معركة صمود وتماسك سياسي وإدارة ناجحة للتصعيد”.

وأضاف حميديان في تصريح لـ”عربي بوست” قائلاً: “بقاء النظام الحالي هو النصر الذي تتطلع إليه القيادة الإيرانية، بالإضافة إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية لمنع أي محاولة قادمة لمهاجمة إيران”.

وفي ختام حديثه لـ”عربي بوست”، قال باباك حميديان: “لذا فإن استراتيجية إيران في هذه الحرب واضحة: تحقيق الاستقرار الداخلي والتصعيد الانتقائي ورفع التكلفة الاقتصادية والجيوسياسية لاستمرار المواجهة لتغيير حسابات واشنطن والجهات الفاعلة الإقليمية”.

—————————-

 مدة الحرب: الموازنة بين عوامل الإطالة والتقصير/ الحواس تقية

3 مارس 2026

صدرت إشارات متضاربة من القيادات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية عن المدى الزمني للحرب؛ فلقد صرَّح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في البداية بأن العمليات العسكرية ستحقق أهدافها في يومين أو ثلاثة، ثم أشار بعد اليوم الأول للحرب إلى رغبته في التحدث للقادة الإيرانيين الجدد، ثم أعلن أن الحرب قد تطول لأربعة أسابيع لأن مساحة إيران شاسعة. ومن جهته، ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنه لن يقع في حرب استنزاف طويلة لكنه لن يوقف الحرب قبل إنهاء التهديد الوجودي الإيراني لبلاده، لكنه لم يشر إلى مدى زمني محدد. في المقابل، ذكر وزير خارجية إيران، عباس عراقجي، أن بلاده منفتحة على وقف التصعيد الجاري، وأشار إلى أن وقف الهجمات العسكرية على إيران سيقابله وقف الرد الإيراني. أعلن بعده أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أن إيران لن تتفاوض.

لا يمكن الارتكان كلية إلى تصريحات القادة السياسيين لأنها قد لا يكون هدفها تحري الدقة بل التوظيف في المعركة الجارية، فقد يكون إعلان ترامب عن تقصير مدة الحرب موجَّهًا للداخل الأميركي الذي يخشى من الحروب الطويلة المشابهة لحرب أفغانستان والعراق، أو قد يكون تصريحه بالتخطيط لإطالة أمد الحرب رسالة للإيرانيين بأن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك القدرات الكافية لمواصلة الحرب، وأنها ليست متعجلة، وغير متاثرة بالضغوط السياسية الداخلية أو الموارد المالية والعسكرية. ولا تختلف القيادتان، الإسرائيلية والإيرانية، في توظيف تصريحات المدى الزمني للحرب لنفس الاعتبارات، وإن كان من الملاحظ أنهما تفاديتا ذكر مدد زمنية محددة بخلاف ما فعل ترامب.

قد تكون العوامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مدة الحرب هي القياس على التجارب السابقة، والموازنة بين الأهداف المعلنة والقدرات المتوافرة لتحقيقها، وإدراج عوامل الانفلات الناتجة عن حوادث طارئة قليلة الحدوث في العادة لكن احتمال حدوثها يرتفع في هذه الحالات القصوى من فقدان اليقين، وارتفاع تأثير الحوادث العرضية على المسار العام للحرب، وكمثال على ذلك، قد توقع ضربة إيرانية عددًا كبيرًا من الجنود الأميركيين، فينقلب الرأي العام الأميركي بالكامل على الحرب، فيضطر ترامب إلى وقفها للحفاظ على ما تبقى من وجوده السياسي. وقد حدث مثل ذلك في الثمانينات من القرن الماضي لما هاجم حزب الله قاعدة المارينز في لبنان، لإرغام الولايات المتحدة على الانسحاب الكامل، ونجح. أما في الحرب الجارية، فلقد كان اغتيال المرشد الإيراني، علي خامنئي، في اليوم الأول للحرب عاملًا مهمًّا في تمديد الحرب، لأن القيادة الإيرانية لا يمكنها الموافقة على وقفها كما طلب ترامب -حسب الصحفي الإسرائيلي، ناحوم بارنيا، في صحيفة يديعوت أحرونوت- دون أن تتمكن من الانتقام لمقتل المرشد بإيقاع خسائر كبيرة في القوات الأميركية، ويدفع ذلك الولايات المتحدة بدورها إلى الرد الشديد، وتظل دائرة الرد والرد المضاد تتصاعد.

تاريخيًّا، تميل القيادات التي تشن الحرب إلى التوقع بأنها ستحقق أهدافها في فترات قصيرة بينما تطول مدة الحرب في الواقع إلى فترات أطول بكثير، وقد تعود أسباب ذلك إلى اعتبارات سياسية مثل تسويق أن المهمة سهلة وليست مكلفة، أو الثقة الزائدة في القدرات والتقليل من قدرات الخصم، أو تجاهل العوامل العرضية التي تفرض على الأطراف المتقاتلة مقتضيات لم تكن في حسبانهم وتبرز من خلال القتال فقط، مثل اعتبارات حفظ الوجه، والمزاج الشعبي، وظاهرة الالتفاف حول العلم، والكبرياء الوطني. لكن توجد حالات قليلة، تمكنت الأطراف المتقاتلة من التحكم في مدة الاقتتال إلى حدٍّ كبير. يبرز مثل ترامب في عدة حالات، لما اغتال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في عهدته الأولى، وحرصت إيران على الرد رمزيًّا رفعًا للحرج، وكذلك في حرب 12 يومًا لما تمكن ترامب أيضًا من منع الحرب من التمدد زمنيًّا، فأنهاها في 12 يومًا، وقبلت إيران بذلك.

في الحرب الثانية الجارية حاليًّا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، توجد عوامل تدفعها لتكون مدتها قصيرة وعوامل أخرى لتكون مدتها أطول مما قدَّرت الإدارة الأميركية هذه المرة. وقد يكون أحد أسباب اشتداد انعدام اليقين هذه المرة في مدة الحرب أن تكون إيران حسبت أن قبولها بالنمط السابق من تلقي الضربات الإسرائيلية والأميركية وضبط النفس في الرد عليها، قد يقضي مع الوقت على الردع الإيراني، ويتشكل نمط جديد هو تشجيع الولايات المتحدة وإسرائيل على مواصلة حروبهما الخاطفة لأنهما باتا مقتنعتين بأن إيران ستقبل بوقف الحرب إذا أعلنوا هم عن وقفها، ثم يستعدون مجددًا لخوض جولة جديدة، وتتحول إيران إلى ساحة للضربات الأميركية والإسرائيلية. لذلك، قد تقدر إيران أن إطالة أمد الحرب يوقع الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب تفوق تكلفتها جدواها، فيتفاديان مستقبلًا خوض جولة جديدة لأنهما باتا لا يعرفان متى تنتهي الجولة. وكما هو معلوم فإن فقدان اليقين في رد الخصم هو أحد أركان الردع.

من عوامل إطالة أمد الحرب أن أهدفها ليست واضحة وفضفاضة، وتقتضي مددًا مختلفة قد تكون قصيرة وطويلة قياسًا على مثيلاتها، علاوة على أن أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل ليست متماثلة كلية، ومن جانب إيران قد يكون الهدف الرئيسي هو منع الخصوم من تحقيق أهدافهم لكنه قد يضاف إليه ترميم الردع حتى لا تتكرر الحرب مجددًا، وقد يتحقق ذلك بتمديد مدة الحرب لرفع تكاليفها واستنزاف عزيمة الخصم لإحداث تشققات داخلية تقضي على إرادته في تكرار المحاولة مستقبلًا، مثل إحداث صدع داخل أميركا يحد من صلاحيات الرئيس أو قد يقيد قرارته في الحرب على إيران بالكامل.

يغيِّر الرئيس ترامب أهدافه، مرة يتحدث عن رغبته في تغيير القيادة الإيرانية، ومرة أخرى عن توفير الشروط الملائمة ليُسقط الإيرانيون -حسبه- النظام القائم، ومرة القضاء على المشروع الصاروخي والقوة البحرية ومنع إيران من الحصول على السلاح النووي، ثم لمَّح مجدد إلى احتمال إرسال قوات برية لتحقيق الأهداف، واستهان بارتفاع نسبة الأمريكيين الرافضين لحرب طويلة أو حرب برية. قد يكون قصده تخويف إيران لكنه قد يكون رفع سقف التوقعات، ويحتاج بذلك إلى مدى زمني أطول لتحقيقها. هذا التضارب يجعل كل هدف يحتاج إلى مدد زمنية مختلفة، وقد يؤدي هذا الاضطراب إلى إطالة أمد الحرب.

يعقِّد التقدير أكثر أن أهداف إسرائيل ليس متطابقة تمامًا مع الأهداف الأميركية. يختلفان مثلًا في القضاء على حلفاء إيران، وهم شبكة من الجماعات السياسية المسلحة موزعة بين لبنان والعراق واليمن، ولا يمكن القضاء عليهم في زمن قصير، بل قد يطيل أمد الحرب، خاصة إذا اتفقت هذه المجموعات على الدعم المتبادل ورفض وقف القتال في جبهة، والتخلي عن جبهة أخرى. للمثال، انخرط حزب الله في الحرب، وتوعدت إسرائيل بتوسيع المواجهة معه، ولم تستبعد عملية برية، قد تمتد لأشهر. يبرز السؤال، هل ستقرر إيران وقف الحرب وترك حزب الله يقاتل إسرائيل بمفرده. وقد يلتحق الحوثيون، ويربطون بين إنهائهم للحرب ووقفها على إيران وحزب الله، فيطيلون أمد الحرب. ولنفترض أن دول الخليج ردَّت على الهجمات الإيرانية على أراضيها، فهل ستوافق واشنطن على وقف الحرب دون حساب المطالبة بوقفها على حلفائها الخليجيين؟

يبرز نمط جديد في سلوك الإيرانيين وهو إعطاء الأولوية لرفع كلفة التواجد الأميركية في منطقة الخليج حتى وإن أكسبهم غضب الدول الخليجية، وقد يكون الهدف المنشود هو إبعاد التواجد الأميركي من منطقة الخليج القريبة من إيران، ودفعه إلى مناطق بعيدة تعقِّد العمليات اللوجستية والاستخباراتية الأميركية. إذا كان هذا هو الهدف غير المعلن، وتوجد شواهد كثيرة تدل عليه، فإن الحرب ستكون طويلة لجعل القواعد الأميركية غير صالحة للاستعمال، وجعل بقاء القوات الأميركية مكلفًا للغاية. كل ذلك، قد يجعل الأميركيين يطالبون بإبعاد جنودهم من هذه المناطق الخطرة إلى مناطق أكثر أمنًا لكنها أبعد عن إيران.

القيود الزمنية

تبرز من جانب آخر عوامل تعجِّل بنهاية الحرب سريعًا، ويأتي على رأسها القدرات العسكرية الأميركية التي تعاني من نقص مخزونها من القذائف الاعتراضية الضرورية لتغذية الأنظمة الدفاعية عن إسرائيل أو بقية قواعدها. فلقد أوردت صحف أميركية، مثل نيويورك تايمز، أن مخزون الذخائر متدنٍّ جدًّا، وقد استنفدته الحرب الأوكرانية والحرب الإسرائيلية في مواجهة حماس وحزب الله والحوثيين، ولم يتبق الكثير، ولا يمكن تعويضه بسرعة، بخلاف الطائرات المسيرة التي تهاجم هذه الأنظمة الدفاعية التي يمكن أن تنتجها إيران بسرعة وبكلفة قليلة. ندلِّل بمثال، إذا هاجمت إيران بعشر مسيرات فإن عدد الصواريخ التي تطلقها المنظومات الدفاعية يكون نحو 10 إلى 20 صاروخًا. علمًا بأن تكلفة مسيَّرة انتحارية تتراوح بين 20 ألفًا إلى 50 ألف دولار، أما تكلفة الصاروخ الاعتراضي فتتراوح بين 4 إلى 5 ملايين دولار. يُقدَّر كذلك زمن التعويض لنحو 500 مسيرة انتحارية مثل شاهد بـ3 أيام حسب معهد الحرب، أما تعويض الإنتاج السنوي من صواريخ الاعتراض المقدر بنحو 500 فيحتاج إلى سنة كاملة تقريبًا. هذا التفاوت يضغط على القيادة الأميركية والإسرائيلية. ذلك أن التقديرات ترجِّح انخفاض الاحتياطي الأميركي من الصواريخ الاعتراضية المخصصة لأنظمة باتريوت إلى مستويات حرجة، وقد وردت بيانات موثقة بأن الولايات المتحدة لا تمتلك إلا ربع حاجاتها من الصواريخ الاعتراضية الضرورية لمهامها الحالية والمستقبلية، ويبرز عدم التماثل القاتل في أن سرعة ورخص تكلفة إنتاج المسيرات المهاجمة أكبر من سرعة وتكلفة إنتاج الصواريخ الاعتراضية، فلا تستطيع المنظومات الدفاعية الصمود لفترات طويلة، علاوة على أنه إذا قررت الولايات المتحدة إطالة الحرب أو أُرغمت على ذلك فلقد ينخفض مخزونها إلى حدٍّ حرج يجعلها مكشوفة في مواجهة الصين وروسيا، وتكشف دفاعات حلفائها في كوريا واليابان، وتكشف أيضًا أوكرانيا. هذا ضاغط هائل، قد يكون العامل الذي جعل القيادة العسكرية الأميركية تعارض الحرب على إيران.

العامل الثاني الذي يدفع إلى تقصير مدة الحرب هو الرفض الشعبي الأميركي لها، فلعلها تكون الحرب الوحيدة في تاريخ الولايات المتحدة التي لم تجعل الأميركيين يلتفون حول العلم بخلاف المرات السابقة التي تركوا خلافاتهم جانبًا وساندوا المجهود الحربي، بل إن هذه الحرب وقعت في فترة انخفاض شعبية الرئيس ترامب إلى نحو 37%، وبلغت نسبة تأييد الأميركيين للحرب نحو 25%، ووسط تصدع في قاعدة الرئيس بين المؤيدين لأميركا أولًا في مواجهة داعمي إسرائيل الذي يريدون أن تتكفل الولايات المتحدة بتأمينها ولو بتعريض حياة الأميركيين للخطر. وقد لمس علي لاريجاني في تغريدة على تويتر هذا الصدع فكتب أن هذه الحرب تدل على أن ترامب استبدل إسرائيل أولًا بأميركا أولًا. ويجد هذا الخطاب صدى واسعًا في قاعدة ترامب المعارضة للحرب، وقد يزداد بعد سقوط قتلى في القوات الأميركية، فلا تجد القيادة الأميركية تبريرًا لذلك. وقد يكون تصريح وزير الدفاع، بيت هغسيت، بأن الولايات المتحدة لم تبدأ هذه الحرب تهربًا من المسؤولية أكثر منه تسويغًا يقنع الأميركيين بضرورة خوض هذه الحرب لحمايتهم وليس من أجل دولة أجنبية هي إسرائيل.

آثار بعيدة

يمكن الترجيح بين الاتجاهين بتطبيق تعريف الإستراتيجية وهو المناسبة بين الأهداف والقدرات، وليست القدرة الأميركية/الإسرائيلية كافية حاليًّا لخوض حرب طويلة جدًّا تمتد لأكثر من شهر لأن صواريخ المنظومات الدفاعية بلغت العتبة الحرجة، لكنها لن تنتهي في أيام قليلة، وقد يطول مداها لأسابيع، قد تحوم حول شهر، ثم تضطر الأطراف إلى وقف العمليات لأن تكاليف استمرار القتال تفوق جدواه، لكن ستظل تداعيات الحرب مستمرة في تغيير المنطقة لأن الوضع السابق تعرض لهزة هائلة تُبدِّل حسابات التكاليف والجدوى في كل القطاعات. وقد يكون أهم تغيير هو الموازنة بين الحفاظ على القوات الأميركية في المنطقة قريبة من إيران مع قبول تعريضها مجددًا للخطر المميت وإبعادها لمسافات كبيرة عن إيران لكن مع خسارة الولايات المتحدة الأفضلية اللوجستية والاستطلاعية.

نبذة عن الكاتب

باحث بمركز الجزيرة للدراسات، مشرف على دراسات العالم العربي. حاصل على بكالوريوس إعلام. ترأس تحرير عدد من الصحف الجزائرية المستقلة. نشر عددا من المقالات والدراسات في الصحف والمجلات الجزائرية حول القضايا السياسية والاستراتيجية. شارك بأوراق بحثية في عدة مؤتمرات دولية حول الشؤون السياسية والاستراتيجية.

مركز الجزيرة للدراسات

—————————-

هذا ما قد تخسره دول الخليج إن طال أمد الصراع بين أمريكا وإسرائيل وإيران

الأربعاء 4 مارس 2026

يستمر التصعيد في الشرق الأوسط، ويتزايد الحديث في الساعات الأخيرة عن تشكيل تحالف خليجي وانخراطه في المواجهة العسكرية المباشرة ضد إيران التي لا تتوقف عن استهداف الأراضي الخليجية والعربية منذ 28 شباط/ فبراير المنقضي، رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية الموجعة منذ ذلك اليوم والتي أدّت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من أبرز القادة العسكريين في طهران.

اللافت أنه لا يمكن التنبؤ بتوقيت انتهاء العملية التي أطلقت عليها واشنطن اسم “الغضب الملحمي”، ووصفها وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، بأنها “العملية الجوية الأكثر فتكاً وتعقيداً ودقّة في التاريخ”، وأطلقت عليها تل أبيب ”زئير الأسد”، ووصفها الجيش الإسرائيلي بـ”أكبر عملية جوية في تاريخ سلاح الجو”.

ولا شك في أن دول الخليج هي الطرف الأكثر عرضة لما يُعرف بـ”الأضرار الجانبية” في هذا الصراع الذي بدأ ثلاثياً واستحال مناطقياً حتى شمل ما لا يقل عن 12 دولة حتى الآن. ومن جملة الأضرار التي يعدّدها محللون ومراقبون للضربات الإيرانية على دول الخليج: تعطيل الملاحة البحرية، وزعزعة ثقة المستثمرين، وتدمير البنية التحتية للطاقة، وتهديد أمن الخليج الذي يُترجم أي خلل فيه فوراً في صورة خسائر اقتصادية قد لا تعوّضها طفرات أسعار النفط المؤقتة.

السؤالان الملحّان هنا: ما هي الخسائر التي قد يتكبّدها الخليج جراء طول أمد هذا الصراع؟ وهل تدفعه هذه الخسائر إلى المخاطرة بدخول مواجهة مباشرة ضد إيران؟ وهو ما يسعى هذا التقرير إلى الإجابة عنه.

فشل إستراتيجية التأمين الخليجية

غالباً ما نظرت دول الخليج إلى استضافة القواعد والقوات الأمريكية، أو شراء الأسلحة الأمريكية، على أنها أفضل وسيلة للحماية من أي هجوم.

وبالتزامن، سعت دول مثل السعودية والإمارات إلى تحسين علاقاتها مع إيران، التي لطالما اعتبرتها عدواً تاريخياً بفعل الخلافات العرقية والدينية والصراع على النفوذ الإقليمي وتضارب المصالح وتباين التحالفات. كما دعمت دول الخليج الحل الدبلوماسي للملف النووي الإيراني.

ومع توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، أكدت هذه الدول أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن غارات جوية على إيران، ربما ظناً منها أن ذلك قد يساعدها في تفادي أي انخراط في الصراع الذي لم ترغب يوماً أن تكون طرفاً فيه، وأن يحافظ لها على مصالحها الاقتصادية والتجارية مع الأطراف كافة .

لكن ما حدث خلال عامي 2025 و2026، بتوجيه ضربات مباشرة لأراضٍ خليجية، يكشف أن خطط “التأمين” التي انتهجتها دول الخليج لم تكن صائبة أو على أقل تقدير كافية لتمتعها بخيار “الحياد” الذي غالباً ما فضّلته.

ضرر ممتد الأثر

التبعات الأمنية والعسكرية من أبرز ما يهدّد دول الخليج في هذه الأزمة. فعلى الرغم من امتلاك هذه الدول جيوشاً مجهّزة جيداً وتحظى بإنفاق مرتفع، إلا أن قدراتها في الرد على هكذا هجوم ما تزال غير واضحة. ويهدّد هذا الصراع في حال استمر فترة طويلة بأن يصبح الخليج في مرمى النيران في أي صراع مستقبلي، لا سيما وأن المنطقة مشحونة ولا تتوقف الصراعات فيها، وموقع الخليج القريب من إيران يزيد مخاوف كهذه.

كما أن استنزاف الدفاعات الجوية لدول الخليج من النتائج المحتملة لطول أمد الصراع، بما فيها أنظمة باتريوت وثاد، ويعني هذا بالضرورة ارتفاع تكاليف الصيانة والمشتريات العسكرية بشكل غير مسبوق قد يرهق ميزانيات هذه الدول.

تعزيز إيران هجماتها ضد دول الخليج عبر شن هجمات سيبرانية تستهدف البنية التحتية للمياه والكهرباء هناك لزعزعة الاستقرار الداخلي ليس مستبعداً أيضاً في حال تحوّل الصراع إلى ما يشبه حرب استنزاف إذا لم تُسعف القدرات العسكرية الإيرانية البلاد لمواصلة ما أطلقت عليه “الوعد الصادق 4”.

فضلاً عن التبعات الأمنية والعسكرية، ثمّة فاتورة جيوسياسية ودبلوماسية لهذا الصراع الدائر وقد تتفاقم في حال استمراره وقتاً طويلاً، وفي مقدمتها احتمال انهيار بعض التفاهمات الإقليمية، بما في ذلك اتفاقات خفض التصعيد وأبرزها الاتفاق السعودي – الإيراني برعاية الصين. هذا لا يهدّد دول الخليج فقط وإنما المنطقة ككل بالعودة إلى مربع “الحروب بالوكالة” في اليمن والعراق.

وقد تجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف تتناقض كلياً مع مبدأ الحياد العسكري الذي لطالما تبنته، بل وبنت من خلاله صورتها كوسيط سلام، كما في حالة قطر والإمارات والسعودية وعُمان، إذ قد تجد نفسها تحت ضغط أمريكي هائل لفتح أجوائها أو تقديم تسهيلات عسكرية لضرب إيران من أراضيها، فينتهي بها المطاف في مواجهة مباشرة مع “الانتقام الإيراني” وتستمر دائرة انعدام الأمن.

الأضرار الاقتصادية ليست أقل وطأة. فالأيام القليلة الماضية كشفت كيف تأثرت الملاحة والتجارة العالميتين وأسواق النفط والبورصات بالصراع في الشرق. غير أن الوضع يبقى في الخليج كارثياً إذ تُسهم التطورات الأخيرة في اهتزاز نموذج “الاستقرار الجاذب” الذي لطالما اعتمدت عليه دول الخليج لبناء سمعتها كملاذ آمن لجذب الاستثمارات والسياحة. طول أمد هذا الصراع قد يؤدي إلى انهيار هذه الفكرة كلياً.

بفعل إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف الشحن وكذلك أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة للخليج، وفي حال طال الصراع، قد تتوقّف بعض شركات الملاحة تماماً عن دخول المنطقة.

بحسب مستشار الطاقة في شركة “هوك إنرجي”، خالد العوضي، فإن دولاً خليجية عدّة لديها بدائل لشحن شحنات النفط، فالإمارات على سبيل المثال تمتلك موانئ بديلة على بحر عمان والسعودية على البحر الأحمر، ولكن الأمر يتعلّق بمحدودية الشحنات التي يمكن أن تمر عبر هذه البدائل والتي قد تبلغ 8 ملايين برميل مقارنةً بـ21 مليون برميل تُصدّر يومياً الآن.

فضلاً عمّا سبق، هروب رؤوس الأموال من دول الخليج مطروح بقوة حيث قد يدفع الوضع الأمني والعسكري المضطرب المستثمرين الأجانب والشركات العالمية إلى نقل مقارها الإقليمية من دبي والرياض – بعد عقود من العمل لجذبها- إلى مناطق أكثر أماناً، مما يعطل خطط تنويع الاقتصاد في هذه الدول عبر “رؤية 2030” في السعودية وما شابه.

بحسب مجلة التايم الأمريكية، زعزعت الضربات الإيرانية صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج، والتي ساعدتها على جذب الاستثمارات، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم، منبهةً إلى أن هذا الأمن حجر الزاوية في علاقة العديد من دول الخليج مع الولايات المتحدة.

وفي حين أن الضربات الإيرانية على القواعد والأهداف الأمريكية في دول الخليج لم تكن مستبعدة مع تصاعد الأمور، إلا أن المفاجئ هو استهداف مدن ومطارات ومنتجعات سياحية وبنية تحتية نفطية ومقار بعثات دبلوماسية في دول عدة، بحسب الخبير في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) في البحرين، حسن الحسن، الذي لفت، في حديثه إلى “دويتشه فيله”، إلى أن خطورة هذه الضربات تأتي من أن “دول الخليج أقرب بكثير إلى إيران، وليست محصنة تحصيناً قوياً مثل إسرائيل”، مما يهدّد بخسائر كبيرة.

وبرأي الحسن، “الضرر الطويل الأمد الذي لحق بعلاقات إيران مع جيرانها الخليجيين قد وقع بالفعل، لا سيما إذا استمر النظام الإيراني الحالي بشكل أو بآخر”. حتى بعد انتهاء الصراع، يرجّح الحسن أن قادة الخليج لن يسعوا إلى تحسين العلاقات مع إيران، وإنما إلى تعزيز الردع لبلدانهم في المقابل.

هل ينخرط الخليج في ردّ عسكري مباشر؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، فاستمرار الضربات الإيرانية، وتحديداً على أهداف مدنية واقتصادية ودبلوماسية، يضع دول الخليج أمام أحد خيارين لا ثالث لهما، إما الرد والمخاطرة بحرب أوسع وربما أطول أمداً أو مواصلة سياسة الصبر والاكتفاء بالدفاع عن النفس، وهذا الأخير قد يبدو خياراً مناسباً أو آمناً أكثر لكنه يهدّد بتقويض أمن دول الخليج واستقرارها الاقتصادي بل هيبتها على الصعيد الإقليمي والعالمي.

في غضون ذلك، يستبعد حسن الحسن أن تنخرط دول الخليج بشكل مباشر في الصراع العسكري ضد إيران، معدّداً خياراتها البديلة، في حال استمر التصعيد وتوجيه إيران الضربات لأراضيها، في السماح للولايات المتحدة بوصول أوسع إلى أراضيها أو مجالها الجوي واستخدامهما في استهداف إيران، أو شن ضربات محدودة ضد إيران، مشدّداً على أنه ما لم تقع خسائر بشرية فادحة أو أضرار واسعة النطاق في منظومة إنتاج وتصدير النفط سيظل الرد الخليجي المباشر على إيران “مستبعداً في هذه المرحلة”.

ورغم أن إيران لوّحت سابقاً باستهداف منشآت أمريكية في الخليج في حال اندلاع حرب، فإن وتيرة التصعيد ونطاقه “فاقت التوقعات” بتعدّي الهجمات المنشآت العسكرية لتشمل مواقع مدنية، في تحوّل لافت في الأسلوب العملياتي، بما يزيد من احتمالات توسع المواجهة، أو لجوء الدول المتضررة للرد بشكل محسوب أو تصعيدي، وفق ما يراه مركز الخليج للأبحاث.

ويوضح المركز أنه منذ انخرطت أذرع إيران في الصراع، لا سيما الميليشيات في العراق، تراوحت سيناريوهات هذه الميليشيات تجاه دول الخليج “بين الاستفزاز التكتيكي والاستخدام الرمزي للطائرات المسيرة بهدف إرباك الساحات ورفع كلفة الصراع الأمريكي – الإيراني، إلى محاولات توسيع رقعة الاشتباك”.

ويستخلص أن إجراءات دول الخليج حيال هذه التهديدات تعكس تغيراً في ميزان الإستراتيجية الدفاعية لها، من تفضيل الصبر الإستراتيجي إلى توسيع تنسيق مشترك في الدفاع الجوي، كما ظهر في البيان المشترك الذي أصدرته قطر والسعودية والبحرين والكويت والإمارات والأردن مع الولايات المتحدة الأمريكية، والذي ندّد بالهجمات العشوائية، مؤكداً على الحق في الدفاع عن النفس والتزام الأمن الإقليمي.

“هذا التنسيق يدلل على تحوّل من فهم التهديد كعمل معزول إلى إدراك أن استهداف العمق الخليجي، حتى عبر أدوات غير نظامية، يمثل خطاً أحمر قد يبرّر تحركاً دفاعياً موحداً”، يقول المركز.

أما المحاضر البارز في كلية الدراسات الأمنية بجامعة “كينغز كوليدج” لندن، أندرياس كريغ، فيرجّح أن تركز دول الخليج في المرحلة المقبلة على تحسين وضعها الدفاعي عبر “تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية القواعد والبنية التحتية الحيوية، وتشديد الأمن الداخلي، وتفعيل خطط استمرارية العمل”.

خريطة طريق للتعافي

أما عن إستراتيجيات “التعافي”، فتقترح الغارديان أن المواجهة الحالية تفرض على دول الخليج التوجه نحو الاستقلالية الإستراتيجية وتنويع التحالفات لا سيّما الأمنية والدفاعية في ظل تراجع الثقة في الولايات المتحدة وتصاعد الأخطار من إسرائيل وإيران معاً. وهو ما كان الخليج قد بدأه بالفعل قبل اندلاع هذا الصراع.

من جهته، يعتقد الناشط الحقوقي والسياسي الكويتي، أنور الرشيد، أن هذه الحرب “كشفت بما لا يدع مجالاً للشك بأن تبني مشروع إقامة أنبوب نفطي ينقل الغاز والنفط الخليجي للعالم عبر بحر العرب والأحمر من كل دول الخليج للعالم، له أهمية كبرى ليس لدول الخليج فقط، وإنما للعالم أجمع” حتى لا تكون دول الخليج “رهينة ممر ضيق يتحكم به الآخرون يخنقونها هي والعالم وقتما تختلف المصالح”.

وبوجه عام، تتصاعد الأصوات التي تدعو إلى حماية سلاسل الإمداد وبناء الاحتياطيات إستراتيجية وطنية، وإعادة تقييم سياسات إدارة التوريد “في الوقت المناسب” للحد من صدمات الانقطاع المفاجئ لسلاسل الإمداد الأمر الذي تكرّر في السنوات الأخيرة.

في الوقت نفسه، يلفت مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، إلى أن دول الخليج تحتاج إلى إعادة النظر ليس فقط في إستراتيجياتها الجيوسياسية والأمنية، بل أيضاً في سياستها الاقتصادية. ويجب أن يشمل ذلك إعادة تقييم العلاقات الاقتصادية العالمية، والتعاون الاقتصادي الإقليمي، والاكتفاء الذاتي الاقتصادي، وتعزيز القدرة على الصمود.

وعلى المدى القريب، تحتاج دول الخليج إلى تجاوز الخلافات الداخلية، وبذل جهد منسق للحد من آثار أي هجوم عسكري محتمل على الصناعات المحلية، والمخزونات الإستراتيجية، والخدمات اللوجستية داخل دول المجلس، وفق المصدر نفسه كدرسين رئيسيين مستفادين من حرب الـ12 يوماً، نتيجة عدم الموثوقية في الشركاء من خارج الخليج، وصعوبة تجاهل احتمال نشوب حرب أخرى.

ويرى المجلس أن هذين الدرسين يفرضان اتخاذ تدابير لتعزيز المرونة الاقتصادية الإقليمية، بما في ذلك بناء القدرات الصناعية المحلية في القطاعات الحيوية كالغذاء والدفاع، وزيادة تنويع شبكة إمداد المواد والمكونات الأساسية، وتوسيع البنية التحتية اللوجستية الإقليمية مع توفير أنظمة احتياطية مناسبة في حالة الحرب، وبناء مخزونات وطنية قادرة على حماية المنطقة من انقطاعات الإمداد واسعة النطاق.

رصيف 22

—————————–

«حزب الله»: من «إسناد غزة» إلى «الانتقام للمرشد»؟

برشقات صاروخية ومسيّرات أطلقها فجر يوم الإثنين الماضي، دخل “حزب الله” في لبنان على خط إسناد إيران في مواجهة الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية عليها، في تصديق لوعد أمينه العام نعيم قاسم، بالتدخّل في حال استهداف المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي أو إن كان هدف الضربات الأمريكية “إسقاط النظام الإيراني”.

كان الحزب، قد افتتح “حرب إسناد غزة” في 8 تشرين أول/أكتوبر 2023، بعد يوم واحد من عملية “طوفان الأقصى” منفذا عملية استهداف ثلاثة مواقع للاحتلال الإسرائيلي في منطقة مزارع شبعا. تطوّرت المواجهات لاحقا إلى أن تعرّض الحزب إلى ضربتين قاصمتين: نجاح إسرائيل بعمل استخباراتي بتنفيذ مجزرة لكوادر الحزب عبر تفجير أجهزة الاتصال، “بيجر” و”ووكي توكي”، ثم باغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله وكبار قادة الحزب العسكريين والأمنيين، الذي اتبعته بغزو بري. بعد شهرين تقريبا من العمليات البرية الإسرائيلية في لبنان تم إعلان اتفاق لوقف إطلاق النار (تشرين ثاني/ نوفمبر 2024) متضمنا تطبيق القرار الأممي 1701 والذي ينص على نزع سلاح الحزب.

أثار قرار الحزب جدلا حول صوابه السياسي وعلاقته بالتوازنات في داخله، فارتفعت تساؤلات عن إن كانت القيادة السياسية مجرد تابع للتنظيم العسكري أم العكس. تصدر هذه التساؤلات عن أن استئناف المواجهة مع إسرائيل يجيء في توقيت غير مناسب للحزب، انطلاقا، بداية، من هشاشة موقفه العسكري والسياسي، بعد الضربات العسكرية والأمنية الهائلة التي تعرّض لها خلال “حرب الإسناد”، مرورا بتعارضه مع توجهات الحكومة اللبنانية، ومع الفرقاء السياسيين في لبنان، بما فيهم حركة “أمل”، الحليفة للحزب ضمن ما يسمى “الثنائي الشيعي”، التي لم يعترض وزراؤها على قرار الحكومة اللبنانية، يوم الإثنين الماضي، حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب.

تفيد آخر المعطيات الآتية من مصادر أمريكية أن قرار واشنطن وتل أبيب الدخول في الحرب جاء بعد مكالمة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمفاوضات مع إيران، بأن الصفقة مع إيران لم تحصل، ومكالمة أخرى من رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى ترامب تخبره باجتماع المرشد خامنئي مع كبار قادته ومستشاريه صباح السبت الماضي.

إذا صدقت هذه المعطيات، فإن القيادة الإيرانية تكون قد ارتكبت، على الأغلب، خطأ جسيما بعدم التحسّب لهذه الضربة الكبرى، وبارتكابها هذا الخطأ فقد ساعدت أعداءها في إعلان الحرب، وفي تعرّضها لخسارة قائدها العام، وكبار المسؤولين العسكريين والأمنيين.

تشير واقعة خامنئي (وبعدها استهداف “مجلس الخبراء”) أيضا إلى عدم استفادة القيادة الإيرانية من دروس الكارثة التي تعرض لها “حزب الله”، كما يفترض بالحزب، الذي تعرّض لتلك الضربات الكبرى التي قضت على أمينه العام، وكبار القادة العسكريين والأمنيين فيه، وحتى الكوادر العليا والوسطى في الحزب، ألا يعرّض نفسه، وحاضنته الاجتماعية، واللبنانيين والإقليم المتوتّر المحيط به، إلى هذا الامتحان الفظيع مجددا.

خاض الحزب في “إسناد غزة” حرب مقاومة مشهودة ضد إسرائيل. أما خوض حرب لإسناد إيران، في المقابل، تبدو، تكليفا للنفس بما ليس في وسعها، وإلقاء للحزب واللبنانيين في التهلكة، ناهيك عن تعارضها مع عمل الحكومة والجيش اللبنانيين لـ”سد الذرائع” على عدوان إسرائيلي جديد، في وقت يتعرّض فيه العالم، وليس الشرق الأوسط، أو لبنان فحسب، إلى زلزال هائل لا قدرة للدول الصغيرة، فما بالك بالأحزاب، على مواجهته.

القدس العربي

—————————–

المفكر الروسي ألكسندر نازاروف لـ”القدس العربي”: “مغامرة إيران” نجاح باهر لنتنياهو وخطأً فادح لترامب

تونس- “القدس العربي”: شكّك المفكر الروسي ألكسندر نازاروف بنجاح “المغامرة” التي تخوضها واشنطن وتل أبيب في إيران، معتبرا أن صمود طهران واستمرار إغلاقها لمضيق هرمز لعدة أشهر سيشكل “ضربة قاضية” للاقتصاد الغربي.

واعتبر، في حوار خاص مع “القدس العربي”، أن إسرائيل تنظر إلى الحرب الدائرة في إيران كـ”فرصة نادرة لا تتكرر إلا مرة كل قرن، ليس فقط للقضاء على محور المقاومة، بل على إيران نفسها”.

وأوضح: “الفراغ السياسي الذي يعقب انهيار أي حكومة مركزية يُملأ عادةً من قِبل قوى إقليمية قائمة، لا سيما من الأقليات العرقية. كما أن احتلال جزء من الأراضي الإيرانية من قِبل جيرانها، وعلى رأسهم تركيا وأذربيجان (كجزء من مشروع إنشاء أذربيجان الكبرى وجسر تركي إلى آسيا الوسطى)، أمر وارد”.

واعتبر أنه “ليس من الواضح ما إذا كان سقوط إيران سيفتح الطريق أمام إسرائيل لبناء إمبراطورية، ولكنه على الأقل الخطوة الأولى والبالغة الأهمية في هذا الاتجاه”.

واستدرك بقوله: “لكن، بالطبع، الحديث عن سقوط إيران سابق لأوانه، على أقل تقدير. فإيران تتمتع بموقع جيوسياسي فريد؛ والسيطرة على مضيق هرمز باتت الآن أهم من امتلاك قنبلة ذرية. وإذا تمكنت إيران من إبقاء مضيق هرمز مغلقًا لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر فقط، فإن ذلك قد يُشكل ضربة قاضية للاقتصاد الغربي”.

واعتبر نازاروف أن صمود إيران الحالي يُثير أزمة سياسية داخلية في الولايات المتحدة، “فبعد ثلاثة أشهر، سيواجه الجمهوريون خيارًا صعبًا: إما إلغاء الانتخابات وإشعال حرب أهلية، أو خسارة الانتخابات والانسحاب من الساحة السياسية الفيدرالية، وربما إلى الأبد. على أي حال، سيشهد هذا الصيف دخول أمريكا في حالة من عدم الاستقرار الداخلي”.

واعتبر أنه “لدى إيران فرصة جيدة للفوز، وأعتقد أنها بالتأكيد أفضل من فرصة “تحالف إبستين” (في إشارة للولايات وإسرائيل).”

ويرى المراقبون أن سقوط إيران سيمهد الطريق نحو روسيا التي اعتبروا أنها تعاني كثيرا بسبب حربها المتواصلة منذ أربع سنوات في أوكرانيا.

وعلق نازاروف على ذلك بقوله: “لا أعتقد أنه من الصواب القول إن “روسيا هي التالية”، لأن روسيا تخوض حربًا منذ أربع سنوات، وهذه الحرب ليست مع أوكرانيا، بل مع الغرب الموحد. أوكرانيا لا تقدم سوى الجنود، وقودًا للمدافع؛ أما كل شيء آخر، من الاستخبارات إلى الأسلحة والقيادة، فهو غربي”.

واعتبر أن “احتمالية نشوب صراع عسكري مباشر بين روسيا وحلف الناتو- أو على الأقل أوروبا- لا تعتمد على الوضع في إيران، بل على سرعة انهيار أوكرانيا. فبمجرد هزيمة أوكرانيا، ستزداد احتمالية نشوب حرب في البلطيق بشكل حاد. أو بالأحرى، نحن على بُعد خطوة واحدة من ذلك، حيث بدأت الدول الأوروبية بالاستيلاء على ناقلات النفط الروسية، وهذا قد يؤدي إلى التصعيد في أي لحظة”.

كما أشار نازاروف إلى أن “السيطرة على إيران، أو بالأحرى السيطرة على نفطها وغازها، كان مُخططًا لها من قِبل ترامب كجولة أولى في حرب اقتصادية ضد الصين وروسيا. فالسيطرة على إيران ستحرم الصين من جزء كبير من وارداتها النفطية، وستؤدي في الوقت نفسه إلى خفض سعر النفط والإضرار بالاقتصاد الروسي”.

لكنه اعتبر أن الأمور في الوقت الراهن، تسير في الاتجاه المعاكس.”فمنذ اليوم الثاني من الحرب، لم تدع إيران مجالاً للشك في جدية نواياها، إذ أغلقت مضيق هرمز وضربت منشآت النفط والغاز في الخليج. ومهما يكن مصير إيران، فإنها قادرة على تدمير الغرب بإحداث انهيار في البورصات الغربية، وما يتبعه من انهيار للنظام المالي والاقتصاد الغربي”.

وتابع نازاروف: “إذا صمدت إيران لشهرين أو ثلاثة أشهر دون تقديم تنازلات، فإن انهيار الاقتصاد الغربي أمرٌ مرجحٌ للغاية؛ فهو في وضعٍ بالغ الخطورة”.

كما اعتبر أن “استمرار النزاع في منطقة الخليج يُسهّل على روسيا كسب الحرب في أوكرانيا، وفي المقابل، فإن الهجوم الروسي الجديد المتوقع في الربيع سيُفيد إيران”.

وأشار إلى أن فشل ترامب في تجميد الحرب في أوكرانيا قبل مهاجمة إيران يحرمه من فرصة كسب الحربين.

وأضاف نازاروف: “تُعدّ مغامرة إيران نجاحاً باهراً لنتنياهو وخطأً فادحاً لترامب. إن حرب أمريكا على جبهتين تتجاوز قدراتها”.

واعتبر أن “الانهيار الاقتصادي للغرب هو السيناريو الوحيد الذي يمنح البشرية فرصة لتجنب الحرب النووية، إذ إن أي صراع مباشر بين روسيا وأوروبا أو بين الصين والولايات المتحدة سينتهي حتماً باستخدام الأسلحة النووية من قبل الطرف الخاسر”.

وختم بالقول: “بعد إغلاق مضيق هرمز، أشعر بتفاؤل كبير. فالأحداث تسير في الاتجاه الصحيح”.

القدس العربي

————————-

 تركيا تراقب الجماعات الكردية وإيران تشنّ هجوماً استباقياً

الخميس 2026/03/05

أعلنت تركيا، اليوم الخميس، أنها تراقب عن كثب أي تحركات مهددة لاستقرار وأمن إيران والمنطقة تقوم بها جماعات كردية “انفصالية”، وذلك فيما أعلنت إيران تنفيذ هجوم استباقي بالتوازي مع تقارير أميركية تحدثت عن استعداد مقاتلين أكراد لشن هجوم ضد إيران في شمال غرب البلاد.

مشاورة مع مقاتلين أكراد

وقالت تركيا إنها “تراقب ‌عن كثب أي تحركات تقوم بها ​جماعة حزب الحياة ​الحرة الكردستاني الانفصالية المسلحة”، مشددةً على أن ما تفعله يُهدد أمن ​إيران واستقرار المنطقة، حسبما نقلت وكالة “رويترز”.

وحزب الحياة الكردستاني هو جماعة مسلحة كردية ذات توجه قومي تسعى، للحصول على حكم ذاتي لإقليم كردستان في إيران. وتُعدّ امتداداً لحزب العمال الكردستاني.

يأتي ذلك بالتزامن مع تقرير نشره موقع “أكسيويس” الأميركي، قال فيه إن مقاتلين من عدة فصائل كردية إيرانية يستعدون لاحتمال شنّ هجوم بري ضد النظام الإيراني في شمال غربي البلاد. لكنهم ينتظرون “الضوء الأخضر” من واشنطن قبل التحرك.

إلا أن وكالة “تستنيم” الإيرانية نفت التقارير الأميركية التي تتحدث عن دخول آلاف المقاتلين الأكراد من العراق إلى إيران.

والثلاثاء الماضي، نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر، قولها إن مسلحين ⁠من أكراد إيران تشاوروا مع الولايات المتحدة بشأن ⁠مهاجمة قوات أمن إيرانية في الأجزاء ⁠الغربية من البلاد.

وأعلنت 5 جماعات كردية إيرانية معارِضة متمركزة في العراق، قبل أيام من بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تشكيل تحالف باسم “تحالف القوى السياسية في كردستان الإيرانية” بهدف مواجهة النظام الإيراني.

هجوم استباقي

في غضون ذلك، قالت وكالة “فارس” الإيرانية، إن القوات الإيرانية دمّرت جزء كبير من مقرات ومستودعات ذخيرة لـ”جماعات إرهابية انفصالية” كانت تعتزم التوغل في الحدود الغربية للبلاد بدعم أميركي- إسرائيلي.

وأضافت أن مقار “الأحزاب الانفصالية” في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق، تعرضت للاحتراق جراء القصف الصاروخي.

وأعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية تنفيذ هجوم استباقي دفاعي ضد “جماعات إرهابية انفصالية” على الحدود الغربية لإيران بالتعاون مع الحرس الثوري، مضيفةً أنها ترصد جميع التحركات على الحدود، وأنها مستعدة لإحباط “أي مخطط للعدو الأميركي الصهيوني ومرتزقته”.

من جهته، أكد مقر خاتم الأنبياء التابع للقوات المسلحة الإيرانية، أنه استهدف مقرات لمجموعات كردية معارضة لإيران في إقليم كردستان العراق بثلاثة صواريخ.

ومساء أمس الأربعاء، أصدر مكتب رئيس وزراء إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، بياناً، نفى فيه بشكل قاطع الأنباء المتداولة حول عبور أي كردي عراقي الحدود إلى الأراضي الإيرانية، مشدداً على أن ما يتردد في هذا الشأن بأنه “باطل تماماً”.

وأكد بارزاني أن الإقليم لن يكون جزءاً من أي صراع أو تصعيد عسكري يهدد أرواح مواطنيه وأمنهم، مشدداً على أن إقليم كردستان سيظل ركيزة أساسية للسلام والاستقرار.

من جهته، قال رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، إنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لإبقاء إقليم كردستان العراق بمنأى عن الحرب الجارية في المنطقة.

—————————-

 “أكسيوس”: أكراد إيران ينتظرون “الضوء الأخضر” الأميركي للتحرك

الخميس 2026/03/05

أفاد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون، إلى جانب مسؤول رفيع في أحد الفصائل الكردية الإيرانية المعارضة، بأن مقاتلين من عدة فصائل كردية إيرانية يستعدون لاحتمال شنّ هجوم بري ضد النظام الإيراني في شمال غربي البلاد. لكنهم ينتظرون “الضوء الأخضر” من واشنطن قبل التحرك.

الهجوم يزيد الضغط على النظام الإيراني

وأشار المسؤولون إلى ان هجوماً برياً كردياً متزامناً مع الحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية ضد طهران قد يزيد الضغط على النظام الإيراني، وربما يشجّع على اندلاع تمرد داخلي يمكن أن يمتد إلى مناطق أخرى من إيران.

وكانت خمس جماعات كردية إيرانية معارضة متمركزة في العراق أعلنت قبل ستة أيام من اندلاع الحرب، تشكيل “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران” بهدف مواجهة النظام الإيراني. ووفق الموقع تمتلك هذه الفصائل آلاف المقاتلين المنتشرين على طول الحدود بين إيران والعراق، كما تسيطر على مناطق استراتيجية في تلك المنطقة.

وقال مصدر مقرّب من إحدى هذه الفصائل، إن الجماعات الكردية أرسلت خلال الأسابيع الأخيرة المئات من عناصرها من معسكرات على الجانب العراقي من الحدود إلى داخل الأراضي الإيرانية، في إطار الاستعداد لهجوم محتمل ضد قوات النظام الإيراني.

ولفت مسؤولان أميركي وإسرائيلي ومصدر ثالث مطّلع إلى أن الميليشيات الكردية الإيرانية تحظى بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) وجهاز الموساد الإسرائيلي. ووفق مسؤول أميركي، تهدف الخطة إلى السيطرة على منطقة محددة داخل الإقليم الكردي في إيران، بما يسمح بتحدي السلطات الإيرانية وتحفيز انتفاضة أوسع.

وقال مسؤول إسرائيلي إن الحرب بدأت بمرحلة عسكرية مباشرة عبر الضربات الجوية الأميركية-الإسرائيلية، لكن مع استمرارها قد تترافق مع عمليات أخرى تنفذها أجهزة الاستخبارات.

 وقال وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو خلال جلسة إحاطة مغلقة في الكونغرس: “نحن لا نسلّح الأكراد، لكن لا يمكن التنبؤ دائماً بما قد يفعله الإسرائيليون”. وكانت شبكة “سي إن إن” كشفت سابقاً عن دور محتمل لوكالة الاستخبارات المركزية في هذا المخطط.

أصل الفكرة

ونقل “اكسيوس” عن مسؤول أميركي، أن فكرة دعم الفصائل الكردية الإيرانية واستخدامها في هجوم بري انطلاقاً من العراق طُرحت أساساً من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجهاز الموساد، قبل أن تنضم وكالة الاستخبارات المركزية لاحقاً إلى الجهود.

وأضاف أن مسؤولين إسرائيليين وعدوا الفصائل الكردية ليس فقط بدعم عسكري، بل أيضاً بدعم سياسي لإقامة منطقة حكم ذاتي كردية في إيران مستقبلاً في حال سقوط النظام. غير أن المسؤول نفسه حذّر من أن هذه الفصائل لا تمتلك في الوقت الراهن القوة العسكرية الكافية، وقد تتحول إلى “وقود للحرب” إذا اندلعت المواجهة.

بدورها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الرئيس دونالد ترامب لم يوافق على أي خطة لدعم هجوم بري تنفذه ميليشيات كردية إيرانية ضد النظام.

وفي السياق نفسه، أجرى ترامب الأحد، اتصالين هاتفيين مع الزعيمين الكرديين في العراق مسعود بارزاني وبافل طالباني لبحث الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران وما قد يليها، بحسب “أكسيوس”. وقال مسؤول أميركي إن الاتصالين كانا إيجابيين، لكن الزعيمين الكرديين أبديا تحفظات بشأن المشاركة في أي توغل بري داخل إيران.

كما ذكرت “سي إن إن” أن ترامب تحدث بشكل منفصل مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني المعارض مصطفى هجري.

في المقابل، أجرى وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي اتصالاً برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، معبّراً عن قلق طهران من احتمال توغل بري تنفذه الفصائل الكردية الإيرانية انطلاقاً من الأراضي العراقية. وأكد السوداني، وفق بيان لوزارة الخارجية الإيرانية، أن الحكومة العراقية “لن تسمح تحت أي ظرف باستخدام أراضيها لتهديد إيران”.

ومنذ انطلاق الهجوم على إيران، نفذت الطائرات الإسرائيلية غارات على مواقع عسكرية إيرانية حدودية في منطقة كردستان، كما استهدفت قواعد للحرس الثوري ومراكز للشرطة في المنطقة.

وذكرت وكالة “تسنيم” الإيرانية الأربعاء، أن مدينة بوكان في شمال غربي إيران، القريبة من الحدود مع العراق، تعرضت لقصف كثيف.

من جهتها، نفت الفصائل الكردية الإيرانية بدء أي هجوم بري حتى الآن. وقال مصدر كردي لـ”أكسيوس” إن مثل هذا الهجوم قد يبدأ لاحقاً هذا الأسبوع، لكنه أشار إلى أن الفصائل المختلفة لا تزال تنتظر “الضوء الأخضر” من الولايات المتحدة قبل التحرك.

إيران تستهدف مجموعات كردية

في الأثناء، أعلنت إيران اليوم الخميس، أنها استهدفت مقار مجموعات كردية في كردستان العراق، وفقا لما ذكرته وسائل إعلام إيرانية رسمية، وذلك عقب غارات جوية استهدفت مناطق كردية في إيران والعراق.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” في منشور على تطبيق “تليغرام”، عن بيان عسكري قوله: “استهدفنا مقار جماعات كردية معارضة للثورة في كردستان العراق بثلاثة صواريخ”.

——————————-

الورقة الكردية مرة أخرى: المرحلة القادمة من الحرب سيقودها أكراد إيران بدعم من الموساد وسي آي إيه وسط مخاوف من نزاع أهلي

نشر موقع “أكسيوس” تقريرا لمراسله باراك رافيد، قال فيه إن الخطة الأمريكية لإيران تقوم على قيادة قوة كردية مدربة من الموساد والمخابرات الأمريكية (سي آي إيه) المرحلة القادمة من الحرب في إيران.

وقال إن مسلحين من عدة فصائل كردية إيرانية يحضرون لعملية برية محتملة ضد النظام الإيراني في شمال غرب البلاد، وذلك حسب مسؤولين استخباراتيين إسرائيليين وأمريكيين ومسؤول بارز في واحدة من هذه الجماعات. ويأمل الأمريكيون ومعهم الإسرائيليون أن تؤدي العملية العسكرية المخطط لها إلى زيادة الضغط على النظام الإيراني، وبخاصة أنها ستكون مرفقة بضربات جوية أمريكية وإسرائيلية، مما يدفع عناصر معارضة أخرى داخل البلاد إلى التمرد ضد النظام.

وكانت مجموعة من الفصائل الكردية الإيرانية التي تحتمي في العراق، قد أعلنت عن تشكيل تحالف القوى السياسية في كردستان إيران. ويزعم التقرير أن الفصائل الكردية لديها آلاف من المقاتلين على الحدود العراقية- الإيرانية ويسيطرون على مناطق استراتيجية مهمة. وقامت هذه الفصائل، بإرسال مئات المقاتلين من معسكراتها في العراق إلى الحدود مع إيران، وذلك تحضيرا لهجوم محتمل ضد قوات النظام. والهدف من العملية هو محاولة السيطرة على مناطق يقطنها الأكراد في إيران والعمل على إشعال ثورة واسعة. وتحظى هذه الجماعات بدعم من الموساد وسي آي إيه، حسب مصدرين أمريكي وإسرائيلي ومصدر ثالث على معرفة بالأمر.

وقال مسؤول إسرائيلي إن الحرب على إيران “بدأت بعملية دينامية للجيشين الأمريكي والإسرائيلي. ومع استمرارها، سيبذل الموساد ووكالة المخابرات المركزية جهودا أخرى”.

وفي جلسة مغلقة في الكونغرس، يوم الثلاثاء، قال وزير الخارجية ماركو روبيو: “نحن لا نسلح الأكراد”. لكن لا يمكن التنبؤ بما قد يفعله الإسرائيليون. وكشفت شبكة “سي إن إن” لأول مرة عن دور وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الخطة.

وقال مسؤول أمريكي ثان إن فكرة دعم الفصائل الكردية الإيرانية واستخدامها في هجوم بري من العراق إلى إيران جاءت في البداية من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والموساد، وانضمت سي أي إيه الأمريكية إلى الجهود في مرحلة لاحقة. وزعم المسؤول أن المسؤولين الإسرائيليين وعدوا الفصائل الكردية الإيرانية ليس فقط بالدعم العسكري، بل أيضا بالدعم السياسي لإقامة منطقة كردية ذاتية الحكم في إيران مستقبلا في حال انهيار النظام. وأضاف المسؤول: “المشكلة تكمن في أن الفصائل الكردية الإيرانية لا تملك القوة العسكرية الكافية، وقد ينتهي بها المطاف كوقود للمدافع”.

وكانت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، قد نفت يوم الأربعاء بأن الرئيس ترامب وافق على أي خطة لدعم هجوم تشنه الميليشيات الكردية الإيرانية ضد النظام. فيما امتنعت سي آي إيه والموساد عن التعليق.

ومن جهة أخرى، تحدث ترامب هاتفيا يوم الأحد مع الزعيمين الكرديين في العراق، مسعود بارزاني وبافل طالباني، لمناقشة الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وما قد يترتب عليها. وقال مسؤول أمريكي بأن المكالمة الهاتفية سارت على ما يرام، لكن كلا من بارزاني وطالباني أعربا عن تحفظاتهما بشأن التورط في أي توغل بري داخل إيران. وقالت شبكة “سي إن إن” بأن ترامب تحدث بشكل منفصل مع مصطفى هجري، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني.

وتحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الأربعاء، مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، وأعرب عن قلقه إزاء احتمال توغل بري من قبل الفصائل الكردية الإيرانية داخل إيران. فيما أكدت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان لها، أن “رئيس الوزراء العراقي شدد على أن الحكومة العراقية لن تسمح بأي حال من الأحوال بتوجيه أي تهديد لإيران من الأراضي العراقية”. ومنذ بدء الحرب مع إيران، شنت طائرات حربية إسرائيلية غارات جوية على مواقع عسكرية إيرانية حدودية في إقليم كردستان وعلى قواعد الحرس الثوري الإيراني ومراكز الشرطة في المنطقة.

ونشرت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء، يوم الأربعاء، بأن مدينة بوكان، شمال غرب إيران، قرب الحدود مع العراق، تتعرض لقصف مكثف. فيما نفت الفصائل الكردية الإيرانية، يوم الأربعاء، أي عملية برية. وقال مصدر كردي إن مثل هذا الهجوم قد يبدأ في وقت لاحق من هذا الأسبوع، لكنه أشار إلى أن الفصائل المختلفة تنتظر “الضوء الأخضر” الأمريكي للتدخل.

وقالت صحيفة “التايمز” البريطانية في تقريرا لها إن دعم أمريكا وإسرائيل للجماعات الكردية قد يزيد من مخاطر الحرب الأهلية وتوسعها بطريقة ستؤثر على استقرار الجوار. وقالت كاثرين فيليب في تقريرها إن المخابرات الأمريكية والموساد يعملان مع الجماعات الإيرانية الكردية للإطاحة بالنظام وهو ما يهدد باندلاع حرب طائفية.

ويأتي التواصل مع أكراد إيران بعد أسابيع فقط من قطع إدارة ترامب الدعم عن القوات الكردية الموالية للغرب في سوريا، والتي شاركت في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وتنتشر آلاف القوات الكردية الإيرانية على طول الحدود العراقية الإيرانية، معظمها من كردستان العراق، المنطقة المتحالفة منذ زمن طويل مع معارضي صدام حسين. مضيفة أن أي محاولة لتسليح الأكراد الإيرانيين لمواجهة طهران تتطلب تعاون قادة كردستان العراق، الذين سيتعين عليهم نقل الأسلحة.

وقال مسؤول كردي إيراني بارز بأنه من المتوقع أن يشارك العديد منهم في هجوم بري وشيك بدعم أمريكي وإسرائيلي. وقال المسؤول لشبكة سي إن إن: “نعتقد أن لدينا فرصة كبيرة”. وأفادت مصادر كردية أخرى أن الهجوم يحمل اسما بالفعل: “زينة”، وهو الاسم الأوسط لمهسا أميني، الشابة الكردية التي أشعلت وفاتها في حجز الشرطة الإيرانية عام 2022 حركة “نساء، حياة، حرية” الاحتجاجية.

ومنذ اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، في اليوم الأول للحرب، تقصف إسرائيل بشكل منهجي مواقع أمنية في شمال غرب إيران، في ما يبدو أنه استعداد لهجوم. وفي الوقت نفسه، شن الحرس الثوري الإيراني غارات جوية مكثفة على المنطقة، وحشد قوات إضافية على الأرض.

ويعد الأكراد من بين الجماعات المعارضة القليلة في إيران التي تمتلك أسلحة، ويعود ذلك جزئيا إلى روابط عناصرها العرقية عبر حدود البلاد. وبينما يمتلك الانفصاليون البلوش في الجنوب أسلحة أيضا، لا توجد معارضة مسلحة من أصل فارسي في إيران، نظرا لاحتكار الدولة للأسلحة من قبل من يشكلون الأغلبية العرقية بنسبة 80%. ويشكل الأكراد ما بين 6 و10% من سكان إيران البالغ عددهم 93 مليون نسمة.

ووصف كريم سجادبور، كبير محللي إيران في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، الخطة الإسرائيلية الأمريكية بأنها “استراتيجية تنطوي على احتمال اللعب بالنار” من شأنها تفتيت المعارضة وتعزيز النظام باعتباره مدافعا عن السيادة الإيرانية. وأضاف: “إذا شعر الإيرانيون أن هذه استراتيجية تهدف إلى تفتيت البلاد وتقسيمها على أساس طائفي، فهذا أمر يثير حساسية بالغة لديهم”.

وقال: “ستعارض الغالبية العظمى من الإيرانيين أي محاولات خارجية لتهديد وحدة أراضي البلاد”. وأوضح سجادبور أن صغر حجم السكان الأكراد يعني “أنهم لن يشكلوا أبدا تهديدا وجوديا للنظام في طهران”، مضيفا: “إن أعظم قوة مضادة للتطرف الإسلامي للنظام الإيراني هي القومية الإيرانية”.

وعلق بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس أوباما، قائلا بأنها “فكرة كارثية” من شأنها تحويل الصراع إلى “حرب أهلية طائفية وحرب إقليمية”.

وقد أثار نبأ التواصل الإسرائيلي الأمريكي المشترك، انقساما في الآراء بين المعارضة الإيرانية والجماعات الكردية داخل إيران وخارجها. فبعد أن أعلنت خمس جماعات سياسية كردية إيرانية عن تشكيل تحالف جديد مناهض للنظام قبل أسبوعين، أصدرت حكومة إقليم كردستان العراق بيانا شديد اللهجة ضدها.

وأكد البيان أن إقليم كردستان العراق ظل “عامل استقرار وهدوء في المنطقة، ولم يكن قط مصدر تهديد أو خطر على أمن أي دولة مجاورة، ولن يسمح لأي طرف باستخدام إقليم كردستان ضد أي دولة مجاورة”.

واستبعد قباد طالباني، نائب رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان، أي استخدام للأراضي الكردية العراقية في الحرب على إيران. وقال إن إقليم كردستان “سيحافظ على حياده تماما”. وبعد أيام، اتصل ترامب بالقيادات المشتركة لحكومة إقليم كردستان لحثها على دعم الأكراد الإيرانيين، حسبما أفاد موقع “أكسيوس”، مضيفا أن الخطة كانت من بنات أفكار إسرائيل، وعرضها بنيامين نتنياهو، على ترامب خلال زيارته للبيت الأبيض.

وقال مسؤول إسرائيلي لموقع أكسيوس: “يرى نتنياهو أن الأكراد سيظهرون فجأة. لقد كان قد وضع خطة لخلافته، لقد كان قد حدد مصير الأكراد بدقة؛ مجموعتان كرديتان هنا وهناك”. كما أبدى كثيرون حذرهم من النوايا الإسرائيلية. وكتب علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن نبأ الخطة كان درسا “لأولئك الذين ما زالوا يعتقدون أن انهيار الدولة ليس الهدف النهائي هنا”. فإيران المنقسمة والغارقة في فوضى داخلية ستفقد الطاقة أو الموارد اللازمة للتدخل في المنطقة، وهو هدف أكثر أهمية لإسرائيل من انتقال ديمقراطي أو حتى سلمي للسلطة.

القدس العربي

——————————

==============

تحديث 04 شباط 2026

——————————

الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران: خلفياتها وأهدافها

بعد أسابيع من الحشد العسكري والتصريحات التصعيدية من جانب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، شنت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، يوم 28 شباط/ فبراير 2026، هجومًا واسع النطاق على إيران. وعلى الرغم من أن ترمب زعم في كلمة مسجلة، بُثت بعد ساعات قليلة من بدء الهجوم، أن هدف العملية منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإنه دعا الإيرانيين إلى استغلال “فرصة قد لا تتكرر لأجيال” لتولي زمام الأمور في بلادهم؛ ما يشير إلى أن الهدف النهائي للعملية، إذا كان ثمة هدف محدد وواضح، هو إسقاط النظام. وقد أسفرت الضربة الافتتاحية عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية. وسرعان ما ردّت إيران بهجمات استخدمت فيها صواريخ باليستية وطائرات مسيرة في اتجاه إسرائيل وقواعد أميركية، ومنشآت اقتصادية في دول الخليج العربية، والأردن، وقبرص، في محاولة لإشعال المنطقة لرفع التكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها، وإلحاق أكبر ضرر ممكن بالاقتصاد العالمي لتوليد ضغوط دولية على إدارة ترمب لوقف الحرب.

أولًا: خلفية الهجوم

منذ الهجوم الذي شنته إسرائيل على إيران في حزيران/ يونيو 2025، وضرب الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية خلاله، ظل الرئيس الأميركي يأمل عودة إيران إلى المفاوضات والقبول بشروطه للتوصل إلى اتفاق معها، يشمل تنازلها الكامل عن حقها في تخصيب اليورانيوم (بمعنى تفكيك برنامجها النووي والقبول بمبدأ صفر تخصيب)، وتسليم قرابة 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، ووضع حد لمديات برنامجها الصاروخي؛ بحيث تصبح غير قادرة على الوصول إلى إسرائيل (راوحت التقديرات بهذا الشأن بين 300-500 كيلومتر) ووقف دعم حلفائها في الإقليم، إضافة إلى حصول الشركات الأميركية على حصة من العقود الإيرانية، في مقابل رفع تدريجي للعقوبات الأميركية على إيران. لكن طهران لم تبد تجاوبًا مع المطالب الأميركية أو دعواتها لاستئناف المفاوضات.

في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في إيران، بدأت في طهران بسبب انهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع الأسعار، ثم امتدت إلى العديد من المدن في أنحاء البلاد. لكن هذه الاحتجاجات سرعان ما تحولت إلى حركة أوسع للمطالبة بتغيير النظام السياسي، تخللتها أعمال عنف. ردت السلطات على المتظاهرين باستخدام القوة المميتة، والاعتقالات الواسعة، إلى جانب قطع الإنترنت لحجب المعلومات[1]. رأى ترمب في التطورات فرصة لإعادة صياغة معادلة الضغط والتفاوض مع طهران، فدعا المحتجين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، واعدًا إياهم بأن “المساعدة في الطريق”. لكنه لم يلبث أن تراجع بعد ذلك، قائلًا إنه تلقى تعهدات من السلطات الإيرانية بوقف إعدام نحو 800 شخص شاركوا في الاحتجاجات[2]. ويعود تراجعه حينها عن التدخل إلى عدم وجود ما يكفي من قوات في المنطقة لشن هجوم ضد إيران وتلقي الرد، ومطالبة إسرائيل له بالتريث حتى تتخذ استعدادات كافية لمواجهة إيران، فضلًا عن ضغوط مارستها عليه دول عربية في الخليج وتركيا لتجنب الحرب وإعطاء فرصة للدبلوماسية؛ ما سمح بالعودة إلى المسار التفاوضي مع إيران، والذي كان قد توقف نتيجة حرب الـ 12 يومًا في حزيران/ يونيو الماضي. وثمة اعتقاد أن المفاوضات كانت مسرحية أدارها ترمب بهدف كسب الوقت لإتمام الاستعدادات للحرب، إلا إذا استسلمت إيران فيها لجميع المطالب الأميركية بحيث تتحقق نتائج الحرب المزمع شنها.

شهد شباط/ فبراير 2026 ثلاث جولات تفاوضية، كانت تجري وفق منطق دبلوماسية البوارجGunboat Diplomacy، بعدما أمر ترمب برفع مستوى الحضور العسكري الأميركي في المنطقة، ووضع مهلة مقدارها شهر للتوصل إلى اتفاق مع إيران. انعقدت الجولة الأولى من المفاوضات في 6 شباط/ فبراير في مسقط، وأصرت خلالها طهران على حصر النقاش في مسألة ملفها النووي، في حين طالبت واشنطن باتفاق أوسع يشمل البرنامج الصاروخي، وعلاقة طهران بحلفائها الإقليميين. تمسكت إيران خلال المفاوضات أيضًا بحقها في التخصيب بنسب مئوية منخفضة لأغراض سلمية. انتهت جولة مسقط من دون اتفاق، لكنها أسست لمفاوضات إضافية في جنيف، بينما استمر الحشد الأميركي في المنطقة. في جنيف، وافقت واشنطن على قصر التفاوض على برنامج إيران النووي، على أن يجري بعد التوافق بشأنه الانتقال للتفاوض حول القضايا الأخرى (البرنامج الصاروخي، والقضايا الإقليمية). لكن الفجوة برزت بشدة بين الطرفين، بعد أن تمسكت الولايات المتحدة بوقف تام للتخصيب داخل إيران، مع إخراج كامل كمية المواد المخصبة بنسبة 60 في المئة إلى الخارج، في حين اقترحت إيران خفض مستويات التخصيب وزيادة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع مرحلي للعقوبات. ولفترة وجيزة، سادت أجواء تفاؤلية بقرب التوصل إلى اتفاق يجنب المنطقة مواجهة عسكرية مكلفة حينما أدلى وزير الخارجية العماني، والوسيط في المفاوضات بين واشنطن وطهران، بدر البوسعيدي، بتصريحات لإحدى محطات التلفزة الأميركية، بأن إيران وافقت على نقل كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج، وقبلت بنظام تفتيش صارم لمنشآتها النووية[3]. لكن الحرب نشبت وبدأ العدوان على إيران مع تحقيق تقدم في المفاوضات؛ ما يدل على أن إسرائيل، والفئات المؤيدة للحرب التي تدور في فلكها داخل الإدارة الأميركية، كانت تخشى من التوصل إلى تسوية، ولو بتنازلات مؤلمة لإيران. صحيح أن واشنطن كانت تريد التزامًا واضحًا من إيران بتفكيك برنامجها النووي، بحيث ينفذ من خلال وقف كل نشاطات التخصيب على الأراضي الإيرانية، وهو أمر لم تقبل به إيران في تلك الجولتين، ولكنها قدمت تنازلات كثيرة أخرى، وكانت التسوية ممكنة من دون شك. استغلت الولايات المتحدة وإسرائيل توافر معلومات استخباراتية عن اجتماع يعقد صباح اليوم التالي (السبت 28 شباط/ فبراير 2026) في مقر إقامة المرشد خامنئي يضم كبار القيادات السياسية والعسكرية، وأطلقت العدوان بعد غدر وخداع، وأصبح واضحًا أن الهدف ليس التوصل إلى تسوية مع إيران، بل إسقاط نظامها الحاكم.

ثانيًا: دوافع الهجوم على إيران

أطلقت الولايات المتحدة على الحملة العسكرية المشتركة التي تنفذها مع إسرائيل ضد إيران اسم “الغضب الملحمي” Epic Fury[4]، بينما أسمتها إسرائيل “عملية الأسد الزائر” Roaring Lion. وجاء هذا التحرك، بعد أن استكملت واشنطن حشد قواتها في المنطقة، ومهلة منحها ترمب لإيران راوحت بين عشرة وخمسة عشر يومًا للتوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي[5]. حدّد ترمب، في بيان مقتضب نشره عبر منصة تروث سوشيال عشية الهجوم، أربعة أهداف لعملية “الغضب الملحمي”، تمثّلت في: 1. منع إيران من امتلاك سلاح نووي، 2. تدمير ترسانتها الصاروخية ومواقع إنتاجها، 3. إضعاف شبكة وكلائها في الإقليم، 4. القضاء على قدراتها البحرية. لكن، إلى جانب هذه الأهداف العسكرية، أشار إلى غاية سياسية أوسع تتمثّل في الدفع نحو تغيير النظام من الداخل، مستغلًا التذمر الشعبي من الأوضاع الاقتصادية التي تُعدّ العقوبات الأميركية أبرز أسبابها.

لسنوات طويلة، مثّل برنامج إيران النووي أحد أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران إلى أن جرى التوصل إلى اتفاق بشأنه عام 2015، سمح برقابة مشددة عليه في مقابل السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم عند حد 3.67 في المئة. لكن ترمب انسحب من الاتفاق الذي أبرمته إدارة باراك أوباما، واعتمد بدلًا منه سياسة “الضغط الأقصى” للتوصل إلى اتفاق خاص به. وبعد تعثر جهود إدارة الرئيس جو بايدن في إحياء الاتفاق أو التوصل إلى صيغة بديلة، عاد ترمب إلى البيت الأبيض معلنًا رغبته في إعادة فتح باب المفاوضات مع إيران. وخلال العام الأول من ولايته الثانية، أكد مرارًا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة العسكرية إذا فشلت الجهود التفاوضية في التوصل إلى الاتفاق الذي يريده مع إيران. وفي أعقاب الضربات الجوية الأميركية في حزيران/ يونيو 2025، أو ما سُمّي حرب الإثني عشر يومًا، أعلنت واشنطن أنها ألحقت أضرارًا جسيمة بالبرنامج النووي الإيراني، وأن أي اتفاق جديد مع إيران يجب أن يتضمن تفكيكًا كاملًا للبنية التحتية النووية الإيرانية ووقف كل أنشطة التخصيب على الأراضي الإيرانية؛ وهو ما رفضته إيران، كما رفضت التطرق إلى القضايا غير النووية، باعتبار أن اتفاق 2015 اقتصر عليها، فاستبعدت برنامجها للصواريخ الباليستية وعلاقتها بحلفائها في “محور المقاومة” من جدول أعمال المفاوضات[6]. ونتيجة افتقارها إلى قدرات جوية معتبرة، تعتبر إيران برنامجها الصاروخي أداتها الدفاعية الرئيسة، وهي تتمسك برفض التفاوض بشأن مدياته التي تصل في بعض أنواع الصواريخ إلى 2000 كيلومتر؛ الأمر الذي ظل موضع خلاف كبير مع واشنطن التي رأى وزير خارجيتها، ماركو روبيو، أن ملف الصواريخ الباليستية يتعين بحثه في مرحلة ما[7]. مع ذلك، لا يبدو أن الخلاف حول برنامج إيران النووي أو برنامج الصواريخ الباليستية كان وحده الدافع المباشر وراء الضربة الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة، لا سيما في ضوء المؤشرات التي تفيد أن العملية جرى التخطيط لها منذ أشهر بالتنسيق بين واشنطن وتل أبيب[8]، ضمن إطار استراتيجي أوسع يتجاوز حدود القضايا العسكرية والنووية.

في إعلان ترمب عن بدء الهجوم، صباح السبت، وجّه خطابًا مباشرًا إلى الشعب الإيراني دعا فيه إلى “السيطرة على حكومتكم” عقب انتهاء العمليات العسكرية. مضيفًا: “لديكم الآن رئيس يمنحكم ما تريدون، فلنرَ كيف ستردون”. واتهم إيران بممارسة “إرهاب جماعي”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة “لن تتسامح مع ذلك بعد الآن”، ومعلنًا عزم بلاده على “تدمير صواريخها وتسوية صناعتها الصاروخية بالأرض”[9]. عكست هذه التصريحات توجّهًا تصعيديًا واضحًا، يربط بين المسار العسكري الذي تقوده واشنطن والرهان على تحولات “داخلية” في بنية النظام الإيراني على خلفية إلحاق ضرر عميق ببنيته الأمنية والسياسية؛ ما يفضي إلى إضعافه تمهيدًا لإسقاطه. فقرار تنفيذ ضربات واسعة ضد أهداف تابعة للنظام الإيراني يتجاوز إطار التصريحات السابقة التي وعد فيها ترمب المتظاهرين بأن “المساعدة قادمة”، ليعكس توجّهًا نحو حملة شاملة تستهدف تقويض القيادة ومراكز القوة فيه. ويبدو أن الإدارة الأميركية، في ضوء ما تعتبره مؤشرات على هشاشة داخلية للنظام الإيراني خلال أحداث كانون الثاني/ يناير، ترى فرصة لمحاولة إعادة تشكيل المشهد السياسي في إيران بصورة جذرية وتهيئة الظروف لإحداث تغيير في بنية النظام السياسي الإيراني. وقد تمثّل ذلك في استهداف مسؤولين كبار، ومؤسسات سيادية، وبنية تحتية عسكرية استراتيجية، فضلًا عن تدمير مقرات واستهداف أجهزة فرض النظام العام، إضافة إلى استهداف مجمعات قيادة وعناصر من الهيكل القيادي العسكري الإيراني. وبذلك، لم تقتصر العمليات على إضعاف قدرات عسكرية محددة، بل اتجهت نحو تقويض ركائز الدولة الأمنية ومراكز صنع القرار فيها.

وتستند المقاربة الأميركية إلى تقدير مفاده وجود حالة ضعف بنيوي داخل النظام الإيراني في أعقاب الضربات الإسرائيلية والأميركية في عام 2025، إضافة إلى موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد في كانون الثاني/ يناير، ورفع خلالها المتظاهرون شعارات تطالب بتغيير النظام. وعلاوة على ذلك، أسهمت الحروب التي شنتها إسرائيل خلال العامين الماضيين في إضعاف شبكة حلفاء إيران الإقليميين[10]؛ ما حدّ من قدرة طهران على فتح جبهات متعددة كان يمكن أن تُستخدم لردع هجوم واسع النطاق عليها أو تشتيت مساراته في حال وقوعه. وقد عزز كل هذا اقتناعًا أخذ يتشكل لدى الإدارة الأميركية بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية واسعة بتكلفة قليلة، تهدف، وفقًا لترمب، إلى “إنهاء تهديد إيراني مستمر منذ عقود”[11]. هنا تأمل واشنطن بوضوح أن تحفّز ضرباتها الجوية المشتركة مع إسرائيل انتفاضة داخلية تُفضي إلى إطاحة النظام[12]، وهذا ما تؤكده طبيعة الضربات التي يجري شنها على إيران[13]، وهذا ما أكده بنيامين نتنياهو أيضًا الذي وصف النظام الإيراني بأنه يمثّل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، ويرى[14] أن الهجوم الأميركي – الإسرائيلي قد “يخلق الظروف للشعب الإيراني كي يأخذ مصيره بيديه”[15]، مع أن التجربة تثبت أن هذه الاستراتيجية تقود إلى الفوضى أو الحروب الأهلية أو كلتيهما؛ فلا يوجد بديل منظم لنظام الحكم القائم، ولا تنوي الإدارة الأميركية أن تنزل قوات على الأرض لتدير مشهد انتقال السلطة، خلافًا لما حصل في العراق. وتبين التصريحات المتناقضة للرئيس الأميركي عن غياب أي تصور واضح لما بعد الحرب، وعدم اكتراث لمصير الدولة والشعب في إيران.

خاتمة

تسعى الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيل عبر العملية العسكرية الواسعة، التي أطلقتها ضد إيران يوم 28 شباط/ فبراير، وأسفرت في ساعتها الأولى عن اغتيال المرشد الإيراني وجزء كبير من قيادة الدولة، إلى تحقيق جملة من الأهداف؛ أهمها خلخلة بنية النظام وخلق ظروف داخلية مؤاتية تمهد لإطاحته، إذا فشلت الحملة الجوية في دفعه إلى الاستسلام والموافقة على الشروط الأميركية – الإسرائيلية المتصلة بالبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ البالستية والحلفاء الإقليميين. ويبدو ذلك واضحًا، من خلال استهداف أجهزة حفظ النظام في المجتمع، إلى جانب قدراته الصاروخية والنووية، بهدف إضعاف سطوة النظام وقدرته على السيطرة الداخلية؛ بما يسمح بإطلاق ثورة ضده مع انتهاء العمليات العسكرية.

[1] بشأن احتجاجات إيران، ينظر: “تلاقي المصالح وتعارضها في المواقف الدولية من احتجاجات إيران”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 19/1/2026، شوهد في 4/3/2026، في: https://acr.ps/1L9B9w7

[2] “Trump Says Iran Has Halted Executions as Tehran Postpones Hanging of Protester,” Le Monde, 15/1/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9my

[3] “Oman’s Foreign Minister Says U.S.-Iran Nuclear ‘Deal is within Our Reach’,” Face the Nation, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Bahk

[4] U.S. Central Command, “U.S. Forces Launch Operation Epic Fury,” Press Release, Summary of Operational Details and Targets, 28/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9OJ

[5] Trevor Hunnicutt & Matt Spetalnick, “Trump Warns Iran of ‘Bad Things’ if no Deal Made, Sets Deadline of 10-15 Days,” Reuters, 19/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9mp

[6] “US and Israel Launch ‘Pre-emptive’ Attack against Iran,” Reuters, 28/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba8X

[7] “US-Iran Nuclear Talks End without a Deal as Threat of War Grows,” The Guardian, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba9y

[8] “US and Israel Launch ‘Pre-emptive’ Attack against Iran.”

[9] Nicholas McEntyre, “Trump Directs Tehran to ‘Lay Down Your Arms’ or Face ‘Certain Death’ after US, Israel Strikes as he Appeals to Protesters,” New York Post, 28/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9pf

[10] Herb Scribner, “4 Reasons why the U.S. Attacked Iran with Israel,” Axios, 28/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba6W

[11] Phil Stewart et al., “Iranian Leader Khamenei Killed in Air Strikes as U.S., Israel Launch Attacks,” Reuters, 28/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9oZ

[12] Matt Spetalnick, Andrea Shalal & Idrees Ali, “Trump’s Iran Strikes Mark His Biggest Foreign Policy Gamble,” Reuters, 28/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9TI

[13] Joseph Rodgers and Bailey Schiff, “Operation Epic Fury and the Remnants of Iran’s Nuclear Program,” Center for Strategic and International Studies (CSIS), 28/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9Xz

[14] “Full text of Netanyahu’s Message as Israel, US Strike Iran: We Will Remove ‘Existential Threat’,” The Times of Israel, 28/2/2026, accessed on 4/3/2026, at: https://acr.ps/1L9B9iq

[15] “US and Israel Launch ‘Pre-emptive’ Attack against Iran.”

وحدة الدراسات السياسية

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

——————————

تداعيات الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى على مسار اللجوء والعودة في سورية/ إبراهيم دراجي

نشر في 4 آذار/مارس ,2026

تتناول هذه الدراسة أثر التصعيد العسكري الإقليمي بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى على مسار اللجوء والعودة السورية. وتحلل كيف تعيد الحرب تشكيل قرارات البقاء أو العودة لدى اللاجئين السوريين في دول الجوار وأوروبا، من خلال تأثيرها في البيئة الأمنية والاقتصادية للدول المضيفة. كما تبحث الورقة قدرة الدولة السورية على استيعاب موجات عودة محتملة في ظل وجود ملايين النازحين داخلياً، وتناقش التداعيات القانونية والإنسانية المرتبطة بالطوعية والاستدامة، إضافة إلى انعكاس التحولات الإقليمية على التمويل الدولي وبرامج دعم العودة.

تحميل المقالة كاملة من الرابط التالي

المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة

——————–

 الشرق الأوسط وعواصف الحرب الكبرى/ جمال الشوفي

2026.03.04

بينما كانت المفاوضات الأميركية الإيرانية تحاول التقدم تنفيذاً للشروط الأميركية الأربعة بديلاً عن الحرب، وفي لحظة مفاجئة، اختارت أميركا وإسرائيل بدء عملياتها العسكرية وضرباتها الجوية على قيادة النظام الإيراني صباح يوم 28 شباط، ما أدى إلى مقتل المرشد الأعلى للنظام الإيراني ومعظم قادة الصف الأول العسكري والأمني من حرسه الثوري. الأمر الذي أحدث تغيرات حادة في مسارات الشرق الأوسط، والتي قد تشعل كامل منطقة الشرق الأوسط بحرب واسعة طالما تم التحذير منها. اذ إن الرد الإيراني أتى مباشراً باستهداف مدن الخليج العربي وضرب كل القواعد الأميركية في المنطقة وشن هجمات صاروخية على إسرائيل، والتوعد برد قاسٍ على مقتل مرشدها الأعلى.

الامر الذي يهدد أمن الخليج العربي برمته وإمكانية اشعال فتيل حرب إقليمية واسعة إذما تدخلت بها دول أخرى، ما ينذر بخطر عالمي يتجاوز منطقة الشرق الأوسط. خاصة وأن التحذيرات السابقة لنشوب هذه الحرب لم تتوقف سواء من الخليج العربي أو الدول الأوروبية ومدى تأثرها بنتائجها سواء من اغلاق مضيق هرمز، أو من تداعيتها التي تتنامى إذا ما توقفت كل من الصين وروسيا عند خطر الاستيلاء على إيران وقلب الشرق الأوسط وأثاره على المعادلة العالمية سياسياً وخطوط التجارة البرية والطاقة اقتصادياً.

إنها الحرب إذا ولا أحد يستطيع التكهن بنهايتها، فهل سيسقط نظام الملالي الإيراني بمقتل مرشده الأعلى؟ وهل ستنتهي هذه الحرب خلال الأربعة أيام المحددة أولياً بدءاً من 28 شباط أم خلال أربعة أو خمسة أسابيع كما صرح ترامب؟ أم ستطور سيناريوهاتها وتتوسع دوائرها كما كانت احتمالات توقعها حال نشوبها وتمتد لجنوب لبنان كما يحدث الآن، أو العراق قريباً أو تشمل مناطق أخرى في المنطقة؟ وهل إعلان قادة إيران القبول بجولة مفاوضات جديدة بعُمان تعني بدء مرحلة جديدة في إيران والشرق الأوسط رغم استمرارها في استهداف مدن الخليج العربي ومواقع القواعد الأميركية في المنطقة؟ أم سيقع المحذور وتدخل منطقة الشرق الأوسط برمتها في أتون حرب كبرى تأتي على بقية مدنها وعواصمها؟ أسئلة متعددة وتلح على كل المهتمين بالشأن الدولي والإقليمي، وتبدو أن اجاباتها غير نهائية، ولا يمكن لأحد توقع نهايتها الأكيدة، سوى أن الحرب قد بدأت فعلياً.

ربما لن تقف هذه الحرب عند إيران وفقط وهذا خطر جسيم، لكن ما يمكن توقعه على مستوى إيران متعدد الاتجاهات، وهي اليوم أمام سيناريوهات متعددة:

– قد تبقى إيران مدافعة بضربات عسكرية صاروخية على دول الخليج في محاولة للضغط عليها للمساهمة في وقف هذه الحرب، وإن لم يكن، فاستدراجها لحرب مفتوحة تسعى من خلالها إيران لنقل دائرة الحرب الجوية المباشرة على أراضيها إلى أراضي الجوار العربي والانتقال لحرب برية مفتوحة معها، هذا مع بقاء نظامها الملالي مهيمناً في خلفية المشهد مهما توالت عمليات الاغتيال لقادته وخلفائه.

– في حين يبرز السيناريو الآخر وهو الذهاب لجولة مفاوضات جديدة تحت ضغط الضربات العسكرية الجوية الأميركية الإسرائيلية والدفع بضغط عربي خليجي لمحاولة إيقاف الحرب والتسليم ببعض الشروط الانتقالية الممكنة، وأهمها استغناؤها الكلي عن برنامجها النووي وصواريخها الباليستية مقابل الحفاظ على منظومة القيادة الإيرانية بمرجعيتها القائمة مع تبديل الأسماء.

– بينما يأتي حديث ترامب ومثله نتنياهو، بالتوجه للشعب الإيراني وحثّه على اقتناص ما وصفوه بالفرصة التاريخية وأخذ زمام المبادرة وخلع سلطة نظام الملالي بأكمله بعد أن مهدت هذه الضربات الطريق واسعاً أمامها. وهنا يذهب الشك بعيداً بأن دلالة الخطاب تذهب لأبعد من الشعب بقدر الإشارة بالتعامل مع بعض مراكز القوى العسكرية داخل إيران للانقضاض على السلطة، ما يشبه ما حدث بالعراق 2003، مع طرح بديل أميركي للمرحلة الانتقالية، كما أشار ترامب أكثر من مرة.

– وأيضاً، يأتي تشجيع المكونات العرقية الإيرانية في السياق ذاته، ولكنه يذهب باتجاه البحث عن إمكانية تقسيم إيران إلى دويلات، وبهذه الحالة سيحتفظ نظام الملالي بمكانته الجزئية ضمن دويلة شيعية، لتبرز معادلات العرب والبلوش والكورد وغيرهم كمكونات في دويلات أخرى..

فيما لو ذهبنا بعيداً عن النتائج والتي واضح أنه من المبكر التكهن بها وصعوبة تحديد أرجحية احتمال على آخر، لكن الدلالات الأولية لمجريات هذه الحرب تشير إلى جملة من النقاط الهامة:

– التفوق التقني العام والعسكري التكنولوجي الذي أفاد بإمكانية رصد حركات المرشد الأعلى وجميع قادته، ما يشبه تماماً ما جرى مع نصرالله في جنوبي لبنان، والذي يدلل على قدراته كسلاح فعّال بديلاً عن الترسانات النووية التي تجبر جميع القوى العالمية التي تمتلكه للتوقف عند حسابات التكنولوجيا فائقة الفعالية.

– سعة الضربة العسكرية الأولى كادت أن تشلّ معظم الدفاعات الإيرانية، لكنها لم تتمكن بعد من إنهاء منظومتها العسكرية كلياً، ما يعرض أمن الخليج للتهديد اليومي، وبالضرورة لم تزل مسألة حسم الحرب تعتمد على المنتج المتحقق برياً سواء كان عسكرياً أو تفاوضياً أو انقلاباً داخلياً.

– تراجع وانحسار نظريات التوأمة الأيديولوجية التي طالما ترددت عن تحالف عضوي بين كل من إيران وإسرائيل وأميركا على المنطقة، وأدلتها طبعاً المتعلقة بدخول إيران بالحرب ضد العراق 2003 أو دخولها ضد الشعب السوري ومساعدة نظامه السابق للإجهاز على ثورته وذلك تحت العين والموافقة الأميركية المباشرة! لكن هذه المنظومة الأيديولوجية لا تريد أن ترى أن علاقات الدول قد تغيرت من معادلات “مصاهرة” سياسية إلى تحالفات متعددة الأوصاف عسكرياً واقتصادياً وسياسياً عولمياً معتمدة نظام المصالح الآنيّة والأهداف المحددة.

– “صديق الأمس عدو الغد”، وهذا ما يجب الحذر منه سواء على مستويات السياسة المرحلية في المنطقة وقادتها، أو على مستوى نسج التحالفات الدولية وعدم الانجرار الكلي خلف منافع راهنة قد تنقلب عكسياً حين تتضارب المصالح. وهو تماماً ما حدث مع إيران التي قدمت خدمات جليلة في تفكيك العراق ومحاولة الإجهاض على الثورة السورية وتحويل مساراتها لصراعات دامية، وكل ذلك تحت العين الأميركية، وها هي اليوم باتت منافساً كبيراً في الشرق الأوسط يجب اجتثاثها وتغييرها كلياً.

– المواجهة القائمة اليوم هي بين التكنولوجيا والأيديولوجيا من جهة وبين الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية السياسية من جهة أخرى. فإن كانت الإيديولوجيا العقائدية التي حاولت نشرها إيران طوال العقود الماضية باتت في مواجهة مباشرة مع قوة التفوق التقني العصرية، فمنظومة التحالفات الدولية باتت متأخرة جداً أمام هيمنة نظريات التوسع

الجيوبوليتيكية، والتي تنذر بمقدمات حرب عالمية واسعة كما حدث إبان الحربين العالميتين السابقتين، واليوم تتكرر إنذاراتها فائقة الخطر.

أمام تعقيد المشهد الحالي وتعدد احتمالاته ومؤشراته، سيكون من الخطأ الدخول في هكذا حرب، ومحاولات جر دول المنطقة لها سيكبرها دورياً ككرة الثلج، في حين يتوجب على الجميع إدراك خطر الجيوبوليتيك والأيدولوجيا اللتين أشعلتا الحرب العالمية الثانية وقادت غالبية دول العالم إليها ولم تحسمها سوى قنبلة نووية مفاجئة! في حين تقول قراءة التجربة التاريخية بضرورة تفادي تأجيج الصراعات ومغرياتها واتخاذ موقف الحياد منها، فكلا المتحاربين (الإيراني والإسرائيلي) شديدا الإجرام. فهي مقتلة كبرى قد تتحجم مرحلياً إذما نأت دول العالم بنفسها عنها، وقد تتوسع وتشكل كارثة عالمية كبرى خلاف ذلك، ويبدو أن التموضع على القاعدة الداخلية المتماسكة لكل دولة واستعادة قوة التحالفات السياسية تحت عنوان نبذ الحرب هو الأقدر على تفادي مخاطرها.

تلفزيون سوريا

———————–

حسابات الثلاثة الكبار في الحرب على إيران/ مروان قبلان

04 مارس 2026

من الصعب تكوين فهم أشمل للحرب التي تشنها الولايات المتحدة، بالتحالف مع إسرائيل، على إيران من دون الالتفات إلى سياقاتها الدولية الأوسع، ويُقصد هنا المواقف منها وتداعياتها على القوى الكبرى الأخرى في النظام الدولي، وتحديداً روسيا والصين، التي خسرت خلال 15 شهراً حليفين على الساحة الدولية، بشار الأسد في سورية ونيكولاس مادورو في فنزويلا، مع احتمال خسارة حليف ثالث، أكثر أهمية، لو نجحت إدارة ترامب في تحقيق أهدافها من الحرب على إيران. ويمثل تموضع إيران، وعلاقتها القوية بكلٍّ من روسيا والصين، أحد الأسباب الخلفية للحرب الأميركية عليها. مع ذلك، كان لافتاً أن الموقف الروسي لم يخرج عن حدود الإدانة اللفظية، فيما اكتفت الصين بالإعراب عن قلقها، معتبرة أن الولايات المتحدة تخرق قواعد القانون الدولي بحربها على إيران.

تعد إيران القطب الإقليمي الأكثر أهمية في منطقة غرب آسيا، فهي من أكبر الدول في منطقتها، بمساحة 1,648 مليون كم مربع وعدد سكان 88 مليون نسمة، والأهم أن إيران تملك ثاني أكبر احتياط غاز في العالم بعد روسيا (17% من احتياطات العالم) وثالث أكبر احتياطي نفط بعد فنزويلا والسعودية (208 مليارات برميل)، وتتمتع بموقع استراتيجي فريد، بحدود تصلها مع 19 دولة، وإطلالة على أحد أهم الممرات المائية في العالم، وهو مضيق هرمز الذي يمر منه يومياً نحو 20% من احتياجات العالم من الطاقة. وتقديراً لأهميتها، وصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، خسارة إيران حليفاً، بعد سقوط الشاه عام 1979، بأنه أكبر خسارة استراتيجية لحقت بالولايات المتحدة طوال فترة الحرب الباردة، وصارت استعادتها حلماً راود كل الرؤساء الأميركيين من جيمي كارتر إلى جو بايدن، مروراً برونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وبيل كلينتون، وجورج بوش الابن، وباراك أوباما، والآن دونالد ترامب، الذي يمنّي النفس بدخول التاريخ بحسم هذا الملف الذي أعيا من قبله.

وفيما لا يخفي ترامب أطماعه في السيطرة على ثروات إيران، كما فعل في فنزويلا، يبغي إضعاف الصين أيضاً بهذه الطريقة عبر حرمانها من حلفائها الواحد تلو الآخر، والسيطرة على مصادر الطاقة التي تعتمد عليها. وكانت إيران، إلى جانب فنزويلا، أبرز مصادر الطاقة الرخيصة بالنسبة للصين، إذ كانت الأخيرة تحصل على النفط منهما بأسعار تفضيلية بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليهما، وقد سمح هذا لها بتقليل تكاليف الإنتاج والمنافسة بشكل أفضل في الأسواق العالمية. وتستورد الصين نحو 13% من احتياجاتها النفطية من إيران، وكانت قد وقعت في مارس/ آذار 2021 على اتفاقية تعاون استراتيجي تحول إيران حرفيًا، عبر ضخ استثمارات بقيمة 450 مليار دولار، إلى محطة وقود للقطاع الصناعي الصيني. إذا تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها في إيران، فهذا يعني أن واشنطن باتت تسيطر على 70% من مصادر الطاقة الصينية على جانبي الخليج.

إذا كانت هذه هي الحسبة بالنسبة لواشنطن، فما هي حسابات بكين؟ سوف تلتزم الصين، كما فعلت دائماً، بتجنّب الانخراط بأي صراعات مباشرة مع الولايات المتحدة، وترتكز استراتيجيتها على تركها تستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية في حروب وصراعات حول العالم، وبما يصرف انتباهها عنها أيضاً. وبالفعل، تعد الصين أكبر مستفيد من حروب أميركا في العالم الإسلامي بين 2001-2021 (توافق فترة الصعود الكبير للصين)، وتأمل أن تغرق الولايات المتحدة في حرب طويلة أخرى في المنطقة تعطيها مزيداً من الوقت لتعزيز قدراتها، بما يسمح لها في نقطة ما في المستقبل في إزاحة واشنطن عن عرش القوة في العالم. بدورها، تطمح روسيا، التي تستفيد من ارتفاع الاسعار نتيجة انقطاع إمدادات الغاز والنفط في الخليج، إلى استعادة مكانتها في أسواق الطاقة العالمية، وزيادة اعتماد كل من الصين وأوروبا عليها. تأمل روسيا، فوق ذلك، بأن تطول الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وأن تنجرّ إليها دول أوروبا الرئيسة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بما يصرف اهتمامها عن دعم أوكرانيا، وتحويل الذخائر المخصصة لها إلى مسرح عمليات آخر. في الواقع، تمثل الحرب على إيران أهم فرصة بالنسبة لبوتين، لإضعاف الأوروبيين، وإنهاء حرب أوكرانيا وفق شروطه. أما إذا حسمت واشنطن الصراع سريعاً لمصلحتها مع إيران، فسوف تكون الحسبة مختلفة تماماً، بالنسبة للجميع.

العربي الجديد

———————

النكسة الإيرانية وتداعياتها الإقليمية/ حسين عبد العزيز

04 مارس 2026

في اللحظات التي يكون فيها خطاب صنّاع القرار في دولة ما مفارقاً لوعي المرحلة التاريخية وماهيتها، تكون النتيجة دائماً نكسة عسكرية تستحيل بالضرورة إلى نكسة استراتيجية تمثل فارقاً تاريخياً بين مرحلتين. … هذا ما حصل عام 1967، حين كان مصريون، وقوميون سوريون، يهتفون بأنهم سيرمون إسرائيل في البحر. ولكن جمال عبد الناصر، بسبب عدم وعيه موازين القوى مع إسرائيل وعدم فهمه آلية التفكير الإسرائيلي، طلب في 16 مايو/ أيار، من قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة من سيناء، ثم أقدم بعد يوم على إصدار قرار بإغلاق مضيق تيران وصنافير في وجه الملاحة الإسرائيلية. وبعد نحو 20 يوماً من هذه التطورات، شنت إسرائيل في 5 يونيو/ حزيران هجوماً خاطفاً، وجهت فيه ضربات عسكرية قاصمة لمصر وسورية، انتهت باحتلال سيناء والضفة الغربية والجولان السوري.

يتكرر التاريخ، وإن بتفاصيل مختلفة، هذه المرّة في الحالة الإيرانية، حيث يبدو أن صنّاع القرار في طهران لم يدركوا أن اللحظة التاريخية الفارقة اليوم تقوم على رؤية إسرائيلية ـ أميركية مفادها بأن الوضع الإقليمي يشهد متغيّرات كبيرة لمصلحة إسرائيل، وأن هذه المتغيرات لن تكتمل، أو بالأحرى لن تتحوّل إلى مكاسب كبرى على المدى الطويل، من دون تحييد إيران نهائياً من موازين الصراع. ولعل العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران في يونيو/ حزيران الماضي، ودام 12 يوماً، ليس سوى “بروفا” تكتيكية هدفها اكتشاف المقدرات العسكرية الإيرانية، تمهيداً للحظة القاصمة.

أظهر الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي الأول الذي استهدف مراكز القيادة والسيطرة السياسية والأمنية في طهران بين الساعة التاسعة والتاسعة والنصف صباح 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، وراح ضحيته قادة إيرانيون، في مقدّمهم المرشد علي خامنئي، أن القيادة الإيرانية لم تكن تتوقع شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً في ظل مفاوضات غير مباشرة تجري في مسقط وجنيف بين الجانبين قيل إنها نشطة.

كان اغتيال خامنئي بالنسبة إلى أصحاب السلطة في طهران أن الحرب هذه المرّة ليست امتداداً للسياسة، بل هي حرب وجودية هدفها القضاء على النظام الإيراني نفسه، وهنا يكمن وعي طبيعة الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية. وما يؤكد ربما مفاجأة العدوان العسكري طهران، ضربها في اليوم الأول من الهجوم دولاً خليجية، بما فيها عُمان وقطر اللتان لهما علاقات جيدة معها، وعملتا في الأشهر الماضية على الوساطة بينها وبين واشنطن. وهذا ربما فسّر طبيعة رد الفعل الإيراني مقارنة بالحرب السابقة، إذ كانت الهجمات الإيرانية هذه المرة أقل تركيزاً وأكثر عشوائية، عبر استهداف مراكز سكانية بغرض إلحاق أكبر عدد ممكن من الخسائر، ليس في إسرائيل فقط، بل أيضاً في بلدان خليجية، ولا سيما الإمارات والبحرين والكويت.

وإذا كانت إيران قد خسرت بذلك محيطها العربي الذي كان، حتى الأمس القريب، رافضاً أي هجوم أميركي ـ إسرائيلي عليها، فإن هذه الهجمات على بلدان عربية تكشف في المقابل عدم قدرة إيران على توجيه ضربات عسكرية دقيقة ومؤثّرة ضد إسرائيل في المقام الأول، ثم الولايات المتحدة في المقام الثاني. ولهذا السبب تحديداً، تحاول إيران الاستفادة من مساحتها الجغرافية الكبيرة، وموقعها الاستراتيجي، وتوزّع مراكزها العسكرية في مساحات واسعة، لإطالة أمد الحرب، بما يجعل التكلفة الاقتصادية والعسكرية والبشرية والسياسية كبيرة للطرف الآخر، ويدفع دول المنطقة والمجتمع الدولي إلى الضغط على الولايات المتحدة من أجل إيقاف الحرب. ولذلك، تختلف المقاربة الإيرانية جذرياً عن المقاربة الأميركية ـ الإسرائيلية التي تقوم على مبدأ الحرب السريعة والمثمرة عسكرياً.

وبغض النظر عن نتائج الحرب، إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الاستسلام، أو الاكتفاء بتوجيه ضربة عسكرية قاسية تردّه إلى حجرته المحلية بعيداً عن شؤون المنطقة، اقترف الإيرانيون أخطاءً استراتيجية كبرى خلال السنوات السابقة: أول هذه الأخطاء تريث وعدم استعجال السلطة الإيرانية في امتلاك القنبلة النووية، ولو أنها امتلكتها فعلاً لما وقعت هذه الحرب إطلاقاً، الأمر الذي يذكّرنا بما حصل مع عراق صدّام حسين الذي سلم كل مخزونه من أسلحة الدمار الشامل، ما جعل الفرصة متاحة لشن حرب مدمرة على النظام العراقي عام 2003.

الخطأ الاستراتيجي الثاني، أن إيران، طوال العقدين الأخيرين، تعاملت مع دول المنطقة العربية على أنها أهداف عدوانية مسبقة، ويجب اختراقها وإضعافها، وإن أمكن تدميرها حتى تكون أداة طيّعة بيدها، الأمر الذي أدّى إلى نشوء كتلة عربية وازنة على المستويين، الرسمي والشعبي، مناهضة لإيران.

الخطأ الاستراتيجي الثالث، عدم فهم إيران المتغيرات التي نشأت بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وطبيعة الرد الإسرائيلي، وبسبب عدم الفهم هذا تعاملت إيران مع إسرائيل بآليات الحروب السابقة نفسها، فلم تضع كامل قوتها في الجنوب اللبناني وسورية للدخول بقوة في الحرب ضد إسرائيل، خصوصاً خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت “طوفان الأقصى”.

الخطأ الرابع، ضم إيران دول الخليج العربي ضمن قائمة أهدافها العسكرية، وهذا ستكون له تبعات استراتيجية كبرى عليها، ليس الآن في مرحلة الحرب، بل في مرحلة ما بعد الحرب، حيث أصبح الخليج العربي، بوزنه السياسي والاقتصادي، جبهة معادية لإيران.

لقد كشفت الحرب الأميركية الإسرائيلية السابقة في الصيف الماضي، ثم الحرب الحالية، زيف الأسطرة السياسية والعسكرية التي تضفيها إيران وحلفاؤها على أنفسهم: دُمرت القوة العسكرية لحزب الله، وسقط النظام السوري خلال أيام، ونشأت قوى مناهضة لإيران في العراق، وظهر استياء شعبي إيران بعد انكشاف هذه الأسطرة الزائفة.

ما يؤسَف له في هذا كله أن ما يجري ليس في مصلحة العرب والقضية الفلسطينية، بل في مصلحة إسرائيل في المقام الأول التي ستصبح القوة المهيمنة على المنطقة، وتبدأ برفع مستوى سطوتها على الفلسطينيين والعرب ضمن تحول تاريخي كبير قد يُضفى عليه طابع ديني مقدّس على غرار ما حدث عام 1967، حين اعتبر التيار الديني الإسرائيلي وجزء من التيار الصهيوني القومي ما جرى تدخلاً مباشراً من الله، وبالتالي يجب الاستمرار في السياسة الصهيونية حتى نهايتها.

العربي الجديد

—————————-

 الحرب ضد إيران.. تنافس أميركي – إسرائيلي على إعادة تشكيل المنطقة/ عدنان علي

2026.03.04

لا يمكن لأي مراقب حصيف أن يجزم بكيفية انتهاء الحرب الجديدة التي بدأتْها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، قبل أن تتوسع لتشمل دول الخليج العربي ولبنان. فالمشهد الإقليمي يتسم بدرجة عالية من التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الأبعاد السياسية والاقتصادية، في حين تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد لا تكون الحرب هدفاً بحد ذاتها بقدر ما هي وسيلة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. ويمكن تلخيص الأهداف الأميركية المحتملة في عدة نقاط؛ تتمثل أولها في إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية بما يمنع تحوّل طهران إلى قوة نووية عسكرية، وإعادة تثبيت الردع الأميركي في الخليج بعد سنوات من الانكفاء النسبي، وحماية أمن الحلفاء وضمان استمرار تدفق الطاقة عبر الممرات الاستراتيجية، إضافة إلى فرض شروط تفاوضية أفضل في أي مسار سياسي لاحق. ولا تبدو الولايات المتحدة معنية بحرب برية واسعة أو بإسقاط النظام في إيران، لأن كلفة ذلك قد تكون باهظة وغير مضمونة النتائج. فالتجارب السابقة في المنطقة، والعراق أقرب مثال، تجعل صانع القرار الأميركي أكثر حذراً من الانزلاق إلى مستنقع طويل الأمد.

أما إسرائيل، فهي تنظر إلى الصراع من زاوية مختلفة نسبياً. فالحكومة الإسرائيلية تعتبر أن البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب شبكة النفوذ العسكري الإقليمي، يشكلان تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

وتتمثل أهدافها الرئيسية في تدمير أو تعطيل البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل كامل، أو لأطول فترة ممكنة، وتدمير القدرات الصاروخية وقدرات تصنيع الطائرات المسيّرة، وإضعاف النفوذ الإيراني في الساحات المحيطة، خاصة في لبنان وسوريا، وتحجيم قدرات الأذرع العسكرية المرتبطة بطهران، وعلى رأسها حزب الله.

وهنا يظهر تباين في سقف الأهداف. فبينما قد تقبل واشنطن بتفاهم يقيّد سلوك إيران ويعيدها إلى مسار تفاوضي، تميل إسرائيل إلى مقاربة أكثر تشدداً تسعى إلى تغيير جذري في ميزان القوى، وربما إحداث تحول عميق داخل إيران نفسها، أي تغيير النظام السياسي.

وقد عرض الرئيس ترامب على القادة الإيرانيين إلقاء السلاح والاستسلام، فيما يبدو أنه إدراك محدود لطبيعة عقلية شعوب المنطقة التي ترفض مثل هذه الخيارات إذا طُرحت بصورة فجّة. وفي المقابل، لدى إسرائيل رؤية أكثر عملية من رؤية ترامب لكيفية التعامل مع إيران؛ إذ لا يربط نتنياهو وقف الحرب بالحصول على صفقة استسلام، ويمكن، وفق ما يرى، وقفها خلال أيام من طرف واحد بعد أن يتم تدمير ما يمكن تدميره من قدرات عسكرية إيرانية، واغتيال ما يمكن من قادتها، ثم تركها على هذا الحال، تزامناً مع تشديد العقوبات وتشجيع الاحتجاجات الداخلية، والأهم إبقاء الباب مفتوحاً لاستئناف الضربات في أي وقت لاحق، على نحو مشابه للوضع في لبنان وقطاع غزة. أي إبقاء النظام في إيران تحت ضغط عسكري وسياسي ونفسي وداخلي إلى حين تنضج ظروف استسلامه أو الانقلاب عليه من الداخل.

لا شك أن العلاقة بين الحليفين قائمة على تنسيق وثيق، إلا أن المصالح ليست متطابقة بالكامل. فالولايات المتحدة قوة عظمى لديها حسابات عالمية تأخذ في الاعتبار علاقتها مع قوى كبرى أخرى، واستقرار أسواق الطاقة، والاعتبارات الداخلية؛ لذلك تميل إلى إدارة الصراع ومنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة.

أما إسرائيل، فتنطلق من حسابات أمنية مباشرة، ما يجعلها أكثر استعداداً لتحمل مخاطر تصعيد واسع إذا رأت في ذلك فرصة استراتيجية لتصفية التهديد. بمعنى آخر، قد لا يكون الخلاف في الهدف النهائي، وهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل في كيفية تحقيق هذا الهدف وحدود المخاطرة المقبولة.

وتقف دول الخليج العربي في موقع حساس؛ فهي شريك أمني للولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى تجنب التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة. وأي تصعيد واسع قد يؤدي إلى استهداف منشآتها النفطية والغازية، وإلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً، فضلاً عن إمكانية تصاعد التوترات الأمنية الداخلية، خصوصاً في السعودية والبحرين والكويت، التي تضم نسباً من السكان الشيعة.

أما لبنان، فإن انخراط حزب الله في مواجهة واسعة مع إسرائيل قد يفتح جبهة مدمرة تعمّق الانهيار الاقتصادي، وتعيد البلاد إلى مشهد حرب شاملة لا يحتملها وضعه الحالي، فضلاً عن تعميق الانقسام الداخلي، خصوصاً بعد قرار الحكومة حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب في لبنان، وتكليف الجيش اللبناني بحصر السلاح بيد الدولة.

وبالنسبة إلى سوريا، التي تمثل ساحة تقاطع مباشرة بين إيران وإسرائيل، فقد تتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة إذا طال أمد الحرب واتسع نطاقها، بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط بين إيران ولبنان ويحاذي الأراضي المحتلة.

من الواضح أن المشهد في المنطقة مفتوح على احتمالات متعددة، لكن الثابت أن أي مواجهة واسعة لن تكون محصورة بين طرفين فقط، بسبب طبيعة التشابك الإقليمي التي تجعل من الصعب احتواء تداعياتها ضمن حدود جغرافية ضيقة.

وبينما تسعى واشنطن إلى إدارة الصراع ومنع انفجاره الشامل، تميل إسرائيل إلى مقاربة أكثر حسماً تجاه التهديد الإيراني. وبين هذين المنظورين، تبقى دول المنطقة في قلب العاصفة، تترقب مآلات حرب قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط لسنوات طويلة مقبلة.

تلفزيون سوريا

———————-

 سوريا في عين العاصفة: الشّرع يراهن على الدّولة/ لارا منيف

2026-03-04

هل ما يجري في السويداء أزمة أمنية عابرة أم منعطف سياسي يعيد رسم موقع المحافظة في الدولة السورية؟ هل تسعى دمشق إلى استعادة السيطرة الكاملة…

news

واشنطن تثبّت الشّرع: تعديل حكوميّ… وانسحاب عسكريّ

بين حديث إعلاميّ عن ورشة لتشكيل حكومة سوريّة جديدة بصلاحيّات موسّعة وأسماء طُرحت لرئاسة الوزراء، رسم تقرير i24NEWS صورة حكومة شاملة قد تعيد ترتيب المشهد…

بعد أيام قليلة على اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، دخل الاتفاق بين الطرفين حيّز الإعلان الرسمي، كاشفًا…

هل تكون سوريا بعيدة عن الحرب المشتعلة من طهران إلى لبنان؟

الحرب التي انفجرت مع الضربات الكبرى على إيران، قبل أن تتمدّد سريعاً إلى لبنان مع دخول “الحزب” على الخطّ وتوسّع الضربات الإسرائيليّة، تضع سوريا أمام سؤالٍ واحد: كيف تنجو من الحريق من دون أن تتحوّل إلى جزءٍ منه؟

تقول أوساط حكوميّة سوريّة لـ”أساس” إنّ دمشق تتعامل مع هذه المرحلة بوصفها امتحاناً لصلابة المسار الجديد أكثر ممّا هي اختبارٌ لقدرتها على الدخول في صداماتٍ إضافيّة. يرى مراقبون أنّ الفارق الأساسيّ بين سوريا اليوم وسوريا السنوات الماضية هو أنّ دمشق لم تعد تتصرّف كأرضٍ رخوة مفتوحة أمام الرياح، بل كسلطة تريد الإمساك بقرار الدولة ومنع الآخرين من استخدام جغرافيتها. هنا تحديداً تظهر قوّة الرئيس أحمد الشرع: لا في الذهاب إلى الحرب، بل في منع الحرب من ابتلاع بلاده. وهذا التوصيف يكتسب وزنه من المسار الذي بدأ مع وصوله إلى رئاسة المرحلة الانتقاليّة، وما تبعه من محاولة لإعادة تثبيت مؤسّسات الدولة وفرض مرجعيّة سياسيّة وأمنيّة واضحة بعد سنوات الانهيار.

يقوم الرِّهان السوريّ في هذه اللحظة بحسب المعلومات على تثبيت فكرة بسيطة: كلّما بدت الدولة أكثر تماسكاً، تراجعت قدرة الخارج على تحويل سوريا إلى ساحة. من هذه الزاوية، لا تبدو خطوات الشرع خلال الأشهر الماضية معزولة عن امتحان الحرب الحاليّ. فالانفتاح الخارجيّ الذي حصل على دمشق وبدء تخفيف العزلة السياسيّة والاقتصاديّة عنها لا يُقرآن في الحسابات السوريّة كإنجاز اقتصاديّ فقط، بل كعنصر حماية سياسيّ أيضاً، لأنّ أيّ انفتاح دوليّ من هذا النوع يرفع كلفة إسقاط الاستقرار في البلاد.

ترى أوساط حكوميّة أنّ دمشق تنظر إلى هذه التطوّرات بوصفها جزءاً من إعادة تثبيت الشرعيّة السياسيّة والأمنيّة للدولة

يقول مصدر سوريّ مراقب لـ”أساس” إنّ الأهمّ من التحوّلات الدبلوماسيّة هو ما جرى على الأرض. فتسلّم الدولة السوريّة مواقع حسّاسة، واتّساع هامش حركتها في مناطق كانت سابقاً خارج قبضتها الكاملة، لا يعنيان تبدّلاً عسكريّاً فحسب، بل اعتراف عمليّ متزايد بأنّ السلطة الجديدة قادرة على الإمساك بمساحات أوسع من الأرض. في لحظة حرب إقليميّة كبرى، يُعدّ هذا المعطى واحداً من أبرز عناصر القوّة التي يستند إليها الشرع.

الشّرع قائد مشروع

ترى أوساط حكوميّة أنّ دمشق تنظر إلى هذه التطوّرات بوصفها جزءاً من إعادة تثبيت الشرعيّة السياسيّة والأمنيّة للدولة. لا يقدّم الرئيس أحمد الشرع نفسه بوصفه رأس مرحلة انتقاليّة فقط، بل بوصفه قائد مشروع لإعادة بناء سوريا على قاعدة احتكار الدولة للقرار والسلاح والحدود. هذا ما يفسّر الإصرار على تمديد نفوذ المؤسّسات الرسميّة إلى المناطق الخارجة عن السيطرة الكاملة، سواء في الشمال الشرقيّ حيث فُتحت مسارات تفاهم ودمج مع القوى المحليّة، أو في الجنوب حيث ما تزال المعالجة تسير بحذر شديد تحت عنوان منع الانفجار وتفكيك العِقد بدل تفجيرها دفعة واحدة.

الشرع

لكنّ سوريا لا تملك ترف الاطمئنان. الحرب الدائرة الآن كما يقول مصدر أمنيّ تحمل معها أخطاراً حقيقيّة على الداخل السوريّ:

1- احتمال إعادة تحريك مشاريع الفوضى الأمنيّة والسياسيّة عند أيّ اهتزاز كبير في الإقليم.

2- طول أمد الحرب قد يضعف الزخم الدوليّ لإعادة الإعمار والانخراط الاقتصاديّ في سوريا.

3- أن تحاول أطراف إقليميّة استخدام الساحة السوريّة لتبادل الرسائل أو التعويض عن اختلالاتٍ تصيب جبهات أخرى. وهذا ليس افتراضاً نظريّاً، بل احتمالٌ تفرضه هشاشة بعض الملفّات المفتوحة في الداخل، من تهديد التنظيمات المتشدّدة إلى تعقيدات الجنوب السوريّ والحسابات الإسرائيليّة المرتبطة به.

في هذا المشهد، يبدو أنّ قوّة الشرع الحقيقيّة أنّه يقرأ الحرب بوصفها تهديداً يجب تطويقه لا فرصةً للمزايدة. لا تنتصر الدول الخارجة من الخراب بالشعارات، بل بقدرتها على إبقاء مؤسّساتها واقفةً وسط الزلازل.

لا تبدو خطوات الشرع خلال الأشهر الماضية معزولة عن امتحان الحرب الحالي

أولويّة مزدوجة

لهذا تبدو أولويّة دمشق اليوم مزدوجة: منع تسلّل النار من لبنان إلى الداخل السوريّ، ومنع تحويل سوريا إلى منصّة ردّ في الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتّحدة. وإذا نجحت السلطة في هذين الهدفين، تكون قد حقّقت أكثر من نجاة، بل تكون قد فرضت للمرّة الأولى منذ سنوات صورة سوريا بوصفها دولة تحمي نفسها بدل أن تُستباح.

حتّى الآن، يقول مصدر مراقب، تبدو الوقائع لمصلحة السيناريو الأوّل. يدخل الرئيس أحمد الشرع هذه اللحظة وهو يمتلك ما لم يكن متاحاً لسوريا منذ سنوات: انفتاحاً خارجيّاً، تواصلاً سياسيّاً مع عواصم مؤثّرة، توسّعاً تدريجيّاً في حضور الدولة على الأرض، ومصلحةً عربيّة ودوليّة في حماية الاستقرار السوريّ الناشئ.

لهذا لا تبدو نجاة سوريا من الحرب الحاليّة صدفة محتملة وحسب، بل نتيجة مباشرة لمسارٍ سياسيّ عنوانه إعادة بناء الدولة ومنع الآخرين من مصادرة قرارها.

الخلاصة أنّ سوريا لن تكون بمنأى عن التداعيات، لكنّها تدخل أخطر حربٍ إقليميّة منذ سنوات من موقعٍ أكثر تماسكاً. في هذا التوقيت تحديداً، لا تُقاس قوّة أحمد الشرع بقدرته على رفع السقف، بل بقدرته على حماية سوريا من أن تصبح جبهةً إضافيّة في حرب الآخرين.

أساس ميديا

——————————

لماذا يجب على سوريا تقديم شكوى لاستخدام أجوائها في حرب إيران؟/ فضل عبد الغني

مارس 4, 2026

تعاني سوريا، على الرغم من أنَّها دولة غير طرف في المواجهة المسلحة التي اندلعت في 28 شباط/فبراير وما تزال مستمرة بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وإيران، من سقوط أعداد من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، وتكرار انتهاكات السيادة، فضلًا عن اضطرابات اقتصادية حادة، كنتيجة مباشرة لاستخدام أراضيها ومجالها الجوي مسرحًا للعمليات العسكرية التي نفذتها الأطراف المتحاربة.

 ويرتكز قانون الحياد، الذي جرى تقنينه أساسًا في اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، على معادلة واضحة: تمتنع الدول المحايدة عن التدخل في النزاع، وفي المقابل تلتزم الأطراف المتحاربة باحترام حرمة أراضيها وعدم استخدامها لأغراض عسكرية.

غير أنَّ التطورات التي شهدتها الساحة السورية منذ حرب حزيران/ يونيو 2025، وتصاعدت حدتها عقب أحداث شباط/ فبراير 2026، تمثل تقويضًا لهذه الحمايات. فقد حوّلت إسرائيل، من جانب واحد، المجال الجوي السوري إلى مساحة اعتراض نشطة، واشتبكت مع الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية دون موافقة سورية.

ومن جهتها، أطلقت إيران قذائف عبرت المجال الجوي السوري في طريقها إلى أهداف داخل إسرائيل، ما أدى إلى تساقط حطامها فوق مناطق مدنية سواء عند اعتراض تلك القذائف أو تعطلها.

كلتا العمليتين غير مشروعتين قانوناً، وتؤديان عملياً إلى تحويل الأراضي السورية إلى ساحة قتال مفروضة. الفارق بينهما يكمن في الأسلوب العملياتي لا بالمآلات القانونية، إذ ينتهك كل طرف متحارب المادة 1 من اتفاقية لاهاي، كما ينتهك، في الوقت نفسه، المادة 1 من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944، التي تُكرّس مبدأ السيادة الكاملة والحصرية للدولة على مجالها الجوي الوطني.

يصنف النزاع بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وإيران بوصفه نزاعاً دولياً مسلحاً، ما يستوجب التطبيق الكامل لقواعد القانون الدولي الإنساني. وفي هذا السياق تبرز ثلاثة مبادئ رئيسة ذات صلة مباشرة بالضرر الذي لحق بسوريا: مبدأ التمييز، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات أثناء الهجوم.

وبحسب ما تم رصده، فقد تم اعتراض بعض الصواريخ فوق مناطق مأهولة، مما يعني أنَّ الشظايا المتساقطة قد تسبب أضراراً للمدنيين، وهو انتهاك واضح للمبادئ التي أشرت إليها. إنَّ اعتراض الصواريخ فوق الأراضي السورية، بدلًا من البحار المفتوحة أو الأراضي التابعة للأطراف المعنية مباشرة، ينقل عملياً خطر الأضرار الجانبية إلى مواطنين سوريين محايدين لا صلة لهم بالنزاع.

إنَّ هذا النقل للمخاطر يعدُّ قراراً عسكرياً له تبعات قانونية وفقاً للقانون الدولي الإنساني وقانون مسؤولية الدولة. وتؤكد المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول، إلى جانب قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، التزام الأطراف باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل الأضرار العرضية بالمدنيين. وبالتالي، قد يشكل عدم تجنب تنفيذ عمليات قتالية فوق المراكز السكانية السورية إخلالًا بواجب الاحتياطات، وفقًا لظروف كل واقعة، ولما كان ممكناً من بدائل.

وبموجب مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، بالإضافة إلى قواعد القانون الدولي العرفي، تبرز مسؤوليات دولية محتملة على الأطراف المتحاربة: إيران لإطلاقها صواريخ عبر الأراضي السورية وما ترتب على ذلك من سقوط شظايا تسببت في أضرار للمناطق المدنية السورية؛ وإسرائيل لاعتراضها صواريخ فوق الأراضي السورية وما اقترن بذلك من تدمير سابق لقدرات الدفاع الجوي السورية.

ومن هنا تبرز أهمية المسار الدبلوماسي، رغم ما يغفل غالباً من دوره القانوني. وفقًا للقانون الدولي العرفي، قد يُفسَّر صمت الدولة السورية إزاء انتهاكات سيادتها على أنَّه قبول ضمني أو تسامح قد يُستند إليه لاحقاً. ومن ثم تُعد الإدانة الرسمية للهجمات الإيرانية على سوريا، وما يرتبط بها من احتجاجات دبلوماسية، أدوات لازمة لصون الحق في المطالبة بالتعويض ومنع أي استنتاج بالموافقة الضمنية. غير أنَّ فعالية هذه الاحتجاجات تبقى رهينة توثيقها الرسمي لدى المنظمات الدولية ذات الصلة، واتسامها بالوضوح، والاتساق، والاستمرارية.

كما يجب ألا نغفل البعد الاقتصادي في ظل اقتصاد سوري هش؛ فالإغلاق المتكرر للمجال الجوي السوري يمثل ضرباً من الخنق الاقتصادي، إذ علّقت شركات طيران دولية رحلاتها، وجعلت تكاليف التأمين العمليات الإقليمية غير مجدية، وتراجعت قدرة الصادرات الحساسة للوقت على الوصول إلى الأسواق العالمية، كما تعرضت سلاسل إمداد الأدوية والمستلزمات الطبية لاضطرابات شديدة.

وفي النهاية، تمثل الاحتجاجات الدبلوماسية المستمرة لسوريا، وتوثيقها المنهجي للانتهاكات، وسعيها لإيجاد سبل انتصاف مؤسسية عبر محكمة العدل الدولية، ومنظمة الطيران المدني الدولي، المسار الأكثر جدوى، وإن لم يكن مثالياً، نحو المساءلة القانونية. كما ستشكل استجابة المجتمع الدولي لهذا الوضع سابقةً ليس لسوريا فحسب، بل لحماية الدول المحايدة في عصر تزايد فيه الصراع المسلح المعولم، حيث يُدافع عن السيادة كمبدأ عالمي أو يُتنازل عنها كأي إجراء شكلي يمكن الاستغناء عنه.

الثورة السورية

————————-

 لبنان بين نار الاحتلال الإسرائيلي والتحول السوري.. هل حزب الله بمواجهة بلا عمق؟/ صهيب جوهر

2026.03.04

لم يعد السؤال في بيروت ما إذا كان “حزب الله” سيدخل الحرب دعماً لإيران، بل ما الذي سيترتب على هذا الدخول داخلياً وإقليمياً. فإطلاق صواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه جنوب حيفا شكّل الإعلان العملي لانخراط الحزب في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، حتى وإن كان تأثير هذه الخطوة محدوداً عسكرياً في ميزان القوى العام.

المعطيات الميدانية تشير إلى أن الصواريخ أُطلقت من منطقة قريبة من بلدة الصرفند الساحلية، شمال نهر الليطاني. وهذه النقطة ليست تفصيلاً جغرافياً فحسب، بل تحمل دلالة سياسية وأمنية، إذ إن المنطقة الواقعة بين الليطاني والأولي كانت ضمن المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني الرامية إلى استكمال حصر السلاح بيد الدولة. ما يعني أن العملية لم تُحرج الدولة خارج نطاق سيطرتها المفترضة فحسب، بل وضعتها أمام اختبار مباشر لصدقية خطتها الأمنية.

سقوط تفاهم تشرين الثاني

بهذا التطور يمكن القول إن التفاهم الذي أعقب حرب الـ66 يوماً في تشرين الثاني 2024 دخل عملياً مرحلة الانهيار. فتل أبيب كانت، خلال الأشهر الماضية، تتعامل مع الاتفاق باعتباره محطة مؤقتة ريثما تتوافر ظروف فرض ترتيبات أوسع. وجاء إطلاق الصواريخ ليمنحها الذريعة التي كانت تنتظرها.

في حسابات الاحتلال الإسرائيلي، يفتح التصعيد الباب أمام جملة أهداف متداخلة:

أولاً، الانتقال من آلية التنسيق غير المباشر عبر اللجنة التقنية العسكرية واللجنة الخماسية إلى الضغط باتجاه مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، بما يعيد صياغة قواعد الاشتباك من جديد.

ثانياً، الدفع نحو اتفاق أمني يكرّس منطقة عازلة جنوباً، بعمق قد يتجاوز عشرة كيلومترات، وهو ما يفسر دعوات الإخلاء التي شملت عشرات البلدات في الجنوب.

ثالثاً، تعديل مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله وسائر الفصائل المسلحة، بما فيها التنظيمات الفلسطينية وامتداداتها العسكرية، ضمن رؤية إسرائيلية تعتبر أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تتضمن معالجة شاملة لهذا الملف.

رابعاً، استكمال استهداف البنية العسكرية للحزب، من جنوب الليطاني إلى البقاعين الشرقي والشمالي والسلسلتين الشرقية والغربية، مستفيدة من الغطاء الأميركي المباشر في هذه المرحلة.

من دعم إيران إلى إعادة رسم المشهد اللبناني

التحرك لم يكن معزولاً عن السياق الإيراني الأوسع. فطهران، بعد الضربات الأميركية – الإسرائيلية، اتجهت إلى توسيع دائرة النار لتشمل أهدافاً في الخليج، ولو بوتيرة فاجأت كثيرين من حيث السرعة. الرهان الإيراني بدا قائماً على تحويل المواجهة إلى صراع إقليمي شامل، ما يضع المصالح الغربية وممرات الطاقة في قلب المعادلة.

لكن هذا التوسيع حمل في طياته تناقضاً واضحاً. ففي حين تحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن أن إيران لا تحتاج إلى من يدافع عنها، بدت بعض الدوائر العسكرية أكثر ميلاً إلى إشراك الحلفاء في المواجهة. وفي هذا السياق جاء تحرك حزب الله، بالتوازي مع نشاط فصائل من الحشد الشعبي في العراق، ومعلومات عن استعداد الحوثيين لتصعيد عملياتهم.

التسريبات التي تحدثت عن احتمال استهداف قاعدة بريطانية في قبرص، إن صحت، تعكس خطورة انتقال المواجهة إلى مستويات تتجاوز الإطار الثنائي بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، لتلامس انخراطاً أوروبياً مباشراً، في لحظة تُطرح فيها أسماء دول كبرى كالمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا كأطراف قد تجد نفسها في قلب المعركة دفاعاً عن مصالحها وحلفائها.

المتغير السوري.. خسارة العمق الاستراتيجي

لا يمكن قراءة ما يجري في لبنان بمعزل عن التحول السوري العميق الذي أعقب سقوط نظام بشار الأسد وصعود السلطة الجديدة برئاسة أحمد الشرع. فـ“حزب الله” خسر عملياً الخلفية اللوجستية والسياسية التي كان يوفرها له النظام المخلوع، والتي شكلت طوال أكثر من عقد ممراً أساسياً للإمداد والتخزين وإعادة التموضع.

الحكومة السورية الجديدة اتخذت منذ الأشهر الأولى موقفاً واضحاً يقوم على تفكيك البنية غير النظامية التي كانت تعمل عبر الحدود، وأعادت انتشار وحدات عسكرية وأمنية بشكل مكثف على طول الحدود اللبنانية – السورية، خصوصاً في مناطق القصير والقلمون والريف الغربي لحمص، لمنع تهريب السلاح أو إعادة فتح خطوط الإمداد السابقة. هذا الانتشار لم يكن رمزياً، بل ترافق مع عمليات ضبط ومصادرة واعتقالات استهدفت شبكات تهريب ومخازن مرتبطة بمرحلة ما قبل سقوط الأسد.

بالنسبة إلى الحزب، مثّل ذلك ضربة استراتيجية مزدوجة: خسارة خط إمداد حيوي من جهة، وفقدان بيئة سياسية حليفة في دمشق من جهة أخرى. ومع انتقال سوريا إلى مرحلة إعادة تموضع إقليمي مختلف، لم يعد ممكناً التعويل على الأراضي السورية كعمق آمن في حال توسعت الحرب.

التوتر لم يبقَ سياسياً فحسب. فالعلاقة بين الحزب والحكومة السورية الجديدة شهدت احتكاكات أمنية متفرقة خلال الأشهر الماضية، على خلفية اتهامات لأنشطة غير منسقة داخل الأراضي السورية. ومع اتساع الحرب الحالية، تبدو دمشق حريصة على منع استخدام أراضيها كمنصة رسائل إيرانية أو كساحة رد متبادل، في محاولة لتفادي الانجرار مجدداً إلى صراع إقليمي واسع.

إرباك داخل الحزب.. وقرار حكومي حاسم

داخلياً، لم تمر العملية من دون أسئلة. فمعلومات متقاطعة تحدثت عن أن القرار العسكري لم يكن منسقاً بالكامل مع الهيكل السياسي للحزب، ما أعاد طرح مسألة الفصل بين المستويين العسكري والسياسي، على نحو يتقاطع مع ما أشار إليه عراقجي حول استقلالية القرار العسكري في طهران.

الاحتلال الإسرائيلي استغل اللحظة لتكثيف ضرباتها، بما في ذلك استهداف قيادات من الصفين السياسي والعسكري. وجرى التداول باستهداف رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد، الذي يشغل موقعاً متقدماً في إعادة تنظيم الحزب، قبل أن يصدر عنه تصريح يؤكد حضوره.

في المقابل، سارعت الحكومة اللبنانية إلى عقد اجتماع طارئ اتخذت فيه قراراً بتصنيف الجناح العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية، وطلبت من الجيش التحرك لتوقيف مطلقي الصواريخ وتسريع تنفيذ خطة حصر السلاح شمال الليطاني. الجلسة لم تخلُ من توتر، وبرز تباين واضح بين وزراء حزب الله الذين اعترضوا، ووزراء حركة أمل الذين أيدوا القرار أو لم يعترضوا عليه. وأكدت الحكومة رفضها لأي تهديد بالانزلاق إلى حرب أهلية، معتبرة أن تطبيق القرار مهمة الجيش وعلى الجميع الالتزام به.

التوغل البري.. وفرض معادلة جديدة

بالتوازي، بدأ الاحتلال الإسرائيلي توغلات برية محدودة في جنوبي لبنان، مع إخلاء الجيش اللبناني بعض النقاط الأمامية وإعادة التموضع في مواقع أكثر عمقاً. وتصر تل أبيب على عدم إعادة سكان مستوطناتها الشمالية قبل فرض ترتيبات أمنية جديدة، في مقابل توسيع نطاق إخلاء القرى اللبنانية الجنوبية التي تجاوز عددها المئة بلدة، بما في ذلك مناطق في عمق قضاء النبطية.

المؤشرات الميدانية تفيد بأن المسألة لا تقتصر على شريط حدودي ضيق. الحديث يدور عن عمليات أوسع قد تمتد إلى البقاع، حيث يشكل استهداف المخازن الصاروخية والبنية اللوجستية للحزب أولوية إسرائيلية، فضلاً عن أهمية السيطرة على نقاط استراتيجية مثل جبل الشيخ في إعادة رسم ميزان الانتشار العسكري.

لبنان بين الحرب والوصاية

الأخطر بالنسبة إلى لبنان لا يكمن فقط في المواجهة العسكرية الراهنة، بل فيما قد يليها. فإسرائيل تسعى إلى تكريس وقائع جديدة على الأرض تُترجم لاحقاً في ترتيبات سياسية وأمنية تمس سيادة الدولة: من يحق له الإقامة في الجنوب، طبيعة القوى المنتشرة هناك، نوعية السلاح المسموح به، بل وحتى حدود المشاركة السياسية لبعض الأطراف.

بهذا المعنى، يجد لبنان نفسه وقد انتقل من موقع المتأثر بالحرب إلى أحد ميادينها الرئيسية. وفي معركة تتداخل فيها الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، يبدو البلد الصغير مهدداً بأن يتحول إلى ساحة لإعادة رسم خرائط النفوذ، في انتظار اتضاح مآلات مواجهة إقليمية مفتوحة على احتمالات أكثر خطورة.

—————————-

صحيح أننا لا نتكلم اللغة نفسها/ أرنست خوري

04 مارس 2026

هناك شعور مشترك بين قادة حزب الله وجمهوره النضالي من جهة، ومن جهة ثانية غالبية من الشعب اللبناني لا تحتاج استطلاعاً للرأي ولا إحصاء لإثبات أكثريّتها، مفاده بأننا “لا نتكلّم اللغة نفسها”. والشعور المشترك ذاك صائب، أي أن الطرفَين، حزب الله وغالبية الشعب اللبناني من رافضي بقاء التنظيم، الذي يتباهى بأن كل ما فيه إيراني وإن حمل عناصره الهوية اللبنانية ووُلدوا في لبنان، متحكِّماً بمصائرهم، لديهما تصورات متناقضة حول كل شيء، اللغة والمصطلحات والمفاهيم ومعاني الألفاظ والنظرة إلى النفس وإلى العالم والحياة والموت. ومَن كان لا يزال يشكّ في أننا، الطرفين إياهما، لا نتكلم اللغة نفسها، كان عليه انتظار إطلاق ثلاثة صواريخ فجر الاثنين باتجاه مكان ما لم تصل إليه في جنوب حيفا، ثأراً لاغتيال علي خامنئي مثلما أخبرنا بيان للحزب، لكي تباشر إسرائيل حملتها الدموية الشاملة لا على الحزب فحسب، بل على البلد برمّته لتدفيعه ثمن خسارة حزب الله ومحوره بسيادته وأرضه ومائه وحياة سكانه وحرياتهم، وليصبح قطاف الزيتون في قرية جنوبية لبنانية بحاجة إلى تصريح من الجيش الإسرائيلي. الغالبية الساحقة من اللبنانيين تبحث عن تعويض ما خسرته في مغامرة الإسناد ــ الفضيحة، وتقول بكل الوسائل إنها لم تعد قادرة على إسناد أحد ولا الثأر لأيّ كان، فيقابلها حزب ولي الفقيه، مثلما يشرح نعيم قاسم في حوار “فكري” معه منشور على موقعه الإلكتروني بتاريخ 2011/02/03، بأخذها إلى الموت والدمار المحتَّمين فداءً للمسؤول الإيراني المغتال، من دون أن يستوعب رموز الحزب كيف أن غالبية اللبنانيين هؤلاء لا تشاركهم تقديسه!

“الأزمة الألسنية” بين غالبية اللبنانيين وحزب الله تبدأ حيث يولد كل شيء وينتهي، تبدأ من فهم الحياة نفسها والموت مروراً بفكرة الدولة والمصلحة العامة. وليس سلوك حزب الله منذ 25 مايو/ أيار 2000، سوى تكريس حقيقة أننا على الأقل يستحيل أن يفهم بعضنا على بعض. انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية في ذلك التاريخ، فما كان من الحزب، بقوة دفع سورية آنذاك، سوى الاحتيال على المنطق والعقل ليخترع خرافة أن هناك بقعة جغرافية لا تزال محتلة اسمُها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، تقول دمشق إنها سورية ولكن بمثابة وديعة برسم إيران وحزبها في لبنان. وديعة تفرض تطوير قدرات حزب الله بدل اندماجه في مؤسّسات الدولة مثلما حصل مع المليشيات اللبنانية إلّا حزب الله وحركة أمل بعد عام 1990، ثم يُفرض على الشعب اللبناني وطبقته السياسية البائسة أن يكرّرا كالببغاء لازمة “أولوية تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا” في كل عبارة وموقف لتبرير بقاء حزب الله مسلحاً، لا بل لتطوير جيشه بما لا يقارن مع الجيش اللبناني، وبعدها طبعاً يأتي دور الشكوى من أن الجيش ضعيف مع ذلك السؤال الخبيث: أين هي الدولة؟

والسؤال عن وجود الدولة ارتقى بالانقسام اللغوي بين غالبية اللبنانيين وحزب الله إلى مرتبة سامية منذ حرب الـ66 يوماً خريف 2024 والدمار غير المسبوق الذي حل بالبلد وآلاف القتلى الذين سقطوا ومئات آلاف هُجروا وخسروا كل شيء. نأخذ البلد إلى جهنّم ثم نسأل أين هي الدولة، ونطالبها بالردّ عسكرياً على إسرائيل التي قضت على القوة الضاربة لحزب الله قبل أن تبدأ الحرب رسمياً. وما بين حرب خريف 2024 وصواريخ 2 مارس/ آذار 2026، 15 شهراً من تخوين حزب الله غالبية اللبنانيين من طالبي السِترة والحالمين بقضاء السنوات المتبقية من أعمارهم بكرامة، فيتهمهم بالخنوع والهوان لأنهم لا يشتهون الذهاب معه إلى حيث يريد انتحاراً وفاء لأجندة عقائدية إيرانية.

الكتابة على وقع انفجارات الصواريخ فعلٌ لا معنى له، لأنّ الحياة يفترض أن تكون أسمى من تمنّي انتهاء الحرب، يجب قضاؤها بتأمين شروط عيش سنوات كريمة برفاهية وعدالة وسلام تحت سلطة قانون في دولة محترمة، لكن كل ذلك طبعاً في لغة ليست لغة حزب الله وفي كوكب لا يجد حزب الله نفسه فيه.

العربي الجديد

————————–

ماذا يعني انتهاء النظام الإيراني؟/ أغيد أبو زايد

مارس 4, 2026

في ظل الحملة العسكرية على إيران، تتجه أنظار المجتمع الدولي إلى مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، سواء تم تغيير النظام الإيراني أو تحجيمه، حيث ستشهد منطقة الشرق الأوسط تحولا جذريا في التوازنات الجيوسياسية. هذا التحول سيكون أكثر وقعا مما حصل في سوريا بعد الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في كانون الأول 2024، نتيجة تفكك تحالفات طهران في المنطقة وزوالها بعد أزيد من أربعة عقود على ظهورها.

إذ تشير الأحداث في مجملها إلى أن الحملة العسكرية على إيران لن تنتهي إلا بعد تفكيك النظام الحالي ورضوخه للمطالب الأميركية في نهاية المطاف على أقل تقدير، ما يمهد لانطلاق المشروع الإقليمي بإعادة بناء التوازنات السياسية والعسكرية، أو ما بات يعرف بـ”الشرق الأوسط الجديد”، الذي سيعيد تشكيل وجه المنطقة بالكامل وصعود تحالفات جديدة.

إيران إلى أين؟

لا يمكن التخمين حول ما ستؤول إليه الأوضاع في إيران في الأيام المقبلة، إذ لم تضع الولايات المتحدة الأميركية هدفا واضحا للحملة العسكرية، لتبقى السيناريوهات مفتوحة. لكن مجريات الأحداث تشير إلى أن دور إيران في الشرق الأوسط بات من الماضي، بانتظار ظهور قوى جديدة لقيادة المنطقة وتعزيز دورها في إطار استراتيجية دولية تنهي الدور الإيراني لتدخل المنطقة في مرحلة استقرار بعد عقود من الحروب لعبت فيها طهران دورا رئيسيا عبر أذرعها، أبرزها “حزب الله” اللبناني و”جماعة الحوثي” في اليمن، ناهيك عن تدخلها المباشر إلى جانب نظام الأسد في سوريا قبل كانون الأول 2024.

وشكل سقوط نظام الأسد قبل أزيد من عام ضربة للنفوذ الإيراني في سوريا، حيث جرى قطع طريق طهران-بيروت، ما أعاق وصول الإمدادات العسكرية إلى “حزب الله” اللبناني، بينما حاولت طهران العبث بالاستقرار الداخلي للبلاد عبر دعم مجموعات من فلول النظام المخلوع والتحالف معها، في محاولة للعودة عبر بوابة الميليشيات.

وبدأ تراجع قوة إيران قبل سنتين، بعد حرب تشرين الأول التي شنتها “حركة حماس” في غزة عام 2023، وشن “إسرائيل” ضربات جوية أدت إلى إضعاف الدفاعات الجوية، إضافة إلى هزيمة “حزب الله” اللبناني، الحليف الأبرز لطهران، في عام 2024.

تسير الأوضاع بخطى متسارعة نحو نقطة اللا عودة، بحسب ما ذكر الناشط السياسي الإيراني مجاهد رضا مهدي، مضيفا أن إيران “أمام مشهد تاريخي لم يعد فيه السؤال هل سيسقط النظام؟ بل متى وكيف؟”

الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية على إيران جاءت في وقت يعيش فيه الشعب الإيراني حالة غليان وانفجار بعد الاحتجاجات الأخيرة على خلفية تراجع الأوضاع المعيشية والاقتصادية. في حين ردت الحكومة الإيرانية باستخدام العنف ضد المتظاهرين وشنت حملات اعتقالات، بينما قتل عدد كبير منهم.

وقال مهدي في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية” إن بلاده تشهد تصاعدا نوعيا في عمليات “الشباب الثوار”، مرجحا أن “تتحول هذه الشرارات المتفرقة إلى حريق وطني شامل لا يستطيع الحرس الثوري إخماده، لأن الخوف قد انتقل من الشعب إلى معسكر النظام.”

ويذهب الناشط السياسي في تقديره إلى أن النظام الإيراني الحالي لن يستمر في الحكم، إذ يتوقع “تآكل النظام وانسداد أفق الإصلاح مع غياب سيناريو إصلاحي أو انفتاح من داخل النظام”، مشيرا إلى “ما قالته الرئيسة المنتخبة للمقاومة مريم رجوي، أن الرهان على بقاء النظام هو وهم، والرهان على تدخل أجنبي هو خطأ. التغيير سيفرض من الداخل بأيدي الإيرانيين ومقاومتهم المنظمة.”

“الانتقال المنظم للسلطة (اليوم التالي)، السيناريو الذي نعمل عليه، وهو السيناريو الواقعي الوحيد لمنع الفوضى، هو تفعيل برنامج المجلس الوطني للمقاومة للفترة الانتقالية”، بحسب مهدي.

تشير التحركات الميدانية والدعوات المباشرة للشعب الإيراني بـ”استعادة بلدهم” إلى رغبة صريحة في إسقاط بنية الحكم الحالية، من خلال استغلال الاحتجاجات الداخلية التي بدأت في كانون الأول 2025 لتفكيك سيطرة “الحرس الثوري” وخلق واقع سياسي جديد ينسجم مع توجهات دول المنطقة.

أسفرت الحملة العسكرية عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى جانب القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية برمتها، وفق ما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاثنين الماضي، معتبرا أن مقتل خامنئي “ليس تحقيقا للعدالة للشعب الإيراني فحسب، بل لكل الأميركيين العظام، ولأناس كثر من دول عديدة حول العالم، ممن قتلوا أو شوهوا على يد خامنئي وعصابته من الزمر المتعطشة للدماء”.

بينما أكد أن العمليات العسكرية في إيران ستستمر حتى تحقيق جميع الأهداف، داعيا الإيرانيين إلى اغتنام هذه اللحظة واستعادة بلادهم.

ماذا يعني انتهاء النظام الإيراني؟

التطورات الإيرانية المتسارعة بمقتل القيادة العسكرية وتصريحات ترامب تشير إلى أن الأوضاع في إيران لن تعود كما كانت في السابق فحسب، بل هناك تغييرا جذريا يتناسب مع واقع الشرق الأوسط، باعتبار أن النظام الإيراني كان نظاما معاديا على مدار نحو خمسة عقود مضت وقوة مزعزعة للاستقرار، من خلال تدخلها المباشر أو عبر أذرعها العسكرية.

حيث عملت على التدخل في العراق ولبنان وسوريا، إلى جانب دول أخرى مثل البحرين والسعودية لزعزعة الاستقرار فيها. في حين استهدفت الدول الخليجية في الأيام الماضية، رغم أنها حاولت عدم وقوع الحملة العسكرية، في محاولة لخلط الأوراق وتوسيع دائرة الحرب عبر نشر الفوضى اعتقادا أن ذلك قد ينقذ النظام من السقوط.

لذلك فإن التوجه العام للمجتمع الدولي يذهب باتجاه تفكيك النظام الإيراني رغم مخاطر ذلك على المستوى الداخلي وعدم وجود بديل قادر على قيادة البلاد، ما يرجح الهيمنة العسكرية، خاصة من “الحرس الثوري”. لكن ستبقى دولة ضعيفة في المدى المنظور، في ظل الانهيار الاقتصادي وما ستؤول إليه الأوضاع بعد الحرب، في ظل ميول واشنطن إلى حسم المواجهة مع إيران بصورة نهائية وعدم الاكتفاء بإدارة الصراع.

وتترقب دول الشرق الأوسط انتهاء الحرب على إيران وما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة بعد ذلك. وقال الناشط السياسي الإيراني مجاهد رضا مهدي إن “الميليشيات الطائفية التي عاثت فسادا في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وسفكت دماء الأبرياء، تتغذى حصرا من الشريان المالي والتسليحي لقوات الحرس الثوري. بانتهاء النظام ستجف منابع هذه الميليشيات فورا، وسينتهي مشروع الهلال الشيعي المزعوم الذي هو في حقيقته هلال للدم والنار.”

أما على مستوى المجتمع الدولي فإن “سقوط النظام الإيراني يعني إزالة التهديد الأكبر للأمن والسلم العالميين، إذ سيتخلص العالم من كابوس القنبلة النووية، وسينتهي عصر (دبلوماسية الرهائن) والابتزاز الذي يمارسه النظام ضد الدول الغربية، إلى جانب توقف ماكينة تمويل الإرهاب الدولي وغسيل الأموال التي يديرها النظام عبر شبكاته العالمية”، بحسب مهدي.

وأوضح أن هذا النظام لم يعتمد في بقائه على القمع الداخلي فحسب، بل على ركيزة أساسية أخرى وهي “تصدير الأزمات والإرهاب” إلى الخارج للتغطية على حروبه ضد الشعب الإيراني. أما بالنسبة لدول الإقليم والجوار فإن سقوط هذا النظام يعني قطع “رأس الأفعى” في طهران.

ولا يقتصر التهديد الإيراني على أمن الدول والعبث باستقرارها داخليا، بل تعبث بأمن ممرات التجارة والطاقة عبر جماعة “الحوثي” في البحر الأحمر، إضافة إلى مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان، بينما تمثل إيران حلقة وصل استراتيجية في مشاريع الطاقة العالمية.

دور دمشق

المرجح في هذه الحملة العسكرية أن يتم اجتثاث النظام الإيراني أو تحجيم قوته العسكرية، وإنهاء ما يسمى بـ”محور المقاومة” على أقل تقدير، خاصة في ظل ضعف “حزب الله” في لبنان وسقوط نظام الأسد، أحد أبرز حلفائه السابقين، إضافة إلى جماعة “الحوثي” في اليمن، لتبدأ مرحلة إعادة تشكيل القوى والتوازنات في المنطقة ورسم معالم “الشرق الأوسط الجديد”.

ففي خضم هذا التغيير الذي يعصف بالمنطقة تتاح الفرصة مجددا لعودة سوريا إلى دورها الطبيعي في الشرق الأوسط. إذ يأتي ذلك بينما تستعد البلاد للبدء بالدخول في مرحلة التعافي، بعد إنهاء ملف “قسد” في الجزيرة السورية، والبدء بحل أزمة السويداء جنوبي البلاد.

وفق الناشطة السياسية ميديا حمدوش فإن “سقوط نظام إقليمي بحجم النظام في إيران يخلق فراغا في موازين القوى، لكن من يملأ الفراغ ليس بالضرورة الأقرب جغرافيا، بل الأقدر مؤسساتيا واقتصاديا”، مشيرة إلى أن “سوريا اليوم تقف في موقع مختلف جذريا عما كانت عليه قبل سنوات. سقوط نظام بشار الأسد وخروج البلاد من محور إقليمي مغلق منح دمشق هامش حركة أوسع، خصوصا مع الدعم الأميركي والدولي وإعادة الانفتاح العربي.”

وتتمتع سوريا بثلاثة عناصر قوة أساسية، وفق حديث حمدوش لـ”الثورة السورية”، بدءا من “الموقع الجيوسياسي عند تقاطع العراق وتركيا والأردن ولبنان، وتشرف على شرق المتوسط، إذ إن هذا الموقع يجعلها عقدة وصل لا يمكن تجاوزها في ملفات الطاقة والنقل والأمن الحدودي. أما العنصر الثاني فهو الشرعية الدولية المستعادة: الدعم الغربي والعربي يمنح الحكومة الجديدة قدرة تفاوضية أعلى، ويعيد دمج دمشق في المؤسسات والمنتديات الإقليمية. إضافة إلى مرحلة إعادة البناء: ما دمرته الحرب قد يتحول إلى فرصة. إعادة الإعمار تتيح إعادة تشكيل الاقتصاد على أسس جديدة، أكثر انفتاحا وارتباطا بالإقليم.”

“سقوط خصم إقليمي يفتح الباب، لكن عبور العتبة يتطلب دولة مستقرة، واقتصادا حيا، ودبلوماسية ذكية تعرف كيف تحول اللحظة التاريخية إلى نفوذ دائم”، أضافت حمدوش.

ويبقى مصير النظام الإيراني مرهونا بتطورات الحملة العسكرية وما ستؤول إليه الأوضاع في قادم الأيام، إذ يبقى القرار بيد الولايات المتحدة. في وقت بات “التغيير في إيران ليس شأنا داخليا فحسب، بل هو ضرورة حتمية لاستقرار العالم. وكما أثبتت الانتفاضات الأخيرة فإن الشعب الإيراني لا يريد إمبراطورية نووية، بل يريدون جمهورية ديمقراطية تعيد لإيران وجهها الحضاري وتنهي عزلتها الدولية. باختصار، سقوط النظام هو ميلاد لشرق أوسط جديد خال من التطرف الديني وإرهاب الدولة”، بحسب مهدي.

الثورة السورية

———————————

على المدى القصير.. ما التداعيات الاقتصادية المحتملة للحرب ضد إيران بالنسبة لسوريا؟/ عبد العظيم المغربل

مارس 4, 2026

لا يحتاج الاقتصاد السوري إلى صدمة كبيرة كي يختلّ توازنه، لأن المشكلة لم تعد فقط في حجم الأزمات التي يواجهها، إنما في هشاشة القاعدة التي يستند إليها أصلاً، لذلك فإن التصعيد العسكري الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يُقرأ أيضاً كعامل اقتصادي مباشر يمكن أن ينتقل سريعاً إلى السوق المحلية عبر قطاعات الطاقة، والنقل، وسعر الصرف، والاستيراد، وسلوك التجار والمستهلكين.

في الاقتصادات الأكثر تماسكاً، قد تستغرق الصدمات الخارجية وقتاً قبل أن تنعكس على الداخل، أما في سوريا فإنها تميل إلى الظهور بسرعة أكبر، لأن الاعتماد على الاستيراد مرتفع، وهوامش الأمان المالية محدودة، والقدرة على امتصاص الارتفاع المفاجئ في الكلف ضعيفة، لذلك يمكن قياس أثر الحرب بما إذا كانت سوريا، لكونها على اتصال مباشر بسلاسل الطاقة والتجارة والتمويل، تتأثر فوراً بأي اضطراب إقليمي.

الطاقة أول من تأثر بالصدمة

أول ما يتأثر عادةً في أي مواجهة إقليمية واسعة هو ملف الطاقة، لأن النفط والغاز لا يتحركان فقط وفق العرض والطلب، بل أيضاً وفق تقديرات الخطر، وبالنسبة لسوريا، فإن هذا العامل أكثر حساسية من غيره، لأن الكهرباء والوقود ليسا قطاعاً عادياً يمكنه استيعاب تقلبات السوق بسهولة، بل نقطة اختناق يومية تمسّ النقل، والإنتاج، والتدفئة، والزراعة، والخدمات.

وقد ظهرت هذه الحساسية بالفعل مع إعلان وزارة الطاقة السورية، في 2 آذار 2026، خفض ساعات التغذية الكهربائية نتيجة تراجع واردات الغاز الطبيعي من الأردن، مع الإشارة إلى أن تدفقات الغاز توقفت أحياناً بسبب التصعيد الإقليمي، ما أدى إلى تعذر استمرار التوريد وفق الترتيبات السابقة، كما أن هذا التطور جاء بعد أسابيع فقط من توقيع اتفاق توريد الغاز بين سوريا والأردن في 26 كانون الثاني 2026 لدعم الشبكة الكهربائية السورية، ما يعني أن أي اضطراب في هذا المسار ينعكس سريعاً على التغذية الكهربائية.

وهنا لا يبقى أثر الحرب محصوراً في نقص الكهرباء نفسه، لأن تراجع التغذية يدفع الأسر والمنشآت إلى بدائل أعلى كلفة، مثل المولدات والوقود التجاري، ويزيد كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي، ومع أي ارتفاع موازٍ في أسعار النفط أو رسوم النقل، يصبح الضغط مضاعفاً من خلال كلفة أعلى للطاقة وتخديم أقل، وهو ما يخلق بيئة تدفع الأسعار إلى الصعود حتى قبل ظهور نقص فعلي في السلع.

حين ترتفع كلفة الطاقة، ينتقل الأثر إلى الاقتصاد كله؛ قطاع النقل يصبح أغلى، والتبريد والتخزين أغلى، وتشغيل الورش والمصانع أغلى، وتوزيع السلع بين المحافظات أكثر كلفة، وهذا ما يجعل الحرب الإقليمية في الحالة السورية مولداً سريعاً للتضخم، لا لأن كل السلع ستنقطع فوراً، بل لأن السوق ستعيد تسعير المخاطر قبل أن تعيد تسعير الكلفة الحقيقية، فالتاجر الذي يتوقع ارتفاع أجور الشحن، أو تأخر الشحنة، أو صعوبة تأمين الدولار، سيميل إلى رفع السعر مبكراً لحماية هامشه، والمستهلك الذي يتوقع موجة غلاء جديدة قد يندفع إلى الشراء المبكر، ما يضيف ضغطاً إضافياً على السوق.

وفي مثل هذا السياق، يتحول التضخم إلى موجة أوسع تمتد إلى الغذاء والدواء والمواد الأساسية، وتضغط أكثر على القدرة الشرائية، خاصة مع محدودية الدخل وتآكل الأجور، وهكذا تتحول الحرب الخارجية، حتى إن بقيت خارج الحدود السورية، إلى ضغط معيشي داخلي محسوس في تفاصيل الحياة اليومية.

سعر الصرف مرآة للقلق الاقتصادي

تنعكس الصدمات الإقليمية في سوريا بسرعة على سوق القطع، لأن سعر الصرف لا يتحرك فقط وفق المؤشرات الاقتصادية الصلبة، إنما أيضاً وفق مستوى الثقة والقلق والتوقعات، وفي أوقات التوتر، يرتفع الميل إلى الاحتفاظ بالدولار بوصفه ملاذاً أكثر أماناً، خصوصاً عندما تتزايد التوقعات بارتفاع فاتورة الاستيراد أو تعثر الإمدادات أو اضطراب التحويلات.

وتشير مؤشرات السوق المتداولة في مطلع آذار 2026 إلى تداولات قرب مستوى 11,760–11,800 ليرة للدولار في السوق الموازية، وهي مستويات تعكس أصلاً هشاشة سعر الصرف حتى قبل تبلور كامل آثار التصعيد، وعندما يُضاف إلى ذلك ارتفاع كلف الطاقة والشحن، يصبح الضغط على الليرة أقوى، لأن كل ضعف جديد في سعرها يرفع بدوره كلفة السلع المستوردة ويغذي التضخم مرة أخرى.

لهذا، فإن الخطر في المدى القصير لا يكمن فقط في انخفاض جديد محتمل في قيمة الليرة، إنما في الحلقة المتكررة التي تربط بين القلق، وارتفاع الطلب على الدولار، وارتفاع الأسعار، ثم تراجع إضافي في الثقة، وهذه الحلقة من أكثر ما يرهق الاقتصاد السوري، لأنها تنقل الصدمة من حدث إقليمي إلى سلوك يومي داخل الأسواق.

التجارة وسلاسل الإمداد

إذا كانت الطاقة هي القناة الأسرع للتأثر، فإن التجارة هي القناة الأوسع، فحتى لو لم تتوقف السلع مباشرة، فإن اضطراب الملاحة وارتفاع مخاطر الشحن يرفعان الكلفة، ويطيلان زمن الوصول، ويزيدان عدم اليقين بالنسبة للمستوردين، وسوريا، التي تعتمد على الاستيراد في جزء مهم من احتياجاتها، تتأثر هنا بأسعار السلع نفسها وبتكلفة إيصالها.

وأظهرت التطورات الأخيرة أن هذا الخطر لم يعد افتراضياً؛ إذ أفادت رويترز في 2 آذار 2026 بأن نحو 10 بالمئة من أسطول الحاويات العالمي كان عالقاً قرب مضيق هرمز بعد اضطرابات مرتبطة بالتصعيد، مع توقف حجوزات شحن إلى الشرق الأوسط وازدحام متزايد في الموانئ، فيما أشارت تقارير أخرى إلى تعليق أو تحويل مسارات سفن حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر المسارات المعتادة، وهذه التغيرات تعني كلفة شحن أعلى، وتأميناً أعلى، وتخطيطاً أكثر صعوبة للمستوردين.

وبالنسبة للسوق السورية، فإن ذلك ينعكس على مستويين: الأول في أسعار السلع المستوردة الجاهزة، والثاني في كلفة المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج الداخلة في الصناعة المحلية، وبذلك، حتى القطاعات التي تبدو محلية في ظاهرها قد تتأثر، لأنها تعتمد جزئياً على مدخلات أو قطع أو مواد قادمة من الخارج، ويُضاف إلى ذلك أن النقل البري مع الجوار، وخصوصاً عبر الأردن، كان أصلاً يمرّ بحساسية لوجستية وتنظيمية، وقد طالبت غرفة تجارة دمشق، عبر بيان، بإجراءات استثنائية بالفعل، ما يعني أن أي ضغط جديد على هذا المسار يزيد هشاشة حركة البضائع.

الرحلات الجوية وتعطّل الحركة الاقتصادية المرتبطة بها

لا تبدو الرحلات الجوية في الظاهر بنداً اقتصادياً يومياً مثل الوقود أو الخبز، لكنها في الواقع جزء من دورة أوسع تشمل السفر، والشحن الجوي، وحركة رجال الأعمال، والمرضى، والتحويلات المرتبطة بالتنقل، وحتى ثقة السوق نفسها، لذلك، فإن اضطراب الطيران يترك أثراً اقتصادياً غير مباشر، لكنه ملموس.

وقد أُعلن خلال الأيام الماضية عن تعليق رحلات الخطوط الجوية السورية حتى إشعار آخر، بالتوازي مع موجة أوسع من إلغاءات وتعليق رحلات في المنطقة، بما شمل شركات إقليمية ودولية ومسارات جوية متعددة، وهذا لا يعني فقط تعطيل السفر، إنما يضيف عنصراً جديداً من عدم اليقين، ويزيد كلفة التنقل، ويعقّد حركة الأفراد والبضائع التي تعتمد على المسار الجوي في بعض الحالات.

وفي اقتصاد متأثر أصلاً بضعف الربط المنتظم مع الخارج، يصبح أي تراجع إضافي في الاتصال الجوي عامل ضغط نفسي واقتصادي في آن واحد، لأنه يوسّع الإحساس بأن البلاد تعمل تحت كلفة أعلى، ومسارات أضيق، وهوامش حركة أقل.

التحويلات والمساعدات

لا يقوم الاقتصاد السوري على الإنتاج المحلي فقط، بل يعتمد بدرجة مهمة على التحويلات المالية من الخارج، وعلى تدفقات دعم ومساعدات متفاوتة الأشكال، في المدى القصير، قد لا تتوقف هذه التدفقات فوراً بسبب الحرب، لكنها قد تتأثر بفعل القلق، أو ارتفاع كلفة التحويل، أو إعادة ترتيب الأولويات المالية للأسر المقيمة في الخارج، أو انشغال الدول والجهات المانحة بملفات أمنية وعسكرية أكثر إلحاحاً.

ومن هنا، فإن أثر الحرب على هذا الجانب قد يكون أبطأ من أثرها على الوقود أو الشحن، لكنه يظل مهماً، لأن التحويلات بالنسبة لكثير من الأسر السورية جزء من التوازن المعيشي الأساسي، وأي تباطؤ فيها، حتى لو كان محدوداً، يعني ضعفاً إضافياً في القدرة على تحمّل الغلاء، وتراجعاً في قدرة السوق على امتصاص موجات الأسعار الجديدة.

بشكل عام، لا يُرجَّح أن يظهر أثر الحرب الإيرانية – الأميركية الإسرائيلية على الاقتصاد السوري في المدى القصير عبر انهيار مفاجئ أو تغيّر واحد منفصل، بل عبر سلسلة ضغوط متزامنة تبدأ بطاقة أقل استقراراً، وكلفة أعلى للوقود، وموجة تضخمية جديدة، وضغط متزايد على سعر الصرف، وشحن أبطأ وأغلى، وحركة جوية أكثر اضطراباً.

الخطر هنا ليس في كل عامل بمفرده، إنما في اجتماعها داخل اقتصاد محدود المناعة؛ فعندما تتراكم صدمة الطاقة مع صدمة النقل مع صدمة التوقعات، يصبح السوق أكثر قابلية لرفع الأسعار، وتصبح الليرة أكثر حساسية للقلق، وتصبح معيشة الأسر أكثر هشاشة في فترة قصيرة، لذلك، فإن الحرب، إذا استمرت أو اتسع أثرها الإقليمي، قد لا تحتاج إلى وقت طويل كي تُنتج أثراً سلبياً واضحاً داخل سوريا، لأن الاقتصاد السوري لا يواجه فقط أزمة طارئة، إنما يستقبلها من داخل بنية ضعيفة القدرة على امتصاص الصدمات.

الثورة السورية

————————-

ما هي غاية ترامب في إيران؟/ جلبير الأشقر

مثلما توقعنا قبل أسبوع، وحيث بقي الحكم الإيراني متصلباً في موقفه من رفض الالتزام بإنهاء تخصيب اليورانيوم ورفض التفاوض في شأن صواريخه البالستية، فقد واجه بذلك «خطر ضربة عسكرية قد تخلق حالة تهدّد النظام برمّته، وقد يكون مآلها خروج خامنئي من المسرح بصورة أو بأخرى». وقد خلصنا إلى أن الضربة الأمريكية القادمة «مخططة بحيث تستهدف علي خامنئي بالذات ومعه رؤوس «المتشددين» في النظام الإيراني، على أمل أن تفتح إزاحتهم الطريق أمام رضوخ حكم طهران لمشيئة واشنطن». («لعبة الدجاجة بين واشنطن طهران؟»، القدس العربي، 24/2/2026).

وقد شرحنا أيضاً كيف يندرج تعامل دونالد ترامب مع إيران في النهج الذي طبّقه بنجاح في فنزويلا والقاضي بالعمل على «تغيير سلوك النظام»، عوضاً عن «تغيير النظام» على غرار ما سعت إليه إدارة جورج دبليو بوش باحتلال العراق سنة 2003 («لا… لم يتبنّ ترامب سياسة تغيير النظام»، “القدس العربي”، 26/1/2026). بيد أن فرقاً كبيراً بين حالتي فنزويلا وإيران هو أن واشنطن كانت على صلة بأرباب النظام في البلد الأول ومدركة أنهم سوف ينصاعون لمشيئتها متى مارست ضغطاً قوياً عليهم وأزاحت رئيسهم نيكولاس مادورو باختطافه. أما في إيران، فإن هيمنة النظام ورقابته على أربابه أقوى بكثير بحيث أن مخاطرة بعضهم بالتفاهم مع واشنطن في الكواليس أعظم بكثير. ثم إن اختطاف مرشد الجمهورية الإيرانية لم يكن وارداً، كما أن القضاء عليه وحيداً ما كان كافياً ليغيّر مسار النظام في جميع الأحوال.

لذا فإن العملية الأمريكية ضد إيران أكبر وأعقد بكثير من العملية التي استهدفت فنزويلا. فما هي إذاً غاية إدارة ترامب في إيران؟ دعنا نكرر أولاً أنها ليست «تغيير النظام» كما يستمر في تأكيده من لا يفطنون الفرق الشاسع بين السياسة المذكورة كما تجلت في احتلال العراق وعمليات عسكرية واسعة النطاق، لكنّها غير مصحوبة بأي نية في احتلال إيران (إن كان ذلك ممكناً بالأساس، والحال أنه أمرٌ يحتاج إلى مجهود حربي هو أقرب إلى حربي كوريا وفيتنام منه إلى احتلال العراق المنهك في عام 2003، وهو ما تعجز عنه الإدارة الأمريكية سياسياً ولا تريده أصلاً). وكل ما بدا عن ترامب يسير في النهج الموصوف أعلاه، بل وصل إلى حد طمأنته العمود الفقري للنظام الإيراني، ألا وهو فيلق «الحرس الثوري»، بأنه يضمن لهم «مناعة كاملة» لو أوقفوا الحرب واستسلموا لمشيئة واشنطن.

هذا يشير إلى أن رهان واشنطن في إيران هو من باب التمنّي وليس من باب اليقين مثلما كان في فنزويلا. فتتمنّى إدارة ترامب أن ضغطها العسكري الجبّار على البلاد، بعد قطعها لجملة من رؤوسه بمن فيهم رأس الهرم، سوف يرجّح كفة «المعتدلين» البراغماتيين، غير الأيديولوجيين، الذين يرون أن الإبقاء على نظام الملالي بات يتطلب طي صفحة «الممانعة والمقاومة» والتخلّي عن المسعى الإقليمي التوسعي، والدخول في انفتاح سياسي واقتصادي على الولايات المتحدة من شأنه أن يعيد إيران إلى سكة التنمية الاقتصادية التي لديها طاقات عظيمة في صددها. وهذا من شأنه أن يطيل عمر النظام ويقلّص المعارضة الشعبية له، لاسيما إذا ترافق الأمر بتليين كبير للكبت الذي يمارسه على حياة الناس، والنساء على وجه الخصوص. ذلك أن الخناق اشتدّ على نظام الملالي بحيث لم يعد قادراً على مواصلة سلوكه السابق، أللهمّ إلّا إذا فضّل المتشددون تحويل البلاد إلى دكتاتورية مطلقة، منعزلة وفقيرة على منوال كوريا الشمالية، وهو أمر لا يمكن استبعاده بالطبع مع أن شعب إيران أثبت أنه ليس مخدّراً وخانعاً مثلما هو شعب ذاك البلد المسكين.

هنا يتبيّن لنا الفرق النوعي بين ما تتوخاه إدارة ترامب في إيران وما تتوخاه الحكومة الصهيونية، بل والدولة الصهيونية برمّتها. فإن نتنياهو لم ينفك يدعو الشعب الإيراني إلى إسقاط النظام وقد أبدى بكل وضوح رغبته بأن تحلّ محلّ الحكم الراهن في طهران عودة إلى حكم السلالة البهلوية الذي أطاحت به الثورة الإيرانية في عام 1979، ممثلاً برضا بهلوي، ابن الشاه المخلوع. أما واشنطن فلم تبدِ تأييداً لابن الشاه مثلما لم تبدِ تأييداً لزعيمة المعارضة الفنزويلية وهي ترى أن الإثنين عاجزان عن حكم بلديهما. فجلّ ما تتمناه هو أن يتحوّل النظام الإيراني بمقوماته الأساسية إلى التعاون مع الولايات المتحدة على نسق سائر حلفائها الإقليميين، وهي تخشى انهياره إذ تدرك أن من شأن ذلك أن يفضي إلى حالة من الفوضى المسلّحة في البلاد وإلى تمزّقها بما يخلق حالة قصوى من نزع الاستقرار في منطقة الخليج، تتعارض كلياً مع مصلحة واشنطن، بل ومصالح ترامب الشخصية والعائلية (ناهك من مصلحة آل كوشنر وآل ويتكوف!).

في المقابل، يتمنّى الحكم الصهيوني مثل هذا الانهيار الذي يندرج في المخطط الصهيوني القديم الرامي إلى تفتيت الشرق الأوسط بكامله (أنظر «إحياء المشروع الصهيوني لتفتيت المشرق العربي»، القدس العربي، 22/7/2025) وتأكيد صورة دولة إسرائيل على أنها «فيلّا في الغابة» كما وصفها إيهود باراك جرياً وراء مؤسس الصهيونية الحديثة تيودور هرتزل الذي وعد بأن تكون «دولة اليهود» التي دعا لإنشائها «مخفراً متقدماً للحضارة في وجه الهمجية» مستعيراً من القاموس الاستعماري. والحال أن الدولة الصهيونية فاقت كل دول المنطقة همجيةً في حرب الإبادة التي خاضتها ولا تزال في غزة.

*كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

—————————-

 من سيغيّر وجه إيران؟/ خطار أبو دياب

2026-03-04

شهد الشرق الأوسط الملتهب، في العام المنطوي، مزيداً من تفاقم الصراعات واستمرار محاولة تغيير الخرائط في نزاعات النفوذ والطاقة. مع إطلالة الربع الثاني من القرن…

يسود التوتّر بشأن نزع سلاح “الحزب”، الحليف الإقليميّ الرئيس لإيران، وذلك منذ اتّخاذ مجلس الوزراء اللبنانيّ قراراً تاريخيّاً وحاسماً في آب الماضي. وفي مواجهة الضغوط…

“تمرّ عقودٌ أحياناً بالكاد أحداثها تذكَر، وثمّة أسابيع تتسارع فيها أحداث عقود”، قال ذلك يوماً فلاديمير إيليتش لينين. وهذا ينطبق على المستجدّات المتلاحقة ‫في إيران بعد الضربات القاتلة في الثامن والعشرين من شباط، التي أودت بحياة المرشد الأعلى الإيرانيّ علي خامنئي. هكذا أخذت تنطوي صفحة من تاريخ إيران بدأت في عام 1979، ونحن الآن أمام فصل جديد ناتج عن تحوّلات الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل.

من المبكر إجراء تقويم دقيق لمجريات الحرب الدائرة. لكنّ ميزان القوى بين الفريقين المتحاربين يدلّ على تفوّق أميركيّ – إسرائيليّ بسبب تضافر عناصر المباغتة والمعلومات الاستخباريّة والقوّة الناريّة والتكنولوجيا في ظلّ عزلة إيران وعدم وجود دعم لها كما ظهر في مداخلات مجلس الأمن الدوليّ ليلة بدء الحرب. هكذا انتقلت إيران خلال السنوات الثلاث الأخيرة من “التنمّر” إلى “التصدّع”.

تسلسل التّمدّد الإيرانيّ في الإقليم

تمادت القيادة الإيرانيّة بتوجيه من خامنئي في استغلال انهيار النظام الإقليميّ العربيّ منذ حرب العراق في عام 2003، وقرّرت التوسّع في المحيط العربيّ من بيروت إلى دمشق وبغداد وصنعاء.

منذ زلزال سقوط بغداد، وضمن لعبة التجاذب الإقليميّ والدّوليّ، وبعد تعثّر مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي دعا إليه “المحافظون الجدد” في الولايات المتّحدة الأميركيّة، أخذت إيران تعمل بزخم على تسويق مشروعها الإقليميّ، نتيجة نفوذها في العراق، وتحالفها الإستراتيجيّ الحيويّ مع النظام السوريّ السابق الذي كان الممرّ نحو ركيزتها الأيديولوجيّة “الحزب” في لبنان، وتحالفها مع حركتَي “حماس” و”الجهاد” الفلسطينيّتين. كلّ هذا سمح لإيران بالتمدّد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسّط. يشكّل هذا الإنجاز تتويجاً لحلم إمبراطوريّ إيرانيّ في الوصول إلى قلب بلاد العرب، وهذا لم يحدث سوى مرّة واحدة منذ أيّام الملك قورش.

التصرّف العدوانيّ مدعاة للاستغراب إن كان حيال دول عملت بقوّة لمنع وقوع الحرب، أو دول تعدّ بعضها قريبة من إيران

كان اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق الراحل رفيق الحريري بالشراكة مع منظومة الأسد، في شباط 2005، المقدّمة لتغيير وجه الشرق الأوسط وترسيخ “الحقبة الإيرانيّة” التي تمكّنت من الالتفاف على “الربيع العربيّ” في سوريا واليمن من أجل تمديد محورها المزعزع للاستقرار.

شكّل اغتيال قاسم سليماني في بدايات عام 2020 خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، أوّل إرهاصات ضرب النفوذ الإيرانيّ، وأتت أحداث ما بعد السابع من أكتوبر، خاصّة سقوط نظام بشّار الأسد وانتكاسة “الحزب” في لبنان، لتوجّه ضربات قاسية للمحور الإيرانيّ. أدّت لاحقاً حرب الاثني عشر يوماً في الصيف الماضي إلى إضعاف النظام الإيرانيّ وتقليص قدراته.

بالتوازي مع فشل المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، قامت طهران بإخفاء مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب وتفعيل برنامجها النوويّ بوتيرة عالية، وزيادة وتحسين ترسانتها من الصواريخ البالستيّة. إزاء هذه المخاطر ومن أجل إكمال تغيير الشرق الأوسط وفق الثنائيّ ترامب – نتنياهو، أصبح تغيير الوضع في إيران أمراً لا مناصّ منه.

تداعيات المواجهة الواسعة

بينما كان بنيامين نتنياهو مصمّماً على “استكمال العمل” في إيران، لم يعد بإمكان دونالد ترامب تجنّب الذهاب من جديد إلى الحرب في الشرق الأوسط، مهد صراعات الأساطير الدينيّة والعرقيّة التي ازدادت ضراوة في العصر الحديث بفعل المحرّمات النوويّة، المخاطر البالستيّة، صراعات الطاقة، والنفوذ. ‏

إيران

من المفارقات أنّ ترامب “رجل الأعمال – الرئيس” كان مقتنعاً بأنّه أفضل المفاوضين لعقد “صفقة” مع إيران، لكنّ نظام طهران المتمرّس في تضييع فرص التفاوض منذ 2003 وحياكة سجّاد المناورات طويلاً، اعتبر أنّه يخوض معركة بقاء، وأنّ الصاعقَين النوويّ والبالستيّ هما بوليصة تأمين.

يبدو المستقبل الإيرانيّ غامضاً، وسيكون من الصعب على واشنطن وتل أبيب التأثير الكبير عليه، إلّا إذا حصلت مفاجأة من نوع انقلاب

قضت الضربات صبيحة السبت الماضي على المرشد علي خامنئي وقائد المجلس الأعلى للدفاع علي شمخاني ووزير الدفاع وقائد الحرس الثوريّ ورئيس الاستخبارات العسكريّة ورئيس مكتب خامنئي للشؤون العسكريّة، أي تمّ القضاء على قادة الصفّ الأوّل عسكريّاً وأمنيّاً. أصبحت إيران من دون خامنئي، وسينعكس الحدث على تركيبة النظام وربّما مصيره، وستشمل تداعياته الشرق الأوسط والعالم.

مهما كانت خلاصات المواجهات الدائرة، والأرجح لن تظلّ إيران “جمهوريّة إسلاميّة” على مبدأ ولاية الفقيه، يتولّاها مرشد روحيّ، لأنه سيكون من الصعب إيجاد بديل بين رجال الدين المطروحين لخلافة خامنئي، من ذوي الشرعيّة الدينيّة والقدرات السياسيّة، علاوة على الانقسامات داخل دوائر النظام.

يمكن أن تراوح السيناريوات بعد الشغور في مركز القائد بين إيجاد قيادة بديلة أو اختلال في القيادة والتنسيق، وما يسفر عن ذلك من قيام حكم انتقاليّ هشّ، وأخيراً حصول اضطرابات داخليّة مترافقة مع ضغط عسكريّ خارجيّ واحتمال تمخّض فريق براغماتيّ يغيّر الوجهة الإيرانيّة.

قيادة المرحلة الانتقاليّة

قبل أيّام من مصرعه، كلّف المرشد أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني بتولّي مهامّ الإشراف على المرحلة الانتقاليّة، ولذا قام لاريجاني بإعلان مجلس القيادة المؤقّت (ترويكا الرئيس مسعود بزشكيان “الإصلاحيّ” ورئيس السلطة القضائيّة غلام حسين محسني إجئي الأمنيّ المحافظ وعضو مجلس صيانة الدستور آية الله رضا أعرافي المتشدّد والمقرّب من الحرس الثوريّ) بانتظار انتخاب المرشد الجديد.

على الرغم من الاحتجاجات المدوّية في كانون الثاني الماضي وتهاوي شعبيّة النظام، لا تبدو دروب التغيير سالكة في ظلّ القمع الوحشيّ وإمساك الباسيج بالبلاد. لكن سيتوقّف الأمر في نهاية المطاف على انعكاسات إضعاف الحرس الثوريّ وقوى الدولة العميقة وإمكانات الانشقاق ضمن صفوف قيادات الحرس أو قيادات الجيش الإيرانيّ. من ناحية أخرى، ليس مِن توقّع أن يتغيّر سلوك لاريجاني وبزشكيان خلال سير الحرب.

مهما كانت خلاصات المواجهات الدائرة، والأرجح لن تظلّ إيران “جمهوريّة إسلاميّة” على مبدأ ولاية الفقيه

يبدو المستقبل الإيرانيّ غامضاً، وسيكون من الصعب على واشنطن وتل أبيب التأثير الكبير عليه، إلّا إذا حصلت مفاجأة من نوع انقلاب يشبه نسبيّاً التحوّل داخل نظام فنزويلّا (على الرغم من الفوارق بين طبيعة النظامين والجغرافيا والتاريخ). ولا يمكن استبعاد سيناريو الفوضى أو انفراط وحدة إيران. بيد أنّه في حال تمكّن النظام بصيغته الحاليّة من النجاة، فلن تسترجع طهران دورها الإقليميّ وستبقى طويلاً تحت المجهر.

الانعكاسات الإقليميّة والدّوليّة

من أجل ضمان استمراريّة النظام، أقام المرشد الراحل هيكلاً خفيّاً يضمّ نخبة من أتباعه بالتكافل مع الحرس الثوريّ. هذا التنظيم يحرّك خيوط اللعبة، لكن نظراً للضربات ضدّ مراكز القيادة والسيطرة وكلّ مواقع مراكز القرار، يُرجّح أن يبقى الحرس الثوريّ الموزّع على 32 مركز عمليّات على امتداد البلاد الشاسعة، متماسكاً. ربّما يفسّر ذلك العمليّات ضدّ الدول العربيّة الخليجيّة المجاورة.

لكنّ سيناريو الضغط الابتزازيّ على الجوار وعلى الاقتصاد العالميّ يُخفي في العمق تحويل ضفاف الخليج العربيّ إلى “جبهة أماميّة مفتوحة مع الأحقاد الإيرانيّة التاريخيّة”، حسب الكاتب السياسيّ ساطع نور الدين.

هذا التصرّف العدوانيّ مدعاة للاستغراب إن كان حيال دول عملت بقوّة لمنع وقوع الحرب، أو دول تعدّ بعضها قريبة من إيران. لن يكون ذلك أمراً عابراً، وسيساهم مع الاستهدافات لمصادر ومنشآت الطاقة والملاحة الدوليّة، في حشد تحالف دوليّ ضدّ إيران في اللحظة المناسبة.

تبرز بين الخلاصات الأوّليّة لهذه الحرب: قوّة عسكريّة أميركيّة ساحقة، تحالف إسرائيليّ – أميركيّ راسخ، تهميش وضعف أوروبيّان، تغاضٍ روسيّ وصينيّ، وإصرار إيرانيّ على مواكبة اهتزاز نظام الملالي بإشعال بركان الشرق الأوسط الملتهب.

أساس ميديا

———————–

 لماذا خسرت إيران المعركة قبل أن تبدأ؟/ سمير صالحة

2026-03-04

إعلان خسارة إيران المعركة قبل أن تبدأ ليس تقدير موقف استباقيّاً، بل واقع استراتيجيّ محسوم. أربعة عقود ونصف من الأخطاء في الممارسات الداخليّة والخارجيّة، واستعراضات القوّة، وتحدّيات النفوذ، وتحالفات غير متوازنة، ساهمت كلّها في رسم معالم طريق الخسارة.

تؤكّد التحليلات والدلائل أنّ النظام الإيرانيّ انخرط في التصعيد في وضع ضعيف ومتخبّط استراتيجيّاً وسياسيّاً. المعركة التي تصرّ طهران على خوضها، هي متأخّرة، وليست من صنع خصومها فقط، بل نتاج أخطاء متراكمة يتمّ اليوم دفع ثمنها. ليست هناك مفاجأة، بل نتيجة طبيعيّة لسنوات من قرارات لم تحسب بدقّة حجم المخاطر.

خاضت إيران خلال 45 عاماً حروباً مباشرة وغير مباشرة عبر وكلائها في لبنان وسوريا واليمن والعراق، لكنّها اليوم تواجه خصوماً يمتلكون قدرة عسكريّة واستراتيجيّة تجعل الخسارة لا تُقاس بعدد الجولات، بل بالقدرة على إدارة البيئة الداخليّة والإقليميّة والدوليّة. أدّت أخطاء إيران الاستراتيجيّة على المستويَين الداخليّ والإقليميّ إلى تقلّص هامش المناورة أمام خصوم أكثر قدرة.

لا قدرة على منع الخسارة

خبرة إيران الطويلة في النزاعات منحتها القدرة على الردع والمواجهة وربّما أدوات التأثير والتحدّي، لكنّها لم تمنحها فرص منع خسارتها في المواجهة الجديدة مع تل أبيب وواشنطن.

تكشف هذه المواجهة الجديدة، في سياق معركة الإياب بعد تصعيد حزيران الماضي، أنّ الخسارة الاستراتيجيّة لإيران حدثت قبل أن تبدأ المعركة الفعليّة.

تكشف الخبرة الطويلة لإيران في الحروب، التي خاضتها بشكل مباشر أو عبر وكلاء، أنّ القدرة على المناورات العسكريّة والسياسيّة لم تعد مقياساً كافياً لتحقيق أهدافها

الإجابة على مجموعة من الأسئلة المحوريّة قد تساهم في فهم الأسباب الاستراتيجيّة وراء موقف إيران الحاليّ وأسباب هزيمتها المبكرة: لماذا خسرت إيران المعركة على الرغم من تاريخها العسكريّ الطويل وخبرتها في النزاعات الإقليميّة؟ كيف أثّرت تحالفاتها الإقليميّة وخياراتها السياسيّة على موقفها الحاليّ في مواجهة تل أبيب وواشنطن؟ إلى أيّ مدى كانت الفرص الدبلوماسيّة المهدورة، مثل الوساطات التركيّة–السعوديّة–المصريّة، حاسمة في هذا التصعيد؟ ما دور السياسات والقرارات الداخليّة الاقتصاديّة والسياسيّة في تحديد قدرتها على الردع ومنع الانزلاق في مواجهة من هذا النوع؟

تكشف الخبرة الطويلة لإيران في الحروب، التي خاضتها بشكل مباشر أو عبر وكلاء، أنّ القدرة على المناورات العسكريّة والسياسيّة لم تعد مقياساً كافياً لتحقيق أهدافها. على الرغم من قوّتها العسكريّة وخبرة التحرّك التكتيكيّ، جعل ضعف التقويم والتحليل المستقبليّ للتوازنات الإقليميّة والدوليّة من أيّ مواجهة جديدة اختباراً صعباً، وأصبح هامش المناورة الذي يسمح بالتحكّم بالتصعيد محدوداً جدّاً.

سوء التّنسيق بين الأجهزة والمؤسّسات

يكمن أحد أبرز أسباب الخسارة المبكرة أيضاً في سوء التنسيق بين الأجهزة العسكريّة والسياسيّة وقرارات اتُّخذت على أساس تقديرات غير دقيقة لسلوك الخصوم واستراتيجياتهم. أدّى هذا النقص في الرؤية والتقدير إلى تراكم نقاط ضعف لم تحُل دون انزلاق طهران نحو خيارات صعبة، قبل أن تبدأ أيّ مواجهة فعليّة.

إيران

الدرس الاستراتيجيّ هنا واضح: الخبرة العسكريّة الطويلة ليست ضماناً للنصر إذا لم تواكبها قدرة دقيقة على قراءة البيئة الإقليميّة والدوليّة والتوازنات السياسيّة، وتقدير المخاطر بشكل واقعيّ.

تواجه إيران اليوم خصوماً يمتلكون القدرة على فرض معادلة جديدة تحسم النتيجة قبل بدء المواجهة، وهو ما لم تتعامل معه بجديّة في تقويماتها الاستراتيجيّة، بما في ذلك دروس معركة حزيران الماضي.

خاضت إيران خلال 45 عاماً حروباً مباشرة وغير مباشرة عبر وكلائها في لبنان وسوريا واليمن والعراق، لكنّها اليوم تواجه خصوماً

رسمت إيران خلال أربعة عقود شبكة واسعة من التحالفات الإقليميّة، لكنّها لم تُحدث التكامل المطلوب مع البنى السياسيّة والاجتماعيّة في البلدان التي دخلتها، ولم تتوافق مع الواقع الاستراتيجيّ الإقليميّ الجديد. قلّص هذا النقص في التنسيق هامش المناورة ووضَع النظام في موقف دفاعيّ أمام خصوم أكثر قدرة على فرض معادلات محسوبة.

أظهرت الخيارات السياسيّة الإيرانيّة، بما فيها تجاه دول الجوار، والفرص الدبلوماسيّة المهدورة مثل الوساطات التركيّة–السعوديّة–المصريّة، ضعفاً واضحاً في استثمار تلك الفرص لتجنّب صراعات يمكن الوقاية منها.

قراءة المتغيّرات واستثمار الفرص

الدرس المركزيّ هنا أنّ القوّة الحقيقيّة للتحالفات لا تقاس بعدد الحلفاء أو مدى النفوذ المذهبيّ، بل بقدرة الدولة على قراءة المتغيّرات واستثمار الفرص الدبلوماسيّة بذكاء لمنع خوض معركة خاسرة. واقع إيران اليوم يبرهن أنّ نفوذها المذهبيّ، على الرغم من امتداده الجغرافيّ، لم يكن كافياً لحمايتها من الخسارة الاستراتيجيّة قبل بدء المعركة.

تراكمت الأخطاء الداخليّة في إيران عبر السنوات الأخيرة، من ضعف التنسيق بين الحرس الثوريّ والجيش والمؤسّسات الأمنيّة والسياسيّة، إلى صعوبة اتّخاذ قرارات استراتيجيّة متّسقة. أضف إلى ذلك سياسات اقتصاديّة متعثّرة بفعل العقوبات والعجز عن معالجة التحدّيات الداخليّة، فتقلّص هامش المناورة وضعفت القدرة على الردع في سياساتها الخارجيّة. جعل مجموع هذه العوامل مواجهة خصوم يملكون أدوات ضغط متعدّدة الأبعاد اختباراً شبه محسوم الخسارة قبل اندلاع أيّ اشتباك فعليّ.

الخسارة الاستراتيجيّة لإيران قبل بدء المعركة لم تكن مفاجئة، بل نتيجة حتميّة لأخطاء وأزمات داخليّة متراكمة. تتطلّب القيادة الفاعلة تكاملاً بين القوّة العسكريّة والسياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والقدرة على التقدير الواقعيّ للبيئة المحيطة، وهو ما افتقدته طهران في طريقها إلى هذه المواجهة.

إعلان خسارة إيران المعركة قبل أن تبدأ ليس تقدير موقف استباقيّاً، بل واقع استراتيجيّ محسوم

لم تبدأ خسارة إيران مع أوّل ضربة عسكريّة، بل مع سوء قراءة سلسلة من الرسائل السياسيّة والعسكريّة التي سبقت التصعيد: تحرّكات ميدانيّة واضحة، إعادة تموضع، رفع مستوى التنسيق بين الخصوم، وتصاعد في الخطاب. كانت كلّها مؤشّرات تذهب باتّجاه أنّ قواعد الاشتباك تتغيّر. إلّا أنّ طهران تعاملت مع هذه المؤشّرات باعتبارها امتداداً للضغط التقليديّ، لا تحوّلاً في طبيعة المعركة.

تمنح الرسائل المبكرة في الحرب، كما في السياسة، الدول إمكان مراجعة الحسابات قبل أن تُفرض الوقائع. لكنّ تجاهل تلك اللحظة حرم إيران تعديل المسار في الوقت المناسب. هكذا تحوّلت فرصة الاحتواء إلى مسار تصعيديّ مفتوح على كلفة غير محسوبة. لم تبدأ الخسارة مع الضربة الأولى، بل مع عدم التقاط اللحظة التي سبقتها.

تبدّل قواعد المرحلة

تتعامل طهران مع التصعيد باعتباره جولة تقليديّة يمكن إدارتها بالأدوات ذاتها التي استخدمتها في نزاعات سابقة، فيما كان خصومها يؤسّسون لمرحلة مختلفة بالكامل. ليست المواجهة القائمة اشتباكاً عسكريّاً جديداً وحسب، بل اختبار لمعادلة استراتيجيّة تبدّلت قواعدها.

لم تكن المشكلة في حجم القوّة العسكريّة الإيرانيّة بحدّ ذاتها، بل في طبيعة البيئة المقابلة التي تحوّلت إلى منظومة مترابطة عسكريّة واستخباريّة وسياسيّة وتقنيّة قادرة على تنسيق الضغط وتوزيعه بشكل متكامل.

لا تُقاس الخسارة هنا بعدد الجبهات المفتوحة، بل باختلال التوازنات وولادة معادلات إقليميّة جديدة تُرسم خارج إرادة طهران.

أساس ميديا

—————————–

 هل ينقذ الرّهان على الوقت النّظام الإيرانيّ؟/ موفّق حرب

2026-03-04

في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة، يتقدّم إلى الواجهة سؤال لم يعد نظريّاً: ماذا يعني أن تتحوّل فكرة استهداف القيادة العليا في إيران إلى خيار مطروح…

news

هل قرّر ترامب تغيير النّظام في طهران؟

مع بدء “عمليّات قتاليّة كبرى” أميركيّة بالتنسيق مع إسرائيل ضدّ إيران، حاول الرئيس دونالد ترامب أن يُمسك العصا من منتصفها: يُعلن هدفاً عسكريّاً محدّداً (“إزالة…

يدخل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب هذا الأسبوع إلى قاعة مجلس النوّاب لإلقاء خطابه الأوّل الرسميّ عن حالة الاتّحاد في ولايته الثانية، في لحظة سياسيّة نادرة…

لم يعد القول إنّ إيران وشبكة حلفائها في المنطقة تلقّوا ضربات عسكريّة موجعة خلال المرحلة الماضية، موضع جدل. خرجت قيادات بارزة من المعادلة، تعطّلت مسارات لوجستيّة، تآكلت مخزونات صاروخيّة، وتعرّضت صورة الردع لاهتزاز واضح. لكنّ الحروب لا تُحسم فقط بحسابات الخسائر الميدانيّة، بل تُحسم بإرادة الاستمرار، وبالقدرة على إعادة تعريف قواعد الاشتباك. يبدو أنّ طهران تحاول أن تفعل ذلك بالضبط.

على مدى عقود، بنت الجمهورية الإسلاميّة عقيدتها على ما يُعرف بـ”الدفاع المتقدّم”: توسيع نطاق المواجهة خارج حدودها عبر حلفاء وشبكات مسلّحة في الإقليم. في لبنان شكّل “الحزب” ذراع ردع وضغط في آنٍ واحد. في العراق وفّرت الفصائل الحليفة عمقاً استراتيجيّاً وهامش إنكار سياسيّ. في سوريا أمّنت طهران ممرّاً جغرافيّاً يربطها بشرق المتوسّط.

يتعرّض هذا البناء اليوم لهزّات قويّة. لكنّ اهتزازه لا يعني سقوطه. ما يتبلور تدريجاً هو انتقال من سياسة الردع عبر التصعيد، إلى سياسة الصمود عبر الاستنزاف، أي تحويل الصراع من معركة سريعة الحسم إلى مواجهة طويلة النفس.

الاستنزاف هو سلاح الطرف الذي لا يملك تفوّقاً ساحقاً، لكنّه يملك القدرة على الاحتمال. تدرك طهران أنّ الولايات المتّحدة وحلفاءها يتحرّكون ضمن دورات سياسيّة قصيرة: انتخابات، ضغوط رأي عامّ، حسابات ميزانيّات، وتوازنات تحالفات. في المقابل، تعمل القيادة الإيرانيّة بعقليّة زمنيّة أطول ترى الصراع مساراً ممتدّاً لا محطّة عابرة.

لماذا إطالة أمد المواجهة؟

من غير المنطقيّ أن يسعى طرف متضرّر إلى إطالة الحرب. لكنّ في الحسابات الاستراتيجيّة إطالة الصراع قد تكون بحدّ ذاتها أداة للأسباب التالية:

في داخل إيران فتظلّ أدوات الحرب غير التقليديّة، من الفضاء السيبرانيّ إلى أمن الملاحة، أوراقاً قابلة للاستخدام

1- تُبقي المنطقة في حال توتّر دائم، فترتفع كلفة الانخراط الأميركيّ، وتضع أسواق الطاقة والممرّات البحريّة تحت ضغط مستمرّ.

2- تراهن إيران على تباين أولويّات الحلفاء، فليس الجميع مستعدّاً لتحمّل سقف تصعيد مفتوح.

3- تسمح بإعادة تسويق المواجهة في الداخل الإيرانيّ بوصفها “صموداً” لا مغامرة خاسرة على طريقة الأنظمة الدكتاتورية..

4- تعزّز تماسك النظام تحت عنوان الخطر الخارجيّ.

من دون تغيير جذريّ في بنية النظام، قد ترى طهران أنّ البقاء وتفادي الانهيار يُعدّان بحدّ ذاتهما إنجازاً كافياً.

أدوار الوكلاء بعد الضّربات

حتّى بعد تراجع قدراتهم، يبقى الحلفاء الإقليميّون جزءاً من المعادلة. في لبنان، يسعى “الحزب” إلى ضبط الإيقاع، فلا يذهب إلى حرب شاملة، ولا ينسحب من المشهد بالكامل، بل يحافظ على مستوى احتكاك محسوب. في العراق، تستطيع الفصائل إبقاء الضغط على المصالح الأميركيّة عبر عمليّات متقطّعة تذكّر بوجودها من دون أن تستدرج ردّاً كاسحاً. أمّا في داخل إيران فتظلّ أدوات الحرب غير التقليديّة، من الفضاء السيبرانيّ إلى أمن الملاحة، أوراقاً قابلة للاستخدام. ويبقى تهديد الحوثيّين الموسميّ على البحر الأحمر وتهديد إسرائيل بصواريخ بعيدة المدى. ليس الهدف الانفجار الكبير، بل الاستنزاف البطيء: إنهاك الإرادة قبل إنهاك العتاد.

معضلة واشنطن

الولايات المتّحدة أمام خيارات كلّها مكلف مادّيّاً وشعبيّاً لإدارة ترامب والحزب الجمهوريّ في سنة انتخابيّة:

1- التصعيد الواسع، عبر ضربات مباشرة تطال بنية القيادة والقدرات الحيويّة داخل إيران. هذا قد يغيّر المعادلة سريعاً، لكنّه يحمل خطر انزلاق إقليميّ واسع وتداعيات قد يكون من الصعب ضبطها.

إيران

2- الاحتواء المعزّز: تعزيز الدفاعات الجوّية، حماية القواعد، تأمين الملاحة، ومواصلة الضغط الاقتصاديّ. هذا يحدّ من المخاطر، لكنّه قد يكرّس حالة “اللاحرب واللاسلم”.

3- البحث عن تهدئة غير معلنة، عبر قنوات خلفيّة تضع سقوفاً غير مكتوبة للاشتباك، من دون أن تعني تسوية شاملة.

لم يعد القول إنّ إيران وشبكة حلفائها في المنطقة تلقّوا ضربات عسكريّة موجعة خلال المرحلة الماضية، موضع جدل

تكمن المعضلة الحقيقيّة في الموازنة بين الردع والمخاطرة، وبين الحزم ومنع الانزلاق. مع استمرار الأعمال الحربيّة، سيصبح الموقف الأميركيّ أكثر وضوحاً: إسقاط النظام بأيّ وسيلة.

ماذا عن الدّاخل الإيرانيّ؟

يبقى العامل الداخليّ متغيّراً لا يمكن تجاهله. تواجه إيران ضغوطاً اقتصاديّة خانقة، تراجعاً في القدرة الشرائيّة، احتقاناً اجتماعيّاً ظهر في موجات احتجاج متكرّرة خلال السنوات الماضية. قد يعزّز استمرار المواجهة تماسك السلطة تحت عنوان “الخطر الخارجيّ”، لكنّه قد يفاقم أيضاً التصدّعات داخل النخبة السياسيّة والأمنيّة إذا ما رأت هذه النخبة أنّ كلفة المواجهة تفوق قدرتها على الاحتمال.

ليس الانهيار المفاجئ السيناريو الأكثر ترجيحاً، لكنّ التآكل التدريجيّ ممكن. قد لا يأتي التغيير من الشارع وحده، بل من داخل المؤسّسة نفسها، عبر إعادة تموضع أو تعديل في السلوك الاستراتيجيّ بهدف حماية النظام لا إسقاطه.

يُظهر التاريخ القريب أنّ النظام الإيرانيّ أثبت قدرة على امتصاص الصدمات. لكنّ تراكم الضغوط، داخليّاً وخارجيّاً، قد يعيد رسم حساباته على المدى المتوسّط.

إذا لم يسقط النظام فستسوّق إيران صمودها من خلال سرديّة الصمود وحسمها للصراع زمنيّاً. في حروب الاستنزاف، لا يكون السؤال من يربح المعركة، بل من يصمد أطول. السؤال المطروح على واشنطن وحلفائها لا يتّصل فقط بحجم الخسائر التي مُنيت بها إيران، بل مدى استعدادهم لتحمّل صراع طويل، الحفاظ على تماسك تحالفاتهم، ومنع الاستنزاف من التحوّل إلى واقع دائم.

في النهاية، قد لا تكون المعركة على الأرض وحدها، بل على عامل الوقت نفسه. نصر الولايات المتّحدة وإسرائيل سقوط النظام، ونصر إيران صمود الجمهوريّة الإسلاميّة.

 —————————-

 فريدمان يتشكّك بمآل الصّراع: للتّغيير أم للفوضى؟/ إيمان شمص

2026-03-03

يرى الكاتب والمحلّل السياسيّ توماس فريدمان في مقال له في صحيفة “نيويورك تايمز” أنّ “إضعاف النظام الإيرانيّ أو إزاحته قد يُحسّن الوضع في الشرق الأوسط، لكنّ العواقب غير مؤكّدة وقد تكون خطيرة”. يؤكّد ضرورة فهم الوضع بتفاصيله الدقيقة بدلاً من الاكتفاء بالروايات الأخلاقيّة أو السياسيّة البسيطة، لأنّ الشرق الأوسط منطقة معقّدة ومتشعّبة، يتشابك فيها الدين والنفط والسياسة القبليّة وسياسات القوى العظمى في كلّ حدث.

أربعة محاور للصّراع

يبني فريدمان تحليله على أربعة محاور رئيسة للصراع الأميركيّ – الإسرائيليّ – الإيرانيّ:

1- يُعرب فريدمان عن أمله استبدال النظام الدينيّ في إيران في نهاية المطاف. منذ الثورة الإيرانيّة، تُحكم إيران بنظام ثيوقراطيّ يرى أنّه يقمع مواطنيه، يزعزع استقرار الدول المجاورة، ويلحق الضرر بما كان يوماً حضارة عظيمة. وفقاً لفريدمان، إنّ استبدال هذا النظام بحكومة تُركّز على رفاهية الشعب الإيرانيّ ومنحه صوتاً ديمقراطيّاً من شأنه أن يُغيّر وجه الشرق الأوسط نحو الأفضل. يميل العديد من الإيرانيّين نسبيّاً إلى الغرب مقارنةً بشعوب أخرى في المنطقة، وإذا ما أُتيحت لهم الفرصة للتعبير عن تطلّعاتهم سياسيّاً، فقد تتّجه المنطقة نحو مزيد من الانفتاح والتعاون.

2- في رأي فريدمان، سيكون إسقاط النظام الإيرانيّ بالغ الصعوبة. بنية القيادة الإيرانيّة راسخة بعمق، ومن غير المرجّح أن تنهار بضربات عسكريّة. حتّى لو أضعفت الولايات المتّحدة وإسرائيل إيران بالعمل العسكريّ، فإنّ انتفاضة الشعب الإيرانيّ ليست مضمونة، بل قد يُفضي الصراع إلى نتائج غير متوقّعة. لكنّ من المحتمل ظهور نظام سياسيّ مُعدّل، يُسمّيه فريدمان “الجمهوريّة الإسلاميّة 2.0”. فقد يدفع قادة إصلاحيّون مثل حسن روحاني أو محمّد جواد ظريف إلى التفاوض مع الولايات المتّحدة لإنقاذ النظام مع تعديل سياساته.

يخلص فريدمان إلى أنّ المنطقة تمرّ بلحظة شديدة السيولة وعدم اليقين، ربّما الأكثر تقلّباً منذ عام 1979

قد تتخلّى مثل هذه الحكومة عن طموحات إيران النوويّة وتُقلّل من حروبها بالوكالة مقابل رفع العقوبات. لكنّ البديل قد يكون أشدّ خطورة: تفتيت إيران نفسها. إيران متنوّعة عرقيّاً، حيث لا يُمثّل الفرس سوى حوالي 60% من السكّان. ترتبط جماعات أخرى، كالآذريّين والأكراد والعرب والبلوش، بمناطق مجاورة. في حال انهيار الحكومة المركزيّة، قد تسعى هذه الجماعات إلى الانفصال، فتتفكّك البلاد.

3- يؤكّد فريدمان أنّ مدّة الحرب ونتائجها لن تعتمدا فقط على التطوّرات العسكريّة، بل أيضاً على القوى الاقتصاديّة العالميّة، ولا سيما أسواق الطاقة. يعاني الاقتصاد الإيرانيّ أصلاً من هشاشة، مع ضعف العملة والعقوبات الشديدة.

مع ذلك، قد تدفع أيّ اضطرابات في صادرات النفط الإيرانيّة إلى ارتفاع حادّ في الأسعار العالميّة لتصل ربّما إلى 150 دولاراً للبرميل. ستؤثّر هذه الصدمات الاقتصاديّة على الحسابات السياسيّة في الولايات المتّحدة وغيرها، وتثير غضب مؤيّدي ترامب السياسيّين، الذين يخشى الكثير منهم اندلاع حرب أخرى في الشرق الأوسط.

لهذا يعتقد فريدمان أنّ هناك ضغوطاً قويّة لإنهاء الصراع سريعاً عبر المفاوضات وإجراء محادثات دبلوماسيّة بين واشنطن وطهران. قد يرغب ترامب نفسه في تجنّب حرب طويلة الأمد أو ركود اقتصاديّ قبل الانتخابات الأميركيّة.

4- يحذّر فريدمان من أن يؤدّي السعي إلى تعزيز الديمقراطيّة في إيران إلى تجاهل التحدّيات الديمقراطيّة في الولايات المتّحدة وإسرائيل. ينتقد فريدمان ترامب لترويجه للمُثل الديمقراطيّة في الخارج، بينما يُقوّض، في رأيه، المعايير الديمقراطيّة في الداخل، على سبيل المثال من خلال ممارسات إنفاذ قوانين الهجرة المثيرة للجدل والخطاب المتعلّق بتقييد حقوق التصويت.

أهداف نتنياهو..

في الوقت نفسه، يرى فريدمان أنّ نتنياهو قد يستغلّ الصراع لتعزيز موقفه السياسيّ في إسرائيل. إذا عزّزت الحرب مكانته السياسيّة، يخشى فريدمان أن تُسرّع وتيرة سياسات مثيرة للجدل، مثل ضمّ الضفّة الغربيّة، إضعاف المحكمة العليا الإسرائيليّة، ودفع إسرائيل نحو نظام يُشبه نظام الفصل العنصريّ. من شأن هذه التطوّرات أن تضرّ بمصالح الولايات المتّحدة في المنطقة حتّى لو ضعف النظام الإيرانيّ.

يبني فريدمان تحليله على أربعة محاور رئيسة للصراع الأميركيّ – الإسرائيليّ – الإيرانيّ

قوّة إمبرياليّة

يُذكّر فريدمان بالسياق الإقليميّ الأوسع لهذا الصراع. منذ عام 1979 لعبت إيران دور قوّة إمبرياليّة رئيسة في الشرق الأوسط من خلال بناء شبكات من الميليشيات والحركات السياسيّة المتحالفة معها في العديد من الدول العربيّة.

من خلال جماعات مثل “الحزب” وغيرها، وسّعت نفوذها في سوريا ولبنان والعراق واليمن. أدّت هذه الاستراتيجية في كثير من الأحيان إلى تعميق الانقسامات الطائفيّة وإضعاف الحركات السياسيّة الإصلاحيّة في تلك الدول.

يشير فريدمان في هذا السياق إلى قول المحلّل الاستراتيجيّ اللبنانيّ–الإماراتيّ نديم قطيش له: “ليس من قبيل الصدفة أن يكون أحد أكثر الهتافات شيوعاً بين المتظاهرين المناهضين للنظام في إيران: “لا لغزّة، لا للبنان. حياتي فداء لإيران”. شعر العديد من الإيرانيّين بالاشمئزاز لرؤية موارد بلادهم تُهدر على الميليشيات التي تقاتل إسرائيل”. وليس من قبيل المصادفة أنّ إيران أطلقت أخيراً صواريخ على مطارات وفنادق وموانئ دول الخليج العربيّ الحديثة. إنّه الشرق الأوسط القديم يهاجم الشرق الأوسط الجديد. ويُؤمل أن يكون موت خامنئي “نهاية لفكرة خامنئي القائلة إنّ الشرق الأوسط يجب أن يُعرَّف بالمقاومة لا بالاندماج والتكامل”.

يحذّر فريدمان أيضاً من تداعيات الصراع على الصعيد العالميّ، ويقول: “في بكين، لا بد أنّ الرئيس شي جين بينغ يتساءل عن مدى فعاليّة أنظمة أسلحته مقارنةً بتلك التي زوّدت بها الولايات المتّحدة تايوان، بعدما رأى طائرات مقاتلة وصواريخ ذكيّة أميركيّة الصنع تتفادى أو تدمّر بسهولة أنظمة الدفاع الجوّي الإيرانيّة الروسيّة، وتغتال العديد من نخبة الأمن القوميّ الإيرانيّ في منازلهم ومكاتبهم. ربّما ليس هذا هو الأسبوع المناسب لغزو تايوان، ولا حتّى الأسبوع المقبل. بل قد يكون هذا الأسبوع مناسباً لأن تنظر بكين إلى الشعب الإيرانيّ وهو يرقص تلقائيّاً في الشوارع احتفالاً بوفاة خامنئي، وتتساءل عمّا إذا كان ينبغي لجمهوريّة الصين الشعبيّة دعم نظامه بشراء النفط طوال هذه السنوات. ربّما كان عليها أن تقف إلى جانب الشعب الإيرانيّ”.

يرى الكاتب والمحلّل السياسيّ توماس فريدمان أنّ إضعاف النظام الإيرانيّ أو إزاحته قد يُحسّن الوضع في الشرق الأوسط

انتخابات حاسمة

على الرغم من أنّ من السابق لأوانه التنبّؤ بتأثير هذه الحرب على استحقاقَي انتخابات حاسمة في عام 2026، أحدهما في إسرائيل والآخر في الولايات المتّحدة، يكتب فريدمان: “بالنسبة لترامب، الأمر بسيط. لا يريد أن يرى كلمة “مستنقع” في أيّ عنوان يحمل اسمه قبل انتخابات التجديد النصفيّ في تشرين الثاني. أمّا نتنياهو فأتصوّر أنّه قد يدعو إلى انتخابات مبكرة مستغلّاً سقوط النظام الإيرانيّ للبقاء في السلطة. لكنّ الانتصار على إيران قد يعقّد سياسته أيضاً”.

يضيف: “صحيح أنّ نتنياهو حقّق هزائم عسكريّة قصيرة الأجل على “حماس” و”الجهاد الإسلاميّ” و”الحزب” وإيران، لكنّه لم يترجم أيّاً منها إلى مكاسب دبلوماسيّة أو سياسيّة طويلة الأمد. ولتحقيق ذلك، عليه الموافقة على التفاوض مجدّداً مع الفلسطينيّين على أساس حلّ الدولتين لشعبين. وقد تكون الفرصة أمام إسرائيل هائلة: إذا سقطت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة أو تمّ تحييد نفوذها، فلا شكّ لديّ أنّ المملكة السعوديّة ولبنان وسوريا وعُمان وقطر والكويت، وربّما حتّى العراق، ستشعر براحة أكبر في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بشرط ألّا يضمّ نتنياهو غزّة أو الضفّة الغربيّة، وأن يوافق بدلاً من ذلك على خطّة للفصل وحلّ الدولتين. فهل يغتنم نتنياهو هذه الفرصة؟ وهل يعاقبه الناخبون الإسرائيليّون إن لم يفعل؟”.

عدم اليقين

يخلص فريدمان إلى أنّ المنطقة تمرّ بلحظة شديدة السيولة وعدم اليقين، ربّما الأكثر تقلّباً منذ عام 1979. في ظلّ هذا التعقيد، تبقى كلّ الاحتمالات ممكنة: من الإصلاح السياسيّ في إيران إلى الفوضى الإقليميّة أو تحوّلات جيوسياسيّة كبرى. لذلك يؤكّد أنّ فهم ما يحدث يتطلّب الاعتراف بأنّ “كلّ شيء ونقيضه  ممكنان”.

——————————-

كيف تستخدم المضائق سلاحا في النزاعات وما هي التداعيات الاقتصادية لإغلاقها؟/ أسماء الفريح

مارس 4, 2026

المضائق هي ممرات أو نقاط بحرية ضيقة تعمل على وصل المناطق البحرية، وتتفاوت أهميتها تبعا للمناطق المطلة على البحار ولحركة التجارة النشطة فيها، وتعد حرية المرور عبر هذه المضائق مكفولة لكل دول العالم من خلال الاتفاقات والمعاهدات الدولية، رغم أن بعضها يقع ضمن المياه الإقليمية لبعض الدول، كما تختلف أشكال وأنواع السفن العابرة فيها.

تعد المضائق البحرية بمثابة الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وتبرز أهميتها الاقتصادية والتجارية لكونها قادرة على التحكم بحركة تدفق التجارة الدولية (البضائع)، وعلى أمن الطاقة العالمي لسيطرتها على مرور تجارة النفط الخام والغاز المسال. فيما تعود أهميتها الاستراتيجية والسياسية إلى تحكمها بطرق الملاحة الدولية وقدرتها التقييدية على التجارة في حال إغلاقها نظرا لربطها بين القارات والمحيطات، إضافة إلى اختصارها المسافات.

ومن أهم المضائق حول العالم هرمز، ومضيق ملقا، وقناة السويس، ومضيق باب المندب، والمضائق الدنماركية، ومضيق البوسفور، وقناة بنما. وتزداد المخاوف من الاضطرابات التي قد تؤثر على حركة التجارة العالمية ولا سيما النفط والغاز عبر المضائق، مع تصاعد التوترات العسكرية والجيوسياسية وأعمال القرصنة، ومن ثم التهديد بإغلاقها أو استهداف الناقلات المارة فيها.

ووفق تقرير صادر عن شركة أبحاث “ريستاد إنرجي” (Rystad Energy)، فقد بلغ حجم تجارة الطاقة المارة من المضائق المائية الكبرى الخمسة خلال عام 2023 قرابة 71.3 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية، و26 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز المسال. فيما انخفض عام 2024 إلى 65 مليون برميل يوميا للنفط، و24.8 مليار قدم مكعبة يوميا للغاز المسال، ما يمثل تزايد عدم الاستقرار في بعض أهم مياه العالم من الناحية الاستراتيجية.

ويعد مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب ومن بعده المحيط الهندي، الممر الرئيسي لشحنات النفط والغاز المتجهة من المنطقة إلى الأسواق العالمية، حيث يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا أي نحو خمس شحنات العالم من النفط يوميا، وكميات كبيرة من الغاز المسال، وأكثر من نسبة 11 في المئة من إجمالي التجارة البحرية العالمية. وبالتالي فإن أي عرقلة في حركة الشحن فيه تؤثر مباشرة على أسعار النفط العالمية وارتفاع قيمة التأمين، وهو ما ينعكس على ارتفاع أسعار السلع والبضائع.

الممرات أدوات سيطرة وضغط

تتحول المضائق التي تيسر حركة ناقلات الشحنات التجارية وإمدادات الطاقة بين الدول إلى سلاح ضغط سياسي وعسكري واقتصادي، حيث تتعاظم أهميتها خلال اندلاع الصراعات والحروب، خاصة أنها تمنح الطرف المسيطر عليها تفوقا استراتيجيا باعتبار أنه يستطيع استخدامها كورقة ضغط، مع تزايد الخسائر التي تتسبب بها إغلاق الممرات لتتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية جراء ارتفاع أسعار المنتجات والمشتقات النفطية نتيجة ارتفاع كلفة الشحن.

ومع تصاعد التطورات الناجمة عن الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، ورد الأخيرة بهجمات طالت “إسرائيل” وقواعد أميركية في المنطقة، إضافة إلى توسع اعتداءاتها لتشمل عدة دول عربية، أعلن “الحرس الثوري” الإيراني أمس الأحد إغلاق مضيق هرمز. ووفق وكالة تسنيم التابعة له فإن سفنا تلقت رسائل لاسلكية تدعوها لعدم العبور في المضيق، إضافة إلى توجيه تعليمات لطواقم السفن بوقف محركاتها والتأهب لعمليات صعود محتملة.

وكشفت بيانات شحن يوم الأحد عن توقف ما لا يقل عن 150 ناقلة، بينها ناقلات محملة بالنفط الخام والغاز الطبيعي المسال، في المياه المفتوحة في الخليج خارج مضيق هرمز، إضافة إلى توقف عشرات السفن والناقلات الأخرى على الجانب الآخر من المضيق. فيما أشارت تقديرات وفقا لبيانات تتبع السفن من منصة “ماريت ترافيك” إلى أن الناقلات متوقفة في المياه المفتوحة قبالة سواحل دول كبرى لإنتاج النفط في المنطقة، منها العراق والسعودية وقطر.

“إغلاق المضيق بالكامل سيكون مدمرا للاقتصاد الإيراني نفسه، لأنه يعني وقف كل صادرات النفط والبضائع الأخرى”، وفق ما أكدت تامسين هانت المحللة الأولى في S-RM، وهي شركة استشارات استخباراتية وأمن سيبراني. ورأت أن “من المرجح أن تغلق إيران المضيق كحل أخير فقط إذا شعرت أن بقائها الأساسي مهدد”.

وقالت هانت في مقابلة: “قد تواجه السفن تشويشا على الإشارات، واحتجاز السفن وطاقمها، وإطلاق طلقات تحذيرية، وحقول ألغام بحرية تعيق المضيق جزئيا”. مضيفة أنه “حتى الاضطرابات الصغيرة سيكون لها تأثير كبير على قطاع النفط العالمي، مع تأخيرات وتحويلات وزيادة تكاليف التأمين والشحن، مما سيدفع الأسعار العالمية للارتفاع”.

كما نقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن أجاي بارمار، وهو مدير في شركة ICIS المتخصصة في أسواق الطاقة، قوله إن: “إغلاق المضيق سيكون آخر حل بالنسبة لإيران.. نتوقع حدوث ذلك فقط في سيناريو حرب ساخنة”. فيما ذكر خورخي ليون، رئيس التحليل الجيوسياسي في “ريستاد إنرجي”: “سواء أغلق المضيق بالقوة أو أصبح غير قابل للوصول بسبب تجنب المخاطر، فإن التأثير على التدفقات يكون تقريبا نفسه”.

يقول عمار جلو، الباحث في مركز “الحوار” للأبحاث والدراسات، إن ما تسمى بنقاط الاختناق الدولية، وهي المضائق وغيرها من نقاط العبور البحرية، تشهد مرورا كثيفا لسلاسل التوريد العالمية. ولذلك فإن الوصول إليها أو السيطرة عليها أو حتى امتلاكها بحكم الطبيعة الجغرافية يشكل مكسبا كبيرا للدولة المعنية بها لناحية الاستثمارات فيها، إضافة إلى أنها تشكل تعزيزا لسياستها الخارجية.

وأورد الباحث جلو في حديث لصحيفة “الثورة السورية”: أنه على سبيل المثال صراع فرض النفوذ بين الصين والولايات المتحدة في قناة بنما، مشيرا إلى أن الصراعات حول المضائق متشعبة وكثيرة وصعبة الحصر. مضيفا أنه يمكننا أيضا رؤية أبعاد هذه المسألة في القطب المتجمد الشمالي باعتباره أقصى نقطة وصول أو إمداد عالمية. ولذلك فإن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن جزيرة غرينلاند هدفه مواجهة الصين وروسيا في التمددات والأبحاث التي تقومان بها في القطب الشمالي.

ويرى أن المشكلة الأساسية في مضيق هرمز تكمن في أنه من الصعب استبداله بممر آخر، نظرا للتكاليف الكبيرة المترتبة على ذلك، وخاصة أن نسبة عشرين في المئة من الغاز المسال العالمي تمر عبره سنويا، إضافة إلى نسبة 20 إلى 25 في المئة من النفط.

ويبين أنه فيما يتعلق بمسألة الاضطرابات أو الصراع المفتوح حاليا وإمكانية تحوله إلى ما يسمى “بحرب الناقلات” التي جرت في الثمانينات من القرن الماضي خلال الحرب الإيرانية-العراقية، فهي ممكنة والمؤشرات تتنامى بهذا الخصوص، ولا سيما مع استهداف طهران للدول المتشاطئة على الخليج وبحر العرب، بما فيها سلطنة عمان التي كانت تقوم بدور الوساطة في المفاوضات الإيرانية-الأميركية مؤخرا، إلى جانب استهدافها السفن في المضيق.

ويعتبر أن السيطرة على المضائق مسألة صعبة ومعقدة للغاية، حتى إن كانت من خلال استخدام الألغام البحرية أو القوارب المفخخة وغيرها. مؤكدا أن التمكن من المضائق يعد من أدوات النفوذ السياسية أو الجيوسياسية الكبرى التي نرى صدامات بين الدول عليها، لأن من يمتلك هذه المعابر سيتحكم بالتجارة العالمية وبالتالي سيتحكم بالعالم.

إغلاق الممرات البحرية وتأثيراتها الاقتصادية

أظهر تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد” لعام 2025 أنه حتى منتصف شهر حزيران من العام ذاته شهد مضيق هرمز مرور نحو 144 سفينة يوميا بشكل وسطي، نسبة 37% منها ناقلات نفط، و17% سفن حاويات، و13% سفن شحن.

ووفق التقرير ذاته فإن وجهة نسبة نحو 83% من تدفقات الطاقة عبر المضيق عام 2024 كانت إلى آسيا، وشكلت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية أبرز الوجهات، ما يجعلها الأكثر عرضة لتداعيات أي انقطاع في الإمدادات.

وللحد من المخاطر المتصلة بمضيق هرمز ذكرت منصة الطاقة الإعلامية أن دول المنطقة طورت طرقا بديلة للنفط، مثل خط أنابيب النفط الخام (شرق-غرب) في السعودية، الذي تبلغ طاقته قرابة 5 ملايين برميل يوميا، ويربط بين محطة معالجة النفط في مدينة بقيق بالقرب من الخليج العربي وميناء ينبع على البحر الأحمر.

وفي عام 2019 وسعت شركة أرامكو قدرة الخط مؤقتا لتصل إلى 7 ملايين برميل يوميا، عبر تحويل بعض خطوط أنابيب سوائل الغاز الطبيعي إلى نقل النفط الخام.

كما تمتلك الإمارات خط أنابيب لنقل الخام يربط حقولها النفطية البرية بمحطة الفجيرة للتصدير الواقعة على خليج عمان بطاقة تصل إلى 1.8 مليون برميل يوميا.

يقول الباحث جلو، إن تأثيرات إغلاق الممرات كبيرة جدا لأنها تزيد من أعباء النقل لارتفاع تكاليف التأمين. وبالتالي فإنها ستزيد من أثمان البضائع التي سترفع بدورها من الأسعار ومن التضخم، مشيرا إلى أنه سيكون هناك تعطل وتأخر في مدة وصول البضائع ما يرتب أعباء مالية وغير مالية وتراكم التكاليف في جوانب كثيرة، في ظل اقتصاد عالمي وصل إلى حد التخمة في مسألة التضخم، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

وحذر من أن أي أزمة عالمية في قطاع النفط أو الطاقة أو بمسألة سلاسل أو طرق الإمداد العالمية لا بد أن تؤدي إلى كوارث على دول العالم ككل، لكنها ستكون بمثابة كوارث اقتصادية قاسية جدا أو ربما قاتلة للدول الضعيفة.

التعاون الدولي لحماية الممرات

يقول المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقرير نشر في حزيران 2025 إن حماية الممرات والمضائق البحرية في وقت الحرب تعد تحديا معقدا يتطلب مقاربة شاملة توازن بين المصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية.

ويضيف أنه في ظل الصراع “الإسرائيلي”-الإيراني يتصاعد التوتر حول هذه الممرات، مما يهدد استقرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي، مبينا أن آليات الحماية تتراوح بين الوجود العسكري المكثف وتشكيل التحالفات الدولية والتهديد بالردع، وصولا إلى البحث عن بدائل لضمان استمرارية تدفق النفط والتجارة.

وحول ذلك يقول الباحث عمار جلو، إن موضوع التعاون الدولي بهذا الشأن مطلوب كثيرا، ولكن مع الأسف ما يجري هو حالة تنافس أو تصادم دولي.

ولفت إلى أنه عند تشكيل “تحالف الازدهار”، وهو تحالف عسكري بحري متعدد الجنسيات تأسس في كانون الأول 2023 بمبادرة أطلقتها الولايات المتحدة بهدف التصدي لهجمات الحوثيين التي تستهدف السفن التجارية التي تمر عبر البحر الأحمر ولا سيما الخاصة بـ”إسرائيل”، امتنعت دولة كبيرة مثل الصين عن الانخراط فيه. بل إنها قدمت مساعدات وعقدت صفقات مع الحوثيين، مشيرا إلى أن روسيا قامت بذات الشيء مع ميليشيا “أنصار الله” الحوثية أيضا.

وخلص المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية للقول إن حماية المضائق المائية يشكل تحديا جيوسياسيا واقتصاديا معقدا يتطلب توازنا دقيقا بين المصالح الوطنية والدولية، مؤكدا أنه مع تزايد التوترات في المنطقة تبدو آليات الحماية العسكرية والدبلوماسية ضرورية لضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية.

الثورة السورية

—————————–

 رغم اغتيال خامنئي.. لماذا لم يسقط النظام في إيران كما أراد ترامب؟/ أحمد إبراهيم

عربي بوست

2026/03/03

بدأت الحرب، وانطلقت الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي في ضرب إيران. وبعد أقل من ساعة على سقوط أولى الصواريخ الأميركية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية، خرج الرئيس دونالد ترامب معلنًا أنه يأمل في تغيير النظام. وقال، موجّهًا حديثه إلى الشعب الإيراني في مقطع فيديو: “الآن هو الوقت المناسب للسيطرة على مصيركم. هذه هي لحظة التحرك. لا تدعوها تفوتكم”.

ويبدو أن الأمر لم يكن، في خيال ترامب، معقّدًا إلى هذا الحد. فمع أكبر هجوم في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي، شاركت فيه 200 طائرة في غارات استهدفت أنظمة الدفاع الصاروخي والجوي الإيرانية، مهاجمة نحو 500 هدف داخل إيران، شملت دفاعات جوية ومنصات إطلاق صواريخ ومقرًا يضم عددًا من القادة الإيرانيين. وفي الوقت نفسه، تكفّل الجيش الأميركي بقصف إيران بذخائر دقيقة أُطلقت من البر والبحر والجو.

ومع إضعاف الحكومة الإيرانية بفعل الضربات الجوية العنيفة، واغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، و40 من كبار القادة، من بينهم قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وعلي شمخاني مستشار شؤون الأمن لدى المرشد الأعلى، بدا، في لحظة ما، أن الأمر قد حُسم.

إلى جانب ذلك، استُهدفت مواقع مدنية عدة، ما أدى إلى مقتل مئات المدنيين، كثير منهم أطفال. ومع هذا الحجم من الضربات والخسائر، بدا أن انهيار الداخل الإيراني مسألة وقت.

إلا أن الإيرانيين لم ينهاروا، ولم يتأخروا في الرد. فقد شنّت طهران هجمات صاروخية، وأطلقت مئات المسيّرات باتجاه الاحتلال الإسرائيلي، كما استهدفت المصالح الأميركية في عدد من دول المنطقة.

وها نحن في اليوم الرابع من الحرب، وما تزال إيران تقاتل، بل ورفضت التفاوض على وقف إطلاق النار، رغم أن مسؤولًا أميركيًا قدّم، عبر وسيط يُعتقد أنه إيطاليا، اقتراحًا للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية.

فلماذا لم يسقط النظام الإيراني كما أراد ترامب وإسرائيل في غضون أيام؟

الحرب كحرباء.. ما لا يتعلمه القادة من التاريخ

الحربُ، كما يرى أشهرُ منظّريها كارل فون كلاوزفيتز، كالحِرباء التي تبدّل لونها في كلّ لحظة؛ فهي ظاهرة شديدة التقلّب، عصيّة على الضبط، ولا تستقرّ على صورة واحدة. وبالنظر إلى تعريفاته لها، نجدها جميعًا تشير إلى كونها ظاهرة غير خطيّة، لا تنقاد لقوانين عقلانيّة صارمة، ولا يمكن إخضاعها لتنبؤ تحليلي حتمي.

وما يلفت النظر في تاريخ الحروب ليس عنفها، بل يقينُ قادتها. في كل مرة تقريبًا، تدخل الدول صراعًا واسعًا وهي مسلّحة بثقة تحليلية تُطمئن صُنّاع القرار بأن الزمن سيكون قصيرًا، والكلفة محتملة، والمآل قابلًا للإدارة. غير أن الحرب، كما صاغها كارل فون كلاوزفيتز، ليست امتدادًا ميكانيكيًا للسياسة، بل مجالٌ تتكاثر فيه المصادفات، وتتصادم الإرادات، وتتآكل الافتراضات الأولى بسرعة مذهلة.

المفارقة أن هذا التحذير النظري، والكثير من الحروب، لم يمنع أجيالًا من الساسة والعسكريين من الوقوع في الخطأ ذاته: تحويل الاحتمال إلى يقين. فعشية الحرب العالمية الأولى، صيف 1914، سادت بين قادة العواصم الأوروبية قناعة راسخة بأن الصراع لن يتجاوز أشهرًا قليلة، وأن الجنود سيعودون إلى بيوتهم قبل عيد الميلاد. لم يكن ذلك تعبيرًا عن سذاجة فردية بقدر ما كان نتاج ثقافة استراتيجية رأت في الحشد السريع والتفوق الصناعي ضمانةً للحسم السريع. غير أن الحرب سرعان ما كشفت هشاشة هذه الحسابات، وانزلقت القارة إلى 4 سنوات من الاستنزاف الدموي الذي لم يتوقعه أحد تقريبًا.

وبعد نصف قرن، كرّر الرئيس الأميركي ليندون جونسون ثقةً مماثلة في قدرة مستشاريه وخبراء الحاسوب آنذاك على توجيه حرب فيتنام نحو خاتمة “عقلانية”. كانت الولايات المتحدة آنذاك في ذروة إيمانها بالتقنية وبالقياس الكمي، واعتقدت أن ما لا يُرى يمكن نمذجته، وما لا يُحسم يمكن ضبطه عبر معادلات التفوق الناري. لكن الحرب، بوصفها صراع إرادات لا صراع أدوات فحسب، قاومت هذا الاختزال، وتحوّلت إلى تجربة سياسية وأخلاقية مزّقت الداخل الأميركي قبل أن تنتهي في سايغون.

ثم جاء غزو العراق عام 2003، حين افترضت إدارة جورج دبليو بوش أن إسقاط نظام صدام حسين سيعني نهاية القتال، وأن الفراغ السياسي يمكن ملؤه بسرعة عبر هندسة مؤسسات جديدة. مرة أخرى، تبيّن سوء تقدير المخططين الأميركيين، وانفتحت أبواب العنف الأهلي، وتحوّل الغزو التكتيكي إلى مأزق استراتيجي طويل الأمد.

ويبدو أن سوء التقدير أصبح أمرًا روتينيًا عند المخططين الأميركيين، فالفجوة بين التوقع والواقع كانت صارخة على نحو خاص في حالة الحرب الروسية – الأوكرانية بالنسبة إلى الأميركيين. فخلال شهادته أمام الكونغرس في مارس/ آذار 2022، أقرّ الفريق سكوت بيرييه، مدير وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، بأنه أساء تقدير قدرة أوكرانيا على مقاومة روسيا: “لقد شككتُ في إرادتهم للقتال. كان ذلك تقييمًا سيئًا”. إذ توقع الأميركيون أن كييف ستسقط خلال 3 أيام، وأن أوكرانيا ستسقط خلال أسبوعين. غير أن الحرب، مرة أخرى، كسرت خطية التحليل، وأعادت تعريف موازين القوة على نحو لم يكن محسوبًا.

قد يُقال إن الخطأ جزء لا مفرّ منه من طبيعة الحرب، وهذا صحيح جزئيًا. فالحرب، كما وصفها كلاوزفيتز، محكومة بـ”الاحتكاك” و”الصدف” و”اللايقين” و”ضباب الحرب”: تلك العناصر غير المحسوبة التي تتراكم لتُفسد أفضل الخطط. غير أن تكرار سوء التقدير يطرح سؤالًا أعمق: لماذا يُصرّ صانعو القرار على الثقة المفرطة في أدواتهم التحليلية، رغم تراكم الأدلة على محدوديتها؟

إرادة القتال وسحر الحرب.. حين تُخطئ القوة في قراءة الإرادة

الإجابة لا تكمن فقط في نقص المعلومات، بل ربما في طبيعة المؤسسة التي تُنتج التقدير. فالدولة الحديثة، خاصة حين تمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا، تميل إلى الاعتقاد بأن القوة تُترجم تلقائيًا إلى قدرة على التحكم بالنتائج. فيتحوّل التفوق إلى عدسة تُفلتر الواقع، فيُرى الخصم أضعف ما هو عليه، وتُختزل إرادته في حسابات مادية، بينما تُتجاهل العوامل غير الملموسة، “كإرادة القتال”. بالرغم من أنها، في كثير من الأحيان، سواء لدى دولة كبرى أو تنظيمات مسلحة، قد تُعدّ العنصر الذي يعيد ترتيب المعادلة كلها.

وهذا ما يوضحه عالم الأنثروبولوجيا الأميركي – الفرنسي سكوت أتران، الذي كرّس سنوات لدراسة الدوافع غير المادية في النزاعات المسلحة. إذ يقول أتران: “لقد أصبح سوء تقدير إرادة القتال أمرًا روتينيًا، وغالبًا ما كانت نتائجه كارثية على المخططين وجمهورهم”، لا لأن الجيوش تفتقر إلى السلاح، بل لأنها تفترض أن الخصم يحسب بالطريقة ذاتها التي تحسب بها.

فتُخطَّط الاجتياحات العسكرية عادةً على قاعدة توظيف أقصى قدر من القوة في بدايتها لضمان حسم سريع، كاستراتيجية “الصدمة” التي تراهن على كسر الإرادة في الأيام الأولى. لكن ماذا لو لم تُكسر؟ ماذا لو قاوم المدافعون، أو أُتيحت لهم فرصة لالتقاط أنفاسهم وإعادة تنظيم صفوفهم؟

هنا يرى أتران أنه يمكن أن تنقلب المعادلة؛ فقد يميل الميزان إلى أولئك الذين يملكون استعدادًا طويل النفس للتضحية، والذين يستطيعون تعبئة الموارد تدريجيًا ضد مهاجم استنفد ذروة اندفاعه الأولى، أو استهلك ما يستطيع – أو ما يرغب – في الالتزام به.

ولا يكتفي أتران بالتحليل النظري. في دراساته الميدانية في العراق ولبنان وفلسطين والمغرب وإسبانيا، استخدم أدوات من علم النفس المعرفي والتصوير العصبي لقياس استعداد الأفراد للتضحية من أجل ما يسميه “القيم المقدسة”. وبعد تحديد هذه القيم لدى المشاركين، اختبر فريقه مدى استعدادهم لتحمّل التضحيات دفاعًا عنها. أظهرت صور الدماغ، كما يوضح، نشاطًا مختلفًا حين يتعلق الأمر بقيم تُعدّ غير قابلة للمساومة؛ إذ يصبح الاستعداد للتضحية أكبر بكثير، ويتراجع منطق المقايضة الذي يحكم الحسابات المادية العادية.

هنا يشير أتران إلى المفارقة التي تهملها كثير من مؤسسات الدول والساسة الغربيين: حين يتحول الصراع إلى دفاع عن قيمة مقدسة – الدين، الأرض، الرفاق، أو القادة – فإن منطق “الحوافز” يفقد قدرته التفسيرية. فلا يعود الراتب، أو العقوبة، أو حتى النجاة الشخصية، العامل الحاسم، بل يصبح الاستعداد للتضحية جزءًا من تعريف الذات. وفي هذه الحالة، قد تتغلب جماعات أقل تسليحًا على قوى متفوقة تقنيًا، لأنها تقاتل ضمن أفق معنوي لا يقبل الاختزال إلى أرقام.

حتى الهزيمة لا تُنهي هذا الأفق. إذ يقول أتران إن أصحاب إرادة القتال، حتى عندما يُبادون، يتحولون إلى مادة للأساطير. تُعاد صياغة قصصهم بوصفها بطولات، ويُستثمر استشهادهم في تعبئة أجيال لاحقة. الهزيمة العسكرية قد تتحول، في المخيال الجمعي، إلى نصر رمزي طويل الأمد. وهنا تصبح الحرب أكثر تعقيدًا، لأنها لا تدور فقط في ساحة المعركة، بل في الذاكرة.

وهذا ما أقرّ به، بصورة مختلفة، الجنرال مارك ميلي أمام الكونغرس في سبتمبر/ أيلول 2021، حين وصف ما حدث في أفغانستان بأنه “فشل استراتيجي” ناجم عن إهمال العامل “غير الملموس” في الحرب. إذ قال بوضوح: “يمكننا أن نعدّ الشاحنات والبنادق والوحدات وكل ذلك. لكن لا يمكننا قياس قلب إنسان بآلة”.

ورغم إقرار الأميركيين بأن العامل غير المادي حاسم، فإن تكرار سوء التقدير ربما يوضح أكثر من مجرد خلل معلوماتي عند الإدارة الأميركية في حروبها الاستعمارية، إذ نجد انحيازًا بنيويًا في طريقة التفكير ذاتها. فالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية، بحكم تكوينها، تميل إلى ما يمكن قياسه وعدّه: عدد الطائرات والدبابات، مدى الصواريخ، حجم الإنفاق، إلخ. هذه عناصر قابلة للإدخال في النماذج، قابلة للمقارنة، قابلة للرصد. أما “القلب” فيبقى خارج جداول البيانات. وما لا يُقاس يُزاح إلى الهامش، أو يُفترض ضمنًا أنه سيتصرف وفق المنطق ذاته الذي يحكم الطرف الأقوى. وهنا تحديدًا تنشأ فجوة التقدير.

وهم قطع الرأس.. لماذا لا تسقط بعض الأنظمة بضربة واحدة؟

يبدو أن دونالد ترامب لم يتعلم من أخطاء أسلافه الذين طالما انتقدهم لإدخال الولايات المتحدة في حروب خارجية مكلفة، بل جعل من نقدهم رافعة انتخابية تحت شعار “أميركا أولًا”. وكعادة ترامب، لا يلتزم بشيء، فذهب انجرافًا وراء إسرائيل لشن الحرب على إيران دون تفويض من الكونغرس، بل وبدون خطة سياسية واضحة لليوم التالي، ليعيد إنتاج النمط ذاته الذي هاجمه، ولكن باندفاع أكبر وانضباط مؤسسي أقل.

بحسب الصحفي الأميركي ديفيد كورن، الذي وثّق سابقًا إخفاقات إدارة جورج دبليو بوش في اتخاذ قرار غزو العراق، فإن ما يتكرر اليوم يشي بالخلل البنيوي ذاته، إذ أوضح في مقال له أن: “ترامب لا يملك خطة لإيران. الفكرة تبدو أقرب إلى قصف وقتل، ثم انتظار النتائج”.

إذ كانت الفرضية، في ما يبدو، أن القضاء المفاجئ على المرشد الإيراني علي خامنئي سيُحدث صدعًا قاتلًا في بنية النظام، على نحو يُعيد إنتاج سيناريو ما بعد سقوط معمر القذافي في ليبيا: رأس يُزال، فتتهاوى المنظومة من حوله. هذه القراءة افترضت أن النظام الإيراني يتمحور حول شخص، وأن إزاحته تعني انهيار شبكة الولاءات والمؤسسات التي يستند إليها.

لكن حتى مع نجاح الاغتيال في يومه الأول، لم يسقط النظام، بل على العكس، تصاعدت الضربات الإيرانية وأصبحت أكثر إيلامًا. هنا يتجلى الفارق الحاسم بين الإنجاز العملياتي والنتيجة الاستراتيجية. الأول يمكن تحقيقه خلال ساعات، بدقة استخباراتية وقدرة نارية عالية. أما الثانية فمرتبطة ببنية نظام، وشبكات سلطة متداخلة، وأجهزة أمنية، وقواعد اجتماعية، وسردية أيديولوجية تُعيد إنتاج الثبات في لحظة الخطر. هذه العناصر لا تزول بضربة رأس، بل قد تتماسك تحت ضغطها.

وربما هنا يكتسب ما أشار إليه سكوت أتران دلالة أوضح. فعلى امتداد التاريخ، كان أكثر المقاتلين والثوريين فاعلية هم ما يسميهم “الفاعلون المتفانون” – أولئك الذين تنصهر ذواتهم في التزام بقيم “مقدسة” غير قابلة للتفاوض. في مثل هذه الحالات، لا يكون الصراع قابلًا للاختزال إلى توازن قوى مادي فقط، لأن الطرف المعني لا يدافع فقط عن سلطة، بل عن معنى. وإذا كان هذا ينطبق على حركات مسلحة أو جماعات أيديولوجية، فكيف بنظام يعرّف نفسه بوصفه ثوريًا – دينيًا منذ نشأته؟

في هذا السياق، كتب الباحث والصحفي المتخصص في الشأن الإيراني علي هاشم، في مجلة الفورين بوليسي، مقالًا بعنوان: “إيران مُصمَّمة لتحمّل اغتيال آية الله”. يذكّر فيه بأن الجمهورية الإسلامية ليست نظامًا شخصانيًا يتكئ على الزعامة الكاريزمية وحدها، بل بنية ثورية استثمرت، منذ قيامها عام 1979، بكثافة في التخطيط لتغيّرات القيادة. وعندما يتعرض للضغط، تُصمَّم بنيته لتتماسك لا لتتفكك.

وبحسب علي، فكثيرًا ما تُصوَّر إيران بوصفها نظامًا سياسيًا مشدودًا بإحكام إلى الأفراد، وكأن المرشد هو نقطة التوازن الوحيدة. غير أن البنية التي نشأت بعد ثورة 1979 تشكّلت وفق منطق مختلف، منبثق من التجربة الثورية ذاتها، حيث تتداخل المؤسسة الدينية مع الحرس الثوري، ومع شبكات اقتصادية وأمنية واسعة، لتكون منظومة مؤسسات موازية ومترابطة صُممت لتحمي المشروع لا الشخص.

وقد لخّص الخميني هذا التدرج الهرمي في عبارة كثيرًا ما تُستشهد بها داخل النخبة السياسية الإيرانية: “إن حفظ الجمهورية الإسلامية أهم من حفظ أي فرد، حتى لو كان ذلك الفرد هو إمام العصر” – في إشارة إلى الإمام الثاني عشر في التشيع، محمد المهدي.

من هنا، فإن الرهان على إسقاط النظام عبر استهداف رأسه فقط يقوم على قراءة سطحية لإيران، ترى السلطة فيها كتجسيد شخصي، بينما يتعامل النظام مع نفسه كبنية رسالية. وهو ما يجعل لحظة استهدافه واغتيال قادته عامل تعبئة داخلية، يعزّز سردية “الحصار” و”العدوان”، ويمنح المؤسسات سببًا إضافيًا للتكاتف.

وبحسب رويترز، فإن كبار المسؤولين الأميركيين يشكّكون في أن تؤدي العملية العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية إلى تغيير النظام في المدى القريب. وكانت وكالة “رويترز” قد أفادت في وقت سابق بأن تقييمات لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) عُرضت على البيت الأبيض في الأسابيع التي سبقت الهجوم على إيران، خلصت إلى أنه في حال قُتل خامنئي، فقد يُستبدل بشخصيات متشددة من الحرس الثوري الإسلامي أو برجال دين لا يقلّون تشددًا، بحسب مصدرين.

وقال مسؤول أميركي مطّلع على المداولات الداخلية في البيت الأبيض إن من غير المرجّح أن يستسلم مسؤولو الحرس الثوري طوعًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استفادتهم من شبكة محسوبية واسعة صُممت للحفاظ على الولاء الداخلي.

وجاءت تقييمات وكالة الاستخبارات المركزية في أعقاب تقرير واحد على الأقل صادر عن وكالة استخبارات أميركية أخرى، أشار إلى أنه لم تحدث أي انشقاقات داخل الحرس الثوري خلال موجة احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة في يناير/ كانون الثاني، قوبلت بقوة مفرطة من جانب قوات الأمن الإيرانية.

لكن يبدو أنه رغم هذه القراءة الاستخباراتية الحذرة، ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن إدارة دونالد ترامب كانت تميل إلى تصور أن الحرب على إيران ستكون عملية عسكرية قصيرة تستمر لأيام يسقط خلالها النظام.

غير أن التراجع اللاحق في خطاب ترامب يكشف هشاشة هذا التصور. فبعد عودته من عطلة نهاية أسبوع في فلوريدا، امتنع ترامب عن الحديث عن “تغيير النظام” بوصفه هدفًا مباشرًا، بل تحدث بطريقة توحي بتوقع بقاء النظام قائمًا بصورة ما، بحسب ما رصدته الصحف الأميركية.

وقبلها بيومين، أشارت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إلى أخبار عن أن مسؤولًا أميركيًا قدّم، عبر وسيط يُعتقد أنه إيطاليا، اقتراحًا للتوصل إلى وقف إطلاق نار سريع، وهو ما قوبل بالرفض من إيران.

في كثير من مجالات الحياة اليومية الأخرى، قد تكون عواقب قِصر النظر محدودة. أما في الحرب، فقد تكون مدمّرة بما يفوق أشدّ الكوابيس جموحًا. ويبدو أن الإدارة الأميركية لا تتعلم من أخطائها خلال الحروب السابقة، ولا من الروس، فالحرب الروسية – الأوكرانية أظهرت كيف أخطأت موسكو في تقدير صمود أوكرانيا، وكيف تحوّل افتراض الحسم السريع إلى استنزاف طويل.

———————–

الضربة القاضية… سباق إسرائيل لكسر النظام الإيراني/ مايكل هوروفيتز

هامش التحرك بات أوسع مما كان عليه في أي وقت مضى

04 مارس 2026

تدخل إسرائيل والولايات المتحدة يومهما الثالث في أكثر حملة عسكرية تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، وهي عملية مشتركة تعلن صراحة أن هدفها تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية وإسقاط الجمهورية الإسلامية. ففي 28 فبراير/شباط 2026 أطلقت إسرائيل عملية “الأسد الزائر”، فيما دشنت الولايات المتحدة عملية “الغضب الملحمي”، ضمن ضربات منسقة أسفرت عن مقتل “المرشد الأعلى” آية الله علي خامنئي، وإطاحة الصف الأول من القيادة العسكرية الإيرانية، واستهداف منشآت نووية ومواقع للصواريخ الباليستية وبنى تحتية بحرية في أنحاء البلاد.

تمثل هذه العملية ذروة مسار استراتيجي امتد على مدى عامين، وبدأ بتدمير إسرائيل منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وتسارع إيقاعه خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025. ويستند هذا التحول الجذري من سياسة الاحتواء طويلة الأمد إلى المواجهة المباشرة إلى تقدير بأن النظام الإيراني بلغ أضعف حالاته منذ عقود، وأن شبكة وكلائه قد تآكلت، وأن هامش التحرك بات أوسع مما كان عليه في أي وقت مضى.

من حرب الظل إلى النصر الكامل

قاد التصعيد التدريجي إسرائيل إلى الابتعاد عن عقيدتها التي سبقت السابع من أكتوبر، والتي كانت تعرف بـ”المعركة بين الحروب” (بالعبرية: مابام)، نحو استراتيجية ترمي إلى كسب الحرب ذاتها. اعتمدت مقاربة الاحتواء السابقة على إضعاف الخصوم عبر ضربات محدودة ومتكررة، مع الحرص على البقاء دون عتبة الحرب الشاملة. وقامت فلسفتها الوقائية على تجنب انفجار إقليمي واسع عبر تقويض القدرات الإيرانية تدريجيا وحرمان طهران من أي مسار قد يفضي إلى تفوق إذا اندلع صراع أكبر. ومنذ السابع من أكتوبر مالت القيادة الإسرائيلية بصورة متزايدة إلى تبني نهج “النصر الكامل”.

لم يكن هذا التحول وليد لحظة عابرة، بل أسهمت فيه حسابات إيرانية خاطئة. ففي غضون عامين تقريبا، تآكلت أعمدة الردع الإيراني تباعا. وكان “حزب الله” يشكّل الركيزة الأساسية في منظومة الدفاع المتقدم لطهران، إذ قدرت ترسانته قبل السابع من أكتوبر بنحو 150 ألف صاروخ وقذيفة، قادرة على إيقاع خسائر بشرية واسعة وإحداث اضطراب ممتد داخل إسرائيل. ورسخت عقود من الاستثمار الإيراني في هذه الذراع اللبنانية لإيران معادلةً ردعية واضحة مفادها أن أي استهداف مباشر لإيران سيقابل بوابل كثيف قد يرهق الدفاعات الجوية الإسرائيلية ويهدد القواعد الجوية المستخدمة في الطلعات بعيدة المدى ويستنزف الموارد الإسرائيلية بعيدا عن الساحة الإيرانية، وربما يدفع إسرائيل إلى عملية برية مكلفة في لبنان لوقف إطلاق النار.

وعززت قرارات طهران المتكررة بخوض اشتباك مباشر مع إسرائيل قناعة متنامية في تل أبيب بأن المواجهة تجاوزت حدود تحجيم الدفاعات الإيرانية المتقدمة واتجهت نحو هدف أوسع يتمثل في إضعاف الجمهورية الإسلامية ذاتها. وخلال سلسلة من المواجهات في عام 2024 انكشف، من حيث لا تقصد طهران، تفوق إسرائيلي ملحوظ، وتبلور مسار عملي رأى بعض الإسرائيليين أنه قد يفضي إلى انتصار.

وربما وجدت طهران في كثافة ردها وما أثاره من صدى إعلامي ما يبرر الاعتقاد بأنها خرجت من الجولة في موقع متقدم، غير أن القراءة المتأنية لنتائج الاشتباك الأول أظهرت صورة مغايرة. ففي أبريل/نيسان 2024 استهدفت إسرائيل منظومة دفاع جوي روسية الصنع قرب أصفهان على مقربة من موقع نووي. وبدا الأثر المادي للضربة محدودا، غير أن رسالتها كانت جلية إذ أكدت قدرة إسرائيل على بلوغ العمق الإيراني وتعطيل عقد دفاعية حساسة. وفي المقابل أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيرة نحو إسرائيل في عرض كثيف عكس حجم القدرة، لكنه لم يترجم إلى مكاسب حاسمة على الأرض.

وأخفقت الحزمة الهجومية الإيرانية في اللحظة الحاسمة. ففي ظل غياب الترسانة الضخمة لـ”حزب الله” كقوة مساندة، لم تحقق الصواريخ الإيرانية سوى إصابات محدودة في القواعد الجوية الإسرائيلية من دون أن تخرجها عن الخدمة. وحتى مع إطلاق عشرات الصواريخ، عجزت طهران عن تعطيل المدارج أو البنية القيادية والتحكم أو منظومات توليد الطلعات الجوية التي تستند إليها إسرائيل في استدامة حملتها.

واكتسب هذا الإخفاق وزنا استراتيجيا واضحا، إذ إن تعطيل تلك القواعد كان سيقيد بصورة حادة قدرة إسرائيل على الرد، في حين دل استمرار عملها على أن سلاح الجو الإسرائيلي قادر على مواصلة القتال حتى إذا اتسعت المواجهة وتصاعدت الرشقات الإيرانية. ومنذ تلك اللحظة لم يعد احتمال انتصار عسكري إسرائيلي على إيران مجرد فرضية نظرية، بل أخذ يكتسب ملامح إمكانية عملية.

الحسم أو الإصابة المميتة

تأتي الضربات الأميركية-الإسرائيلية المشتركة في عام 2026 نتيجة مباشرة لتآكل الردع الإيراني بفعل سياسات طهران نفسها. وحتى بالمقارنة مع حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي، تبدو الصورة الاستراتيجية مختلفة إلى حد يصعب معه التعرف إليها. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالهدف اليوم واضح، إما القضاء على الجمهورية الإسلامية أو إلحاق ضرر دائم بها.

تطورت الأهداف الإسرائيلية بوضوح ملحوظ. فلم تستهدف الضربة الافتتاحية في هذه الجولة منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، التي تراجعت فاعليتها إلى حد كبير، بل وجهت نحو ما هو أشد أثرا، ضربة قاصمة تطال رأس النظام نفسه. وقد طالت الغارات حي باستور، أحد أكثر أحياء طهران تحصينا، واستهدفت “المرشد الأعلى” علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار القادة الأمنيين. وأفادت مصادر إسرائيلية بمقتل ما يصل إلى ثلاثين مسؤولا وقائدا إيرانيا، مع استمرار عمليات الاستهداف في مراحل لاحقة.

وفي المرحلة التالية ركزت الحملة على تعقب مخزونات الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنصاتها المتحركة، في سباق لتدميرها قبل إخفائها أو إطلاقها. وبالتوازي مع ذلك، عادت إسرائيل إلى توسيع نطاق استهداف بنية النظام. وعلى مدى أيام متتالية أصابت الضربات العمود التنظيمي لجهاز الأمن الداخلي الإيراني، بما في ذلك مركز قيادة الباسيج، ومقر شرطة طهران الكبرى، ومركز إقليمي أدار منه النظام حملة قمع أودت بحياة عشرات الآلاف من مواطنيه. وامتد الاستهداف إلى عقد أصغر، مثل مراكز الشرطة المحلية ونقاط تجمع الباسيج، ما دفع القوى الأمنية إلى إخلاء مواقعها الثابتة والانتشار في مواقع مؤقتة، في مؤشر واضح على اضطراب عملياتي ملموس.

ويراهن النظام، عبر تشتيت قواته، على الاحتفاظ بقدر كاف من القدرة القسرية لقمع أي اضطرابات قد تندلع خلال الحملة أو بعدها. غير أن اتساع نطاق تلك الاضطرابات يظل الرهان المركزي في حسابات كل من ترمب ونتنياهو. فمن الصعب تصور خروج احتجاجات جماهيرية واسعة في ظل قصف جوي مستمر، إلا أن المظاهرات المتفرقة التي ظهرت بالفعل، بما في ذلك مشاهد لإيرانيين يحتفلون علنا بمقتل خامنئي، تعكس عمق سخط قد لا تكفي الحرب وحدها لإخماده.

كما تستهدف إسرائيل والولايات المتحدة عمدا مناطق نائية تقطنها أقليات، وهي مناطق يرجح أن يفقد النظام السيطرة عليها في مرحلة مبكرة، وأن تكون كلفة استعادتها سياسيا باهظة. فقد شكلت المناطق ذات الغالبية الكردية والأذرية والعربية بؤر توتر متكرر في السابق، وتضم جماعات مسلحة قد تجد في الفوضى فرصة سانحة للتحرك. ويظل خطر انزلاق إيران إلى حالة من فقدان السيطرة قائما على المدى الأبعد، غير أن نهج نتنياهو في سوريا يظهر استعداده لتحمل هذا النوع من المخاطر.

وماذا بعد؟

تدرك إسرائيل أن عامل الزمن يضغط بقوة. فالهجمات التي تطال دول الخليج، ولا سيما استهداف منشآت الطاقة ومحاولات إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للاقتصاد العالمي، تقضي بأن لا تمتد العملية الجارية إلى ما لا نهاية.

وعلى الرغم من الأداء الفعال للدفاعات الجوية الخليجية، وقدرة الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إضعاف ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية بدرجة كبيرة، لا تزال طهران تمتلك مخزونا ضخما من الطائرات المسيرة الانتحارية. ولتأمين نافذة زمنية تتيح إحداث خلخلة حقيقية في بنية النظام، يتعين على واشنطن وتل أبيب تحييد قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيرات في المدى القريب. وقد أظهرت الحملات السابقة ضد الحوثيين المدعومين من إيران أن كبح هجمات المسيرات مهمة بالغة التعقيد. ومع ذلك، فإن حجم القدرات التي توظفها إسرائيل والولايات المتحدة في هذه الحملة ونوعيتها غير مسبوقين. وسيقاس النجاح بمستوى الانخفاض الملموس في وتيرة إطلاق المسيرات، أما توقف الهجمات بالكامل فيظل احتمالا ضعيفا، حتى ضمن الإطار الزمني الذي أشار إليه الرئيس دونالد ترمب والمقدر بأربعة أسابيع.

وبالنسبة إلى إسرائيل، يحتدم السباق لإلحاق جرح قاتل بالجمهورية الإسلامية قبل أن تتبدل المعادلات أو تفرض قيود سياسية على استمرار العمليات. ولن يفاجأ بهذا المسار من تابع عن كثب تطور الصراع الإيراني-الإسرائيلي.

وقد بدا الحساب الإسرائيلي بعد حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي واضحا. فأعادت تلك الحرب ضبط التوازن الاستراتيجي، مؤكدة تفوق إسرائيل ومقلصة في الوقت ذاته من قوة إيران. غير أن نتنياهو أدرك أن هذا التفوق لن يدوم من دون إرادة سياسية وقوة عسكرية تحافظان عليه. ومن خلال تبني عقيدة “النصر الكامل” بصورة صريحة في حملته الحالية، تراهن إسرائيل على مخاطرة كبيرة ذات عائد محتمل مرتفع، قوامها تثبيت نتائج هذه المواجهة وتحويلها إلى واقع طويل الأمد.

المجلة

—————————-

إذا فرضت إيران حرباً طويلة… هل يلجأ ترامب إلى الخيار البري؟/ سميح صعب

04 مارس ,2026

تدفع الولايات المتحدة بمزيد من القوات إلى الشرق الأوسط، في وقت تتسع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ربما أكثر مما كان يتوقعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول الأمر، سواء على الصعيدين الميداني والزمني وحتى بالنسبة إلى الأهداف المعلنة.

رغم أن الضربات الافتتاحية للحرب قضت على المرشد علي خامنئي ومعه نحو 50 قيادياً سياسياً وعسكرياً، فإن المواجهات تتطور على ما يبدو خارج الحسابات الموضوعة. وبدأت انعكاساتها تؤثر على أسواق الطاقة العالمية، مع استهداف إيران البنى التحتية للنفط والغاز والموانئ والمطارات في دول الخليج العربية، ومع إغلاقها مضيق هرمز أمام الناقلات. وهذا أحد العوامل الرئيسية التي تجعل أميركا ترسل قوات جديدة إلى المنطقة للتعامل مع الموقف والتداعيات، ولم تعد تلزم نفسها بسقف زمني معين.

ليس هذا فحسب، بل إن ترامب لم يأتِ في ظهوره العلني الأول منذ بدء عملية “الغضب الملحمي” السبت على ذكر الهدف الذي كان حدده في خطاب الحرب، ألا وهو إسقاط النظام، بل ركز على مسألتين: منع إيران من الحصول على سلاح نووي وتفكيك برنامجها الصاروخي بعيد المدى. وهذا ما كرره وزير الحرب بيت هيغسيث.

وكان وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر وضوحاً عندما قال إن إطاحة الحكومة الإيرانية لا تدخل ضمن مهمة القوات الأميركية، وأن هذه مهمة ملقاة على عاتق الإيرانيين أنفسهم، وأن أميركا تؤيدهم في ذلك.

وإذا ما استطالت الحرب أكثر من المتوقع لها، فإن ذلك يثير تكهنات باحتمال الحاجة إلى تدخل بري، خصوصاً إذا ما تزايدت الخسائر في صفوف القوات الأميركية، وشعر ترامب بأنه ينزلق إلى حرب استنزاف. التدخل البري لا يزال أمراً غير مدرج على أجندته، لكن هيغسيث عندما سُئل عن الأمر أجاب بأن كل الخيارات واردة من أجل تحقيق أهداف الحرب. ويتلاقى إعلان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين عن إرسال المزيد من القوات إلى الشرق الأوسط مع تهديد ترامب بتوجيه ضربات أشد لإيران، في حال واصلت التصعيد في مختلف الاتجاهات ليبلغ أراضي الاتحاد الأوروبي، مع استهداف قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص العضو في الاتحاد. وهذا ما جعل الدول الأوروبية تتأهب عسكرياً في المنطقة، وبادرت اليونان إلى إرسال مقاتلات “إف-16” وفرقاطتين إلى الجزيرة.

إطالة أمد الحرب وتوسيعها هما هدف إيران الآن، وقد أعلن أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني أن بلاده استعدت ل”حرب طويلة”.

هل ثمة حسابات خاطئة في التقديرات الأميركية لرد الفعل الإيراني؟ يفترض بدولة مثل الولايات المتحدة أن تكون قد أخذت كل السيناريوات بالاعتبار عندما وضعت خطط الحرب، لكن ربما رجحت بعض السيناريوات على أخرى. والتعامل مع الأوضاع الناشئة هو الذي يملي النطاق الزمني الجديد للحرب، وحتى عدم استبعاد أي خيار، بما فيه التدخل البري.

وإلى العوامل الميدانية، تلعب الانتقادات الداخلية لترامب دوراً ضاغطاً عليه للعودة إلى الكونغرس لشرح مبررات الحرب وتحديد أهدافها بشكل أكثر وضوحاً. وبدأ مشرعون أميركيون في القول إن قرار الحرب جاء إلى حد كبير نتيجة لخطة إسرائيل بمهاجمة إيران، بدعم أميركي أو من دونه. أي أن الضربات الأميركية الاستباقية كانت تهدف إلى حماية الجنود الأميركيين في الشرق الأوسط، التي يرى البنتاغون أنها ستكون أهدافاً محتملة لردود انتقامية.

رغم كل الضغوط، تراجع ترامب عن إعلانه السابق بأنه موافق على التحدث مع طهران، قائلاً إن “الوقت تأخر كثيراً لتطلب إيران الحوار مع واشنطن”. وأضاف في منشور على منصة “تروث سوشال” أمس: “تمّ القضاء على دفاعهم الجوي وسلاح الجو وقائدهم. يريدون التفاوض. قلت لهم: فات الأوان”.

*نقلاً عن “النهار”.

——————————–

هرمز في قلب العاصفة: تداعيات الحرب على أمن الطاقة العالمي/ أحمد الجابر

هرمز على حافة التصعيد: صراع الإرادات وارتدادات الطاقة العالمية

2026-03-04

في الأيام الأخيرة بدأ ملف مضيق هرمز يتصدر العناوين في التحليلات السياسية والاقتصادية العالمية، وذلك في ظل تصاعد حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما دفع الأزمة في الشرق الأوسط إلى نقطة حرجة لم تشهدها المنطقة منذ عقود.

فقد شهدت نهاية شباط/فبراير 2026 عمليات عسكرية واسعة شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف في عمق الأراضي الإيرانية، ما دفع إيران إلى الرد بطلقات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع عدة في دول الخليج التي تستضيف قواعد أميركية، وذلك في تصعيد غير مسبوق منذ بداية الحرب.

وفي تطور نوعي آخر، أعلن “الحرس الثوري” الإيراني أنه أغلق مضيق هرمز وهدد باستهداف أي سفينة تحاول العبور، في واحدة من أقسى التصريحات منذ اندلاع التصعيد، رغم نفي الجيش الأميركي رسمياً هذه الإغلاق على مستوى الملاحة التجارية.

وتتزامن هذه التصريحات مع تقارير عن هجمات مباشرة على ناقلات نفط في ممرات استراتيجية قريبة من المضيق، أدت إلى إحداث أضرار وخسائر بشرية في بعض الحالات، مما أثار مخاوف قطاع النقل البحري العالمي.

وقد انعكس هذا الوضع سريعاً على أسواق النفط والطاقة العالمية؛ إذ ارتفعت أسعار الخام بشكل حاد، وبلغت بعض المؤشرات أعلى مستوياتها في شهور، وسط توقعات بأن استمرار النزاع قد يؤدي إلى تعطل فعلي في تدفق النفط والغاز عبر المضيق الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية وثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال.

كما بدأت شركات التأمين الدولية رفع أقساط التأمين أو إلغاء التغطيات القائمة على الملاحة في المنطقة، في مؤشر إلى ارتفاع المخاطر بشكل كبير أمام الناقلات والسفن التجارية.

وبينما تحاول دول المنظمة الدولية النفطية (أوبك+) تعديل الإنتاج لتعويض المخاطر المحتملة في الإمدادات، يبقى السؤال الأكبر حول مدى قدرة الأطراف المتصارعة على احتواء النزاع ومنع امتداده، خاصة في ظل التحذيرات من تأثيرات اقتصادية وسياسية أوسع على أسواق الطاقة العالمية والنمو الاقتصادي في حالات استمرار التصعيد أو حتى حدوث إغلاق فعلي لمضيق هرمز.

هذه المعطيات تجعل من الأزمة الراهنة في مضيق هرمز محور اهتمام عالمي، لما لها من أثر مباشر على أمن الطاقة العالمي، واستقرار أسواق النفط، وعلاقات القوى الكبرى في النظام الدولي، مع تباين في تقدير السيناريوهات المستقبلية واحتمالات التوسّع في نطاق النزاع.

يقول عصام خوري، كبير باحثي المركز التشيكي السلوفاكي للدراسات الشرقية والمقيم في نيويورك، في حديثه إلى “963+”، إن مضيق هرمز يُعدّ شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ يمرّ عبره ما يزيد على 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.

ويشير إلى أن أي اضطراب في هذا الممر البحري سيقود حتماً إلى ارتفاع أسعار الطاقة على مستوى العالم، الأمر الذي سينعكس مباشرةً على الاقتصادات الصناعية والاستهلاكية الكبرى.

شريان الطاقة وورقة الضغط

ويضيف أن الدول الأوروبية تُعدّ من أكثر المتضررين المحتملين، لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال القطري لتعويض الإمدادات الروسية.

ويرى أن امتلاك أوروبا مخزونات كافية في مستودعاتها قد يمكّنها من تحمّل الأزمة لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر، خاصةً أن موسم البرد قد انقضى، ما يخفف من الضغط الفوري على الطلب. غير أنه يلفت إلى أن استمرار الأزمة لفترة أطول سيعيد القارة إلى دائرة القلق الطاقوي.

أما الصين، فيعتقد خوري أنها ستكون من أكبر المتضررين على المدى المتوسط، موضحاً أن لديها مخزونات نفطية تكفيها لأكثر من ثمانية أشهر، إلا أنها تحتاج إلى ضمان استقرار سلاسل توريد الطاقة على المدى الطويل.

ويعزو القلق الصيني إلى احتمال فقدانها أحد أهم مصادرها النفطية، إذ إن جزءاً كبيراً من وارداتها يأتي من إيران بأسعار تقل عن السوق العالمية. ويشرح أن خسارة طهران للحرب أو تغيّر نظامها سيؤديان إلى تعقيد هذه المعادلة، ما يقلق بكين التي استفادت من الخصومات السعرية.

وفيما يتعلق بروسيا، يوضح أنها مستفيدة اقتصادياً من الحرب، لأن ارتفاع الأسعار سيزيد من إيراداتها النفطية.

ويتابع أن موسكو ستوجّه معظم إنتاجها نحو الصين، ولكن بالسعر العالمي هذه المرة، ما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في الصين، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار السلع الصينية عالمياً.

ويستطرد بأن هذا التطور قد يفتح نافذة فرصة لأسواق منافسة للصين مثل تركيا والهند وإندونيسيا، التي قد تستفيد من ارتفاع كلفة المنتجات الصينية.

وبالنسبة للولايات المتحدة، يرى خوري أنها من أبرز المستفيدين، باعتبارها من أكبر منتجي النفط الصخري حالياً، الأمر الذي سيعزز عائدات الخزينة الأميركية وأرباح الشركات النفطية.

ويشير إلى أن واشنطن قد تضطلع بدور المزوّد البديل لأوروبا بالغاز لتعويض أي نقص محتمل.

غير أنه ينوه إلى أن استمرار الحرب لأشهر طويلة قد يرتد سلباً على المواطن الأميركي عبر موجات تضخم جديدة، لكنه يعتقد أن الإدارة الأميركية قد تلجأ إلى حزم تعويضية ومالية للحد من التأثيرات الاجتماعية، بما قد ينعكس إيجاباً على شعبية الرئيس دونالد ترامب قبل الانتخابات المقبلة.

تداعيات الحرب

ويلفت خوري إلى أن الإعلام الأوروبي يتحدث عن احتمال مشاركة فرنسا وبريطانيا عسكرياً إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، خاصةً بعد استهداف سفن لشركات أوروبية.

ويعتبر أن ذلك قد يشير إلى تشكّل تحالف دولي ضد “الحرس الثوري” الإيراني. كما يضيف أن دول الخليج العربي قد تلعب دوراً داعماً، سواءً عبر توفير السلاح المخزن في مستودعاتها أو عبر دعم مالي لشريكها الأميركي الذي تنتشر قواعده على أراضيها، معتبراً أن المصالح في هذه الحالة متداخلة ومشتركة.

ويؤكد أن أحد الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في هذه الحرب يتمثل في إعادة تنظيم سلاسل التوريد باتجاه الصين، بحيث تكون تحت إشرافها.

ويفسر أن نجاح واشنطن في إسقاط الحكومة الإيرانية أو تغيير ولائها نحو الغرب سيعني خسارة الصين حليفاً مهماً، كما سيؤدي إلى تقويض مسار “طريق الحرير” الذي يمر عبر إيران، وهو ما يراه إنجازاً جيوسياسياً واقتصادياً للرئيس ترامب.

أما إذا لم يتحقق هدف إسقاط النظام، فيعتقد أن الإغلاق الكامل للمضيق سيبقى خياراً عالي الكلفة على جميع الأطراف، بما فيها إيران نفسها، ما قد يدفعها في نهاية المطاف إلى التفاوض رغم العداء القائم مع الولايات المتحدة.

من جانبه، يقول الدكتور أكرم حسام، خبير الأمن الإقليمي والمقيم في القاهرة، في حديثه لموقع “963+”، إن أهمية مضيق هرمز تنبع من كونه أحد أهم مسارات التجارة العالمية، لا سيما في ما يتعلق بنقل النفط والغاز المسال من دول الخليج إلى الأسواق المستهلكة في جنوب وشرق آسيا وأوروبا.

ويوضح أن نسبةً معتبرةً من التجارة العالمية تمر عبر هذا المضيق، فضلاً عن كونه شريان حياة لدول الخليج نفسها التي تعتمد على حركة السفن عبره لاستيراد احتياجاتها من السلع الزراعية والخدمية وغيرها.

ويشير إلى أن أي عمليات عسكرية تعطل الملاحة في المضيق ستؤثر حتماً على أسعار الطاقة، إلا أنه يعتقد أن التأثير في المدى القصير، إذا اقتصر التعطيل على أيام أو أسابيع، سيظل محدوداً نسبياً بسبب توافر احتياطيات لدى معظم الدول المستوردة للطاقة.

لكنه يعلل بأن استمرار الأزمة لأكثر من شهر سيؤدي إلى استنزاف المخزونات تدريجياً، ما قد يفضي إلى أزمة حقيقية في أسواق الطاقة العالمية، ويؤثر كذلك على الاحتياطيات الاستراتيجية لدول الخليج نفسها.

ويعتبر حسام أن ورقة مضيق هرمز تمثل أداة ضغط استراتيجية بيد إيران، ليس فقط تجاه الولايات المتحدة، بل أيضاً تجاه المجتمع الدولي بأسره، بهدف دفعه إلى الضغط على واشنطن للتراجع عن خيار إسقاط النظام.

إلا أنه يرى أن وضع هدف إسقاط النظام على الطاولة يجعل التراجع الأميركي أقل احتمالاً، ما يرجّح، وفق تقديره، سيناريو حرب طويلة قد تتجاوز الشهر.

ويضيف أن المشكلة لا تكمن فقط في قدرة إيران على إغلاق المضيق أو في قدرة الولايات المتحدة على إعادة فتحه بالقوة، وهو أمر يتوقع حدوثه نظراً لفارق القدرات العسكرية، بل تكمن أساساً في احتمالات الفوضى اللاحقة لسقوط النظام.

ويشرح أن انتقال الصراع إلى مستوى عمليات منخفضة الحدة، على غرار ما حدث في مضيق باب المندب، قد يبقي الملاحة تحت تهديد دائم من الأراضي الإيرانية، ولو بدرجات أقل.

سيناريوهات الفوضى ومستقبل الملاحة

ويلفت إلى أن هذا السيناريو سيدفع شركات التأمين إلى رفع أقساط التأمين على المخاطر، كما سيدفع شركات الشحن العالمية إلى تجنب المرور عبر المضيق أو تغيير مساراتها، ما سيرفع تكاليف النقل ويؤثر في أسواق الطاقة والأمن الغذائي لدول مجلس التعاون الخليجي.

ويؤكد حسام أن القراءة الدقيقة للمشهد لا يجب أن تقتصر على اللحظة الراهنة، بل ينبغي أن ترتبط بالمسار المستقبلي لإيران، إذ إن أي اضطراب داخلي طويل الأمد قد ينعكس لسنوات على أمن الملاحة في الخليج العربي.

ويرى أن المخاطر لن تتراجع إلا إذا تمكنت الولايات المتحدة من فرض ترتيبات سياسية مستقرة داخل إيران، سواءً عبر حكومة موالية أو صيغة بديلة تضمن السيطرة على مؤسسات الدولة، وتمنع ظهور ميليشيات أو جماعات مسلحة قد تواصل استهداف الملاحة أو الوجود الأميركي.

ويخلص إلى أن النظرة المستقبلية تتطلب تركيزاً أكبر، لأنها تعني أن مضيق هرمز قد يظل بيئةً عالية المخاطر لشركات الشحن البحري.

ويعدد أبرز التداعيات الحالية، مشيراً إلى اضطراب مؤقت في أسعار الطاقة والأسواق العالمية، وارتفاع في نسب التأمين على المخاطر، وزيادة تكاليف الشحن نتيجة تغيير المسارات، وضغط مؤقت على المخزون الاستراتيجي لدول الخليج، فضلاً عن توقف جزئي لحركة التصدير والتجارة البحرية.

ويختتم بالتنبيه إلى أن أي سيناريو فوضى داخل إيران يعني استمرار التهديد للمضيق، مستشهداً بسيناريو التهديدات الحوثية لمضيق باب المندب منذ عام 2015، حيث أدت عمليات استهداف انتقائية ومنخفضة الكلفة، عبر طائرات مسيّرة انتحارية، إلى تعطيل جزئي ومتكرر لحركة الملاحة.

ويعتقد أن تكرار نمط مشابه انطلاقاً من الأراضي الإيرانية، حتى في حال سقوط النظام الحالي، قد يكون كافياً لإبقاء الخليج العربي في دائرة المخاطر المستمرة.

+963

————————-

الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران: أصداء وانعكاسات سورية/ فيصل علوش

4 مارس 2026

على وقع الحملة الأميركية الإسرائيلية المتواصلة على إيران، وردّ الأخيرة بالصواريخ والطائرات المسيرة التي طاولت إسرائيل ودولًا عدة في المنطقة، كان نصيب سوريا من ذلك، حتى الآن، وقوع عدد من الإصابات والأضرار المادية جراء سقوط عدد من الصواريخ، أو تحطمها بعد تفجيرها في الأجواء السورية، هذا فضلًا عن أصوات دوي انفجارات ضخمة ناجمة عن التصدي الإسرائيلي لتلك الصواريخ والطائرات الإيرانية المسيرة، وخصوصًا في سماء المحافظات الحدودية؛ القنيطرة، درعا، السويداء وريف دمشق.

ولكن هذا الكم من الإصابات والأضرار المادية قد يكون بسيطًا، مقارنة بالتبعات الاقتصادية والمعيشية التي قد تلحق بالسوريين، مع توسّع نطاق الحرب لتشمل لبنان والعراق واليمن، إضافة إلى الدول الخليجية، وذلك على خلفية الردّ الإيراني الذي اختار توسيع رقعة الحرب لرفع كلفتها على جميع الدول المحيطة، بعد أن طاولت صواريخ طهران، إلى جانب القواعد الأميركية والمراكز الإسرائيلية، أهدافًا حيوية في معظم دول الخليج العربيّ، إضافة إلى السفن التجارية في مضيق هرمز، هذه المنطقة التي تعدّ شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، وممرًا رئيسيًا لنسبة عالية من إمدادات النفط والغاز والتجارة العالمية.

وإذا قام الرهان الإسرائيلي والأميركي بداية على أساس أنّ توجيه ضربة عسكرية ساحقة واغتيال كبار القادة الإيرانيين، سيدفع طهران إما إلى الاستسلام، أو مواجهة احتجاجات داخلية تسرّع عملية تغيير نظامها السياسي، فيمكن القول، بعد أربعة أيام من اندلاع الحرب، أن هذا الرهان قد خاب إلى حد كبير. والحاصل الآن، هو أنه مع كل يوم جديد يمر على هذه الحرب، تتصاعد احتمالات انزلاقها وتحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة ذات تداعيات ومخاطر اقتصادية عالية، وذلك جراء ارتفاع أسعار النفط والغاز، عالميًا، ومن ثم تفاقم الأزمات الإنسانية والمعيشية في كثير من الدول.

انعكاسات اقتصادية مباشرة

وما يهمنا في الواقع هو دول المنطقة التي قد يتهدد أمنها واستقرارها، وخصوصًا دولة مثل سوريا تجد نفسها عرضة للتأثر بانعكاسات هذه الحرب وتبعاتها، مهما حاولت أن تنأى بنفسها عنها، في وقت تعاني فيه، أصلًا، من الهشاشة والتصدّع على مختلف الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وهي مثقلة أساسًا بما يفوق طاقتها، وغير قادرة على تحمّل المزيد، وخصوصًا إزاء ما قد تخلفه الحرب من تداعيات على أوضاعها الاقتصادية، جراء ارتفاع أسعار المنتجات النفطية والمواد الغذائية عمومًا، وانعكاس ذلك بالضرورة على السوق السورية التي تستورد معظم مشتقات الطاقة، وكثيرًا من المواد الغذائية المصنعة، وبالتالي زيادة الأعباء المعيشية على الغالبية الساحقة من السوريين.

أضف إلى ذلك، ما تحمله الحرب من انعكاسات سلبية على دول خليجية عدة شكلت داعمًا للإدارة السورية الجديدة، ما يعني أن هذه التداعيات السلبية ستمتد، بدورها، إلى دمشق من خلال تقليص المساعدات التي يمكن أن تقدمها تلك الدول لسوريا، وسيؤدي هذا بدوره، إلى تفاقم وتعميق الأزمات الداخلية التي تعاني منها البلاد، وقد تتحول إلى كارثة إنسانية واقتصادية حقيقية، فالسوريون متعبون ومنهكون ولا طاقة لهم، فعليًا وليس مجازًا، على تحمل تبعات أزمات جديدة.

تداعيات سياسية لاحقة

الهدف الإسرائيلي المعلن من هذه الحرب هو إسقاط النظام في طهران، أو على الأقل، إضعافه وكسر هيبته داخليًا تمهيدًا لإسقاطه، أو إشغاله بصراعات داخلية تفتح الباب أمام سيناريوهات تفتيت محتمل لكيان الدولة الإيرانية. وهذا هدف صريح دأب نتنياهو على الجهر به، وسعى مرارًا لإقناع إدارة الرئيس ترامب بتبنيه. وفي حال قُيّض له تحقيقه، فإن الهدف الآخر المرتبط به هو إعادة رسم خرائط المنطقة وتوازناتها الجيوسياسية، عبر فرض وقائع سياسية جديدة تفضي إلى تشكيل “شرق أوسط جديد”، على حساب تصفية القضية الفلسطينية، وفرض الهيمنة العسكرية والاقتصادية والسياسية على دول المنطقة وشعوبها وثرواتها، بحيث يغيب أي وزن ودور فعليين للدول العربية، بل وربما على حساب الجغرافيا السياسية لبعض دول المنطقة، التي يمكن أن تتعرّض إلى مصير مشابه لما يُراد لإيران، في ظل توجه إسرائيلي لتفتيت كيانات بعض دول المنطقة وشرذمتها.

وفي حال حدوث ذلك، فإنه سيعني تكريس إسرائيل كقوة أولى مهيمنة في الإقليم. وهو أمر غاية في الخطورة، ليس لأن حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة متورطة في حرب إبادة ضد الفلسطينيين في غزة فحسب، بل لأن ذلك قد يعني أيضًا استخدام فائض قوتها العسكرية لتحقيق المزيد من طموحاتها التوسعية في المنطقة. ومثل هذا السيناريو سينعكس بصورة مباشرة على سوريا، فنتنياهو سبق ومزق اتفاقات أوسلو، وباشر منذ مدة إجراءات ضمّ أجزاء من الضفة الغربية والقدس. وهو في غمرة “نشوته وانتصاراته” التي يحققها، قد لا يكتفي بضم الجولان السوري المحتل، إنما قد يسعى إلى قضم المزيد من الأراضي الحدودية في سوريا، وفرض شروطه الأمنية والسياسية المذلة على حساب كيان الدولة السورية وسيادتها.

وعلى ذلك، فإن من مصلحة الدول العربية وسوريا، العمل من أجل وقف سريع لهذه الحرب، (بالرغم من أخطاء النظام الإيراني الداخلية وخطاياه في بعض الساحات الأخرى وخصوصًا سوريا)، وتكريس جهدها من أجل تحول هذه الدول إلى قوة وازنة في المنطقة، بما يمنع أية قوة منفردة، إسرائيل أو إيران أو سواهما، من فرض شروطها عليها، إضافة إلى ضرورة العمل الفوري من أجل وقف نهائي لحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة، ودعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، لأن ذلك يمثل شرطًا أساسيًا لأي استقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط.

الترا سوريا

—————————–

 4 عقبات رئيسية تواجه القوات الأمريكية في حربها على إيران

عربي بوست

لا تقتصر العقبات التي تواجه العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران على الرفض الشعبي الذي أظهرته استطلاعات أخيرة فحسب، بل يشمل ذلك أيضاً عقبات عسكرية ولوجستية تُعقّد مهمة الجيش الأمريكي، الذي شنّ هجوماً عسكرياً ضد طهران بمشاركة إسرائيلية.

ويأتي في مقدمة تلك العقبات، وفق تقارير أمريكية، نفاد مخزونات الصواريخ الاعتراضية، وحالة الضبابية التي تحيط بأهداف العملية العسكرية، فضلاً عن اتساع رقعة الصراع، والصعوبات التي تكتنف عملية القضاء على ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية.

وأظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إبسوس أن ربع الأمريكيين فقط يؤيدون الضربات الأمريكية ضد إيران، بينما يعتقد نحو نصفهم -بمن فيهم واحد من كل أربعة جمهوريين- أن الرئيس ترامب يميل بشدة لاستخدام القوة العسكرية.

وعبر نحو 27% من المشاركين في الاستطلاع عن تأييدهم للضربات، في حين عارضها 43%، وأحجم 29% عن إبداء رأي واضح.

وتهدد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بالخروج عن السيطرة والتحول إلى حرب إقليمية أوسع، حيث استهدفت إيران إسرائيل والسعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن رداً على ذلك.

وفيما يلي نستعرض أبرز العقبات التي تواجه العملية العسكرية الأمريكية في إيران.

أولاً: نفاد مخزونات الصواريخ

كما كان الحال خلال حرب الـ 12 يوماً الماضية ضد إيران في يونيو/ حزيران 2025، تشكل مسألة المخزونات الأمريكية من الصواريخ الاعتراضية معضلة كبيرة أمام إتمام المهمة الأمريكية في طهران.

وكانت هذه المسألة من بين النقاط التي أثارها مسؤولو البنتاغون مع الرئيس ترامب بوصفها أحد المخاطر التي قد تواجه العملية العسكرية الأمريكية ضد طهران.

يأتي ذلك بينما قال ترامب إن بلاده يمكنها خوض حروب “إلى الأبد” وتمتلك مخزوناً “غير محدود تقريباً” من الذخيرة المتوسطة والعالية.

وقال مسؤولون ومحللون حاليون وسابقون إن هذا الأمر يخضع الآن للاختبار، حيث تُسارع الولايات المتحدة لتدمير قوة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قبل أن تنفد لديها الصواريخ الاعتراضية لصد الصواريخ الإيرانية.

إيران

4 عقبات رئيسية تواجه القوات الأمريكية في حربها على إيران /عربي بوست

ويُعدّ الحجم الدقيق لمخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية – ما يُطلق عليه البنتاغون “سعة المخزن” – معلومات سرية. إلا أن الصراعات المتكررة مع إيران ووكلائها في الشرق الأوسط تُؤثّر سلباً على إمدادات الدفاعات الجوية الأمريكية في المنطقة، وفق تقرير صحيفة وول ستريت جورنال.

وقالت كيلي غريكو، وهي زميلة بارزة في مركز ستيمسون للأبحاث، لصحيفة وول ستريت جورنال: “أحد التحديات هو أن هذه الموارد تُستنفد بسرعة كبيرة. نحن نستخدمها بوتيرة أسرع من قدرتنا على استبدالها”.

يُذكر أن الولايات المتحدة نشرت منظومة ثاد الصاروخية المضادة للصواريخ في إسرائيل عام 2024، إلى جانب قوات الجيش الأمريكي لتشغيلها. كما تم نشر منظومة ثاد في الأردن، حيث تتمركز حالياً العديد من الطائرات المقاتلة الأمريكية.

ويُعدّ الحفاظ على مخزون كافٍ من الصواريخ الاعتراضية لمنظومة ثاد، التي تُشغّلها القوات الأمريكية أيضاً في كوريا الجنوبية وغوام، من أهمّ الشواغل لدى البنتاغون، وذلك لردع كوريا الشمالية والصين.

ويسعى البنتاغون أيضاً إلى تجديد مخزونه من صواريخ باتريوت وستاندرد الاعتراضية، التي تُستخدم أيضاً للتصدي للتهديدات الجوية، وللدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية العام الماضي أن البنتاغون لا يملك سوى 25% من منظومات صواريخ باتريوت اللازمة لخططه العسكرية.

ولا تقتصر الذخائر التي تعاني من نقص على صواريخ الاعتراض للدفاع الجوي فحسب، بل تستخدم الولايات المتحدة أيضاً صواريخ توماهوك كروز التي تُطلق من البحر، والمعروفة اختصاراً بـ “تلام”، بالإضافة إلى أسلحة تُطلق من الطائرات ضد أهداف إيرانية.

من جانب آخر، تعتمد منظومات الدفاع الجوي الأمريكية على أشباه الموصلات والرادارات المصنوعة من الغاليوم، وهو معدن بالغ الأهمية تسيطر الصين على سلسلة توريده.

ويعتقد بعض المحللين أن قرار ترامب بفتح جبهة عسكرية جديدة في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تعتمد على الصين في سلعة أساسية لصناعة الدفاع سيعزز موقف الصين في اجتماع ترامب-شي القادم في بكين.

وقال جوزيف ويبستر، وهو زميل بارز في مركز أبحاث المجلس الأطلسي، لصحيفة الغارديان: “ستكون بكين مسرورة برؤية الولايات المتحدة تنفق ذخائرها النادرة وصواريخها الاعتراضية في مسرح عمليات ثانوي. إن تقليص مخزونات الأسلحة الحالية لن يقلل فقط من الموارد المتاحة لحالات الطوارئ في تايوان، بل إن هيمنة الصين على المعادن الحيوية قد تمنحها نفوذاً على إنتاج أسلحة جديدة”.

ثانياً: تغير الأهداف

شهدت الأهداف الأمريكية من عمليتها العسكرية ضد إيران تغيرات ملحوظة، سواء على صعيد الأهداف التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها أو على صعيد الإطار الزمني للعملية، ما عقد مهمة الجيش، حسبما تقول صحيفة وول ستريت جورنال.

ورصد تقرير لوكالة رويترز الرسائل المتباينة للرئيس ترامب منذ بدء شنّ العملية العسكرية ضد طهران.

فعندما أعلن ترامب عن الضربات، السبت 28 فبراير/ شباط، حث الإيرانيين على “استعادة بلدهم” وألمح إلى هدف تغيير النظام.

ويوم الأحد، قال ترامب لمجلة ذي أتلانتيك إنه منفتح على إجراء محادثات مع أي شخص يبرز على الساحة لقيادة إيران، وصرّح لنيويورك تايمز بأن عملية يناير/ كانون الثاني لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كانت نموذجاً لمستقبل إيران.

كما تغير الجدول الزمني الذي وضعه ترامب للعملية الإيرانية منذ انطلاقها. فقد صرّح في البداية لصحيفة ديلي ميل بأنها قد تستغرق “4 أسابيع أو أقل”، ثم قال لنيويورك تايمز إنها قد تدوم من 4 إلى 5 أسابيع. وفي تصريحات منفصلة يومي الأحد والاثنين، ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية استمرار العملية لفترة أطول حتى تحقيق أهدافها.

وفي إخطاره للكونغرس بشأن الضربات على إيران، الذي اطلعت عليه صحيفة بوليتيكو، لم يقدم ترامب جدولاً زمنياً.

وكتب ترامب: “على الرغم من أن الولايات المتحدة ترغب في سلام سريع ودائم، فمن المستحيل في الوقت الحالي معرفة النطاق الكامل اللازم للعمليات العسكرية ومدتها”.

وقال محللون إنه إذا كانت السياسة مربكة، فذلك لأن البيت الأبيض يبدو وكأنه يرتجل.

وقال جاستن لوغان، مدير شؤون الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو للأبحاث في واشنطن، لصحيفة وول ستريت جورنال: “لم تكن الإدارة – والرئيس – مثالاً للوضوح في هذه الحرب. يبدو أنهم يرتجلون القرارات أثناء سيرها. السياسة الحالية تبدو أقرب إلى التخبط وعدم التماسك”.

ثالثاً: الصواريخ الباليستية الإيرانية

بينما أعلن الرئيس ترامب أن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية كان أحد أهم أهداف الهجمات الأمريكية على البلاد، أشارت تقارير إلى أن العثور على ترسانة إيران الكاملة من الصواريخ الباليستية وتدميرها، بالإضافة إلى مواقع إنتاجها، قد يمثل تحدياً خاصاً للجيشين الأمريكي والإسرائيلي.

وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن الغارات الجوية وحدها لا يمكنها تدمير مخططات وخبرات تصنيع هذه الأسلحة، وقد أثبتت إيران براعتها في الحصول على المعدات اللازمة لإعادة تشغيل خطوط الإنتاج، حيث وضعت بعضها، على الأقل، تحت الأرض في منشآت محصنة.

كما أظهر الإيرانيون قدرتهم على تفكيك صواريخهم الباليستية إلى أجزاء أصغر يسهل تهريبها إلى القوات الوكيلة وإعادة تجميعها لاستخدامها، ما قد يجعل مهمة العثور عليها جميعاً أكثر صعوبة.

وفي يناير/ كانون الثاني، صرّح مسؤولون إسرائيليون بأن إيران أعادت بناء برنامجها للصواريخ الباليستية إلى حد كبير بعد حرب الـ 12 يوماً.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الأحد 1 مارس/ آذار، أنها استخدمت قاذفات الشبح B-2 لمهاجمة “منشآت صواريخ باليستية محصنة” بقنابل زنة 2000 رطل.

وأقرّ الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن هذه المواقع كانت تحت الأرض.

وعلى مدى عقود، طورت إيران مجموعة واسعة من الصواريخ التي يمكنها ضرب أهداف تقع خارج حدودها.

وتشمل هذه الأسلحة أنواعاً مختلفة من الصواريخ الباليستية، التي تسلك مساراً مقوساً عالياً في الغلاف الجوي، ثم تستخدم الجاذبية للوصول إلى سرعات تفوق سرعة الصوت بأضعاف مضاعفة.

وقال توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، لصحيفة نيويورك تايمز: “يبذل الجيش قصارى جهده لضرب هذه الأهداف. ربما لدينا فكرة جيدة عن مواقعها، لكن القدرة على الحصول على كل شيء، ومن ثم معرفة حجم الضرر الذي لحق بها من وجهة نظر تقييم أضرار المعركة، ستكون صعبة، لا سيما القيام بذلك من الجو”.

وأضاف كاراكو أن القضاء على منشآت إنتاج الصواريخ الإيرانية تحت الأرض قد يشمل نشر قوات خاصة أمريكية أو إسرائيلية على الأرض لتفتيش المواقع المعروفة أو المشتبه بها.

رابعاً: اتساع رقعة الحرب

تواجه الولايات المتحدة مخاطر متزايدة على قواتها العسكرية ووجودها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، حيث تشن إيران موجات من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار في جميع أنحاء المنطقة، ما يختبر قدرتها على الدفاع عن مساحة واسعة من الأراضي.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية مقتل 6 من جنودها. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن القتلى الـ 6 سقطوا في غارة جوية بطائرة مسيّرة استهدفت قاعدة عسكرية في الكويت.

وفي سياق منفصل، أُسقطت 3 طائرات أمريكية من طراز إف-15 بنيران صديقة، على ما يبدو، فوق الكويت، الاثنين 2 مارس/ آذار، في واحدة من أكبر الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة في المعدات خلال العملية.

كما تعرضت القواعد التي تضم القوات الأمريكية لهجمات في العراق والسعودية والبحرين.

ويتمثل التحدي الذي يواجه القوات الأمريكية في التصدي للهجمات الإيرانية المنتشرة في مساحة شاسعة من الشرق الأوسط، بالتزامن مع محاولة تنسيق الدفاع الجوي مع الحلفاء المحليين. وإلى جانب حماية عشرات الآلاف من القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة، يتعين على الولايات المتحدة أيضاً حماية عشرات السفارات والمنشآت الحكومية الأخرى.

وقال رافي تشودري، مساعد وزير القوات الجوية الأمريكية السابق المسؤول عن المنشآت، إن مخزونات إيران من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، بالإضافة إلى أسراب طائرات شاهد المتفجرة بدون طيار وقدرات الحرب الإلكترونية، تشكل تهديداً هائلاً للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وقال: “ستخضع المنشآت الأمريكية لاختبارات غير مسبوقة في هذا الصراع تحديداً. لقد أظهر خصومنا النية والقدرة على استهداف بنيتنا التحتية الحيوية لتعطيل قدرة الولايات المتحدة على نشر قوتها الجوية”.

ويتفاقم هذا التحدي مع توسيع إيران لحملتها الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة لتشمل البنية التحتية التي تضخ جزءاً كبيراً من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وتسبب هجوم إيراني بطائرة مسيّرة في اندلاع حريق في مركز نفطي سعودي هام، بينما أجبرت الهجمات الإيرانية على وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، إحدى أكبر الدول المصدرة له في العالم.

———————————-

====================

تحديث 03 شباط 2026

———————————-

انحسار دور ملالي إيران: مكاسب عربية وتحولات إقليمية عميقة/ ميشال شماس

مارس 3, 2026

تعيش إيران اليوم لحظات مصيرية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية. وقبل الضربات الأميركية والإسرائيلية، شهدت موجة احتجاجية الواسعة اندلعت قبل أسابيع في عشرات المدن الإيرانية، على خلفية الانهيار الاقتصادي وتدهور مستوى المعيشة، وكشفت عمق الأزمة البنيوية التي تضرب قلب نظام ولاية الفقيه.

ورغم أن النظام نجح في فرض الهدوء بالقوة، فإن هذا الهدوء لا يعكس استقراراً حقيقياً، بقدر ما يسلّط الضوء على مشاكل داخلية تتفاقم كلما حاولت السلطة معالجتها بالأدوات نفسها التي استهلكت فعاليتها.

اللافت أن هذه الاحتجاجات، رغم انحسارها، جاءت في وقت تتراجع فيها قدرة طهران على الحفاظ على منظومة نفوذ إقليمي بنتها على مدى أربعة عقود. فإيران التي اعتادت استخدام نفوذها الخارجي كوسيلة لإشغال الداخل وتثبيت شرعية النظام، تجد نفسها اليوم مضطرة للانكفاء نحو الداخل، في وقت تتعرض فيه شبكاتها الإقليمية لضغوط غير مسبوقة في لبنان واليمن والعراق وغزة. هذا التزامن بين اهتزاز الداخل وتراجع النفوذ الخارجي يضع نظام الملالي أمام معادلة جديدة لم يختبرها منذ تأسيسه.

فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، كان “تصدير الثورة” جزءاً من معادلة البقاء. فالنظام قدّم نفسه بوصفه حامياً للمستضعفين، وبنى شرعيته على خطاب يتجاوز حدود إيران. لكن الأجيال الإيرانية الجديدة لم تعد ترى في هذا الخطاب مبرراً للفقر والقمع وانسداد الأفق. جيل كامل وُلد بعد الثورة الإيرانية، يواجه واقعاً يومياً من البطالة والتضخم والفساد، ويرى كيف تُستنزف موارد البلاد في مغامرات خارجية لا تعود عليه بأي تحسن ملموس.

لم ينجح القمع في إعادة الاستقرار للنظام، بل كشف حدود قدرته على إدارة أزماته الداخلية. فالتوسع في الاعتقالات، وقطع الإنترنت، واستخدام القوة المفرطة، كلها إجراءات تؤجل الانفجار ولا تمنعه. ومع انكشاف محدودية أدواته الداخلية، لجأ النظام الإيراني إلى تضخيم التهديدات الخارجية—خصوصاً مع الولايات المتحدة وإسرائيل—في محاولة لإعادة إنتاج خطاب “الخطر الوجودي” الذي استخدمه طويلاً لتبرير القمع. غير أن هذا الخطاب فقد كثيراً من تأثيره في مجتمع بات يرى فيه غطاءً للهروب من مواجهة الأزمة الحقيقية في الداخل الإيراني.

هذا الانكفاء الداخلي انعكس مباشرة على نفوذ إيران الإقليمي. لكن قبل الحديث عن هذا الانكفاء، لا بد من التوقف عند الخسارة الأكبر التي تلقّتها طهران بسقوط نظام الأسد قبل أكثر من عام، وانسحاب القوات والميليشيات الإيرانية منها تحت ضغط التطورات العسكرية والسياسية. هذا السقوط أنهى عملياً الركيزة الأهم في مشروع نفوذ طهران الإقليمي.

فسوريا لم تكن مجرد حليف، بل كانت العقدة المركزية التي ربطت إيران بلبنان وفلسطين، والممر الحيوي الذي مكّنها من دعم حزب الله وتعزيز حضورها في المشرق. ومع انهيار هذا الحليف المحوري، تفككت الحلقة الأكثر حساسية في شبكة نفوذها، في خسارة استراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة.

وفي لبنان، يظهر أثر هذه الخسارة بوضوح. فحزب الله، الذي كان يستند إلى سوريا كعمق استراتيجي وممر لوجستي، يجد نفسه اليوم في وضع بالغ الصعوبة. فالضربات الإسرائيلية المتواصلة، وتراجع التمويل الإيراني، وانقطاع الشريان السوري الذي كان يمدّه بالسلاح والغطاء السياسي، كلها عوامل جعلت الحزب يتحول من ذراع إقليمية قوية إلى عبء داخلي ثقيل.

ومع غياب الدعم الإيراني المباشر، تتكشف تبعات الخراب السياسي والاقتصادي الذي خلّفه الحزب في لبنان، وتتراجع قدرته على فرض إيقاعه كما كان يفعل في السابق.

وفي العراق، تبدو الميليشيات المرتبطة بطهران في وضع لا تحسد عليه. فانشغال المركز الإيراني عن التنسيق بينها، وتزايد الانقسامات الداخلية، وتنامي الضغط الشعبي عليها، كلها عوامل تجعل نفوذها أقل تماسكاً وأكثر عرضة للتفكك. أما في اليمن، فيواجه الحوثيون ضغوطاً عسكرية وسياسية متصاعدة، في وقت تتراجع فيه قدرة إيران على الإمداد والدعم، ما يضع الحركة أمام اختبار صعب في مرحلة تتغير فيها موازين القوى الإقليمية.

ولا يمكن تجاهل تأثير الأزمة الإيرانية على روسيا، التي استفادت من التعاون العسكري مع طهران في حربها على أوكرانيا. فالنظام الإيراني المنشغل بأزماته الداخلية أقل قدرة على تلبية احتياجات موسكو، ما يضيف عبئاً جديداً على الكرملين في لحظة تعاني فيها من صعوبات وضغوطات دولية متزايدة. وعلى الضفة الأخرى، تبدو إسرائيل والولايات المتحدة المستفيد الأكبر من انشغال النظام الإيراني بأزماته الداخلية. فالتراجع النسبي في قدرة طهران على إدارة وكلائها يخفف منسوب التهديد المباشر، ويعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية.

لكن الأثر الأعمق يظهر في الساحة العربية نفسها، إذ يفتح انحسار الدور الإيراني الباب أمام إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة. بما يمكن البلدان العربية من الالتفات إلى بناء مؤسساتها بعيداً عن وطأة التدخلات الخارجية. ومع تراجع الخطاب الأيديولوجي الطائفي الذي غذّى الانقسامات لعقود، تُتاح للمجتمعات العربية إعادة ترتيب أولوياتها على أسس وطنية وتنموية.

قد لا يكون ما جرى وما سيجري إعلاناً لنهاية نظام الملالي، لكنه بالتأكيد نهاية مرحلة وبداية أخرى. فالتراجع الداخلي، وخسارة أهم ركائز النفوذ الإقليمي، وتقلص قدرة الميليشيات المرتبطة بطهران على الحركة والتمويل، كلها عوامل تدفع إيران إلى موقع دفاعي غير مسبوق منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، في ظل تحول الضغط الأميركي والإسرائيلي من التهديد إلى استخدام القوة المباشر.

ومع انحسار قدرتها على فرض إيقاعها في المنطقة، تبرز تدريجياً توازنات جديدة أكثر ارتباطاً بمنطق الدولة واستقرارها، وأقل خضوعاً لثقل المشاريع العابرة للحدود. وهنا بالضبط يكمن التحدي أمام الدول العربية: هل تكتفي باستثمار تراجع النفوذ الإيراني، أم توظفه في إعادة بناء دول حقيقية قادرة، لا مجرد نظم تستبدل تبعية بتبعية أخرى؟

الثورة السورية

—————————–

 ما هو مؤكّد في هذه الحرب السائلة/ عمر قدور

الثلاثاء 2026/03/03

كانت الحرب الحالية على إيران متوقّعة، بمعنى أن التحضير لها قد وصل إلى الذروة في انتظار ساعة الصفر، وعملياً ألغت تل أبيب وواشنطن عنصر المفاجأة بجعل احتمال الحرب قائماً لفترة طويلة. وكان واضحاً أيضاً أن التجهيز للحرب يمضي بموازاة المفاوضات بين طهران وواشنطن، حيث وضعت الثانية مطلبين رئيسيين على الطاولة؛ تفكيك البرنامج النووي وتفكيك البرنامج الصاروخي. مثلما كان واضحاً أن النظام الإيراني لا يستطيع القبول بهذه الهزيمة المطلقة، ولا يستطيع حتى ابتلاع الثمن المعروض بتقديم واشنطن الوقود النووي لطهران مدى الحياة، لا لأن تعبير “مدى الحياة” غير وارد في العلاقات الدولية، لكن لأن الاعتماد على “الشيطان الأكبر” يعني انقلاب نظام الملالي على نفسه.

نظرياً، يتم تقديم الحرب بالطريقة الكلاسيكية؛ أي باحتسابها استمراراً للمفاوضات، ليكون هدفها تحقيق ما تعذّر تحقيقه دبلوماسياً. أما اللائحة التي يقدّمها ترامب للأهداف فهي تتراوح بين تحييد الخطر النووي والصاروخي الإيراني وبين تغيير النظام، وعلى عادته في الإفصاح يقول إن لديه ثلاثة مرشّحين لتسلم السلطة في طهران، مخالفاً قوله في سياق آخر الذي ينصّ على احتفاظه بالعديد من السيناريوهات لإنهاء الحرب.

واحد من السيناريوهات المجرّبة هو الإعلان عن تدمير البرنامج النووي الإيراني ونظيره الصاروخي، وقد سبق لترامب في حزيران الفائت أن أعلن عن إيقاع ضرر بالغ في الأول، وبما يكفي للقول إن المهمة أُنجزت. يبقى المؤكد بناء على تجربة الماضي القريب، وعلى التصريحات الجديدة، أن ترامب يريدها حرباً سائلة من حيث الأهداف، مع تحاشيه تقديمها كحرب مكتملة الأركان أمام الكونغرس والرأي العام الأميركي.

وبغياب هدف نهائي معلن، يصبح مفهوماً أن تكون حرباً سائلة زمنياً، فترامب وضع سقفاً لها هو خمسة أسابيع، من دون ربط هذه المهلة بهدف محدد، إلا أنها ستكون كافية لإلحاق دمار شديد جداً بإيران، وربما إلى حد لن يكون مجدياً بعده على الإطلاق الاستمرار في القصف. وعليه قد تتوقف الحرب في نهاية المهلة، مع استمرار التلويح بها. وقد يكون التوقف على غرار ما حدث في لبنان، إذ لم تتوقف الغارات الإسرائيلية كلياً على مواقع حزب الله رغم التزامه بوقف إطلاق النار.

بخلاف سلة الأهداف غير المترابطة، وبخلاف السقف الزمني المرتبط بها، تريد واشنطن وتل أبيب ضبط ساحة المعركة، بحيث لا تتعدى حدود إيران، مع احتساب مشاركة حزب الله مسبقاً كاحتمال شديد الترجيح. في هذا الجانب من الواضح أن طهران تفضّل حرباً سائلة جغرافياً، لأن انتشارها في المنطقة يزيد في تعقيداتها، وفي قدرة واشنطن على التحكم بها. لذا بادرت من الساعات الأولى إلى قصف أهداف في بلدان الخليج، بما فيها قصف أهداف في سلطنة عمان التي لعبت منذ عهد أوباما دور الوساطة بين الجانبين في الملف النووي الإيراني.

وكان واضحاً أن طهران تمهّلت في إدخال حزب الله إلى المعركة، لأنها كانت تفضّل تركه كورقة ضغط احتياطية، وقد أدى الفشل في إشعال الخليج إلى سرعة الزجّ بالحزب. وفكرة إشعال الخليج كانت تتيح نظرياً إيقاع أذىً أكبر، بسبب المدى القريب المطلوب للصواريخ، وتالياً بسبب قدرتها التفجيرية. وقد تبين أن الموجة الأولى من الصواريخ الإيرانية لم تؤدّ المرجوّ منها، واللجوء إلى المخزون الاستراتيجي من صواريخ أشدّ تدميراً قد لا يؤدي سوى إلى نفاذ المخزون من دون تحقيق أهداف تُذكر. جدير بالذكر أن الانتهاء من مخزون الصواريخ الإيرانية هو مطلب إسرائيلي وأميركي، في الطريق لإنهاء القدرة على معاودة الإنتاج. لكنه قد يكون خيار اليأس الإيراني، حتى إذا لم يكن انتحارياً، وإنما بمثابة خطوة ضرورية سابقة على قبول الشروط الأميركية.

من المؤكد أن النظام الإيراني ليس حالياً في وضع يسمح بظهور “غورباتشوف” شيعي، وقد كان ذلك ممكناً نظرياً منذ بدأت هزيمة المحور الإيراني في المنطقة، خصوصاً بعد إسقاط بشار الأسد كنايةً عن التحوّل الكبير في السياسات التي كانت قد أبقت عليه. خارج هذا الاحتمال تتدرج الخيارات بين قيادة تواجه حتى النهاية وقيادة براغماتية تبتلع الهزيمة الخارجية بلا آثار على الداخل، أي تجمع بين المرونة إزاء الخارج والتشدد في الداخل، لكنها المرونة المتعلقة بالبرنامج النووي والصاروخي بشكل أساسي، طالما بقيت البنيةالأيديولوجية عائقاً أمام تطبيع أوسع.

ما قاله الفارق التكنولوجي الهائل إننا سنكون أمام إيران منزوعة الأنياب، هذا مؤكد بما أن معجزة ما لن تحدث، إلا أنه من غير المؤكد أن نكون إزاء شرق أوسط جديد، على النحو الذي يروّج له متحمّسون للتغيير في المنطقة، أو متحمّسون لهزيمة إيرانية تفسح المجال أمام تحالفات إقليمية يتمنونها. والواقع أن ترامب ونتنياهو لا يتحدثان عن شرق أوسط جديد، بل يكتفيان بالحديث عن تحييد الخطر الإيراني كلياً.

حتى مطالبة المعارضة الإيرانية باستغلال فرصة الحرب لا تبدو جادة، إذ من الصعب (أو من المتعذّر) على المعارضة أن تستجمع قواها من أجل إطاحة النظام في ظروف استثنائية، لجهة وقوع البلاد تحت خطر القصف طوال الوقت. ومن المؤكد في هذه الحرب أن واشنطن لن تزجّ قواتها البرية لتحتل إيران، لا بسبب الصعوبة الشديدة لهذا السيناريو، وإنما أيضاً لأنه غير وارد ضمن تفكير ترامب، ولا ضمن التفكير السائد في أميركا حيث يُنظر إلى التدخل في العراق على أنه خطأ، وإلى الانسحاب من أفغانستان بوصفه قراراً واقعياً.

بصرف النظر عن الانحيازات السياسية، من المؤكد في هذه الحرب أن دماراً كبيراً سيقع، خصوصاً إذا استمرت لأكثر من شهر. هذا الدمار لن يكون ثمناً قاسياً، ومقبولاً في آن، لأنه ضريبة التغيير. وربما تحدث الفوضى هنا وهناك، تحديداً في إيران والعراق ولبنان، لكنها ليست الفوضى الخلاقة التي سبق للمحافظين الجدد التبشير بها.

ليست الحرب الحالية وحدها الحرب السائلة، وربما يجوز وصف العديد من الحروب التي اندلعت في السنوات الأخيرة بأنها كذلك، لأنها حروب خارج النمط الكلاسيكي الذي يفترض نشوب الحرب لتحقيق غايات محددة، حتى إذا كانت المطالب العلنية أعلى من المطالب المقبولة. عطفاً على ذلك كان من الصعب إغلاق بعض الحروب بالمعنى المباشر، في حين توقّف البعض منها من دون أن تزول الأسباب التي قد تعيد إذكاءها. فداحة هذا النوع من الحروب لا تتوقف عند قابليتها للاستمرار، ولا عند غياب الأهداف والمشاريع بالمعنى الذي شهده عصر الحداثة. فداحتها هي في أن هذه المعطيات جميعاً تمنع التفكير في المستقبل، بما أن المتحكّمين فيها لا يتطلعون إليه.

المدن

————————–

الحرب على إيران وإعادة صياغة الشرق الأوسط/ فراس علاوي

مارس 3, 2026

عسكرياً، ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف الجيش الإيراني والحرس الثوري وحتى المسؤولين الإيرانيين في قلب العاصمة طهران والمدن الإيرانية، وقتل أبرز القيادات العسكرية والسياسية، إذ سبقت الهجمات التي شنت خلال الأيام الماضية، هجمات استهدفت مقرات سيادية إيرانية وأدت لمقتل عدد من القادة.

لعل التطور الأبرز في العمليات الحالية هو مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، كما يسمى في إيران، علي خامنئي، والذي يعد الشخصية الأبرز في إيران لمكانته الدينية والسياسية. ويبدو أن الذهاب بعيداً في التصعيد الهدف منه تقويض النظام الإيراني وبالتالي إسقاطه لاحقاً وهو ما لم يكن مطروحاً في وقت سابق.

إن مقتل خامنئي يمثل بداية الانهيار للنظام في إيران، وهو نقطة تحول في الصراع تجنبتها الولايات المتحدة وإسرائيل لفترات طويلة. إضافة لما يمثله خامنئي من مكانة سياسية ودينية واجتماعية، فإن استهداف شخصية قيادية في مركزه تعني انتهاكاً واضحاً للسيادة الإيرانية من جهة، ودليلاً على كمية الاختراق والهشاشة في السلطة الإيرانية من جهة أخرى.

كذلك فإن مقتل عدد من القيادات العسكرية والتي تعتبر الجيل الأخير من أجيال “الثورة الإيرانية” يعني أن العمود الفقري للحكم في إيران قد انهار، وأن ما سيأتي لاحقاً لا يملك القدرات ولا المؤهلات ولا حتى التجارب التي يمتلكها سابقوه، وهذا بحد ذاته مؤشر على عملية إضعاف للدولة في إيران، وربما مؤشر على قرب سقوط النظام أو على الأقل تغيير سلوكه بشكل كلي.

عسكرياً، تحاول إيران نقل الصراع وتحويله إلى صراع إقليمي من خلال الضغط على دول الخليج واستهداف القواعد الأميركية فيها، رغبة منها في دفع الأخيرة للطلب من الأميركيين إنهاء العمليات العسكرية بشكل أسرع، خوفاً من توسيع قاعدة الاستهداف وازدياد حدة الضغط على هذه الدول.

هذا الاستهداف قد يكون له جانب آخر سلبي على إيران، يتمثل بموقف خليجي موحد، الهدف منه الضغط من أجل إنهاء الخطر الإيراني بشكل نهائي، وبالتالي تشكيل جبهة سياسية مضادة للنظام في إيران.

من جهتها، تبدو إسرائيل مرتاحة لطريقة تعامل الولايات المتحدة والرئيس ترامب بشكل خاص مع العمليات العسكرية، إذ إن إسقاط النظام في إيران هو الهدف الاستراتيجي لها.

إن إنهاء المشروع الإيراني والقضاء على أدواته وأذرعه في المنطقة يعني تشكيل شرق أوسط جديد دون المشروع الإيراني الذي لعب ولنصف قرن من الزمن درواً في تشكيل العلاقات بين دوله، ونشوء التحالفات على أساس وجوده.

عنوان الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط هو الاستقرار، وهذا يتوافق مع زوال التهديد الأكبر لمحيط إيران الحيوي خاصة دول الخليج والعراق، وبالتالي من أجل تحقيق هذه الاستراتيجية لا بد من إنهاء المشروع الإيراني، وتفكيك تحالفاته سواء في المنطقة أو حتى في العالم، ويندرج في هذا الإطار ما حدث في فنزويلا، وكذلك تهديدات الرئيس ترامب لكوبا.

بالمقابل فإن صعود المشروع العربي، السعودي بصورة خاصة، والذي بدأت ملامحه تظهر خاصة في سوريا وربما لاحقاً في العراق، سيؤدي إلى تغيير في شبكة العلاقات في المنطقة، وكذلك في طبيعة وشكل التحالفات فيها، والتي ستعيد تشكيل نفسها بناء على القوى المسيطرة ومشاريعها الإقليمية وبغطاء أمريكي.

شكل الشرق الأوسط الجديد مرتبط بمآلات العملية العسكرية الجارية ضد إيران من جهة، فهل سيتم إسقاط النظام بشكل كامل؟ أم ستعود الأطراف إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة تكون نتائجها إيران منزوعة الأنياب والمخالب. وفي حالة إسقاط النظام، ما هو شكل النظام الجديد، وما هي أولوياته وطبيعة تحالفاته الجديدة؟

من المؤكد أن المشروع الإيراني قد بات من الماضي مهما كانت نتائج العمليات العسكرية، وأن مشروعاً جديداً بدء يظهر بقيادة سعودية وبحضور سوري وخليجي قوي يعيد رسم خارطة النفوذ، هدفه استقرار المنطقة وبناء شرق أوسط جديد يقوم على الاقتصاد بعيداً عن إثارة الفوضى في ودعم مشاريع ما دون الدولة، والتي شكلت دولاً داخل دولها.

هذا المشروع الجديد يستلزم من الدول العربية إعادة تشكيل مقارباتها السياسية وبناء استراتيجياتها على أساس هذه المتغيرات، وبالتالي إعادة قراءة المشهد مجدداً وفهم طبيعة السيناريوهات المحتملة بعيداً عن الاصطفافات الأيديولوجية التي انعكست سلباً على شعوب المنطقة وحولت المنطقة إلى ساحة صراع بالوكالة.

إن اسقاط او تغيير النظام في إيران يعني طي سنوات من التنافس والصراع وعودة البلدان العربية إلى شكل من أشكال التقارب بعد الانقسام الذي حصل بسبب المحاور التي فرضتها السياسات الإيرانية في المنطقة.  وبالتالي فإن ملامح الشرق الاوسط الجديد باتت ترسم وإن كانت بالحديد والنار، ولكنها بداية النهاية لحقبة صراعات بينية وبالوكالة دفعت ثمنها الشعوب العربية لأجيال.

الثورة السورية

—————————

إيران.. الثورة التي فشلت في أن تصبح دولة/ نوار نجمة

مارس 2, 2026

أخرجت الثورة الإسلامية إيران من منطق الدولة إلى منطق الثورة دون أن تعرف الخروج عبر عقود من هذه الملحمة التراجيدية المدمرة التي استنزفت كل موارد البلاد، لا بل طورت نظرياتها الثورية بأن أقصت كل شركاء النضال وانتقلت إلى تجارة تصدير الثورات دون هوية واضحة، بعدما ضاعت بين العقل الإسلامي الشيعي والعقل الفارسي، فناصبت العداء لكل من اختلف معها في هذا المنطق دون أن تجدده، فهو ذلك العداء التاريخي بين بلاد فارس وجيرانها والذي لم يستطع كل هذا الزمن أن يخرج تلك البلاد من عقدتها وعقدة الإطلالة على البحر المتوسط.

كانت كتب ماركس وأشرطة تسجيل الخميني تباع على الأرصفة في طهران بشكل متلاصق قبيل الثورة الإيرانية، وما لبث أن تحول هذا التحالف اليساري الديني المتطرف الشيطاني إلى إقصاء كامل بالسجن أو النفي، فعَبّرت تلك الثورة منذ لحظاتها الأولى عن تناقض اجتماعي وفكري كبير لم يوحده إلا عداوة الشاه. لكن أمراض الثورات عادة ما تستفحل بعد انتصارها، وخاصة بزوال العدو المشترك. وهنا كان التحدي الكبير أمام الإيرانيين في النجاح بأن يصبحوا دولة، ولكنهم فشلوا.

فشلوا في كل مشاريعهم المنتظمة ونجحوا في الفوضى ونشرها، وهم يغرقون كل يوم في شعوذة وسحر التاريخ وأمراض التعصب والتطرف، واخترعوا القضايا الكبيرة في الوقت الذي لم يناضلوا إلا للقضايا الصغيرة. رفعوا شعاراً كبيراً هو تحرير فلسطين، وانصرفوا لبناء المجتمعات الصغيرة الطائفية المريضة، حركات دون أفكار، ميليشيات لا تملك سوى البندقية، تحولت مع الزمن إلى بنادق مأجورة تخدم مشاريع لا تعرفها ولا تفهمها وتخلق لها الانقسامات والحروب مع كل شيء مجاور، حتى مع الأحياء والحارات المجاورة، حتى بين طلاب المدرسة الواحدة.

فشلت الثورة في أن تبني دولة، فبنت شيئاً يسمى جمهورية بعقل وراثي ديني متطرف فيه كل شيء إلا منطق الدولة وشعارات الجمهورية، فكان التعصب هو السلاح الذي بنيت عليه إيران، والتعصب لا يبني الأوطان وإنما يفسد الأخوة في الوطن. حولوا كل تابع لهم في الوطن العربي إلى مشروع ثورة كاذبة، واستغلوا كل المشاعر والنزوات والعواطف والأحقاد التاريخية الفارغة ليبنوا مشروعاً عبثياً دمر المنطقة وأشعلها لعدة عقود.

وكل هذه الفوضى مولتها ثروات المنطقة النفطية، فتحول النفط من وسيلة للازدهار إلى لعنة تشتري الصواريخ والمسيرات والأسلحة الفاشلة التي تقتل لكنها لا تصيب.

ثم اخترعوا إرهاب الحشاشين، فتصيدوا الرؤوس والقادة والنخب، رفيق الحريري، سمير قصير، جبران تويني… والقائمة طويلة جداً، تحت عنوان قتل رمز أفضل من قتل ألف شخص، نظرية قلعة ألموت وإرهاب الحشاشين. هذا الإرهاب الذي تسلل بيننا تحت العناوين والشعارات الكبيرة التافهة، الشعارات التي ما قتلت ذبابة إسرائيلية، لكنها أحرقت كل القرى السورية ببيوتها وبشرها ودمرت جنوب لبنان والعراق واليمن، ودمرت إيران.

فقدت ايران عبر خمسة عقود كل فرصها التاريخية بأن تصبح دولة حديثة متطورة وسخرت كل إمكانياتها المادية لخدمة العنف وانتاج ترسانة عسكرية مؤذية فشلت في أن تحمي قيادات إيران السياسية والدينية لأكثر من 48 ساعة أمام تطور التكنولوجيا العالمية.

علي شريعتي، وهو ربما احد أهم مفكري الثورة الإيرانية، والذي نُبذت أفكاره فيما بعد، كان قد حذر دائماً من الفرق بين الحداثة والحضارة وأشار في كل أفكاره إلى أن الشعوب التي لا تستغل ثرواتها في صناعة الحضارة تندثر فكرياً وتحول ثرواتها لمجرد وسيلة لشراء بضاعة مستهلكة، لكن مأساة ايران أنها اختارت أسوء أنواع البضاعة، فهي لم تحاول حتى شراء التكنولوجيا المدنية، واستطاعت عبر عقود صناعة كل أنواع الصواريخ والمسيرات، وفشلت في صناعة هاتف محمول أو سيارة تواكب العصر.

تحولت طهران إلى أكثر مدينة ملوثة في العالم، وانهار الاقتصاد والعلوم والتعليم أمام عناد قيادات مهووسة بالدماء والمؤامرات حولت مجتمعات بعض الطوائف في دول المنطقة إلى مجتمعات عسكرية تعتاش على الحروب والاغتيالات والعنتريات الفارغة.

لعب نظام الملالي دوراً كبيراً في تفريغ مجتمعات بعض الطوائف في الدول العربية من انتمائها الوطني ليتحول إلى انتماء مذهبي معاد للأوطان، فأدخلوا لبنان وسوريا والعراق واليمن في متاهات الحروب الطائفية باستعادة مشوهة لأحداث مرَّ عليها أربعة عشر قرن بعد اختراع نظرية أطلق عليها نظرية الولي الفقيه، كانت تهدف لاختراق فارسي للإسلام لتفريغه من قيمه وأخلاقياته.

لعبت كل الأوراق القذرة من داعش إلى صفقات السلاح المشبوهة مع اسرائيل، وتآمرت بنظرية تقاطع المصالح مع دولة الاحتلال على تدمير وتفكيك الدول العربية واحدة تلو الأخرى، مستعينة بحفنة من الصبيان السياسيين اختاروا أمجاداً شخصية كاذبة على حساب مصالح شعوبهم.

تحول الخليج إلى كيانات ودول تعيش في حالة القلق والخوف المستمر من الأذى القادم من الشرق ولعبت بين هذه الدول على الحبال مما اضطر هذه الدول لتنفق مليارات الدولارات استعداداً فقط ليوم يجن فيه جنون نظام الملالي فيبدأ هذه الحرب الجنونية العشوائية على مدن اختارت رفاه شعوبها على حساب الحروب.

انتهى عصر دولة الملالي حتى لو بقي هذا النظام، لكنه سيبقى ضعيفاً مفككاً غارقاً في فشله الذي يكرر نفسه كل يوم.

أخطر شيء في الثورات أن تنشئ المؤسسات وتنظم الفوضى وأن تفشل في التحول إلى دولة.

الثورة السورية

———————–

 

الحرب على إيران بعد اغتيال خامنئي/ محمود سمير الرنتيسي

2026.03.03

انتهت أسابيع من التهديد بضرب إيران مع قصف الطائرات الأميركية والإسرائيلية مجموعةً كبيرةً من الأهداف في طهران وعدة مدن إيرانية صباح يوم السبت، لتبدأ الحرب التي أكدها الرئيس الأميركي في مقطع مصوَّر قال فيه إن العملية ستكون ضخمة ومستمرة لمنع إيران من تهديد أميركا. وقد ردّت إيران بقصف أهداف في دولة الاحتلال ومواقع أميركية في عدة عواصم في المنطقة.

هناك عدة أمور جديدة في التطورات الجارية حاليًا، ولعلّ من هذه الأمور أن دولة الاحتلال الإسرائيلي في الحرب الماضية هي من بدأتها، ثم التحقت بها الولايات المتحدة بعد عدة أيام بقصف المواقع النووية. لكن هذه المرة بدأت الحرب بإدارة مشتركة، بعد أسابيع من نشر العديد من الأصول العسكرية الأميركية في المنطقة، التي قد تكون قادرة على شن مئات الضربات لأسابيع. (فقد وصلت أكثر من 200 طائرة حربية، مدعومة بعشرات طائرات التزوّد بالوقود وطائرات الاستطلاع). وقد أكد كلٌّ من نتنياهو وترامب الشراكة في تنسيق وشن الحرب على إيران. كذلك تميّزت التطورات الحالية بسرعة الرد الإيراني مقارنة بالمرة الماضية، وباتساع نطاق الرد واستهداف مواقع أميركية وبنية تحتية في عدة دول عربية.

من زاوية أخرى، يُعتقد أن هدف إسقاط النظام كان أوضح بكثير في خطابي نتنياهو وترامب، حيث خاطبا الشعب الإيراني ودعواه إلى التخلّص من الاستبداد، مبيّنين أن هذه هي الفرصة الوحيدة للشعب الإيراني. وتشير التقديرات، على المدى المنظور، إلى أن قدرة النظام الإيراني عالية على امتصاص الاحتجاجات، كما أن طبيعة المطالب الأميركية، بالتعاون مع إسرائيل، تضعف شرعية أي حراك شعبي ضد النظام. كما أنه من الواضح أن النظام الإيراني استعدّ على المستوى الأمني الداخلي ببدائل، ولكن من المبكر الحكم على هذا الأمر من اليوم الأول للعدوان.

ولعلّ اغتيال خامنئي هنا يُعدّ عاملًا مُغيّرًا في المعادلة السابقة، إذ انتقل الحديث من البعد النفسي إلى ضربة كبيرة أزالت رأس الهرم وعددًا من القيادات التي جاءت بديلة لقيادات أخرى اغتيلت قبل ثمانية أشهر، وبالتالي يُحدث هذا الأمر هزّة في البنية الأمنية. ولكن، في الجانب المقابل، حاولت إيران إظهار أنها متماسكة من خلال مجموعة من التصريحات التي أدلى بها بزشكيان وعباس عراقجي.

لا تُعدّ الضربات على إيران مفاجئة؛ فقد بدأت إسرائيل تعدّ العدة للعودة إلى الحرب منذ بداية وقف إطلاق النار في نهاية يونيو الماضي. وكانت هناك تقديرات تشير إلى إمكانية توجيه ضربة مع اندلاع احتجاجات على الأوضاع الاقتصادية في إيران قبل شهرين، لكن يبدو أن الضغط الإسرائيلي والاستعداد الأميركي حينها لم يكونا كافيين للذهاب فورًا إلى الحرب.

كما أن إيران، التي أبدت استعدادًا للتفاوض عبر ثلاث جولات لم تُثمر، أسهمت في تأخير هذه العملية؛ إذ انتهت جولة المباحثات الأخيرة قبل يومين في جنيف، بالرغم من العروض الإيرانية التي شملت إغلاق عدة مواقع نووية. وقد يكون التأخير متعلقًا بالوصول إلى مكان خامنئي.

حتى مساء السبت، كان استهداف إيران لإسرائيل أصغر من وابل الصواريخ الذي استهدف إسرائيل في يونيو سابقًا، وما تزال دولة الاحتلال الإسرائيلي تتكتم على أماكن وحجم الاستهداف، بالرغم من وجود تقارير وشهود عيان يفيدون بوقوع إصابات في عدة أماكن. وكان يُعتقد أن حجم الرد المُقلَّص على إسرائيل قد يعني إمكانية العودة إلى التفاوض، ولكن في اليوم التالي ارتفعت وتيرة القصف المتبادل، وسقط قتلى أكثر في إسرائيل، كما وردت تقارير عن وجود قتلى من الجنود الأميركيين.

كذلك، حتى ما قبل الإعلان عن اغتيال خامنئي، كان يُعتقد أن الإيرانيين لم يصلوا إلى قناعة بأن تغيير النظام هدفٌ قد اتُّخذ فعليًا من قبل الإدارة الأميركية. وفي حال وصولهم إلى هذه القناعة، قد يكون حجم وطبيعة الأماكن المستهدفة أكبر وأخطر، وقد يشمل بنى تحتية للطاقة في المنطقة. كما لوحظ عدم وجود تدخل من الحوثيين وحزب الله حتى الآن، في ظل إدراك أنهم سيتدخلون في حال وصل الأمر إلى احتمال انهيار النظام. ولكن بعد اغتيال المرشد الإيراني وعدد من القادة الكبار، فإن هناك إمكانية كبيرة لتوسّع مجال الأهداف ونوعيتها، خاصة مع إعلان إيران الرسمي نيتها الثأر لدم المرشد، كما قال بزشكيان وغيره.

ومن الواضح أن الأطراف تتحدث عن حرب تمتد لأيام وربما لأسابيع، في حين يُبقي الإطار المحدود نهاية هذه الحرب – على الأقل عند تحليل محتوى التصريحات – غير محسومة. ولكن من الواضح أنه لا يمكن التنبؤ بالمدى الزمني للحرب، لأنه حتى الآن، وبالرغم من تراجع قوتها، ما تزال إيران تقوم بعملية ضبط لدور حزب الله والحوثيين والحركات القريبة منها في العراق، بما يتناسب مع سياستها التي تتجنب الحرب الشاملة.

يبدو ترامب مستمرًا في عملية الضغط على إيران وصولًا إلى تغيير النظام، كما أن تصريحات بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، تدعم مثل هذا النهج. لكن تفاعلات السياسة الأميركية الداخلية، التي يرى قسم مهم منها أن الحرب لم تكن ملحّة وكان يمكن تجنبها بطرق أخرى، قد تكون مؤثرة في سير التطورات، خاصة إذا سقط المزيد من القتلى الأميركيين. كما أن هناك بداية لتشكّل مسار احتجاجي في الشارع الأميركي.

الأمر الواضح أن إيران أبدت صلابة أمام الموقف الأميركي، ومن غير المرجّح أن تستسلم بسهولة أمام الضربات العسكرية، خاصة أنها – على ما يبدو – قامت باستعدادات جيدة للتعامل بشكل مختلف مع التطورات، لكن هذا الأمر سيكون مرهونًا بالواقع، خاصة مع الاستمرار في ضرب بنية المنظومة الأمنية.

ختامًا، هناك عدة عوامل، منها حدود القدرات العسكرية للأطراف، وخاصة إيران، إذ إن مخزون إيران العسكري سيكون عاملًا محددًا ومهمًا في تحديد مدة الحرب، فضلًا عن اللعب على ملفات حيوية مثل ملف الطاقة في المنطقة. كما أن الوضع الداخلي في إيران، سواء تصاعد الاحتجاجات ضد النظام أو تماسكه، سيكون من العوامل المؤثرة في المشهد في الأيام المقبلة. وأخيرًا، لا تُعدّ هذه الحرب مقتصرة على الأماكن التي تتساقط فيها الصواريخ؛ فهي تهزّ البنية الإقليمية بأكملها، ونتائجها ستكون كبيرة جدًا مهما كانت.

تلفزيون سوريا

—————————

زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات/ غسان شربل

03 مارس ,2026

اغتيال المرشد الأعلى هو أعنف زلزال يمكن أن يضرب إيران. ثمة من يعتقد أن هذا الزلزال أخطر حتى من ضرب المنشآت النووية. أو التعرض لانتكاسة إقليمية كبرى كخسارة سوريا بعد عقود من التحصن فيها. أو خسارة القدرة على الإقامة عند الجانب اللبناني من الحدود الإسرائيلية مع جنوب لبنان. تستطيع إيران هضم خسارة إقليمية لكن ليس من السهل عليها رؤية قوة تجرؤ على اغتيال مرشدها.

وأظهرت التجارب أن النظام الإيراني هو في النهاية نظام المرشد الولي الفقيه. كل المفاتيح موجودة في أدراج مكتبه. وكل الصلاحيات تقيم هناك. وكل القرارات الكبرى يجب أن تحظى بمباركته.

المرشد الأعلى هو البند الثابت. يأتي رئيس الجمهورية ويذهب. يودعه المرشد ويستقبل خلفه. ثم يتكرر المشهد. وينشغل الصحافيون بأسلوب الرئيس وصلاحياته وعلاقاته بالإصلاحيين والمتشددين، ثم يكتشفون في النهاية أن الرئيس هو عملياً كبير الموظفين في مكتب المرشد. في التعامل مع الأعداء كما مع الأصدقاء كلمة المرشد هي الأولى وهي الأخيرة أيضاً. كل القرارات الكبرى من المواجهة إلى التفاوض إلى كبح حركة الاحتجاجات أو التظاهر بالمرونة لا بد أن تحمل بصمة المرشد. في السياسة والأمن والاقتصاد والعلاقات الإقليمية والدولية لا تستضيء الحكومات إلا بتوجيه المرشد، خصوصاً إذا جمع شرعية الثورة مع اختياره من الخميني، فضلاً عن الشرعية الشعبية.

شطب المرشد يوازي إطلاق زلزال هائل. إيجاد البديل ليس سهلاً وإن لم يكن مستحيلاً. لا بد من مواصفات وهالة وقدرة على ضبط التوازنات بين الأشخاص والمؤسسات وبين الجنرالات والعلماء، فضلاً عن ضبط المكونات وإسكات الشارع الذي يرجع مدمى من أحلامه ثم يكررها بعد حفنة سنوات. الشرق الأوسط حديقة أهوال. ينسى الصحافي فيه أحداثاً كثيرة عايشها باستثناء الاغتيالات. ربما لأن الاغتيالات البارزة تضع البلد المعني أمام منعطف صعب ومنحدر خطر، خصوصاً إذا غابت المؤسسات الطبيعية الراسخة. وبعد تجارب فرضتها المهنة يمكنني القول إنه لا صحة لما يتردد أحياناً أن الاغتيالات لا تغير شيئاً. ولأن ذاكرة الصحافي في هذا الجزء الشائك من العالم مثقلة بالاغتيالات، فالمقارنات تفرض نفسها رغم اختلاف المسارح والحقب.

لا مبالغة في القول مثلاً: اغتيال علي خامنئي أخطر من اغتيال الرئيس علي عبد الله صالح، رغم أن اغتيال هذا اللاعب اليمني البارع غيّر اتجاهات الرياح في اليمن الذي يزعم البعض أنه كان سعيداً. أخطر أيضاً من قتل الزعيم الليبي معمر القذافي الذي أقام ما يزيد على أربعة عقود في مكتب الآمر الناهي، محوّلاً البلاد إلى عرس للفوضى الدائمة والخوف العميق. اغتيال المرشد أخطر أيضاً من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري الذي سُفك دمه على خط التماس الإقليمي. واغتيال المرشد أخطر أيضاً من رؤية الحبل يلتف على عنق صدام حسين بعد عهد طويل حافل ارتكب خلاله الحلم النووي، وحلم اجتياح الحدود الدولية، وحلم تحدي «الشيطان الأكبر». وبالمناسبة رفض صدام اقتراحاً باغتيال الخميني حين كان في بغداد، بذريعة أن العراق لا يغتال ضيوفه. وحاول بعد انتصار الثورة الإيرانية اغتيال الخميني، لكنه نجح في الوصول إلى علي خامنئي وأصابه في يده.

اغتيال خامنئي أخطر من كل ما سبقه. ليس فقط بسبب حجم إيران وثقلها في الإقليم، بل أيضاً بسبب الجهة المنفذة وهي إسرائيل التي تردد أن معلومات المخابرات الأميركية هي التي وفّرت لها ما عدّته «فرصة ذهبية».

تراودني هنا أسئلة عدة. بينها هل أخطأ خامنئي في تقدير قوة «الشيطان الأكبر» كما أخطأ صدام حسين من قبله؟ وهل أخطأ أيضاً في تقدير قوة إسرائيل رغم تجربة حرب الاثني عشر يوماً؟ هل عدّ خامنئي أن التعرض له خط أحمر لن يجرؤ أحد على عبوره؟ وهل غاب عن باله أن السيد الحالي للبيت الأبيض هو الذي اتخذ قبل سنوات قراراً لم يتخذه أسلافه وهو اغتيال الجنرال قاسم سليماني على شفير مطار بغداد؟ هل غاب عن باله أن دونالد ترمب لا يتردد في انتهاك الخطوط الحمر؟

هل غاب عن بال خامنئي أن إسرائيل نفسها قامت على قاعدة انتهاك الخطوط الحمر؟ وأن نتنياهو بعد «طوفان السنوار» أخطر بكثير مما كان قبله؟ غيّر السنوار من دون أن يقصد قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، فذهب نتنياهو بعيداً في انتهاك كل الخطوط الحمر. قبل «الطوفان» لم يتخذ نتنياهو قراراً باغتيال حسن نصر الله في بيروت. ولم يتخذ أيضاً قراراً باغتيال إسماعيل هنية في طهران. ولم يتخذ قراراً باغتيال الضباط الإيرانيين في سوريا، وتعرية بشار الأسد من حلفائه إلى درجةٍ دفعته إلى الهروب.

تصرفت إيران كمن ضربه الزلزال. وزعت صواريخها وقذائفها على دول عارضت سلفاً استخدام أجوائها لمهاجمة إيران. هكذا رأينا الشظايا الإيرانية تتطاير على أهداف مدنية في الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن وحتى في بلاد الوسيط العماني، بحجة مهاجمة القواعد الأميركية. شملت التحرشات أيضاً السعودية التي سارعت إلى إدانة الاعتداءات السافرة، مؤكدة الوقوف إلى جانب الدول العربية المستهدفة.

محاولة إشعال المنطقة وتهديد ممرات الطاقة وإغلاق المضايق وتوسيع دائرة النار بدت أشبه بسلوك من أقلقه حجم الزلزال. تواجه المنطقة اهتزازات أزمة استثنائية ومأزقاً كبيراً. إيران لا تستطيع الاستسلام ولا تستطيع الانتصار. وترمب لا يستطيع العودة من دون نتائج علنية. ونتنياهو لا ينوي العودة من الحرب قبل قصم ظهر النظام الذي يتهمه بالوقوف وراء «الطوفان» الذي يُشكّل في نظره «تهديداً وجودياً».

بدأت الحرب بدفع خامنئي إلى نهر الاغتيالات. نفذت حكومة نتنياهو سياسة «قطع الرأس». هذه العملية أصعب من فنزويلا وأخطر تماماً، كما أن اغتيال خامنئي أخطر مما سبقه.

نقلاً عن “الشرق الأوسط”

——————————

مثقفون داخل إيران وخارجها يدعون إلى وقف الحرب وإنهاء القمع

01 مارس 2026

على خلفية العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، صدرت عدّة بيانات لمثقفين داخل إيران وخارجها تُدين الحرب وتدعو إلى وقفها. ومن بينها بيانٌ وقّعته مجموعة من الأكاديميين والباحثين وأعضاء منظمات المجتمع المدني، اعتبر فيه الموقعون أنَّ توظيف النضالات الشعبية والديمقراطية لأهداف جيوسياسية انتهازية أمرٌ “غير مقبول أخلاقياً”.

وفي البيان الذي حمل عنوان “أوقفوا الحرب على إيران..أنهوا القمع” شدّد الموقعون على إدانتهم “أي حرب تُشنّ تحت أي ذريعة”، محذّرين من تداعيات إنسانية واقتصادية كارثية. وأشاروا إلى تجارب العراق وليبيا وأفغانستان، معتبرين أن التدخلات العسكرية الأميركية خلّفت معاناة إنسانية، وقوّضت آفاق الديمقراطية، وأسهمت في زعزعة الاستقرار، سواء جرى تبريرها بتغيير النظام أو بـ”التدخل الإنساني”.

ومن بين الأسماء الموقّعة النسوية الأميركية جوديت بتلر، والمفكّر الإيراني حميد دباشي، إلى جانب شخصيات معروفة بمواقفها النقدية من بنية الحكم في إيران وسياساته القمعية، من بينها المفكّر الإصلاحي محسن كديور، وهو من أبرز منتقدي نظرية “ولاية الفقيه” من داخل الحقل الديني، وأستاذ علم الاجتماع آصف بيات، والمؤرّخ إرفاند أبراهاميان، الذي وثّق انتهاكات النظام منذ ثمانينيات القرن الماضي، والباحث إسكندر صادقي بروجردي، وأستاذ دراسات الشرق الأوسط آرانغ كشاورزيان، فضلاً عن بيمان جعفري، وعلي بنازيزي، وليور شتيرنفيلد.

في المقابل، أكّد الموقعون أن معارضة الحرب “لا تعني تبرير الاستبداد”، منتقدين ما وصفوه باستخدام السلطات الإيرانية ذريعة الأمن القومي لتقويض الحراك الديمقراطي الداخلي. كما دعا البيان الحكومة الإيرانية إلى ضمان حرية التعبير عن الرأي المعارض، والإفراج عن جميع المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة. واعتبر الموقعون أن للإيرانيين “الحق في المطالبة بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية”، محذّرين من أن الحرب ستجعل من الأصعب على القوى المدنية العمل وتشكيل تحالفات سياسية قادرة على الدفع نحو مسار ديمقراطي مستدام. وختموا بتأكيد أن أي تدخل أميركي، عسكرياً كان أم بوسائل أخرى “لن يحرّر الشعب الإيراني”، بل سيقوّض الحركات الديمقراطية الشعبية عبر تعميق عدم الاستقرار وعسكرة المجتمع.

وفي بيان آخر، وقّعت عليه 320 شخصية من داخل إيران وخارجها، دعا مثقفون إلى الوقف الفوري للحرب، مع الاعتراض على سياسات إيران الخارجية، مطالبين بخفض التوتر، وبإقامة علاقات طبيعية مع المجتمع الدولي. وأكّدوا أن خلاص إيران يكمن في “انتقال سلمي وغير عنيف إلى الديمقراطية”، وأن طريق السلام والأمن المستدام يمرّ عبر إعادة تحديد بنية السلطة السياسية بوسائل ديمقراطية. كما أشاروا إلى ضرورة إجراء استفتاء، وانتخابات حرة ونزيهة لاختيار جمعية تأسيسية، وفق المعايير العالمية للانتخابات الحرة والعادلة. ومن أبرز الموقّعين المفكّر والمترجم داريوش آشوري، والكاتب والباحث محمد كريم آسایش، والناقد حميد آشوري، والأكاديمي برويز جاهد، والكاتب إبراهيم شعباني.

العربي الجديد

——————————-

هذه الحرب على إيران/ غازي العريضي

03 مارس 2026

دلّت المؤشّرات كلّها، بعد الجلسة التفاوضية أخيراً في الأسبوع الماضي في جنيف بين الوفدَين الإيراني والأميركي عبر الوسيط العُماني، على قرب وقوع الحرب، على الرغم من ترويج إيجابيات تحقّقت، وردّ عليها الوفد الأميركي: “كنّا مصدومين”. الإشارة بالغة الدلالة كانت سفر وزير خارجية عُمان في اليوم التالي إلى واشنطن أيضاً، ولقاءه نائب الرئيس جي دي فانس ومسؤولين آخرين، وتصريحه إنه أطلعهم على تفاصيل المفاوضات مع طهران والتقدّم المُحرَز. وقال إنه يتطلع إلى إجراء مزيد من التقدّم الحاسم خلال الأيام المقبلة. وأضاف “السلام بات في متناول أيدينا. إيران قدّمت صورة أكثر إيجابية. وافقت على عدم الاحتفاظ مطلقاً بمخزونها من اليورانيوم المُخصَّب. إذا كان الهدف هو ضمان ألا تمتلك سلاحاً نووياً فأعتقد أننا عالجنا هذه المسألة من خلال المفاوضات”. وكأنّي بالرجل أراد إنقاذ المفاوضات، وهو قلق من النيّة الأميركية الإسرائيلية لإفشالها وضرب إيران.

بعدها مباشرة، زار رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، إسرائيل، وأطلق تصريحات مؤيّدة بالمطلق لمواقف تل أبيب وسياساتها، واستُغلّت الزيارة بشكل احترافي على الطريقة الإسرائيلية، وأُعلن “إلغاء الرحلات الجوية إلى إسرائيل من الغد لأسبوع”. وبدا الشريك مودي كأنه في أجواء تحضيرات الحرب. ثم أعلنت الخارجية الأميركية: “ينبغي لأيّ أميركي عدم السفر إلى إيران. هي مصنّفة دولة راعية للاحتجاز الدولي، وعلى النظام الإيراني التوقّف عن احتجاز الرهائن وإطلاق سراح جميع الأميركيين المحتجزين. نكرّر دعوتنا للأميركيين الموجودين حالياً في إيران إلى المغادرة”. وفي ذلك عودة إلى نقطة البداية في المواجهة الأميركية مع “الثورة الإسلامية” عام 1979 والحديث عن المحتجزين، ثم حديث ترامب وغيره عن استهداف قوات المارينز في بيروت.

أعلن الرئيس ترامب: “لو كنت مكان المرشد الإيراني لخشيت النوم فترةً طويلة… نحن أمام قرار كبير للغاية وصعب بشأن دولة تمارس بتر أرجل الناس وأذرعهم منذ 47 عاماً… إيران تطوّر صواريخ تصل إلى أميركا وهي تشكّل تهديداً خطيراً لنا. لن يكون لديهم سلاح نووي، وتخصيب اليورانيوم سيكون صفراً”. وأكّد زير خارجيته ماركو روبيو الموقف نفسه: “على إيران استيراد الوقود النووي من الخارج كما تفعل دول في العالم بدلاً من بناء المفاعلات النووية. ليست بحاجة إلى التخصيب والصواريخ العابرة للقارات”. وأطلق السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، تصريحاً خطيراً عن حقّ إسرائيل الإلهي في الاستيلاء على أراض عربية من لبنان إلى سورية ومصر والأردن والسعودية وقطر، إضافة إلى فلسطين طبعاً. وقد تناول الكاتب في مقال سابق في “العربي الجديد” (24/2/2026).

زار السناتور الجمهوري ليندسي غراهام الإمارات والسعودية وإسرائيل، وهو في قلب دائرة القرار، قال: “على ترامب المضي في مواجهة إيران. أيُّ تراجع سيشكّل كارثةً للأجيال، بل أسوأ من أفغانستان… المسألة ستحسم خلال أسابيع لا أشهر… حروب المنطقة تُخطَّط في إسرائيل… والمنطقة تقف على أعتاب أكبر تغيير منذ ألف عام”. طبعاً، هذا يتم بالحروب. رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وخلال لقائه رئيس وزراء الهند مودي (وقبل اللقاء وبعده) شدّد أكثر من مرّة على مواجهة “المحور الشيعي”، إيران ومن معها. والمحور “السنّي الراديكالي” يريد الحرب، يخطّط لها مع ترامب، يريد ضرب إيران بسرعة. الحلف السداسي الذي يُروَّج تبدأ جغرافيته من أذربيجان (جارة إيران) مروراً بالخليج وصولاً إلى قبرص واليونان وأفريقيا والهند، هو أبعد من “النهر إلى البحر”. والمشروع في قمة اندفاعته، والهدف الأول هو إيران ثم دول الخليج لاستكمال التطبيع مع إسرائيل، وقبل ذلك كلّه السيطرة على كامل فلسطين والبداية من غزّة، إضافة إلى ما يستهدف الضفة.

الاتحاد الأوروبي يصنّف في هذا التوقيت “الحرس الثوري الإيراني” منظمةً إرهابية، وهذا يصبّ في خانة الحرب المرتقبة. والسفارات الأجنبية دعت رعاياها إلى مغادرة طهران وعلّقت رحلاتها الجوية إلى عدد من دول المنطقة. وهذا كلّه يؤشّر على حتمية وقوع الحرب. ولا أذيع سرّاً هنا إذا قلتُ إنّ أحد المسؤولين الدبلوماسيين الدوليين البارزين العائد من أميركا قبل اندلاع الحرب أكّد: “الحرب واقعة فجر اليوم”. في الواقع تأخّرت ساعات ليس إلا. المفاوضات إذاً كانت للتضليل. زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن ولقاؤه الطويل مع ترامب، وحضور مسؤولين أمنيين وعسكريين إسرائيليين إلى جانب نظرائهم الأميركيين… ذلك كلّه كان تحضيراً للحرب التي حاول في الساعات الأخيرة وزير خارجية عُمان تداركها، لكن “ما كُتب قد كُتب”.

اندلعت الحرب وفق المخطّط المرسوم. قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي في المكان الذي “ينام” فيه بعد أن حذّره ترامب. قُتل معه مسؤولون عسكريون أساسيون في الحرس الثوري والاستخبارات. قد تتوسّع دائرتها إلى الممرات البحرية والمقار العسكرية المختلفة في المنطقة، وربّما إلى المواقع الاقتصادية الأساسية المحورية. قد تطول أكثر من المتوقّع، لكن المؤكّد: نجح نتنياهو رغم كل ما أصاب إسرائيل وما يمكن أن يصيبها، وهو لا يقاس بمقياس ومعيار النجاح. حقّق ما يريده، وربح ترامب بفرض شروطه وإرادته وإدارة العالم عموماً والمنطقة خصوصاً على دقّات ساعته ووفق برامجه وخططه ودعمه المطلق لإسرائيل. سنكون أمام منطقة جديدة وعصر جديد سيفرض على دول الخليج دفع فاتورة الحرب وفاتورة مشروع ترامب في غزّة والتطبيع الكامل مع إسرائيل بشروطها.

يتعامل نتنياهو مع المتردّدين أو محاولي تحصيل مكاسب معيّنة وفق القاعدة التقليدية التي كرّسها اليوم أكثر فأكثر: “أنتم من طالبنا في كل لقاءاتنا واتصالاتنا بضرب إيران وتخليصكم من نظامها وحرسها الثوري وقادتها ومشروعها وأذرعها وخطرها عليكم. وعندما دقّت الساعة للمرّة الأولى ذهبتم للخيارات السياسية الدبلوماسية ورفض الجولة الثانية من الحرب. نحن لا نعمل عندكم، أنتم تعملون عندنا، لستم مخيَّرين، أنتم مسيَّرون. هذا هو مشروعنا للمنطقة، وليس ثمّة خيارات أمامكم. ستأتون إلى التطبيع بشروطنا ومن دون منّة أو ادّعاء شجاعة أو إقدام. هذا “سلامنا”. الأرض لنا من “النهر إلى البحر”، بل أبعد في حلفنا السداسي، ولتغيير المنطقة عقوداً طويلةً مقبلةً وفق خططنا ومسارنا”.

الخليج اليوم في قلب زنّار النار، والعالم العربي كلّه من مشرقه إلى مغربه سيكون خاضعاً لمعادلة سياسية مختلفة بالكامل عمادها إسرائيل القوية المتفوّقة للأسف، وسيبقى مشروعها الدائم تفتيت البيت السنّي: الفتنة السنّية – السنّية والفتنة السنّية – الشيعية.

ماذا عن إيران ومستقبلها؟ ثمّة عصر جديد بحاجة إلى فترة معيّنة لبلورته نهائياً. قد تعرف المرحلة الأولى الفوضى الداخلية التي قد تؤدّي إلى التفكّك؛ ستكون فوضى لكن التفكّك مُستبعَد. ستعمل أميركا وإسرائيل على التخلّص من بقايا المشروع النووي والمواد المخصّبة والتأسيس للمرحلة الانتقالية ثم النهائية لمستقبل إيران السياسي، بدءاً من إعادة هيكلة النظام وصولاً إلى الصيغة الثابتة. لن تكون الأمور سهلة. سيكون الرهان على الجيش بعد إضعاف الحرس الثوري: “لا مكان لمليشيات في دولة”، وسيكون انتقام أو تصفية حسابات مع النظام القديم ورموزه، ولكن في سياق مشروع هيمنة على المفاصل الاقتصادية والسياسية والنفطية، وعلى الطريقة الفنزويلية.

المرحلة الانتقالية، ثم النهائية في إيران وجوارها، تحتاجان وقتاً سنشهد خلاله هزّات وخضّات وتطوّرات كبيرة في الداخل والجوار، والعين في الجوار ستبقى شاخصةً على تركيا: الدولة الوحيدة القوية في المنطقة التي لا تريد إسرائيل بقاءها كذلك، صاحبة تأثير من لبنان إلى سورية والخليج والعالم الإسلامي، وهي جزء من المحور السنّي المستهدَف، وهي ركيزته الأساسية مع السعودية. وللبحث صلة حول هذا الموضوع بالتفصيل.

مقبلون على منطقة جديدة مرسومة بالدم. سيُكتب كثيرٌ عن سوء التقدير وسوء التدبير والتسرّع والتهوّر والتكبّر والتجبّر والكسل والبلادة الفكرية والاتكالية وتحليلات التمنيات وتبذير الثروات والإمكانات وضياع القضية الأمّ فلسطين في متاهات السياسات ودهاليزها التي اعتمدت من إيران إلى العالم العربي من محيطه إلى خليجه وأبعد.

العربي الجديد

————————-

الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران: أضرار جانبية حتمية

هل كان في مقدور قيادة “حزب الله” أن تتحلى بالحدود الدنيا من ضبط الذات وترجيح المصلحة الوطنية اللبنانية والتبصر في عواقب إطلاق حفنة صواريخ وطائرات مسيرة ضد أهداف إسرائيلية جنوب حيفا، والانخراط في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي ضد إيران، وبالتالي توفير ذريعة جديدة أمام شهية بنيامين نتنياهو المفتوحة لارتكاب المزيد من إراقة الدماء والتوغل والتدمير الشامل في جنوب لبنان وأطراف العاصمة بيروت؟

الإجابة المنطقية هي النفي بالطبع، لأسباب عديدة متشابكة ومتكاملة يمكن أن تبدأ من تبعية الحزب لطهران على مستويات سياسية ومذهبية وعسكرية وتمويلية قديمة العهد ومتأصلة، ليس من اليسير فصمها أو حتى تعليق عناصرها لآجال مؤقتة. وكذلك لاعتبار واحد على الأقل ذاتي التكليف، هو إعلان قيادة الحزب أنها لن تتدخل في الحرب ضد دولة الاحتلال إلا في حال المساس بالمرشد الأعلى علي خامنئي، ولكن الأخير لم يُستهدف أو يتعرض للأذى فقط بل تمّ اغتياله وعدد من أفراد بيته وكبار مساعديه خلال الساعات الأولى لانطلاق الغارات الأمريكية ـ الإسرائيلية.

على قدم المساواة وضمن المنطق ذاته تقريباً، كان من حق القيادة الإيرانية أن تواجه آلة الحرب الوحشية الأمريكية ـ الإسرائيلية بكل ما ملكت من أسلحة دفاعية أو هجومية، ولكن كان واجباً عليها في المقابل أن تستبعد خيار قصف الجوار، وإلحاق أضرار مادية وإنسانية بشعوب ودول سعت على الدوام إلى ترجيح الحلول الدبلوماسية، وبعضها مثل عُمان لعبت دور الوسيط بين واشنطن وطهران. وذريعة وجود قواعد عسكرية أمريكية لا تبرر إطلاقاً استهداف أراضي ومطارات وموانئ ومنشآت هذه الدول الجارة، ما دامت عمليات القصف الأمريكية تنطلق من حاملات الطائرات وليس من قلب تلك القواعد العسكرية.

وفي جانب آخر من عواقب الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، كان اشتعال جبهة النفط تطوراً تلقائياً ومنطقياً بدوره، بالنظر إلى تكدس الناقلات في موانئ التصدير، والأخطار المحيقة بمضيق هرمز الذي تمرّ عبره نسبة 20% من استهلك النفط العالمي، والارتفاع الهائل في تكاليف التأمين. وهكذا ارتفعت الأسعار بمعدلات متفاوتة بلغت 13٪، وأكثر من 80 دولاراً للبرميل من خام برنت، ونحو 72 دولاراً لخام غرب تكساس.

كذلك فإن الآثار الإنسانية العميقة لهذه الحرب، سواء تلك التي تخص فصلاً جديداً من العربدة الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد شعوب المنطقة مع استمرار جرائم الحرب الإبادية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، أو زرع إسفين استعدائي في علاقات الجوار بين الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، تندرج أيضاً في باب الخرائب الناجمة عن الحرب.

هذه نماذج لسلسلة أضرار جانبية كانت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران السبب المباشر في حتمية وقوعها، ليس لأن تفاديها كان شبه مستحيل فقط، بل كذلك لأن منطق هذا العدوان تحديداً يفترض اتساع نطاقها وتعدد ضحاياها وعشوائية إلحاق الأذى بسائر المنطقة، وخارج أدوار المعتدي والمعتدى عليه.

القدس العربي

———————–

أما وقد بدأت… فكيف تنتهي؟/ محمد الرميحي

03 مارس ,2026

في صبيحة السبت 28 شباط/ فبراير – فوجئ ولم يُفاجأ – المتابع باندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. لم يكن الهجوم فجراً كما اعتادت الحروب الحديثة، بل في الصباح الباكر، في إشارة رمزية ربما إلى أن ما جرى ليس ضربة خاطفة بقدر ما هو إعلان انتقال من طور التهديد إلى طور الفعل. السؤال الذي يفرض نفسه منذ اللحظة الأولى ليس: لماذا بدأت؟ بل: كيف يمكن أن تنتهي؟

منذ سنوات طوال، كانت العلاقة بين واشنطن وطهران تقوم على شدّ الحبل من دون قطعه. تفاوض يتقدّم خطوة ويتراجع خطوتين، عقوبات تتراكم، رسائل بالنار عبر الوكلاء، ثم عودة إلى الطاولة. غير أن الجانب الأميركي بدا في الأشهر الأخيرة ضائقاً ذرعاً بما اعتبره مراوغةً إيرانية، هدفها شراء الزمن، سواء لاستكمال عناصر البرنامج النووي، أو لتعزيز القدرات الباليستية، أو لترسيخ شبكة الأذرع الممتدة من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق وغيرها من بلدان المنطقة. تلك هي القضايا الثلاث التي شكّلت جوهر النزاع، أولها النووي، وثانيها الباليستي، وثالثها وكلاء النفوذ، الذين حولوا الدول المحيطة إلى دول فاشلة على حساب الأكثرية المواطنة.

في المقابل، فإن أي تراجع إيراني واضح في العنصرين الأخيرين على الأقل، الباليستي والأذرع، يعني في نظر النظام نزع أسنانه الإقليمية. فهذه الأدوات لم تكن مجرد وسائل ضغط خارجية، بل تحولت إلى جزءٍ من تعريف النظام لنفسه كقوةٍ ثورية عابرة للحدود. التخلي عنها يُفهم داخلياً باعتباره اعترافاً بالهزيمة، وربما بداية تصدّع في بنية السلطة. والداخل الإيراني، كما تشير مؤشرات الاقتصاد والاحتجاجات المتقطعة، يكاد أن يغلي تحت وطأة تضخمٍ وعقوباتٍ وعزلة طويلة.

من هنا يمكن فهم قرار الذهاب إلى حافة الحرب، أو إلى الحرب نفسها، على قاعدة احتمالين، إما إرغام الخصم على التراجع وإما التخفيف من تمنعه، أو خوض معركة محسوبة قد تعيد ترتيب الأوراق داخلياً وخارجياً. فالحروب، في كثير من الأحيان، ليست صراعاً بين جيوش فحسب، بل وسيلة لإعادة بناء الشرعية أو تصدير الأزمات.

لكن نتيجة هذه المواجهة لا تتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، بل بعدد من العناصر السياسية المعقدة، أولها قدرة الإدارة الأميركية على الحفاظ على تأييد الرأي العام إذا طالت الحرب. فالتجربة الأميركية منذ فيتنام إلى العراق وأفغانستان تشير إلى أن الحروب القصيرة تحظى بدعم، أما الحروب المفتوحة فتستنزف الداخل سياسياً ومالياً. وفي ظل انقسامٍ داخليّ حادٍ، فإن أي ارتفاع في الخسائر أو الأكلاف قد يتحول إلى عبءٍ انتخابي.

العنصر الثاني هو موقف المؤسسة الحاكمة في طهران. هل تقبل في مرحلةٍ ما تسويةً تحفظ ماء الوجه وتقدم تنازلات حقيقية في الملفات الثلاثة، أم تراهن على صمود طويل الأمد وعلى تعب الخصم؟ هنا تدخل حسابات معقدة تتعلق بموازين القوى داخل النظام نفسه، بين من يرى أولوية البقاء ولو بتنازلات، ومن يعتقد أن التراجع بداية النهاية.

أما احتمال اندلاع مقاومةٍ شعبية واسعة داخل إيران نصرةً للنظام، فهو احتمال قائم نظرياً، لكنه يبدو ضعيفاً عملياً. فالتجارب الحديثة تُظهر أن المجتمعات التي تعاني ضغوطاً اقتصادية قاسية لا تندفع بسهولة إلى التعبئة خلف السلطة، إلا إذا شعرت بتهديد وجودي مباشر. وقد يحاول النظام تأطير الحرب بهذا المعنى، لكن نجاح ذلك ليس مضموناً.

إقليمياً، ستتأثر ساحات النفوذ المختلفة بدرجات متفاوتة. فالأذرع التي شكلت مصدر قوةٍ لإيران قد تتحول إلى ساحات استنزافٍ إضافية. وكلما اتسع نطاق الاشتباك، ارتفعت احتمالات الخطأ والحسابات غير الدقيقة، ما يفتح الباب أمام تصعيدٍ غير مرغوبٍ فيه من جميع الأطراف.

ومع ذلك، فإن الأهم في الحروب الحديثة ليس من ينتصر عسكرياً فحسب، بل من يعلن الهزيمة ويقبل شروط الخصم. فكم من طرف خرج معلناً النصر، فيما كان في الحقيقة يعيد تعريف أهدافه لتتناسب مع ما تحقق على الأرض. لذلك قد لا تكون نهاية هذه الحرب بياناً عسكرياً، بل اتفاق سياسي يُسوَّق داخلياً على أنه إنجاز متبادل.

السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حرب محدودة الأهداف والمدة، تليها مفاوضات جديدة بشروط مختلفة. فالولايات المتحدة لا تبدو راغبة في احتلال أو تغيير شامل بالقوة كما حدث في العراق، وإيران تدرك أن مواجهة مفتوحة طويلة قد تهدد بنيتها الداخلية. بين هذين الحدّين تتحرك حسابات العقل، أما حسابات العاطفة فهي مفتوحة .

السؤال: أما وقد بدأت فكيف تنتهي؟ فالجواب أنه لا تنتهي حين تتوقف الصواريخ، بل حين يُعاد رسم توازن جديد يقتنع به الطرفان، أو يُفرض على أحدهما. في السياسة كما في الحرب، ليست الغلبة لمن يطلق الرصاصة الأولى، بل لمن يحسن قراءة اللحظة الأخيرة ويتكيف معها.

سوف نقرأ تحليلات عاطفية كثيرة، إلا أن تدمير الأوطان لا يحتاج إلى مدافع من الخارج، بل غياب آليات الحوكمة بدلاً من ازدراء حاجات الناس.

——————————

نهاية المرشد أم نهاية المشروع؟/ مهند مبيضين

تحديث 02 مارس 2026

اغتيال علي خامنئي لا يعني بالضرورة نهاية إيران الملالي. فالأنظمة العقائدية لا تُختصر في أشخاص، بل في سرديات كبرى تُعيد إنتاج نفسها عبر الأزمات. وإيران ليست نظام حكم فقط؛ إنها مشروع هوية ممتد منذ 1979، وقد أعاد تعريف الشرعية، وأعاد صياغة العلاقة بين الدين والدولة، وربط الوطنية بالعقيدة، وربط العقيدة بالمواجهة، سواء المباشرة أو بالأكتاف والبنادق المسـتأجرة في العراق ولبنان وغزة واليمن.

الثورة الإيرانية لم تكن مجرد انقلاب سياسي على الشاه، بل إعادة هندسة للوعي الجمعي الإيراني. لقد نجحت في احتكار تعريف الشرعية، لا عبر القوة وحدها، بل عبر إعادة تفسير المقدّس. وهنا تكمن خطورة المشروع؛ فهو لم يؤمم السياسة فحسب، بل أمّم السماء ذاتها. حين أصبح الحاكم ظلّا لمرجعية دينية، ونائبا عن إمام غائب، وهنا لم تعد المعارضة خلافا سياسيا، بل خروج على منظومة اعتُبرت امتدادا للحق الإلهي الممنوح والمعدل بنظرية الولي الفقيه منذ مؤسسه الإمام أحمد النراقي في كتابه “عوائد الأيام” وصولا لاجتهاد الخميني في كتابه “الحكومة الإسلامية”، إذ وسّع حدود وصلاحيات الولي الفقيه.

تحت عمامة الولي الفقيه روح الله الخميني وخليفته علي خامنئي، تشكلت إيران المعاصرة ككتلة تاريخية بالمعنى الغرامشي: تحالف بين الفقهاء والبازار والنخب الثورية والطبقات الشعبية التي رأت في الغرب تهديدا لكرامتها القومية. هذا التحالف لم يكن عابرا، بل بنية متماسكة أعادت تعريف الوطنية باعتبارها التزاما عقائديا. لذلك فإن إسقاط رأس النظام لا يعني تلقائيا تفكيك هذه البنية؛ فالكتل التاريخية لا تنهار بضربة واحدة، بل تتآكل حين تفشل في تحقيق وعودها، كذلك الحال حصل مع المنظومة الاشتراكية حين توالت بالانهيار أمام رأسمالية الغرب لانعدام قدرتها على التجديد والفشل في الوفاء بالوعود.

والوعود الإيرانية كانت كبيرة: العدالة الاجتماعية، الاستقلال الاقتصادي، الكرامة القومية، واستعادة الدور الحضاري. لكن بعد 47 عاما على الثورة، تبدو الحصيلة معقدة. نعم، عززت إيران حضورها الإقليمي، ومدّت نفوذها عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، لكنها في الداخل واجهت تضخما مزمنا، وعقوبات خانقة، وتراجعا في قيمة العملة، واتساعا للفجوة بين النخبة المرتبطة بالمؤسسة الأمنية–الاقتصادية وبين الطبقات المتوسطة والفقيرة.

أنفقت إيران ثروتها لتصدير الثورة، فاكتشفت أنها صدّرت أزمتها معها لعالم وإقليم توجع منها ومن نهجها العدائي للعرب كثيرا، وفي الحرب الدائرة أكدت عدائيتها لهم أكثر من إسرائيل وأميركا.

الحلم النووي، الذي قُدّم كرمز للسيادة والاستقلال، تحوّل إلى عبء وجودي. لم يعد السؤال: هل تمتلك إيران القدرة التقنية؟ بل: هل يستطيع المجتمع تحمّل كلفة المشروع؟ فالسيادة التي تُبنى على إنهاك الداخل تتحول إلى معادلة مختلّة، ذلك الاختلال بدا مصدر الابتهاج في ليل طهران بعد موت “المرشد”.

الدولة القوية ليست التي تعمل بمنطق العصابات كما عملت إيران في العراق ولبنان، بل التي تُقنع مواطنيها بجدوى خياراتها، وهنا كان الفشل الإيراني الذريع.

عام 2009 شكّل منعطفا حاسما. الحركة الخضراء لم تكن مجرد احتجاج على نتائج انتخابات وحرمان مير حسين موسوي المحكوم بالإقامة الجبرية حتى اليوم من حقه في النجاح الذي بيع لأحمدي نجاد؛ بل كانت إعلانا بأن المجتمع لم يعد يرى في الثورة مرجعيته الوحيدة.

 منذ ذلك التاريخ، بدأ الشرخ يتسع بين جيل الثورة وجيل ما بعدها. الأول تشكّل وعيه على فكرة المواجهة التاريخية مع الغرب، والثاني تشكّل وعيه في عالم متداخل لا يرى في العزلة فضيلة. وكان عمل رجال الإصلاح أو السماح بوجودهم في الرئاسة كما خاتمي وبزكشيان ليس إلا محاولة ترميم يائسة لبيت متهاوٍ.

فالمشكلة لم تكن في الأداء الإداري بقدر ما كانت في تعريف الشرعية ذاته. الرؤساء، مهما اختلفت توجهاتهم، ظلوا يتحركون تحت سقف “المرشد”. السلطة التنفيذية كانت هامشا داخل بنية مغلقة تتركز في يد المؤسسة الدينية–الأمنية. لذلك، فإن تغيير رأس النظام– إن حصل– سيطرح سؤالا أكبر: هل يمكن إعادة تعريف مركز الشرعية دون أن يُتهم النظام بالتراجع عن جوهره؟

إذا كان المشروع قد تأسس على فكرة “الشيطان الأكبر”، فكيف سيعيد تعريف ذاته إذا اختار التهدئة أو التطبيع؟ وإذا كانت الثورة مصدر الشرعية، فهل تستطيع الدولة أن تتحول إلى كيان برغماتي دون أن تُفسر هذه البرغماتية كتنازل؟

وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض غيّر قواعد اللعبة. وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت المنطقة مرحلة تصعيد غير مسبوقة. لم تعد المسألة إدارة توتر محسوب، بل اختبار قدرة النظام على الصمود أمام ضغوط استراتيجية مركّبة: عسكرية، اقتصادية، وسياسية. ومن لا يحسن الحسابات الدولية مصيره الفشل ودروس التاريخ كثيرة.

إذن، هل يمكن أن تتحول إيران إلى “دولة طبيعية” كما تريد أميركا؟ نظريا، نعم. وعمليا، يتطلب ذلك تفكيك ثلاثة أعمدة: إعادة تعريف الشرعية بعيدا عن ولاية الفقيه بصيغتها المطلقة؛ وفصل الدين عن القرار السيادي؛ وتحويل مشروع “تصدير الثورة” إلى مشروع دولة وطنية تركز على التنمية والاستقرار.

وهذا ليس إصلاحا تقنيا، بل تحول وجودي. وإيران اليوم لا تواجه فقط ضغطا خارجيا، بل سؤالا داخليا عميقا: هل ما زال المشروع الثوري قادرا على إقناع أغلبية المجتمع بجدواه؟ والمسألة ليست نهاية “المرشد”، بل اختبار بقاء المشروع. فإذا كان المشروع قادرا على إعادة تعريف نفسه ضمن معادلة جديدة، فقد يستمر بصيغة مختلفة. أما إذا بقي أسيرا لفكرة الصراع بوصفه هوية، فقد يجد نفسه في مواجهة تآكل تدريجي من الداخل، مصحوبا بنتائج الحرب الراهنة الكارثية.

إيران تقف اليوم أمام مفترق وجودي بعد توالي سقوط قائمة من أبلغهم ترمب بمصير الزوال، منذ قاسم سليماني مرورا بحسن نصرالله ووصولا لخامنئي وما بين هؤلاء مئات من صقور التشدد.

الرهان اليوم لم يعد على من سيخلف خامنئي، أو عما إذا كان علي لاريجاني ومن معه ولجنة الرئاسة سينجحون في قيادة البلاد، بل على معنى بقاء الدولة موحدة وغير مقسمة، وعن الإقليم الذي توسعت به الحرب.

المجلة

—————————-

 إيران… قبل خامنئي وبعده/ رضوان السيد

2026-03-03

هل تقع الحرب أم لن تقع؟ ثمّ هل هي حرب بين طرفين أم حرب أميركيّة على إيران؟ ثمّ لمن المصلحة الغالبة في الحرب؟ لأميركا أم…

news

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة. وجاء…

كان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي حدثاً يفوق الهزّة التي أحدثها مقتل حسن نصرالله. من هو خامنئي؟ لماذا أقدموا على قتله وتتبّع كلّ القيادة الإيرانيّة بالاستئصال؟ هل بهذه الطريقة يسقط النظام أو يتغيّر؟ ماذا لو حدثت فوضى أو تمرّد مثل التمرّدات السابقة وآخرها منذ أسابيع؟ هل يتغيّر الآن وجه الشرق الأوسط بالفعل؟

رأيت خامنئي وتحدّثت إليه مرّةً واحدةً عام 1999. دعت إيران يومها المفتي السابق في لبنان محمّد رشيد قبّاني وذهبنا معه محمّد السمّاك وأنا، ونظّمت لنا إحدى الجهات (منظّمة الثقافة الإسلاميّة كما أظنّ) جلسةً مع المرشد الأعلى في قُم لمدّة ساعتين بعد صلاة العصر.

أعددتُ نفسي مسبقاً للمقابلة لأنّهم أعطونا جدول أعمال الزيارة ومواعيدها مسبقاً. كنت أعرف الجدال حول ولايته للمرشديّة بعد الخمينيّ عام 1988، فحتّى السيّد محمد حسين فضل الله بلبنان رأى نفسه أَولى منه باعتباره الأعلَم. وجدتُ بالبحث أنّ لديه ميولاً أدبيّة وصوفيّة. فقد كتب مقدّمة طويلة للمثنويّ لجلال الدين الروميّ ومقدّمةً أُخرى لكتابين من كتب المفكّر والشاعر محمد إقبال.

بحثت وقتها عن أُطروحته الضروريّة لكي يبلغ رتبة الاجتهاد فلم أجدها، بل وجدتُ أمراً مُشابهاً فيما بعد. لكن لفتت انتباهي خُطب ومقالات جُمعت له ونُشرت بالعربيّة بعنوان: حاكميّة الإسلام. أفكاره فيها متشدّدة بشأن تطبيق الشريعة وتشبه أفكار سيّد قطب و”الإخوان المسلمين”.

يقول بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب إنّهما يريدان تغيير النظام، لكنّ النظام لا يمكن تغييره بالضربات الجويّة

كنت أظنّ أنّ أعضاء حزب الدعوة من الشيعة العراقيّين (ومنهم محمد باقر الصدر وزعيم “الحزب” اليوم الشيخ نعيم قاسم ونوري المالكي رئيس وزراء العراق السابق) هم المتأثّرون بأفكار الإخوان الذين عرفوهم بالعراق وعرفوا كتبهم المطبوعة بلبنان. لمّا قابلنا خامنئي سألتُه عن الموضوع فقال: “كان الإمام الخمينيّ يكلّفنا نحن الذين نعرف العربيّة من تلامذته بترجمة كتب سيّد قطب وإسلاميّين عرب آخرين، ومن طريق ذلك عرفت أفكار الإخوان والآخرين. عندهم هم والمودودي أفكار جيّدة بشأن الدولة، وأفكار أخرى تستحقّ النقاش بشأن التجديد في الدين، لكنّنا نحن بقيادة الإمام الخمينيّ تجاوزناهم من دون التنكّر لهم بسبب اجتهادات الإمام الخمينيّ وبسبب التجربة الغنيّة التي مررنا بها منذ عام 1979”.

خامنئي يتقن العربيّة

يتكلّم خامنئي العربيّة بشكل جيّدٍ جدّاً من بدون غُنّةٍ إيرانيّة تقريباً. قلتُ له عندما وجدت مزاجه حسناً: لا أعرف من جيلنا إيرانيّاً يتكلّم العربيّة مثلكم غير الأستاذ محمّد علي آذرشب. فقال: بل هناك آلاف من علماء الدين بإيران يعرفون العربيّة بحكم دراستهم لكن يتكلّمونها بغُنّة كما تسمّيها. ومن هؤلاء  محمد علي التسخيري رئيس مجمّع التقريب بين المذاهب، فقد نشأ بالعراق.

من الحديث بالعربيّة إلى البرامج التعليميّة في المعاهد والجامعات الإسلاميّة، قارن خامنئي بين الأزهر وقم والنجف والقرويّين والزيتونة في التعليم، ورأى أنّ الأزهر والزيتونة تغيّر نظامهما التعليميّ كثيراً وفارقا التقليد المذهبيّ السنّيّ. أمّا في قم والنجف فما يزال التعليم تقليديّاً، لكنّ هناك أساتذة متميّزون هم الذين يجدّدون.

خامنئي

تابعتُ بعد مداخلة طويلة للمفتي قبّاني عن التعليم الدينيّ: هل تقصدون يا فضيلة الإمام بالأساتذة المتميّزين الأفراد من الشيوخ الذين يمارسون التأويل؟ قال: لا، أولئك في الجامعات وأنت تعرفهم لأنّه قيل لي إنّك درست بألمانيا، وتأويليّو إيران كلّهم متأثّرون بالألمان البروتستانت، وهؤلاء مفيدون في الحوار بين الأديان، لكنّهم لا يجدّدون في حلقات الدرس الفقهيّ بالمعنى الذي نقصده.

يبدو أنّ تغيير وجه الشرق الأوسط يحدث الآن وله جانبان: تغيير وجوه النظام الإيرانيّ، ومحاولة تجاوُز القضيّة الفلسطينيّة

ما عدت أذكر كيف بدأ الحديث مع الزميل محمّد السمّاك، وكان خامنئي يعرف بعض كتبه عن الإنجيليّة الصهيونيّة. ثمّ انصرف الحديث إلى إمكانات التعاون، وكان المفتي هو الذي خاض فيه ونصحه خامنئي بأن يتواصل مع مجمّع التقريب بين المذاهب من خلال التسخيري وشيخ آخر اسمه واعظ زاده.

بعد جلسة خامنئي طفنا على الجامعات الإسلاميّة وعلى المؤسّسات، وهناك بدت لنا العالميّة الشيعيّة في أوج ازدهارها. ليست هناك جامعة أو كليّة (دينيّة) إلّا وفيها مئات من الشبّان من العرب ومن آسيا الوسطى والقوقاز وباكستان وأفغانستان وأقاصي إفريقيا وآسيا. هؤلاء ثلثاهم شيعة إماميّون فقط والثلث الثالث من السنّة والزيود والإسماعيليّة والدروز.

لأنّني درّستُ باليمن (1989-1992) فقد اهتممت باليمنيّين ووجدت أنّ أعدادهم بالمئات واستغرب عددٌ منهم أنّني لا أعرف أنّهم موجودون بكثافةٍ أيضاً في الحوزات الدينيّة بالعراق ولبنان.

منذ ذلك الحين (1999-2000) ظننتُ أنّ أمراً يُخطَّط لإحداثه في اليمن. أمّا البلد الآخر الذي حسبت أنّ شيئاً سيحدث فيه فهو العراق. ما قابلت عراقيّين كثيرين في المعاهد والمؤسّسات الدراسيّة، بل قابلناهم عند السيّد الحكيم (زعيم المجلس الإسلاميّ الأعلى) والد رئيس تيّار الحكمة بالعراق اليوم. كانوا متحمّسين جدّاً ويتحدّثون صراحةً عن هجمةٍ أميركيّةٍ على العراق إن جاء جمهوريّ للسلطة، وهذا قبل حَدَث عام 2001. والخطوة التي عليهم سلوكها هي حشد المعارضة وراء المجلس الأعلى والتعاون مع الأميركيّين. لكنّ إيران، وهذه كانت شكواهم، ظلّت شديدة التردّد.

ماذا يحصل الآن؟ إلى متى تستمرّ الحرب؟ لماذا الامتداد؟

ضَرْبُ إيران كلّ دول الخليج حتّى في عُمان عجيبٌ بالفعل. لماذا فعلوا ذلك، وبخاصّةٍ أنّ دول الخليج كلّها ومن أكثر من عشر سنوات في حالة سلامٍ كاملٍ مع إيران؟ احتاج الأمر إلى الصين لعقد سلامٍ بين المملكة السعوديّة وإيران عام 2022. أخفت إيران ضرباتها تحت غطاء القواعد والمصالح الأميركيّة. لكنّ الأبنية والمؤسّسات التجاريّة بدبي ليست قواعد أميركيّة. ماذا في ميناء الدقم بعُمان الصديقة لإيران لكي تستحقّ القصف؟!

النظام المتصدّع لديه مشكلات عاجلة أهمّها بالطبع خلافة خامنئي، واستعادة انتظام جهات القيادة

عندما زرنا خامنئي عام 1999 كانت التساؤلات حوله قد انتهت، وبقيت عنده صعوبة صغيرة في أنّ محمد خاتمي نصف المعارض كان رئيساً للجمهوريّة وتجدّدت رئاسته حتّى عام 2005.

منذ ذلك الحين بدا خامنئي أنّه المسيطر في كلّ الأمور، وبين قاسم سليماني والحرس الثوريّ صارت لإيران امتدادات وأذرع في عدّة دول عربيّة. إنّما الأهمّ أنّه صار مسلَّماً له بكلّ شيء وشبّهه دوليّون في السطوة والسيطرة بالخمينيّ، وإن لاحظوا أنّ الحرس الثوريّ سيطر أيّامه على شؤون الدولة وليس على الأذرُع الخارجيّة فقط.

عندما نتحدّث عن السيطرة فلها وجهٌ آخر. فقد حصلت عدّة تمرّداتٍ داخليّة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وكانت أهمّها عام 2009 بسبب الاتّهام بتزوير الانتخابات لمصلحة محمود أحمدي نجاد. كان منها التمرّد بسبب مقتل مهسا أميني، وأخيراً تمرّد الضيق الاقتصاديّ. والتمرّدات تُقابَلُ دائماً بقسوةٍ شديدةٍ ويسقط فيها الآلاف.

نظام صلب؟

النظام الإيرانيّ صلبٌ ظاهراً، وقد صمد في الحرب الأولى المباشرة التي سمّيت بحرب الاثني عشر يوماً لأنّها استمرّت كذلك. كان التركيز فيها وقبلها وفي الهجوم الحاليّ على قتل القادة من علماء النوويّات والعسكريّين ومستشاري خامنئي، وعلى المؤسّسات النوويّة وعلى خامنئي نفسه أخيراً.

يقول بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب إنّهما يريدان تغيير النظام، لكنّ النظام لا يمكن تغييره بالضربات الجويّة. ثمّ إنّ معظم مؤسّسات الدولة لم تُستهدَف بعكس ما حصل في العراق عام 2003 حين جرى ضرب وتفكيك كلّ المؤسّسات.

هكذا يؤدّي المسار الحاليّ بالضربات المستمرّة إلى حالةٍ من الفوضى فقط. وهذا أخطر من سقوط النظام أو تغييره بانقلاب قصر. على كلّ حال فإنّ النظام المتصدّع لديه مشكلات عاجلة أهمّها بالطبع خلافة خامنئي، واستعادة انتظام جهات القيادة. ما عدنا نعرف الكثيرين من الأحياء العاملين، نعرف الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ويتولّى الأمور التنفيذيّة علي لاريجاني ووزير الخارجيّة عبّاس عراقجي. يبدو أنّ مجتبى بن خامنئي بقي حيّاً أيضاً.

من الحديث بالعربيّة إلى البرامج التعليميّة في المعاهد والجامعات الإسلاميّة، قارن خامنئي بين الأزهر وقم والنجف والقرويّين والزيتونة في التعليم

من يستعيد السيطرة على الحرس، وعلى الجيش والمؤسّسات الأمنيّة؟ النظام الإسلاميّ كلّه يخاف من الداخل الشعبيّ ومن المدن بالذات أكثر ممّا يخاف من الولايات المتّحدة وإسرائيل.

ثمّ إنّ الإيرانيّين شعبٌ فخور وتثيره التبعيّة وإرادة الإخضاع. مع ذلك هل يتجدّد التمرّد الشعبيّ إذا توقّفت الحرب، وبخاصّةٍ أنّ الخوف لم يعد مسيطراً؟ من جهةٍ أُخرى قال ترامب إنّها أربعة أسابيع لإنهاء المشكلة، لكن بحسب نتنياهو فإنّ الحبل على الجرّار ولا أجَل للانتهاء! على كلّ حال: ماذا سيأتي بعد، إعادة ترميم داخليّ واستجابة للمطالب الأميركيّة أم فوضى وتمرّدات ومراوحة؟!

كنّا نحسب أنّ الحدث السوريّ هو أهمّ الأحداث بالمنطقة في السنوات الأخيرة. لكنّ الذي يبدو أنّ تغيير وجه الشرق الأوسط يحدث الآن وله جانبان: تغيير وجوه النظام الإيرانيّ، ومحاولة تجاوُز القضيّة الفلسطينيّة. كنّا نستغرب تهديد نتنياهو للجميع وفي طليعتهم العرب، وقد تبيّن أنّ إيران الضعيفة أو المستضعَفة تستطيع التبهوُر على العرب أيضاً!

أساس ميديا

—————————–

 مضيقا هرمز وباب المندب في معادلة الحرب وأمن الطاقة العالمي/ محمد عبد العاطي

2 مارس 2026

مع اندلاع الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026، اتسعت رقعة الصراع لتشمل المجال البحري بوصفه عنصرًا حاسمًا في معادلة المواجهة. فقد وضعت الحرب الراهنة الحقيقةَ المتعلقةَ بأمن المضايق موضع الاختبار؛ إذ يشكِّل مضيقا هرمز وباب المندب عقدتي اختناق في بنية الاقتصاد العالمي، وأي توتر فيهما ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية وعلى استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

مضيق هرمز

يقع مضيق هرمز بين الساحل الإيراني شمالًا وسلطنة عُمان جنوبًا، ويبلغ عرضه نحو 33 كيلومترًا في أضيق نقاطه، مع ممرات ملاحية محدودة لكل اتجاه. يمثل المنفذ البحري الرئيس لصادرات الطاقة الخليجية إلى المياه المفتوحة ما يمنحه موقعًا محوريًّا في منظومة الطاقة العالمية. يمر عبره أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًّا، إضافة إلى نسبة تقارب خمس الاستهلاك النفطي العالمي. هذه المؤشرات تكشف عن وزن مركزي يجعل أي اضطراب في المضيق ذا أثر فوري في الأسعار، والتأمين البحري، والاستقرار المالي الدولي.

من إجمالي تدفقات الطاقة العابرة عبر مضيق هرمز، يتجه نحو 83% إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. هذا الاعتماد الكثيف يمنح المضيق بُعدًا يتصل مباشرة بأمن الطاقة في آسيا الصناعية، ويحوِّله إلى نقطة توازن حساسة في العلاقة بين الخليج والاقتصادات الكبرى في الشرق الأقصى.

تعزز البنية الجغرافية للمضيق هذا الثقل الإستراتيجي؛ إذ تنتشر فيه جزر تمثل نقاط تحكم عملياتية، من أبرزها: قشم وهرمز ولارك وهنجام، إضافة إلى جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى والفارور عند المدخل الشمالي. توفر هذه الجزر مواقع رصد وسيطرة على الممر الملاحي، وتمنح الدولة التي تبسط نفوذها عليها قدرة عملية على التأثير في حركة السفن، سواء عبر أدوات الردع أو عبر وسائل عسكرية مباشرة. بذلك تتجسد الجغرافيا الدقيقة عنصرًا فاعلًا في معادلة التحكم البحري.

يرتبط مضيق هرمز كذلك بإطار قانوني دولي حساس. فهو يخضع لنظام “المرور العابر”، وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، بما يضمن انسياب الملاحة الدولية بين جزأين من أعالي البحار أو منطقتين اقتصاديتين خالصتين. في المقابل، تتمسك إيران وسلطنة عُمان بمقاربة تميل إلى إخضاع بعض أنماط الملاحة، خصوصًا العسكرية، لاعتبارات أقرب إلى نظام “المرور البريء”، بما يمنحهما مساحة أوسع لمراعاة اعتبارات السيادة والأمن. هذا التباين القانوني يشكِّل بعدًا إضافيًّا في معادلة التوتر؛ حيث تتداخل الاعتبارات القانونية مع الحسابات العسكرية والسياسية.

شهد المضيق سابقة عملية تؤكد قابليته للتحول إلى أداة ضغط اقتصادي مباشر، وذلك خلال ما عُرف بـ”حرب الناقلات” في النصف الثاني من الحرب العراقية-الإيرانية (1984–1988). فقد جرى استهداف متبادل لناقلات النفط وزرع ألغام بحرية في مسارات الملاحة؛ ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واستدعى تدخلًا عسكريًّا دوليًّا واسعًا لحماية السفن وضمان استمرار تدفق النفط. أظهرت تلك المرحلة أن توظيف المضيق في الصراع يمتد أثره سريعًا إلى أسواق الطاقة العالمية، ويعيد رسم حدود التدخل الدولي في المنطقة.

مضيق باب المندب

يقع مضيق باب المندب بين اليمن شرقًا وجيبوتي وإريتريا غربًا، بعرض يتراوح بين 26 و30 كيلومترًا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ليشكِّل البوابة الجنوبية لقناة السويس. يمر عبره نحو 9% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًّا، إضافة إلى حصة معتبرة من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، ويعبره أكثر من 21 ألف سفينة سنويًّا في الظروف العادية. يمثل المضيق حلقة أساسية في الربط بين صادرات الخليج والأسواق الأوروبية، وفي سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر.

تتجلى حساسية باب المندب في بنيته الجغرافية العملياتية؛ إذ تقسمه جزيرة بريم اليمنية إلى قناتين: قناة إسكندر شرقًا بعرض يقارب 3 كيلومترات وعمق محدود، وقناة دقة المايون غربًا بعمق يصل إلى نحو 310 أمتار. هذا التكوين يمنح من يسيطر على الجزيرة أو السواحل المرتفعة المحيطة قدرة مباشرة على الرصد والتأثير في الملاحة، ويجعل المضيق قابلًا للتأثر بوسائل تعطيل محدودة نسبيًّا من حيث الكلفة العسكرية.

تعكس الكثافة العسكرية الدولية في محيط باب المندب إدراك القوى الكبرى لحساسيته الإستراتيجية. فالمنطقة تستضيف تمركزات عسكرية لقوى دولية كبرى، إلى جانب حضور إقليمي متزايد في سواحل القرن الإفريقي واليمن، ما يجعل المضيق محاطًا ببيئة أمنية عالية التركيز العسكري. كما أظهرت السنوات الأخيرة قدرة فاعلين من غير الدول على استخدام صواريخ ومسيرات وألغام بحرية لتهديد السفن، ما أضفى على أمن المضيق بُعدًا غير تقليدي يتجاوز منطق الدولة وحدها.

أثبتت الوقائع القريبة، ولاسيما خلال فترة الحرب الإسرائيلية على غزة، قابلية باب المندب للتحول إلى أداة ضغط فعَّالة عندما انخرط فاعلون مسلحون في تهديد الملاحة. فقد أدى استهداف سفن تجارية إلى اضطرار شركات شحن دولية إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما أضاف نحو 6 آلاف ميل بحري إلى الرحلة بين آسيا وأوروبا، وزاد زمن الشحن وكلفته، وانعكس سريعًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

بنية تكاملية

عند النظر إلى هرمز وباب المندب في إطار واحد، تتضح بنيتهما التكاملية. يتحكم مضيق هرمز في خروج النفط والغاز الطبيعي المسال من الخليج، بينما يتحكم مضيق باب المندب في انتقال جزء معتبر من هذه التدفقات إلى البحر المتوسط وأوروبا عبر قناة السويس. تشكل هذه السلسلة محورًا مترابطًا يبدأ عند المنبع ويمر بعقدة عبور إستراتيجية قبل الوصول إلى الأسواق العالمية. أي اضطراب ممتد في إحدى الحلقتين يضغط على منظومة الطاقة والتجارة الدولية، وأي توتر متزامن يعيد تشكيل كلفة الصراع وحدوده وسقفه العملياتي على نطاق أوسع.

في هذا السياق البنيوي، تجلَّى البعد البحري عمليًّا في الساعات الأولى للحرب مع إعلان طهران استهداف ناقلة نفط قالت إنها لم تمتثل لتعليمات الحرس الثوري، في رسالة مباشرة بأن الممرات البحرية دخلت صلب حسابات الردع والتصعيد. وفي تطور لاحق، أظهرت بيانات تتبع ملاحية توقف مئات السفن قرب مضيق هرمز وتراجع حركة ناقلات النفط عبره بصورة مؤقتة، في سلوك احترازي عَكَسَ تصاعد تقدير المخاطر. هذا النمط من التوقف الوقائي يوضح أن تأثير المضيق في الاقتصاد العالمي لا يتطلب إعلان إغلاق رسمي؛ إذ يكفي ارتفاع مستوى التهديد لدفع الشركات إلى تعليق العبور أو تأجيله، بما ينعكس فورًا على تكاليف الشحن والتأمين ويغذي التقلبات في أسواق الطاقة.

كشفت الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران منذ يومها الأول أن أمن المضايق البحرية يمثل أحد المرتكزات الهيكلية للأمن الدولي في القرن الحادي والعشرين. فاستقرار الاقتصاد العالمي يرتبط بضمان انسياب الملاحة عبر ممرات ضيقة جغرافيًّا، واسعة الأثر إستراتيجيًّا، تتقاطع فيها الجغرافيا مع القانون الدولي، وتتداخل فيها حسابات الردع البحري مع معادلات النمو الاقتصادي العالمي. بهذه المعطيات، يشكل مضيقا هرمز وباب المندب معًا ركيزتين مركزيتين في معادلة الحرب وأمن الطاقة العالمي ضمن إطار جيوستراتيجي متكامل، ويدخلان مباشرة في حسابات الكلفة والردع وإدارة التصعيد وحدود التوسع في العمليات لدى أطراف المواجهة.

باحث في مركز الجزيرة للدراسات

مركز الجزيرة للدراسات

———————————-

هل دخلت الحرب على إيران مرحلة إسقاط النظام؟

استهدفت موجة الغارات الأولى، التي انطلقت من إسرائيل، قيادات الصف الأول السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، بمن في ذلك المرشد، آية الله علي خامنئي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، وقائد مجلس الدفاع الأعلى، علي شمخاني، وقائد الحرس الثوري، محمد باكبور، ووزير الدفاع، عزيز ناصر زادة.

وقد أدَّت الضربة إلى اغتيال المرشد، خامنئي، وقادة آخرين من الصف الأول. ولم تلبث القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة المحيطة بإيران أن شاركت في الهجمات، التي باتت تستهدف نطاقًا واسعًا من الأهداف.

جاء الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية/الإسرائيلية كما كان متوقعًا، واستخدم فيه الإيرانيون الصواريخ متوسطة المدى والطائرات بدون طيار.

استهدف الرد الإيراني أهدافًا في إسرائيل والأردن ومواقع تواجد عسكري أمريكي في العراق وفي كافة دول الخليج العربية (ما عدا عمان) التي تعرض ميناؤها، دقم، للقصف في اليوم التالي.

ومع حلول مساء اليوم الأول من الحرب، وردت تقارير بأن سفن الشحن تلقت رسائل من إيران بمنع الملاحة عبر مضيق هرمز.

هذه هي الحرب الأمريكية/الإسرائيلية الثانية على إيران في أقل من تسعة شهور؛ والمتوقع أن تستمر لعدة أيام، وربما حتى عدة أسابيع، وأن تكون واسعة النطاق، سواء على مستوى نوعية المواقع المستهدفة في إيران، أو على مستوى الجغرافيا الإيرانية.

والملاحظ، أن اندلاع الحرب جاء بعد يومين فقط من جولة التفاوض الأمريكي-الإيراني في جنيف، التي وصفها الوسيط العماني بأنها أحرزت تقدمًا كبيرًا، وأنها جعلت أطراف الأزمة أقرب إلى تحقيق السلام.

فكيف مهَّد الرئيس ترمب الطريق لإطلاق الحرب؟ وما الأهداف الحقيقية لهذه الحرب؟ وما الذي يمكن أن تؤدي إليه بالفعل؟

الطريق إلى الحرب

على الرغم من أن عملية التفاوض الأمريكي-الإيراني حول البرنامج النووي كانت تمضي قدمًا، كانت تصريحات الرئيس الأمريكية، دونالد ترمب، الواحد منها تلو الآخر، خلال الأسبوع الأخير من فبراير/شباط، تشير إلى اتجاه الخيار العسكري.

إعلان

لم يكن خافيًا على كل من استمع للرئيس ترمب في خطاب الاتحاد أمام مجلسي الكونغرس، في 24 فبراير/شباط، أن الحرب على إيران أصبحت أكثر ترجيحًا.

الحقيقة أن الرئيس تناول إيران في خطابه بصورة سريعة، وبعبارات قصيرة نسبيًّا، ولكنها في المجمل كشفت عن سقف أكثر انخفاضًا للمفاوضات مما كان يكرره المسؤولون الإيرانيون حول انطباعاتهم عن سير عملية التفاوض حتى الآن.

قال ترمب بوضوح إنه مقتنع بأن إيران استأنفت برنامجها النووي بعد الضربات التي تلقتها منشآتها النووية، في يونيو/حزيران 2025؛ وأشار بصورة محددة، وللمرة الأولى، إلى منظومة الصواريخ الإيرانية بوصفها تهديدًا لأوروبا، وربما حتى الولايات المتحدة.

بهذا المعنى، بدا الرئيس الأمريكي وكأنه يرفض توكيدات إيران على سلمية برنامجها النووي، ويطالب بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم في إيران، وأنه يريد إدراج مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية في جدول المفاوضات. وهي المطالب التي يرفض الإيرانيون تلبيتها.

ولكن الإيرانيين، على أية حال، لم يُظهروا أي تراجع أو تردد في السعي الحثيث لمواصلة عملية التفاوض. ففي اليوم نفسه، وقبل ساعات من إلقاء الرئيس ترمب خطابه، وصل سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني، ورجل النظام القومي، على لاريجاني، إلى مسقط ليسلِّم الوسيط العماني الصيغة الأولى لمقترح إيران للاتفاق مع الأمريكيين

ويفترض أن يكون هذا المقترح هو الذي وعد الإيرانيون في جلسة التفاوض الثانية بإعداده، وأن يكون موضع مفاوضات الجلسة الثالثة.

في اليوم التالي، 25 فبراير/شباط، نُقل عن ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس ترمب للمفاوضات مع الإيرانيين، أول تصريح إيجابي عن مستقبل المفاوضات.

قال ويتكوف: إن الرئيس ترمب قد يقبل بالسماح لإيران بمستوى رمزي من التخصيب، وإنه في حال التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي، فستبدأ مفاوضات أخرى حول المنظومة الصاروخية الإيرانية. بمعنى، أن الجانب الأمريكي لم يعد يتحدث عن صفر تخصيب، المسألة التي كان يراها مسؤولون إيرانيون إهانة للجمهورية ودعوة للاستسلام؛ وأن ويتكوف يفصل بين مسار المفاوضات النووية ومسار التفاوض حول الصواريخ، بدون أن يجعل الاتفاق في المسار الثاني شرطًا للاتفاق في المسار الأول.

ما كاد ويتكوف ينتهي من حديثه حتى خرج وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في تصريحات بالغة الحدة، قال فيها: إن على إيران التخلص كلية من مقدرات البرنامج النووي، وإن ترسانتها الصاروخية تمثل تهديدًا مباشرًا على الأمن الأمريكي، وإن الولايات المتحدة لا يمكن أن تذهب إلى اتفاق تفاوضي بدون بحث ملف الصواريخ.

يوم الخميس، 26 فبراير/شباط، عقد الوفدان، الأمريكي والإيراني، جولة المفاوضات الثالثة، التي كان الرئيس الأمريكي وصفها بمفاوضات الفرصة الأخيرة، والتي يُفترض أن تشكِّل مفترق الطرق الرئيس بين التوجه نحو الاتفاق التفاوضي أو الذهاب إلى الحرب.

عُقدت الجولة الثالثة على جلستين، صباحية ومسائية، وبصورة غير مباشرة في معظمها، وانتهت بتصريحات عمانية أوحت بأن المفاوضات سارت في ظل أجواء إيجابية وأنها أحرزت تقدمًا ملموسًا.

إعلان

وفي أول تعليق على مفاوضات الجولة الثالثة، قال وزير الخارجية الإيراني: إن الطرفين تعاملوا بجدية مع قضايا التفاوض أكثر من أي مرة سابقة، وإن المفاوضات ستُستأنف على مستوى الخبراء في فيينا، يوم الاثنين 2 مارس/آذار، بحضور مسؤولي وكالة الطاقة الذرية.

كما أوحى الوزير الإيراني بأن وفدي التفاوض الرئيسين سيعودان إلى جولة رابعة ربما خلال أسبوع. وظل المسؤولون الإيرانيون يطلقون التصريحات التفاؤلية طوال الأسابيع القليلة الماضية، وتفادوا الخوض كثيرًا في تصريحات الرئيس ترمب التصعيدية وإن كرروا استعدداهم لخوض الحرب إن فُرضت عليهم.

وفي 27 فبراير/شباط، أدلى الرئيس ترمب بسلسلة من التعليقات على جولة المفاوضات الثالثة. قال ترمب إنه غير راض عن سير المفاوضات، وإن الإيرانيين لا يتحدثون بوضوح ومصداقية كافية.

وفي إشارة إلى مطالبة إيران بالاحتفاظ بمستوى منخفض من التخصيب، قال ترمب: إن الإيرانيين لديهم الكثير من النفط وإنهم ليسوا بحاجة إلى أي مستوى من التخصيب. ولكنه قال أيضًا إنه لا يريد استخدام القوة، على الرغم من إيمانه بأن اللجوء للقوة قد يكون ضروريًّا في بعض الحالات؛ وإنه سينتظر ليرى نتائج جولة المفاوضات الرابعة، يوم الجمعة 6 مارس/آذار.

وكان لافتًا في اليوم نفسه، بينما كان الرئيس ترمب يغادر واشنطن لقضاء نهاية الأسبوع في فلوريدا، صدور بيان من وكالة الطاقة الذرية في فيينا، التي شارك مديرها في جزء من مباحثات جنيف، قالت فيه إن مراقبيها يعتقدون أن إيران تحتفظ بما يزيد عن تسعة آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بمستويات مختلفة، وإنهم لا يعرفون مكان هذه الكمية الهائلة من اليورانيوم، ولا يستطيعون بالتالي توكيد مصيرها.

جملة هذه التصريحات كانت تشير إلى ترجيح الحرب، وأن خطوات حشد القوات الأمريكية في محيط إيران وجوارها، التي كانت تمضي في موازاة استمرار عملية التفاوض، كانت مؤشرًا قويًّا على ذلك. ولكن المسار التفاوضي كان يتقدم بخطى حثيثة نحو اتفاق مُرضٍ حول البرنامج النووي، على الأقل.

وقد أكدت مصادر مختلفة، بما في ذلك مصادر الوساطة العمانية، أن الإيرانيين قدموا تنازلات كبيرة في جولة التفاوض الثالثة، سيما ما يتعلق بالتخلي عن المقدرات المؤهلة لصناعة سلاح نووي، وأعربوا عن استعداد لمناقشة ملفي الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي في مراحل لاحقة من المفاوضات. كما عرض الإيرانيون فرص تعاون واستثمار كبيرة للشركات الأمريكية في مجالات النقل والاتصالات والبنية التحتية لمصادر الطاقة، بما في ذلك قطاع الغاز الإيراني.

فكيف يمكن، إذن، تفسير ذهاب الرئيس ترمب إلى خيار الحرب، بالتوافق المسبق مع الإسرائيليين؟

في خطاب الرئيس ترمب للأمة الأمريكية، الذي افتُتح بالإعلان عن الهجمات الجديدة على إيران، وحاول تسويغ خيار الحرب، ظهر الملف النووي مسألة هامشية إلى حدٍّ كبير.

كرَّس معظم خطاب الرئيس للتذكير بالعلاقات بالغة الاضطراب والتوتر بين نظام الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة طوال خمسة عقود.

وبدا وكأن الرئيس يريد القول إن إدارته لم يعد بإمكانها التعايش مع هذا النظام، بغضِّ النظر عن مسائل التفاوض. لم يغفل الرئيس بالطبع عن استعادة مقولته الكلاسيكية بأنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ولكنه لم يقدِّم للرأي العام الأمريكي أدلة مقنعة على أن إيران مصرَّة على امتلاك هذا السلاح.

أما الجزء الأهم من الخطاب، فقد جاء في نهايته، عندما توجه إلى الإيرانيين، مذكِّرًا إياهم بأن أمامهم فرصة قد لا تتكرر للتحرر والتخلص من النظام.

اتجه حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، شريك الحرب الرئيس، للإيرانيين، سيما لأبناء الأقليات التي تعرف بوجود تنظيمات معارضة مسلحة في أوساطها، مثل البلوش والأكراد، وَصَبَّ في نفس اتجاه العمل على تغيير النظام.

إعلان

وقد تجلَّت أهداف الإسرائيليين من الحرب في الاستهداف الأولي لكافة القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية بهدف القضاء على قيادة نظام الجمهورية الإسلامية الحالي.

بكلمة أخرى، هذه حرب قد تكون حول مصير الجمهورية الإسلامية نفسها، حول وجودها وحول وجهتها الإستراتيجية، ولا تتعلق بأية خلافات على الملف النووي أو الصاروخي إلا بصورة جانبية. فأية حرب، إذن، يمكنها أن تخدم مثل هذه الأهداف؟

خيارات الحرب

يصعب بالنسبة لإدارة الرئيس ترمب مواصلة هذه الحرب لأجل غير محدود، سيما أن الحرب تفتقد لدعم أغلبية الرأي العام الأمريكي، وقاعدة الرئيس الشعبية على وجه الخصوص؛ كما تثير معارضة ملموسة في مجلسي النواب والشيوخ.

أما بالنسبة للإسرائيليين، فإن الوضع يبدو مختلفًا قليلًا، ولا يُستبعد أن يعود الإسرائيليون إلى الهجوم على إيران في المستقبل، بعد انتهاء هذه الجولة من الحرب.

ولذا، فعلى الأقل من زاوية النظر الأمريكية، فيمكن أن تكون هذه الحرب قصيرة، أي تستمر لثلاثة أيام إلى أسبوع، أو طويلة نسبيًّا، وتستمر إلى عدة أسابيع، أو ربما ما يزيد عن الشهر. في كلتا الحالتين، ستستهدف الحرب كافة مناحي الجغرافيا الإيرانية، وستجري بوتيرة عالية الحدة.

في حالة الحرب القصيرة، ستستمر محاولات استهداف قيادات النظام والشخصيات البارزة من الطبقة السياسية، وكافة القيادات العسكرية وقيادات الحرس الثوري والاستخبارات. ولكن، ولأن الإيرانيين لم يُفاجؤوا بالحرب، وأن الاستهداف المبكر للقيادات السياسية والعسكرية حقق نتائج مهمة لكنها جزئية، فالأرجح أن جهدًا أقل سيتوجه لهذا الجانب من الحرب، وستُكرَّس أيام الحرب القادمة لاستهداف أنظمة الدفاع الجوي، ومنصات ومواقع إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

كما ستستهدف الهجمات الموانئ ومعسكرات الجيش والحرس والأمن والاستخبارات والقوات البحرية، ومقار القيادة والسيطرة، وعُقَد الاتصال القيادية، وما يُعتقد أنه المتبقي من المواقع النووية.

والهدف الرئيس من الحرب القصيرة ليس فقط إضعاف النظام وإرباكه، وإفساح المجال لتحرك قوى المعارضة السياسية ومنظمات المعارضة العسكرية في أطراف البلاد، ولكن أيضًا دفعه إلى الاستسلام في أية مفاوضات أو اتصالات مقبلة محتملة.

ويوحي قول الرئيس ترمب لبي بي سي مساء يوم الحرب الأول بأن لديه فكرة جيدة عمَّن يمكن أن يتولى قيادة إيران، بديلًا عن القيادة الحالية، أنه قد يراهن أيضًا على تفاهم مع جناح ما في النظام الحالي، شبيه بالتفاهم الذي توصل إليه مع خليفة الرئيس السابق، نيكولاس مادورو، في فنزويلا.

في حالة الحرب الأطول، سيتسع نطاق الهجمات لتستهدف، إضافة إلى المواقع العسكرية والأمنية والنووية ومراكز القيادة والسيطرة، مقدرات النظام الاقتصادية، ومقار الحكم والإدارة، وربما حتى المراكز الثقافية والإعلامية، بما في ذلك بعض الحوزات الدينية.

ما يعنيه الذهاب إلى هذا الخيار من الحرب هو تحطيم مفاصل النظام وتمزيقه كلية ليكون عرضة للسقوط في حال أفضت الحرب إلى تحرك واسع النطاق لقوى المعارضة السياسية والعسكرية. وهذا ما يبدو أنه التصور الأقرب لوجهة النظر الإسرائيلية.

والمؤكد أن الإيرانيين يدركون الخلل الفادح في ميزان القوى بينهم وبين الأمريكيين والإسرائيليين. ولذا، فإن الرد الإيراني، كما أصبح واضحًا من اليوم الأول، يعمل على رفع مستوى تكلفة الحرب، ومن ثم تقصير مدتها.

وليس ثمة شك في أن ردود فعل الدول العربية الخليجية، التي تعرضت لهجمات إيرانية على أهداف أمريكية، أو ما يُعتقد بأنها أهداف أمريكية، كان حادًّا وغاضبًا، سيما أن أغلب هذه الدول كان قد اتخذ موقفًا مبكرًا ضد تصعيد المواجهة، ومارس ضغطًا على إدارة ترمب لمنع الذهاب إلى الحرب.

قد تكون تقديرات الإيرانيين أنه مهما كانت كفاءة منظومتهم الصاروخية وطائراتهم المسيرة فلن يستطيعوا إيقاع خسائر في الإسرائيليين والأمريكيين تناظر حجم الخسائر التي تستهدف بلادهم ومقدراتهم.

لذلك قد تكون تقديراتهم ترجِّح أن إسرائيل ودول الخليج العربية، سيما البحرين والإمارات، التي تبدو الأكثر استهدافًا من الرد الإيراني، لن تستطيع تحمل شلل الحياة الذي تتسبب به الهجمات الإيرانية طويلًا. وإن نجح الإيرانيون في إغلاق مضيق هرمز، فلابد أن أثر الحرب على مجمل الاقتصاد العالمي سيكون بالغًا.

إعلان

أما إن طال أمد الحرب، وأصبح مصير النظام على المحك، فالأرجح أن تدفع إيران حلفاءها في المنطقة، سيما في لبنان والعراق واليمن، إلى التحرك، سواء لاستهداف إسرائيل ومواقع التواجد العسكري الأمريكية في الجوار، أو لإغلاق باب المندب أمام الملاحة الدولية. ولكن الظروف بالغة التعقيد التي تحيط بحلفاء إيران في الإقليم، تجعل مساهمة هذه القوى في الحرب محل شك.

رست سفن تجارية قبالة سواحل الإمارات بسبب اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، دبي، في 2 مارس 2026. (الأناضول)

عواقب الحرب

مهما كانت مآلات الحرب، فالمؤكد أن إيران ستخرج منها منهكة. وسيعتمد مستوى إنهاك النظام على المدى الذي ستذهب إليه الحرب، والنجاحات التي قد تحرزها الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

وسواء كانت هذه حربًا قصيرة أو مديدة، فمن الصعب أن تنتهي إلى إسقاط النظام. إسقاط أنظمة الدول الحديثة بالقصف المدمر لبنية الدولة، بالطبع، ليس أمرًا مستحيلًا، ولكن طبيعة تشكل وتطور النظام الإيراني تجعل من إسقاطه بدون غزو فعلي على الأرض وسيطرة خارجية على البلاد، مسألة بالغة الصعوبة.

الجمهورية الإسلامية هي بلا شك نظام أيديولوجي الأساس والبنية؛ ولكن السلطة السياسية في إيران ليست مركَّزة في يد شخص واحد أو حتى مجموعة أشخاص؛ كما أن القوات المسلحة لا تنضوي في مؤسسة عسكرية واحدة.

سياسيًّا، هناك المرشد ومكتبه، والرئيس وحكومته، ومجلس الأمن القومي، ومجلس الشورى، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس خبراء القيادة، إضافة إلى عشرات ممثلي المرشد وأئمة الجمعة. وفيما يخص القوات النظامية، هناك مئات الآلاف، موزعين على قوات الجيش (آرتش) والحرس الثوري واحتياط الحرس وأفراد أمن الداخلية ووزارة الاستخبارات، إضافة إلى شبكة الباسيج الواسعة.

وعلى الرغم من أن المسافة بين النظام وقطاع واسع من شعبه أخذت في الاتساع منذ انتفاضة 2008، فالمؤكد أن قاعدة النظام الشعبية لم تزل راسخة وواسعة الانتشار، وتمتد عبر أنحاء البلاد ومكوناته الإثنية. لذا، ففي حال أُوقِعت إصابات بالغة بمختلف مفاصل النظام ومؤسساته القيادية، فإن الاحتمال الأكثر توقعًا هو وقوع البلاد في حالة من التدافع الأهلي أكثر من الانهيار التلقائي للنظام.

مثل هذا المصير هو الذي يثير الكثير من القلق في جوار إيران العربي والإسلامي، ليس فقط لأنه ينذر بتدفق ملايين من اللاجئين إلى دول الجوار، ولكن أيضًا لأنه قد يفضي إلى انتشار العنف العابر للحدود.

لتغيير النظام لا يكفي اغتيال هذا العدد من القيادات أو ذاك، وإضعاف هذه القوة العسكرية أو تلك، وإخراج هذا العدد من المظاهرات أو إدخال هذه المجموعة المسلحة إلى بلوشستان إيران، أو منطقتها الكردية. لتغيير النظام، بدون غزو أجنبي، لابد من تطور انقسام عميق في جسمي النظام السياسي والعسكري، وانحياز قطاع واسع ووازن من الشارع لأحد طرفي الانقسام.

كما أن الحرب، مهما بلغت من اتساع وشدة، فالأرجح أنها لن تفضي إلى تدمير مقدرات إيران النووية، أو منظومتها الصاروخية.

فإن صدقت تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران عدة آلاف من كيلوغرامات اليورانيوم المخصب بدرجات متفاوتة، منها ما يزيد عن 400 كيلوغرام من المخصب بدرجة تفوق 60 بالمئة. وليس معروفًا على وجه اليقين أين حُفظت هذه الكميات الكبيرة من اليورانيوم. كما أن مواقع الصواريخ الباليستية تنتشر في كافة أنحاء مساحة إيران الهائلة، وليس فقط في الشمال والغرب وأقصى الجنوب؛ حيث تتركز الغارات الإسرائيلية والأمريكية.

وفوق ذلك، فلا تقنية تخصيب اليورانيوم ولا صناعة الصواريخ الباليستية اكتُسبت من مصادر خارجية بل هي نتاج جهود علمية إيرانية مستمرة منذ عدة عقود.

ولكن هذا لا يعني أن ما قد تُحدثه الحرب من إنهاك للنظام سيمر بلا عواقب. ستشهد إيران المنهكة والمثخنة بالجراح تراجعًا ملموسًا في نفوذها الإقليمي، مثل تراخي قبضتها على العراق أو دفع دول الخليج العربية الغاضبة لإيقاع تغييرٍ ما في اليمن، والتفاتًا أكبر من النظام للشأن الداخلي.

وإن قُدِّر للنظام الإيراني الخروج من الحرب بقدرٍ من التماسك، فسيكون عليه الاختيار بين طريقين: طريق الاستسلام للأمريكيين ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، سواء بإجراء تغييرات ما في بنية الحكم أو في توجهاته الإقليمية وتحالفاته الدولية. أو الصبر والمقاومة، والمضي في طريق إعادة البناء والإصلاح والحفاظ على الاستقلال، بما في ذلك أن يلجأ إلى محاولة تطوير السلاح النووي.

في الحالتين، ليس ثمة شك أن النظام الإيراني سيظل هدف ترمب الرئيسي ما لم تحدث تغييرات في بنية الكونغرس الأمريكي بعد انتخابات التجديد النصفي هذا العام.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

————————————–

من طهران إلى بيروت: إيران تدفع “حزب الله” إلى توسيع المواجهة الإقليمية/ رامي شفيق

لبنان يواجه “حزب الله”: قرار بحظر نشاطه ونزع سلاحه بعد فتح جبهة مع إسرائيل وسط تصعيد إقليمي خطير

2026-03-03

فجّر دخول “حزب الله” على خطّ التصعيد بين إسرائيل وإيران موجة غضب في الداخل اللبناني، وذلك على خلفية إعلان الحزب إطلاق عدد من الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، الأمر الذي دفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ قرار بحظر نشاطاته، وإلزامه بتسليم سلاحه، وحصر دوره في العمل السياسي.

وقال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الإثنين الماضي، إن “الحكومة قررت حظر نشاطات حزب الله”، معتبراً أن إطلاق الصواريخ من لبنان يُعدّ خروجاً على الاتفاق ومقررات مجلس الوزراء.

وأضاف سلام: “طلبت الحكومة من الأجهزة الأمنية تنفيذ ما ورد لمنع القيام بأي عمليات عسكرية وتوقيف منفذيها، كما طلبت من قيادة الجيش المباشرة بتنفيذ الخطة في شقّها المتعلق بحصر السلاح شمال الليطاني”.

من جهته، قال الرئيس اللبناني جوزيف عون إن الهجمات الصاروخية على إسرائيل تضرّ بجهود حكومته لتجنيب البلاد الدخول في حرب إقليمية. وأضاف عون في بيان أن “إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية فجر الإثنين الماضي يستهدف كل الجهود والمساعي التي بذلتها الدولة اللبنانية لإبقاء لبنان بعيداً عما تشهده المنطقة من مواجهات عسكرية خطيرة”.

وكان حزب الله قد أعلن قيامه برشق إسرائيل بهجمات صاروخية، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

في المقابل، نفّذ الجيش الإسرائيلي ضربات استهدفت مواقع تابعة لحزب الله في مناطق عدة من لبنان، بما في ذلك مواقع لقيادات الحزب في بيروت.

بدوره، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم بالتصفية، مؤكدًا أن الحزب سيدفع ثمن عمليته ضد إسرائيل، وأن كل من يسير على خطى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي سيواجه عقوبة قاسية، مشيراً إلى أن إسرائيل ستواصل التحرك بقوة ضد الحزب مع استمرار الحرب مع إيران.

تصعيد مشروط

وبينما تتسع رقعة الهجمات المتبادلة بين “حزب الله” وإسرائيل في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط منذ الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران السبت الماضي، ارتفعت أسعار النفط وتعطّلت حركة الطيران في المنطقة.

وفي السياق، أعلنت الرئاسة اللبنانية أن السفير الأمريكي أبلغها بأن إسرائيل لن تُصعّد عملياتها ضد لبنان ما لم تصدر أعمال عدائية من الجانب اللبناني.

هذا، وقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الاثنين الماضي، مقتل 31 شخصاً على الأقل وإصابة 149 آخرين جراء غارات إسرائيلية على لبنان أعقبت هجوماً شنه “حزب الله”، مشيرةً إلى أن نحو ثلثي القتلى سقطوا في جنوب البلاد.

في المقابل، أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه اعترض مقذوفاً أُطلق من الأراضي اللبنانية، فيما سقطت مقذوفات أخرى في مناطق مفتوحة داخل إسرائيل. كما شنت الطائرات الإسرائيلية غارات جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل “حزب الله”، حيث دوّت أكثر من عشرة انفجارات في العاصمة، مؤكدةً أنها استهدفت أيضًا عناصر بارزين في الحزب قرب بيروت.

إذًا، يمكن القول إن إطلاق “حزب الله” هجماته في هذا التوقيت لا ينبغي عزله عن أهداف إيران في توسيع رقعة الحرب وإدخال ساحات جديدة إلى مسرح الأحداث، من خلال إعادة تفعيل مبدأ “وحدة الساحات” وربط الجبهة اللبنانية مباشرة بمسار المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران.

ويحمل إعلان الحزب أن هجماته جاءت ردًا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي العديد من الرسائل؛ من بينها رسالة إلى الداخل الإيراني لتأكيد دوره الوظيفي كخط دفاع متقدم يخفف الضغط عن طهران، ويسهم في تشتيت مسار الهجوم الإسرائيلي ـ الأميركي عبر فتح جبهات إضافية تستنزف الخصوم، إلى جانب التحركات العسكرية التي تنسب إلى إيران في محيطها الإقليمي.

بيد أن هذه الخطوة تنطوي في بنيتها على تداعيات خطيرة على المستوى الإقليمي، ما دفع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى الإسراع في احتواء الموقف، تفاديًا لانزلاق البلاد عمليًا وميدانيًا إلى قلب الاشتباك بصورة أوسع وأعمق.

“حزب الله جماعة خارجة عن القانون”

في هذا السياق، يؤكد علي خليفة، مؤسس ورئيس حركة تحرر من أجل لبنان، أن ما كانوا يقولونه ويعلنونه في بياناتهم ومواقفهم السابقة أصبح اليوم قراراً تتبنّاه الحكومة اللبنانية تحت الضغط، وهو التعامل مع “حزب الله” كجماعة مسلّحة خارجة على القانون.

ويلفت الأكاديمي اللبناني في تصريحاته لـ”963+” إلى أن فارق التوقيت في اتخاذ هذا القرار كان من شأنه أن يوفّر على الجنوب والضاحية وكل لبنان ويلات إضافية وخسائر في الأرواح والمقدّرات.

كما يشدد على أن مرحلة ما سمّاه “لبننة حزب الله” قد انتهت، وكذلك شبهة اعتباره “مقاومة”، وأن زمن “الحوار” معه ومدّ الأيادي لاحتضانه قد ولّى.

غير أنه يحذر من الاكتفاء بحظر النشاطين العسكري والأمني، معتبراً أن ذلك لا يكفي، لأن “حزب الله”، برأيه، “ليس مجرد فصيل مسلح على هيئة عصابة، بل منظمة إرهابية ممتدّة، كونه جزءاً من الحرس الثوري الإيراني ويأتمر بإيران”.

ويخلص إلى أن التعامل معه بالمنطق العسكري والأمني يقتضي قطع العلاقات مع ما تبقّى من النظام في إيران، بانتظار إعادة تأسيس علاقات جديدة من دولة إلى دولة بين لبنان وحكومة انتقالية في إيران.

كما يشدد على أن ترسانة هذه المنظمة لا تقتصر على السلاح، بل تمتد إلى ما وصفه بغسيل أدمغة الأجيال، وتزيين الموت في عيون الناشئة، وذمّ الحياة عبر إشاعة أيديولوجيا دينية تُذهب العقل والتفكير وتنتقص من كرامة الإنسان واستقلال إرادته.

ويطالب خليفة الحكومة “بإعلان “زب الله منظمة إرهابية، وتعليق عمل الجمعيات والمنظمات التي يديرها إلى حين تسوية أوضاعها وإعادة تقييم أنشطتها وامتثالها للقوانين اللبنانية”.

ويلفت إلى أن مدارس المهدي والمصطفى، بحسب تعبيره، تربي الأطفال اللبنانيين على الولاء للمرشد الإيراني علي خامنئي، وتتبع مناهج مستندة إلى توصيات المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران، وتغرس مفاهيم عقائدية مرتبطة بولاية الفقيه؛ متسائلاً عن دور وزارة التربية ووزيرتها والمركز التربوي ورئيسته في هذا السياق.

كما يحذر من نشاطات ما يُعرف بـ”القرض الحسن” المالية وتعاملاته الموازية للاقتصاد الشرعي، ومن أداء مؤسسات الحزب الصحية والقضائية والإعلامية، متسائلًا عن دور الوزراء المعنيين في الرقابة والمساءلة.

ويختم مؤسس “حركة تحرر من أجل لبنان” تصريحاته بالتأكيد أن المسألة لا تتوقف عند إصدار قرار فحسب، بل إن العمل المطلوب شامل وطويل الأمد، ويحتاج إلى وعي ومعرفة وشجاعة في التنفيذ.

“حل التنظيم”

بدوره يلفت شارل جبور، السياسي اللبناني، إلى أن إطلاق “حزب الله” للصواريخ يشكّل جريمةً بحق لبنان واللبنانيين، وبحق الشيعة وجميع أبناء الوطن، كما يشير في حديثه لـ”963+” إلى أنه يتعدّى كونه مجرد خطيئة لتجاوزه الدستور والبيان الوزاري وخطاب القسم وقرارات مجلس الوزراء ومواقف رئيسَي الجمهورية والحكومة، بل يتجاوز خطيئةَ تجاوز كل ذلك.

ويوضح أن “حزب الله” اتخذ قراره عن سابق تصور وتصميم، ومن دون أي ميزان عسكري، ما أدى إلى قتل اللبنانيين، لأنه يدرك أن إطلاق هذه الصواريخ في ظل هذه الحرب هو جريمة تنحر لبنان واللبنانيين، وتقتل عمداً بيئته والبيئة اللبنانية. وبالتالي، فإن ما ارتكبه لا يمكن، إطلاقاً، تجاوزه أو التغاضي عنه.

ومن هذا المنطلق، يشير جبور إلى أن الحكومة اتخذت قرارات واضحة بحل هذا التنظيم وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية، وطلبت من الجيش اللبناني بسط سلطته على جميع الأراضي اللبنانية. ولا شك، بحسب قوله، أن ما اتُّخذ لن يبقى هذه المرة حبراً على ورق، لأن الظرف تبدّل.

ويختم جبور حديثه بالقول إننا أمام حرب ستنهي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأمام واقع لبناني لم يسبق أن عرف في تاريخه وحدة وطنية بهذا الشكل ضد “حزب الله” وضد ما قام به، وبالتالي نحن أمام واقع جديد ومعطيات جديدة ستؤدي إلى إنهاء هذه الوضعية الشاذة التي دمّرت لبنان وهدّرت قدراته

+963

————————

 حزب الله وإسناد إيران: قرار التدخل وتداعياته/ شفيق شقير

3 مارس 2026

باشرت إسرائيل، عقب عملية حزب الله، استهداف الضاحية الجنوبية والجنوب وبعلبك والبقاع، مؤكدة تهديدها السابق بأن أي هجوم من الحزب سيُقابل بضربات واسعة تستهدف بيئته الحاضنة (أسوشيتد برس).

مقدمة

أعلن حزب الله، فجر يوم 2 مارس/آذار 2026، عن استهدافه بدفعة من الصواريخ والمسيرات موقعَ “مشمار الكرمل” جنوب مدينة حيفا، “ثأرًا لدماء الإمام الخامنئي ودفاعًا عن لبنان”، واعتبر أن رده دفاعي “وعلى المسؤولين والمعنيين أن يضعوا حدًّا للعدوان الإسرائيلي/الأميركي على لبنان”. وبهذا يدخل الحزب عمليًّا إلى جانب إيران في مواجهة العملية العسكرية الأميركية/الإسرائيلية الواسعة التي تُشَنُّ عليها، والمستمرة منذ فجر يوم 28 فبراير/شباط 2026، وكان من أهم نتائجها فضلًا عن استهدفها أصولًا عسكرية للجمهورية الإسلامية وعددًا من قادتها، اغتيال رأس النظام، “المرشد الأعلى” السيد علي الخامنئي.

هذا التطور يثير سؤالين رئيسين: لماذا اختار الحزب هذه اللحظة تحديدًا للتحرك، رغم التزامه بوقف إطلاق النار مع إسرائيل منذ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024؟ وما التداعيات المحتملة لقراره في المدى المنظور؟

أسباب العملية

يمتلك حزب الله مبررات الرد على إسرائيل في أي وقت، بالنظر إلى استمرار استهدافها الأراضي اللبنانية حتى صباح الهجوم على إيران. غير أن السؤال هو: ما الذي تغيَّر الآن؟ ولماذا انتقل الحزب من سياسة ضبط النفس إلى الرد المباشر؟

يبدو أن عاملين أساسيين دفعا الحزب إلى هذا الخيار: طبيعة علاقته بإيران، وطبيعة الحرب الجارية وأهدافها وموقعه منها.

أولًا: الحزب وإيران، ولاية لا وكالة: إن الموقف المبدئي الذي عبَّر عنه حزب الله بمناسبات كثيرة، سواء في عهد أمينه العام السابق، السيد حسن نصرالله، أو الحالي، الشيخ نعيم قاسم، لا يحمل أي التباس: أن حزب الله جزء من الثورة الإسلامية في إيران، ويتبع الولي الفقيه فيها سياسيًّا ودينيًّا ووظيفيًّا. وأي دور إقليمي له لا يخرج عنها أو عن المصالح التي تحددها، بوصفها مصلحة “شرعية” وواجبة بالمعنى الديني وبكل ما يتصل به سياسيًّا.

بلغت هذه التجربة في العلاقة مع إيران ذروتها مع السيد حسن نصرالله، وتعلقت بها مصالح متبادلة للطرفين، إلى حد أنها جعلت الحزب وكأنه جزء من تعريف “الثورة الإسلامية” نفسها وأصبح مكملًا لها في المجال العربي. وفي هذا السياق، تعاظم دور الحزب الإقليمي وبلغ ذروته في الحرب السورية، إضافة إلى أدوار أقل صخبًا لكنها ذات أثر في العراق واليمن وسواهما. وتحت مسمى “محور المقاومة” احتل الحزب موقعًا مركزيًّا في محور إيران، حتى إن نصرالله بدا في بعض المحطات كمن يملك تأثيرًا وازنًا في صناعة السياسات الإقليمية، لاسيما في الجوار العربي لإيران.

انعكس هذا الدور إعادة صياغة وتعريف موقع شيعة لبنان سياسيًّا؛ إذ تحولت “ولاية الفقيه”، وبالتحديد في عهد الخامنئي (1989-2026)، إلى ثابت سياسي ديني، أعاد صياغة طريقة حياتهم اليومية الاجتماعية والدينية والسياسية. وأصبح حزب الله “النموذج” الذي يؤكد فاعلية وعالمية “نموذج” ولاية الفقيه، وفي المقابل، كان التزام إيران تجاه الحزب يجري وفق المنطق ذاته، بوصفه امتدادًا للنموذج لا مجرد وكيل ضمن شبكة وكلاء، وفق التوصيف السياسي المعتاد في مثل هذه الحالات.

في هذا السياق، يُقرأ اغتيال الخامنئي، وفق منطق الحزب، بوصفه استهدافًا لرمز ديني سياسي يتصل بهويته المباشرة، يخص شيعة لبنان كما شيعة إيران لا حدثًا إيرانيًّا خارجيًّا يمكن تحييده.

ثانيًا: التعافي والحرب الوجودية: قبل حزب الله باتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل الذي دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعد أن تكبد في الشهرين الأخيرين من حرب “إسناد غزة”، سلسلة من الخسائر أخلَّت بقدرته على الاستمرار في مواجهة إسرائيل، كان أبرزها تفجيرات أجهزة الاتصال، وخسارته معظم قيادته العسكرية العليا، ثم اغتيال أمينه العام، السيد حسن نصرالله.

لم يخلُ الاتفاق من شروط قاسية بالنظر إلى ما كان يتمسك به الحزب سابقًا، فقد تمسَّك على سبيل المثال قبل “حرب الإسناد” بخيمة على الحدود ورفض تفكيكها رغم كل تهديدات إسرائيل، إلا أنه مع هذا الاتفاق اضطر للانسحاب من كامل منطقة جنوب الليطاني، في حين احتفظت إسرائيل بحرية حركة واسعة، ووسَّعت تفسيرها للاتفاق ليشمل نزع سلاح الحزب في كل لبنان. كما لم يتمكن الحزب من القيام بردّ يتناسب مع حجم خسارته لأمينه العام.

واللافت أن حزب الله لم يتخلَّ عن تمسكه بوقف إطلاق النار، رغم أن إسرائيل لم تتوقف منذ الاتفاق عن استهداف منشآت و”ناشطين” تنسبهم للحزب، تجاوز عددهم 400 شخص، سواء جنوب الليطاني أو في مناطق أخرى، بذريعة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته القتالية.

كما أحجم عن التدخل في حرب الاثني عشر يومًا (13-24 يونيو/حزيران 2025) التي شنَّتها إسرائيل على إيران وشاركت فيها واشنطن بضرب مفاعلات نووية. لم تشكل هذه الحرب دافعًا حاسمًا للحزب كي يتدخل إلى جانب إيران، لأنه حينها كان بالكاد خرج من حرب الإسناد، ولم يكن هو ولا إيران يفضلان دخول الحزب حربًا قصيرة الأمد تستنزف ما تبقى من ترسانته الصاروخية أو من قوته البشرية التي كانت لا تزال في طور التعافي عمليًّا، وقد يحتاجها لردع إسرائيل إذا ما قررت غزوًا أو حربًا وجودية ضد حزب الله أو إيران. خاصة بعد سقوط نظام الرئيس الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024، وخسارة خط الإمداد المفتوح.

غير أن خطاب حزب الله شهد بعد الحرب الإسرائيلية على إيران تحولًا في قوته وفي مطالبه، فقد أخذ أمينه العام، الشيخ نعيم قاسم، يعلن عن تعافي الحزب بنبرة أكثر ثقة، وأنه مستعد لمواجهة إسرائيل، مع إعلان رفضه القاطع التخلي عن “السلاح” في شمال نهر الليطاني مؤكدًا أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يشمل إلا منطقة جنوب الليطاني، مع تصعيد الخطاب ضد الحكومة اللبنانية منكرًا عليها سعيها إلى حصر السلاح في كل لبنان، وأنها لم تستطع أن تلجم إسرائيل عن الاستمرار في استهدافها للأراضي اللبنانية أو أن تدفعها للانسحاب من النقاط السبع التي لا تزال تحتلها.

وجدَّد الحزب مؤخرًا وقوفه إلى جانب إيران مع تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية لها، مؤكدًا أنه “لن يكون على الحياد”. وكان لافتًا ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول فيه، قبل المواجهة الأخيرة، بأن الحزب لن يتدخل عسكريًّا إلى جانب إيران إذا ما كانت ضربات “محدودة”، لكنه سيتدخل إذا كان الهدف إسقاط النظام الإيراني أو استهداف المرشد الخامنئي.

يبدو أن مسار التعافي النسبي، على ما يحيط به من شكوك، واغتيال المرشد شكَّلا العتبة التي تجاوزت كل الحسابات السابقة. فجاء رد الحزب محدودًا ورمزيًا، من دون أي فاعلية عسكرية تذكر، وعَدَّته ردًّا “تحذيريًّا”، بما يعني أن الحزب ليس بصدد الذهاب لمواجهة شاملة بقرار منه، مع التأكيد على أنه ليس محايدًا في هذه المواجهة. كما أعطى هذه العملية أثرًا رجعيًّا وسياقًا لبنانيًّا، وأكد أنها تأتي ضمن حقه بالرد على كل ما سبق من استهداف إسرائيل له ولكوادره خلال خمسة عشر شهرًا السابقة.

أما الدلالة الأساسية لهذه الخطوة، فهي أنها تؤشر إلى أن إيران باتت تَعُد الحرب التي تُشَنُّ عليها حربًا “وجودية” أو تقترب من ذلك؛ ما يعني أن الحزب يعد نفسه معنيًّا بها على المستوى ذاته وبنفس القدر.

تداعيات قرار التدخل في الحرب

خاض حزب الله مواجهات برية لصدّ توغل إسرائيل في الأراضي اللبنانية، ودفع أثمانًا بشرية كبيرة للوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار. وسعى في مرحلة ما بعد حرب غزة، إلى طمأنة بيئته بأنه يتجنب المواجهات غير المحسوبة، ويقدّم حماية الداخل اللبناني على الانخراط الإقليمي، وكان في هذا السياق إحجامه عن التورط في أي مواجهة مع إسرائيل. لكن دخوله في هذه المواجهة ولو رمزيًّا في “حرب إسناد” لإيران، يضع هذه المعادلة على المحك. خاصة أنه لا توجد ضمانة أنه بتدخله العسكري هذا سيضيف إلى إيران قوة نوعية، وقد تكون التكلفة عليه أعلى بكثير من التكلفة التي يمكن أن يرفعها على إسرائيل.

وقد باشرت إسرائيل بالفعل باستهداف الضاحية الجنوبية والجنوب وبعلبك والبقاع بسلسلة من الضربات، وكانت قد هددت سابقًا ومرارًا بأن أي استهداف من الحزب لإسرائيل سيقابل بضربات واسعة لمناطق حاضنة الحزب، قد تقترب في قوتها التدميرية من نموذج غزة. ولن يكون خروج الحزب من هذه الحرب أيضًا بلا أثمان كبيرة، خاصة أن إسرائيل قد تتذرع بالتصعيد الحالي لاحتلال مزيد من النقاط داخل الأراضي اللبنانية أو توسع من مساحة المنطقة الحدودية العازلة أو تعمل على تكريسها بقوة أشد، فضلًا عن زيادة تحكمها بالمناطق الجنوبية، استهدافًا وتهجيرًا في إطار حربها على حزب الله، وزيادة ضغوطها على الطائفة الشيعية كما على الدولة اللبنانية.

وهو ما كانت تخشاه السلطات اللبنانية، لذلك سعت كل من الحكومة ورئاسة الجمهورية لأخذ موقف من حزب الله يؤكد فيه أنه لن يتدخل في هذه الحرب إلى أن فوجئوا ببيان حزب الله الصريح بإعلانه المسؤولية عن هذه العملية؛ ما وضع الدولة اللبنانية في موقف صعب؛ إذ لا يمكنها فرض قراراتها على حزب الله مهما كانت، ولا يمكنها أن تجبر إسرائيل على إيقاف “عدوانها” على لبنان.

ويبدو أن حركة أمل، وتحديدًا رئيسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، ليس مرتاحًا على الأقل إلى خطوة الحزب هذه، بحكم سعيه إلى تثبيت وقف إطلاق النار بما ينهي التوتر نهائيًّا جنوبًا لا بما يجدده. لهذا لم يعارض وزراؤه القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية في اجتماعها برئاسة رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزاف عون، القاضي بحظر أنشطة “حزب الله” الأمنية والعسكرية، وحصر عمله في الإطار السياسي.

يدرك بري أن تدخل الحزب في الحرب، قد يفضي إلى خسارة كل المكتسبات التي حققها الثنائي (حزب الله وأمل) للطائفة الشيعية في السياق اللبناني، في فترة تصاعد نفوذهما. وفي المقابل، فإن حركة أمل، بالنظر إلى تاريخها ونهج رئيسها البراغماتي، لن ترفض فرصة البحث عن تسوية تعزز من مصالحها ومكاسبها في الكيان اللبناني بمقابل تنازل شيعة لبنان عن دورهم الإقليمي الراهن.

لهذا يواجه الحزب لأول مرة منذ العام 2006 على الأقل، خلافًا إستراتيجيًّا مع شريكه “الثنائي” فضلًا عن احتمال خسارته لشريحة من الجمهور الشيعي، التي أصبحت أكثر رفضًا لأي مواجهة مع إسرائيل لأسباب لا تتصل بالشأن اللبناني أو مصالحهم فيه.

وقد تبدو خطوة حزب الله غريبة بالنظر إلى نتائجها المباشرة، لكنها بوجهها الآخر تعكس تقديرًا أبعد، مفاده أن حزب الله لا يملك ترف الاختيار في المشاركة في الحرب إلى جانب إيران من عدمه، لأن الحرب التي تشنها واشنطن وإسرائيل على إيران، هي من منظوره استكمال للحرب السابقة التي شنَّتها إسرائيل عليه، وستعود إليه.

وإذا كانت إسرائيل تراوح في حربها بين “الجبهات”، وتعمل على فصل الساحات وفرض شروطها على كل منها على حدة، بالتركيز على جبهة تلو أخرى، كما فعلت بين لبنان وغزة بتحييد الأول عن الثانية، فإن تحييد حزب الله عن إيران قد يكون جزءًا من إستراتيجيتها. ومن هذا المنظور، اختار الحزب إعادة وصل الجبهات في هذه الحالة بدل قبول تفكيكها، حتى لو كان الثمن مرتفعًا.

وبذلك تصبح أخطر التداعيات على حزب الله إقليميًّا، مرهونة بمصير النظام الإيراني الحالي وبمدى حفاظه على دوره الإقليمي، لأن أي تغير في بنيته أو تراجع في نفوذه، فضلًا عن احتمال انهياره، إن تحقق أيٌّ منها، سينعكس على حزب الله وربما على موقع ومكانة الطائفة الشيعية في الكيان اللبناني أو في المنطقة. وإن صمدت إيران فإن حزب الله سيحظى بفرصته لإعادة ترميم موقعه ومكانته في الداخل اللبناني، وتثبيت حضوره القيادي في الطائفة الشيعية، وسيحجز لنفسه مكانًا، ولو من وراء الستارة، على أي طاولة تفاوض إقليمية تتوسطها إيران.

نبذة عن الكاتب

باحث في مركز الجزيرة للدراسات، متخصص في شؤون المشرق العربي، والحركات الإسلامية. حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية (فرع القانون والفقه وأصوله). تغطي اهتماماته البحثية الأزمات الداخلية في المشرق العربي والنزاع العربي-الإسرائيلي، وكذلك التيارات الإسلامية السُّنِّية والشيعية، والجماعات الجهادية، ومقولاتها الفكرية والفقهية وتوجهاتها السياسية. له مشاركات وبحوث عدة، منها: حزب الله: روايته للحرب السورية والمسألة المذهبية، “علماء” التيار الجهادي: الخطاب والدور والمستقبل، الجذور الأيديولوجية لتنظيم الدولة الإسلامية، الحراك اللبناني: السياق العربي وتحديات نسخة الطائف الثالثة.

مركز الجزيرة للدراسات

———————–

هل وقعت إيران في فخ ترمب بعد الضربة الأولى؟/ يرار ديب

أفادت وكالة رويترز للأنباء بأن انفجارا هائلا دوى في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، وبالقرب من دبي، السبت 28 فبراير/شباط، وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن انفجارات دوت في العاصمة السعودية الرياض، بينما قالت إيران إنها تستهدف قواعد أمريكية في المنطقة.

وفي السياق، أعلن الطيران المدني الكويتي أن طائرة مسيرة استهدفت مساء السبت مطار الكويت الدولي، ما أسفر عن إصابات طفيفة لعدد من العاملين، وأضرار مادية محدودة في مبنى الركاب (T1). وكانت سلطات البحرين قد أعلنت أنها بدأت إخلاء منطقة الجفير، أحد أحياء العاصمة المنامة، حيث مقر الأسطول الخامس الأمريكي، الذي استُهدف بصواريخ إيرانية.

فتحت الولايات المتحدة وإسرائيل، فجر السبت، مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران عبر ضربات جوية واسعة النطاق، في تطور يعد الأخطر منذ حرب يونيو/حزيران الماضي، التي استمرت 12 يوما.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في رسالة مصورة نشرها على منصة “تروث سوشيال”، أن الجيش الأمريكي بدأ “عمليات قتالية كبرى في إيران”، وذلك بعد أسابيع من تهديدات أمريكية لطهران بعمل عسكري، وحشد قوات في الشرق الأوسط، وتعثر جولة مفاوضات غير مباشرة بوساطة عُمانية.

لا نقاش في أن هذه الجولة القتالية بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، لن تكون كسابقتها، خاصة من ناحية الأهداف التي حددها ترمب بإسقاط النظام في طهران. لهذا لم يعد مستغربا ما قاله مصدر أمني إسرائيلي عن أن كمية الذخائر والصواريخ في غارات السبت على إيران تفوق كامل ما استُهلك في حرب الـ12 يوما.

أهداف الأمريكي من الحرب واضحة، ولكن ما ليس واضحا هو الرد الإيراني، الذي عبر مسؤولوه عن خيانة أمريكية بشأن التوصل إلى تسوية.

فالإيراني، الذي رفع سقف شروط التفاوض مع الأمريكي، فاجأ ترمب شخصيا بصلابة تمسكه بالمطالب، وهذا ما رده كثيرون إلى امتلاك طهران أوراقا وجدها البعض رابحة في أي حرب ستخوضها مع أمريكا.

إعلان

رغم الضربات التي طالت منشآت طهران النووية في الحرب السابقة، فإن طهران حافظت على أوراق القوة في يدها، ولم تدفع بها كما تفعل اليوم في الساعات الأولى لبداية الحرب.

لم تمضِ ساعات على استيعاب طهران الضربات المشتركة التي طالت مراكز حيوية ومؤسسات رسمية، حتى بدأت برمي أوراقها دفعة واحدة، في دلالة على حالة القلق الوجودي التي يعيشها النظام في طهران.

ويبدو أن هذا السلوك يراد من خلاله ضبط الهجوم والعودة إلى استخدام لغة أكثر دبلوماسية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل وقعت طهران في فخ أمريكا؟

وجه الحرس الثوري الإيراني صواريخه تجاه العواصم العربية، على اعتبار أن على أراضيها قواعد أمريكية، وبات الهجوم عليها مشروعا بالنسبة إلى إيران. وإن إطلاق وابل من الصواريخ الإيرانية على هذه الدول يعد اعتداء فادحا على سيادتها، ويهدد أمنها واستقرارها.

لهذا وجد البعض أن واشنطن استطاعت الدفع بإيران لنقل معركتها من تل أبيب إلى داخل المنطقة، وتُرجم هذا في الإدانة الواسعة من دول عربية وبعض دول العالم لهذا الاعتداء، وكان أبرزها إدانة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي عبر عن موقفه بقوله إن هذا الاعتداء على السيادة العربية من قبل طهران غير مبرر.

كما أدانت وزارة الخارجية المصرية “استهداف إيران لوحدة وسلامة أراضي دول عربية شقيقة، وانتهاك سيادتها، بما في ذلك قطر، والإمارات، والكويت، والأردن، وما ينطوي على ذلك من مخاطر جسيمة تهدد أمن واستقرار الدول العربية والمنطقة برمتها”.

الانزلاق نحو الحرب الكبرى قد يكون غاية إسرائيل، على اعتبار أنها تهدف إلى الدفع بالمنطقة نحو الفوضى في سبيل إعادة بنائها بما يتناسب مع مشروعها “الشرق الأوسط الجديد”.

لهذا فإن استمرار طهران في توجيه الضربات إلى العمق العربي يعد خطأ إستراتيجيا لا يحقق سوى مصالح تل أبيب وأهدافها، في حين أن المطلوب هو توجيه الضربات إلى العمق الإسرائيلي لممارسة المزيد من الضغط بهدف إيقاف الحرب.

قصف الدول العربية ليس الورقة الوحيدة التي استخدمتها إيران منذ الساعات الأولى للحرب، فبالإضافة إلى ذلك أبلغ الحرس الثوري المعنيين بإغلاق مضيق هرمز.

وكانت وكالة رويترز قد نقلت عن أربعة مصادر تجارية أن بعض شركات النفط والتجارة الكبرى علقت شحنات النفط الخام والوقود عبر مضيق هرمز، في ظل استمرار الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران ورد طهران عليها.

يجد الإيراني في هذه الخطوة وسيلة ضرورية لممارسة المزيد من الضغط على دول الخليج العربي من ناحية تصدير النفط؛ إذ تؤكد التقارير أن حوالي 20% من صادرات النفط العالمي والخليجي تسلك مضيق هرمز.

لكنّ في استخدام هذه الورقة خطرا قد يغفل عنه الإيراني، إذ إن ذلك سينعكس سلبا على ميزانية إيران العسكرية من خلال عرقلة تصدير نفطها إلى الصين.

وتعتمد الصين بشكل حيوي على مضيق هرمز لاستيراد نفطها، حيث يمر عبره أكثر من 50% من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج العربي. وتشير التقارير إلى استيرادها ملايين البراميل يوميا (حوالي 5.4 ملايين برميل يوميا في أوائل عام 2025)، مما يجعل المضيق شريانا إستراتيجيا لأمنها الاقتصادي، لا سيما لناحية النفط الإيراني.

إغلاق المضيق من قبل الإيراني كفعل من يطلق النار على رجله، إذ يحتاج الأمريكي إلى هذا الإغلاق، فقد استعاض بالنفط الفنزويلي بعد عملية نوعية قام بها في 4 يناير/كانون الثاني الماضي، أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته.

لهذا تبدو الخطوة الإيرانية ناقصة، إذ طالت حليفتها بكين وصادرات الخليج، الأمر الذي سيسبب شرخا واضحا بين النظام في إيران ومحيطها.

على ما يبدو، وقعت طهران في فخ أمريكا، التي دفعتها إلى اللعب بأوراقها في هذه الحرب وتجريدها من نفوذها في المنطقة. ولهذا قد تكون أمريكا متجهة إلى تطبيق النموذج الفنزويلي من خلال عمليات اغتيال واسعة طالت رأس الهرم، في سبيل طرح التغيير عبر إعادة تشكيل قيادة تتناسب مع السياسة الأمريكية في المنطقة، وضمن التفاوض التام مع المحيط العربي.

فهل المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة؟ وهل للنظام في إيران أوراق سيكشفها في الأيام المقبلة تعيد خلط الأوراق جميعا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية

الجزيرة

———————

================

تحديث 02 شباط 2026

————————————

انعكاسات سورية للحرب الإقليمية في يوميها الأولين

شظايا صواريخ ومجال جوّي مغلق وإمدادات غاز مصري متوقّفة

02-03-2026

        وضعت التطورات المتسارعة سوريا في قلب تداعيات الصراع الإقليمي، بوصفها ساحة يتقاطع فوقها مسار النيران حيث تساقطت شظايا الصواريخ الإيرانية التي يتم اعتراضها إسرائيلياً في مناطق سورية عدة خلال اليومين الماضيين، وتسبَّبَ انفجارٌ في المنطقة الصناعية في السويداء بخمس ضحايا، قال «الحرس الوطني في السويداء» إنه ناتجٌ عن انفجار صاروخ إيراني.

        وفي ريف دمشق، قالت سانا إن أربعة أشخاص أُصيبوا في عين ترما مساء أمس الأحد جراء سقوط بقايا صاروخ. كما أفادت مصادر محلية بسقوط شظايا صواريخ إيرانية على أطراف الدويلعة وجرمانا قرب دمشق دون وقوع إصابات، وحطام صاروخ في أراض زراعية قرب إنخل بريف درعا، وحطام آخر بين غدير البستان والحيران بريف القنيطرة الجنوبي من دون خسائر أيضاً. وقال الدفاع المدني السوري إنه استجابَ لخمس حوادث سقوط بقايا طائرات مسيرة وصاروخ في ريفي القنيطرة ودرعا دون إصابات، داعياً إلى عدم الاقتراب من أي جسم غريب والاحتماء داخل المباني عند سماع انفجارات.

        فيما أدانت وزارة الخارجية والمغتربين الاعتداءات الإيرانية التي طالت سيادة وأمن دول عربية، وقالت إنها ترفض أي تهديد لأمنها وتدعو إلى الحوار والدبلوماسية، بحسب بيان لها أمس الأحد. وأجرى وزير الخارجية أسعد الشيباني اتصالات مع وزراء خارجية دول عربية ومع وزير الخارجية التركي ومستشار الأمن القومي البريطاني ورئيس إقليم كردستان، لبحث تداعيات الحرب. من جهته أجرى الرئيس في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع اتصالات مع ولي عهد السعودية وأمير قطر ورئيس وزراء العراق وملك البحرين، مؤكداً تضامن سوريا و«رفضها أي انتهاك لسيادة الدول العربية»، وبحث مع رئيس الوزراء العراقي السوداني ضرورة «تغليب الحلول السياسية».

        من جهة أخرى، حذّرت السفارة الأميركية في سوريا المواطنين الأميركيين من تصاعد الأعمال القتالية في الإقليم، أول أمس السبت، وأكدت أنها غير قادرة على تقديم أي خدمات قنصلية روتينية أو طارئة عبر مقراتها في إسطنبول وبيروت، وهي التي كانت ترعى مصالح الأميركيين في سوريا. وأوضح التحذير أن جمهورية التشيك تُمثل المصالح الأميركية دبلوماسياً في سوريا، وأن على الأميركيين المحتاجين لمساعدة طارئة الاستعانة بقنوات الطوارئ المتاحة عبر التمثيل التشيكي، أو التواصل مع السفارة الأميركية في عمّان، وفق الإشعار نفسه. ودعت السفارة رعاياها إلى متابعة المستجدات الأمنية والتقيد بإرشادات السلامة، في ظل اتساع نطاق الضربات الإقليمية وانعكاسها على المجال الجوي والتنقل، من دون أن تقدم تقديراً لعدد الأميركيين الموجودين داخل البلاد. وجاء التنبيه ضمن سلسلة رسائل مشابهة مرتبطة بتطورات عسكرية إقليمية متسارعة.

        كما ألغت الخطوط الجوية السورية جميع رحلاتها المجدولة من وإلى مطاري دمشق وحلب «حتى إشعار آخر»، ودعت المسافرين إلى عدم التوجه إلى المطار، بحسب ما نقلته وكالة سانا عن الشركة أول أمس السبت. وبالتزامن، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي إغلاقاً مؤقتاً للممرات الجوية الجنوبية في الأجواء السورية لمدة 12 ساعة بدءاً من الساعة 12:00 ظهراً بتوقيت دمشق يوم السبت.

        ولاحقاً، أعلنت الهيئة استمرار إغلاق المجال الجوي أمام حركة الطائرات وتعليق الإقلاع والهبوط في جميع المطارات لمدة 24 ساعة إضافية اعتباراً من بداية اليوم الإثنين، وبررت ذلك بالتطورات الأمنية واعتبارات أمن الطيران. وأوضحت الهيئة أنها تتابع الوضع على مدار الساعة وستعلن أي تحديث عبر القنوات الرسمية. كما أشارت الشركة إلى إمكان إعادة الحجز أو استرداد قيمة التذاكر.

        فيما قالت وزارة الخارجية والمغتربين بأنها تتابع أوضاع مواطنين سوريين عالقين في مطار الملكة علياء الدولي في الأردن بعد توقف حركة الطيران، وقالت إنها أمّنت إقامة لجميعهم وعددهم 60 مواطناً، ووجهت فرقها لمتابعة تفاصيل المسألة، بحسب تصريح لإدارة الإعلام في الوزارة للإخبارية السورية الرسمية صباح اليوم. وأضافت الإدارة أن السفارة تواصلت مع الجهات المعنية في الأردن لبحث حل سريع، وأنه جرى الاتفاق على نقل المسافرين براً إلى دمشق عبر معبر نصيب وتأمين وصولهم.

        وفي سياق متصل، قال مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش إن حركة الطيران عبر مطارات لبنان والأردن وسوريا متوقفة، وإن الجانب التركي لا يسمح حالياً بعبور السوريين مزدوجي الجنسية الذين وصلوا إلى سوريا عبر المطارات أو من خلال لبنان والأردن، كما يمنع الأجانب من استخدام المنافذ البرية للعبور إلى المطارات التركية.

        وعلى صعيد آخر أوقفت مصر ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً إلى سوريا ولبنان عبر خط الغاز العربي، بعد تَوقُّف الإمدادات الإسرائيلية التي كانت تتلقاها من حقلي تمار وليفياثان في شرق المتوسط، بحسب مسؤول حكومي تحدث لقناة الشرق أمس الأحد، وقال المسؤول إن توقف الغاز الإسرائيلي دفع القاهرة إلى توجيه الكميات التي تستقبلها عبر البحر للاستهلاك المحلي، بعدما أوقفت إسرائيل توريد نحو 1.1 مليار قدم مكعب يومياً لمصر و300 مليون قدم للأردن كإجراء احترازي عقب هجومها على إيران، بحسب المصدر نفسه. وأوضح أن مصر كانت قد اتفقت مع سوريا ولبنان على تسييل شحنات لصالحهما ثم ضخ 100 مليون قدم مكعب يومياً خلال أشهر الشتاء، على أن تضخ سوريا 50 مليون قدم مكعب إلى لبنان من حقولها الشمالية، لكن هذه الترتيبات تجمدت بسبب نقص الإمدادات.

موقع الجمهورية

—————————

هل ينجح النظام الإيراني في إنقاذ نفسه؟/ حسام عيتاني

النظام الايراني الحالي وان افتقد الى التأييد الشعبي العارم، الا ان ركائزه ما زالت سليمة الى هذا الحد او ذاك

02 مارس 2026

التعقيد المقصود للنظام السياسي في إيران يمنح المسؤولين هناك هامشا واسعا للمناورة وصوغ التسويات والحفاظ على مكاسب مختلف الأطراف في خريطة الحكم المتشابكة. ويبدو أن المؤسسة السياسية الإيرانية ستلجأ في الأيام المقبلة إلى كل ما يوفره النظام من فرص للعمل على ترميم النظام والحد من الخسائر التي تسبب بها الهجوم الأميركي–الإسرائيلي المشترك.

هناك أولا تعدد المجالس التي تهتم بتوجيه السلطة وإدارتها على المستويات التشريعية والرقابية والانتخابية. فمن “مجلس صيانة الدستور” إلى “مجلس خبراء القيادة” الى مجلس “تشخيص مصلحة النظام” تبدو الصلاحيات متداخلة وقابلة للنقاش والخلاف. مهمة المجلسين الاولين الرقابة على دستورية أعمال مجلس الشورى (البرلمان)، واختيار “المرشد” في حال وفاة الأخير أو استقالته. وفي موازاة هذين المجلسين هناك “مجلس تشخيص مصلحة النظام” وله دور تشريعي لتجاوز أي خلاف قد يظهر بين البرلمان وبين “مجلس صيانة الدستور”.

بمزيج من التعيين من قبل “المرشد” والانتخاب الشعبي المباشر والاقتراح من أعضاء مجالس أخرى، يجري اختيار أعضاء المجالس تلك، لكن على نحو لا يترك المجال لأية خيوط أن تفلت من بين يدي “المرشد” الذي يشرف بدوره على مؤسسة كبيرة تضم مستشارين في الأمن والاقتصاد والشؤون الخارجية وغير ذلك.

“المجلس القيادي المؤقت”- الذي أعلن رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني أنه سيتولى إدارة البلاد إلى أن يجتمع “مجلس خبراء القيادة” لاختيار “مرشد” جديد- هو هيئة دستورية تضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وفقيه يتولى تمثيل “مجلس صيانة الدستور”. ووفق المناصب الحالية سيضم المجلس الرئيس مسعود بزشكيان باعتباره رئيس الجمهورية، وغلام حسين ​محسني ​أجئي وهو رئيس السلطة القضائية. وقد انتدب “مجلس صيانة الدستور” علي رضا أعرافي ليشارك في “مجلس القيادة المؤقت”.

بذلك، يكون فرعا السلطة التنفيذية والقضائية قد تمثلا في “مجلس القيادة”، إضافة إلى المؤسسة الدينية بشخص أعرافي الذي سينقل في الوقت ذاته صوت السلطة التشريعية. ولا بد هنا من لفت الانتباه إلى أن النظام في إيران لا يتبع الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وفق النموذج التقليدي الغربي حيث يبقى حق النقض مصانا في يد “المرشد” في كل الشؤون. يضاف الى ذلك ان اعرافي من ابرز المرشحين لتولي منصب الولي الفقيه في حال تمكنت السلطات الايرانية من انجاز الاجراءات اللازمة. وهو من المحسوبين على التيار المحافظ.

ولا ريب في أن مشاكل عدة ستعترض عمل “المجلس القيادي”. منها أن أمور التسيير اليومي للدولة محصورة منذ شهور في يد علي لاريجاني، الرجل الذي حاز ثقة “المرشد” السابق علي خامنئي بعدما تنقل بين مختلف أجهزة الدولة منذ انتصار الثورة الإيرانية في 1979، وشارك في الحرب العراقية–الإيرانية في صفوف “الحرس الثوري”، وظل على الخط المحافظ الموالي لخامنئي منذ أن كان الأخير يشغل منصب رئيس الجمهورية. ومن غير المعروف كيف ستدار العلاقات بين أطراف السلطة الجديدة وكيف سترسم الحدود في ما بينها.

ومن المشكلات التي سيواجهها المجلس الجديد أيضا، حقيقة أن عددا من أعضاء “صيانة الدستور” قد قتل في الهجمات الإسرائيلية–الأميركية في الوقت الذي لا يُعرف فيه مصير عدد آخر من الأعضاء. وسيخضع تعيين ممثلي أجهزة الدولة- التي عادة ما يتولى مسؤولوها المشاركة في أعمال “مجلس الصيانة”، مثل الجيش و”الحرس الثوري”- للإجراءات الداخلية، ما قد يؤخر بدء أعمال القيادة الجديدة.

في المقابل، تبدو المسألة هذه قابلة للتجاوز حيث اتخذت السلطات الإيرانية إجراءات وقائية ضد أي فراغ محتمل، وتعزز هذا التوجه بعد “حرب الاثني عشر يوما” بتعيين بدلاء لكل مسؤولي الصفين الأول والثاني في المواقع جميعها وبغض النظر عن حساسيتها، بما يضمن استمرار نشاط المؤسسات حتى لو سقط أكثر من مسؤول فيها.

لكن ما يصعب التكهن بكيفية الخروج منه هو حال الانسداد الكامل في المجالين الاقتصادي والدبلوماسي. فمعروف ان احتجاجات الشهرين الماضيين سببها الانهيار القياسي للعملة الايرانية ما اعطى اشارة الى ان الاقتصاد لم يعد يحتمل المزيد من الضغوط وان الحكومة لم يعد لديها المزيد من الاوراق لتخرجها من أكمامها. وظهر ذلك في استقالة الحاكم السابق للمصرف المركزي الايراني محمد رضا فرزين. واستبدال المسؤولين في الصفوف الأولى ليس علاجا ناجعا في ظل ازمة بنيوية تتعاون في صناعتها العقوبات الدولية الخانقة وانعدام الرؤية المستقبلية والوظيفة الاقليمية والدولية للدور الايراني وسيطرة “الحرس الثوري” على جزء كبير من الاقتصاد.

من جهة ثانية، لا يبدو من التصريحات الأخيرة المنشورة للمسؤولين الإيرانيين أنهم سيُظهرون أي تراخٍ أو انفتاح في الشهور القليلة المقبلة على الأقل، وأن القبضة الأمنية التي واجهت مظاهرات الاحتجاج على تدهور الوضع المعيشي في يناير/كانون الثاني الماضي، ستكون أعنف في حال تحولت مظاهر الابتهاج بمقتل خامنئي التي شهدتها بعض شوارع المدن الإيرانية إلى مسعى للإطاحة بالسلطة، أو بدا أن هناك من يبدي استجابة لنداء الرئيس دونالد ترمب بإكمال ما بدأه الهجوم الجوي والصاروخي والاستيلاء على السلطة من خلال المظاهرات في الشارع. ذلك أن الحرب لم تتوقف بعد ولا زال النظام يقاتل أعداء الخارج، ومن غير المنطقي أن يبدو أي تساهل في الداخل قبل وقف إطلاق النار.

وغني عن البيان أن استهداف الغارات لمقرات الأجهزة الأمنية وقادتها يرمي إلى إضعاف كل محاولة لإحياء أدوات السيطرة والإخضاع التي اعتمد الحكم عليها في العقود السابقة. لكن ضرب أجهزة الأمن بهذه القسوة ليس ضمانة بعدم تشكل أدوات بديلة تعمل على إبقاء النظام واقفا على قدميه، سواء من “الباسيج” أو ما يشبهه.

مهما يكن من أمر، وفي الوقت الذي لا تتوقف فيه الغارات الإسرائيلية والأميركية على مقرات النظام وعُقد اتصالاته وسيطرته، سيكون من المجازفة الاعتقاد بأن النظام سيسقط بضربات جوية فحسب. فالاختراقات الأمنية التي أظهر اغتيال خامنئي (في مقره ولدى ترؤسه اجتماعا لكبار قادة الدولة)، أنها لم تعالَج منذ حرب يونيو/حزيران الأخيرة، أو أن الأميركيين والإسرائيليين تجاوزوا محاولات العلاج التي بذلتها الأجهزة الإيرانية، لا تكفي- على الرغم من فداحتها وخطرها- لإزاحة النظام الذي تغلغل في العقود الخمسة الماضية في المجتمع والهيئات الاقتصادية والذي لم يفقد كامل قاعدته الشعبية على الرغم من الضربات التي تلقاها في الداخل والخارج.

والغالب على الظن أن ثمة شبها سيظهر في عملية انتقال السلطة إلى “المرشد” الجديد، إذا قيد للنظام الحالي النجاة من الحرب ومن الضغوط الاقتصادية والسياسية الهائلة التي يتعرض لها. ذلك أن علي لاريجاني قد يكرر الدور الذي أداه الرئيس الراحل علي أكبر هاشمي الذي دفع بخامنئي إلى سدة الزعامة العليا على الرغم من معرفة الجميع أن خامنئي غير مؤهل وفق مواد الدستور لتولي المنصب. وهو ما قاله خامنئي ذاته في كلمته التي رفض فيها ترشيح نفسه ليكون “المرشد” بعد آية الله الخميني. قبل أن يعود ويقبل بالتزامن مع سلسلة طويلة من المناورات والتسويات والحلول الوسط مع المؤسسة الدينية ومراكز القوى التي كانت صاحبة سطوة في 1989 عند وفاة الخميني.

ولا مفر أيضا من جلاء الصورة وانقشاع دخان القصف واتضاح حصيلة ولو أولية للقتال الأخير وحساب الخسائر والأرباح التي سيتكبدها وسيجنيها كل من الأطراف المنخرطة في الجولة الحالية من القتال. وبديهي أن النظام سيتعرض لاختبارات قاسية تتناول قدرته على تقديم التنازلات والتخلي عن أسلوبه الدائم في التذاكي على خصوم الداخل والخارج والامتناع عن تقديم اقتراحات إصلاحية فارغة يعرف هو قبل غيره استحالة إقدامه عليها.

فالنظام الايراني الحالي وان افتقد الى التأييد الشعبي العارم، الا ان ركائزه ما زالت سليمة الى هذا الحد او ذاك ومنها قاعدته الشعبية في الاوساط الريفية والفقيرة والسمات العملية التي تتسم بها آلية التسيير اليومي لشؤون الدولة. اما القدرة على ابقاء الحرب لأمد طويل وخوض قتال على جبهات عدة ومن دون وجود امدادات عسكرية مفتوحة، فهي امور ستجعل لاريجاني ومن معه في القيادة الانتقالية يفكرون مليا في التوصل الى نوع من الهدنة ولو بشروط تفرض عليهم تخفيف اطباقهم على الحريات العامة.

ويضاف إلى كل ذلك أن احتمال سقوط النظام- الذي يدفع ترمب ونتنياهو في اتجاهه بقوة- لا يزال مفضلا عند صف طويل من الدول الغربية، فيما تمنع تحققه السريع جملة من العوامل الداخلية في انتظار نضوج الظروف.

المجلة

——————-

 الحرب على إيران ردع أم محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.. ماذا عن سوريا؟/ صهيب جوهر

2026.03.02

لم يعد ممكناً التعامل مع المواجهة الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران باعتبارها جولة عسكرية تقليدية. اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في 28 شباط 2026 نقل الصراع من مستوى استهداف القدرات إلى استهداف رأس النظام نفسه. الضربة لم تكن موجهة إلى منشأة أو منصة إطلاق فحسب، بل إلى المركز الرمزي والسياسي الذي كان يمسك بخيوط التوازن داخل الجمهورية الإسلامية.

لكن، وعلى الرغم من ضخامة الحدث، لا تشير التقديرات الإسرائيلية والغربية إلى انهيار وشيك للنظام. في تل أبيب، تتقاطع القراءة الأكاديمية مع التقييم العسكري، أن إيران ليست نظاماً هشاً يسقط برحيل خامنئي. الحديث يدور عن دولة كبيرة، تملك مؤسسات متجذرة، وأجهزة أمنية وعسكرية مترابطة قمعية، وقاعدة أيديولوجية لا تزال فاعلة. بعض التقديرات الإسرائيلية تذهب إلى حد القول إن لكل قائد تم اغتياله بدائل متعددة جاهزة داخل المنظومة.

إذن، المسألة ليست “هل يسقط النظام فوراً؟”، بل “هل يبدأ مسار تآكل بطيء نتيجة الضربات والفراغ القيادي؟”.

واشنطن… خطاب عسكري محدود وسقف سياسي مفتوح

في حين يتصرف الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفق معادلة مركّبة. على المستوى العملياتي، يعلن أن الهدف هو تحييد “تهديدات وشيكة”، خصوصاً فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية، ومنصات الإطلاق، وشبكات الوكلاء. لكن في خطابه السياسي، يتجاوز هذا السقف عندما يخاطب الإيرانيين داعياً إياهم إلى “استعادة دولتهم” بعد انتهاء الضربات.

هذا التباين ليس ارتباكاً، بل آلية إدارة صراع. إذا نجحت الضربات في فرض ردع جديد، تستطيع الإدارة الأميركية تقديم العملية كتحرك دفاعي محدود. وإذا تعثّر الردع أو اتسعت المواجهة، يبقى الباب مفتوحاً أمام رفع السقف والحديث عن تغيير سياسي داخل إيران.

المعضلة هنا أن طهران لا تقرأ الخطاب بهذه البراغماتية. من منظورها، أي إيحاء بتغيير النظام يُحوّل الحرب من مواجهة ردعية إلى معركة بقاء، وهو ما يرفع احتمالات التصعيد ويُقلص فرص التسوية السريعة.

إسرائيل.. الرهان على الإضعاف لا على الضربة القاضية

في المقابل، تبدو إسرائيل أقل غموضاً في تعريف أهدافها. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لطالما اعتبر أن جوهر المشكلة ليس فقط في سلوك إيران الإقليمي، بل في طبيعة النظام نفسه. لذلك تُقرأ العمليات الحالية في إسرائيل كفرصة لإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط.

الجيش الإسرائيلي يتحدث عن مراحل واضحة، مرحلة أولى تستهدف الصواريخ الباليستية، ومنصات الإطلاق، ومخازن التصنيع، وقيادات عسكرية مركزية. المرحلة التالية قد تمتد إلى منشآت أكثر حساسية، إذا استمر التصعيد. في حين نشرت مواقع إسرائيلية أن هناك “خطة مبرمجة” لتوزيع الأهداف بين واشنطن وتل أبيب، بحيث يتكامل العمل العسكري بين الطرفين.

لكن داخل إسرائيل نفسها، لا يسود اعتقاد بأن الضربات الجوية وحدها ستُسقط النظام. السؤال الذي يشغل المحللين هناك هو، ماذا عن اليوم التالي؟ ماذا عن مخزون اليورانيوم المخصب؟ ماذا عن مئات الصواريخ التي لم تُستهدف بعد؟ هذه الأسئلة تعكس إدراكاً بأن المعركة لم تُحسم بعد، وأن بنك الأهداف لا يعني بالضرورة نهاية الخطر.

طهران.. إدارة الصدمة وإدارة المخزون

على الجانب الإيراني، يبدو أن الردّ لم يكن ارتجالياً رغم اغتيال خامنئي. التقارير الإسرائيلية تشير إلى أن إطلاق الصواريخ بدأ سريعاً، ما يدل على أن طهران كانت قد أعدّت سيناريو الرد المسبق. لكن اللافت هو طريقة إدارة الرد، عبر رشقات متتالية بعدد محسوب، وليس موجات كثيفة دفعة واحدة.

هذه الاستراتيجية توحي بأن إيران لا تريد حسم المعركة في أيام، بل إدارة حرب طويلة النفس. وفي الوقت ذاته، تعمل على تجنّب “عتبة القتل الجماعي” التي قد تُجبر واشنطن على توسيع الحرب بشكل جذري. إضافة إلى ذلك، تلوّح طهران بخيارات رمادية: هجمات سيبرانية، ضغط على الملاحة، أو تحريك ساحات غير تقليدية.

السؤال الحاسم هنا: هل تعتبر القيادة الجديدة أن الحرب تستهدف قدراتها، أم بقاءها؟ الجواب سيحدد سقف الرد.

من المؤشرات اللافتة في الجانب الإسرائيلي تشديد الرقابة العسكرية. فإلى جانب منع نشر مواقع سقوط الصواريخ، يجري حظر نشر نسبة الاعتراض وعدد الصواريخ التي تصل إلى العمق. الهدف المعلن هو منع إيران من تقييم فعالية ضرباتها وتحسين دقتها.

هذا الإجراء يعكس إدراكاً بأن المعركة ليست فقط في السماء، بل في إدارة المعلومات. فالحرب النفسية، وصورة “النجاح” أو “الاختراق”، لا تقل أهمية عن عدد الصواريخ الفعلي.

سوريا بعد سقوط النظام السابق.. خارج المعادلة المباشرة

في هذه الحرب، تبدو سوريا للمرة الأولى منذ أكثر من عقد خارج الاصطفاف الإيراني المباشر. سقوط النظام البائد وصعود إدارة جديدة برئاسة أحمد الشرع لم يغيّرا فقط التوازن الداخلي، بل أنهيا عملياً البنية العسكرية الإيرانية التي كانت متجذّرة في البلاد. لم يعد هناك حضور للحرس الثوري، ولا غرف عمليات مشتركة، ولا ميليشيات عابرة للحدود تتحرك بغطاء رسمي. البنية التي استُخدمت لسنوات كذراع متقدمة لإيران في شرق المتوسط تم تفكيكها سياسياً وأمنياً.

لكن غياب الوجود الرسمي لا يعني انتهاء المخاطر. القلق الحقيقي اليوم لا يتعلق بعودة إيرانية عسكرية علنية، بل بمحاولات أكثر خطورة، عبر تجنيد خلايا نائمة، استقطاب عناصر محلية عبر شبكات مالية أو أيديولوجية، أو استثمار روابط قديمة في بعض المناطق التي شهدت وجوداً إيرانياً كثيفاً خلال السنوات الماضية. مثل هذا السيناريو لا يحتاج إلى قواعد عسكرية أو أرتال مسلحة، بل إلى مساحات أمنية رخوة يمكن العمل من خلالها.

التحول في دمشق جعل الدولة السورية الجديدة أمام اختبار سيادي مزدوج. فمن جهة، هناك حاجة واضحة لإثبات أن الأراضي السورية لن تعود منصة صواريخ أو مسيّرات أو رسائل إقليمية بالنيابة عن أي طرف. ومن جهة أخرى، هناك تحدي تفكيك الإرث الأمني لشبكات تراكمت خلال سنوات الحرب، والتي قد تحاول بعض الأطراف إعادة تنشيطها في لحظة اضطراب إقليمي.

إقليمياً، يدرك الفاعلون أن استخدام سوريا كورقة رد غير مباشر سيضعها في موقع حساس للغاية. أي نشاط عسكري ينطلق من أراضيها — حتى لو كان محدوداً — سيعيد إدخالها في معادلة الاستهداف الإسرائيلي وحجة جديدة لتوسيع إسرائيل لعملياتها في جنوبي سوريا، وهو ما تسعى دمشق إلى تجنّبه بأي ثمن. لذلك، من المتوقع أن نشهد تشدداً أمنياً استباقياً، ومراقبة دقيقة لأي تحركات مالية أو تنظيمية يمكن أن تشير إلى محاولة إعادة بناء نفوذ إيراني غير معلن.

وفي الوقت ذاته، يضع هذا المشهد الإدارة السورية الجديدة أمام معادلة دقيقة، فهي تريد تثبيت صورة سوريا كدولة مستقلة القرار، غير منخرطة في محور إقليمي، لكنها أيضاً لا ترغب في الظهور كجزء من الاصطفاف المضاد لإيران في الحرب الدائرة. هذا التوازن سيكون أحد أهم اختبارات السياسة السورية في المرحلة المقبلة.

لذا لم تعد سوريا ساحة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران كما كانت في السنوات الماضية، لكنها قد تتحول إلى ساحة اختبار أمني صامت. الفارق أن المعركة، إن حدثت، لن تكون بين جيوش معلنة، بل بين دولة تسعى لترسيخ سيادتها وشبكات تحاول إعادة فتح نافذة نفوذ في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

إلى أين تتجه المواجهة؟

المشهد الحالي يفتح الباب أمام ثلاث احتمالات رئيسية. قد نشهد صدمة قصيرة تنتهي خلال أيام إذا شعرت طهران أن كلفة التصعيد مرتفعة، خاصة مع حساسية أسواق الطاقة. وقد تتدحرج الأمور إلى جولة تمتد أسابيع، في إطار “عضّ أصابع” متبادل قبل فتح قنوات وساطة. أما السيناريو الأخطر فهو انزلاق تدريجي إلى حرب منخفضة الشدة طويلة الأمد، تتراجع فيها الضربات الجوية الكبرى مقابل تصاعد المواجهات غير المباشرة.

لذا فاغتيال خامنئي غيّر قواعد اللعبة، لكنه لم يحسم نتيجتها. واشنطن تريد حرباً لها نهاية واضحة تفرض ردعاً جديداً. إسرائيل ترى فرصة لإضعاف استراتيجي طويل الأمد. أما طهران، فتخوض أول اختبار وجودي من دون الرجل الذي كان يمسك بخيوط النظام.

بين هذه الحسابات، تقف المنطقة أمام مرحلة قد لا تُعيد فقط رسم ميزان القوى، بل تعريف طبيعة الصراع نفسه: هل هو صراع ردع مؤقت، أم بداية تفكيك بطيء لإيران كما عرفناها خلال العقود الأربعة الماضية؟

———————

من يرسم خريطة الشرق الأوسط القادم؟/ أيمن الحداد

مارس 2, 2026

يشهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية متسارعة تعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية، في ظل محاولات القوى الفاعلة إعادة تعريف مواقعها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لتكشف عن رؤية جديدة تهدف إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي من خلال تشكيل “محور جديد” يضم الهند ودولاً عربية وإفريقية ومتوسطية، منها قبرص واليونان.

هذه الرؤية، التي تقدم نفسها كبديل عن “المحور الشيعي المنهار” و”المحور السني المتشكل”، تعبّر عن رغبة إسرائيل في استباق التحولات، ومواجهة القوى الصاعدة التي تهدد تفوقها الإقليمي.

إن توصيف نتنياهو للمحور الشيعي بالمنهار يعكس محاولة إسرائيلية لتسويق فكرة تفكك النفوذ الإيراني الإقليمي بعد الضربات التي تلقتها أذرع طهران في المنطقة وتلك التي تتلقاها الآن في عقر دارها. غير أن التركيز الإسرائيلي الفعلي ينصبّ على الحلف السني الناشئ الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان ودول أُخرى قد تكون جزء من هذا التحالف ومنها سوريا، لما يمثله من تحدٍّ استراتيجي قادر على تغيير موازين القوى.

هذا الحلف، الذي يجمع بين الثقل الاقتصادي والعسكري والديموغرافي، يشكل تهديداً مباشراً للتفوق الإسرائيلي، خاصة مع إمكانية تطوير تعاون نووي بين باكستان والسعودية، وهو ما قد ينهي مرحلة التفوق المطلق لإسرائيل ويخلق توازناً جديداً في معادلات الردع الإقليمي.

تكتسب سوريا موقعاً محورياً في هذا المشهد المعقد، إذ تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة السيد أحمد الشرع. وقد مثّل هذا التحول نقطة انعطاف حاسمة في السياسة السورية، تمثلت في القطيعة مع النفوذ الإيراني والسعي لبناء علاقات جديدة مع القوى العربية والإسلامية.

حظيت الحكومة الجديدة بدعم أميركي لافت، عبَّر عنه الرئيس دونالد ترامب بإشادته بالشرع وتأكيده على متانة العلاقات مع دمشق. وتُرجم هذا الدعم بانسحاب القوات الأميركية من قواعد استراتيجية مثل قاعدة التنف وتسليمها للجيش العربي السوري، في خطوة تعزز السيادة الوطنية وتحد من مبررات الوجود الأجنبي.

رغم هذا التحول، ما تزال إسرائيل ماضية في سياساتها التوسعية، إذ أقامت “منطقة عازلة” في الجنوب السوري بعمق يتجاوز 15 كيلومتراً، وأنشأت فيها قواعد عسكرية وبنية تحتية تعزز وجودها. كما اعتمدت على ميليشيات محلية لتأمين مصالحها الميدانية.

هذه التحركات تمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة السورية، وتهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض قبل أي تسوية مستقبلية. وتسعى تل أبيب، من خلال ما يُعرف بـ”الاتفاق الأمني” المرتقب مع دمشق، إلى شرعنة وجودها وفرض شروط مجحفة، كإنشاء منطقة منزوعة السلاح ومنحها حق التدخل العسكري في الجنوب. غير أن الحكومة السورية الجديدة، مدعومة بالحلف السني والدعم الأميركي السياسي، ترفض هذه الشروط وتصر على استعادة السيادة الكاملة على أراضيها.

في المقابل، يبرز التناقض في الموقف الأميركي الذي يجمع بين دعم الحكومة السورية الجديدة وضمان أمن إسرائيل. فواشنطن ترى في دمشق الجديدة شريكاً في مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تعتبر أمن إسرائيل ركيزة أساسية في سياستها الشرق أوسطية.

هذا التناقض يضع الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة، تتطلب موازنة مصالحها بين حلفائها التقليديين ومبادئها المعلنة حول احترام سيادة الدول. نجاح واشنطن في إدارة هذه المعادلة سيكون عاملاً حاسماً في تحديد ملامح المرحلة المقبلة ومستقبل الصراع السوري الإسرائيلي.

أما الحلف السني الجديد، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان وسوريا، فقد بدأ يكتسب ملامح قوة صاعدة قادرة على إعادة تشكيل النظام الإقليمي. فبفضل ما يمتلكه من موارد بشرية واقتصادية وعسكرية، يمكن أن يتحول إلى فاعل رئيسي في تحقيق توازن جديد في المنطقة.

إلا أن هذا الحلف يواجه تحديات متعددة، منها التباينات في المصالح الداخلية بين أعضائه، والضغوط الخارجية التي تمارسها إسرائيل وبعض القوى الغربية للحد من نفوذه. كما أن استمرار الغموض في الموقف الأميركي تجاه العلاقة من هذا الحلف وحماية إسرائيل يفرض قيوداً على قدرته في بلورة استراتيجية موحدة طويلة المدى.

في ظل هذه الاصطفافات الجديدة، تواجه سوريا جملة من التحديات. فمن جهة، يمثل الدعم الأميركي وانخراطها في الحلف السني فرصة لتعزيز استقلالها واستعادة سيادتها، خاصة مع انسحاب القوات الأجنبية من أراضيها. ومن جهة أخرى، يظل التوسع الإسرائيلي في الجنوب تهديداً مباشراً لأمنها الوطني، ويختبر مدى قدرتها على فرض إرادتها السياسية والعسكرية. كما يظل خطر عودة التنظيمات الإرهابية، مثل تنظيم داعش، قائماً، وهو ما يتطلب من دمشق تعزيز مؤسساتها الأمنية والعسكرية بالتوازي مع جهود إعادة الإعمار.

إن ما تشهده المنطقة اليوم هو صراع بين محاور تسعى إلى فرض رؤاها المتناقضة: محور إسرائيلي جديد يحاول تجاوز الاصطفافات القديمة وتثبيت الهيمنة، مقابل محور سني صاعد يسعى إلى بناء نظام إقليمي أكثر توازناً واستقلالاً. وفي قلب هذا الصراع، تقف سوريا كمختبر حقيقي لإمكانية قيام توازنات جديدة تقوم على احترام السيادة والتعاون الإقليمي.

إن نجاح الحكومة السورية الجديدة في إدارة هذه المرحلة سيعتمد على قدرتها في تعزيز تحالفاتها، وترسيخ الاستقرار الداخلي، واستثمار الدعم الدولي لبناء دولة قوية ذات سيادة.

ختاماً، يبدو أن مستقبل المنطقة، وسوريا على وجه الخصوص، سيتحدد وفق قدرة القوى الإقليمية والدولية على إيجاد صيغة توازن تضمن الأمن والسيادة للجميع، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون والتنمية بدلاً من الصراع والهيمنة.

الثورة السورية

—————————-

ما بعد النفوذ الإيراني: اختبار التفكير الاستراتيجي العربي/ وائل مرزا

مارس 2, 2026

هل يكتفي الفاعلون العرب بمراقبة عين العاصفة وهي تعيد ترتيب المشرق؟ أم يمتلكون القدرة على التفكير داخلها بمنطقٍ استراتيجي، لا تكتيكي؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بإيران أو العراق أو سوريا، وإنما بنمط التفكير الذي يحكم الفعل السياسي في المنطقة.

ففي زمنٍ يهيمن فيه التفكير التكتيكي (إدارة الأزمات اليومية، ملاحقة الأحداث، احتساب المكاسب اللحظية) تصبح لحظات التحول الكبرى أخطر ما يمكن، ببساطة، لأنها تفتح نوافذ استراتيجية، لكن من لا يرى إلا الحدث الآني لا يراها.

فالمعروف أن التفكير التكتيكي يركز على الضربة: من استُهدف؟ من ردّ؟ ما مستوى التصعيد؟ من كسب الجولة؟ أما التفكير الاستراتيجي فيبدأ من سؤال مختلف: ما البنية التي تهتز تحت الحدث؟ ما الفراغ الذي سيتشكل بعده؟ من سيملؤه؟ وكيف يمكن تحويل لحظة الاضطراب إلى إعادة تشكيل طويلة المدى؟

الفارق بين النمطين هو الفارق بين قراءة الحدث وقراءة المسار. وفي المشرق اليوم، حيث يتعرض المشروع الإيراني لضغطٍ عسكري وسياسي متصاعد داخل العراق، تتجلى هذه الثنائية بوضوح: هل ننظر إلى تراجع نفوذٍ كخبر، أم إلى الفراغ الناتج عنه كفرصة جيوسياسية؟

أحد المبادئ الأساسية في التفكير الاستراتيجي هو أن المشاريع الكبرى لا تسقط بضربة، وإنما بانسحاب البيئة التي سمحت لها بالتمدد. وهذا ما تسميه الأدبيات الاستراتيجية تفكيك منظومة النفوذ عبر تجفيف بيئتها الحاضنة.

فالشبكات العابرة للدول -كالمشروع الإيراني في العراق وسوريا ولبنان- تعيش لأنها تؤدي وظائف داخل فراغات الدولة تتمثل في الأمن، والاقتصاد، والهوية السياسية، والتمثيل الاجتماعي. ولذلك، فإن النقطة الحاسمة لا تتمثل في إضعاف الشبكة عسكرياً، وإنما في ملء الفراغ الوظيفي الذي تتركه. لأن الفراغات في الجغرافيا السياسية لا تبقى محايدة، فإما أن تملأها الدولة، أو تعود الشبكات بصيغة جديدة.

إن ما يحدث اليوم في العراق -من ضغط عسكري على الأذرع المسلحة المرتبطة بإيران، وضغط سياسي على نفوذها داخل الدولة، وتآكل سرديتها الإقليمية- يشير إلى انتقال هذه القوى من طور التمدد إلى طور الدفاع. وهذا التحول يخلق ما يمكن تسميته نافذة إعادة توازن، تستمر فترة قصيرة تتراجع فيها الشبكات قبل أن تعيد التشكل.

هذه اللحظة هي جوهر الفرصة الاستراتيجية. فالتفكير التكتيكي يراقب تراجع الخصم؛ أما التفكير الاستراتيجي فيسأل: من سيؤدي الوظائف التي كان يؤديها؟ من سيضبط الأمن المحلي؟ من سيدير المعابر؟ من سيقدم الاقتصاد البديل؟ من سيعيد تمثيل المجتمع داخل الدولة؟

من هنا، يصبح التخطيط لملء الفراغات أهم من متابعة الضربات. لأن الضربات تُربك الخصم، لكنها لا تُنهي مشروعه إذا بقيت البيئة التي يعيش فيها. أما ملء الفراغات فيحوّل التراجع إلى انحسار مستدام. وهذا هو الفرق بين إدارة الصراع وإدارة التوازن، فالأولى تتعامل مع الخصم، أما الثانية فإنها تعيد تشكيل البيئة التي يتحرك فيها.

وفي هذه اللحظة تحديداً، تنفتح نافذة استراتيجية للفاعلين العرب بالشراكة مع تركيا وسوريا الجديدة. وهي ليست نافذة صدامٍ مباشر مع إيران، وإنما نافذة هندسة توازن مشرقي مختلف يعمل على تحويل تراجع الشبكات إلى انحسار دائم عبر بناء بدائل دولة. وتركيا هنا ليست تفصيلاً، لأنها ترى أن أي فوضى عراقية–إيرانية على حدودها تهديد مباشر لأمنها القومي. فالجغرافيا التركية حساسة لأي ممرات ميليشيوية أو اقتصاد ظل عابر للحدود. لذلك فإن مصلحتها تتقاطع مع المصلحة العربية في هدف واحد يتمثل في إغلاق الفراغات قبل أن تُملأ بشبكات بديلة.

أما سوريا الجديدة، فتمثل في التفكير الاستراتيجي عقدة الجغرافيا. والدول التي تتحكم بالعقد تتحكم بإيقاع الإقليم. فالجغرافيا السورية هي التي منحت المشروع الإيراني امتداده المتوسطي، وعبرها تحول النفوذ الإيراني من نفوذ داخل العراق إلى منظومة عابرة للدول تصل إلى لبنان.

فإذا تحولت سوريا إلى دولة سيادية تضبط حدودها ومعابرها وتبني اقتصاد عبور شرعي، فإنها لا تقطع ممراً فقط، وإنما تعيد تعريف الجغرافيا السياسية للمشرق. وهذا مثال نموذجي على تحويل التحدي إلى فرصة: من ساحة نفوذ إلى منصة استقرار.

لكن الاستراتيجية لا تكتفي بإغلاق الممر؛ وإنما تفتح بديلاً. وهنا يظهر مفهوم الهندسة الاقتصادية للتوازن. فبدلاً من ارتباط العراق غرباً عبر الممر الإيراني، يمكن إعادة توجيهه عبر سوريا إلى فضائه العربي والتركي.. تجارةً، وطاقةً، وطرق إمداد، وموانئ، واستثمارات.

وعندما يصبح الاقتصاد الشرعي أكثر جاذبية من اقتصاد الشبكات، تنكمش الشبكات تلقائياً. فالمشاريع الشبكية تعيش على اقتصاد الظل؛ فإذا فقدت احتكار الفراغ الاقتصادي، فقدت قدرتها على الاستمرار.

إن الفراغ العراقي-الإيراني لا يُقرأ إلا عبر دورٍ سوريٍّ متقدّم في ملئه، لا بوصف سوريا ساحةً من ساحاته. فالدولة السورية الجديدة، بحكم موقعها الجغرافي ووظيفتها الإقليمية الممكنة، مرشحة لأن تكون منصة إعادة دمج العراق في فضائه العربي الطبيعي، وممر البدائل الاقتصادية والسيادية التي تُغلق الطريق على عودة الشبكات العابرة للدول.

ومن هنا يتحدد الدور العربي لا كتعويضٍ عن فراغٍ سوري، وإنما كاستثمار في عقدة استقرار تقودها سوريا نفسها، من خلال مشاريع طاقة وربط تجاري ولوجستي عبرها، تدعم سيادة العراق وتفتح مساراته غرباً بعيداً عن الممر الإيراني. فالتمويل الذي يُبنى حول محور سيادي سوري-عراقي يخلق تحولاً بنيوياً في توازن المشرق؛ أما التمويل الذي يتجاوز هذه العقدة، فيشتري هدوءاً مؤقتاً دون تغيير المعادلة.

ويبقى عنصر حاسم في أي تفكير استراتيجي ناجح يتعلق بالبعد الاجتماعي-السياسي. فالقوى المرتبطة بإيران في العراق تستند جزئياً إلى تمثيل داخل البيئة الشيعية. لذلك فإن ملء الفراغ لا يمكن أن يكون مواجهة مذهبية، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء شرعية الدولة داخل هذه البيئة عبر دعم قوى شيعية وطنية سيادية. فالاستراتيجية الناجحة لا تستبدل شبكة بأخرى، وإنما تسحب الحاجة إلى الشبكات أصلاً.

ما هي النتائج الإيجابية لمن يمارس هذا النمط من التفكير؟ أولاً، تحويل أزمات الآخرين إلى مكاسب بنيوية طويلة المدى. ثانياً، الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع تشكيل البيئة الإقليمية. ثالثاً، تقليل كلفة الصراع المباشر، لأن ملء الفراغ يضعف الخصم دون مواجهة. ورابعاً، بناء توازنات مستقرة لا تعتمد على لحظة عسكرية عابرة. وهذه كلها مزايا لا تتحقق في نمط التفكير التكتيكي الذي يربح جولات ويخسر الاتجاه العام.

في المقابل، سيطرة التفكير التكتيكي تعني الاكتفاء بمتابعة الضربات والتصريحات، دون رؤية ما يتشكل تحتها. وهذا ما حدث مراراً في تاريخ المنطقة على شكل تراجع مشروع نفوذ هنا، ثم عودته بصيغة أخرى لأن الفراغ بقي مفتوحاً. فالاستراتيجية، في جوهرها، هي فن منع عودة المشكلة بعد انحسارها.

وفي زمنٍ تهيمن فيه إدارة الأزمات على العقول السياسية، يصبح من يمارس التفكير الاستراتيجي قادراً على ما هو أبعد من التعامل مع الأحداث.. قادراً على تحويل العاصفة نفسها إلى فرصة لإعادة رسم الإقليم. وهذا، في النهاية، هو الفرق بين من يتحرك داخل التاريخ، ومن يكتفي بمشاهدته.

الثورة السورية

————————————–

 من مضيق هرمز إلى دمشق: كيف ترتدّ الحرب على السوق السورية؟/ دمشق – هناء غانم

الاثنين 2026/03/02

في ظل التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، تدخل المنطقة مرحلة شديدة الحساسية سياسياً واقتصادياً، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة، ويتحول أي حدث عسكري إلى عامل ضغط مباشر على الأسواق العالمية. ويقف الاقتصاد السوري، الهش أصلاً، في موقع المتلقي لارتدادات صراع لا يشارك فيه، لكنه لا يستطيع الإفلات من نتائجه.

ينطلق الجدل الاقتصادي من نقطة محورية: هل نحن أمام مواجهة قصيرة الأمد ذات تأثير نفسي مؤقت، أم أمام حرب مرشحة للاستطالة بما يشبه منطق “الفعل ورد الفعل”؟ هذا السؤال ليس نظرياً، بل يحدد شكل الاستجابة الاقتصادية المطلوبة.

هشاشة الإمدادات

من وجهة نظر رجال الأعمال، كما عبر عنها عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق في حديثه لـ”المدن”، موضحاً أن الواقع الحالي في السوق السورية لا يعكس حالة نقص حقيقية. المواد الغذائية متوفرة، والسلع الأساسية موجودة، ولا توجد مؤشرات فورية على انقطاع واسع. لكن هذه القراءة الواقعية لا تنفي القلق من الحلقة الأضعف: سلاسل الإمداد. فالحرب، حتى إن لم تطل، تؤدي فوراً إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري، وزيادة تكاليف التأمين، واضطراب جداول الشحن، ما ينعكس مباشرة على توقيت وصول البضائع وكلفتها.

المخاطر الممتدة للسيناريوهات العسكرية

في المقابل، ينظر الباحث والمستشار الاقتصادي باسل كويفي إلى المشهد من زاوية أوسع، حيث لا يقتصر الخطر على لحظة الضربة العسكرية، بل على السيناريوهات اللاحقة. فالتصعيد، برأيه، قد يكون أداة سياسية لكسر الجمود التفاوضي، لكنه يحمل في طياته احتمال الانزلاق إلى مواجهة أطول، خاصة إذا خرجت عن السيطرة وشاركت أطراف إقليمية إضافية، هنا تصبح المخاوف الاقتصادية أكثر واقعية، لا سيما في حال تعرّض الممرات البحرية الحيوية للخطر.

هرمز: الحلقة الأضعف

ويتقاطع رأي الطرفين عند نقطة شديدة الحساسية: مضيق هرمز، فإغلاق هذا المضيق، ولو جزئياً، يعني عملياً تعطّل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، صحيح أن سوريا لا تعتمد مباشرة على النفط المار عبر هرمز، لكن الاقتصاد السوري ليس معزولاً عن السوق العالمية. أي ارتفاع حاد في أسعار النفط سيؤدي إلى زيادة تكاليف الاستيراد، سواء للمحروقات أو للسلع التي يدخل النقل والطاقة في إنتاجها.

من منظور رجل الأعمال، يوضح الحلاق أن الخلل لا يظهر دائماً في نقص السلعة النهائية، بل في مدخلات الإنتاج. فالمعمل قد يحتاج إلى عشرة مكونات، تسعة منها متوفرة محلياً، بينما مكوّن واحد مستورد له فترة صلاحية قصيرة أو خصوصية تقنية. تأخر هذا المكون كفيل بتعطيل خط الإنتاج بالكامل. ومع ارتفاع تكاليف الشحن أو تأخر البواخر، يصبح الإنتاج مهدداً، حتى لو كانت الأسواق تبدو ممتلئة ظاهرياً.

ويضيف كويفي بعداً آخر للنقاش، يتمثل في الأثر غير المباشر لارتفاع أسعار الطاقة على سعر الصرف والتضخم. فزيادة كلفة الاستيراد تعني ضغطاً إضافياً على العملة، وارتفاعاً في الأسعار، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس اجتماعياً قبل أن يكون اقتصادياً. في هذا السياق، تصبح الإمدادات الطاقوية الحلقة الأخطر، لأن أي اضطراب فيها يشل قطاعات الإنتاج والنقل والزراعة معاً.

الطلب الوهمي

أحد أخطر السلوكيات التي قد تظهر في مثل هذه الظروف هو ما يسميه الحلاق “الطلب الوهمي”، فعند تصاعد المخاوف، تميل المعامل والتجار إلى مضاعفة طلباتهم من الوقود والمواد الأولية تحسباً للأسوأ. هذا السلوك الاحترازي قد يخلق نقصاً مصطنعاً في السوق، ويرفع الأسعار دون وجود أزمة حقيقية في الأساس. وإذا انتهت الحرب سريعاً، يتحول هذا الطلب المبالغ فيه إلى فائض، ما يربك السوق مرة أخرى. هنا تبرز أهمية الإدارة الهادئة ومنع الهلع الاقتصادي.

في مواجهة هذه السيناريوهات، يتفق الخبيران، وإن من منطلقين مختلفين، على أن المرحلة تتطلب إجراءات استثنائية لا تُدار بعقلية الأزمات العابرة. المطلوب ليس فقط تأمين السلع، بل إدارة الموارد بذكاء. وهذا يشمل بناء مخزون استراتيجي من المواد الأساسية، وتأمين احتياطيات وقودية، وتنويع مصادر الاستيراد، واستخدام موانئ ومسارات بديلة، حتى لو كانت أعلى كلفة على المدى القصير.

كما أن سرعة القرار تصبح عاملاً حاسماً. ففي اقتصاد الحرب، لا يكون الخيار الأرخص دائماً هو الأفضل، بل الخيار الأسرع والأكثر أماناً. شراء شحنة وقود بسعر أعلى قد يكون أقل كلفة من توقف المعامل أو انقطاع الكهرباء أو شلل النقل.

في الخلاصة، لا يمكن القول إن الاقتصاد السوري بمنأى عن تداعيات الحرب، ولا يمكن في الوقت نفسه الجزم بحجمها النهائي. كل شيء مرتبط بمدة الصراع، وبمدى اتساعه، وبمصير الممرات البحرية الحيوية. لكن المؤكد أن التحوط المبكر، وإدارة الموارد بعقلانية، والتعامل مع الخطر كاحتمال لا كذعر، هي مفاتيح تخفيف الصدمة. ففي زمن الأزمات الكبرى، لا تنجو الاقتصادات الأقوى فقط، بل تلك التي تدار بوعي وتتخذ إجراءات استباقية قبل أن تصل الأزمة إلى مرحلة الخطر

————————————–

إيران.. الثورة التي فشلت في أن تصبح دولة/ نوار نجمة

مارس 2, 2026

أخرجت الثورة الإسلامية إيران من منطق الدولة إلى منطق الثورة دون أن تعرف الخروج عبر عقود من هذه الملحمة التراجيدية المدمرة التي استنزفت كل موارد البلاد، لا بل طورت نظرياتها الثورية بأن أقصت كل شركاء النضال وانتقلت إلى تجارة تصدير الثورات دون هوية واضحة، بعدما ضاعت بين العقل الإسلامي الشيعي والعقل الفارسي، فناصبت العداء لكل من اختلف معها في هذا المنطق دون أن تجدده، فهو ذلك العداء التاريخي بين بلاد فارس وجيرانها والذي لم يستطع كل هذا الزمن أن يخرج تلك البلاد من عقدتها وعقدة الإطلالة على البحر المتوسط.

كانت كتب ماركس وأشرطة تسجيل الخميني تباع على الأرصفة في طهران بشكل متلاصق قبيل الثورة الإيرانية، وما لبث أن تحول هذا التحالف اليساري الديني المتطرف الشيطاني إلى إقصاء كامل بالسجن أو النفي، فعَبّرت تلك الثورة منذ لحظاتها الأولى عن تناقض اجتماعي وفكري كبير لم يوحده إلا عداوة الشاه. لكن أمراض الثورات عادة ما تستفحل بعد انتصارها، وخاصة بزوال العدو المشترك. وهنا كان التحدي الكبير أمام الإيرانيين في النجاح بأن يصبحوا دولة، ولكنهم فشلوا.

فشلوا في كل مشاريعهم المنتظمة ونجحوا في الفوضى ونشرها، وهم يغرقون كل يوم في شعوذة وسحر التاريخ وأمراض التعصب والتطرف، واخترعوا القضايا الكبيرة في الوقت الذي لم يناضلوا إلا للقضايا الصغيرة. رفعوا شعاراً كبيراً هو تحرير فلسطين، وانصرفوا لبناء المجتمعات الصغيرة الطائفية المريضة، حركات دون أفكار، ميليشيات لا تملك سوى البندقية، تحولت مع الزمن إلى بنادق مأجورة تخدم مشاريع لا تعرفها ولا تفهمها وتخلق لها الانقسامات والحروب مع كل شيء مجاور، حتى مع الأحياء والحارات المجاورة، حتى بين طلاب المدرسة الواحدة.

فشلت الثورة في أن تبني دولة، فبنت شيئاً يسمى جمهورية بعقل وراثي ديني متطرف فيه كل شيء إلا منطق الدولة وشعارات الجمهورية، فكان التعصب هو السلاح الذي بنيت عليه إيران، والتعصب لا يبني الأوطان وإنما يفسد الأخوة في الوطن. حولوا كل تابع لهم في الوطن العربي إلى مشروع ثورة كاذبة، واستغلوا كل المشاعر والنزوات والعواطف والأحقاد التاريخية الفارغة ليبنوا مشروعاً عبثياً دمر المنطقة وأشعلها لعدة عقود.

وكل هذه الفوضى مولتها ثروات المنطقة النفطية، فتحول النفط من وسيلة للازدهار إلى لعنة تشتري الصواريخ والمسيرات والأسلحة الفاشلة التي تقتل لكنها لا تصيب.

ثم اخترعوا إرهاب الحشاشين، فتصيدوا الرؤوس والقادة والنخب، رفيق الحريري، سمير قصير، جبران تويني… والقائمة طويلة جداً، تحت عنوان قتل رمز أفضل من قتل ألف شخص، نظرية قلعة ألموت وإرهاب الحشاشين. هذا الإرهاب الذي تسلل بيننا تحت العناوين والشعارات الكبيرة التافهة، الشعارات التي ما قتلت ذبابة إسرائيلية، لكنها أحرقت كل القرى السورية ببيوتها وبشرها ودمرت جنوب لبنان والعراق واليمن، ودمرت إيران.

فقدت ايران عبر خمسة عقود كل فرصها التاريخية بأن تصبح دولة حديثة متطورة وسخرت كل إمكانياتها المادية لخدمة العنف وانتاج ترسانة عسكرية مؤذية فشلت في أن تحمي قيادات إيران السياسية والدينية لأكثر من 48 ساعة أمام تطور التكنولوجيا العالمية.

علي شريعتي، وهو ربما احد أهم مفكري الثورة الإيرانية، والذي نُبذت أفكاره فيما بعد، كان قد حذر دائماً من الفرق بين الحداثة والحضارة وأشار في كل أفكاره إلى أن الشعوب التي لا تستغل ثرواتها في صناعة الحضارة تندثر فكرياً وتحول ثرواتها لمجرد وسيلة لشراء بضاعة مستهلكة، لكن مأساة ايران أنها اختارت أسوء أنواع البضاعة، فهي لم تحاول حتى شراء التكنولوجيا المدنية، واستطاعت عبر عقود صناعة كل أنواع الصواريخ والمسيرات، وفشلت في صناعة هاتف محمول أو سيارة تواكب العصر.

تحولت طهران إلى أكثر مدينة ملوثة في العالم، وانهار الاقتصاد والعلوم والتعليم أمام عناد قيادات مهووسة بالدماء والمؤامرات حولت مجتمعات بعض الطوائف في دول المنطقة إلى مجتمعات عسكرية تعتاش على الحروب والاغتيالات والعنتريات الفارغة.

لعب نظام الملالي دوراً كبيراً في تفريغ مجتمعات بعض الطوائف في الدول العربية من انتمائها الوطني ليتحول إلى انتماء مذهبي معاد للأوطان، فأدخلوا لبنان وسوريا والعراق واليمن في متاهات الحروب الطائفية باستعادة مشوهة لأحداث مرَّ عليها أربعة عشر قرن بعد اختراع نظرية أطلق عليها نظرية الولي الفقيه، كانت تهدف لاختراق فارسي للإسلام لتفريغه من قيمه وأخلاقياته.

لعبت كل الأوراق القذرة من داعش إلى صفقات السلاح المشبوهة مع اسرائيل، وتآمرت بنظرية تقاطع المصالح مع دولة الاحتلال على تدمير وتفكيك الدول العربية واحدة تلو الأخرى، مستعينة بحفنة من الصبيان السياسيين اختاروا أمجاداً شخصية كاذبة على حساب مصالح شعوبهم.

تحول الخليج إلى كيانات ودول تعيش في حالة القلق والخوف المستمر من الأذى القادم من الشرق ولعبت بين هذه الدول على الحبال مما اضطر هذه الدول لتنفق مليارات الدولارات استعداداً فقط ليوم يجن فيه جنون نظام الملالي فيبدأ هذه الحرب الجنونية العشوائية على مدن اختارت رفاه شعوبها على حساب الحروب.

انتهى عصر دولة الملالي حتى لو بقي هذا النظام، لكنه سيبقى ضعيفاً مفككاً غارقاً في فشله الذي يكرر نفسه كل يوم.

أخطر شيء في الثورات أن تنشئ المؤسسات وتنظم الفوضى وأن تفشل في التحول إلى دولة.

الثورة السورية

—————————

الجنوب السوري مسرح للحرب في المنطقة: شظايا صواريخ وحطام مسيّرات/ عدنان علي

02 مارس 2026

تتأثر العديد من مناطق الجنوب السوري القريبة من الأراضي المحتلة بتبعات الحرب الدائرة في المنطقة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تسقط باستمرار شظايا صواريخ وحطام طائرات مسيّرة في تلك المناطق، ما أسفر عن إصابة بعض الأشخاص بجروح. وسقطت صباح اليوم الاثنين طائرة مسيرة إيرانية في بلدة نبع الصخر، جراء تصدي جيش الاحتلال الإسرائيلي لها، دون تسجيل أي أضرار مادية أو بشرية. كما سقطت ثلاث طائرات مسيّرة إيرانية في مدينة السلام بمحافظة القنيطرة، وذلك أثناء اعتراض إسرائيلي لها في أجواء المحافظة، في مناطق متفرقة، وسط حالة من القلق بين الأهالي. وأكد فريق الدفاع المدني عقب تفقده المواقع، عدم وقوع أي أضرار بشرية أو مادية جراء الحادثة.

وفي محافظة درعا المجاورة، حلّقت مروحية إسرائيلية، صباح اليوم، على ارتفاع منخفض في أجواء بلدة عقربا بريف المحافظة، خلال عمليات جيش الاحتلال الإسرائيلي في التصدي لطائرات مسيّرة إيرانية، فيما سقطت طائرة مسيّرة إيرانية في أجواء ريف درعا. وقال الناشط محمد المسالمة لـ”العربي الجديد”، إنه منذ ساعات الصباح، أسقط جيش الاحتلال أكثر من 10 مسيّرات في أجواء المحافظة. وأعلن الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث ليل أمس الأحد، أنه استجاب لـ5 حوادث سقوط أجسام حربية في محافظتي درعا والقنيطرة، نتيجة الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل.

وقال الدفاع المدني، في بيان، إن ثلاثة حوادث سُجّلت في مدينة السلام بريف القنيطرة (بقايا طائرات مسيّرة)، وسجل حادثان في درعا، الأول قرب صوامع غرز شرقي مدينة درعا (بقايا طائرة مسيّرة)، والثاني في مدينة إنخل (صاروخ). وأوضح أن الفرق تفقدت المواقع التي سقطت فيها الأجسام الحربية، لافتاً إلى أن الأضرار اقتصرت على الخسائر المادية، دون تسجيل إصابات بشرية. وكان أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال، قد أصيبوا، ووقعت أضرار مادية في بلدة عين ترما بريف دمشق، مساء أمس الأحد، جراء سقوط بقايا صاروخ نتيجة الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران.

ونقلت وكالة “سانا” الرسمية عن مدير الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة نجيب النعسان، قوله إن المصابين، وهم أب وبناته الثلاث جرى نقلهم إلى مشفى كفر بطنا الوطني، مشيراً إلى أن إصاباتهم كانت طفيفة وتمت معالجتها على الفور. وحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح، المدنيين على عدم الاقتراب أو لمس أي جسم غريب من مخلفات الحرب أو الأجسام المتساقطة، مشيراً في تعليق له على منصة إكس، إلى أن هذه الأجسام “شديدة الخطورة، وقد تكون غير منفجرة، وتؤدي إلى عواقب كارثية”. وأضاف الصالح أن فرق الدفاع المدني في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تتوجه إلى أماكن سقوط بقايا الصواريخ والطائرات المسيّرة في عدة مواقع بدمشق وريفها، للتعامل مع أي مخاطر محتملة، وتأمين المواقع حفاظاً على سلامة المدنيين.

وجددت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث دعوتها إلى المواطنين للالتزام بإرشادات السلامة، وفي مقدمتها عدم الاقتراب من أي جسم غريب، أو حطام ساقط، و️الاحتماء داخل المباني عند سماع أصوات انفجارات، والابتعاد عن النوافذ والأسطح المكشوفة، وعدم التجمهر أو التوجه إلى أماكن سقوط الحطام، و️الإبلاغ عن أي حريق ناجم عن سقوط أجسام حربية وعن أي جسم مشبوه.

—————————-

“أنثروبيك”… شركة ذكاء اصطناعي حظرها ترمب واستخدمها جيشه ضد إيران/ ماركو مسعد

شركة في مواجهة البنتاغون… من يضع “الخطوط الحمراء”؟

28 فبراير 2026

خلال ساعات من إعلان أن الحكومة الفيدرالية الأميركية ستنهي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التي تصنعها شركة التكنولوجيا “أنثروبيك”، أطلق الرئيس دونالد ترمب هجوما جويا كبيرا في إيران بمساعدة تلك الأدوات نفسها.

وتستخدم قيادات عسكرية حول العالم، بما في ذلك القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، أداة الذكاء الاصطناعي “كلود” التابعة لشركة “أنثروبيك”. واستخدمت الأداة في تقييمات الاستخبارات، وتحديد الأهداف، ومحاكاة سيناريوهات المعارك.

وكانت الإدارة الأميركية وشركة “أنثروبيك” في خلاف منذ أشهر بشأن كيفية استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها من قبل وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)

وأمر ترمب يوم الجمعة الوكالات بوقف التعامل مع الشركة، كما صنّفت وزارة الدفاع الشركة على أنها تهديد أمني ومصدر خطر على سلسلة التوريد الخاصة بها. وجاء ذلك بعد أن رفضت الشركة السماح للبنتاغون باستخدام أدواتها في جميع السيناريوهات القانونية خلال مفاوضات العقد بين الطرفين.

ومع تدهور العلاقة بين”أنثروبيك” والبنتاغون، أبرمت وزارة الحرب الأميركية اتفاقيات لاستخدام نماذج منافسة، من بينها “تشات جي بي تي” التابعة لشركة “أوبن إيه آي”، و”إكس إيه آي” التابعة لإيلون ماسك، في بيئات سرية. وقال خبراء في الذكاء الاصطناعي إن استبدال “كلود” بهذه النماذج الأخرى سيستغرق عدة أشهر.

“لا يمكننا، وفقا لما يمليه علينا ضميرنا، الامتثال لطلبهم.” بهذه العبارة القاطعة أعلنت شركة “أنثروبيك” رفضها الانصياع لطلب وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، لتنتقل الأزمة من مرحلة المهلة والضغوط إلى مواجهة مباشرة بين واحدة من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي في العالم وأقوى مؤسسة عسكرية على وجه الأرض. لم يكن التصريح مجرد رد رسمي عابر، بل إعلان موقف يجسد الهوية التي شيدت عليها الشركة سمعتها: فهي لا تكتفي بتطوير نماذج أكثر قوة، بل تحرص على أن تظل هذه القوة ضمن حدود تراها ضرورية لحماية الإنسان، حتى إن جاء الضغط من الدولة نفسها.

على مدى سنوات، قدمت “أنثروبيك” نفسها بوصفها الصوت الأخلاقي داخل صناعة الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن نموذجها “كلود” صمم ليبقى خاضعا للسيطرة البشرية وملتزما بأعلى معايير الأمان. غير أن هذا الالتزام وجد نفسه أمام أصعب اختبار، بعدما طالب البنتاغون برفع القيود التي تحد من استخدام النموذج في بعض التطبيقات العسكرية الحساسة. بالنسبة للمؤسسة العسكرية، لم يكن الطلب مسألة تقنية فحسب، بل تعبير عن رغبة في سيطرة كاملة على نظام بات جزءا من بنيتها التكنولوجية. أما بالنسبة للشركة، فالموافقة كانت تعني التخلي عن المبدأ الذي قامت عليه.

ما يجري ليس خلافا تعاقديا عاديا، بل لحظة صدام بين منطقين متعارضين، منطق الدولة التي ترى في الذكاء الاصطناعي أصلا استراتيجيا يجب أن يخضع بالكامل لأولويات الأمن القومي، ومنطق الشركة التي تؤكد وجود خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها، حتى في مواجهة أكبر عميل محتمل. القبول كان سيمنح “أنثروبيك” موطئ قدم داخل منظومة النفوذ الدفاعي والتكنولوجي الأميركية، أما الرفض، الذي أصبح الآن أمرا واقعا، فيضعها على مسار مواجهة قد تعيد تشكيل مستقبلها، وربما تعيد رسم طبيعة العلاقة بين وادي السيليكون والبنتاغون ذاته.

جذور الأزمة

لم تتفجر الأزمة بين البنتاغون وشركة “أنثروبيك” فجأة هذا الأسبوع، بل تمتد جذورها إلى أواخر عام 2024، حين بدأ نموذج “كلود” يشق طريقه تدريجيا إلى بيئات حكومية حساسة، ضمن مبادرة أوسع أشرف عليها مكتب الذكاء الرقمي والاصطناعي الرئيس بوزارة الحرب الأميركية، في إطار ما عرف ببرنامج الذكاء الاصطناعي التوليدي التجريبي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عززت “أنثروبيك” هذا المسار عبر شراكة مع شركتي “أمازون ويب سيرفيسز” و”بالانتير”، لإتاحة النموذج داخل منصات الحوسبة الحكومية المؤمنة.

وسرعان ما تعمق التعاون؛ ففي يوليو/تموز 2025 حصلت الشركة على عقد رسمي بقيمة 200 مليون دولار مع البنتاغون لتطوير وتوفير قدرات ذكاء اصطناعي داخل البيئات الدفاعية. مثلت هذه الخطوة نقطة تحول مفصلية، إذ انتقل “كلود” من كونه أداة تخضع للاختبار إلى عنصر ضمن البنية التكنولوجية التي بدأت المؤسسة العسكرية تعتمد عليها فعليا.

آنذاك، لم ينظر إلى التطور بوصفه مثيرا للجدل، بل عد خطوة طبيعية في سياق سعي البنتاغون لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل التقارير الاستخباراتية وتسريع معالجة البيانات. وبفضل سمعته كنموذج يركز على الأمان وقابلية التحكم، أصبح “كلود” من بين الأنظمة التي تجاوزت مرحلة التجربة إلى الاستخدام داخل بعض الشبكات المرتبطة بالمؤسسة الدفاعية.

غير أن هذا التعاون الذي بدا هادئا في ظاهره، كان يحمل في طياته بذور الأزمة الراهنة. فمنذ اللحظة الأولى، تمسكت “أنثروبيك” بفرض قيود واضحة على آليات استخدام نموذج “كلود”، ولا سيما فيما يتعلق بتطبيقات المراقبة واسعة النطاق أو الاستخدامات العسكرية التي قد تعمل من دون إشراف بشري مباشر. بالنسبة للشركة، لم تكن هذه القيود مجرد بنود تعاقدية قابلة للتفاوض، بل امتداد لفلسفتها القائمة على أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة بيد الإنسان، لا بديلا عنه في القرارات المصيرية.

في المقابل، أثار هذا الموقف داخل البنتاغون إشكالية أعمق تمس جوهر مفهوم السيطرة. فالمؤسسة العسكرية، التي شرعت بالفعل في دمج “كلود” ضمن بعض بيئاتها الحساسة، وجدت نفسها أمام معادلة غير مألوفة، الاعتماد على نظام تقني متقدم لا تمتلك حياله سلطة كاملة لتحديد نطاق استخدامه. وبمعنى أكثر وضوحا، لم يكن البنتاغون مستعدا لأن يبقى مقيدا بالحصول على موافقة شركة خاصة أو الالتزام بسياساتها في لحظات عملياتية حرجة، قد تتطلب اتخاذ قرارات خلال أجزاء من الثانية، سواء في تحليل تهديد صاروخي عابر للقارات أو في التعامل مع هدف معاد داخل بيئة قتالية سريعة التغير.

من هذا المنظور، لم تعد المسألة بالنسبة للبنتاغون مرتبطة بكفاءة النموذج فحسب، بل بطبيعة السيادة على الأداة نفسها ومن يملك القرار النهائي في كيفية توظيفها.

من هذا المنظور، لم تعد القضية بالنسبة للبنتاغون مسألة كفاءة تقنية فحسب، بل مسألة سيادة وسيطرة كاملة. فالمؤسسة العسكرية اعتادت أن تمتلك القرار النهائي بشأن الأنظمة التي تعتمد عليها، بما في ذلك السيناريوهات المرتبطة بما يعرف بالأنظمة أو الأسلحة ذاتية القيادة. وهنا تحديدا برز التعارض الجوهري مع الخطوط الحمراء التي وضعتها “أنثروبيك”. عند هذه النقطة، تحول الاختلاف بين فلسفة “الذكاء الاصطناعي الآمن” ومتطلبات الجاهزية العسكرية من تباين في الرؤى إلى احتكاك مباشر، خاصة عندما اعترضت الشركة على استخدام نموذجها في عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

ظل هذا التوتر كامنا تحت السطح إلى أن بلغ ذروته هذا الأسبوع. ففي يوم الثلاثاء الماضي، استدعى وزير الدفاع قيادة الشركة إلى مقر البنتاغون، حيث وضع أمامها إنذارا نهائيا يمنحها مهلة حتى الساعة 5:01 مساء الجمعة لرفع القيود التي تحول دون الاستخدام الكامل للنموذج في التطبيقات الدفاعية. ولم يكن الأمر مجرد إجراء إداري، بل اقترن بتهديد صريح باللجوء إلى أدوات استثنائية، من بينها تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي، الذي يتيح للحكومة فرض أولوية احتياجات الأمن القومي على الشركات الخاصة، أو تصنيف الشركة كمصدر خطر في سلسلة الإمداد، وهو توصيف قد يفضي عمليا إلى عزلها عن شبكة المتعاقدين الدفاعيين.

في اليوم التالي مباشرة، الأربعاء، بدأت ملامح التصعيد تتضح بصورة لا لبس فيها. فقد تواصل البنتاغون مع كبرى شركات الصناعات الدفاعية، وفي مقدمتها “بوينغ” و”لوكهيد مارتن”، طالبا منها تقييم حجم اعتمادها على نموذج “كلود” والاستعداد لسيناريو استبداله إذا لزم الأمر. وفي موازاة ذلك، أدخل نموذج منافس طورته شركة الذكاء الاصطناعي التابعة لإيلون ماسك، المعروفة باسم “إكس إيه آي”، إلى الشبكات العسكرية المصنفة، في إشارة واضحة إلى أن البحث عن بديل لم يعد افتراضا نظريا، بل أصبح مسارا يجري تفعيله عمليا.

ثم جاء مساء الخميس، وقبل ساعات قليلة من انتهاء المهلة المحددة، ليحسم الموقف: أعلنت “أنثروبيك” رسميا رفضها طلب البنتاغون، لتدخل المواجهة مرحلة جديدة أكثر صراحة وحدة.

الاستثناء الأخير

لا يمكن قراءة قرار “أنثروبيك” برفض الامتثال لمطالب البنتاغون بمعزل عن التحولات الأوسع التي شهدتها صناعة الذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين. فقد اتجهت غالبية الشركات الكبرى إلى إعادة صياغة سياساتها بما يسمح بدرجات متفاوتة من التعاون العسكري. ففي يناير/كانون الثاني 2024، عدلت “أوبن إيه آي” سياسة الاستخدام الخاصة بها، وأزالت الحظر الصريح على الاستخدامات العسكرية، مفسحة المجال أمام توظيف نماذجها في السياقات الدفاعية والأمن القومي، ما دامت لا تستخدم لإلحاق ضرر مباشر بالبشر. وقد اعتبر ذلك التعديل تحولا لافتا لشركة لطالما قدمت نفسها بوصفها كيانا مدنيا بالأساس. وعلى نحو مشابه، تراجعت “غوغل” في عام 2025 عن تعهداتها السابقة بعدم توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة أو أنظمة المراقبة، فاتحة الباب أمام تعاون أوسع مع الجهات الدفاعية، رغم ما أثاره القرار من انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان.

ولم يقتصر هذا المسار على “أوبن إيه آي” و”غوغل”؛ إذ دخلت شركات أخرى، مثل “ميتا” و”إكس إيه آي”، في ترتيبات متنوعة تتيح استخدام نماذجها داخل البيئات الحكومية أو الدفاعية، في ظل سباق متسارع نحو العقود العسكرية التي أصبحت مصدرا رئيسا للتمويل والنفوذ في عصر الذكاء الاصطناعي. ضمن هذا المشهد، تبدو “أنثروبيك” استثناء يزداد انعزاله داخل الصناعة. فبينما اختارت شركات عدة التكيف مع متطلبات الدولة، حتى لو استدعى ذلك تعديل سياساتها المعلنة، رسمت “أنثروبيك” خطا فاصلا، متمسكة بالقيود التي ترى أنها ضرورية للحيلولة دون تشغيل تقنيتها في أنظمة تعمل من دون إشراف بشري مباشر.

هذا التباين لا يعبر عن اختلاف أخلاقي فحسب، بل يكشف عن انقسام أعمق بشأن شكل العلاقة المستقبلية بين شركات الذكاء الاصطناعي والدولة. ففي الوقت الذي قبلت فيه شركات مثل “أوبن إيه آي” و”غوغل” بأن تصبح جزءا من البنية التحتية للأمن القومي، تحاول “أنثروبيك” الحفاظ على موقعها كشركة تضع حدودا واضحة لاستخدام تقنيتها، حتى وإن كلفها ذلك الدخول في مواجهة مباشرة مع أقوى مؤسسة عسكرية في العالم.

السؤال المطروح اليوم لا يقتصر على قدرة “أنثروبيك” على الصمود في موقفها، بل يمتد إلى مدى قابلية هذا النموذج من الاستقلال للاستمرار من الأساس. فهل يمكن لشركة ذكاء اصطناعي أن تحافظ على مسافة فاصلة بينها وبين الدولة، في زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي أحد أعمدة القوة الجيوسياسية، وأضحت فيه الحكومة الأميركية- وإن لم تكن تمارس سيطرة كاملة على الصناعة- الممول الأكبر والداعم الرئيس لشركات تتسم بطموح متسارع نحو النمو والتوسع؟

رفض “أنثروبيك” الامتثال لمطالب البنتاغون لا يمكن اختزاله في كونه خلافا تعاقديا بين مورد وعميل، بل يعكس تحولا أعمق في طبيعة صناعة الذكاء الاصطناعي ذاتها. فالنماذج المتقدمة لم تعد مجرد منتجات تقنية تعرض في السوق، وإنما تحولت إلى أصول استراتيجية تتداخل مباشرة مع معادلات الأمن القومي. في هذا السياق، لم يعد التنافس يدور فقط حول تطوير النموذج الأفضل، بل حول من يمتلك الكلمة الأخيرة في كيفية توظيفه. وهنا تتعرض فكرة “الاستقلال التكنولوجي” التي طالما تبنتها شركات وادي السيليكون لاختبار حقيقي، إذ يتقلص هامش هذا الاستقلال كلما أصبحت التكنولوجيا جزءا من منظومة القوة العسكرية.

في المقابل، تكشف الأزمة عن ملامح مرحلة يمكن وصفها بعسكرة صناعة الذكاء الاصطناعي. فمع تزايد اعتماد المؤسسات الدفاعية على هذه التقنيات، ستجد الشركات نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاندماج في منظومة الدولة والتكيف مع شروطها، وإما المخاطرة بالتموضع خارجها. وقد بدأت مؤشرات هذا المسار بالفعل، إذ سارعت شركات مثل “أوبن إيه آي” و”إكس إيه آي” إلى توثيق علاقاتها مع الجهات الحكومية، في دلالة واضحة على أن العقود الدفاعية باتت عاملا حاسما في تحديد الوزن الاستراتيجي لكل شركة داخل القطاع.

غير أن هذا التحول يضع “أنثروبيك” أمام مستقبل مفتوح على احتمالات متباينة. فتمسكها بموقفها قد يمنحها مكانة فريدة كشركة حافظت على مبادئها، لكنه في المقابل قد يعرضها لكلفة استراتيجية مرتفعة. من بين السيناريوهات المحتملة فرض قيود على تعاملها مع المتعاقدين الدفاعيين، أو استبعادها تدريجيا من مشاريع حساسة، أو ملء منافسيها للفراغ الذي قد ينشأ عن غيابها. وفي صناعة يتزايد فيها الاعتماد على الموارد والشراكات الحكومية، قد يعني ذلك فقدان أحد أهم مصادر النفوذ، حتى لو واصلت الشركة تحقيق نجاحات في الأسواق المدنية.

ومع ذلك، فإن مصير “أنثروبيك” لن يتوقف على قرارها وحده، بل سيتشكل أيضا تبعا لرد فعل الدولة والسوق في لحظة سياسية دقيقة. ففي وقت تتسابق فيه كبرى شركات التكنولوجيا لكسب ود الإدارة الأميركية، عبر لقاءات متكررة واستعدادات للحصول على موافقات استراتيجية تتعلق بالبنية التحتية اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبدو موقف “أنثروبيك” استثناء لافتا. ويأتي رفضها بينما تمضي الصناعة نحو مزيد من التقارب مع الدولة، وهو اتجاه أشار إليه أيضا سام ألتمان بتأكيده استمرار السعي إلى تفاهمات أوسع مع الحكومة.

إذا نجحت “أنثروبيك” في الحفاظ على موقعها رغم هذا التحدي، فقد يثبت ذلك أن قدرا من الاستقلال لا يزال ممكنا. أما إذا أدى موقفها إلى تهميشها، فستكون الرسالة مختلفة تماما، فالطريق إلى قمة صناعة الذكاء الاصطناعي يمر، حتما، عبر بوابة الحكومة الفيدرالية. وفي الحالتين، فإن ما نشهده اليوم يتجاوز حدود شركة واحدة، ليشكل لحظة فاصلة قد تعيد تعريف العلاقة بين الابتكار التكنولوجي والسلطة السياسية في عصر الذكاء الاصطناعي.

—————————

================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى